← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قيل: صيحة (١) جبريل، وقيل: الصيحة: اسم العذاب، وقيل: هو الأمر والنداء، وقيل: لا تخلو زلزله من صياح ورياح. وذكر المفسرون أن الله سبحانه سلط عليهم حراً شديداً أخذ بأنفسهم فدخلوا البيوت فدخل عليهم البيوت فلم ينفعهم ظل ولا بناء وأنضجهم الحر، فبعث الله سحاباً (٢) فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها وظل السحابة، فنادوا: عليكم بها، فخرجوا إلى البرية فلما اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلو وصاروا رماداً، وهو عذاب يوم الظلة (٣). وقيل: أهلك مدين بالزلزلة وأصحاب الأيكة بالحر وكان شعيب ﵇ مبعوثا إليهما. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ مدينتهم. ﴿جَاثِمِينَ (٩١)﴾ ميتين. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقيموا فيها وينعموا، وأصله من المَغْنَى، والمغَاني: وهي المنازل (٤)، تقول: غَنِىَ يَغْنَى غِنَىً وغُنْياً وغُنْياناً، قال: وغَنِيتُ دهراً قبل مَجْرى داحسٍ ... لو كان للنفس اللجوجِ خلودُ (٥) آخر: ولقد تغنى بها جيرانك الـ ... ممسكو منكَ بأسبابِ الوصالِ (٦)

стр. 422

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾ الهالكين، لا كما زعموا وقالوا ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾. ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ بعد أن نزل بهم العذاب. ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ في نزول العذاب. ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى﴾ أحزن. ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ عَزَّى نفسه عنهم، وقيل: وتولى عنهم وقال حين رأى أوائل العذاب. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا﴾ يريد فكذبوه (١) فأخذنا. ﴿أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: عاقبناهم (٢)، والبأساء: الشدة في أنفسهم، والضراء: ما نالهم في أموالهم. الحسن: الجوع والفقر (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾ لكي يتضرعوا، وقيل: عاملناهم معامله الشاكّ (٤). ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ حولنا.

стр. 423

﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ الشدة والفقر. ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الراحة والغنى. ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كَثُروا. قتادة: سُرُّوا (١). الحسن: حتى سمنوا وسمنت دوابهم (٢). ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: هذه عادة الدهر، أي (٣): بعد كل خصب جدب، وبعد كل جدب خصب، فكونوا على ما أنتم عليه. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة، وهي الأخذ على غرة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ بنزول العذاب. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الشرك والمعاصي. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ لأنزلنا عليهم. ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني المطر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني النبات. أي: لوسعنا عليهم النعمة ورفعنا عنهم الجدب والقحط، وقيل: بركات السماء: قبول الدعاء، وبركات الأرض: تسهيل الحاجات (٤). ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ أي: الأنبياء. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ عاقبناهم.

стр. 424

﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ بكفرهم وسوء صنيعهم. ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ يريد الكافرين منهم. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابنا. ﴿بَيَاتًا﴾ ليلاً ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾. ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ نهاراً (١). ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ ساهون لا هون. ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ استدراجه، وقيل: عذابه، وقيل: جزاء مكرهم. ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ أي: الذين لا يؤمنون به. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يُبَيِّن. ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ يسكنون فيها وينالون من ثمارها. ﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ أي: الأمم الخالية الذين أهلكوا بقبيح فعلهم فعمل هؤلاء أعمالهم وعتوا على ربهم. ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكناهم كما أهلكنا مَنْ قَبْلَهُم. ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ نختم عليها. ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ أي: الهدى، وقيل: لا يجيبون، من قولنا: سمع الله لمن حمده. قال: دعوتُ اللهَ حتى خفتُ أَلَاّ ... يكونَ اللهُ يسمعُ ما أقولُ (٢)

стр. 425

﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ أي: قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم (١) لوط وقوم شعيب. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ نخبرك أخبارها ونبين لك آثارها. ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والدلالات والأمر والنهي. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ فيه أقوال: أحدها: أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعود إلى الرسل، تقديره: أن مجيء الرسل (٢) لم يسلب عنهم اسم الكفر والتكذيب بل بقوا كافرين مكذبين كما كانوا قبل الرسل. والثاني: أن الفعل (٣) في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لقوم، والفعل في قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾ لقوم آخرين (٤)، أي: تواطئوا على تكذيب الرسل. والثالث: لو أهلكناهم ثم أحييناهم لم يؤمنوا بما كذبوا من قبل الإهلاك، كقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. والرابع: أن الله علم منهم قبل خلقه إياهم أنهم يكفرون ويكذبون بتوحيد الله فلم يخالفوا معلوم الله فيهم. والخامس: أن المراد من قوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يوم الميثاق، أي: أضمروا التكذيب يوم أقروا بالإيمان (٥). ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أي: كما وصفنا يطبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾. ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: وفاء عهد، وهو ما عهد إليهم في الكتب، وقيل: عهد يوم الميثاق، وقيل: هو ما ركبه في العقول، وقيل: من عهد: من طاعة. ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ يريد وجدنا فأكده بإن ثم خفف (٦) وألزم بعده اللام، والكوفيون يجعلون إن للنفي واللام بمعنى إلا، وهذا لا يعرف له أصل (٧).

