← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر (١) ولا يعذب أمة ونبيها معها، حكاه (٢) الثعلبي، وفيه بُعْد (٣). ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وقد خرج محمد ﷺ من بين أظهرهم. وقيل: مالهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة. وقيل: يوم بدر. ويحتمل: وما لهم أن لا يعذبهم الله وقد استحقوه، ولولا كونك وكون من يستغفر فيهم لعجل لهم (٤) العذاب. والعذاب: تجديد الآلام حالاً بعد حال، وأصله الاستمرار. ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يمنعون المسلمين عنه. ﴿وَمَا كَانُوا﴾ يعني المشركين. ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ أولياء المسجد , وقيل: أولياء الله. ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ أن ولايته للمتقين. ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ في سبب النزول: عن ابن عمر ﵄ قال: كانوا يطوفون بالبيت فيصفقون، ووصف الصَّفْقَ بيده، ويَصْفِرون، ووصف صفيرهم، ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت (٥). ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: الذي يسمونه صلاة ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ وهو تصويت يشبه صوت المُكَّاء، وهو طائر معروف، يقول: مَكَا يَمْكُو، قال (٦): تَمْكُو فَريصتُه كشِدْقِ الأَعْلمِ وقيل: هوأن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يَصْفِرُ فيه. وقيل: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وهو ضرب إحدى اليدين على الأخرى، واشتقاقه من الصَّدَى، وهو أن تسمع مثل صياحك في أماكن تمنع الصوت من النفوذ , وكانوا يعارضون به القرآن، يقويه قول سعيد بن جبير في التصدية: إنها صلاتهم عند المسجد الحرام (٧). وقيل: مكاهم: أذانهم، وتصديتهم: إقامتهم، حكاه الثعلبي (٨). الحسن: إذا أراد النبي ﷺ الصلاة خلطوا عليه وأروا أنهم يصلون لله عبادة (٩). ابن بحر: أي أن صلاتهم ودعاءهم (١٠) غير رادين عليهم ثواباً إلا كما يجيب الصدى الصائح (١١).

стр. 527

وقيل: أصل المكاء من: مكَّ، وأصل التصدية من: صدَّ، إذا صاح أو منع، قلب اللام ياء، وهذا سائغ عند اجتماع ثلاث متماثلات. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي يوم بدر , وقيل: في الآخرة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سبب النزول: قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزور (١). سعيد بن جبير: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش يقاتل بهم (٢) النبي ﷺ سوى من استجاش من العرب، وفيهم يقول كعب بن مالك (٣): فَجِئْنا إلى مَوْجٍ من البحرِ وَسْطَهُ ... أحابيشُ منهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ ثلاثةُ آلافٍ ونحن بَقِيَّةٌ ... ثلاثُ مئينَ إن كَثُرنا فأربعُ وأنفق على المشركين أبو سفيان يوم أحد: أربعين أوقية، فنزلت هذه الآية (٤). وقال محمد بن إسحاق: لما أصيبت قريش يوم بدر فرجع فَلُّهُم (٥) إلى مكة،

стр. 528

ورجع أبو سفيان بعيره إليها، وجمع من بقي من الأكابر وقال: إن محمداً قد وَتَرَكُم وقتل أشرافكم فأعينونا بهذا المال لعلنا ندرك منه ثأراً بمن أصيب بنا (١)، ففعلوا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (٢). قوله: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله والإسلام. ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ﴾ الأموال , وقيل: إنفاقها، أي: وما ينفقونه الآن وينفقونه بعد , وقيل: فسينفقونها بتمامها (٣). ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ غماً على ما فاتهم. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ يقهرون. وفيه تقديم وتأخير، لأن الحسرة عليها بعد الغلبة، وهذا دليل من دلائل النبوة: إذ أخبر عن الله تعالى قبل وقوعه فكان كما أخبر. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ أي: يساقون إليها ويجمعون فيها. ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾ أي: يغلبون ليميز الله. ﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الكافر من المؤمن , وقيل: الكفر من الإيمان , وقيل: الصلاح من الفساد , وقيل: الطيب: إنفاق المؤمن، والخبيث: إنفاق الكافر، والخبيث: الرديء من كل شيء، كخبث الحديد والفضة والذهب، والطيب: المستلذ من كل شيء.

стр. 529

﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ يجمعه. ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ كله، يعني: الكافر وما أنفقه. وفي الآثار: يؤتى بالدنيا يوم القيامة قضها بقضيضها فيميز ما كان منها لله ويطرح الباقي في النار (١). ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المنفقون أموالهم. ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ خسروا أنفسهم وأموالهم (٢). ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أبي سفيان وأصحابه. ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن الكفر بالله. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم وإن عظمت. ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى الكفر. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى. وقيل: وإن يعودوا إلى الحرب فقد مضت سنة الأولين بالإهلاك يوم بدر. وسنة الله: ما يفعلها دائماً. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ لا يبقى شرك ولا مشرك. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ولا يعبد غير الله، وتكون أنت الحاكم على الأديان. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان , وقيل: أعرضوا عن الانتهاء.

