وروي: أنهم طلبوا ما يتزودونه.
﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: لا أملك، تقول: حَمَلَهُ حُمْلاناً: إذا أعطاه ما يركبه من دابة أو نعل وحمله على ظهره حَمْلاً.
﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ تسيل، ولم يقل: يفضن، أجراها مجرى جمع الكثير.
والفيض: سيل الماء عن (١) امتلاء الإناء.
﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا﴾ أي: بسبب أن لا يجدوا.
﴿أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ في مغزاهم.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: اللائمة والعذاب.
﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التخلف.
﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ يقيمون لأنفسهم عذرا باطلاً.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من هذه السفرة.
﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالأكاذيب والأباطيل.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم.
﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: أخباراً (٢) من أخباركم وأطلعنا على أسراركم.
стр. 632
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ بعد اليوم، فإياكم ومعاودة (١) القبيح وما يعتذر منه.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: مصيركم إلى الله المطلع على أعمال عباده سرها وجهرها.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾ يوبخكم به ويعاقبكم عليه.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: سيكون منهم حلف بالكذب والباطل بعد انصرافكم إليهم من هذه السفرة إلى المدينة.
﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تعاتبوهم.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تؤنبوهم.
﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ عملهم خبيث.
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ مصيرهم.
﴿جَهَنَّمُ﴾ النار (٢).
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ جزاء على فعلهم.
ابن عباس ﵄: كانوا ثمانين رجلاً فأمر النبي ﷺ حين قدم المدينة أن لايجالسوهم ولا يكلموهم (٣).
وقيل: نزلت في عبدالله بن أبي (٤)، حلف أن لا يتخلف عنه بعدها وأن يكون
стр. 633
معه على عدوه وطلب إلى النبي ﷺ أن يرضى عنه (١).
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ أي: يطلبون رضاكم بحلفهم الباطل (٢).
﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ يريد: فلا ترضوا عنهم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ بل يسخط عليهم.
والرضى: ضد السَّخَط.
أمر بالإعراض ونهى (٣) عن الرضى.
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في أعاريب من أسد وغطفان وأعاريب من أعراب (٤) حاضري المدينة، وليست (٥) بعام (٦).
والأعراب: هم أولاد عدنان وقحطان وهم ساكنوا البادية، ومن ولد بغيرها فهو عربي.
قوله: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ لأنهم لم يسمعوا كلام الله ولا مواعظ أنبيائه ولا حكمهم فيكون الكفر فيهم أكثر.
وقيل: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا﴾ لأن طباعهم جافية وقلوبهم قاسية.
وكلا القولين واحد.
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ أي: بأن لا يعلموا، ومعنى ﴿وَأَجْدَرُ﴾: أقرب وأولى.
стр. 634
قال أهل اللغة: هو (١) من الجدار، أي: ألصق وأعلى.
﴿حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الفرائض والعبادات, وقيل: من الوعد والوعيد.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي: منهم منافقون غير مخلصين يَعُدُّون ما أنفقوا وتصدقوا به غُرْماً ثِقْلاً أُلزِمَ من غير وجوب ولا يرجو عليه ثواباً ولا يحتسبه عند الله.
وأصل الغرم: اللزوم.
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ ينتظر انقلاب الأمر عليكم.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين، وهذا وعد للمسلمين وإخبار، ويحتمل: أن يكون دعاء عليهم، أي: قولوا عليهم دائرة السوء، أي: المكروه.
وحقيقة الدائرة: ما تدور به الأيام, وقيل: تدور به الفلك في سيره.
والدائرة: انقلاب النعمة إلى ضدها, وقيل: هي الجائحة، ووزنها: فاعلة.
الحجة: يجوز أن يكون مصدراً كالعاقبة والعافية، ويجوز أن يكون: صفة، أي: خَلَّةً تدور وتحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها محيص (٢).
والسوء: بالفتح: المصدر، وبالضم: البلاء والمكروه (٣)، وإضافتها للبيان، كشمس النهار.
стр. 635
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ البعث والحساب والثواب والعقاب.
﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ في الجهاد مع الرسول ﷺ وما يتصدق به.
﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: يقربه من رحمته ورضوانه, وقيل: القربة: طلب الثواب والكرامة, وقيل: هي الطاعة.
﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ دعاؤه واستغفاره.
وفي محلها أقوال:
أحدها: أنه نصب بالعطف على ﴿مَا يُنْفِقُ﴾، أي: يتخذ ماينفق (١) وصلوات الرسول قربات (٢) , وقيل: نصب بالعطف على قربات، أي: يتخذ بذلك قربات الله وصلوات الرسول، أي: يطلب الغفران من الله والاستغفار من الرسول، وهذا قول المبرد، وفيه تعسف، لأن المفعول الثاني في (اتخذ) يجب أن يكون (٣) هو الأول, وقيل: محله جر بالعطف على الله تعالى، أي: يتخذ ذلك قربات عند الله وعند (٤) صلوات الرسول.
﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ إن نفقتهم, وقيل: إن صلوات الرسول.
والمعنى: هذا تصديق لمخيلتهم.
﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.
стр. 636
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ أكثر المفسرين على أنهم هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا, وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة, وقيل: هم الذين تقدم موتهم (١).
والأنصار: مجرور، أي: السابقون منهما، وقرئ بالرفع (٢)، فيكون السابقون: من المهاجرين فحسب.
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ فيه قولان:
أحدهما: مِن المهاجرين والأنصار أيضاً، فيكون سائر الصحابة, والثاني: مَن اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة.
