القلب (١).
وهذا بعيد، لأن هذه اللفظة وإن كانت مدحاً كقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩] فقد صارت تستعمل لمن له ركاكة في الرأي وضعف في العزم (٢).
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ جمهور المفسرين على أن النبي ﷺ كان أذن لقوم تخلفوا عن الغزو من غير إذن الله فعاتبه (٣).
و﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ متعلق بمضمر تقديره: كان يجب عليك أن لا تأذن حتى (٤) يتبين لك الصادق في إيمانه من الكاذب المنافق, وقيل: الصادق في عذره من الكاذب المتعلل, وقيل: تم الكلام عند قوله ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ثم نهاه فقال: لا تأذن لهم حتى يتبين.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التخلف عن الجهاد.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ في أن لا يجاهدوا وكراهة أن يجاهدوا.
﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾.
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التخلف.
стр. 597
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يوم القيامة, وقيل: آخر أيام الدنيا.
﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شكوا في دينهم واضطربوا في اعتقادهم.
﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ التردد: التصرف بالذهاب والرجوع مرات متقاربة.
ابن بحر: عوتب لأنه أذن لقوم في الخروج معه ولم يكن لهم أن يستأذنوا في الخروج ولا في التخلف بل كان عليهم أن يقتصروا في الخروج على الدعاء العام.
قال: ثم ذم من استأذن في الخروج والذي استأذن في التخلف (١).
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ أي: لو عزموا على الخروج.
﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ للخروج، ويحتمل: للجهاد.
﴿عُدَّةً﴾ أهبة، لأنهم كانوا مياسير (٢)، والأهبة: الآلة والوصلة إلى الشيء.
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ نهوضهم للخروج، والانبعاث: الانطلاق في الحاجة.
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ حبسهم، والتثبيط: التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه.
﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ قال بعضهم لبعض, وقيل: قال النبي ﷺ غضباً عليهم لعلمه بذلك منهم, وقيل: ألهمهم الله أسباب الخذلان (٣).
стр. 598
﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ لعذر، كالنساء والصبيان, وقيل: مع القاعدين بغير عذر.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ في سبب النزول: أن رسول الله ﷺ لما خرج ضرب (١) عسكره على ثنية الوداع, وضرب عبدالله بن أُبيّ عسكره على ذي جُدَّه (٢) أسفل من ثنية الوداع ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار النبي ﷺ تخلف عنه عبدالله بن أبي بن سلول فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله يعزي نبيه ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ أي: في جملتكم (٣).
﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ أي: بخروجهم معكم.
﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ قيل: الاستثناء منقطع، والخبال: الفساد، أي: فساداً في رأي ضعفة المؤمنين, وقيل: اضطراباً لانتظام أمركم.
﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أسرعوا ركابهم السير بينكم (٤) يوهمون الهزيمة في القلوب, والإيضاع: السير الشديد, وقيل: يسرعون بينكم بالنميمة.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ الشرك, وقيل: التثبيط, وقيل: الاختلاف.
والخلال: الوسط.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ من يقبل قولهم, وقيل: يخبرونهم بأخباركم وهم منافقون, وقيل: عيون لهم وهم مؤمنون.
стр. 599
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ إفساد أمرك وغلبة الكافرين عليك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يوم أحد.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ احتالوا في إيصال المكاره إليك بكل حيلة, وقيل: أفسدوا أموراً لك بالتضريب (١) والوشاية.
والتقليب: أن يجعل أسفله أعلاه وباطنه ظاهره.
وقيل: قلبوا لك: غالوا الغوائل, وقيل: هو طلب المكيدة، من قولهم: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ (٢) , وقيل: هو النفاق، فإن المنافق (٣) ظاهره خلاف باطنه.
﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ أي: غلب الإسلام الشرك.
﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ علا دين الله وهو الإسلام, وقيل: علن.
﴿وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ أي: على رغم منهم وذلك أن عبد الله بن أبي تأخر يوم أحد وقال (٤): لو نعلم قتالاً لاتبعناكم (٥)، أي: إن (٦) تخلفوا عنك في هذه النوبة فلهم سابقة في التخلف.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أجمع المفسرون على أنها نزلت في جد بن قيس المنافق، وذلك أن النبي ﷺ حين تأهب لغزوة تبوك قال له: (يا جد هل لك في جِلَادِ بني الأصفر تتخذ منها سراري ووصفاء) فقال: يا رسول الله: لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فلا تفتني
стр. 600
بهذا وأذن لي في القعود عنك وأعينك (١) بمالي، فأعرض عنه النبي ﷺ وقال: (قد أذنت لك)، فأنزل الله هذه الآية (٢).
وكان الأصفر رجلاً من الحبشة ملك الروم فاتخذ من نسائهم كل وضيئة حسناء فولدت له (٣) بنين وبنات أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفراً لعساً (٤) يضرب بهن المثل في الحسن (٥).
﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: ومن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القعود ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بنساء الروم والنظر إليهن.
وقيل: لا تفتني: لا تكبني (٦) بالعصيان في المخالفة.
وقيل: لا تصرفني عن شغلي.
﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ قيل: في النار والعذاب,.
وقيل: في الكفر والنفاق.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾ مطبقة بهم جامعة لهم.
﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ إن نالك.
﴿حَسَنَةٌ﴾ غنيمة وظفر.
﴿تَسُؤْهُمْ﴾ غمهم ذلك.
стр. 601
﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ شر (١) وهزيمة.
والإصابة: وقوع الشيء فيما قصد به, وقيل: الإصابة: الإحطاط من أعلى إلى أسفل، مشتق من الصَّوْب (٢).
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ أي: أخذنا بالحزم.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ بالتخلف عن الجهاد.
﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان.
﴿وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ معجبون شامتون.
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا﴾ شدة ورخاء وخير وشر.
﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ في اللوح المحفوظ, وقيل: ما كتب الله لنا في القرآن من قوله ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢].
﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ ناصرنا والذي يلي أمرنا.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ أي: فليفوضوا أمرهم إليه (٣) وليرضوا بتدبيره.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تنتظرون بنا.
﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الشهادة أوالغنيمة.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ بعقوبته, وقيل: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: الموت.
﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ القتل.
стр. 602
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ انتظروا مواعيد الشيطان.
﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ مواعيد الله في إعلاء كلمته وإعزاز دينه.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ تقديره: إن تنفقوا طائعين أو كارهين لن يتقبل منكم, قيل: هو جواب جد بن قيس حين قال: ائذن لي في القعود وأعينك بمالي.
وقوله ﴿طَوْعًا﴾ هو: مالا يلزمه كالصدقة (١)، ﴿أَوْ كَرْهًا﴾ هو ما يلزمه كالزكاة, وقيل: ﴿طَوْعًا﴾ هو (٢) مايسهل ويخف، و ﴿كَرْهًا﴾ ما يصعب ويثقل.
﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ لأنها لم تصدر عن اعتقاد.
﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)﴾ خارجين عن طاعة الله.
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ تقديره عند المفسرين: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لأنهم كفروا بالله, ويحتمل: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم بالله ورسوله.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ متثاقلين.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ أي: الزكاة.
﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ لأنهم لا يريدون بهما وجه الله.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الخطاب للنبي ﷺ والمراد به الأمة.
قال بعض المفسرين: فيه تقديم وتأخير تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا
стр. 603
أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله (١) ليعذبهم بها في الآخرة.
وتكون ﴿فِي﴾ متصلة بالإعجاب.
وقال الآخرون: الآية على ترتيبها و ﴿فِي﴾ متصلة بقوله (٢) ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾.
واختلفوا في المعنى، فقال بعضهم: يعذبهم بالمصائب فيها, وقيل: بأخذ الزكاة والأمر بالإنفاق, وقيل: بنهب أموالهم وسبي أولادهم, وقيل: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها، وكل هذا عذاب.
﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ وأصل الزهوق: الخروج بصعوبة، والزُّهُوقُ: الهلاك.
وقيل: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾: تخرج بادرة من أبدانهم، تقول (٣): زهق الحجر من تحت حافر الدابة: إذا بدر, والزهوق: البعد أيضاً, والزَّهُوق: البِئْرُ البعيدُ الَمهْوَاة.
﴿وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ حال لهم.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ كذباً.
﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾ القتل والنهب والسبي.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حصنا وحرزا يلجئون إليه, وقيل: ملجأ من الكفار يلجئون إليه، تقول: لجأت إليه ولجيت (٤)، أي: تحصنت به، وألجأته: أحرزته.
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ جمع مغارة، وهي البقعةُ يَغِيْبُ مَنْ دخلها, وقيل: هي السَّرَبُ تحت الأرض, وقيل: المغارة: الغار، وهي: الثقب الواسع في الجبل.
стр. 604
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ موضعاً يدخل فيه, وقيل: يدخل فيه بشدة.
﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ أقبلوا نحوه.
﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ يسرعون، من قولهم: فرس جموح يركب رأسه.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ (ومنهم) أي: من المنافقين.
﴿مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ ومعنى يلمزك: يَعِيْبُك.
وقيل: يُحَرِّكُ شفتيه بالطلب, وقيل: يطعن عليك, وقيل: يغتابك، وكل قريب.
وقوله ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: في تفريق الصدقات بين أهلها.
﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ أي: إن أُعطي رضي وإن مُنِعَ سَخِط.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كما قال المسلمون.
﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ خزائنه.
﴿وَرَسُولُهُ﴾ من الصدقة والغنيمة.
ويحتمل: أن ذكر الله في أول الآية وذكر الرسول في آخرها للتعظيم والتيمن وإن كان الكل من إيتاء الله.
﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ أي: نسأل الله أن يغنينا من فضله بفضله.
وجواب (لو) محذوف تقديره: لكان (١) أولى بهم.
ثم بين الله مواضعها التي توضع فيها فقال:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ وهي مال الزكاة (٢) والجزية وسائر ما سبيله إلى بيت المال.
стр. 605
﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ للمفسرين فيهما ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الفقير هو الذي له أدنى شيء، واستدل صاحب هذا القول بقول الشاعر (١):
أما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ العيالِ فلم يُتْرَك لَهُ سَبَدُ
واشتقاقه من الفَقَارِ، تقول: فَقَرته: إذا أصبتَ فَقَاره، وهو أصل الظهر، كما تقول: رَأَسته وَرَجَلته، أي: ضربت رأسه ورجله (٢)، فكأنه كسر ظهره، وأن المسكين: هو الذي لا شيء له، وانضم إلى فقره ذله وعدم هداية إلى وجه المعاش، واستدل (٣) بقوله ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦]، أي: لصق بالتراب من فقره وليس بينه وبين التراب حائل.
والثاني: أن المسكين من له أدني شيء وهو أحسن حالاً من الفقير، واستدل صاحب هذا القول بقوله تعالى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩]، وأن الفقير: هو الذي لا شيء له، وكان النبي ﷺ يتعوذ من الفقر (٤) ويسأل المسكنة فيقول: (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين) (٥).
واشتقاقها من السكون، قال: وسمي مسكينا لأنه لا يتحرك إلى ما يتحرك إليه الغني, وقيل: لأنه أسكنه الفقر، وأجابوا عن البيت بأنه سماه فقيرا بعد سلب الحلوبة بقوله: فلم يُتْرَك لَهُ سَبَدْ, وأجاب صاحب القول الأول عن الاستدلال بقوله: ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] بأنهم كانوا أُجَرَاء, وقيل فيه غير هذا ويأتي في موضعه.
