← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وعن علي رضي عنه: إنما أَخَذَتْهُم من أجل (١) دعواهم على موسى قتل هارون، وذلك أن موسى وهارون وشبير وشبر (٢) ابني هارون انطلقوا إلى صفح جبل، فنام هارون على سرير وتوفاه الله، فلما مات دفنه موسى فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: أين هارون؟ قال: توفاه الله، قالوا: بل أنت قتلته حسداً على خلقه ولينه، فاختار منهم سبعين وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر قالوا: يا هارون: أقتلت أم مت؟ فقال هارون: ما قتلني أحد ولكن (٣) توفاني الله، فقالوا: يا موسى لن تُعْصَى بعد اليوم، فأخذتهم الصاعقة فماتوا ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال موسى: يارب: ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، يقولون: أنت قتلتهم، فأحياهم الله وجعلهم أنبياء (٤)، والصحيح أنهم لما سمعوا كلام الله هم وموسى (٥)، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أخذتهم الرجفة. والرجفة: الموت، وقيل: الزلزلة، وقيل: النار، وقيل (٦): الصاعقة، وقال الفراء: لم يموتوا (٧). فقام موسى يبكي: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ أي (٨): إن شئت أمتهم وأمتني بغير الرجفة. الزجاج: إن شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجبت عليهم (٩).

стр. 457

وقيل: إن شئت أهلكتهم عند اتخاذ العجل ولم تمهلهم إلى المصير إلى الميقات وإياي وأهلكتني حين قتلتُ القبطي بمصر. ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهام معناه النفي، وقيل: استفهام إنكار، وهذا لا يجوز، وقيل: استفهام يتضمن معنى قوله ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. والسفهاء: الذين (١) عبدوا العجل. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ ما هي إلا عذابك (٢)، وقيل: ابتلاؤك، وهي كناية عن الفَعْلة، وقيل: البلية، وقيل: العقوبة (٣). ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من سلم منها فهو سعيد ومن بقي فيها فهو شقي. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ مدبر أمرنا. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبنا. ﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾. ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ توفيق الطاعة وإسباغ النعمة. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنة والرؤية والثواب، سَأَلَ خيرَ الدارين. ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبنا، مِنْ: هاد يهود: إذا رجع، وقيل: من التَّهَوُّدِ في السير، وهو تمكث، وقيل: من الهوادة، وفعله: هاد يهود. ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ يعني الكفار. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: عمت في الدنيا على الكفار والمؤمنين وخصت على المؤمنين في العقبى. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: أُثبتها في الآخرة. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والمعصية. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ المفروضة، وقيل: يطهرون أنفسهم عن دنس المعاصي. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا﴾ بكتبنا، وقيل: بدلالتنا ﴿يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾.

стр. 458

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ يعني محمداً ﷺ . وفي الأمي ثلاثة أقوال (١): أحدها: لا يكتب ولا يقرأ من الكتاب، وقيل: منسوب إلى أم القرى وهي مكة، وقيل: منسوب إلى الأمة وهي الجماعة لأن أكثرهم لا يكتبون، وبعض المفسرين على أنه ﷺ ما مات حتى كتب (٢). ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أي: يجدون وصفه واسمه مكتوباً، لأن الشخصَ لا يُكْتَب. ﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ روي أن (٣) عمر بن الخطاب ﵁، سأل أبا مالك (٤) عن صفة النبي ﷺ في التوراة وكان من علماء اليهود، فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يبدل ولم يغير: أحمد من ولد إسماعيل ابن إبراهيم وهو آخر الأنبياء، وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه

стр. 459

ويغسل أطرافه، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة ويجتزي بالبلغة ويركب الحمار ويمشي في الأسواق، معه حرب وقتل وسبي، سيفه على عاتقه لا يبالي من لقي من الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة، مولده بمكة ومنشأه بها وبدوّ نبوته بها ودار هجرته بيثرب بين حَرَّةٍ (١) ونخلٍ وسبخة (٢)، هو أمي لا يكتب بيده، هو الحمّاد يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه بالشام، صاحبه من الملائكة جبريل ﵇. وحكى الماوردي (٣) وابن عيسى في تفسيرهما: أن في الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع، منها: يعطيكم فارقليط أجراً يكون معكم الدهر كله، وفيها قول المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذير لجميع الخلق ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي. وأبلغ من هذين الخبرين قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ الآية. ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإسلام والشرع ومحاسن الأخلاق. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الكفر والفساد ومساوئ الأخلاق. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: ما يستطاب من الرزق ويستلذ، وقيل: ما كان محرماً عليهم في قوله ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] , وقيل: الطيب: الحلال.

стр. 460

﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ المحرمات، والمعنى: أن شريعته بهذه الصفة. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: خفف عنهم ما شُدِّدَ عليهم في التوراة من العهود والأثقال، كالقاتل لا ينجيه إلا القصاص ولا دية ولاعفو، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقَرْض الثوب إذا أصابه نجاسة، وشَبَّهها بالأغلال للزومها لزوم الغل في العنق. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بمحمد ﷺ . ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ قيل: عظموه. ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ قيل: منعوه. ابن عيسى: أصل التعزر (١): المنع، ومنه: تعزير المفسد، ومعنى الآية: نصروه بمنعهم كل من أراد كيده. ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: القرآن، سماه نوراً لأنه يبين للناس أمور دينهم ودنياهم وعقباهم (٢)، و (مع) يدل على البقاء، أي: أنزل عليه وبقي معه. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ الظافرون بالأماني والباقون في النعيم. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ عام، وقيل: المراد به أهل الكتاب. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة لله (٣)، ومحله جر، ويجوز أن يقف على ﴿جَمِيعًا﴾ فيكون ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ وما بعده خبر. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ﴾ الذي ينبئ عن الله ما كان وما يكون.