وذكر المفسرون والقراء: أن عمر ﵁ كان يقرأ: والأنصارُ الذين اتبعوهم، بحذف الواو ورفع الأنصار، فقال له (٣) زيد بن ثابت: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ فقال عمر (٤): الذين اتبعوهم، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم، فقال عمر ﵁: ائتوني بأبي ابن كعب، فأتاه، فسأله، فقال أبي: ﴿وَالَّذِينَ﴾، فقال عمر: فنعم إذاً (٥).
﴿﵃﴾ بقبول الطاعة.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما نالوا من الثواب فوق (٦) ما تمنوا.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ قرأ ابن كثير (من تحتها) (٧) وليس لها في القرآن نظير.
стр. 637
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في جُهَينة ومُزَينة وأَشْجَع وأَسْلَم وغِفَار ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ ابن أُبيّ وجد بن قيس ومعتب بن قشير والجلاس بن سويد وأبو عامر الراهب (١).
قال قتادة: أسّر النبي ﷺ إلى حذيفة اثني عشر رجلا من المنافقين لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وقال: ستة منهم يقتلهم الدُّبَيْلة سراج من نار تأخذ في كتف أحدهم حتى تخرج من صدره (٢).
وكان عمر ﵁ إذا مات رجل يظنه منهم، نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه اتبعه.
قال حذيفة: قال لي عمر: أنشدك الله أمنهم أنا، قلت: لا والله ما جعلك الله منهم (٣).
وقوله ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أي: من أهل البوادي ممن حوالي المدينة.
﴿مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ منافقون.
﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ يجوز أن يكون وصفاً للمنافقين وحقه التقديم، وهذا قول الزجاج (٤).
ويجوز أن يكون وصفاً لمنافقي المدينة فحسب، وهذا قول جماعة، فيكون الوقف على قوله ﴿مُنَافِقُونَ﴾ ثم يستأنف ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا﴾ أي: قوم مردوا (٥).
ويحتمل أن يكون ﴿مَرَدُوا﴾ للكل (٦)، ويحتمل: الاستئناف.
ومعنى ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أقاموا عليه فلم يتوبوا منه, وقيل: لجوا فيه وأبوا غيره (٧) , وقيل: استمروا على ذلك وعتوا فيه (٨) , وقيل: اشتدوا فيه, وقيل: دربوا به.
стр. 638
وأصله: من الشيطان المارد، واشتقاقه من: الملاسة، وقد سبق (١).
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ لا تعرفهم بأعيانهم ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾.
ويحتمل: لا تعلمهم (٢) منافقين.
وتَقَدُّمُ لفظ النفاق قام (٣) مقام الملفوظ، فيكون على أصله متعدياً إلى مفعولين.
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ محمد بن جرير: لم يبين الله العذاب لنا ما هما (٤).
غيره: المرة الأولى: في الدنيا بالقتل والفضيحة والهوان وأخذ الزكاة والحمل على الجهاد، والمرة الثانية: عذاب القبر، والثالثة: دخول النار على الدوام.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ في سبب النزول: قال (٥) ابن عباس ﵄: نزلت في قوم كانوا (٦) تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم ندموا وقالوا: نكون في الظلال مع النساء ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري (٧) ولا نطلقها حتى يكون الرسول هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلما رجع رسول الله ﷺ مر بهم فرآهم، فقال: (من هؤلاء؟ )، قالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله لا يطلقون أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، فقال ﷺ : (وأنا أقسم لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين)، فنزلت هذه الآية (٨)، فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال: (ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً)، فأنزل الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٩).
стр. 639
قوله (١) ﴿وَآخَرُونَ﴾ أي: قوم (٢) آخرون سوى المذكورين.
قال ابن عباس ﵄: كانوا عشرة (٣).
مجاهد: هو أبو لبابة (٤) وحده، لما أصابه حين بُعِثَ إلى بني قريظة (٥).
﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ في النفاق والتأخر عن الجهاد.
﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ التوبة.
﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ النفاق.
وقيل: تقديره: وآخرون خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً واعترفوا بذنوبهم.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من الله واجب (٦).
والخلط: مزج الشيء بالشيء حتى تدخل أجزاؤهما بعضها في بعض، وهاهنا: مستعار، والمراد به الجمع، ولهذا ذكر بالواو ولم يذكر بالباء، كما تقول (٧): خلطت الشيء بالشيء, وقيل: الواو بمعنى مع (٨).
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ هي كفارة لذنوبهم, وقيل: هي الزكاة المفروضة.
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ يريد: عن الذنوب.
стр. 640
والتطهير: إزالة النجاسة (١).
والتاء: خطاب للنبي ﷺ ، فيكون حالاً, وقيل: التاء: للتأنيث، فتكون صفة للصدقة، وكذلك قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: تنمي حسناتهم, وقيل: (تزكيهم بها) تكثر أموالهم، والزكاء: نماء المال, وقيل: تحكم يا محمد بأنهم أزكياء, وقيل: التاء في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ للصدقة، والتاء (٢) في ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ للنبي ﷺ .
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ادع لهم واستغفر لهم.
والصلاة: الدعاء.
﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ طمأنينة لهم بأن الله قبل توبتهم, وقيل: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ رحمة عليهم, وقيل: يسكنون إليها ويسارعون إلى أداء الصدقات.
وروي أن عبد الله بن أبي أوفى قال: أتيت رسول الله ﷺ بصدقات قومي فقلت: يا رسول الله صَلّ عليَّ. فقال: (اللهم صلِّ على آل (٣) أبي أوفى) (٤).
ويحتمل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ بعد موتهم خلافا لمن نهى عن الصلاة عليه في قوله
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ يثقون بأن من صليت عليه مغفور له (٥).
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ عداه هاهنا بعن لتضمن القبول معنى التجاوز.
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ يقبلها, وقيل: جعل أخذ الرسول أخذ الله لأنه أخذ بأمره.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ كثير قبول التوبة, وقيل: سريع القبول.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ أي: الطاعة واحذروا المعصية.
﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ﴾ بالموت.
стр. 641
﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ ينبئ تنبئة (١) تذكير ومجازاة عليه.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، تخلفوا عن غزوة تبوك وهم الذين ذكروا في قوله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] (٢).
أي: هم ثلاثة (٣) زمر: فزمرة مردوا على النفاق، وزمرة اعترفوا، وزمرة توقف في أمرهم.
قوله: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ أي: ومنهم آخرون مرجون.
الهمز وترك الهمز لغتان (٤)، وقيل: من همز فمعناه: مؤخرون، ومن ترك الهمز فمعناه: جعلوا يرجون، أرجأ الله أمرهم, وقيل: أرجأ النبي أمرهم.
﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ ليأمر الله فيهم وينزل في شأنهم.
﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن أصروا على النفاق.
﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا.
وقيل: إما يخذ لهم وإما يوفقهم.
والتشكيك في حق العباد والله عالم بما تصير إليه أمورهم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ في سبب النزول: عن سعد بن أبي وقاص قال: إن المنافقين عرضوا المسجد يبنونه (٥) ليضاهوا به مسجد قباء وهو قريب منه لأبي عامر الراهب يرصدونه إذا قدم ليكون إمامهم فيه (٦)، فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إنا قد بنينا مسجداً فصل فيه حتى نتخذه مصلى، فأخذ ثوبه ليقوم معهم فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] (٧).
стр. 642
وفي غير هذه الرواية: فدعا رسول الله ﷺ مالك ابن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم: (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله (١) فاهدموه وأحرقوه)، فخرجوا وانطلق مالك فأخذ سعفة من النخل فأشعل فيها ناراً ثم دخلوا (٢) المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه فتفرق عنه أهله، وأمر النبي ﷺ أن يتخذ ذلك كناسة يلقى فيها الجيف والنتن والقمامة، ومات أبو عامر بالشام وحيداً غريباً (٣).
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ قرئ بالواو (٤) وبحذفه (٥)، فمن قرأ بالواو جعله عطف جملة على جملة، ومحله رفع بالابتداء وخبره يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تقديره: ومنهم الذين اتخذوا، والثاني: أن يكون تقديره: جازيناهم على فعلهم, ومن قرأ بغير واو جاز أن يكون مبتدأ، وخبره: جازيناهم, وجاز أن يكون خبره: ومنهم، فأضمر الخبر وأضمر الواو، وجاز أن يكون بدلاً من الأول (٦) بدل البعض من الكل.
﴿مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي: للشر والبلاء والإضرار بالمسلمين, وقيل: ضراراً لمسجد رسول الله.
والضرار: مصدر: ضَرَّهُ ضِراراً، وهو محاولة الضَّر.
﴿وَكُفْرًا﴾ للكفر الذي يضمرونه.
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليفرقوا جمعهم.
﴿وَإِرْصَادًا﴾ ترقباً وانتظاراً.
وأصله من: الرَّصَدِ، وهو: الطريق، تقول: رَصَدَه: إذا وقف في طريقه يترقبه، وأَرْصَدَهُ كذا: أَعَدَّ لَهُ مُنْتَظِرَاً له به.
﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أبو عامر الراهب، كان يوم الأحزاب يجمع
стр. 643
الجيوش، فلما هزم الكفار خرج إلى الشام.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ بالله كاذبين (١)، يعني: بناة المسجد.
﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ببناء هذا المسجد.
﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ الخلة الحسنى.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ في حلفهم.
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ للصلاة.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ بناه المتقون على تقوى الله وطاعته.
الجمهور على أنه: مسجد قباء, وقيل: هو مسجد رسول الله ﷺ , وروي أن رجلين تماريا فيه، فقال الرسول ﷺ : (هو مسجدي هذا) (٢).
﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من حين بني، والقياس: مذ (٣)، وعنه (٤) جوابان:
أحدهما: أن ﴿مِنْ﴾ عامٌّ في الزمان والمكان وغيرهما.
والثاني: أن التقدير: من تأسيس أول (٥) يوم، وأنشد قول الشاعر لعموم مِنْ (٦):
لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْر ... أَقْوينَ من حِجَجٍ ومن شَهْر (٧)
стр. 644
﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أولى بأن تصلي فيه (١).
﴿فِيهِ﴾ في المسجد.
﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ وهم الأنصار.
روي عن (٢) النبي ﷺ أنه قال عند نزول هذه الآية للأنصار: (ما سبب هذا الثناء عليكم من الله؟ )، فقالوا: إنا نتبع الأحجار بالماء ونغسل عنا أثر الغائط والبول (٣).
وقيل: يطهرون أحوالهم من المعاصي بالطاعة.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ هذا سؤال تقرير، وجوابه مسكوت عنه لظهوره ووضوحه.
ومعنى ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ وضع أساس ما يبنيه ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ أي: متقياً عن (٤) المعاصي طالباً (٥) رضى الله ﴿خَيْرٌ﴾ أفضل ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ شفا كل شيء: شفيره (٦)، وأشفى عليه: بلغ شفاه، والجُرُف: ما تهدم من جوانب الوادي من جَرْفِ السيل، أي: جَرَفَ جَرْفاً عميقاً له ظاهر رقيق وأصله واه ضعيف، ومعنى ﴿هَارٍ﴾ هائر يسقط بعضه على بعض، وهو اسم الفاعل من: هار، يهور، وقيل: هار، يهار، فقلب، وقيل: هو كُبَاب.
стр. 645
﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فانهار الشفا بالبناء, وقيل: فانهار البناء بالباني وأهله.
قال جابر بن عبد الله ﵁: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار (١).
