← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾ تقولتها من نفسك، تقول: اجتبيت الشيء واخترعته وارتجلته واختلقته، بمعنىً، وقيل: اخترتها لنفسك، وقيل: طلبتها من الله. الحسن: هي الآية من القرآن إذا جاءت كذبوا بها وإذا تأخرت طلبوها استهزاء. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لست آتيكم بها من قبل نفسي فأجعل لكم ما تريدون. ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي: القرآن بصائر. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه بيان كل شيء، أي: فأي آية أعظم منه. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ في سبب النزول: عن أبي هريرة ﵁ قال: نزلت (١) في رفع الأصوات في الصلاة خلف رسول الله ﷺ (٢). قتادة: كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت، كان الرجل يقول لصاحبه: كم صليتم، فيقول: كذا وكذا، فأنزلت (٣) الآية (٤). الزهري: نزلت في فتى من الأنصار كان ﵇ (٥) كلما قرأ شيئاً قرأه،

стр. 492

فنزلت هذه الآية (١). سعيد بن جبير في جماعة: نزلت في الإنصات للإمام في الخطبة يوم الجمعة (٢). وقيل: هو عند قراءة القرآن، ومعنى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ أي: للاستماع. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي: خلف الإمام، وقيل: واذكره (٣) بقلبك ولا تنسه، وقيل: واذكره بالتحميد والتسبيح (٤) تضرُّعاً وخيفة (٥) خاشعاً متذللاً خائفاً فرقاً. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: اذكره بقلبك وبلسانك غير مجهور به ولا مرفوع به صوتك. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ بالبكرة. ﴿وَالْآصَالِ﴾ والعشي (٦)، وهي جمع أَصِيْل، وقيل: جمع أُصُل، وأُصُل: جمع أَصِيْل، وهو اسم لما بين العصر إلى المغرب، وأَصَلَ: دخل فيه (٧)، وقيل: اذكر ربك في نفسك صلاة الظهر والعصر، و ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾: الفجر والعشائين، أي: ارفع الصوت وسطاً. ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ بقلبك ولسانك، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به: هو

стр. 493

والمؤمنون، وقيل: واذكر ربك أيها المستمع المنصت. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: الملائكة، و ﴿عِنْدَ﴾ للقربة والمنزلة، وقيل: عند رحمته وفضله، وقيل: عنده: على معنى: رسله (١). ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتعظمون. ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ عبادة الله. ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ وينزهونه عما لا يليق به. المفضل: يرفعون أصواتهم بذكره. وقيل: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾: يصلون له، من: السبحة، وهي الصلاة. ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ (٢).

стр. 494

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأنفال ، مدنية (١). قال ابن عباس ﵄: إلا سبع آيات من قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيات [الأنفال: ٣٠] (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ في سبب النزول عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم بدر قُتِلَ أخي عُمَير، وقَتَلتُ سعيد بن العاص فأخذت سيفه وكان يُسمى ذا الكَتِيْفَة، فأتيت به رسول الله ﷺ ، قال: (اذهب فاطرحه في القَبَض)، فرجعت وبي ما لايعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قريباً حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله ﷺ : (اذهب وخذ سيفك) (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: لما (٤) كان يوم بدر قال ﷺ : (من قتل قتيلاً

стр. 495

فله كذا وكذا) فذهب الشبَّان وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنيمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردءاً لكم، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، فقسمها بينهم على السواء (١). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: لما هزم العدو يوم بدر ذهبت طائفة خلف العدو وأحدقت طائفة برسول (٢) الله ﷺ ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب (٣) ثم اختلفوا في الغنيمة وادَّعى كل واحد أنها له، فأنزل الله سورة الأنفال (٤). قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الواو ضمير المؤمنين وإن لم يتقدم في السورة ذكرهم، لأن الحال وسبب النزول يدلان على ذلك، ولأن القرآن كله كسورة واحدة. والسؤال على وجهين: سؤال استعلام وسؤال طلب، وهذا سؤال استعلام لأنه عُدّي بعن. وقيل معناه: يسألونك عن حِلها وحرمها ليعلموا ما حكمها مع تحريمها على من كان قبلهم. وقيل: ﴿عَنِ﴾ هاهنا زيادة والسؤال للطلب (٥) وكذلك قرأَهُ ابن مسعود ﵁ (٦).

стр. 496

وقيل: ﴿عَنِ﴾ بمعنى (من). والأنفال: جمع نَفَل ونَفْل (١)، وهو العطية، والنوفل: الرجل الكثير العطاء, وقيل: النَفْل: الزيادة، ومنه النافلة لولد الولد، وكذلك النافلة في الصلاة. ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ بدأ بذكر الله تعظيما. ﴿وَالرَّسُولِ﴾ ابن عباس ﵄ أي: الأمر في الغنائم إلى الرسول ﷺ (٢). ابن جرير (٣): الأنفال غير الغنائم إنما هي زيادات يزيدها الإمام من رأى (٤). الحسن: هي ما شذ من العدو من عبد أو دابة بغير قتال فللإمام أن ينفل من شاء (٥). وقيل: الأنفال: أنفال السرايا خاصة. مجاهد: هي الخمس (٦). فمن جعلها الغنائم قال: هي منسوخة بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١].