стр. 461

﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ التوراة والإنجيل وسائر كتب الله. ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي: يهدون الناس محقين، وقيل: بسبب الحق الذي هم عليه. ﴿وَبِهِ﴾ أي: وبالحق ﴿يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ بين الناس. في هذا القوم ثلاثة أقوال: أحدها: هم قوم كانوا في زمان (١) موسى ﵇، وقيل: هم قوم وراء الصين، رآهم رسول الله ﷺ ليلة المعراج فآمنوا به وصدقوه وقرأ عليهم عشر سور بما نزل عليه بمكة (٢)، وقيل: هم الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وأصحابه وأضرابه (٣). ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ أعرب اثنا عشر من بين أخواتها لأن عشرة بدل من النون، فأعرب كما يعرب التثنية، وبنى عشرة على الفتح لأنها بدل من النون، وأنّث حملاً على الأمة. وقيل: على القطعة (٤)، وجمع أسباطاً لأنها بدل من اثنتي عشرة وليس بتمييز، وقيل: جعل كل واحدة من اثنتي عشرة أسباطاً، كما تقول: لزيد دراهم ولعمرو

стр. 462

دراهم ولفلان وفلان دراهم، فهذه (١) عشرون دراهم (٢). والسبط مشتقٌّ من: السَّبَط، وهو شجر يعتلفه الإبل، وكذلك القبيلة اسم شجرة (٣)، جعل (٤) الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان، فإسماعيل ﵇ شجرة وإسحاق شجرة. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ الآية مفسرة في سورة البقرة (٥)، ومعنى الآية: جعل الله بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة، وأنهم إذ (٦) كانوا في التيه لم يكن لهم طعام ولا شراب ولا ظل يأوون إليه، فأنزل الله عليهم غماماً ظللهم وأنزل عليهم المن والسلوى طعاماً لهم وإداماً، وأمرهم بالأكل منهما، وما ظلمونا بما أوجب لهم الحبس في التيه ولكن ظلموا أنفسهم بذلك. ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾

стр. 463

سبق تفسير الآيتين (١)، والمعنى: أمرنا بني إسرائيل بدخول القرية مستغفرين متواضعين لنغفر لمذنبهم ونزيد إحساناً لمحسنهم، فبدلوا ما أمروا فاستحقوا العذاب الأليم. ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن ما وقع بأهلها. ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي: عنده، وهي أَيْلة (٢)، وقيل: أَرِيحا (٣). ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ جاوزوا الحق يوم السبت. ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ جمع حوت، وهو (٤) السمك، وأضاف إليهم لأنهم أرادوا صيدها. ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ هو من الأيام وأضاف إليهم؛ لأنهم المخصوصون (٥) بأحكام فيه، والوجه أنه مصدر، والمعنى: يوم يسبتون، بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾، وبدليل الإضافة. والسَبْتُ: تعظيم السبت، تقول: سَبَتَ: أي (٦) عَظَّم السبت، وقيل: يوم راحتهم بتركهم أعمالهم.

стр. 464

﴿شُرَّعًا﴾ واردة، وقيل: ظاهرة، وقيل: رافعة رؤوسها، وقيل: خافضة رؤوسها كأنها الكباش (١) البيض، وقيل: كالمَخَاض (٢) السمان. ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ وقرئ: (يُسبتون) (٣). وسبت وأَسبت بمعنىً، وقيل: سَبَتَ: عَظَّم السبت، وأَسْبَتَ: دخل في السبت. ﴿كَذَلِكَ﴾ قيل متصل بالأول على تقدير: لا تأتيهم شرعاً مثل إتيان يوم السبت، وقيل: متصل بما بعده وهو قوله: ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نختبرهم مثل هذا الاختبار، أي: نعاملهم معاملة المختبر (٤). ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ بخروجهم عن طاعة الله، وذلك أنه حرم عليهم الصيد يوم السبت وأمروا بتعظيمه فوسوس إليهم (٥) الشيطان وقال: إنما نهيتم عن صيدها يوم السبت، فحفروا الحياض ونصبوا الشبائك (٦) وكانوا يسوقون إليها الحيتان يوم السبت وتبقى فيها ولا يمكنها الخروج منها، فيأخذونها يوم الأحد، وصار (٧) أهل القرية ثلاث فرق: فرقة صادوا، وهم أصحاب الخطيئة، وفرقة نهوهم، وفرقة قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ من أهل القرية، للأمة الواعظة. ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأي شيء تعظون. ﴿قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ في الدنيا.

стр. 465

﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ في العقبى، أي: معذبهم (١) في العاجل والآجل. ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا إنكار الموعظة على الأمة الواعظة، وذهب بعضهم إلى أنهم قالوا هذا بعد أن وعظهم الواعظة فلم ينفعهم وعظهم وأيسوا، ويكون (٢) هذا أبلغ في الموعظة. ﴿قَالُوا﴾ أي: الواعظة. ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ أي: موعظتنا معذرة إلى ربكم لإقامة العذر عند الله ولرجاء تقواهم، ومن نصب: فمفعول له (٣)، والمعذرة: بمعنى الاعتذار، لأن معنى (٤) عَذَرَ: قَبِلَ العُذْر، واعتذر: أقام العُذْر، وقيل: عَذَرَ: إذا تعدى بنفسه معناه: قَبِلَ العُذْر، وإذا تعدى بإلى معناه: اعْتَذَر، وقيل: المعذرة بمعنى العذير، وعذير الرجل: ما يحاوله مما يعذر عليه إذا فعله. ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ تركوا. ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ما وعظوا به من العذاب على صيد الحيتان. ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ عن العذاب الشديد، فيكون ﴿عَنِ﴾ متصلاً ... بـ ﴿أَنْجَيْنَا﴾، ويحتمل أن يكون متصلاً بـ ﴿يَنْهَوْنَ﴾، أي: عن المعصية. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: صادوا في السبت وخالفوا أمر الله. ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ بخروجهم عن طاعة الله، وهو أنهم صاروا قردة، والفرقة الأخرى مختلف فيها. قال الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة (٥). وقال بعضهم: هلكت فرقتان. وقال بعضهم بالتوقف في أمرهم. والروايات الثلاث عن ابن عباس ﵄ (٦).