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أبو علي (٢) في «الحجة»: البنيان: مصدر، بدليل دخول التاء عليه، تقول: بنيانة، فلو (٣) كان جمعاً لم يدخله (٤)، ثم يستعمل للاسم: كضرب الأمير ونسخ اليمين (٥)، وفي الآية: مصدر، ليصح الخبر عنه بالريبة، ويجوز أن يكون الاسم والمضاف محذوف، أي: بناء البنيان، والمعنى: لا يزال ما اعتقدوه وبنوا له مسجد الضرار من الكفر والنفاق لازماً لقلوبهم لا يفارقها حتى يموتوا.
«الحجة»: لا يزال بناء المبنى شكاً في قلوبهم من إظهار الإسلام والثبات على النفاق إلَاّ أن (٦) تقطع قلوبهم بالموت والبلى (٧).
وقيل: لا يزال تخريبك لمسجدهم يورثهم (٨) عداوة في قلوبهم إلى يوم موتهم (٩).
وقيل: لا تزال نفقة بنيانهم حسرة في قلوبهم حتى الموت.
وقيل: ﴿رِيبَةً﴾ حزازة في قلوبهم, وقيل: ﴿رِيبَةً﴾ خوفاً من المؤمنين لما ظهر نفاقهم.
стр. 646
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ ابن عيسى: ﴿إِلَّا﴾ هاهنا: بمعنى: حتى، لأنه استثناء من الزمان المستقبل.
وقيل: الاستثناء منقطع, وقيل: معنى ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بالتوبة فتفارقها الريبة.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بنياتهم.
﴿حَكِيمٌ (١١٠)﴾ فيما أمر بالهدم.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في سبب النزول: قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نقيباً، قال عبدالله بن رواحة: يا رسول الله: اشترط لنفسك ولربك ماشئت، فقال: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً, وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم)، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: (الجنة)، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت هذه الآية (١).
ومعنى اشترى أنفسهم وأموالهم: أي: ملكهم أنفسهم وأموالهم (٢) فصارت لهم ثم اشترى منهم أنفسهم بأن يجاهدوا بها.
﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ بأن ينفقوا في سبيل الله وبأن يتصدقوا بها.
﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ أي: بالجنة.
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي: لهم الجنة قاتلين (٣) أو مقتولين إذا باشروا الحرب, وقيل: ضرب المثل بالشراء: لأنه أخذ وإعطاء، وقد سبق (٤).
والشراء: مشتق من: الشّروى، وهي: المِثْل.
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: وعد وعداً حقاً ثابتاً لا خُلْفَ فيه.
﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ أي: مبايعتكم هذه مذكورة في الكتب الثلاثة, وقيل: اشترى من أمة موسى وأمة (٥) عيسى كما اشترى من أمة محمد ﷺ .
стр. 647
و ﴿فِي﴾ متعلقة بالاشتراء، وقيل: بالوعد.
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أولى بإنجاز الوعد من الله.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافرحوا به غاية الفرح.
﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ نهاية كل طالب، ومرغوب كل راغب.
﴿التَّائِبُونَ﴾ ابن عباس ﵄: لما نزل ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ جاء رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله: وإن زنى وإن سرق (١)؟ فنزلت ﴿التَّائِبُونَ﴾ (٢).
أي: هم التائبون, وقيل: بدل من المضمرين في ﴿يُقَاتِلُونَ﴾.
و﴿التَّائِبُونَ﴾: الراجعون عن فعلهم, وقيل: الراجعون إلى الله وإلى طاعته.
﴿الْعَابِدُونَ﴾ الموحدون, وقيل: المطيعون.
الحسن: العابدون بطول الصلاة (٣).
﴿الْحَامِدُونَ﴾ على الإسلام والإيمان وعلى ما نالهم من السراء والضراء.
﴿السَّائِحُونَ﴾ قيل: هم الصائمون، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (سياحة أمتي الصوم) (٤).
стр. 648
ابن عباس في جماعة: صوم شهر رمضان (١).
وقيل: صوم أيام البيض, وقيل: صوم الدهر.
وأصل السياحة: الاستمرار بالذهاب في الأرض, وقيل: الاستمرار على الطاعة (٢) , وقيل: السائحون: المجاهدون.
وروي أن رجلاً استأذن رسول الله ﷺ في السياحة، فقال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) (٣).
وقيل: هم المهاجرون.
عكرمة: هم طلاب العلم (٤).
﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ هم المصلون.
﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والطاعة.
﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشرك والمعاصي.
﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ فيما أمر ونهى.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ المصدقين العاملين بها.
وفي الواو في قوله ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ ثلاثة أقوال:
قال ابن عيسى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يذكران معاً وهما كالشيء الواحد، قال (٥): ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ لأنه أقرب إلى المعطوف (٦).
стр. 649
وقال صاحب النظم: ﴿التَّائِبُونَ﴾ مبتدأ، وما بعده نعت لهم, ﴿الْآمِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، وما بعده عطف عليه (١).
وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا واو الثمانية، واستدلوا بقوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وبقوله ﴿وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥] وبقوله ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] وستأتي في مواضعها إن شاء الله.