стр. 497

ومن لم يجعلها الغنائم قال: هي محكمة (١). والفرق بين الفيء والنفل والغنيمة، أن الفيء: ما عاد إلى المسلمين من أموال المشركين من غير حرب (٢) ولا إيجاف خيل، وذلك لبيت المال , والغنيمة: ما أصيب بحرب عن ظفر، وذلك يقسم على حكم قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية , والنفل: زيادة على ما يصيب من القسمة. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: الحالة التي بينكم ليكون سبباً لإلفكم (٣) واجتماع كلمتكم , وقيل: أموركم. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ في فرائضه. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سنته. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ فإن الإيمان يوجب ذلك. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت فانقادت (٤) لأوامره وارتدعت عن نواهيه واطمأنت إلى وعده وفرقت من (٥) وعيده. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ أي: القران. ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ إذا تدبروا وتأملوا (٦) معانيه يزيد في إيمانهم ويقينهم وقوة بصائرهم , وقيل: تصديقاً , وقيل: يقيناً , وقيل: خشية. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ يفوضون أمورهم إليه.

стр. 498

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ يخرجون حق الله بالزكاة والصدقة , قيل: يقرون أنه من عند الله. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ سراً وجهراً بخلاف المنافق , وقيل: هم الذين استحقوا هذه التسمية , وقيل: هو تأكيد (١) للكلام، أي: أحق هذا الخبر حقاً. والحق في الكلام على وجهين: أحدهما: المستحق، والثاني: ماله حقيقة الوجود، بخلاف الباطل فإنه لا وجود له. وقيل: تم الكلام على المؤمنين (٢)، وحقاً متعلق بقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل في الجنة , وقيل: مراتب. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ للذنوب. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ خالص من شوائب الكدر (٣) , وقيل: مرتفع القدر عند الناس. ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ كما أمرك بالخروج ودعاك إليه من بيتك. قيل: من مكة، حكاه الماوردي (٤). والجمهور على أنه: من المدينة، حين سمع بأبي سفيان مقبلاً من الشام في عير قريش ومعه أموال وتجارات كثيرة، وهي اللَّطيمةُ (٥)، فقال للمهاجرين والأنصار:

стр. 499

(اخرجوا معي إليها لعلنا نأتي بخبر) فخرج معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان الجمل بين ثلاثة يتعاقبون عليه ولم يكن معهم إلا فرسان، فخرجوا من غير قوت (١) ولا سلاح لا يريدون إلا أبا سفيان ولا يريدون (٢) أن يكون ثمّ قتال، فلما سمع أبو سفيان مسير النبي ﷺ بعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليخبرهم أن محمداً قد عرض لِعيرهم (٣) فغضب أهل مكة فانتدبوا ولم يتخلف عنهم إلا الضعيف، فلما بلغ رسول الله ﷺ وادياً يقال له ذَفِرَانُ (٤) أتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما قريشاً، فشق ذلك على بعضهم وقالوا: يا رسول الله هلا أخبرتنا أنه يكون قتال حتى نخرج سلاحنا ونتأهب (٥)، إنا خرجنا نريد العير، فاستشار ﷺ أصحابه فقالوا: امض لما أمرك الله ونحن معك، والله لا نقول (٦) كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤]، فقال ﷺ : (سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) فسار ﷺ حتى نزلوا بدراً بجانب الوادي الأدنى (٧)، ونزل به المشركون على جانبه الأقصى على الماء، وبينهما الوادي (٨).

стр. 500

وفي قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ خلاف بين المفسرين: فذهب بعضهم إلى أن التشبيه وقع بين الحقين، أي: هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك من بيتك بالحق , وقيل: قسمتك الغنائم حق كما كان خروجك حقاً. وقيل: بين الكراهتين، أي: الأنفال لله ورسوله وإن كره بعضهم، كما أخرجك ربك وفريق من المؤمنين (١) كارهون. وقيل: بين المجادلتين، لأنهم جادلوا في الأموال وادعى كل فريق أنها لهم كما جادلوا في لقاء العدو عند دنوهم منهم، وقيل: يجادلونك في القتال كما جادلوا في الخروج. وقيل: بين الصلاحين، أي: صلاحهم في إصلاح ذات بينهم كصلاحهم في إخراج الله إياهم (٢). وقيل: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وهو مكة (٣)، كما أخرجك من بيتك وهو مكة. وقيل: هو يمين، أي: والذي أخرجك، وهذا سهو وإن كان قائله أبو عبيدة (٤). وقيل: امض على ما أخرجك ربك، والكاف بمعنى على، حكاه قطرب ونسبه إلى ابن عباس. قوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالواجب , وقيل: الخروج لذلك (٥) حق لا باطل.