стр. 466

﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ استكبروا واجترؤوا على الذنب ومردوا على المعصية وبالغوا في الإثم. ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ جمع قرد ﴿خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ مبعدين مطرودين. وقال بعضهم: خوطبوا بهذا القول فيكون أبلغ في النازلة، وقال بعضهم صُيِّروا قردة وكانت قردة تعرف أقربائها وتعلم ما حل بها (١)، وجمهور المفسرين على أنها ماتت بعد ثلاث (٢). وروي عن (٣) ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لم يمسخ الله شيئاً فجعل له نسلاً وعاقبة) (٤). وقال بعضهم: بقيت وتناسلت. مجاهد: مسخت قلوبهم لا أبدانهم (٥). ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم، ويأتي تَفَعَّل وأَفْعَل بمعنىً، نحو: توعده وأوعده، وترضاه وأرضاه، وتيقنته وأيقنته، وقيل: ﴿تَأَذَّنَ﴾ أمر من الإذن، وقيل: حلف ليبعثن، وقيل: تكفل، من: الأذن، وهو الكفيل (٦). ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ليسلطن عليهم. ﴿مَنْ يَسُومُهُمْ﴾ يكلفهم. ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ شديده، هم اليهود بعث الله عليهم محمداً ﷺ وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. سعيد بن جبير: هم أهل الكتاب بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى

стр. 467

يوم القيامة (١). وكلا القولين واحد. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لهؤلاء في الدنيا. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ للمؤمنين. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ يعني بني إسرائيل. ﴿فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ جعلناهم متفرقين (٢) في الأرض، وقيل: معناه جعلناهم (٣) على أديان مختلفة. ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ وهم الذين أسلموا، وقيل: هم الذين رآهم رسول الله ليلة المعراج. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: في مكان منحط عن الصلاح، هذا أصل الكلمة، أي: ومنهم عاصون ومفسدون. ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ بالخصب والنعمة. ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ بالجدب (٤) والمحنة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ كي يتذكروا ويعودوا إلى الطاعة. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ قوم سوء. ابن عيسى: اشتقاقه من: خَلَفَ اللَّبنُ: إذا طال مكثه في السقاء فَتَغَيَّر، ومنه: الخُلُوف، والخَلَف بالفتح يستعمل في الخير وبالسكون في الشر، وقد يستعمل في

стр. 468

الخير مع الإضافة، وهو مصدرٌ وُصِفَ به. وقيل (١): جمع خَالِفْ، وهو الذي يأتي خَلْفَ من سبقه. ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ أخذوا عن آبائهم التوراة وعلمها. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ أي: الأمر الأقرب، وهو الدنيا. وقيل (٢): تقديره: هذا العرض الأدنى، يأخذون الرشى في الحكم ويتجوزون (٣) فيه ويترخصون في أكل الحرام. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ يتمنون على الله المغفرة، وقيل: قالوا سيغفر لنا وإن لم نستغفر. ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ من الحرام. ﴿يَأْخُذُوهُ﴾ أي: هم مصرون على الذنب، وقيل: لا يشبعهم شيء، وقيل: وإن يأتهم، يعني به قوماً آخر ﴿عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ مثل العرض الأول. ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ كتاب الله. ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الصدق. ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ وقرءوا ما في الكتاب، أي: لم يفعلوا على (٤) جهل. ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ أي (٥): الجنة. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والمعصية. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ أنها خير من العرض الأدنى.

стр. 469

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ يؤمنون به ويقومون بأحكامه. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ يريد منهم، وقيل: المصلحون هم الذين يمسكون فقام مقام العائد، وقيل: الخبر محذوف (١) دلَّ عليه ما بعده، أي: نعطيهم أجورهم إنا لا نضيع أجر المصلحين (٢). ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ اذكر إذ قلعنا (٣) ورفعنا. والنتق: الجذب بمرة، أي: جذب وقلع، وامرأةٌ (٤) ناتق: تجذب ماء الرجل فتحفظه، وقيل: سميت ناتقاً كأن أولادها تجذب منها، ومنه (٥) قوله ﷺ : (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً وأنتق أرحاماً وأرضى باليسير) (٦). ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ يَخافُ مَنْ تحته وقوعه عليه، لأن الجبل لا يثبت في الهواء. ﴿وَظَنُّوا﴾ وعلموا. ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم. ﴿خُذُوا﴾ أي: وقلنا لهم خذوا. ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي: اقبلوه باجتهاد، وقيل: بالقدرة التي لكم على أخذها. ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ اعملوا (٧) بما فيه ولا تنسوه.

стр. 470

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ لكي تتقوا النار، وقد سبق تفسيره (١) في البقرة (٢). ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ أي: ذَكِّرهُم يا محمد إذ أخذ ربك. ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ من بني آدم. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أولادهم وأولاد أولادهم. ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض. ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهام تقرير. ﴿قَالُوا بَلَى﴾ إثبات وجواب لكلام يتضمن نفياً. ﴿شَهِدْنَا﴾ هذا من كلام الذرية، وقيل: هذا من كلام الملائكة (٣). ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ أي: كراهة أن تقولوا (٤)، ولئلا تقولوا (٥)، وقيل: هو متصل بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ كراهة أن تقولوا، وقيل: متصل بقوله ﴿شَهِدْنَا﴾ إذا جُعِلَ من كلام الملائكة، وكذلك الآية الأخرى وهي قوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ وهذا دليل على أن التقليد في التوحيد كفر (٦).

