← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقيل: هي استعارةٌ كما تقول: له عندي يدٌ وله عنده (١) قَدَمٌ. ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا﴾ الوحي ﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾. ومن قرأ بالألف، أي: هذا الرّجل كساحر مبين (٢). ابن جرير: تقديرُه: فلمّا أنذرهم قال الكافرون: إنّ هذا لساحرٌ مبينٌ (٣). ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مدّة مقدار ستّة أيّام؛ لأنّ الأيّام تكوّنتْ بعد خَلْقِ السّماوات والأرض من دوران الفَلَكِ (٤)، وتخصيصُها بالسّتّة لأنّ السّتّة نهايةٌ في العدد. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق بيانُ هذا كلِّه (٥). ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضيه وحده. ابن عيسى: يرتّب الأمور مراتبَها على أحكام عواقبها (٦). ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ اختلف المفسّرون في اتّصاله بما قبله: فقال بعضهم: هذا ردٌّ على من زعم أنّ آلهتهم وهي من جملة المخلوقات تشفع لهم، وأنّى لها الشّفاعة والشّفاعةُ لا تكون إلاّ بإذنه وليس لها محلّ الإذن، وقيل: خلقها لا بشفاعة شفيع ولا تدبير مدبّر. ابن بحر: خلقها ولم يكن معه شفيعٌ، أي: لا حيَّ معه، ثمّ خلق الملائكة

стр. 667

والجنّ والإنس (بإذنه) بأمره (١). ويحتمل أنّ فيه تقديما وتأخيراً تقديرُه: أنّ لهم قَدَمَ صدقٍ عند ربّهم وهي شفاعةُ محمّد ﵇ ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه، والله أعلم. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي الذي خلق السّماواتِ والأرضَ ربُّكم لا الأصنام. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحّدوه وأطيعوه ولا تعبدوا معه غيره. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ تتدبّرون فتعلموا أن لا يستحقّ غيرُه العبادةَ. ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ بالموت والبعث والنّشور، والمرجع: الرّجوع، شَذَّ عن الباب (٢). ابن عيسى: المرجع: مكان الرّجوع. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: وعد وعداً حقّاً لا خُلْفَ فيه. ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي يخلقه ثمّ يميته ثمّ يعيده، وقُرئ بالفتح (٣)، أي: لأنّه، وقيل: فاعل حقّاً، كما قال (٤): أحقّاً عبادَ الله أن لستُ لاقياً ... بُثَيْنَةَ أو يلقى الثريّا رقيبُها

стр. 668

﴿لِيَجْزِيَ﴾ أي: يعيده ليجزي. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، يريد الإحسان، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] أي: الجنّة ونعيمها. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ماء حارّ، فعيل بمعنى مفعول، تقول: حُمَّ الماءُ إذا أُسْخِنَ (١)، والحميمُ: العرق منه لسخنته، والحمّام لحرارة مائه أو (٢) لأنّه يتعرّق فيه. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ بسبب كفرهم. ﴿هُوَ الَّذِي﴾ أي: الله الذي. ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ أي: خلقها ضياء، فيكون حالاً، أو صيّرها ضياء، فيكون المفعول الثّاني. وضياء: مصدرُ ضاءَ، وضاءَ وأضاءَ لغتان، فيكون التّقديُر: ذات ضياءٍ، أو يجعل ذات (٣) الشّمس ضياءً لكثرة ضوئها، ويجوز أن يكون ضياء جمع ضوء. ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ يستضاء به في اللّيالي. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي قدّرهما، والتّقدير: جعل الشّمس ضياء وقدّرها منازل، وجعل القمر نوراً وقدّره منازل على ما سبق، ويجوز أن يعود إلى القمر فحسب. وخصّه بالذّكر لمعانٍ: أحدها: أنّ (٤) أحكام الشّرع منوطةٌ به.