стр. 530

﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ يلي نصركم ومعونتكم. ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لا يُضِيْعُ من تولاه. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ لا يُغْلَبُ من نصره. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ أي: ما أصبتم وأخذتم من الكفار قهراً. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قليل وكثير. ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أجمع المفسرون على أن ذكر الله هاهنا للتعظيم والتيمن، وأن الغنيمة تقسم خمسة أقسام، أربعة للمقاتلة وخمس لخمسة هم المذكورون في قوله ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. إلا الربيع وأبا العالية (١) الرياحي فإنهما ذهبا إلى أن الخمس الباقي يقسم ستة أقسام: قسم لله يصرف (٢) إلى عمارة الكعبة وترتيبها (٣). وقد قيل: اسم الرسول أيضاً للتيمن والتبرك، وأنها تقسم على (٤) أربعة أقسام. وأكثرهم على أنها اليوم تقسم ثلاثة أقسام: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وسقط سهم الرسول صلوات الله عليه بموته، وكذلك سهم ذوي (٥) القربى رفعة لهم عنها، وفقراؤهم وأيتامهم وابن السبيل منهم فيها كغيرهم (٦).

стр. 531

وذهب بعضهم إلى أن: سهم ذوي القربى باق، وأن سهم الرسول يصرف إلى العُدَّةِ من الكُرَاعِ والسلاحِ وغير ذلك. وقال بعضهم: يصرف الإمام إلى من شاء من المسلمين، وأن ذكر هؤلاء للاختصاص كذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة في قوله ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]. وذهب المبرد إلى أن: قول من قال: اسم الله هاهنا (١) للتعظيم، سهو، ولم يأت في بيان كلامه بما فيه مَقْنَع. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ قربى النبي ﷺ ، وهي مصدر قَرُبَ، ووحد ذو لأن الجمع في هذا كالواحد. قال ابن عباس ﵄: هم بنو هاشم (٢). جبير بن مطعم: بنو هاشم وبنو (٣) المطلب (٤). ولم يختلفوا في بني أميه وبني نوفل. واختلف النحويون في قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ﴾: فذهب الفراء (٥) إلى أن ما للشرط (٦) والفاء للجزاء، وهذا باطل عند

стр. 532

البصريين، لأن أن لا تدخل ما الشرط. وذهب الجمهور إلى أن ﴿أَنَّمَا﴾ مفعول ﴿وَاعْلَمُوا﴾، والخبر محذوف، والفاء للعطف، وهذا فيه كلام. والوجه أن تكون ما هي الموصولة، وغنمتم صلته، والعائد محذوف، والفاء داخل في خبره، و ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مع ما بعده خبره، والتقدير: فالأمر أن لله خمسه، ومثله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ [التوبة: ٦٣]، وكذلك ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤]. وقال ابن عيسى: تقديره: فعلى أن لله خمسه (١) فحذف الجار. قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ قيل: هو متعلق بقوله ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾. وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ فاقبلوا ما أمرتم به في الغنائم. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ النصر والإمداد من الملائكة , وقيل: الأمر بقسمة الغنائم على خمسة أسهم. ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد ﷺ . ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم بدر، فُرِّقَ فيه بين الحق والباطل. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفار. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾. ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة. ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ بشفير الوادي الأبعد إلى المدينة. والقصوى: شاذ خرج على أصله (٢).

стр. 533

﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير. ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مكاناً أسفل من مكانكم، لأنكم على نشز من الأرض , وقيل أقرب إلى ساحل البحر. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أنتم والمشركون القتال. ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ أي: كانوا لا يصدقون في مواعدتكم طلباً لغرتكم والحيلة عليكم , وقيل: لو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم لنقضتم الميعاد , وقيل: لو تواعدتم من غير قضاء الله أمر الحرب لاختلفتم في الميعاد (١). ﴿وَلَكِنْ﴾ جمع بينكم. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ نصر المؤمنين وكسر الكافرين. ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائناً، وسماه مفعولاً من حيث تحقق كونه. وقيل: هو إشارة إلى قوله ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، والمعنى: جمع الله بينكم من غير إرادة ولا قصد منكم. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قيل: هذا اللام بدل من قوله ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ وقيل: هو للعطف والواو مختزل (٢)، ويحتمل أن يكون متصلاً بقوله ﴿مَفْعُولًا﴾ وتقديره (٣): فعل ليهلك، والمعنى: إن وقعة بدر بينة واضحة

стр. 534

ومعجزة ظاهره فمن ضل بعدها فإنما يضل بعد أن تبين له الأمر ومن اهتدى بعدها فإنما يهتدي عن بينة , وقيل: ليموت من يموت كافراً عن حجة قائمة عليه ويعيش من يعيش عن بينة ثبتت عنده , وقيل: ليهلك ببدر من هلك بعد أن رأى الآيات ويحيى من حيى كذلك. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ لكلامهم. ﴿عَلِيمٌ (٤٢)﴾ بأفعالهم. قلت: لم أر فيما سعمت وطالعت من التفاسير مع جموعها من تكلم على لفظي: يهلك وهلك، وكذلك في مغايرة لفظي: ويحيى وحييى، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن تقديره ليهلك من حكم الله بهلاكه ويحيى من حكم الله بحياته. والثاني: ليحكم بهلاك من هلك ويحكم بحياة من حييى. والثالث: وقع الماضي موقع المستقبل، وفيه بُعْدٌ، لأن الشيء لا يقوم مقام غيره إلا بدليل. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ الحسن في جماعة: عينك (١)، لأنه مَفْعَل، وهو للمصدر والزمان والمكان (٢). غيره: في رؤياك، لأن النبي ﷺ رآهم في نومه في قلة وذلة، فأولها أنهم يغلبون، وبشر المؤمنين فسكنوا إليه وعلموا (٣) أن رؤيا الأنبياء حق (٤).