стр. 471

جل المفسرين على أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهر آدم، وأولاده أخرجهم من ظهره، ثم أخرج من ظهور أولاده أولادهم واحداً بعد واحد على ما يكونون عليه إلى يوم القيامة. قيل: كان ذلك قبل الدخول في الجنة بين مكة والطائف، وقيل: ببطن نَعْمَان واد بجنب (١) عَرَفَة، وقيل: أخرجهم من ظهره في الجنة، وقيل: بعد النزول من الجنة بدهيا (٢) أرض بهند (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (مسح الله ظهر آدم بيده اليمنى وكلتا يديه يمين بعدما أهبطه إلى الأرض بنعمان فأخرج من صلبه جميع من يخلق إلى يوم القيامة كأمثال الذر (٤) نثرهم بين يديه وجعلهم على هيئة الرجال والنساء، يعني في عقولهم، ثم كلمهم، وقال: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى (٥)) (٦). وزاد بعضهم: (وكان أنورهم ذرة داود ﵇، فقال: من هذا؟ فقيل:

стр. 472

هذا داود (١)، نبي من ذريتك، قال: كم عمره؟ قال (٢): ستون سنة، قال: رب زده، قال: قد جرى القلم وجف عن زيادة بني آدم، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، فأثبت لداود الأربعون وكان عمر آدم ﵇ ألف سنة، فلما استكمل آدم تسع مائة وستين سنة (٣) جاءه ملك الموت، فلما رآه قال: مالك؟ قال: قد استوفيت أجلك، قال له آدم: بقي من عمري أربعون سنة، قال: أليس وهبتها لداود، قال: لا، فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطأت ذريته) (٤). وذهب بعض المفسرين إلى أن ظاهر الآية لا يدل على هذا، لأنه قال ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل من ظهر آدم، قالوا: والذرية إذا كانوا كالذر (٥) لا يخاطبون، وقالوا: إنا لا نتذكر (٦) ذلك فكيف يحتج علينا، وقالوا: إنما المراد بأخذ الذرية وجودهم في الدنيا قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة، وأولوا الإشهاد على وجهين، أحدهما: بما ركب فيهم من العقل، والثاني: ببعث الرسل (٧)، والأول هو مذهب السنة والجماعة (٨)؛ لأن جلّ المفسرين على ذلك، لأن الأخبار في ذلك شاعت

стр. 473

وذاعت، وأما قولهم: لم يقل من ظهر أدم: فلأنهم لم يخرجوا كلهم من ظهر آدم بل بعضهم من بعض على ما سبق، وأما كونهم كالذر: فلا ننكر قدرة الله تعالى على أن يجعل الذرة وأصغر من الذرة عاقلاً يفهم الخطاب ويسمع ويجيب، وقيل: كانوا كالذر كثرة لا صغراً وكانوا على أشخاصهم التي يكونون عليها، وأما قولهم: لا يُتَذَكَّرُ ذلك: فإن تذكير الله أبلغ، وقيل: أَخَذَهُم من ظهور الآباء وجعلهم في بطون الأمهات وحولهم من خِلْقة إلى خلقة، ومن (١) حالة إلى حالة، وأشهدهم على أنفسهم عند البلوغ وكمال العقل، وقيل: على لسان (٢) الأنبياء وفي كتبهم، وقد سبق الجواب، والله اعلم (٣). ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: كبيان هذه القصة نبين سائر الآيات. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ بيَّنَّاها (٤). ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس ﵄: هو بلعم بن باعورا من العمالقة دعا على قوم موسى فبقوا في التيه ودعا عليه موسى فسلب الله إيمانه (٥). عبد الله بن عمرو بن العاص: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت ورجا أن يكون هو ذلك

стр. 474

الرسول، فلما أرسل محمد ﷺ حسده وكفر به (١). وقيل: نزلت في رجل قد أعطي ثلاث دعوات مستجابة، وكان (٢) له امرأة اسمها البسوس لها منه ولد، فقالت له: اجعل لي منها واحدة، فقال لها (٣): ما تريدين، قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها، فجعلت كذلك، ثم رغبت عنه، فدعا عليها فصارت كلبة نباحة، فجاء بنوها فقالوا: صارت (٤) أُمُّنا كلبة والناس يعيروننا (٥) فادع الله أن يردها كما كانت، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات (٦). سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر الراهب (٧) الذي بني له مسجد الشقاق حين ذهب إلى الشام ليأتي بجند فيخرج محمداً وأصحابه من المدينة فمات بها طريداً وحيداً (٨). عبادة بن الصامت ﵁: نزلت في قريش (٩). الحسن: نزلت في منافقي أهل الكتاب (١٠).

стр. 475

وقيل: هو مثل ضربه الله. مجاهد: كان نبياً في بني إسرائيل اسمه بلعم، أوتي النبوة، فرشاه قومه على أن يسكت ففعل (١). وجوز بعضهم أن يكون فرعون، والآيات آيات موسى (٢). قوله ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قيل: اسم (٣) الله الأعظم، وقيل: كتاب من كتب الله، وقيل: النبوة، وقيل: العلم بمجيء النبي. ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ خرج من علمها كانسلاخ الشاة من جلدها. والانسلاخ: التعري من الشيء حتى لا يعلق به منه شي. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ استتبعه، وقيل: اتبعه. ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ الفاسدين، وقيل: الهالكين (٤). ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ شرفناه وقدمناه وجعلنا له الدرجة الرفيعة. ﴿بِهَا﴾ بسبب تلك الآيات، وقيل: الباء للحال. الزجاج: ولو شئنا أن نحول بينه وبين المعصية (٥). وقيل: لرفعنا (٦) عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله وآياته. ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ اختار السفال على الرفعة ومال إلى لذات الدنيا. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة ونعيمها. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ زجرته وطردته. ﴿يَلْهَثْ﴾ يدلع لسانه. ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير مطرود ﴿يَلْهَثْ﴾، وكل حيوان يلهث عند عطش أو إعياء إلا الكلب فإنه يلهث (٧) في الأحوال كلها، شبهه الله بأخس حيوان في أخس أحواله. الحسن: شبهه بدابة لا فؤاد له، فهو يلهث على كل حال، فكذلك هو سواء عنده الوعظ وتركه (٨). ابن بحر: شبهه بالكلب فحسب، ثم وصف الكلب فقال ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (٩). ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: الشبه المذكور (١٠) في المثل المضروب مثل الذين كذبوا بآيات الله.