والثالث: أنهما اسمان مترادفان لقوم واحد، فكل فقير مسكين وكل مسكين فقير، والله سبحانه سماهم باسمين ليكون لهم سهمان من الصدقة نظراً لهم ورحمة عليهم.
وقيل: الفقراء: أهل الحاجة من المهاجرين، والمساكين: من غير المهاجرين.
стр. 606
وقيل: المسكين: من المسكنة: وهو الذلة، وهو على وجهين: مسكين لذلة الفقر، ومسكين لذلة الحال، والمسكنة التي ضربت اليهود بها منها (١)، وكذلك قوله ﴿لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، وكذلك قول علي ﵁: مسكين ابن آدم ينظر بشحم ويتكلم بلحم ويسمع بعظم مستور الأجل مكنون العلل محفوظ العمل تؤلمه البقة وتقتله الشرقة وتميته الغرقة (٢).
﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ هم السعاة الذين يجمعون المال ويجبون الخراج إلى بيت المال فلهم سهم من ثمانية، فقراء كانوا أم أغنياء، يعطيهم الإمام على قدر عملهم.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ كانوا سادات العرب لما أسلموا استمال قلوبهم النبي ﷺ فأجزل حِبَاهُم (٣).
وأكثر المفسرين على أنه سقط سهمهم لقوة الإسلام وأن ذلك كان خاصاً (٤) للنبي ﷺ في زمانه فسقط بوفاته (٥).
وذهب بعضهم (٦) إلى أن للإمام أن يعطي من يتألفه على الإسلام، ولا يُدفع إلى الكفار.
واشتقاقها: من الأُلْفَةِ، وهي: الجمع، تقول: أَلِفْتُهُ: أحببته، لما في الحب من الاجتماع.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يريد: المكاتبين.
والمكاتب (٧): هو الذي يشتري نفسه من مولاه فَيُعَانُ على فِكَاكِ رقبته.
﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ هم المفاليس الذين ذهبت أموالهم في غير معصية ولا إسراف, وقيل: هو الذي استدان لقوت عياله فلا يقدر على أدائه.
﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نفقة الغزاة وثمن الخيل والسلاح وبناء المصانع واتخاذ القناطر.
стр. 607
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المنقطع يمر بك والضيف ينزل عليك، ونسب إلى السبيل (١) لملابسته إياها.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: فَرَضَ دفعها إلى المذكورين، ودلت الآية على معنى
فرض، ونصبت على المصدر، وقيل: على الحال، كما تقول: هو لك طلقاً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ يضع الصدقات في مواضعها.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت (٢) في جماعة من المنافقين فيهم الجلاس ابن سويد فقال: نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول وإنما محمد أذن سامعة (٣).
محمد بن إسحاق: نزلت في نبتل ابن الحارث وكان رجلاً أدلم (٤) أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة، وهو الذي ذكر ﷺ فيه: (من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث)، وكان ينم الحديث من النبي ﷺ إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا يصدقه (٥)، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا فأنزلت هذه الآية (٦).
стр. 608
ومعنى قوله ﴿أُذُنٌ﴾: أي: يسمع كلام كل أحد ويعمل به (١).
قال الشاعر (٢):
فقد صِرْتِ أُذْناً للوُشاةِ سميعةً ... ينالونَ مِنْ عِرْضِي ولو شِئتِ ما نالوا
وفي التسمية بـ ﴿أُذُنٌ﴾ قولان:
أحدهما: أنه سمي بعضو منه لكثرة استعماله ذلك العضو، كتسميتهم الجاسوس عيناً والدابة ظهراً.
والثاني: أنه (فُعُل) من: أَذِنَ يَأْذَنُ إِذْناً: إذا استمع، كما تقول: أُنُفٌ وشُلُل.
﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ يسمع ما فيه صلاح المؤمنين لا ما فيه فسادهم.
﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ولا يكفر به.
﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يصدقهم فلا يكذبهم, واللام زيادة، كقوله:
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٠].
وقيل: يُصَدِّقُ بما يأتي من عند الله ويؤمن للمؤمنين بما وعدهم الله, وقيل: يُصَدِّقُ المؤمنين بما يخبرون لا المنافقين.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي: هو رحمة، ومَنْ جرها عطفها على ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ بالقول والفعل.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ عما قالوا من قولهم ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ , وقيل: عن التخلف من الجهاد, وقيل: عما وقع منهم مما يدل على النفاق.
﴿لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وحد الكناية وقد سبق في الأنفال بيانه (٣).
стр. 609
﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ أي: صادقين في إيمانهم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ أن الأمر والشأن.
﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: من يحارب أولياء الله (١) ورسوله.
﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ قال بعض النحويين: (أن) بدل من الأول، وهو سهو.
وقال الزجاج: أعيد (أن) توكيداً لما طال الكلام (٢).
وقيل: فبأن ولأن (٣).
وهذا كله باطل، فإن ﴿مَنْ﴾ للشرط و ﴿يُحَادِدِ﴾ مجزوم به والفاء جزاء للشرط، وكان القياس كسر (أن) وقد قرئ به (٤)، ولكنه أضمر مبتدأ وجعل (أن) خبره، وتقديره: فالأمر أن له نار جهنم، هذا معنى كلام أبي علي في " إصلاح الإغفال " (٥).
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في النار.
﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ الإهلاك الدائم.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ في سبب النزول قال الكلبي: قال بعض المنافقين: والله لوددت أني قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فأنزل الله هذه الآية (٦).
стр. 610
وقال مجاهد: كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون (١): عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، فنزلت ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٢).
﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قال المفسرون: السورة تنزل على الرسول ﷺ ، لكن لما كان في شأنهم قال ﴿تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾.
ويحتمل: أنه من قولك: هذا عليك لا لك.
﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ تخبرهم (٣) السورة.
﴿بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الكفر والنفاق، أي: تفضحهم.
ويحتمل: أن تكون التاء لخطاب (٤) النبي ﷺ .
﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمر تهديد، أي: أظهروا خلاف ما تضمرون.
واختلف المفسرون في معنى ﴿يَحْذَرُ﴾ هاهنا بعد أن (٥) المنافق لا يعتقد أن الله ينزل شيئا, فقال الزجاج: هو أمر في صيغة الخبر كما في الصف (٦) , وقيل: المنافق
стр. 611
شاك فلم يأمنوا أن يكون محمد ﷺ صادقا, وقيل: قال المنافقون: نخاف أن يأتي محمد ﷺ بسورة من عنده (١) ثم يقول أنزلت فيهم كذا، فحكى الله عنهم قولهم, وقيل: كانوا يقولون استهزاء ولهذا قال سبحانه ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾ أي: منزل (٢) هذه السورة ومظهر نفاقكم, وقيل: ناصر من تخذلون.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله والحصى والحجارة تنكب رجليه يقول: يارسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ (٣).
وقال زيد بن أسلم ومحمد بن كعب: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب لسانا ولا أجبن عند اللقاء يعنون رسول الله (٤) وأصحابه، فقال له عوف: كذبت, ولكنك منافقٌ، لأخبرنَّ رسول الله، فذهب عوف ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل وقد ارتحل النبي
стр. 612
وركب ناقته فقال: يارسول الله إنما (١) كنا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع عنا الطريق فأنزل الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (٢) وقلت لهم: لم قلتم ذلك، لقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ نتجارى الأحاديث فعل المسافرين ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ أي: ما تعللتم به ليس عذراً بل كان ذلك منكم استهزاء وكفراً.
﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ لا تطلبوا إقامة العذر، فعذركم غير مقبول.
﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعد إظهاركم الإيمان, وقيل: كفرتم بتأخركم عن تبوك, وقيل: بإيذاءكم رسول الله ﷺ .
﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ لتوبتهم.
﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ بإقامتهم على النفاق.
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ أي: نعذب بسبب أنهم كانوا مجرمين, وقيل: كانوا ثلاثة نفر فهزئ اثنان وضحك واحد، وقيل: بل أنكر عليهما بعض ما سمع, وقيل: اسمه مَخْشِي بن حمير، فلما نزلت هذه الآية برئ من النفاق (٣)، فتكون الطائفة الأولى واحدة، وكذلك في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: ٢].
وعن عطاء في جماعة: أقل الطائفة اثنان (٤).
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ عن ابن عباس ﵄: أن الرجال المنافقين كانوا ثلاثمائة والنساء المنافقات كن (٥) مائة وسبعين (٦).
стр. 613
﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: هم يد واحدة, وقيل: يأخذ بعضهم من بعض، وقيل: رجالهم ونساؤهم صنف واحد في إظهار الإيمان واستسرار الكفر، وغلب المذكر على المؤنث في الجميع, وقيل: هذا جواب لقولهم في قوله (١) ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ الكفر والعصيان.
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ الطاعة والإيمان.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن إخراج الزكاة والنفقة في الجهاد، وقبض اليد كناية عن البخل, وقيل: يقبضون أيديهم عن رفعها في الدعاء (٢) إلى الله.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ تركوا العمل بأوامره.
﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ خذلهم, وقيل: جازاهم على نسيانهم (٣).
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ الخارجون عن دين الله.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مقدر (٤).
﴿هِيَ﴾ أي: النار.
﴿حَسْبُهُمْ﴾ فيها كفاية لجزاء كفرهم.
﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبعدهم الله (٥) من رحمته.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ دائم لا ينقطع.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ في الكاف قولان:
أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم كالذين من قبلكم.
وقيل: حالكم كحال الذين من قبلكم.
وقيل: محله نصب، أي: وعد الله المنافقين وعداً كما وعد الذين من قبلكم.
стр. 614
وروي أنه قيل لرسول الله ﷺ : أهم (١) أهل فارس والروم وأهل الكتاب؟
فقال ﷺ : (هل الناسُ إلا هُمْ) (٢).
وروي عن ابن عباس أنه قال: ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهْنا بهم (٣).
﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ تلذذوا بملاذ الدنيا.
والخلاق: التام الوافر من النصيب، مشتق من: الخَلْقِ، وهو التقدير.
الحسن: أي: دانوا بما أرادوا من الأديان ولم يتدينوا بدين الله (٤).
﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ﴾ في الباطل.
﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ وقيل: انغمستم في الدنيا وبعتم بها الأخرى كفعلهم, وقيل: لعبتم كما لعبوا، والتقدير: خضتم كخوضهم, وقيل: كالذين خاضوا فحذف النون، أو أجرى الذي مجرى مَنْ.
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ لأنهم اخْتُرِمُوا عنها (٥).
﴿وَالْآخِرَةِ﴾ لأنهم يدخلون النار.
وقيل معناه: حبطت في الآخرة أعمالهم التي عملوها في الدنيا، واللفظ لا يحتمله.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ خسروا الدنيا والآخرة.
ثم ذكر نبأ من قبلهم فقال:
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أغرقوا بالماء.
﴿وَعَادٍ﴾ أهلكوا بالريح.
﴿وَثَمُودَ﴾ أهلكوا بالرجفة.
﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أهلك نمرود ببعوضة, وأهلك أصحابه (٦) فجعلهم الأخسرين.
стр. 615
﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ أهلكوا بالحر والنار يوم الظُّلَّة.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ وهي قريات قوم لوط (١) أهلكت فجعل (٢) عاليها
سافلها وأمطرها حجارة من سجيل، والمعنى: ائتفكت بهم، أي: انقلبت (٣) , وقيل: المؤتفكات: عام في كل من هلك.
مقاتل (٤): المؤتفكات: المكذبات.
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: الكل, وقيل: يعود إلى أهل المؤتفكات، أي: أتاهم رسول بعد رسول، والأول هو الوجه.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بإهلاكهم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾ بالكفر وتكذيب الرسل.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في التعاضد والتناصر.