стр. 535

﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ أي: على صورة عرفت أن الغلبة لهم ثم أخبرتهم به. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ جبنتم. ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أمر القتال والفرار. وهذا أظهر، لأن المنام موضع النائم، لا موضع النوم (١). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: سلمكم من الفشل والتنازع , وقيل: سلم لكم أمرهم حتى غلبتم أعداءكم , وقيل: ولكن الله سلمكم عن العدو. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾ بخفيات القلوب. ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ قلل الله الأعداء في أعين المؤمنين ساعة اللقاء حتى روي أن ابن مسعود ﵁ قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا رجلاً فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً (٢). ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ وقلل المؤمنين في أعين الكافرين حتى قال أبو جهل (٣): إن محمداً وأصحابه أَكَلَةُ رأس (٤). ولم يكثر المؤمنين في أعين الكفار ليثبت الكفار فيقتلهم المؤمنون أو يأسروهم

стр. 536

ويغنموا (١). وقيل: قللهم لئلا يستعدوا كل الاستعداد. وقيل: قللوا مع إلقاء الرعب في قلوبهم، فيكون أعظم للحجة عليهم. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ سبق (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ جماعة من الكفار في الحرب. ﴿فَاثْبُتُوا﴾ للقائهم وقاتلوا ولا تنهزموا. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بالقلب واللسان، وهو التكبير عند المسايفة: الله أكبر الله أكبر. وعن عطاء قال: يكره الكلام في الحرب إلا ذكر الله (٣). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ تظفرون في الدنيا وتبقون في الجنة. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في إقامة الجهاد. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ فتكونوا فيه على آراء مختلفة. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ فتجبنوا. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ استعارة عن الدولة , وقيل: عن القوة والحدة والجد والمهابة , وقيل: عن النصرة، وكل قريب.

стр. 537

وقيل: هي الريح (١) حقيقة، وتلك الريح (٢) إذا كانت في قوم ظفروا، ومنه قوله ﷺ : (نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبُور) (٣). ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ ينصرهم ولا يخذلهم. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا﴾ يعني: أبا جهل وأصحابه يوم بدر (٤). ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ من مكة. ﴿بَطَرًا﴾ فخراً وأشراً. والبطر: الغلو في النعمة واحتقار الغير. ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ليثنوا عليهم. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله. والمصدران والفعل حال (٥). ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ عالم به من كل الوجوه. قال ابن عباس ﵄: لما رأى أبو سفيان أنه أَحْرَزَ عِيْرَهُ، أرسل إلى قريش: إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نَجَّاها الَلُه، فارجعوا , فوافى الركب الذي بعثهم أبو سفيان قريشاً بالجحفة فقالوا لهم: انصرفوا، فقال أبو جهل: والله لا ننصرف حتى نرد بدراً لنقيم به ثلاثاً وننحر الجُزُر ونُطْعِمَ الطعامَ ونَسْقِيَ الخمور (٦)

стр. 538

وتَعْزِفَ علينا القِيَانُ وتسمع بذلك العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً (١). وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ثم إن بعض قريش قالوا: بيننا وبين كنانة إِحْنَة (٢) فلا نأمن أن يتعرضوا لنا وقد أغنانا الله عن هذا الخطر، فأتى إبليس قريشاً في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم (٣) في جماعة ﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: لا أحد يغلبكم. قوله: من الناس، أي: من كثرتكم , وقيل: من جنس الناس. ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ مجير لكم عن بني كنانة وضامن أن لا يتعرضوا لكم. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ أي: اجتمعوا واصطفوا. ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ رجع القَهْقَرى، وهي الرجوع إلى وراء. وقيل: رجع بخزي , وقيل: رجع من حيث جاء. ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ أفارقكم ولا أدنو منكم. وذكر في القصص (٤) والمغازي: أن أبا جهل أو غيره قال: يا سراق: أفراراً من غير قتال (٥).

стр. 539

قال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يعني الملائكة. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ قيل: كذب عدو الله , وقيل: خاف أن يناله مكروهاً من الملائكة لأنهم كانوا يعرفونه , وقيل: خاف أن يكون الوقت الذي أُنْظِرَ إليه قد حان, وقيل: معناه: إني أخاف الله عليكم. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ يجوز أن يكون متصلاً بكلامه، ويجوز أن يكون مُسْتَأْنَفَاً. وهذا إجماع من المفسرين إلا الحسن وابن بحر، فإنهما قالا: زين لهم بوسوسته، قالا: ونكوصه على عقبيه إخلافه ما وعد لهم (١). ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قيل: هم المنافقون أيضاً، وقد عطف الوصف على الوصف بالواو , وقيل: هم قوم لم يكونوا مطمئنين إلى الإيمان بعد، وهؤلاء كانوا بمكة فخرجوا مع القوم ليكونوا مع أكثر الفئتين فلما رأوا محمداً ﷺ وأصحابه (٢) في قلة قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المؤمنين ﴿دِينُهُمْ﴾ حين تعرضوا لما لا طاقة لهم به، فحكى الله عنهم ذلك، فقتل هؤلاء فيمن (٣) قتل. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يفوض أمره إليه لا يغلب. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بقبض أرواحهم. ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ ببدر. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ إذا أقبلوا.