стр. 426

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد قوم شعيب وقوم لوط وغيرهم ممن تقدم ذكرهم. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يريد ما كان معه من المعجزات الواضحات. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ واسمه الوليد بن مصعب ابن ريان، وقيل: اسمه قابوس (١). ﴿وَمَلَئِهِ﴾ أكابر قومه. ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: كفروا بالآيات وجحدوا بها (٢). ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾ حيث صار إلى الهلاك. ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ إليك (٣). ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ جدير بأن لا أقول. ﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الصدق، قاله حين كذبه، و (حقيقٌ عليَّ) بالتشديد: واجب علي (٤). ابن حبيب: أي: حقيق عليك أن لا أقول (٥)، فصرف الخطاب (٦). وقيل: حقيق بالرسالة، وتم الكلام (٧). ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد العصا. ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾ أطلقهم ولا تستعبدهم، وكان قد استعبدهم.

стр. 427

الثعلبي (١): قال وهب (٢): كان سبب استعباد فرعون بني إسرائيل: أن فرعون موسى كان فرعون يوسف فلما توفي يوسف ﵇ وانقرضت الأسباط وكثر نسلهم غلبهم فرعون فاستعبدهم فأنقذهم الله بموسى، قال (٣): وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخل (٤) موسى رسولاً أربعمائة عام (٥). ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾ في دعواك. الزجاج: ناقض فرعون في قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] حين طالب موسى بالبيِّنة (٦). ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ يعني موسى، مِنْ يده. ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ حية عظيمة كأعظم مايكون. ابن عيسى: سمي ثعباناً لأنه يجري كَثَعْبِ الماء (٧). ﴿مُبِينٌ (١٠٧)﴾ ظاهر. فقصدت فرعون فاغرة فاها لتأخذه، فوثب ونزل من سريره وهرب منها، وأحدث، وهرب الناس، فأخذها موسى فعادت عصاً كما كانت، فعاد فرعون إلى مكانه، فقال: هل معك آية أخرى (٨). ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه. ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ لها شعاع يغلب الشمس ثم ردها إلى جيبه فعادت يده كما كانت. ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: قال فرعون وصدقه القوم. ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾ يعنونه وحيله، يسحر الناس بخداعه وأخذه عيون الناس حتى يخيل إليهم العصا حية واليد بيضاء. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ مصر. ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾ تشيرون علي أن أفعل به.

стр. 428

﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ أَخِّر أَمْرَه، وقيل: احبسه. ﴿وَأَخَاهُ﴾ هارون. وقيل: معنى ﴿أَرْجِهْ﴾ بغير همز (١): أَطْمِعْهُ (٢) ولا تقتلهما حتى يظهر كذبهما فإن قتلتهما قبل أن يظهر كذبهما ظن الكافرون أنهما صادقان. ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾ أي: الشُّرَط. ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾ حاذق. وقيل: وأرسل في مدائن مملكتك حاشرين، الذين يجمعون السحرة. والحشر: الجمع، ومنه: يوم الحشر. قال ابن عباس ﵄: إن فرعون لما رأى من سلطان الله في العصا ما رأى قال: إنا لا نغالب موسى إلا بمن هو منه، فاتخذ غلماناً من بني إسرائيل وبعث بهم إلى قرية فيها السحرة يُعلِّمون السحر كما يُعَلَّمُ الصبيانُ في المكتب، فتعلموا سحراً كثيراً وواعد فرعون موسى موعداً (٣) وبعث إلى السحرة فجاء بهم وبِمُعَلِّمِهِم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحراً لا يطيقه سحر أهل الأرض إلا أن يكون أمر من السماء، فإنه لا طاقه لهم به (٤)، ثم بعث في مملكته فلم

стр. 429

يترك ساحراً إلا أتى به (١). الكلبي: كانوا سبعين رجلاً، وقيل: اثنين وسبعين (٢). السدي: كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً (٣). عكرمة: كانوا سبعين ألفاً (٤). وقيل: ثمانين ألفاً، واسم رئيسهم شمعون (٥). ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ يريد فأرسل إليهم فحضروا. ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ مالاً وجُعْلاً ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)﴾. ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ أي: في المنزلة عندي، وقيل: أول من يدخل عَليَّ وآخر من يخرج. ﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة. ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾ لما معنا (٦). ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾ أي: قال موسى لهم: ألقوا إن كنتم محقين، وقيل: ألقوا (٧) ما يصح ويجوز.

стр. 430

﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: أرهبوهم وأفزعوهم. الزجاج: طلبوا منهم الرهبة (١). ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ ألقوا حبالاً غلاظاً (٢) وخشباً طوالاً كأنها حيات تملأ الوادي، ويحتمل أن قوله ﴿عَظِيمٍ (١١٦)﴾ تعظيم لعصا موسى كما جرت العادة في تعظيم الخصم بعد الغلبة، وقيل: ﴿عَظِيمٍ (١١٦)﴾ في عين من رآه. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ألقينا في قلبه، وقيل: جاءه جبريل. ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: فألقاها (٣) ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبلع تناولا بفيها بسرعة منها. ﴿مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ مأفوكهم (٤)، أي: الحبال والعصي وسائر ما أتوا به من الإفك، وهو الكذب، وتقديره: ما يأفكون فيه وبه، وقيل: ﴿مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾: يقلبون ويزورون على الناس، من الإفك، وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه (٥). ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: ظهر، وهو أمر الله ونبوة موسى ﵇، وقيل: قرعهم وصدعهم كوقع المِيْقَعَة (٦). ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ من السحر، وكان حمل أربعين جملاً ابتلعها عصا موسى وما نَتَا وسطها (٧).