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والطاعة.
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشرك والمعصية.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ يريد إذا صاروا إليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يمتنع عليه شيء.
﴿حَكِيمٌ (٧١)﴾ يضع الشيء موضعه.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ طاهرة (٥) يطيب فيها العيش.
﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ الحسن: قال: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين ﵄ عن قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله ﷺ
стр. 616
عن ذلك فقال (١): (قصرٌ في الجنة من لؤلؤة بيضاء، فيه (٢) سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زبرجد خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين وفي كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله أجمع) (٣).
قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بُطْنَانُ الجنة، يريد: وسطها.
ابن عباس ﵄: قال (٤): سألت كعب الأحبار (٥) عن جنات عدن فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية (٦).
الحسن: جنات عدن وما أدراك ما جنات عدن، قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حَكَمٌ عَدْلٌ، رفع الحسن به صوته (٧).
وقيل: مدينة الجنة, وقيل: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة.
وعن النبي ﷺ : (جنات عدن: دار الله التي لم ترها عين ولم (٨) تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء, يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك) (٩).
стр. 617
وأصله من: العَدْن، وهو: الإقامة، ومنها: المعدن، ومثله (١): جنة الخلد.
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: رضى الله عنهم أكبر مما ذكر، لأنه (٢) لا يوصل إلى شيء من ذلك إلا بالرضوان.
وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول لهم (٣): هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) (٤).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الرضوان, وقيل: جميع ما تقدم.
﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف (٥).
﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الحسن: بإقامة الحدود عليهم.
ابن مسعود ﵁: يجاهدهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فليَكْفَهِرَّ (٦) في وجهه (٧).
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ بالغ في قتالهم وجهادهم (٨).
والغلظة: قوة القلب على إحداث الألم.
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ مرجعهم.
﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾.
стр. 618
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ في سبب النزول أقوال:
قال الضحاك: سب المنافقون في غزوة تبوك (١) رسول الله ﷺ وطعنوا في الدين في خلوة، فنقل حذيفة إلى رسول الله ﷺ ما قالوه، فقال ﷺ : (يا أهل النفاق: ما هذا الذي بلغني عنكم)، فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك، فنزلت هذه الآية (٢).
قال قتادة: ذكرلنا (٣) أن رجلين اقتتلا، رجل من جهينة ورجل من غفار، فظهر الغفاري على الجهني، فنادى عبد الله بن أبيّ (٤)(٥): يابني الأوس: انصروا
أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل: سَمِّنْ كلبك يأكلْكَ، والله لو رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله ﷺ ، فجعل يحلف بالله ما قال، فأنزل الله هذه الآية (٦).
وقيل: نزلت في الجلاس بن سويد (٧)، قال: لئن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شر من الحمير، ثم حلف بالله ما قاله (٨).
﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ يعني سب النبي ﷺ , وقيل: هو قوله: ليخرجن الأعز منها الأذل.
ابن عيسى: كل كلمة فيها جحد لنعمة الله فهي كفر (٩).
стр. 619
﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ أي: بعد إظهارهم الإسلام, وقيل: هم قوم آمنوا ثم كفروا.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ من قتل محمد ﷺ .
والهم: دون العزم, والعزم فوقه.
وقيل: هموا بقتل الذي سعى به, وقيل: بالإخراج، من قوله: ليخرجن الأعز منها الأذل.
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ما عابوا محمداً ﷺ ولم يروا منه (١) ما أورث المعاداة، بل أغناهم الله بالغنائم حتى كثرت أموالهم.
وقيل: كان قتل لجلاس مولى فقضى له (٢) النبي ﷺ بإثني عشر ألف درهم فاستغنى بذلك (٣).
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ أي: عن النفاق ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: التوب خيراً لهم.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يصروا على النفاق والكفر.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالفضيحة ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار.
﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ فينجيهم من الفضيحة والنار.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ عن أبي أمامة الباهلي ﵁: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري (٤) أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله ﷺ : (ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه)، ثم قال مرة أخرى، فقال: (أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسيل معي الجبال ذهباً وفضة لسالت)، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأوتين كل ذي حق حقه، فقال ﷺ : (اللهم ارزق ثعلبة مالاً) (٥)، فاتخذ غنما فنمت كما ينمي الدود فضاقت عنه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من
стр. 620
أوديتها حتى جعل (١) يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة، فسأل رسول الله ﷺ فقال: (ما فعل ثعلبة؟ ) فقالوا: اتخذ غنما وضاقت عليه المدينة وأخبروه بخبره، فقال: (يا ويح ثعلبة) ثلاثاً، ثم أتاه المتصدق من عند رسول الله فأبى وقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية، فنزل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فبلغ ذلك ثعلبة فخرج حتى أتى النبي ﷺ فسأله (٢) أن يقبل منه صدقته، فقال: (إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك)، فجعل يحثو (٣) التراب على رأسه، فقال ﷺ : (هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني)، فَقُبِضَ رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر فلم يقبل منه صدقته، ثم أتى عمر فلم يقبلها (٤)، ثم أتى عثمان فلم يقبلها منه (٥).
قال الكلبي: كان لثعلبة مال بالشام خاف هلاكه، فنذر أن يتصدق منه، فلما قدم عليه بخل به (٦).
стр. 621
وقوله ﴿عَاهَدَ اللَّهَ﴾: أي: عاهد وخلف.
﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: المال.
﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لنخرجن الصدقة.
﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾ بإخراج الصدقة وحق الله وصرف الباقي في الصلاح وما فيه (١) رضى الله.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أعطاهم الله المال ونالوا مناهم.
﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ منعوا حق الله ولم يفوا بالعهد.
﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله.