стр. 540

﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ظهورهم وأستاههم إذا أدبروا، يريد حالة قبض أرواحهم (١). وقيل: هو قتلهم إياهم ببدر، فإذا أقبلوا ضربوا وجوههم وإن أدبروا ضربوا ظهورهم. وقيل: هذا عام في كل كافر عند موته، تضربه الملائكة. وقيل: الفعل لله، والملائكة ابتداء، ويضربون خبره. والأول أظهر بدلالة من قرأ بالتاء (٢). ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ أي: ويقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق , وقيل: هذا يكون في القيامة، والأول أظهر. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الضرب. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: كسبته، أضاف إلى اليد مجازاً. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: وبأن الله , وقيل: ذلك أن الله. ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ فيأخذهم بغير ذنب. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كعادتهم وآداب عملهم , وقيل: كصنيع آل فرعون. ومحل الكاف رفع، أي: صنيع هؤلاء في كفرهم كصنيع آل فرعون. وقيل: محله نصب، أي: يفعل بهم كما فعل بآل فرعون، أو يفعلُ هؤلاء كما فعل آل فرعون. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ جر بالعطف على آل فرعون، والضمير يعود إلى آل فرعون، ويحتمل أن يعود إلى كفار قريش، ويجوز أن يرتفع بالابتداء.

стр. 541

﴿كَفَرُوا﴾ خبره. ويجوز أن يكون ﴿كَفَرُوا﴾ لكفار قريش , ويجوز أن يكون لآل فرعون والذين من قبلهم , ويجوز أن يكون للذين من قبلهم فحسب. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بما نصب من الأدلة وبعث مع الأنبياء معجزة لهم. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ عاقبهم عليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ لا يغلبه شيء. ﴿ذَلِكَ﴾ أي الأخذ. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ بسبب أن الله. ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ مبدلاً. ﴿نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾ يبدلوا. ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: التي هي ثابتة عندهم، يريد أهل مكة، بعث الله محمداً ﷺ نعمة عليهم وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف فكفروا بمحمد ﷺ وجحدوا نعمة الله سبحانه فسلبهم النعمة بمحمد ﷺ وجعله في الأنصار، وكذلك سلبهم الأمن حتى قتل بعضهم، هم سبعون، وأسر بعضهم، هم سبعون، وهزم بعضهم، هم من بقي، يريد يوم بدر. وأصل ﴿يَكُ﴾ يكون، فحذف الحركة للجزم، وحذف الواو لالتقاء الساكنين، وحذف النون لشبهه بحروف المد واللين، ولأن كلمة الكون يكثر دورها لأنه عام في كل الأشياء (١).

стр. 542

﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ سبق (١). ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كل أمة أهلكت بنوع من العذاب. ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أهلكناهم بماء البحر. ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: كل قوم منهم. ﴿كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ كافرين. والتكرار للتأكيد , وقيل: شبه الكفرَ والأَخْذَ بالكفرِ والأَخْذِ في الأولى، وشبه التغيير بالتغيير في الثانية. ويحتمل أن الفعل في قوله ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لكفار قريش كما سبق، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ لآل فرعون والذين من قبلهم، فأعاد ذكرهم لما حيل بينهم وبين أفعالهم بأفعال غيرهم. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ أي: لا يوقنون، لكونهم شر الدواب , وقيل: الفاء لعطف جملة على جملة من غير إضمار، فيكون في قوم أخبر الله عنهم (٢) أنهم لا يؤمنون، كقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦]. ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: بني قريظة، عاهدهم النبي ﷺ على (٣) أن لا يعاونوا عليه عدواً، ثم نقضوا العهد وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال النبي ﷺ ، ودعاهم أبو سفيان إلى مقاتلة النبي ﷺ يوم الأحزاب فأجابوه ومالؤا الكفار (٤) على رسول الله ﷺ يوم الخندق (٥). وقوله ﴿مِنْهُمْ﴾ قيل: من هاهنا صلة، أي: عاهدتهم , وقيل: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: معهم، وقيل: محمول على المعنى، أي: أخذت منهم العهد، ويحتمل أنه للتبعيض على أصله.

стр. 543

﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ يجوز أن يكون معنى في كل مرة: في كل معاهدة، ويجوز أن يكون في كل مرة: عند كل فتنة وخصومة. ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ الله في نقض العهد , وقيل: لا يتقون أن ينصرَ اللهُ المؤمنينَ فيقتلونهم (١). ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ تظفر بهم وتجدهم، وأصله أخذ الشيء بسرعة، قاله المفضل (٢). ورجل ثقف: سريع العمل. ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ فنكل بهم (٣) مَنْ وراءهم، أي: من سواهم , وقيل: أنجز (٤) فيهم القتل حتى يهابك غيرهم من الكفار , وقيل: غيرهم من ناقضي العهد. وأصله التفريق، مِنْ: شرد البعير، وكذلك معجماً، وقرئ به في (٥) الشواذ (٦)، وقيل: التشريد: التخويف الذي لا يبقى معه القرار، أي: لا ترض منهم إلا الإيمان أوالسيف. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ يعتبرون. ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ تعلمن. ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين لك. ﴿خِيَانَةً﴾ نقض عهد بما يظهر لك منهم من الأمارات. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ ألق واطرح إليهم (٧) عهدهم بإعلامك إياهم (٨) أنك فاسخ للعهد، يريد: قبل المناجزة. ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ لتكون أنت وهم في الخوف على سواء مستوين (٩) فيه.