وهذا لعب (٢) لا يعرفه النحاة، اللهم إلا أن يقال (٣): السبعة عدد مستقل، وما بعده يجري مجرى الاستئناف، لأن العدد (٤): إما زوج كالاثنين وهو أول الأعداد، وإما فرد كالثلاثة وهو أول الأفراد، وإما زوج زوج كالأربعة وهو أول تضعيف الزوج، وإما زوج الفرد كالست وهو أول تضعيف الأفراد (٥)، فالست النهاية، ومنه نسبة الستين، ثم ضم إليه واحد وهو (٦) مبدأ العدد ومنشؤه وليس بعدد، فتم مبادئ الحساب وما بعده تكرير وتضعيف، والله اعلم.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ روى البخاري في صحيحه ومسلم (٧) جميعاً، قالا: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه (٨) رسول الله
стр. 650
وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية (١)، فقال: (أي عم: قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : (لأستغفرن لك ما لم أنه عنه) فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله باكياً فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ، ثم إنه أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله: ما الذي أبكاك فقد أبكانا وأفزعنا؟ فجلس (٣) إلينا فقال: (أفزعكم بكائي؟ ) فقلنا: نعم، فقال: (إن القبر الذي رأيتموني أناجي فيه قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فيها واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل علي ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيتين، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني) (٤).
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ نفي معناه نهي.
﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المُسْتَغْفَرُ لهم آباءهم أو أبناءهم أو أقرباءهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الكفر.
стр. 651
ثم ذكر عذر إبراهيم ﷺ فقال:
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ أي: وَعَدَ إبراهيم ﷺ أباه أن يستغفر له رجاء أن يرزقه الإيمان (١)، وهو قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧].
وقيل: وعده أبوه أن يؤمن بالله، وأوَّلَ قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ [مريم: ٤٦] على أنه استمهله ليتدبر ويتفكر.
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ لإبراهيم.
﴿أَنَّهُ﴾ أن أباه.
﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ بأن مات على كفره.
﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وقطع الاستغفار.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ يكثر قول: أَوَّهْ.
قال كعب: كان إبراهيم ﵇ إذا سمع ذكر النار قال: أَوَّهْ من النار (٢).
والعرب تقول أَوَّهْ بكذا وأَوَّهْ من كذا، قال (٣):
فَأَوْهِ بِذكراها إذا ما ذَكَرتُها ... ومِنْ بُعْدِ أرضٍ دونها وسماءِ
وأوه: مبني على الكسر، ويقال: أوه: بالضم, ويقال: أيه، والعامة تقول: آوَّهْ، بالمد.
стр. 652
وحكى قطرب: الفعل منه آه يَؤُوه أوهاً، كقال يقول قولاً، وأنكره سائر النحاة، وقالوا: ليس من لفظه فعل، إنما يقال أَوَّه تأويهاً وتأوَّه تأوُّهاً وأنشدوا قول الراجز (١):
فَأَوَّهَ الراعي وضَوْضَى أَكْلُبُه
وقول الشاعر (٢):
إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بليلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرجلِ الحزينِ
وأوَهَ بالفتح (٣).
واختلفوا في معناه:
فروي مرفوعاً عن النبي (٤) ﷺ : (أنه الدَّعاء (٥) للخير) (٦).
النخعي: الأواه: الفقيه (٧) , وقيل: المؤمن بلغة حبش, وقيل: التلاء للكتاب, وقيل: الرحيم, وقيل: الشفيق.
أبو عبيدة: هو المتأوه شفقاً، المتضرع يقيناً ولزوماً للطاعة (٨).
стр. 653
واختار الزجاج قول أبي عبيدة (١).
﴿حَلِيمٌ (١١٤)﴾ هو الصبور على الأذى الصفوح عن الذنوب.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ مقاتل والكلبي: لما أنزل الله الفرائض فعمل بها الناس ثم جاء ما نسخها من القرآن وقد غاب ناس وهم يعملون بالأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية (٢).
وقيل: سبب نزولها: أن قوماً من الأعراب أسلموا وعادوا إلى بلادهم فعملوا بما شاهدوا رسول الله ﷺ يفعله من الصلاة إلى بيت المقدس وصيام أيام البيض ثم قدموا بعد ذلك على رسول الله ﷺ فوجدوه يصلي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان، فقالوا: يا رسول الله دُنَّا الله بعدك بالضلال، إنك على أمر وإنا على غيره، فأنزل الله هذه الآية، حكاه أقضى القضاة (٣).
وقيل: الآية متصلة بما قبلها.
﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ما يأتون ويذرون.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾ سبق تفسيره (٤).
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ من إذنه للمنافقين في التخلف عنه في قوله ﴿لِمَ
стр. 654
أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقيل: هو من تمام قوله ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] , وقيل: تاب عليهم فاستنقذهم من شدة العسرة, وقيل: تاب عليهم فغفر لهم ذنوبهم، وهو قوله ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾.
﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يريد غزوة تبوك, وقيل: هي وغيرها من الحروب.
وساعة العسرة: زمان عسرة الظهر، وكان الجمل بين جماعة يتعاقبون عليه، وعسرة الماء وشدة الحر حتى شربوا الفَظَّ، وهو ماء الكَرِش، وعسرة الزاد، حتى جاء في الآثار: أن الرجلين منهم كانا يقتسمان تمرة وربما مص (١) التمرة جماعة ليشربوا عليها الماء (٢).
﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ (٣) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ تميل عن الجهاد وتهم بالانصراف، وقيل: شك جماعة في الإسلام، والأول هو الوجه.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الفريق الذين زاغت قلوبهم, وقيل: تاب عليهم جميعاً حين أحسنوا النية.
وذُكِرَ أن أبا بكر وعمر ﵄ سألا رسول الله ﷺ أن يستسقي الله، ففعل فمطروا حتى ملؤا ما معهم (٤).
﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾.
стр. 655
وقوله: (كَادَ تزيغُ قُلوبُ فريقٍ منهُم) في فاعل ﴿كَادَ﴾ أقوال:
أحدها: أنه: قلوب فريق، وفي الآية تقديم وتأخير، أي: كاد قلوب فريق منهم تزيغ، فذكر الفعل الأول لتقدمه، وأَنَّثَ الثاني لتأخره.