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾ مصرون على الإعراض.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً في قلوبهم, ويجوز أن يكون فاعل (٢) أعقب ما سبق من البخل والتولي والإعراض.
﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يلقون الله, وقيل: فعلهم, وقيل: جزاء فعلهم، وهو يوم القيامة, وقيل: يوم الموت.
والمعنى: بخلهم مع (٣) التولي والإعراض أورثهم نفاقاً لزمهم إلى الممات.
﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ أي: بسبب إخلافهم في وعدهم وكذبهم في قولهم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ يعني المنافقين كلهم، وقيل: من عاهد الله.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أسروا في أنفسهم.
﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما أسروا به إلى الغير.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ فلا يخفى عليه شيء.
стр. 622
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ في سبب النزول عن قتادة في جماعة: أن النبي ﷺ لما حث على الصدقة جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله: مالي ثمانية آلاف جئتك (١) بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي، فقال له رسول الله ﷺ : (بارك الله (٢) فيما أعطيت وفيما أمسكت)، فبارك الله في ماله (٣) حتى إنه خلف امرأتين يوم مات، فبلغ ثمن ماله لهما: مائة ألف وستون ألف درهم (٤)، وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بن العجلان بمائة وسق من تمر, وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير (٥) حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر، فأمره رسوله الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ولقد كان الله ورسوله غنياً عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكر نفسه، فأنزل الله
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ (٦).
أي: يعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الذين يتطوعون بالصدقات، والتطوع من الصدقة: ما لايلزمه لزوم الزكاة، ويقولون فعلوا ذلك رياء وسمعة.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ إلا غاية وسعهم وطاقتهم، والجُهد: بالضم: غاية ما يقدر عليه الإنسان, وبالفتح: مصدر جهد في الأمر: إذا بالغ, وقيل: هما لغتان، يعنون أبا عقيل.
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يستهزؤون بهم.
﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ جازاهم جزاء سخريتهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ مؤلم.
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الصيغة صيغة الأمر, والمعنى معنى الشرط، أي: إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت فلا تستغفر لهم، وقيل: أمر معناه الاستواء، أي: استغفارك لهم وترك الاستغفار سواء, وقيل: هذه مبالغة في الإياس (٧)، ومعناه: أنك لو طلبت الاستغفار لهم طلب المأمور به (٨) أو تركته ترك المنهي عنه لم يغفر لهم.
стр. 623
﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال قتادة ومجاهد: لما نزلت هذه الآية قال ﷺ : (لأزيدن على السبعين لعل الله يغفر لهم)، فأنزل الله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (١).
وقيل: ليس هذا عدداً مؤقتاً، وإنما الغرض منه الكثرة، كما تقول: قد قلت لك مائة مرة ونهيتك عن ذلك ألف مرة.
وذهب الأزهري في جماعة من أهل اللغة (٢) أن السبعين هاهنا جمع السبعة التي تستعمل للكثرة لا السبعة التي فوق الستة، وقد سبق في البقرة عند قوله
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣).
وفي استغفار النبي ﷺ لهم (٤) قولان:
أحدهما: أنه لم يَكُ يعرف نفاقهم فدعى واستغفر لهم.
والثاني: أن المؤمنين من قومهم كانوا يسألون النبي ﷺ أن يستغفر لهم في حياتهم رجاء أن يخلصوا في إيمانهم وبعد مماتهم رجاء الغفران، فنهاه الله عن جميع ذلك وآيسهم منه.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الإياس (٥) من المغفرة.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم.
﴿كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والكافر لا يغفر له.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ المتمردين في الكفر.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي: المتروكون, وقيل: الذين (٦) خلفهم رسول الله بأن أذن لهم في التخلف.
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بقعودهم.
стр. 624
﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: بعد خروجه.
وخلافك: بمعنى: خَلْفَكَ، ونصبه على الظرف, وقيل: خلافك: مصدر خَالفَ (١)، والمعنى: فرحوا بقعودهم في المدينة والتخلف عن الجهاد وأَنْ لم ينلهم حر الصيف في السفر بخلاف رسول الله ﷺ ، فيكون نصباً على العلة أو على المصدر.
﴿وَكَرِهُوا﴾ أي: لم يريدوا
﴿أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال بعضهم لبعض: لا تخرجوا إلى الجهاد في صميم الصيف, وقيل: قالوا للمؤمنين.
﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ وقد اخترتموها بهذه المخالفة والتخلف.
﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ يعلمون مآلهم إليها ما اختاروها وما تخلفوا.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ نهاهم عن الفرح بما تقدم منهم، لأن الضحك من الفرح، وقوله ﴿قَلِيلًا﴾ أي: في الدنيا، وهي قليلة, وقيل:
﴿قَلِيلًا﴾ فإن الهموم والأحزان يمنعانكم عنه, وقيل: عنى بالقلة: العدم، كقول الشاعر (٢):
قليلاً بها الأصوات إلا بُغامُها
أي: ليس بها صوت.
﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ لأنه في القيامة وهو يوم مديد, وقيل: في النار, وهي لا نهاية
стр. 625
لها (١) , وقيل: الضحك والبكاء كنايتان (٢) عن السرور والغم, وقيل: الصيغة صيغة الأمر ومعناها الخبر.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ أي: إن ردك الله إلى المدينة من غزوة تبوك وفيها طائفة منهم, قيل: كانوا اثني عشر رجلاً, وقيل: أكثر من ذلك، تخلفوا بغير عذر.
﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ إلى غزوة أخرى بعد تبوك.
﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ أي: فلا تأذن لهم في الخروج وقل لهم لن تخرجوا معي أبداً.
﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ لقعودكم عن تبوك ولنفاقكم (٣).
﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: عن الوقت الذي تستأذنون فيه، فإن غزوة تبوك لم تكن بأول غزوة غزاها رسول الله ﷺ وقيل: أول مرة دعيتم, وقيل:
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: قبل (٤) الاستئذان.