стр. 544

والسواء: الاستواء , وقيل: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: عدل في العداوة (١)، وقيل: معنى ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: جهراً لا سراً , وقيل: افعل بهم مثل ما يفعلون , وقيل: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: على مَهَل، من قوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ الناقضين للعهود. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: لا تحسبن (٢) يا محمد الذين كفروا فاتوا فإنهم في القبضة وإن طالت المدة، وقيل: سبقوا إلى الأفضل , وقيل: لا تحسبن الذين أفلتوا (٣) من هذه الحرب سبقوا إلى الحياة. ومن قرأ بالياء فـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الفاعل، و ﴿سَبَقُوا﴾ سد مسد المفعولين بإضمار: أن (٤)، وعليه قراءة ابن مسعود (٥)، ويجوز أن يكون المفعول الأول محذوفاً، أي: إياهم سبقوا , ويجوز أن يكون الفاعل: النبي ﷺ كالوجه الأول، لكن ذكر بلفظ الغيبة. ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ أي: لا يفوتونك , وقيل: لا يفوتون الله. والإعجاز: سلب القدرة. ﴿وَأَعِدُّوا﴾ أيها المؤمنون. ﴿لَهُمْ﴾ للناقضي العهد , وقيل: لجميع الكفار ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ما سهل عليكم تحصيله. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ هي ما يتقوى به في الحرب من السلاح والخيل والنفقة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال على المنبر: (أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرمي، أَلا

стр. 545

إِنَّ القُوَّةَ الرمي) قالها ثلاثاً (١). وعن عكرمة: إنها الحصون، ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: الأفراس (٢). ورباط: مصدر ربط ورابط جميعاً، وهو: شد الخيل وإمساكه. الفراء في جماعة: رباط الخيل الإناث منها، والخيل عام في الذكور والإناث (٣). ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تخوفون غاية التخويف. و﴿بِهِ﴾ يعود إلى الإعداد، أو إلى ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ , أو إلى رباط الخيل , أو إلى القوة حملاً على المعنى , أو إلى القوة والرباط فَوَحَّد، وله نظائر. ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي: الذين تعرفونهم بالعداوة. ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ غيرهم، محله نصب عطفاً على عدو الله , وقيل: جر عطفاً على ﴿لَهُمْ﴾ عند الكوفيين. ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تعرفونهم بأعيانهم. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يعرفهم. واختلفوا فيهم: ابن زيد: هم المنافقون (٤). مجاهد: قريظة (٥).

стр. 546

السدي: أهل فارس (١). ابن جرير: هم الجن، لأن قوله ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ اشتمل جميع الأعداء من الآدميين. ولو سكت المفسر عن بيانه بعد قول الله ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ جاز (٢). ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ يوفر عليكم جزاءه. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ مالوا، ومنه الجناح , وقيل: انقادوا , وقيل: عدلوا إلى ما تحب. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ الصلح والاستسلام والانقياد بالدخول في الإسلام أو بالتزام الجزية. ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فمل إليها وأعطهم ما سألوك في الوقت. والسلم مؤنث , وقيل: يعود إلى الفعلة (٣). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فوض أمرك إليه واتخذه وكيلا. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ قتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٤). ابن عباس ﵄: الناسخ لها ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] (٥).

стр. 547

وقيل: هي ثابتة، لأنها في موادعة أهل الكتاب (١). ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يمكروا بك ويغدروا. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيك الله. ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ﴾ قواك. ﴿بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ جميعاً. وقيل: هم الأنصار. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قلوب الأوس والخزرج. ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بلغت عداوتهم نهاية لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة والإصلاح ورفع الإحنة. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بفضله ورحمته وعزته وحكمته. ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ في سبب النزول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: أسلم مع النبي ﷺ تسعة وثلاثون رجلاً ثم أسلم عمر ﵁ فنزلت هذه الآية (٢).

стр. 548

أي: الذي يكفيك كل مهم ومحذور: الله والمؤمنون (١). ومحل ﴿وَمَنِ﴾ نصب، أي: يكفيك ومن اتبعك، ويجوز الرفع عطفاً على (الله)، ويجوز الجر عند الكوفيين، ويجوز الرفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك، والمعنى: حسبهم الله. وكرر ﴿حَسْبُكَ﴾ لأن الأول في كفاية الخداع والثاني عام. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ التحريض: الحث على المبادرة إلى الفعل والصبر عليه. وفي اشتقاقه قولان: أحدهما: أنه من الحَارِض، وهو الذي قارب الهلاك، وقريب منه الحَرَض (٢). والثاني: من الحَرْض، وهو الأُشْنان والحَرَّاضُ مُحْرِقُةُ (٣). ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شرط في معنى الأمر، أي: ليصبر عشرون وليثبتوا في مقابلة مائتين. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان فرضاً على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله التخفيف فجعل على الرجل

стр. 549

أن يقاتل الرجلين (١). ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ وهذه الآية (٢) تدل على أن الأولى ليست بمنسوخة، بل خفف حكمها فصار كإفطار الصائم في السفر. ومنهم من قال: الأولى منسوخة بالثانية، وهي ناسخة للفرار من الزحف. قال ابن شُبْرُمَةَ: وكذا (٣) النهي عن المنكر لا يحل للواحد أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من الأكثر (٤). الحسن: هذا التغليظ كان على أهل بدر خاصة، ثم جاءت الرخصة (٥). ابن جرير: لم يكن أمراً عزماً (٦)، بل كان تحريضاً على الثبات في الحرب (٧). قال الخليل: عشرون جمع عِشْر من أَظْماءِ الإبل وهو تسع في الحساب لكنه جمع كما جمع ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] (٨). وقيل: هو اسم مفرد وضع علماً لعدد معلوم كثلاثين وأربعين وبابه.