стр. 501

﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ أي: الخروج، قيل: لأن النبي ﷺ أمرهم بالخروج بغتة كي لا ينتشر الخبر فيبلغ أبا سفيان ولم يكونوا متأهبين للخروج , وقيل: كارهون كراهة نفار الطبع عن المشاق لا كراهة ضد الإرادة , وقيل: كرهوا أولاً ثم أرادوه. ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ يخاصمونك، والمجادلة: المخاصمة والمنازعة التي يعتلى بها عن مذهب إلى مذهب , أي: يجادلونك حين فاتهم العير ونزل بازائهم النفير , ويقولون: لو علمنا أنا نقاتل لتأهبنا للقتال وأعددنا له عدته , وقيل: كرهوا القتال لقلتهم وكونهم رَجَّالة (١). ﴿فِي الْحَقِّ﴾ في الجهاد , وقيل: في الخروج. ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أن الجهاد واجب والخروج صواب , وقيل: بعدما تبينوا وعلموا أن أمرك أمر الله. والتبين: ظهورالمعنى للنفس. ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ أي: يكرهون القتال كراهية من يساق إلى الموت وهم ينظرون إلى أسبابه. والسوق: الحث على السير. وقيل ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ يعني الكفار ﴿فِي الْحَقِّ﴾ في الإسلام ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ بان وظهر الإسلام ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حين دُعُو إلى الإسلام ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ تلك الحالة. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ إما العير وإما النفير.

стр. 502

﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل من إحدى الطائفتين، أي: يصير ما معهم لكم. والوعد: الخبر بما يسر، بخلاف الوعيد: فإنه خبر بما يغم، ولا يكونان إلا بما يستأنف. والبشارة: تقع للماضي والمستقبل. ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ وتمنون أن الطائفة غير ذات الشوكة (١): السلاح: السيف والسنان والنصال. وقيل: الشوكة: شدة الحرب. والشوكة: الحدة، واشتقاقها من الشوك، وهو النبت الذي له حدة. ﴿تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ينصر أهل الإسلام , وقيل: يظهر الإسلام , وقيل: يأمر بالجهاد. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأوامره ونواهيه , وقيل: بمواعيده. ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ يستأصلهم , والدابر: الآخر، والدابر: الأصل (٢) , وقيل: الدابر: آخر من بقي. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ليعبد الله وحده وذلك تحقيق الحق. ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ الكفر. وقيل: الحق: القرآن، والباطل: إبليس. وقيل: لينصر محمداً ﷺ ويبطل فعل المشركين. وقيل: تَحقق وَعده. ومعنى ﴿لِيُحِقَّ﴾ يثبت ويظهر، وكررت (٣): لأن الأول متصل بقوله ﴿وَتَوَدُّونَ

стр. 503

أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني (١) متصل بالكل. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ ذلك. الحسن في جماعة: هاتان الآيتان متقدمتان في النزول على قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ وفي القراءة بعدهما (٢). ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الاستغاثة: طلب المغوثة (٣)، وهي: سد الخلة في وقت شدة الحاجة , وقيل: الاستغاثة: طلب الغوث، وهو: التخليص من المكروه , وقيل: تستغيثون: تستجيرون، من: الغوث، واغوثاه. والمستغيث: المسلوب القدرة، والمستعين: الضعيف القدرة، والمستجير: طالب الخلاص، والمستنصر: طالب الظفر. ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ أجاب، وقيل: الاستجابة ما تقدمها امتناع والإجابة ما لم (٤) يتقدمها (٥) امتناع. ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ معينكم. ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ متتابعين , وقيل: مع كل ملك ملك فتكون ألفين , وقيل: مردفين: جاءوا على آثارهم، قال (٦): إذا الجوزاءُ أردفتِ الثُّريا ... ظننتُ بآلِ فاطمةَ الظُنونا

стр. 504

والجوزاء تطلع على إثر الثريا. ومن قرأ بالفتح (١): أردف (٢) بعضهم ببعض، أو أردفهم المسلمون، تقول: ردفته: إذا ركبتَ خلفه، وأردفته: أركبته خلفك. الحسن: أمدوا بخمسة آلاف، هذا ألف وثلاثة في آل عمران (٣) ثم أردفهم ألفاً، فصاروا خمسة آلاف. وقيل: صاروا (٤) ثمانية آلاف. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: الإمداد، وقيل: الإرداف. ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ ما يؤذن بالمسرة. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ ولتسكن به. ﴿قُلُوبُكُمْ﴾. وحذف ﴿لَكُمْ﴾ في هذه السورة لتقدم قوله ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ وقدم ﴿بِهِ﴾ هاهنا لأنه القياس، وأخر في آل عمران كما أخر ﴿لَكُمْ﴾ (٥). ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغلب. ﴿حَكِيمٌ (١٠)﴾ يضع الشيء موضعه.

стр. 505

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ اذكر إذ. وقيل: لتطمئن إذ. (يغشاكم): علاكم. و﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ الله ﴿النُّعَاسَ﴾ (١). والنعاس: النوم، تقول: نَعَسَ يَنْعُسُ بالضم، فهو ناعسٌ ونعسان. ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾ أمناً من عند الله. لما وعد الله المسلمين بالنصر: سكنوا إلى وعد (٢) الله فناموا، لأن الأمنَ يُنِيْم والخوفَ يُسْهِر. ابن مسعود ﵁: النوم عند القتال أمنة من الله، والنوم في الصلاة من الشيطان (٣). وجاء في الخبر: ناموا حتى احتلم أكثرهم فأصبحوا مجنبين (٤). ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطروا مطراً جوداً (٥).