والثاني: أن فاعله: الأمر والشأن، قياسا على (كان) (١)، لأن ﴿كَادَ﴾ يستدعي خبراً كباب (كان).
الثالث: ضمير من تقدم ذكرهم من النبي والمهاجرين والأنصار (٢) لأنهم قوم واحد (٣).
والرابع: المصدر، على تقدير: أن تزيغ، وهذا بعيد، لايزاد (٤) (أن) مع ﴿كَادَ﴾ إلا في الشعر، قال (٥):
قد كادَ مِنْ طُول البِلَى أَنْ يَمْصَحا
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي: وتاب (٦) على الثلاثة وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وهم المُرْجَون، والإرجاء والتخليف واحد.
وقيل: معنى ﴿خُلِّفُوا﴾: تخلفوا عن الخروج من غير عذر, وقيل: خلفوا عن قبول التوبة عند مقدم النبي ﷺ .
﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: بِرُحْبِها، لأنهم كانوا مهجورين لا يكلمهم أحد ولا يعاملون، وأمرهم أن يعتزلوا نسائهم، وبقوا كذلك خمسين يوماً
стр. 656
بعد مقدمه (١) ﷺ من تبوك، وهي آخر مغازيه ﷺ ، وكانوا ربطوا أنفسهم بالسواري.
وقيل: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ مَثَلٌ يضرب لمن تَحيّر في أمر لا يعرف عنه مخلصاً.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ تبرموا منها (٢) بالهم الذي حصل فيها.
﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ أي: أيقنوا أنه (٣) لا ينجيهم من عذاب الله إلا رحمته وفضله.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أنزل قبول (٤) توبتهم, وقيل: رزقهم التوبة, وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ ها هنا زيادة, وقيل: تقديره: ثم تاب عليهم أيضاً (٥) مع من تاب عليهم ممن تقدم.
﴿لِيَتُوبُوا﴾ ليكونوا في جملة التوابين.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: مِنْ مِثْلِ هذا الفعل فقد رأيتم مَغَبَّته.
﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ في إيمانهم، دون المنافقين.
سعيد بن جبير في جماعة: كونوا كأبي بكر وعمر وأصحابهما (٦).
وقرئ في الشواذ: (من الصادِقِيْن) (٧).
стр. 657
وقال كعب بن مالك: فينا نزلت ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (١).
وقيل: نزلت في اليهود (٢).
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ هذا نفي والمراد به النهي، وخَصَّ هؤلاء بالذكر وكل الناس في ذلك سواء لقربهم منه وأنه لا يخفى عليهم خروجه.
﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ ولا أن يرغبوا.
﴿بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يصونوا أنفسهم بما لم يصن هو منه, وقيل: لن يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة، ورسول الله في الحر والشدة (٣) , ويحتمل: ولا يرغبوا بأنفسهم عن فداء نفسه, وقيل: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ نهي.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ أي (٤): ذلك النهي عن التخلف بأنهم.
﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ عطش.
﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ تعب يثقل على البدن تحمله.
﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جوع شديد، مشتق من: خمص بطنه (٥) يخمص: إذا دق.
стр. 658
﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ لا يدخلون ديارهم وأماكنهم، والموطئ: المكان.
﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ يغضب الكفار دخوله.
﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ قتلاً وأسراً ومالاً وكسراً.
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ثواب جزيل.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ في فعلهم.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ أي (١): في سبيل الله.
﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي: قليلاً ولا كثيراً (٢).
﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في مسيرهم, وقيل: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ من جانب إلى جانب.
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أثبت لهم (٣).
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك أجراً ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾.
وذهب بعض النحاة إلى أن اللام في ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ لام القسم (٤)، وأنشد (٥):
إذا قال قَطْنِي قلتُ آليتُ حَلْفَةً ... لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إِنائِكَ أَجمعَا
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ في سبب النزول في رواية الكلبي: لما نزل عيوب المنافقين لتخلفهم عن الجهاد قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة
стр. 659
يغزوها رسول الله ﷺ ولا سرية أبدا، فلما أمر رسول الله ﷺ بالسرايا إلى الغزو (١) نفر المسلمون جميعاً وتركوا رسول الله ﷺ وحده بالمدينة، فأنزل الله هذه الآية (٢).
أي: ما كان ينبغي لهم أن ينفروا كافة جميعاً.
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أي: هلا خرج من كل قبيلة منهم جماعة وأقام سائرهم ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي: ما يتجدد من أحكام الدين بنزول القرآن ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ بذلك ﴿قَوْمَهُمْ﴾ الغائبين ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ من غزوهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ ما يجب اجتنابه.
الحسن وابن جرير: التفقه والإنذار راجعان إلى الطائفة النافرة، أي: ليتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على الكفار ونصرة المؤمنين ولينذروا قومهم الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد ويخبروهم بنصر الله المؤمنين لعلهم يحذرون (٣).
وقال الكلبي: ذكر أن أحياء من بني أسد وردت المدينة فملأوا (٤) الطرق بالعذرات وغلت الأسعار، فأنزل الله هذه الآية (٥).
أي: لا ينبغي أن يحضروا بأجمعهم بل تحضر طائفة فيتفقهون وينذرون قومهم ويعلمونهم (٦) إذا رجعوا إليهم.
стр. 660
عكرمة: لما نزل قوله ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقوله ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]، قال ناس من المنافقين: إذاً هلك كل من تخلف من أهل البدو (١)، فنزلت هذه الآية (٢).
ابن زيد: هذه الآية ناسخة لما قبلها (٣).
غيره: هما محكمتان.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أُمِروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم داراً ونسباً.
ابن عباس ﵄: مثل قريظة والنضير (٤).
﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ شدة وعنفاً.
الحسن: صبراً على جهادهم (٥).