стр. 550

ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ أن لهم الجنة والثواب والحياة بعد الممات فلا يثبتون إن صَدَقْتُمُوهُم القتال. ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ عدم قوة. وقرئ (ضعفاء) بالجمع (١)، ويحتمل ضُعفاء عن مقاومة الواحد العشرة. ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قيد من كل آية واحداً بالصبر ليقاس الثاني عليه وذكر المائة في الآية الأولى وفي العشرين مقنع والألف في الآية الثانية وفي المائة مقنع أيضاً ليعلم أن هذا الحكم مطرد في جميع الأعداد وليس (٢) بمقصور على المذكور. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ أي: فمن يغلبهم. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لمّا كان يوم بدر والتقوا فهزم الله المشركين وقتل منهم سبعون رجلاً وأسر سبعون رجلاً، استشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعلياً ﵃، فقال أبو بكر: يا نبي الله: هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفِدْية فيكون ما أخذنا منهم قُوّةً لنا على الكفار وعسى أن يَهْدِيَهُم الله فيكونوا عضداً، فقال رسول الله: (ما ترى ياابن الخطاب)، قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه , وتمكن علياً من عَقِيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أَنَّهُ لَيْسَ في قلوبنا هَوَادةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فَهَوِىَ رسول الله ﷺ ما قال أبو

стр. 551

بكر ولم يهو ما قلت (١)، فَأَخَذَ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: غدوت إلى النبي ﷺ فإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله: أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال النبي ﷺ : (أبكي للذي عَرَضَ علىَّ أصحابُك من الفداء لقد عُرِضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة)، لشجرة قريبة (٢)، وأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣). والمعنى: لم يكن لنبي أن يشتغل بالأسر والفداء لأن ذلك يذهب بالمهابة حتى يكثر القتل. ابن عباس: حتى يغلب عليها ليقع له في القلوب مهابة ورعب (٤). والإثخان: الإكثار من القتل، مشتق من الثخانة، وهي: الصلابة والكثافة , وقيل: الشدة والقوة. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ المال، فسماه عرضاً لأنه سريع الانقضاء قليل اللباث (٥). ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي: يريد لكم ثواب الآخرة من الجنة والنعيم. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ أمر بإثخان الكفار. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في هذا الكتاب ستة أقوال (٦):

стр. 552

ابن عباس: أنه سيحل لهم الغنائم (١). وقيل: هو أن لا يؤاخذ على جهالة. وقيل: سبق لأهل بدر أن لا يعذبهم. وقيل: هو ما كتب في اللوح المحفوظ أن لا يعذبهم على ذلك. وقيل: سبق أنه لا يعذب من أذنب ثم تاب. وقيل: الكتاب قوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤]. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لنالكم وأصابكم , وقيل: المس: الطلب. ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ أي: من فداء الأسرى. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ وروي أنه ﷺ قال: (لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك) (٢)، وروي (إلا سعد بن معاذ) (٣). ثم أحل لهم الغنائم، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ أصبتم وأخذتم من الكفار قهراً. و(مِنْ) للتبيين (٤). ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ لم يحل لغيركم وإنما كانت نار تنزل من السماء فتأكلها.

стр. 553

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: مخالفته. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ غفر لكم ذنبكم. ﴿رَحِيمٌ (٦٩)﴾ رخص لكم أخذ الغنائم. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ في سبب النزول قال الكلبي: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فكان العباس أُسِرَ يوم بدر ومعه عشرون أوقية من ذهب كان خرج بها معه إلى بدر ليطعم به الناس (١)، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر ولم تكن بلغته النوبة حتى أسر فأخذت معه، فأخذها رسول الله ﷺ منه، قال: فكلمت رسول الله أن يجعل لي العشرين أوقية من الذهب التي أخذها مني في فدائي، فأبى عليَّ وقال: (أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا)، وكلفني فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب (٢) عشرين أوقية من فضة، فقلت له: تركتني والله أسأل قريشاً بكفي والناس ما بقيت، قال: (فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل مخرجك (٣) إلى بدر وقلت لها: إن حدث بي حدث في وجهي هذا فهو لك ولعبد الله والفضل وقُثَم)، قلت: وما يدريك؟ قال: (أخبرني الله سبحانه بذلك)، قال: أشهد إنك صادق وإني دفعت

стр. 554

إليها الذهب ولم يطلع عليه أحد (١) إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال العباس: فأعطاني الله خيراً مما أخذ مني كما قال عشرين عبداً كلهم يضارب بمال كثير مكان عشرين أوقية وأنا أرجوا المغفرة من ربي (٢). ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إيماناً وإسلاماً. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من المال. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: خير الدنيا بما يفتح عليكم (٣) وخير الآخرة بما يغفر لكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ روي أن العباس كان يقول: أنجز أحد الوعدين وأنا على ثقة من الآخر (٤). ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ يعني الأسرى. ﴿خِيَانَتَكَ﴾ نقض ما عهدوا معك. ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ﴾ بالكفر والشرك. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل العهد، وقيل: من قبل (٥) بدر , وقيل: معناه إن منعوك ما تدعوهم إليه من الإيمان فقد فعلوا مثله قبل. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي: فأمكنك منهم ونصرك عليهم فهزمتهم وأسرتهم. والمعنى: إن عادوا عدنا لهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.

стр. 555

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ ديارهم وأوطانهم، يريد المهاجرين. ﴿وَجَاهَدُوا﴾ قاتلوا الكفار. ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ صرفوها إلى أثمان الخيل والسلاح وأنفقوها على الفقراء فبذلوها كبذلهم أنفسهم (١). ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ بمباشرة القتال. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ هم الأنصار آووا المهاجرين وأسكنوهم منازلهم وجعلوا لكل واحد مأوى يأوي إليه ويسكنه، ﴿وَنَصَرُوا﴾ أي: نصروهم على أعدائهم وحاربوا معهم. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: في الميراث، وكانوا يتوارثون بالإيمان وبالهجرة وبالمؤاخاة التي كان رسول الله ﷺ يؤاخي بينهم دون القرابة المفردة، حتى نسخ بقوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] أي: في الميراث. وقيل: يريد بالولاية: المؤازرة والنصرة والمعاونة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ من مكة. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من ميراث وغنيمة وفيء. ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فكان لا يرث المؤمن الذي لا يهاجر ممن آمن وهاجر. وقيل: هي المؤازرة كما سبق. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ طلبوا معونتكم، أي: إن وقع بينهم وبين الكفار قتال. ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فعلى المؤمنين أن ينصروهم. ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عهد إلى مدة أو موادعة فلا تغدروا.