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ مع من تخلف بعذر, وقيل: النساء والصبيان.
تقول: خلفه: ناب عنه، قال الله تعالى ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢].
ابن عباس ﵄: مع الخالفين الذين لا خير فيهم (٥).
стр. 626
وقيل: مع أهل الفساد.
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ أي (١): من المنافقين.
أجمع المفسرون على أنها نزلت حين صلى النبي (٢) ﷺ على عبدالله بن أبي أو كاد يصلي، وذلك أنه لما مات جاء ابنه وكان مؤمناً مخلصاً إلى رسول الله ﷺ وسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي جسده وأن يصلي عليه ويقوم على قبره (٣).
وقيل: إنه في مرضه أرسل إلى النبي ﷺ ليأتيه، فأتاه فقال: (أهلكك حب اليهود)، فقال: لا تؤنبني، واستغفر لي وأعطني الثوب الذي يلي جسدك، ففعل ﵊ رجاء أن يؤمن بذلك قوم، فكان كما رجا، فإن ألفاً من الخزرج أسلموا لما رأوه عند وفاته يستشفي بثوب رسول الله ﷺ (٤)، فلما قام يصلي عليه جذبه عمر (٥)، ويقال جذبه جبريل (٦)، فصلى عليه (٧) فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ من المنافقين، يريد: صلاة الجنازة, وقيل: يريد الدعاء.
﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ لا تقف عند قبره (٨) حتى يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِه, وقيل: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى
стр. 627
قَبْرِهِ﴾ لا تتول دفنه وقبره (١)، فيكون مصدراً، تقول: قَبَرَه: إذا دَفَنَه.
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾.
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ سبق تفسيرها (٢)، وليست بتكرار، لأنها في جماعة وهذه في أخرى.
ابن جرير: أراد أولاد عبدالله وأمواله (٣).
﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ يريد من القرآن.
وهذا دليل على أن السورة (٤) كانت مسورة على عهد رسول الله ﷺ ، لا كما زعم بعض المبتدعة أنها سورت بعد رسول الله ﷺ (٥)، وكذلك قوله ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] (٦).
﴿أَنْ آمِنُوا﴾ أي: بأن آمنوا (٧).
﴿بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا﴾ يجوز أن يكون الخطاب للمنافقين، أي: آمنوا سرا كما آمنتم جهرا، ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي: دوموا على الإيمان وجاهدوا.
﴿مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ﴾ في التأخر.
﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذو القدرة والسعة في المال.
﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾ أي: الزمنى والضَعْفَى.
стр. 628
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ أي: النساء، جمع خالفة، من قولهم: فلان خالفة قومه: إذا كان لا خير فيه, وقيل: طائفة خالفة، ثم جمع على خوالف (١).
﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾ استُوْثِقَ منها فلا يدخلها الإيمان.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ في الإنفاق.
﴿وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بالقتال.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ جمع خَيْرَة، تخفيف خَيِّرة، والمراد بهن: الحور، كقوله ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠].
ويجوز أن يكون عاماً في جميع الملاذ من الأطعمة والأشربة والمنازل والجواري والغلمان, وقيل: ﴿الْخَيْرَاتُ﴾: الغنائم.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ الباقون في النعيم.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ لفظ:
﴿أَعَدَّ﴾ دل على أنها مخلوقة معدة (٢).
ابن عيسى: الإعداد: تهيئة الشيء لغيره، وأصله: العَدَد، كأنه عَدَّ ما احتيج إليه.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ في وزن فعله (٣) خلاف:
أحدهما: أنه مُفَعَّل من التعذير، والثاني: مُفْتَعِل من الاعتذار، نقلت حركة التاء إلى الفاء وأدغمت التاء في العين (٤).
والفرق بين التعذير والاعتذار، أن التعذير: التقصير مع طلب إقامة العذر، والاعتذار: طلب العذر من غير تَضْجِيع (٥).
فمن جعله من التعذير قال: هو ذم، وهو قول قتادة (٦).
ومن جعله من الاعتذار قال: هو عذر، وهو قول مُجاهد (٧).
وقرأ ابن عباس في جماعة (المُعْذِرُون) خفيفاً (٨).
стр. 629
ومعنى: أعذر: أتى بعذر صحيح.
وكان ابن عباس ﵄ يقول: لعن الله المُعَذِّرِين (١)، يريد بالتشديد، كان يذهب إلى التعذير (٢).
وفيهم (٣) قولان:
أحدهما: أنهم كانوا (٤) منافقين والكل ذم بدليل ما تقدم, وقال بعضهم:
هؤلاء قوم من الأعراب غير قُطَّان المدينة تأخروا عن تبوك فلما سمعوا الوعيد أتوا معتذرين وسألوا أن يؤذن لهم في التخلف والقعود, وقيل: يؤذن لهم في الخروج.
ابن بحر: هؤلاء الأعراب صنفان: أحدهما: معتذر التمس الإذن في القعود، والآخر: مصرح بالنفاق غير جانح إلى عذر متجمل بتعذير.
ابن عيسى: العذر: سقوط اللوم بانتفاء التمكن من الفعل.
قوله: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: أضمروا خلاف ما أظهروا ثم أوعدهم عذاباً فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ أي: الضعيف في نفسه كالشيخ أو في عينه كالأعمى أو في عقله كالمجنون.
﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ جمع مريض.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي: الفقراء والمساكين.
﴿حَرَجٌ﴾ إثم في التأخر وضيق، بل هم موسع عليهم في التأخر.
﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في إخلاصهم في أقوالهم وأفعالهم بما يعود إلى ما فيه (٥) صلاح الإسلام والمسلمين.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وهم الذين أطاعوا الله ورسوله, وقيل: هم الذين نصحوا لله ورسوله.
﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: ليس لأحد إلى لائمتهم أو عقابهم سبيل، لأنهم محسنون.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ لهم، وقيل: غفور رحيم للمسيء فكيف للمحسن.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في البكائين
стр. 630
وكانوا ستة (١): معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: يا نبي الله نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزوا معك، فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه) فتولوا وهم يبكون.
مجاهد: نزلت في بني مُقَرِّن: معقل وسويد والنعمان (٢).
الحسن: نزلت في أبي موسى وأصحابه (٣).
وقيل: نزلت في عرباض بن سارية.
قوله ﴿وَلَا عَلَى﴾ عطف على الضعفاء لا على المحسنين, وقوله ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ أي: على النعال كما سبق.
وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في غزوة تبوك: (أكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكباً ما كان منتعلاً) (٤).
стр. 631
وروي: أنهم طلبوا ما يتزودونه.
﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: لا أملك، تقول: حَمَلَهُ حُمْلاناً: إذا أعطاه ما يركبه من دابة أو نعل وحمله على ظهره حَمْلاً.
﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ تسيل، ولم يقل: يفضن، أجراها مجرى جمع الكثير.
والفيض: سيل الماء عن (١) امتلاء الإناء.
﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا﴾ أي: بسبب أن لا يجدوا.
﴿أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ في مغزاهم.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: اللائمة والعذاب.
﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التخلف.
﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ يقيمون لأنفسهم عذرا باطلاً.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من هذه السفرة.
﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالأكاذيب والأباطيل.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم.
﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: أخباراً (٢) من أخباركم وأطلعنا على أسراركم.
стр. 632
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ بعد اليوم، فإياكم ومعاودة (١) القبيح وما يعتذر منه.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: مصيركم إلى الله المطلع على أعمال عباده سرها وجهرها.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾ يوبخكم به ويعاقبكم عليه.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: سيكون منهم حلف بالكذب والباطل بعد انصرافكم إليهم من هذه السفرة إلى المدينة.
﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تعاتبوهم.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تؤنبوهم.
﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ عملهم خبيث.
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ مصيرهم.
﴿جَهَنَّمُ﴾ النار (٢).
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ جزاء على فعلهم.
ابن عباس ﵄: كانوا ثمانين رجلاً فأمر النبي ﷺ حين قدم المدينة أن لايجالسوهم ولا يكلموهم (٣).
وقيل: نزلت في عبدالله بن أبي (٤)، حلف أن لا يتخلف عنه بعدها وأن يكون
стр. 633
معه على عدوه وطلب إلى النبي ﷺ أن يرضى عنه (١).
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ أي: يطلبون رضاكم بحلفهم الباطل (٢).
﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ يريد: فلا ترضوا عنهم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ بل يسخط عليهم.
والرضى: ضد السَّخَط.
أمر بالإعراض ونهى (٣) عن الرضى.
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في أعاريب من أسد وغطفان وأعاريب من أعراب (٤) حاضري المدينة، وليست (٥) بعام (٦).
والأعراب: هم أولاد عدنان وقحطان وهم ساكنوا البادية، ومن ولد بغيرها فهو عربي.
قوله: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ لأنهم لم يسمعوا كلام الله ولا مواعظ أنبيائه ولا حكمهم فيكون الكفر فيهم أكثر.
وقيل: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا﴾ لأن طباعهم جافية وقلوبهم قاسية.
وكلا القولين واحد.
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ أي: بأن لا يعلموا، ومعنى ﴿وَأَجْدَرُ﴾: أقرب وأولى.
стр. 634
قال أهل اللغة: هو (١) من الجدار، أي: ألصق وأعلى.
﴿حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الفرائض والعبادات, وقيل: من الوعد والوعيد.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي: منهم منافقون غير مخلصين يَعُدُّون ما أنفقوا وتصدقوا به غُرْماً ثِقْلاً أُلزِمَ من غير وجوب ولا يرجو عليه ثواباً ولا يحتسبه عند الله.
وأصل الغرم: اللزوم.
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ ينتظر انقلاب الأمر عليكم.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين، وهذا وعد للمسلمين وإخبار، ويحتمل: أن يكون دعاء عليهم، أي: قولوا عليهم دائرة السوء، أي: المكروه.
وحقيقة الدائرة: ما تدور به الأيام, وقيل: تدور به الفلك في سيره.
والدائرة: انقلاب النعمة إلى ضدها, وقيل: هي الجائحة، ووزنها: فاعلة.
الحجة: يجوز أن يكون مصدراً كالعاقبة والعافية، ويجوز أن يكون: صفة، أي: خَلَّةً تدور وتحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها محيص (٢).
والسوء: بالفتح: المصدر، وبالضم: البلاء والمكروه (٣)، وإضافتها للبيان، كشمس النهار.
стр. 635
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ البعث والحساب والثواب والعقاب.
﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ في الجهاد مع الرسول ﷺ وما يتصدق به.
﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: يقربه من رحمته ورضوانه, وقيل: القربة: طلب الثواب والكرامة, وقيل: هي الطاعة.
﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ دعاؤه واستغفاره.
وفي محلها أقوال:
أحدها: أنه نصب بالعطف على ﴿مَا يُنْفِقُ﴾، أي: يتخذ ماينفق (١) وصلوات الرسول قربات (٢) , وقيل: نصب بالعطف على قربات، أي: يتخذ بذلك قربات الله وصلوات الرسول، أي: يطلب الغفران من الله والاستغفار من الرسول، وهذا قول المبرد، وفيه تعسف، لأن المفعول الثاني في (اتخذ) يجب أن يكون (٣) هو الأول, وقيل: محله جر بالعطف على الله تعالى، أي: يتخذ ذلك قربات عند الله وعند (٤) صلوات الرسول.
﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ إن نفقتهم, وقيل: إن صلوات الرسول.
والمعنى: هذا تصديق لمخيلتهم.
﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.