стр. 506

﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ بالماء من الأحداث والجنابة. ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ كيده ووسوسته، وقيل: عذابه بالوسوسة (١) , وقيل: رجز الشيطان: الجنابة من الاحتلام لأنه من الشيطان، وذلك أن المشركين غلبوا على الماء، فوسوس إليهم الشيطان وقال: كيف ترجون الظفر وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين محدثين وتزعمون أنكم أولياء (٢) وفيكم رسوله (٣). ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ باليقين، والربط: الشد. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ وكانوا على كثيب أعفر تغيب فيه الأقدام، فلبده المطر. وقيل ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: الكفر. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ بالإيمان ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ ويقوى القلب فيكون سبباً لثبات القدم. ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بالنصرة. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالبشارة. فكان الملك يمشي أمام الصف ويقول: أبشروا أبشروا، إنكم كثير وعدوكم قليل والله ناصركم (٤). وقيل: كانوا يخبرون النبي ﷺ بالنصرة، وكان النبي ﷺ يخبر المؤمنين

стр. 507

بذلك (١). ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الخوف (٢). والرعب: امتلاء القلب من الخوف، من قول العرب: رَعَبَ السَّيْلُ الواديَ، إذا مَلَأهُ ماءً (٣). ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ قيل ﴿فَوْقَ﴾ صلة. وقيل ﴿فَوْقَ﴾ بمعنى: على. وقيل: ما بدا من أعناقهم. وقيل: جلدة الأعناق. وقيل: فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق، ويحتمل: أن فوقاً مفعول به لا ظرف، تقول: فَوْقُكَ رأسُكَ، بالرفع، وفوقَكَ قَلَنْسُوَتُكَ، بالنصب. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ أي: اضربوا الرؤوس فإنها المقتل واقطعوا الأنامل لأنها مواضع استعمال السلاح. والبنان: الأصابع، واحدها بنانة، من: أَبَنَّ بالمكان إذا أقام. وقيل ﴿كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ كل طرف ومفصل. وقيل: حيث استقبلتم من أعضائهم وحيث استقبلكم منها. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الضرب والقتل. ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بسبب أنهم خالفوا الله ورسوله. والشقاق (٤): الخلاف، وأصله من مفارقة الشيء الشيء، وحقيقته أن تكون في

стр. 508

شق وغيرك في شق، وعلى هذا أكثر هذا الباب. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالنار والنكال. ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ إي: الأمر ذلكم، وهو إشارة إلى ما عجل لهم يوم بدر، ويجوز أن يكون نصباً، نحو: زيداً فاضربه. ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ عطف على ذلك. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ فيه ثلاثة أقوال: عطاء في جماعة: منسوخة، نسختها (١) آية تحريض (٢) المؤمنين على القتال (٣). الحسن في جماعة: مخصوصة بأهل بدر (٤). ابن عباس في جماعة: محكمة، والفرار من الزحف من الكبائر (٥). الزحف: الجيش يزحف لقتال جيش آخر، والزحف: السير الثقيل، وهكذا سير العساكر, وقيل: الزحف: الدنو قليلاً قليلاً, وقيل: هومن زحف الصبي إذا جر أسفله على الأرض. ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ لا تنهزموا ولا تجعلوا أدباركم (٦) مما يلي أعداءكم.

стр. 509

وخص الدبر بالذكر دون الظهر تقبيحاً للفرار. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ مستطرداً أو تولى مكيدة ومكراً، أورأى غير موضعه أصلح له. والتحرف المصير إلى الحرف وهو الحدّ. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أو (١) منضماً إلى جماعة غيرهم بالقرب منهم (٢)، مشتق من: حُزْتُ الشيء: جمعته، وأصله مُتَحَيْوِزٌ. ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ استحق ورجع واحتمل وقد سبق. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ مرجعه إلى النار. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ في سبب نزوله ثلاثة أقوال: أحدها: أن النبي ﷺ أخذ قبضة من حصباء الوادي يوم بدر فرماهم بها (٣) وقال: (شاهت الوجوه) فلم تبق عين مشرك إلا دخلها منه (٤) شيء (٥). وقال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى ﷺ تلك الحصيات (٦) فانهزمنا (٧).

стр. 510

وعن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ طعن أُبيّ بن خلف يوم أحد بحربته فسقط أُبيّ عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فجعل يخور خوار الثور، فقيل له: ما أعجزك إنما هو خدش، فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي (١) المجاز لماتوا جميعاً (٢)، فمات أُبيّ، فأنزل الله في ذلك (٣): ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤). وقيل: نزل يوم خيبر (٥): رمى النبي ﷺ بسهم نحو الحصن (٦) فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة ابن أبي الحُقَيق وهو على فراشه، فأنزل الله هذه الآية (٧). وجمهور المفسرين على القول الأول، أي: فلم تقتلوهم فتستحقوا الأنفال، ولكن الله قتلهم، أي: تولى نصركم وإمدادكم بالملائكة , وقيل: ساقهم إليكم ومكنكم منهم. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: ما رميت في أعينهم كلهم لأن ذلك ليس في طوق البشر.