стр. 556

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ﴾ في الميراث وقيل في المؤازرة ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي (١): ما أمرتم به من التوارث بالإيمان والهجرة , وقيل: بالتعاون والتوازر ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ زوال نظام المؤمنين وتفريق كلمتهم ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ في الدين من جهة الكفار وسفك الدماء. قسم الناس في هذه الآية أربعة أقسام: قسم آمنوا وهاجروا من مكة، وهم المهاجرون. وقسم آمنوا ونصروا المؤمنين، وهم الأنصار. وقسم آمنوا ولم يهاجروا، وهم الذين أَمَرَ بنصرهم إن استنصروهم. وقسم هم الكفار. فاختار من بينهم المهاجرين والأنصار ثم ألحق بهم من يأتي بعدهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ صدقاً، أي: المبالغون في إيمانهم , وقيل: حقاً تأكيد للكلام. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ الجنة. ومعنى كريم: لا مِنَّةَ فيه ولا تنغيص. وقيل ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾: لا يصير حدثاً بل رشحاً كالمسك. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ بعد نزول هذه الآية , وقيل: هي الهجرة الثانية. ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ ذكر في الآية الأولى سبيل الله والأموال والأنفس وترك في الثانية الأموال والأنفس اكتفاء بالذكر في الأولى وترك في الثالثة سبيل الله

стр. 557

أيضاً (١) اكتفاء بالذكر فيهما. ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ في حكمكم وجملتكم. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ يعني الأقرباء الذين تجمعهم بالقرب رحم (٢) واحدة أو يُنسبون إلى أبٍ واحد بعضهم أولى ببعض في الميراث من الأجانب. ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ حُكْمِه، وقيل: في القرآن، وهو ما في سورة النساء من الفرائض , وقيل: في اللوح المحفوظ. وهذه الآية ناسخة للتوارث بالهجرة والإخاء (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ من الفرائض والمواريث وغير ذلك.

стр. 558

سورة براءة (١) مدنية (٢). مقاتل: إلا آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩]. وهي آخر ما نزلت من السور. ولهذه السورة أسماء: سورة براءة, وسوره التوبة, والفاضحة, والمبعثرة, والمنقرة, والمثيرة, والبَحوث (٣). وفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال: علي وابن عباس ﵄ قالا: لأن بسم الله أمان وبراءة نزلت برفع الأمان (٤). أبيّ بن كعب: لأنها نزلت في آخر ما نزل ولم يأمر النبي ﷺ بكتب (٥) بسم الله

стр. 559

وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال في ذكر العهود ورفع العهود فضمت إليها وكتبت في السبع الطوال (١). وقيل: اختلفت الصحابة فيهما، فقال بعضهم: الأنفال والتوبة سورة واحدة، وقال الآخرون (٢): هما سورتان، ففصل بينهما على قول من قال هما سورتان، ولم يكتب بسم الله على قول من قال هي سورة، فرضوا بذلك جميعا وسميتا قرينتين (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: نسي الكاتب أن يكتب بسم الله في أولها فتركت بحالها، حكاه أبو الليث في تفسيره، وفيه بُعْدٌ (٤). قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ أي: هذه السورة أو الآيات براءة فيكون رفعاً بالخبر, وقيل: ارتفع بالابتداء، والخبر ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾. والبراءة: انقطاع العصمة، أي: برئ الله إلى المشركين من العهود التي عاهدهم النبي ﷺ والمؤمنون وانقطعت العصمة بينهما. وقيل: انقطعت لانقضاء مدة العهد. واختلف في الذين عاهدوهم، قال ابن عباس: كان لقوم عهود فَأُمِرَ أن

стр. 560

يؤجلهم أربعة أشهر ولا عهد لهم بعدها، وكان قوم لا عهود لهم فأجَّلهم خمسين يوماً عشرين من ذي الحجة والمحرم كله (١). وقيل: هم صنفان، صنف عاهده ﷺ أقل من أربعة أشهر، وصنف عاهده إلى غير أجل (٢)، فَرَدَّ الجميع إلى أربعة اشهر. وقيل: هم صنفان، صنف عوهدوا إلى أقل من أربعة أشهر فأتمت (٣) لهم أربعة أشهر، وصنف عوهدوا إلى أكثر فأُمِروا بالوفاء له، وهو قوله ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]. وقيل: هم الذين نقضوا العهد فأُمِرَ بنبذ العهد إليهم وتأجيلهم أربعة أشهر، ومن لم ينقض العهد فهو على عهده، ومن لم يكن له عهد أُجِّلَ خمسين يوماً. ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أي أَمِنْتُم فسيروا في الأرض كيف شئتم. والسَّيْحُ: السير على مهل، والسِّياحة: الذهاب في الأرض للعبادة. وقيل: أقبلوا وأدبروا أربعة أشهر. واختلف في قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: فذهب بعضهم إلى أن ابتداءه كان يوم عرفة إلى عشرين من شهر ربيع الآخر, وقيل: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم, وقيل: ابتداؤه من العشرين من ذي القعدة، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم لما كانوا عليه في الجاهلية من النسيء، ثم صار في السنة الثانية في العشر (٤) من ذي الحجة وفيها كان حجة الوداع ثم إن النبي ﷺ بعث علياً ﵁ بعشر