والمعنى: اشتدوا عليهم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ بالغلبة والنصرة.
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾
стр. 661
هذه (١) السورة ﴿إِيمَانًا﴾ أي: يخاطب بعضهم بعضاً بهذا القول, وقيل: كان المنافقون يخاطبون ضعفة (٢) المؤمنين به، استهزاء منهم، أي: أزادتك هذه إيماناً، فأخبر الله جوابا للسائل:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ بالله وبصيرة في دينهم, وقيل: فزادتهم إيماناً بالسورة (٣) لأنه لم يكن يلزمه العمل بها قبل النزول.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق ببغض الإسلام (٤) والمسلمين.
﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ شكاً إلى شكهم, وقيل: إثماً إلى إثمهم.
﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾.
﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ يعني: المنافقين.
﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ يبتلون ويختبرون بالقحط والجوع (٥).
قتادة: بالغزو في سبيل الله والجهاد (٦).
الحسن: يمتحنون بالقتل والسبي (٧).
حذيفة: تصحح عليهم كذبة أو كذبتان (٨).
стр. 662
ابن عيسى: ما يظهر للمسلمين من نفاقهم وسوء نياتهم (١)، وهذا حسن.
﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ عن نفاقهم.
﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ لا ينتهون على ما فيه خلاصهم.
ومن قرأ بالتاء: جعله تعجيباً للمؤمنين (٢).
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: طعنوا فيها وعابوها ثم خافوا على إبلاغ ما يقولون فيقول بعضهم لبعض هل يراكم من أحد.
الفراء: إذا أنزلت سورة فيها ذكرهم وعيبهم أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرة النبي ﷺ ، فإن خفي قاموا وانصرفوا (٣).
وقيل: ثقل سماع القرآن عليهم فطلبوا الفرار لئلا يسمعوها.
والنظر ها هنا: دلالة تدل على القول من غمز وإيماء.
﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أي (٤): عن حضرة النبي ﷺ مخافة الفضيحة وأن ينزل فيهم شيء, وقيل: انصرفوا عن الإيمان.
﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أضلهم مجازاة على فعلهم, وقيل: صَرَفَ عن الإيمان بالسورة, وقيل: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ دعاء عليهم.
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ دين الله ولا العمل به.
﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ يعني: محمداً ﷺ .
﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من العرب تعرفون كلامه وصدقه وأمانته، وذلك شرف
стр. 663
لكم ومنقبة, وقيل: آدمي مثلكم (١).
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: عنتكم، وهو المكروه والشدة.
والمعنى: إثمكم, وقيل: ضلالكم.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على إيمانكم.
والحرص: أشدُّ الطلب.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ هو أشد الرحمة.
﴿رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ هو كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان بك وكادوا عليك (٢).
﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الذي يكفيني كيد (٣) من كادني.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فوَّضت أمري إليه واتَّكلت (٤) على كفايته.
﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ السرير الكبير والملك العظيم (٥).
الحسن: آخر ما نزلت هاتان الآيتان (٦).
والحمد لله حق حمده (٧).
стр. 664
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة يُونُسَ ﵇ ، مكيّة (١).
ابن عبّاس ﵄: إلاّ ثلاث آياتٍ من قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾: سبق أوّل البقرة الكلامُ فيه.
و﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: جاريةٌ مجرى «ذلك الكتاب» في الإشارة إلى البعيد، واستدعاء شيءٍ سابقٍ غير أن ﴿تِلْكَ﴾ للتّأنيث و «ذلك» للتّذكير (٣).
و﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن، وقيل: التّوراة والإنجيل، وقيل: الزّبور.
﴿الْحَكِيمِ (١)﴾ المُحْكَمُ المُتْقَنُ الممنوع من الخَلَلِ، وقيل: الحكيم النّاطق بالحِكَمِ.
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾:
في سبب النّزول:
قال ابن عبّاس ﵄: لمّا بعث الله محمّداً رسولاً أنكرت الكفّارُ
стр. 665
وقالوا: الله أعظمُ من أن يكون رسولُه بَشَراً مثلَ محمّدٍ، فأنزل الله هذه الآيةَ (١).
أي: أكان إيحاؤنا إلى رجلٍ ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أي: بأن أنذر الناس ﴿عَجَبًا﴾ أي: ليس بعَجَبٍ (٢) لأنّه أَرْسَلَ إلى مَنْ قبلهم مَنْ هو مثله، والتّعجّبُ إنّما يكون ممّا لا يُعْهَدُ مثلُه ولا يُعرف سببُه، أنكروا إرسالَ الله بَشَراً إلى الخَلْقِ (٣) أصلاً.
الزّجّاج: قالوا: لم يجد الله رسولاً حتّى أوحى إلى يتيم أبي طالبٍ.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ابن عباس (٤): السعادة.
قتادة وابن زيد: شفاعة محمّد ﷺ (٥).
ابن جرير: أعمالاً يستحقّون بها الثّواب (٦).
الزّجّاج: منزلة رفيعة (٧).
والقَدَمُ: ما قدّمه الإنسان من عمل خير أو شرّ؛ وقوله: ﴿صِدْقٍ﴾ دليلٌ على أنّه الخير هاهنا، والمرادُ بـ ﴿صِدْقٍ﴾ صلاحٌ ونفعٌ، وليس الصّدقُ هاهنا ضدّ الكذب.
стр. 666
وقيل: هي استعارةٌ كما تقول: له عندي يدٌ وله عنده (١) قَدَمٌ.
﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا﴾ الوحي ﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾.
ومن قرأ بالألف، أي: هذا الرّجل كساحر مبين (٢).
ابن جرير: تقديرُه: فلمّا أنذرهم قال الكافرون: إنّ هذا لساحرٌ مبينٌ (٣).