стр. 431

﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ فغلب فرعون وجنوده والسحرة كلهم. ﴿وَانْقَلَبُوا﴾ إلى المدينة. ﴿صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ أذلاء مقهورين. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ ألقاهم الله، أي: أسرعوا ولم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين لله، وقيل: موافقة لموسى وهارون، فإنهما سجدا شكراً على وقوع الحق. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ قال فرعون: إياي تعنون (١)، قالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ فهو بدل. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بموسى، وقيل: بالله. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ من غير أمري. ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ﴾ صَنْعَةٌ. ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾ صنعتموه. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مصر. ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ بالمكر والسحر. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾ عاقبة أمركم، هذا، تهديد، ثم صَرَّحَ فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ اليد اليمنى والرجل اليسرى، وهو أول من فعل هذا (٢). ويحتمل: من (٣) أجل خلاف ظهر منكم.

стр. 432

﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ أعلقكم على خشب منصوبة. ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ بالموت فيثيبنا الله فلا نبالي بوعيدك. ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ أي: ما تنكر منا منكراً إلا إيماننا بربنا. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أنزل علينا ما يحبسنا عن الكفر وهون علينا ما يريده من عذابنا. ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ اقبضنا إليك على دين موسى وهارون. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ قال أكابر قومه له (١): ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أرض (٢) مصر بالاستعلاء فيها وتغيير (٣) دين أهلها. واللام لام العاقبة. ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ كان له أصنام يعبدها، ويعبدها قومه تقرباً إليه، ولهذا قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. قيل: كان يعبد بقرة، وإذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها (٤). أبو عبيدة عن الحسن: أنه كان يعبد تيساً (٥)، وقيل: كان في عنقه صنم صغير يعبده، وقيل: كان قبط يعبدون الكواكب ويزعمون أنها تستجيب دعاء من دعاها، وأن فرعون كان يدّعي أن الشمس استجابت له ومَلَّكَتْهُ عليهم.

стр. 433

وقراءة من قرأ (وإلاهتك) (١)، أي: عبادتك، وقيل: شمسك التي تعبدها وهي مختصة بك. وقيل: (وإلاهتك): كبار قومك. ﴿قَالَ﴾ يعني فرعون مجيباً للملأ (٢). ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ لينقطع نسلهم. ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ للاستخدام، وقد سبق (٣). ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾ غالبون. ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ فيه (٤) تسل ووعد، والأرض: مصر، وقيل: جميع الأرض، وقيل: الجنة. ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يهبها، والإرث: مصير الشيء للخلف بعد السلف. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ النصر والظفر، وقيل: السعادة والشهادة، وقيل: الجنة. وعن ابن عباس ﵄ قال: لما آمنت السحرة بموسى تبعه ستمائة ألف من بني إسرائيل (٥). ﴿قَالُوا﴾ أي: بنوا إسرائيل.

стр. 434

﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، بقتل الأبناء واستخدام البنات. ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادة القتل والإتعاب بالأعمال الشاقة كنحت الحجارة وحمل الأثقال وضرب اللبن من غير تبن وأداء الجزية والخراج. قيل: قالوها استبطاء وشكوى من فرعون (١). ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ عسى هاهنا يقين، فحقق الله ظن موسى ﵇ وفتح عليه (٢) مصر مع يوشع ومَلَّكَهُم مصر وغيرها زمن داوود وسليمان ﵍. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ أي: يعلم (٣) عملكم في الشكر والطاعة والمخالفة والعصيان، وقيل: ينظر إلى أعما لكم واقعة موجودة مستحقاً عليها الجزاء والثواب. ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ بالقحط والجدب، تقول أَسْنَت القومُ: إذا أجدبوا (٤). قال: عمرو العُلَا هَشَمَ الثريدَ لقومهِ ... ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ (٥) وجمعت لأنهم ابتلوا بها أعواما.

стр. 435

وقيل: كان سبع سنين، وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة جبراً لسقوط لامه وكُسِر الفاء دليلاً على (١) ذلك. مجاهد: السنون: الجوائح (٢). ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ بالآفات، وقيل: السنون وقعت بالبوادي وأهل المواشي، ونقص من الثمرات في القرى والأمصار. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ فينتبهون ويرجعون. ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ الخصب والنعمة والعافية والأمن. ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ ونحن نستحقها. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ قحط وألم وخوف. ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ تشاءموا بهم، وأصل ذلك أن الواحد إذا خرج في طلب أمر تفاءل بالسانح من الطير وغيره والبارح وسمي ذلك الطيرة، ومن تشاءم بشئ منه قيل: تطير. ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾ أي: هو الذي يأتي بطائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر، وسماه طائراً على اعتقادهم (٣)، وقيل: ﴿طَائِرُهُمْ﴾: أنصباؤهم من الرخاء والخصب وغير ذلك، وقيل: ﴿طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: ما يتشاءمون به من عند الله (٤) وهو العذاب في العقبى وهذا بالإضافة إلى ذلك غير مُعْتدٍّ به.