стр. 669

والثّاني: لسرعة سيره وأنّه يقطع الفَلَكَ في ثمانيةٍ (١) وعشرين ليلةً. والثّالث: أنّ منازله تُدرك بالعيان، وكذلك الزّيادةُ فيه والنّقصان. ومعنى ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ قدّره يسير منازلَ، فهي ظرفٌ للسّير، وقيل: قدّر له منازلَ (٢). ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ أي: عدد الشهور والسنين، فاكتفى بذكر السنين لأن السنة تشتمل على الشهور (٣) ﴿وَالْحِسَابَ﴾ أي: المعاملات. قال الأصمعي: سئل أبو عمرو عن ﴿وَالْحِسَابَ﴾ أتنصبه أم تجرّه؟ فقال: ومن يدري ما عدد الحساب (٤). ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي على أتمّ ما يكون. وقيل: محقّاً لا مبطلاً. ابن جرير: الحقّ هاهنا (٥) هو الله، أي: ما خلق الله ذلك إلاّ بالله، أي: وحده لا شريك معه (٦). ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يبيّن آيات (٧) القرآن، وقيل: يبين الحجج (٨). ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ فهم ينتفعون بالتّأمّل فيها والتّدبّر.

стр. 670

﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في مجئ كلّ واحدٍ منهما خلف الآخر، وقيل: في اختلاف ألوانهما. ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الخلائق والعجائب والدّلالات. ﴿لَآيَاتٍ﴾ توجب العلم اليقين. ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ لمن تأمّل (١)، وخصّهم بالذّكر لانتفاعهم بها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أنكروا (٢) البعث والعقاب والثّواب، وقيل: معناه لا يخافون لقاءنا (٣) يوم القيامة. ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بدل الآخرة. ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ وسكنوا إليها ومالوا نحوها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ لا يتفكّرون فيها. والغفلة: ذهابُ المعنى عن القلب بحضور ما يضادّه. ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ مرجعهم النّار بفعلهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قيل: إلى الجنّة، وقيل: يثبّتهم على الهداية، وقيل: يرشدهم. ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ بسبب إيمانهم، وقيل: لهم نور يمشون به (٤)، وقيل: يقدّمهم إلى الثّواب من قول العرب: «القدم تهدي السّاق» (٥).

стр. 671

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ أي (١): من تحت منازلهم. وقيل: منابعها من تحتها. وقيل: بأمرهم. وقيل: بين أيديهم وهم يرونها. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي دعاؤهم، والدّعوى: مصدر كالدّعاء والمراد به النّداء، أي: يدعون الله بقولهم: سبحانك اللهمّ؛ تلذّذاً بذِكْرِه لا عبادةً, والمعنى: هم في أكثر ممّا يشتهون فلا يستزيدون. وقيل: دعواهم: كلامهم وقولهم. وقال الكلبي: إذا اشتهوا شيئاً قالوا: سبحانك اللهمّ فيُؤتَوْنَ به (٢). ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ ما يحيّي بعضهم بعضاً ﴿سَلَامٌ﴾. وقيل: تحييهم الملائكة، وقيل: يحييهم الله . وقيل: تحيّتهم: مُلكهم، ﴿سَلَامٌ﴾ سالم (٣). والتحيّة: الملك. ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ أي إذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ وقيل: أوّل كلامهم التّسبيح، وآخره التّحميد، وهم يتكلّمون بينهما بما أرادوا أن يتكلّموا به، وليس يعني أنّه ينقطع. ابن بحر: هو قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. و ﴿أَنِ﴾ في قوله: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ زيادةٌ عند بعضهم، ومخفَّفٌ من المشدّد عند بعضهم، وقد قرئ به (٤)، وتقديره: أنّه الحمد. وقيل: آخر دعواهم أن يقولوا الحمد.