стр. 476

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ اتل عليهم خبرهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ كي يتأملوا فيتعظوا. ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ تقديره: ساء مثلاً مثل القوم، فحذف المضاف، وقيل: ساء مثلاً ما تقدم ذكره من الكلب واللهث. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ أي: من هداه إلى الإيمان ووفقه فهو المهتدي الثابت على الإيمان. ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ ومن أضله عن الإيمان وخذله فقد خسرنفسه ومنزله من الجنة. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يعني الكفار من الفريقين، وذرأه لها (١) خلقه إياه كافراً. ولا منافاة بينه وبين قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، لأن ذلك لكثير منهم وهذا لكثير، وقيل: لام ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ لام العاقبة، أي: خلقنا للعبادة فآل أمرهم إلى جهنم، وقيل: هذا من المقلوب تقديره (٢): ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس (٣). وروى عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ : (أن الله تعالى لما ذرأ لجهنم ما ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم) (٤). ثم ذمهم فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ لتركهم التدبر في كتاب الله. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي: لا ينتفعون بأعينهم وآذانهم، فهم كالفاقدين السمع والبصر. ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ في قله انتفاعها بالمعقولات والمرئيات والمسموعات. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنهم أعرضوا عنها وفوتوها على أنفسهم، وقيل: لأن (٥) الأنعام تعرف الله تعالى والكافر لا يعرفه (٦)، وقيل: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتلتزم بعض ما تبصره والكافر لا يعلم مضارها حيث اختار النار، وقيل: لأن الكفار بقبيح فعلهم يصيرون إلى النار والأنعام لا تصير إليها. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ أي: عَمَّا لَهُم وعليهم. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ جميع أسماء الله تعالى صفات، إلا كلمة (الله) فإنهم اختلفوا فيه، وقد سبق (٧). والفرق بينهما: أن الاسم يدل دلالة إشارة، والصفة تدل دلالة إفادة (٨)،

стр. 477

وصفة الله صفة ذات وصفة فعل، ويجب على المكلف معرفة معاني أسمائه وصفاته (١). وسماها ﴿الْحُسْنَى﴾ لأنها تدل على توحيد الله وحسن أفعاله تعالى عما يقول الظالمون فادعوه بها. روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدة (٢)، من أحصاها دخل الجنة) (٣). ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ بعينها ولا تخترعوا لله تعالى اسماً غير ما وصف نفسه به. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ يميلون عن الصواب. ﴿فِي أَسْمَائِهِ﴾ هو أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم وزادوا ونقصوا واشتقوا من الله اللات ومن العزيز العزى ومن المنان مناة. وقيل: هو تسميتهم أصنامهم آلهة، والإلهية صفة لله وحده (٤). وقيل: هو أن يسمي الله بما ليس من أسمائه، كتسمية النصارى إياه أبا المسيح. وقيل: الإلحاد في أسمائه أن يقال له ولد وله شريك. ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾.

стр. 478

﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ قال رسول الله ﷺ : (إنها أمتي، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها يعني قوله ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٩]) (١). ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بالقرآن والرسول ومعجزاته. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نأخذهم قليلاً قليلاً حتى يبلغوا الغاية بِأَخْذِهم (٢) بالعقوبة. ابن عباس ﵄: كلما أحدثوا خطيئة جدد لهم نعمة وأنساهم الاستغفار (٣). والدَّرْجُ والدَّرْجَان: مِشْيَةُ الشيخ والصبي، والدَّرْج: الطي، من هذا لأنه يؤخذ شيء فشيء (٤)، والدَّرَجَةُ منها (٥)؛ لأنه يصعد فيها شيء فشيء. ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ أنهم يؤخذون. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ أطيل لهم المدة فلا أعاجلهم، مشتق من: الملاوة، وهو الزمان الطويل، والكيد: التدبير، وقيل: العذاب، وقيل: الكيد: عمل في خفية.

стр. 479

والمتين: القوي له متن. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ لما نسبوا النبي ﷺ إلى الجنون، أنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (١) استفهام بمعنى التقريع. وقيل: بمعنى التحريض، أي: أولم يتفكروا بقلوبهم فيعلموا ما بصاحبهم، يعني: النبي ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون، وقيل: جمع جن، كالجنة والناس. وقيل: تم الكلام على قوله ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾ (٢) ثم استأنف فقال ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ لأن التفكر لا يُعَلَّق. وقيل: العلم مضمر، وهو معلق كما سبق (٣). ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو. ﴿إِلَّا نَذِيرٌ﴾ منذر من الله. ﴿مُبِينٌ (١٨٤)﴾ موضح إنذاره. ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يُفَكِّروا فيها. والملكوت: الملك، ولا يستعمل إلا في حق الله. ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: وفيما خلق الله من شيء من الأشياء. ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: وفي أن عسى أن يكون أجلهم قد اقترب، فإن ﴿عَسَى﴾ في محل جر، و ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ اسم عسى، واسم كان مضمرفيه، تفسيره: أجلهم، كما تقول: قام وقعد زيد، ويحتمل: أن يكون اسمه مضمراً، أي: أن يكون الأمر والشأن، أي: لا تأمنوا انقضاء العمر وبادروا إلى التوبة. وما قيل في إعراب ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ سوى ما أوردته فباطل (٤). ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بعد القرآن، والمعنى: سواه. ﴿يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في الإيضاح والبيان. ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ من خذله فسلك غير الطريق المستقيم. ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ لا يهديه أحد سوى الله.