стр. 436

﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ في ﴿مَهْمَا﴾ قولان: أحدهما: أن أصله (ما) الذي للشرط زيد عليه (ما) كما يزاد مع إنْ وغيره فصار (ما ما) ثم قلب الألف همزة ثم هاء. والثاني: أن أصله (مه)، أي: دع وكف، و (ما) للشرط. وروي عن بعض أصحاب الكسائي الوقف على (مه) والمعنى: أي شيء جئتنا به لتسحر أعيننا وتشبه علينا فما نحن لك بمؤمنين، وقول (١) من قال: تقديره متى جئتنا، فسهو (٢). ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: ماء يغشى كل مكان، وذلك أن السماء أرسلت عليهم من السبت إلى السبت لم تقلع حتى تهدمت ديارهم، فسألوا موسى أن يرفع ذلك عنهم ليؤمنوا، فأنجم السحاب وهبت الريح فجفت الأرض وزكا الزرع، فقالوا: كان ذلك رحمة لا عذاباً، وقيل: دخل الماء بيوت القبط ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وقيل: الطوفان: الموت الذريع. وعن ابن عباس ﵄: أنه الغرق (٣)، وعنه أيضا: أنه أمر عظيم من أمر الله تعالى طاف بهم (٤). وقيل: هو الطوف (٥) في الأرض، وهو مصدر، كالرجحان. الأخفش: جمع طوفانة (٦).

стр. 437

وهب: هو الطاعون أرسل على أبكار آل فرعون ليلة فأقصعه (١) فلم يبق منهم إنسان، حكاه الثعلبي. أبو قلابة (٢): هو الجدري (٣)، وهم أول من عذبوا به فبقي. ﴿وَالْجَرَادَ﴾ هو المعروف. ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الدبا (٤)، وهو صغار الجراد لا أجنحة لها، وقيل: نوع من القراد وهو القَمْقَام (٥)، وقيل: هو السوس يكون في الحنطة، وقيل: البرغوث، وقيل: القَمْل (٦)، وكذلك قرأه الحسن (٧)، وقيل: دواب سود صغار. ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ جمع ضفدع، وهو المعروف، وكانت تقع في طعامهم وشرابهم حتى إذا تكلم الرجل وقع الضفدع في فِيْه. ﴿وَالدَّمَ﴾ قيل: الرعاف، وقيل: مياههم انقلبت دماً، حتى القبطي يشرب من الكوز دماً ويشرب الإسرائيلي من ذلك الكوز ماء ويمج الإسرائيلي من فيه الماء في

стр. 438

فم القبطي فينقلب دماً، ويمج القبطي في فم الإسرائيلي دماً فينقلب ماء (١). ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ مبينات، وقيل: منفصلات، وبين كل واحدة إلى الأخرى شهر. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ لم يؤمنوا مع تظاهر هذه الآيات وتتابعها. ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب الذي تقدم ذكره واحداً بعد واحد. ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بما تقدم إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك، وقيل: بما جعل لك من النبوة. ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾ سألوه أن يرفع ذلك عنهم ليؤمنوا. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ العذاب، وقيل: الموت وروى النقاش في تفسيره أن الرجز (٢) في قوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: الثلج. ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ يعني ضربوا أجلاً لإيمانهم فلما جاء الأجل نكثوا عهودهم ولم يؤمنوا. وقيل: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾: الغرق، وقيل: الموت.

стр. 439

و ﴿إِذَا﴾ في هذه الآية (١): للمفاجأة، وهو ظرف مكان، تقول: خرجت فإذا زيد، تريد: وبالحضرة زيد (٢). ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ عاقبناهم على سوء فعلهم. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ البحر، قيل: هو القلزم، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن ﴿الْيَمِّ﴾: البحر بلسان (٣) العبرانية، وليس كذلك، لقوله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقد جاء في الشعر: داوِيَّةٌ ودُجَى ليلٍ كأنهما ... يمٌّ تَراطَنُ في حافاتهِ الرومُ (٤) ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بسبب تكذيبهم آياتنا وحملهم إياها على العادات وعلى السحر. ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾ عن النقمة، وقيل: عن الآيات، أي: كانوا لا يعتبرون بها. ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ أي: يجدونهم ضعفاء، يعني بني إسرائيل، أورثهم الله ديار (٥) أعدائهم بعد أن أهلكهم. قوله: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يريد أرض الشام، لقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، والألف واللام للعهد، وقيل: عام في جميع الأرض وأنهم ملكوها زمن داوود وسليمان ﵉، وقيل: لكل قطعة أرض مشرق ومغرب يجري مجرى الحدود لها، وقيل: مشارق الأرض ومغاربها ظرف

стр. 440

لقوله: ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾، أي: يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وليست بمفعول لأورثنا. قوله ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بالماء والشجر. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قيل: نعمة ربك، وقيل: هي ما وعد الله بني إسرائيل بقوله (١): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الآيات [القصص: ٥] , وقيل: هي قول موسى ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٩] , وقيل: (كلمته): وعده، كما تقول: جاء ما قلت، ووصفه بالحسنى لأنها وعد بمحبوب. ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم على الإيمان والشدائد. ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ أي: خربنا قصورهم وأبنيتهم. والتدمير: الإهلاك وإخراب البناء. ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ يبنون. الحسن: عرش الكروم (٢). وقيل: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ يدبر في إبطال أمر موسى ﵇. ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي: عبرنا بهم البحر، وهو القلزم (٣).