стр. 511

﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ من يدك (١). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فلا اعتداد لرميك. وقيل: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالحصباء ولكن الله رمى رمي الإصابة (٢). وقيل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾: ما ظفرت، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أظفرك، من قول العرب: رمى الله لك، أي: نصرك. ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ ليسدي إليهم وينصرهم وينعم عليهم. تقول: أبلاه (٣): إذا أنعم عليه، وبلاه: امتحنه. والبلاء: يستعمل للخير والشر فقيده بقوله ﴿حَسَنًا﴾، وتقديره: وليبلي المؤمنين فَعَلَ ما فَعَل. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: فعل الله ذلك الذي شاهدتموه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: الأمر ذلكم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ مضعف كيد الكافرين بإبطال حيلهم وإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم ونقض ما أبرموا. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إن تستنصروا فقد جاءكم نصر الله, وقيل: إن تستقضوا فقد جاءكم قضاء الله، الخطاب للكفار حيث قالوا: اللهم افتح بيننا

стр. 512

وبين محمد ﷺ (١)، وقال أبو جهل يوم بدر: انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدّينين (٢). ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفر والقتال. ﴿فَهُوَ﴾ أي: الانتهاء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا﴾ للقتال ﴿نَعُدْ﴾ للقتل والهزيمة ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾ تدفع ﴿عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ جمعكم ﴿شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ الفئة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾. وقيل: الخطاب للمؤمنين، ومعنى الآية: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح يوم بدر وإن تنتهوا عن أمر الأنفال وفداء الأسارى ببدر فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى معصية (٣) نعد إلى الإنكار، ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت لكثرة أعدائكم وأن الله مع المؤمنين. والأول أظهر. وقيل: وإن تعودوا للاستفتاح نعد لنصر محمد ﷺ والمؤمنين. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يدعوكم إلى الجهاد , وقيل: هو قبول الأمر والنهي. وخص المؤمنين بالذكر رفعاً لأقدارهم وإن كان غير المؤمنين داخلاً معهم. ﴿وَلَا تَوَلَّوْا﴾ لا تعرضوا. ﴿عَنْهُ﴾ ولا تخالفوه. ووحد الكناية لأنه يعود إلى الله , وقيل: إلى رسوله، لأنه المنبئ عن الله , وقيل:

стр. 513

إلى الله ورسوله، ووحد لأن أمر كل واحد أمر الآخر , وقيل: يعود إلى الجهاد والأمر الذي أمروا به. ويحتمل أنه لما لم يجز إطلاق لفظ التثنية على الله تعالى وحده لم يجز إجراء لفظ التثنية عليه (١) مع غيره، بخلاف لفظ الجمع فإنه لما جاز إطلاق لفظ الجمع عليه وحده تعظيماً جاز إجراء لفظ الجمع عليه مع غيره، ولهذا نظائر في القرآن، منها قوله ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ومنها: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وجاء النكير عن النبي ﷺ على من ذكره مع غيره بلفظ التثنية، وهو أن رجلاً قام بين يديه فقال: من أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى فقال: (بئس خطيب القوم أنت، هلا قلت ومن عصى الله ورسوله) (٢)، والله اعلم. ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ القرآن , وقيل: الأمر والنهي. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ هم (٣) المنافقون وقيل: هم أهل الكتاب، وقيل: هم المشركون، يسمعون (٤) بأذانهم فلا ينتفعون فصاروا كمن لا يسمع , وقيل: هم الذين قالوا ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث. وقيل: في بني عبد الدار بن قصي، لم يسلم منهم إلا رجلان، مصعب بن عمير

стр. 514

وابن حرملة (١). ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ كل ما دب على الأرض فهو دابة، ولا يطلق على الإنسان إلا ذماً، وعلى الذم حملت الآية، لأنهم كالأنعام حيث لم يسمعوا الموعظة ولم ينطقوا بالحق ولم يتدبروا القران فيعرفوا الرشد من الغي. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ إيماناً وقبول موعظة , وقيل: سعادة سبقت لهم. ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جعلهم ينتفعون بالسمع. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: كلام الموتى بصحة نبوة محمد ﷺ . وقيل: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ جواب كل ما سألوه عنه. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾. وقيل: تولوا عن الجهاد. ويحتمل: ولو أسمعهم من غير أن علم فيهم خيراً لتولوا. والله أعلم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ولم يقل دعواكم لما سبق. وقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي (٢): للإيمان، فإنه الحياة، والكفر الموت (٣). وقيل: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد. وقيل: الشهادة، فإن الشهداء أحياء.

стр. 515

وقيل: العلم، فإنه سبب الحياة الدائمة. وقيل: لما يبقيكم، وهو قتل الأعداء وكسرهم حتى لا يجترؤا على الإقدام على مقاتلتكم (١). وقيل: على ما ينالون (٢) من الغنيمة في الجهاد ويعيشون بها. وروى أبو هريرة ﵁ أن أُبيّاً كان يصلي فدعاه رسول الله ﷺ ، فلم يجبه حتى فرغ من صلاته ثم جاءه وسلم عليه (٣)، فقال ﷺ : (لمَ لمْ تجبني إذ دعوتك، أما تقرأ قوله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾) فقال: لم أعلم ولا أعود بعده إلى مثله (٤). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي أنه في القرب بهذه الصفة، كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦]. وقيل: بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان. وقيل: يسلبه عقله فلا يقدر على كفر ولا إيمان. وقيل: يحول بينه وبين ما تمناه من طول الحياة. وقيل: يحول بين المرء وقلبه بالموت فتفوته التوبة. وقيل: يقلب قلبه (٥) من حال إلى حال.