стр. 480

﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ يتركهم ويمهلهم. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ كفرهم وعتوهم. ﴿يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ عمهاً (١) متحيرين. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ في سبب النزول: قال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ : إن (٢) بيننا وبينك قرابة، فَأَشِر إلينا متى الساعة، فأنزل الله هذه الآية (٣). ابن عباس ﵄ قال: قال جبل بن أبي قشير وسموءل بن زيد، وكانا من اليهود: أخبرنا يا محمد: متى الساعة، إن كنت نبياً، فإنا نعلم متى هي، فأنزل الله هذه الآية (٤). والمعنى: يطلبون منك علم يوم القيامة. قوله ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ متى وقوعها (٥) ومستقرها وظهورها وقيامها ومنتهاها. وأصله من: الإرساء، وهو إقرار (٦) الشيء الثقيل وإمساكه، واستعير لها هذا اللفظ لثقلها على الخلائق. ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ لا يعلمها غيره. ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ لا يظهرها ولا يقيمها ولا يرسيها. ﴿لِوَقْتِهَا﴾ لمعرفة وقتها ﴿إِلَّا هُوَ﴾ أي: إلا الله. وجَلَّي: أظهر المعنى الغامض. ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خفيت على أهلها. أبو عبيدة: إذا خفي عليك شيء فقد ثقل عليك (٧). وقيل: ثقلت (٨) على من يعرفها لما بعدها من الحساب والعقاب، وقيل: صعبت، وقيل: ثقلت في السموات والأرض لأنها سبب خرابها وفسادها (٩)، من قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وأمثالها.

стр. 481

﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ فجأة، وهي أشد. ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ الحفي: العالمُ بالشيء المعنيُّ به، تقول: حَفِيَ عن الشيء: سأل، وحَفِيَ بالشيء: عُني به، وحَفِيَ بالشيء حَفَاوة: فَرِحَ به، وقيل: حَفِيَ: مِنْ حَفَا يحفو: إذا حكم (١)، ويحتمل: أنه فَعِيْل بمعنى مُفْعِل (٢)، أي: أحفيتَ في السؤال عنها وبالغتَ فيه. وقوله ﴿عَنْهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: فيه تأخير، وتقديره: يسألونك عنها كأنك حفي، أي: عالم. والثاني: واقع موقعه بمعنى الباء، أي (٣): كأنك حفي بها، وقيل: أكثرت البحث عنها. الزجاج: يسألونك عنها كأنك حفي، أي: فرح بسؤالهم (٤). ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ كرر لأن المراد بالأول علم وقتها، وبالثاني علم كونها. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ في سبب النزول: قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد: ألا أخبرتنا بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري ونربح به (٥)، وبالأرض التي يُريد أن يُجْدِب فَنَرْتَحِلَ عنها إلى ما قد أَخْصَبَت، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٦). والمعنى: لا أملك نفع نفسي ولا ضرها إلا ما شاء الله أن أملكه، وقيل: لا أملك هدى ولا ضلالاً (٧). ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: الذي سألتموني عنه. ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ لادخرت (٨) في زمان الخصب من الطعام ما يكفيني وما أربح. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الجدب والقحط. وقيل: الغيب ها هنا: علم الساعة، وقيل: الغيب: الموت، والخير: العمل الصالح، وقيل: لو كنت أعلم الغيب الذي تسألونني عنه لاستكثرت من الخير، أي: لأخبرتكم عما سُئلت وما مسني السوء، أي: لم يلحقني تكذيب. ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ للكافرين. ﴿وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ أي: للمؤمنين. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇. ﴿وَجَعَلَ﴾ وخلق (٩).

стр. 482

﴿مِنْهَا﴾ من النفس، وقيل: من جنس ما خلق منها النفس. ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء. ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليأنس بها أنس الشيء بشكله، وقيل: أنس الذكر بالأنثى. الحسن: ليس المراد بالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، بل هو عام لجميع الناس، لأن كل واحد خلق من نفس واحدة أنثاها من جنسها (١). ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ لابسها ملابسة مباشرة. ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ يعني النطفة. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي: مرت وجاءت وقعدت وقامت، والباء للحال، وقيل: مرت: استمرت، وكذلك قرأ ابن عباس ﵄ (٢)، والاستمرار: المصاحبة، وقيل: هو من المقلوب، أي: استمر بها الحمل. قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: استبان حملها (٣). ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل، كأثمر: صار ذا ثمر (٤)، أي: كبر الولد في بطنها. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ ولداً سوياً يشبه أبويه. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ لك على نعمتك (٥). ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أجاب دعائهما. ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ جل المفسرين على أن هذا في آدم وحواء ﵉، وذلك أن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها (٦): ما يدريك ما في بطنك،

стр. 483

لعله كلب أو خنزير أو بقرة أو حمار، وما يدريك من أين يخرج، أمن أذنك أم من عينك أم من كذا أو من كذا كذا (١) أم يشق بطنك فيقتلك، فخافت حواء من ذلك، ثم قال لها: أطيعيني وسمي ولدك عبد الحارث تلدي شبيهكما (٢)، وكان اسمه في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك لآدم فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت، فعاودهما (٣) فلم يزل بهما حتى غرهما فسمياه عبد الحارث (٤). ابن عباس ﵄: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: أيسركما (٥) أن يعيش لكما ولد، فسمياه عبد الحارث، فولدت ابناً فسمياه عبد الحارث (٦) وقال آدم: لعله لا يضر التسمية ويبقى لنا وَلَدٌ نأنس به في حياتنا ويخلفنا بعد مماتنا (٧). وقيل: سمياه عبد الحارث كما قال حاتم (٨):

стр. 484

وإني لعبدُ الضَّيفِ ما دام ثاوياً ... وما فيَّ إلَاّتيكَ من شيمةِ العبدِ وهذا معنى قوله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ وهو شرك تسمية لا شرك عبودة. ثم استأنف فقال ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ يعني الكفار. الحجة (١): تقديره: جعلا (٢) أولادهما بحذف (٣) المضاف، والدليل عليه سياق الآية ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ بلفظ الجمع. وقيل: الضمير في ﴿جَعَلَا﴾ يعود إلى الولد الذي دل عليه قوله ﴿آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ وثنى الضمير لأن حواء كانت متآماً حملت خمسمائة بطن (٤)، وقيل: جعلا لغيره شركاء، أي: لغير الله، وهو إبليس لعنه الله. وقوله ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: ذا شرك، لأنه مصدر، أو (٥): ذوي شرك، بالجمع، لتوافق قراءة ﴿شُرَكَاءَ﴾ بالجمع (٦)، والمراد بالجمع واحد فيمن قال هو إبليس، ومن لم (٧) يجعل القصة لآدم وحواء بل للمشركين من بني آدم، فشركاء جمعٌ لفظاً وحكماً.