стр. 441

﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ فبلغوا قرية فيها قوم يعبدون الصنم. وقيل: يعبدون تماثيل البقر، وهذا أول شأن العجل. وقيل: كانوا من العمالقة (١). وقيل: هم قبيلة لَخْم (٢)، نزلوا بالرَّقة (٣) فسألهم بنوا إسرائيل عن فعلهم فقالوا: عبادتنا لها قُربة إلى الله تعالى. ﴿قَالُوا﴾ أي: بنوا إسرائيل. ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ إن عبادة شيء مع الله سبحانه باطل. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ مهلك، من التَّبار، وأصله الكسر، ومنه التِّبْرُ (٤). ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ أي (٥): عملهم. ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أطلب لكم معبوداً غير الله، من: بغيته الشيء، أي: طلبته له. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ جعل لكم الزيادة على عَالَمِي زمانكم. ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ واذكروا ذلك.

стр. 442

﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ يحملونكم عليه ويريدونه منكم، وقد سبق (١). ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ سبق تفسيره. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ذو القعدة. ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ أي: من ذي الحجة. ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ كن خليفتي فيهم. ﴿وَأَصْلِحْ﴾ واحملهم على طاعة الله. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ لا تسلك طريق العاصين (٢)، وذلك أن الله تعالى وعد موسى أن يؤتيه كتاباً فيه بيان ما يأتون وما يذرون إذا أهلك عدوهم، فلما أهلكهم (٣) سأل موسى ربه الكتابَ فأمره بصوم ثلاثين يوماً وكان ذا القعدة، فلما صام أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خَرُّوب (٤)، فقالت الملائكة: كُنَّا (٥) نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله بصوم عشرة أيام من ذي الحجة، وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك (٦). وكانت فتنة قومه في العشر الذي زاده الله.

стр. 443

وقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] عبارة عن الوعد الأول والذي أتم به (١)، فلا تناقض بينهما والحمد لله. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (لما) علم للظرف (٢)، أي: حين جاء (٣) وكلمه ربه. والميقات: الوقت المعين للشيء، كميقات الحج. ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: أرني نفسك (٤) أنظر إليك، وقيل: مكني من رؤيتك. ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ أي: في الدنيا، وقيل: لن تقدر (٥) أن تراني. ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ وهو جبل زبير (٦). ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ بقي على حاله. ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ ظهر وبان، وقيل: تجلى مقدار إبهام من العرش، وقيل: تجلى آية من آيات الله، وقيل: خلق الله ﴿لِلْجَبَلِ﴾ قلباً وعيناً (٧). المبرد: ﴿تَجَلَّى﴾: أظهره، جعله متعدياً كالتبدل والتوعد (٨). وقيل: تجلى لأهل الجبل، يريد موسى والسبعين الذين معه.

стр. 444

﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قطعاً، وقيل: تراباً ورملاً، (١) وقيل: ساخ في الأرض، ودكاء: ملساء مستوية مع الأرض (٢). وقيل: تفرق في الأرض، فأُحُدٌ ورَضْوَي ووَرِقانُ بالمدينة، وثَوْرٌ وثَبِيرٌ وحِراءٌ بمكة منه (٣). ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ مغشياً عليه، وقيل: ميتاً، ويقوي القول الأول قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ أي: زال غَشْيُه (٤). ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من الإقدام على السؤال بغير إذن، وقيل: عن صغائري (٥). وقيل: هذا تسبيح (٦) منه على ما جرت به عادة المؤمن عند رؤية العظائم. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ بأنك لا تُرى في الدنيا، وقيل: من قومي. اختلف المفسرون في هذه الآية: فذهب بعضهم إلى نفي الرؤية ونفي الجهة، وقالوا: كلمة (لن) لنفي التأبيد، وأن الله تعالى قال لموسى في مناجاته: لست في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إلي يا

стр. 445

ابن عمران، تكلمت بكلام عظيم (١)، وأن الملائكة مرت به وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون له: يا ابن النساء الحيض: أطمعت في رؤية ربّ العزَّة (٢)، وأن موسى علم أن السؤال محال (٣) وإنما سأل ليكون الرد بحضرة قومه الذين قالوا: أرنا الله جهرة، أو سأل آية كسؤال إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأن التجلِّي كان من العرش (٤). وذهب بعض المفسرين إلى إثبات الرؤية وإثبات الجهة، وأن (لن) لنفي الرؤية في الدنيا، كقوله ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، ثم قال حكاية عنهم: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، و ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ [الحاقة: ٢٧] يعني: الموت، وذكروا ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ ما تجلى منه إلَاّ قدرُ الِخنْصَر (٥).

стр. 446

وذكروا عن أبيّ (١) عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ وضع النبي ﷺ الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، رواه حماد عن ثابت عن أنس، قال حماد لثابت: أتقول هذا؟ فضرب ثابت صدره بيده فقال: يقوله رسول الله ويقوله أنس وأنا أكتمه (٢). وذهب بعض المفسرين: إلى إثبات الرؤية ونفي الجهة (٣) وما يورث تشبيهاً، وهو مذهب أهل (٤) السنة والجماعة، والدلائل على صحته وبطلان (٥) مذهب المبتدعة يطول تعدادها، ولكل مكان مقال (٦). ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ اخترتك واستخلصتك وأخذتك صفوة على بني آدم. ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ نبوتي. ﴿وَبِكَلَامِي﴾ من غير واسطة.