стр. 516

﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ فيجازيكم وفق أعمالكم. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الفتنة: البلية والامتحان والاختبار الذي يظهر باطن (١) أمر الناس فيستحق عليه الجزاء. والمراد به (٢) هاهنا عند المفسرين: إقرار المنكر، أي: لا تقروا المنكر بين أظهركم فيعمكم بالعذاب. وقيل: اتقوا أن يبتلى الظالمون (٣) بنقمة من الله. ابن مسعود ﵁: الفتنة: الأموال والأولاد، يقويه قوله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (٤). الحسن: هي التي بلي بها الناس يوم الجمل (٥). وقيل: ظهور البدع. ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الفتنة. وقيل: عقوبة الفتنة، أي: يتعدى ضررها إلى غير الظالمين فيكون للظالمين جزاء على ذنبهم (٦) ويكون للصالحين امتحاناً يثابون عليه. وقيل: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي والضمير فيه للفتنة، من باب قولهم: لا أُرَيَنَّك هاهنا، أي: لا تفعلوا ما تفتنوا به.

стр. 517

وقيل: قسم، حكاه علي بن عيسى (١). ولا يصح أن يكون جواباً للأمر ولا جزاء لشرط مقدر كما ذهب إليه بعضهم وقاسوا على قوله ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨] المعنى (٢). ولا يصح أن يكون وصفاً، للنون (٣). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ إذا عاقب. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بقلة العدد والعدة. قيل: الخطاب لمن بمكة (٤) من المسلمين والضعفاء وهم المهاجرون. وقيل: لأهل بدر. وقيل: للعرب عامة. ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ كفار قريش. وقيل: فارس والروم. والخطف والتخطُّف: الأخذ بسرعة. ﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينة , وقيل: حفظكم ونصركم وجعل لكم مأوىً تتحصَّنون به وتسكنون فيه. ﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾ وقوَّاكم. ﴿بِنَصْرِهِ﴾ على الكفار. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلال الذي ساق إليكم , وقيل: الغنائم، أحلها لكم دون غيركم.

стр. 518

﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ كي (١) تشكروا نعمتي. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في أبي لبابة ابن عبد المنذر الأنصاري (٢)، وذلك أن رسول ﷺ حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأَذْرِعَات وأريحا (٣) من أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحاً لهم، لأن عياله وولده وماله كانت عندهم، فبعثه رسول الله فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة: ما ترى، أننزل على حكم سعد، فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي إنه الذبح ولا تفعلوا (٤)، قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزل فيه هذه الآية، فلما نزلت شد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق (٥) طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاءه

стр. 519

فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال ﷺ : (يجزيك الثلث أن تتصدق به) (١). وعن عطاء بن أبي رباح قال: نزلت حين هم رسول ﷺ بالذهاب إلى أبي سفيان فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم (٢). السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبي ﷺ فيفشونه حتى يبلغ المشركين (٣). المغيرة بن شعبة ﵁: نزلت هذه الآية في قتل عثمان بن عفان ﵁، حكاه الثعلبي (٤). والمعنى: لا تخونوا الله والرسول فتضمروا له خلاف ما تظهرون. وقيل: لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سنته. ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قيل: هي الغنائم، وهو الغلول. وقيل: لا تخونوا أماناتكم فيما بينكم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾. وقيل: لا تخونوا الله والرسول فتكونوا قد خنتم أماناتكم. وقيل: أماناتكم (٥): فرائض الله ودينه. ابن عيسى: الخيانة: منع الحق الذي ضمن فيه التأدية. وقيل: الخيانة: انتقاص الحق في خفية. وأصلها النقصان، تقول (٦): خانه واختانه وتَخَوَّنه: إذا تنقصه (٧).

стр. 520

وقيل: أصله القطع. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ حال، أي: عن تعمد وقصد , وقيل: وأنتم تعلمون ما في الخيانة من الإثم. ويجوز في ﴿تَخُونُوا﴾ الجزم والنصب (١). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ابتلاء وامتحان، فلا يحملنكم حبها على الخيانة مثل أبي لبابة. وقيل: بأن تأخذوا المال من غيرحله، أو تقعدوا عن جهاد وطاعة لمكانهما بل قوموا بالحق فيهما يَصِيْرا نعمة خالصة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ لمن آثر رضى الله فيهما. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ حجة وسلطانا بإعزاز دين الله وأهله وخذلان الشرك وحزبه , وقيل: مخرجاً مما تحذرون , وقيل: نجاة , وقيل: فصلاً يفرقون به بين الحق والباطل. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يسترها بالعفو عنها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم بفضله. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ على عباده. والتكرار (٢) للتأكيد لاختلاف اللفظين.