стр. 485

وقيل: تقديره: ﴿جَعَلَا﴾ جعل أحدهما، يعني حواء، وقوله ﴿لَهُ﴾ قيل: الهاء تعود إلى الله تعالى، وقيل: إلى إبليس، أي: جعلا لإبليس شركاء فيما آتاهما الله، يقوي قوله من قال (١): تقديره: لغيره. ويحتمل: أن الهاء تعود إلى الولد على تقدير: جعلا للولد الصالح الذي آتاهما الله شركاء نصيباً فيما آتاهما من الرزق في الدنيا وكانا (٢) قبله يأكلان ويشربان وحدهما، ثم استأنف فقال ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ يعني الكفار، ومن قرأ (شِرْكاً) فالمعنى صارا له (٣)، أي: معه شِرْكاً فيما آتاهما، وهذا القول لم أُسبق إليه، وهو حسن، لأنه تنزيه لآدم وحواء عن الشرك، وثناء عليهما، والله أعلم (٤). ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ يعني الأصنام. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ ذهب المفسرون إلى أن قوله وهم ﴿يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ للمعبودين، وإنما جمع جمع السلامة بعد قوله ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ لما وصفها بأنها تُعبد، وقيل: لأن فيما يُعبد الشياطين والملائكة والمسيح، ويحتمل: أن الضمير يعود إلى العابدين، وهم المشركون، وتقديره: أيشركون مالا يقدر على خلق وهم مخلوقو الله، أي: فليعبدوا خالقهم. ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ لا تنصر من أطاعها. ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مضرة من قصدهم بكسر

стр. 486

أو غيره، هذا صفة الأصنام. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيها المشركون، أي: أصنامكم (١). ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ إلى الرشد والصواب. ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنها لا تعقل ولا تفهم. وقيل: هذا خطاب للمسلمين، وضمير المفعول يعود إلى قوم من الكفار علم الله أنهم لا يؤمنون. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ أي: دعاء الصنم (٢) والسكوت عن الدعاء سيان، لأنه لا يسمع ولا يجيب، وقيل: دعاء هذا الكافر، والتقدير: أدعوتموهم أم صَمَتُّم، واسم الفاعل ناب عن الفعل (٣). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: تعبدون، وقيل: تدعون: من الدعاء، وقيل: تسمونهم آلهة، فحذف المفعول الثاني. ﴿عِبَادٌ﴾ جمع عبد، وهو المملوك من بني آدم (٤). ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ في كونها مخلوقة لله، وأجرى ﴿الَّذِينَ﴾ ولفظ ﴿عِبَادٌ﴾ للأصنام على زعم الكفار أنها تعقل وتضر وتنفع، وله في القرآن نظائر (٥)، ومن زعم أن ذلك لاشتمال المعبودين على الملائكة والجن وعيسى ﵇ فمدفوع ها هنا، لقوله

стр. 487

﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية. وقيل: المراد بهم الكفار ثم عدل إلى ذكر الأصنام. وقيل: هذا على طريق الاستفهام، أي: أإن الذين (١) تدعون (٢)، والمعنى: أنتم أعلى وأفضل منها فلم تعبدونها. ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ أمر إنكار. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فليجيبوا، أمر تعجيز. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ أنها تعقل وتسمع وتجيب. ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ مشيكم. ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ يتناولون بها. ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ قيد الأعضاء والحواس بمنافعها لأن المشركين يجعلون للأصنام صورة الأعضاء والحواس (٣). ﴿قُلِ﴾ يا محمد: أيها المشركون ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ وأضاف إليهم لأنهم يزعمونها شركاء الله.

стр. 488

﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ بالغوا في مكروهي سراً وجهراً. ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ لا تؤخروا عني ما تقدرون عليه من المكروه. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ نصيري. ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ القرآن. ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ يحفظ المؤمنين الذين لا يشركون. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ يعني الأصنام. ﴿إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يقابلونك، من قولهم: داري تنظر إلى دارك، وقيل: تراها كأنها تنظر إليك، وقيل: فاتحة أعينها فعل الناظر. ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ لأنها لا حياة لها، وقيل: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يعني: الكفار ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ بأعينهم ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ لأنهم (١) لا يقرون بنبوتك، من قوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ عن جماعة من العلماء أنهم قالوا: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية (٢). ولما نزلت هذه الآية قال ﵇ لجبريل ﵇: ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل (٣)، ثم رجع فقال: يا محمد: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك (٤).

стр. 489

قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ هو العفو عن المذنب (١)، أي: اترك عقوبته، وهو منسوخ بآية القتال (٢)، وقيل: خذ العفو من أموالهم، أي: ما فضل وطاب وسهل، من قوله ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وهو منسوخ بآية الزكاة، وقيل: ما عفا من أخلاق الرجال وما لا يَجْهَدُهم. ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ بالمعروف، وهو ما حسن فعله وعرفته (٣) القلوب ولم تنكره. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ بترك مؤاخذتهم، قيل: منسوخة بالقتال، وقيل: أعرض عنهم بترك مقاتلتهم (٤)، وقيل: بترك موافقتهم. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ نالك منه وسوسة وفساد وغضب. والنزغ: الإزعاج بالإغراء. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فاستجر بالله من الشيطان الرجيم من مكايده واستغث به، وقيل: معنى الآية: وإن دعاك الشيطان إلى خلاف ما أمرناك بقولنا (٥) ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية، فاستعذ به منه. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ يسمع الدعاء ويعلم ما في الضمائر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ ابن عباس ﵄: إذا زلوا تابوا (٦). والطَّيْفُ (٧): ما يتخيل في العقل مما لا تلحقه العين، أو يرى في المنام، وقيل: اللمم والوسوسة والخبل (٨). تقول: طافَ الخيالُ يَطيفُ طَيْفاً، وطافَ الرجلُ يَطوفُ طَوْفاً: إذا أقبل وأدبر، وطَيْف: من طاف الخيال، ويجوز أن يكون من طاف الرجل، فيكون أصله طَيِّف بالتشديد فخففت (٩) كَمِّيت، وطائف اسم فاعل (١٠) من أحدهما (١١).