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مدّة مقدار ستّة أيّام؛ لأنّ الأيّام تكوّنتْ بعد خَلْقِ السّماوات والأرض من دوران الفَلَكِ (٤)، وتخصيصُها بالسّتّة لأنّ السّتّة نهايةٌ في العدد.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق بيانُ هذا كلِّه (٥).
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضيه وحده.
ابن عيسى: يرتّب الأمور مراتبَها على أحكام عواقبها (٦).
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ اختلف المفسّرون في اتّصاله بما قبله:
فقال بعضهم: هذا ردٌّ على من زعم أنّ آلهتهم وهي من جملة المخلوقات تشفع لهم، وأنّى لها الشّفاعة والشّفاعةُ لا تكون إلاّ بإذنه وليس لها محلّ الإذن، وقيل: خلقها لا بشفاعة شفيع ولا تدبير مدبّر.
ابن بحر: خلقها ولم يكن معه شفيعٌ، أي: لا حيَّ معه، ثمّ خلق الملائكة
стр. 667
والجنّ والإنس (بإذنه) بأمره (١).
ويحتمل أنّ فيه تقديما وتأخيراً تقديرُه: أنّ لهم قَدَمَ صدقٍ عند ربّهم وهي شفاعةُ محمّد ﵇ ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه، والله أعلم.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي الذي خلق السّماواتِ والأرضَ ربُّكم لا الأصنام.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحّدوه وأطيعوه ولا تعبدوا معه غيره.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ تتدبّرون فتعلموا أن لا يستحقّ غيرُه العبادةَ.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ بالموت والبعث والنّشور، والمرجع: الرّجوع، شَذَّ عن الباب (٢).
ابن عيسى: المرجع: مكان الرّجوع.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: وعد وعداً حقّاً لا خُلْفَ فيه.
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي يخلقه ثمّ يميته ثمّ يعيده، وقُرئ بالفتح (٣)، أي: لأنّه، وقيل: فاعل حقّاً، كما قال (٤):
أحقّاً عبادَ الله أن لستُ لاقياً ... بُثَيْنَةَ أو يلقى الثريّا رقيبُها
стр. 668
﴿لِيَجْزِيَ﴾ أي: يعيده ليجزي.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، يريد الإحسان، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] أي: الجنّة ونعيمها.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ماء حارّ، فعيل بمعنى مفعول، تقول: حُمَّ الماءُ إذا أُسْخِنَ (١)، والحميمُ: العرق منه لسخنته، والحمّام لحرارة مائه أو (٢) لأنّه يتعرّق فيه.
﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ بسبب كفرهم.
﴿هُوَ الَّذِي﴾ أي: الله الذي.
﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ أي: خلقها ضياء، فيكون حالاً، أو صيّرها ضياء، فيكون المفعول الثّاني.
وضياء: مصدرُ ضاءَ، وضاءَ وأضاءَ لغتان، فيكون التّقديُر: ذات ضياءٍ، أو يجعل ذات (٣) الشّمس ضياءً لكثرة ضوئها، ويجوز أن يكون ضياء جمع ضوء.
﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ يستضاء به في اللّيالي.
﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي قدّرهما، والتّقدير: جعل الشّمس ضياء وقدّرها منازل، وجعل القمر نوراً وقدّره منازل على ما سبق، ويجوز أن يعود إلى القمر فحسب.
وخصّه بالذّكر لمعانٍ:
أحدها: أنّ (٤) أحكام الشّرع منوطةٌ به.
стр. 669
والثّاني: لسرعة سيره وأنّه يقطع الفَلَكَ في ثمانيةٍ (١) وعشرين ليلةً.
والثّالث: أنّ منازله تُدرك بالعيان، وكذلك الزّيادةُ فيه والنّقصان.
ومعنى ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ قدّره يسير منازلَ، فهي ظرفٌ للسّير، وقيل: قدّر له منازلَ (٢).
﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ أي: عدد الشهور والسنين، فاكتفى بذكر السنين لأن السنة تشتمل على الشهور (٣) ﴿وَالْحِسَابَ﴾ أي: المعاملات.
قال الأصمعي: سئل أبو عمرو عن ﴿وَالْحِسَابَ﴾ أتنصبه أم تجرّه؟ فقال: ومن يدري ما عدد الحساب (٤).
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي على أتمّ ما يكون. وقيل: محقّاً لا مبطلاً.
ابن جرير: الحقّ هاهنا (٥) هو الله، أي: ما خلق الله ذلك إلاّ بالله، أي: وحده لا شريك معه (٦).
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يبيّن آيات (٧) القرآن، وقيل: يبين الحجج (٨).
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ فهم ينتفعون بالتّأمّل فيها والتّدبّر.
стр. 670
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في مجئ كلّ واحدٍ منهما خلف الآخر، وقيل: في اختلاف ألوانهما.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الخلائق والعجائب والدّلالات.
﴿لَآيَاتٍ﴾ توجب العلم اليقين.
﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ لمن تأمّل (١)، وخصّهم بالذّكر لانتفاعهم بها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أنكروا (٢) البعث والعقاب والثّواب، وقيل: معناه لا يخافون لقاءنا (٣) يوم القيامة.
﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بدل الآخرة.
﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ وسكنوا إليها ومالوا نحوها.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ لا يتفكّرون فيها. والغفلة: ذهابُ المعنى عن القلب بحضور ما يضادّه.
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ مرجعهم النّار بفعلهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قيل: إلى الجنّة، وقيل: يثبّتهم على الهداية، وقيل: يرشدهم.
﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ بسبب إيمانهم، وقيل: لهم نور يمشون به (٤)، وقيل: يقدّمهم إلى الثّواب من قول العرب: «القدم تهدي السّاق» (٥).