стр. 447

﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ اعمل بما فيه بجد واجتهاد. ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ على ذلك. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾ فرضنا عليه. وقيل: كتبنا بالقلم. وقيل: كان كنقش الخاتم. وقيل: كتب الله التوراة بيده وأهل السموات يسمعون صرير القلم. ﴿فِي الْأَلْوَاحِ﴾ جمع لوح، وهو ما يلوح المكتوب فيه فوق غيره، وكانت عشرة أذرع (١) على طول موسى، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وكانت ألواحه من زبرجد، وقيل: من ياقوت أحمر. الحسن: من الخشب (٢). وقيل: من نور، وقيل: من الصخرة. الربيع بن أنس: من البُرْد (٣). ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ احتاج إليه في بيان الدين. ﴿مَوْعِظَةً﴾ وعظاً. ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والقصص والأخبار وما كان وسيكون.

стр. 448

﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ جد ومواظبة. ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قيل: أحسن: صلة، أي: يأخذوا بها، وقيل: لحسنها، كقوله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤] , وقيل: فيها الفرض والمندوب والمباح والفرض أحسنها، وقيل: المأمور به أحسن من المنهي عنه. ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾ أي: منازلهم ومصارعهم، وقيل: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾: جهنم، وقيل: مصر، وقيل: هو من الدوران، أي: ما دار إليه أمرهم. ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يريد بالآيات: ما في السموات وما في الأرض من دلائل الوحدانية، صرفهم عنها جزاء على تكبرهم عن الإيمان، وقيل: صرفهم عن التفكر فيها، وقيل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ أي: عن خبر آياتي عقوبة على فعلهم. أبو عبيدة: عن الخوض في القرآن (١). سفيان بن عيينة: عن فهم القرآن (٢). ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة. ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والبيان. ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ طريقة وديناً. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ الباطل والشيطان. ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ غير ناظرين فيها، فيكون ﴿ذَلِكَ﴾ رفعاً بالابتداء، ويجوز: فعلنا ذلك بأنهم، فيكون نصباً.

стр. 449

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ جحدوا بالإيمان بها. ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ الثواب والعقاب والبعث والنشر (١) والحساب. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطلت. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ أي: جزاء أعمالهم. ﴿وَاتَّخَذَ﴾ أي: صنع وصاغ. ﴿قَوْمُ مُوسَى﴾ يريد السامري ومن أعانه على ذلك ومن رضي به وصدقه. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد انطلاقه للميقات، وهو العشر التي أتم الله بها الميقات (٢). ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الحلي: ما اتخذ للزينة من الذهب أوالفضة. وذلك أنهم كانوا قد استعاروا من القبط بعض حليهم لعرس كان لبني إسرائيل، وقيل: ليوم زينة، فلما أهلك الله فرعون وقومه بقي الحلي معهم، وكان حراماً عليهم، فقال السامري لهارون: إنا كنا استعرنا حليهم وإن بني إسرائيل أخذوا في بيع الحلي وتمحيقها (٣) وإنها عارية وليست لنا، فأمر هارون منادياً ينادي: من كانت عنده عارية من آل فرعون فليأتنا بها، فأتوه بشيء كثير، فقال هارون: أنت أحق بحفظ هذه، فقبضها السامري وكان صائغاً، فصاغ منها تمثال عجل مجوفاً كأحسن ما يكون (٤)، وهو قوله: ﴿عِجْلًا﴾ والعجل: ولد البقرة القريب العهد بالولادة. ﴿جَسَدًا﴾ لحماً ودماً، وقيل: ﴿جَسَدًا﴾ من غير روح.

стр. 450

والجسد: بدن الحيوان، والجسم عام. وقيل: ﴿جَسَدًا﴾ أي: أصفر من الجساد (١). ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ أي (٢): صوت، والخوار: صوت البقرة، وقيل: إنما (٣) خار مرة واحدة، وخواره فيمن جعله لحماً ودماً ظاهر، وفيمن جعله تمثالاً من ذهب خار بحيلة احتال بها حتى خار، فقيل: جعل في بطنه بييتاً يفتح ويغلق، وكان إذا أراد السامري أن يخور العجل أدخل جوفه غلاماً يخور إذا أراد السامري بعلامة بينهما، وقيل: كان (٤) يضعه في مهب الريح، وقيل: عمل بالماء والفُوَارَات (٥) وقصته مذكورة في سورة طه (٦). ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ لا يأمرهم ولا ينهاهم. ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ إلى خير. ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي: اتخذوه إلهاً معبوداً (٧). ﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ واضعين العبادة غير موضعها. ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ الجمهور على أنه عبارة عن الندم، والندم في القلب وإسناده إلى اليد كإسنادهم الملك والمحبوب والمكروه إليها، تقول في يده ملك وفي

стр. 451

يده محبوبه وحصل في يده المكروه. ابن عيسى: وقع البلاء في أيديهم، أي: وجدوه وجدان ما يحصل في الكف (١)، وقيل: أصله من الأسر والكَتْفِ (٢)، وقيل: من ندم وضع يده على رأسه، ويحتمل أن الإنسان إذا حزبه أمر عظيم (٣) مسح كفه بكفه وحولق (٤). ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ﴾ وعلموا أنهم. ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل. الحسن: لأنهم كلهم عبدوا العجل إلا هارون (٥). وقيل: عبده بعضهم. ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ ومن قرأ بالتاء نصب (ربنا) على النداء (٦). ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى﴾ من الطور. ﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ حزيناً، وقيل: متغيظاً (٧)، من قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾

стр. 452

[الزخرف: ٥٥]، والأسف: الحزن، والأسف: الغضب. ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس ما نبتم عني وقمتم مقامي بعد انطلاقي. ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أي: تركتموه. الزجاج: عجلته: سبقته (١). وقيل: تجاوزتم أمر ربكم. الحسن: أَعَجِلتم وعد (٢) ربكم الذي وعدنيه من الأربعين ليلة، لأنهم قدروا أنه مات (٣). ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ أي: التي ذكرت في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، غضباً على قومه، فتكسر بعضها ورفع كثير منها إلى السماء حتى روى المفسرون أن ستة أسباعها رفعت وبقي (٤) سبع، وحقيقة هذا أن الألواح لما كُسِرَت ذهب أثر المكتوب. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بشعر رأسه. وقيل: بناصيته، وقيل: بذؤابته، وقيل: العرب تقول: فلان حسن الرأس، أي: الشعر.

стр. 453

﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ غضباً عليه أنه لم يمنعهم ولم يخرج من بينهم فيلحق به. وقيل: أخذ رأسه وجره ليناجيه، وقيل: جره عتاباً عليه لا هواناً به، وقيل: أخذه كما يأخذ (١) الإنسان شعره ولحيته عند الغضب، لأنهما كانا كشخص واحد. وقوله: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ يدفع هذه الأقاويل، وقيل: غضب عليه لتركه اتباعه. ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ ذكر الأم ليرققه عليه وكان لأبيه وأمه. ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: وجدوني ضعيفاً لوحدتي. ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ وقاربوا قتلي لإنكاري عليهم، وقيل: ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: أرادوا وهموا. ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ لا تسرهم بإهانتك إياي (٢). والشماتة: سرور العدو بسوء العاقبة. وأراد بالأعداء: الذين عبدوا العجل. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ أي: في عدادهم. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أي: ما صنعت إلى أخي، وقيل: إلقاء الألواح، وقيل: استغفر سالف ذنوبهما. ﴿وَلِأَخِي﴾ حين لم يمنعهم ولم يلحق بي. ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ أنعم علينا بفضلك. ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ أرحم بنا منا بأنفسنا. الحسن: أرحم بنا من الأبوين (٣).

стр. 454

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلهاً. ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ هو أَنْ أُمِروا بقوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فقتل (١) الأب ابنه والابن أباه، وقيل: هو الجزية زمن النبي ﷺ ، أي: أولادهم، وقيل: تقديره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ ولم يتوبوا ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ الآية، والذين تابوا غفر لهم، ودل عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد السيئات (٢). ﴿وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد السيئات، وقيل: بعد التوبة. ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ ذهب بعضهم إلى أن الآيتين من كلام موسى وصدقه الله بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾، وقال بعضهم: هذا من كلام الله قاله لموسى فأجابه (٣) الله بهذا. ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن باعتذار هارون إليه (٤)، وقيل: بتوبتهم عن كفرهم. وسكن وسكت: قطع الكلام، وقيل: كُلُّ كافٍّ عن شيء: ساكت، ومنه: سكت عن الكلام. ابن عيسى: سكت مستعار (٥) هاهنا، لأن الغضب لما كان دالاً على ما في النفس للمغضوب عليه كان بمنزلة النطق (٦). وقيل: هذا من المقلوب، أي: سكت موسى عن الغضب. ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: فيما نسخ فيها وكتب.

стр. 455

﴿هُدًى﴾ بيان للطاعة (١) من المعصية. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ تخليص من الذنوب. ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ اللام (٢) دخل المفعول لمّا تَقَدَّم، وقيل: الفعل محمول على المصدر، أي: رهبتهم لربهم، ويحتمل: أن المفعول محذوف، وتقديره: يرهبون معاصي الله لربهم، أي: لأمر ربهم، وقد سبق (٣). ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ أي: من قومه، فحذف، قال: ومنَّا الذي اختيرَ الرجالَ سماحةً ... وجُوداً إذا هبَّ الرياحُ الزعازعُ (٤) ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ لميعادنا، وهو الميقات الأول لأن فيه ذكر الرؤية، وقيل: هو ميقات آخر للتوبة (٥) عن عبادة العجل. وفي سبب اختياره السبعين أقوال، أحدها: أنه اختارهم لتمام الموعد، والأكثر على أنه اختارهم ليعتذروا عن (٦) عبادة العجل، وقيل: قالت طائفة من بني إسرائيل: إن الله لا يكلمك، فأوحى الله إلى موسى أن اختر من خيارهم (٧) سبعين رجلاً ثم ارتق بهم إلى الجبل أنت وهارون واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون، ففعل ثم ذهب (٨) بهم ليسمعوا كلام الله، فلما أتوا ذلك المكان وسمعوا كلام الله قالوا: لن نؤمن لك بأنك قد كلمته حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة (٩) فماتوا. عن ابن عباس ﵄: إن السبعين الذين قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة غير السبعين الذين أخذتهم الرجفة (١٠).