стр. 490

الحجة: يجوز أن يكون طائف مصدراً كالطيف (١). ﴿تَذَكَّرُوا﴾ عقوبة الله، وقيل: تذكروا المخرج منه بالتوبة. ابن بحر: أعاذوا بذكر الله (٢). ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ على بصيرة، والمبصر: صاحب البصيرة، وقيل: مهتدون، وقيل: منتهون. ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ يعني الشياطين، يجوز أن يكون الإخوان للشيطان والضمير للكفار، ويجوز أن يكون الإخوان للكفار والضمير للشيطان (٣). ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ من: المَدَد (٤)، وهو الزيادة، ومِنَ: المَدِّ، وهو الجذب، أي: يزينون لهم الكفر والمعاصي ويغرونهم، و (يُمِدونهم) بالضم: يعينونهم (٥). ﴿فِي الْغَيِّ﴾ الضلال والهلاك، وهو نقيض الرشد. ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ لا يقلعون ولا ينتهون، و ﴿فِي﴾ متعلقة بالمد، وقيل: حال الإخوان (٦). ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: مما اقترحوا عليك، وقيل: بآية من القرآن، وقيل: بفريضة. ﴿قَالُوا لَوْلَا﴾ هلا.

стр. 491

﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾ تقولتها من نفسك، تقول: اجتبيت الشيء واخترعته وارتجلته واختلقته، بمعنىً، وقيل: اخترتها لنفسك، وقيل: طلبتها من الله. الحسن: هي الآية من القرآن إذا جاءت كذبوا بها وإذا تأخرت طلبوها استهزاء. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لست آتيكم بها من قبل نفسي فأجعل لكم ما تريدون. ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي: القرآن بصائر. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه بيان كل شيء، أي: فأي آية أعظم منه. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ في سبب النزول: عن أبي هريرة ﵁ قال: نزلت (١) في رفع الأصوات في الصلاة خلف رسول الله ﷺ (٢). قتادة: كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت، كان الرجل يقول لصاحبه: كم صليتم، فيقول: كذا وكذا، فأنزلت (٣) الآية (٤). الزهري: نزلت في فتى من الأنصار كان ﵇ (٥) كلما قرأ شيئاً قرأه،

стр. 492

فنزلت هذه الآية (١). سعيد بن جبير في جماعة: نزلت في الإنصات للإمام في الخطبة يوم الجمعة (٢). وقيل: هو عند قراءة القرآن، ومعنى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ أي: للاستماع. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي: خلف الإمام، وقيل: واذكره (٣) بقلبك ولا تنسه، وقيل: واذكره بالتحميد والتسبيح (٤) تضرُّعاً وخيفة (٥) خاشعاً متذللاً خائفاً فرقاً. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: اذكره بقلبك وبلسانك غير مجهور به ولا مرفوع به صوتك. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ بالبكرة. ﴿وَالْآصَالِ﴾ والعشي (٦)، وهي جمع أَصِيْل، وقيل: جمع أُصُل، وأُصُل: جمع أَصِيْل، وهو اسم لما بين العصر إلى المغرب، وأَصَلَ: دخل فيه (٧)، وقيل: اذكر ربك في نفسك صلاة الظهر والعصر، و ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾: الفجر والعشائين، أي: ارفع الصوت وسطاً. ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ بقلبك ولسانك، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به: هو

стр. 493

والمؤمنون، وقيل: واذكر ربك أيها المستمع المنصت. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: الملائكة، و ﴿عِنْدَ﴾ للقربة والمنزلة، وقيل: عند رحمته وفضله، وقيل: عنده: على معنى: رسله (١). ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتعظمون. ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ عبادة الله. ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ وينزهونه عما لا يليق به. المفضل: يرفعون أصواتهم بذكره. وقيل: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾: يصلون له، من: السبحة، وهي الصلاة. ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ (٢).

стр. 494

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأنفال ، مدنية (١). قال ابن عباس ﵄: إلا سبع آيات من قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيات [الأنفال: ٣٠] (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ في سبب النزول عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم بدر قُتِلَ أخي عُمَير، وقَتَلتُ سعيد بن العاص فأخذت سيفه وكان يُسمى ذا الكَتِيْفَة، فأتيت به رسول الله ﷺ ، قال: (اذهب فاطرحه في القَبَض)، فرجعت وبي ما لايعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قريباً حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله ﷺ : (اذهب وخذ سيفك) (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: لما (٤) كان يوم بدر قال ﷺ : (من قتل قتيلاً

стр. 495

فله كذا وكذا) فذهب الشبَّان وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنيمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردءاً لكم، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، فقسمها بينهم على السواء (١). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: لما هزم العدو يوم بدر ذهبت طائفة خلف العدو وأحدقت طائفة برسول (٢) الله ﷺ ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب (٣) ثم اختلفوا في الغنيمة وادَّعى كل واحد أنها له، فأنزل الله سورة الأنفال (٤). قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الواو ضمير المؤمنين وإن لم يتقدم في السورة ذكرهم، لأن الحال وسبب النزول يدلان على ذلك، ولأن القرآن كله كسورة واحدة. والسؤال على وجهين: سؤال استعلام وسؤال طلب، وهذا سؤال استعلام لأنه عُدّي بعن. وقيل معناه: يسألونك عن حِلها وحرمها ليعلموا ما حكمها مع تحريمها على من كان قبلهم. وقيل: ﴿عَنِ﴾ هاهنا زيادة والسؤال للطلب (٥) وكذلك قرأَهُ ابن مسعود ﵁ (٦).
следующие страницы →