стр. 561

آيات, وقيل: تسع آيات, وقيل: ثماني عشرة آية, وقيل بأربعين آية من أول براءة فقرأها في الموسم يوم النحر على جمرة العقبة وكان أبو بكر ﵁ صاحب الموسم فقال ﷺ : (لا يُبلغُ عنِّي إلا رجلٌ مِنِّي) وبعث علياً وألحقه بأبي بكر وأمره أن يتولى قراءة الآيات، فلما لحق أبا بكرٍ قال له: أميراً جئت أم مأموراً، فقال علي: بل مأموراً وقص عليه القصة وكان أبو هريرة مع علي ﵃ (١). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ غير فائتيه ولا سابقيه. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ مهلكهم، وقيل: مذلهم بالقتل والأسر. ابن عيسى: الإخزاء: الإذلال بما فيه الفضيحة والعار. ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعلام, وقيل: الأذان هاهنا: النداء, وقيل: القصص، حكاه الماوردي (٢). ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ إلى العرب. ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ قيل: يوم عرفة, وقيل: يوم العيد, وقيل: أيام الحج، فيكون اليوم بمعنى: الوقت، والحج الأكبر: الحج، والأصغر: العمرة, وقيل: الحج الأكبر: القران، والأصغر: الإفراد, وقيل: الحج الأكبر: يوم النحر, وقيل: اجتمع عيد المؤمنين وعيد اليهود وعيد النصارى في ذلك اليوم فسمي يوم الحج الأكبر, وقيل: كان ذلك الاجتماع في حجة الوداع، ويحتمل أن الحج الأكبر هو الحج في

стр. 562

ذلك اليوم فحسب، أي: أكبر من سائر الحج لما جرى فيه ما هو إعزاز للإسلام وإذلال للشرك (١). ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: من عهودهم. ﴿وَرَسُولُهُ﴾ أي: هو ورسوله. ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجعتم عن الكفر وأخلصتم التوحيد. ﴿فَهُوَ﴾ أي: التوب. والتوبُ والمتابُ والتوبة: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإقامة على الكفر. ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الإيمان. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تفوتونه طلباً ولا تعجزونه هرباً. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ استهزاء بهم (٢). ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الحسن: استثناء من قوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]. الحسن: استثناء من قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٣). قال: وهذه الآية نزلت قبل تلك (٤).

стр. 563

وهم بنو مدلج وكنانة، كانت بقي لهم تسعة أشهر فأُتمت لهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ أي: شيئاً من شروط العهد، يريد: وفوا بالعهد وأخلصوا النية ولم ينقضوا العهد. وقرئ بالضاد في الشواذ (١)، وهو رائق، لكن الصاد أولى لتقع في مقابلة التمام. ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ لم يعاونوا عليكم أحدا (٢). ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تمام مدتهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ الذين يتقون نقض العهد. ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ الانسلاخ: خروج الشيء مما لابسه، مِنْ سلخ الشاة. ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ قيل: هو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم, وقيل: هي الأشهر التي تقدم ذكرها وهي مدة التأجيل. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ حيث ظفرتم بهم من حِلٍّ وحَرَم. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ قيل هو مقدم (٣)، أي: خذوهم واقتلوهم, وقيل: تأخر لأن الواو لا توجب الترتيب, وقيل: خذوهم: أي: اأسروهم. والأخيذ: الأسير. ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ أي: احبسوهم. ابن عيسى: أصله المنع من الخروج عن محيط.

стр. 564

﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: خذوا عليهم الطرق, وقيل: طريق الحج، وتقديره: على كل مرصد, وقيل: هو كقولك: اقعد مقعدك واجلس مجلسك. وللعلماء في نسخ هذه الآية ثلاثة أقوال (١): أحدها: أنها منسوخة بقوله ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ولا يحل قتل أسير صبراً. والثاني: أنها ناسخة لقوله ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ولا يؤخذ من الأسير الفداء ولا يمن عليهم وإنما هو السيف أو الإيمان (٢). وقال بعضهم: هما محكمان (٣) والأمر في ذلك إلى الإمام. ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ عن الشرك. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ دعوهم وما شاءوا ولا تتعرضوا لقتلهم وأسرهم وحصرهم (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ غفر لهم (٥) ما تقدم من ذنوبهم ورحمهم. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ أي: وإن استجارك، والمعنى: إن طلب

стр. 565

منك واحد ممن أُمِرْتَ بقتلهم أن يكون في جوارك. ﴿فَأَجِرْهُ﴾ آمنه. ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: القرآن، فيتبين ويعرف صدقك وتقوم عليه الحجة. ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: فإن أبى أن يسلم فرده إلى موضع أمنه. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المأمور في حقه. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم. ﴿قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ توحيد الله ونبوتك. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ استفهام بمعنى النفي، ولهذاحسن بعده ﴿إِلَّا﴾، والمعنى: ليس لمن لا يفي بعهده أن (١) يفي الله ورسوله بالعهد. ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهم الذين استثناهم الله. ويجوز في محل ﴿الَّذِينَ﴾ النصب والجر, وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن من عاهدتموهم عند المسجد الحرام. ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ على وفاء العهد. ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ على الوفاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾. ﴿كَيْفَ﴾ أي: كيف لهم عهد وحالهم هذا, وقيل: كيف لا تقتلونهم. ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يظفروا بكم. ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ لا يحفظوا فيكم.
следующие страницы →