стр. 456

وعن علي رضي عنه: إنما أَخَذَتْهُم من أجل (١) دعواهم على موسى قتل هارون، وذلك أن موسى وهارون وشبير وشبر (٢) ابني هارون انطلقوا إلى صفح جبل، فنام هارون على سرير وتوفاه الله، فلما مات دفنه موسى فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: أين هارون؟ قال: توفاه الله، قالوا: بل أنت قتلته حسداً على خلقه ولينه، فاختار منهم سبعين وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر قالوا: يا هارون: أقتلت أم مت؟ فقال هارون: ما قتلني أحد ولكن (٣) توفاني الله، فقالوا: يا موسى لن تُعْصَى بعد اليوم، فأخذتهم الصاعقة فماتوا ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال موسى: يارب: ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، يقولون: أنت قتلتهم، فأحياهم الله وجعلهم أنبياء (٤)، والصحيح أنهم لما سمعوا كلام الله هم وموسى (٥)، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أخذتهم الرجفة. والرجفة: الموت، وقيل: الزلزلة، وقيل: النار، وقيل (٦): الصاعقة، وقال الفراء: لم يموتوا (٧). فقام موسى يبكي: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ أي (٨): إن شئت أمتهم وأمتني بغير الرجفة. الزجاج: إن شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجبت عليهم (٩).

стр. 457

وقيل: إن شئت أهلكتهم عند اتخاذ العجل ولم تمهلهم إلى المصير إلى الميقات وإياي وأهلكتني حين قتلتُ القبطي بمصر. ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهام معناه النفي، وقيل: استفهام إنكار، وهذا لا يجوز، وقيل: استفهام يتضمن معنى قوله ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. والسفهاء: الذين (١) عبدوا العجل. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ ما هي إلا عذابك (٢)، وقيل: ابتلاؤك، وهي كناية عن الفَعْلة، وقيل: البلية، وقيل: العقوبة (٣). ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من سلم منها فهو سعيد ومن بقي فيها فهو شقي. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ مدبر أمرنا. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبنا. ﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾. ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ توفيق الطاعة وإسباغ النعمة. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنة والرؤية والثواب، سَأَلَ خيرَ الدارين. ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبنا، مِنْ: هاد يهود: إذا رجع، وقيل: من التَّهَوُّدِ في السير، وهو تمكث، وقيل: من الهوادة، وفعله: هاد يهود. ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ يعني الكفار. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: عمت في الدنيا على الكفار والمؤمنين وخصت على المؤمنين في العقبى. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: أُثبتها في الآخرة. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والمعصية. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ المفروضة، وقيل: يطهرون أنفسهم عن دنس المعاصي. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا﴾ بكتبنا، وقيل: بدلالتنا ﴿يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾.

стр. 458

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ يعني محمداً ﷺ . وفي الأمي ثلاثة أقوال (١): أحدها: لا يكتب ولا يقرأ من الكتاب، وقيل: منسوب إلى أم القرى وهي مكة، وقيل: منسوب إلى الأمة وهي الجماعة لأن أكثرهم لا يكتبون، وبعض المفسرين على أنه ﷺ ما مات حتى كتب (٢). ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أي: يجدون وصفه واسمه مكتوباً، لأن الشخصَ لا يُكْتَب. ﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ روي أن (٣) عمر بن الخطاب ﵁، سأل أبا مالك (٤) عن صفة النبي ﷺ في التوراة وكان من علماء اليهود، فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يبدل ولم يغير: أحمد من ولد إسماعيل ابن إبراهيم وهو آخر الأنبياء، وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه

стр. 459

ويغسل أطرافه، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة ويجتزي بالبلغة ويركب الحمار ويمشي في الأسواق، معه حرب وقتل وسبي، سيفه على عاتقه لا يبالي من لقي من الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة، مولده بمكة ومنشأه بها وبدوّ نبوته بها ودار هجرته بيثرب بين حَرَّةٍ (١) ونخلٍ وسبخة (٢)، هو أمي لا يكتب بيده، هو الحمّاد يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه بالشام، صاحبه من الملائكة جبريل ﵇. وحكى الماوردي (٣) وابن عيسى في تفسيرهما: أن في الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع، منها: يعطيكم فارقليط أجراً يكون معكم الدهر كله، وفيها قول المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذير لجميع الخلق ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي. وأبلغ من هذين الخبرين قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ الآية. ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإسلام والشرع ومحاسن الأخلاق. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الكفر والفساد ومساوئ الأخلاق. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: ما يستطاب من الرزق ويستلذ، وقيل: ما كان محرماً عليهم في قوله ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] , وقيل: الطيب: الحلال.

стр. 460

﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ المحرمات، والمعنى: أن شريعته بهذه الصفة. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: خفف عنهم ما شُدِّدَ عليهم في التوراة من العهود والأثقال، كالقاتل لا ينجيه إلا القصاص ولا دية ولاعفو، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقَرْض الثوب إذا أصابه نجاسة، وشَبَّهها بالأغلال للزومها لزوم الغل في العنق. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بمحمد ﷺ . ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ قيل: عظموه. ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ قيل: منعوه. ابن عيسى: أصل التعزر (١): المنع، ومنه: تعزير المفسد، ومعنى الآية: نصروه بمنعهم كل من أراد كيده. ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: القرآن، سماه نوراً لأنه يبين للناس أمور دينهم ودنياهم وعقباهم (٢)، و (مع) يدل على البقاء، أي: أنزل عليه وبقي معه. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ الظافرون بالأماني والباقون في النعيم. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ عام، وقيل: المراد به أهل الكتاب. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة لله (٣)، ومحله جر، ويجوز أن يقف على ﴿جَمِيعًا﴾ فيكون ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ وما بعده خبر. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ﴾ الذي ينبئ عن الله ما كان وما يكون.
следующие страницы →