стр. 521

وقيل: السيئات: الصغائر، والذنوب: الكبائر. ويحتمل أن السيئات: التي مضت، والذنوب: التي تقع، لأنها في أهل بدر والله قد غفرها لهم. ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في سبب النزول: أن رؤساء قريش اجتمعوا في دار الندوة (١) ليتشاوروا في أمر محمد ﷺ ، وأغلقوا الباب كيلا يدخل عليهم أحد من بني هاشم (٢)، فدخل إبليس في صورة شيخ عليه ثياب أطمار وجلس معهم، فقالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً، فقالوا: هذا رجل من نجد لا بأس عليكم (٣)، فتكلموا فيما بينهم، فقال بعضهم: الرأي أن تأخذوه وتجعلوه في بيت وتسدوا بابه وتدعوا له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت، فقال الشيخ النجدي: بئس الرأي رأيتموه، تعمدون إلى رجل له فيكم آصِرَةٌ (٤) وأهل بيت وقد سمع به من حولكم فتحبسونه، يوشك أهل بيته أن يقاتلوكم (٥) ويفسدوا جماعتكم، قالوا: صدق والله الشيخ النجدي (٦)، وقال بعضهم: الرأي أن تحملوه على بعير ثم تخرجوه من أرضكم حتى يموت أو يذهب حيث يشاء، فقال إبليس: بئس الرأي رأيتموه، تعمدون إلى رجل قد أفسد

стр. 522

جماعتكم ومعه منكم طائفة فتخرجونه إلى غيركم فيأتيهم فيفسد منهم أيضاً جماعة، فيقبل عليكم فيكون فيه هلاككم، قالوا: صدق والله الشيخ، فقال أبو جهل (١): الرأي أن يجتمع عليه فتيان من قريش فيضربوه ضربة رجل واحد، فلا تقدر بنو هاشم أن يطلبوا ثأرهم (٢) من جميع قريش فيرضوا بالعَقْلِ (٣)، فقال الشيخ: صدق والله الشاب، فتفرقوا على ذلك، فأتى النبيَّ جبريلُ وأخبره الخبر وأمره بالهجرة، فَبَيَّتَ النبي ﷺ علياً ﵁ على مضجعه، فخرج هو وأبو بكر إلى الغار (٤)، ونزل ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٥). المكر: إيصال المكروه خفية (٦). ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ في الوثاق، وقيل: في الحبس. المبرد: هو الإثخان بالجراحات، تقول: ضربه حتى أثبته، أي: جرحه جراحة متلفة. ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بسيوفهم. ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ويرد مكرهم عليهم، فسمى رد المكر مكراً.

стр. 523

وقيل: معنى مكر الله: جازاهم على مكرهم، وقد سبق (١). وقيل: مكره أن أخرجهم إلى بدر فقتلوا. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ المجازين على المكر. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ القرآن. ﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾ في سبب النزول: أن قائل هذا الكلام النضر بن الحارث (٢). وقيل: إنما قالها (٣) الذين ائتمروا في أمر محمد ﷺ . ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ ما سطره الأولون وكتبوه. باهتوا بهذا الكلام فإنهم قد دُعُوا مرة بعد أخرى إلى الإتيان بسورة مثله فعجزوا. ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ هذه الآية متصلة بالأولى (٤)، وهي من كلام النضر.

стр. 524

وروي أن النضر (١) لما قال: إن هذا إلا أساطير الأولين، قال له النبي ﷺ : (ويلك إن هذا كلام الله وتنزيله) فرفع النضر رأسه إلى السماء وقال: إن كان هذا هو الحق من عندك (٢). وعن عطاء قال: نزلت في النضر بضع عشرة آية (٣). وعن أنس ﵁: إن قائله أبو جهل (٤). ﴿إِنْ كَانَ هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ هو فصل وعِمَاد (٥)، والحق: خبر كان ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ وحيك. ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السماء لا من الهواء استهزاء منه. ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ سوى الحجارة. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أي: استعجلوا العذاب وماكان الله ليعذبهم، أي: لا يفعل وليس من شأنه وأنت يا محمد فيهم وبين أظهرهم ومعهم، لأنك بعثت رحمة للعالمين، ولم يعذب قوم نبيهم بين ظهرانيهم.

стр. 525

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ قال بعض المفسرين: وفيهم من يستغفر، يريد من (١) بمكة من المؤمنين. وقيل: وما كان الله معذبهم، يعني: المؤمنين، فلما هاجر أولئك منها قال الله ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني الكفار. وعن ابن عباس ﵄: هو استغفار الكفار، لأنهم كانوا يطوفون بالبيت (٢) ويقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك (٣) إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، قال: وكانوا يقولون (٤): غفرانك اللهم غفرانك (٥). وعن بعضهم (٦): كان لهم أمانان: النبي ﷺ ، والاستغفار، فهاجر رسول الله ﷺ وبقي لهم (٧) الاستغفار (٨). وقيل: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ سيولد منهم أولاد مؤمنون. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذه حكاية عن المشركين، كانوا يقولون:

стр. 526

والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر (١) ولا يعذب أمة ونبيها معها، حكاه (٢) الثعلبي، وفيه بُعْد (٣). ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وقد خرج محمد ﷺ من بين أظهرهم. وقيل: مالهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة. وقيل: يوم بدر. ويحتمل: وما لهم أن لا يعذبهم الله وقد استحقوه، ولولا كونك وكون من يستغفر فيهم لعجل لهم (٤) العذاب. والعذاب: تجديد الآلام حالاً بعد حال، وأصله الاستمرار. ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يمنعون المسلمين عنه. ﴿وَمَا كَانُوا﴾ يعني المشركين. ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ أولياء المسجد , وقيل: أولياء الله. ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ أن ولايته للمتقين. ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ في سبب النزول: عن ابن عمر ﵄ قال: كانوا يطوفون بالبيت فيصفقون، ووصف الصَّفْقَ بيده، ويَصْفِرون، ووصف صفيرهم، ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت (٥). ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: الذي يسمونه صلاة ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ وهو تصويت يشبه صوت المُكَّاء، وهو طائر معروف، يقول: مَكَا يَمْكُو، قال (٦): تَمْكُو فَريصتُه كشِدْقِ الأَعْلمِ وقيل: هوأن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يَصْفِرُ فيه. وقيل: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وهو ضرب إحدى اليدين على الأخرى، واشتقاقه من الصَّدَى، وهو أن تسمع مثل صياحك في أماكن تمنع الصوت من النفوذ , وكانوا يعارضون به القرآن، يقويه قول سعيد بن جبير في التصدية: إنها صلاتهم عند المسجد الحرام (٧). وقيل: مكاهم: أذانهم، وتصديتهم: إقامتهم، حكاه الثعلبي (٨). الحسن: إذا أراد النبي ﷺ الصلاة خلطوا عليه وأروا أنهم يصلون لله عبادة (٩). ابن بحر: أي أن صلاتهم ودعاءهم (١٠) غير رادين عليهم ثواباً إلا كما يجيب الصدى الصائح (١١).

стр. 527

وقيل: أصل المكاء من: مكَّ، وأصل التصدية من: صدَّ، إذا صاح أو منع، قلب اللام ياء، وهذا سائغ عند اجتماع ثلاث متماثلات. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي يوم بدر , وقيل: في الآخرة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سبب النزول: قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزور (١). سعيد بن جبير: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش يقاتل بهم (٢) النبي ﷺ سوى من استجاش من العرب، وفيهم يقول كعب بن مالك (٣): فَجِئْنا إلى مَوْجٍ من البحرِ وَسْطَهُ ... أحابيشُ منهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ ثلاثةُ آلافٍ ونحن بَقِيَّةٌ ... ثلاثُ مئينَ إن كَثُرنا فأربعُ وأنفق على المشركين أبو سفيان يوم أحد: أربعين أوقية، فنزلت هذه الآية (٤). وقال محمد بن إسحاق: لما أصيبت قريش يوم بدر فرجع فَلُّهُم (٥) إلى مكة،

стр. 528

ورجع أبو سفيان بعيره إليها، وجمع من بقي من الأكابر وقال: إن محمداً قد وَتَرَكُم وقتل أشرافكم فأعينونا بهذا المال لعلنا ندرك منه ثأراً بمن أصيب بنا (١)، ففعلوا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (٢). قوله: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله والإسلام. ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ﴾ الأموال , وقيل: إنفاقها، أي: وما ينفقونه الآن وينفقونه بعد , وقيل: فسينفقونها بتمامها (٣). ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ غماً على ما فاتهم. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ يقهرون. وفيه تقديم وتأخير، لأن الحسرة عليها بعد الغلبة، وهذا دليل من دلائل النبوة: إذ أخبر عن الله تعالى قبل وقوعه فكان كما أخبر. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ أي: يساقون إليها ويجمعون فيها. ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾ أي: يغلبون ليميز الله. ﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الكافر من المؤمن , وقيل: الكفر من الإيمان , وقيل: الصلاح من الفساد , وقيل: الطيب: إنفاق المؤمن، والخبيث: إنفاق الكافر، والخبيث: الرديء من كل شيء، كخبث الحديد والفضة والذهب، والطيب: المستلذ من كل شيء.

стр. 529

﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ يجمعه. ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ كله، يعني: الكافر وما أنفقه. وفي الآثار: يؤتى بالدنيا يوم القيامة قضها بقضيضها فيميز ما كان منها لله ويطرح الباقي في النار (١). ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المنفقون أموالهم. ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ خسروا أنفسهم وأموالهم (٢). ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أبي سفيان وأصحابه. ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن الكفر بالله. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم وإن عظمت. ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى الكفر. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى. وقيل: وإن يعودوا إلى الحرب فقد مضت سنة الأولين بالإهلاك يوم بدر. وسنة الله: ما يفعلها دائماً. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ لا يبقى شرك ولا مشرك. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ولا يعبد غير الله، وتكون أنت الحاكم على الأديان. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان , وقيل: أعرضوا عن الانتهاء.

стр. 530

﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ يلي نصركم ومعونتكم. ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لا يُضِيْعُ من تولاه. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ لا يُغْلَبُ من نصره. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ أي: ما أصبتم وأخذتم من الكفار قهراً. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قليل وكثير. ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أجمع المفسرون على أن ذكر الله هاهنا للتعظيم والتيمن، وأن الغنيمة تقسم خمسة أقسام، أربعة للمقاتلة وخمس لخمسة هم المذكورون في قوله ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. إلا الربيع وأبا العالية (١) الرياحي فإنهما ذهبا إلى أن الخمس الباقي يقسم ستة أقسام: قسم لله يصرف (٢) إلى عمارة الكعبة وترتيبها (٣). وقد قيل: اسم الرسول أيضاً للتيمن والتبرك، وأنها تقسم على (٤) أربعة أقسام. وأكثرهم على أنها اليوم تقسم ثلاثة أقسام: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وسقط سهم الرسول صلوات الله عليه بموته، وكذلك سهم ذوي (٥) القربى رفعة لهم عنها، وفقراؤهم وأيتامهم وابن السبيل منهم فيها كغيرهم (٦).
следующие страницы →