стр. 672

﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾ قال بعض المفسّرين: هو كقوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]. وكقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. والمراد بقوله: «النّاس» الكفّار، وكانوا يستعجلون بالعذاب كفراً منهم بذلك (١) واستهزاء. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي: أهلكهم وأفناهم، وقيل: لا بقطع (٢) الدّنيا، ولكن لم يفعل بهم ما سألوا وأخّرهم (٣) ليُتمّ إقامة الحجّة عليهم. نزلتْ في النّضر. (٤) وذهب بعضهم إلى أنّ هذا عامّ، وذلك أنّ الرّجل يدعو على نفسه وأقاربه وأمواله (٥) في حال ضجره ومَلاله فيقول: أهلكه الله ولعنه وأماته (٦). ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ كما يدعوا لهم بالخير. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لهلكوا، وتقدير الآية: ولو يعجّل الله للنّاس الشّرّ حين استعجلوه استعجالاً كاستعجالهم الخير، أي: كما يجب أن يستعجل الخير. والشّرُّ: ظهورُ ما فيه ضرر، مشتقّ من: شررت الشّيء في الشمس (٧)، أي: أظهرته. وعُدِّي «قضي» بإلى لما فيه من معنى السّرعة. ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ يعني مشركي مكّة.

стр. 673

﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ شركهم وضلالهم. وقيل: ظلمهم. ﴿يَعْمَهُونَ (١١)﴾ يتردّدون. وقيل: يلعبون. وقيل: يتمادون. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ الكافر. ﴿الضُّرُّ﴾ إذا ناله ضرر ومكروه. ﴿دَعَانَا﴾ دعا الله لإزالته ولم يدع غيره. ﴿لِجَنْبِهِ﴾ مضطجعاً. ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ يريد في جميع الأحوال، وحروفُ الجرِّ كلّها تقع أحوالاً. وقيل: مسّه الضّرُّ لجنبه أو قائماً أو قاعداً دعانا، فيكون العاملُ في الحال ﴿مَسَّهُ﴾، وعلى الأوّل العاملُ ﴿دَعَانَا﴾. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ أَزَلْنا ما به. ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أي: استمرّ على كفره معرضاً عن الشّكر. وقيل: مَرّ على ما كان عليه، ويحتمل: مرّ كأن لم يكن به ضرر، أي: معافى، ثمّ لم يشكرنا عليه. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما زُيّن لهذا الكافر الدّعاء عند البلاء والإعراض عند الرّخاء. ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ للكافرين. ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾ عملهم. وأصل (كَأَنَّ): كأَنّه، خفف وحذف الاسم (١).

стр. 674

قيل: نزلت في هشام (١) بن المغيرة المخزومي. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يا أهل مكّة. ﴿لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي: لم يكونوا يؤمنون ولو بقّاهم أبداً. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ أي: نفعل بمن كذّب بمحمّدٍ كما فعلنا بمن قبلهم. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ﴾ جمع خَليفة، أي: تخلفونهم قرناً بعد قرن. ﴿فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ في أماكنهم. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ لتعملوا أعمالكم فنراها مشاهدةً موجودةً، فارغبوا في الطّاعة، واحذروا عن المعصية. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات الدّلائل، أي: القرآن. ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أي: الكفّار. ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ لا يكون فيه ذِكْرُ البعث والنّشور، وقيل: لا يكون فيه عيبُ آلهتنا، أي: ضُمَّ إليه قرآناً آخر. ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ كتاباً آخر لا يكون فيه وعيدٌ، وقيل: بدّل منه ذِكْر البعث. ﴿قُلْ﴾ يا محمّد. ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أي: ليس هذا من كلامي فأغيّره. تلقاء: مصدرٌ كالتِّبيان يستعمل ظرفاً بمعنى المقابلة مشتقّ من التّلقّي. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ لا أتّبع إلاّ وحيَ الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل.

стр. 675

﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي إن فعلتُ (١) عصيتُ ربّي ثمّ لا آمَنُ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾. الكلبي: نزلتْ في المستهزئين، قالوا: يا محمّد ائت بقرآن غير هذا فيه ما نسألكه (٢). مجاهد: نزلت في مشركي مكّة (٣). ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: القرآن. ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي: لا أَعْلَمَكم الله، تقول: دريتُ الشّيء: علمتُه (٤)، وأدريتُه غيري (٥): أعلمتُه إيّاه. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ﴾ مكثت وبقيت بينكم لا أتلو القرآن ولا أتعلّمه. ﴿عُمُرًا﴾ أي: بعضاً من عمري وهو أربعون سنةً لأنّه أوحي إليه بعد أربعين سنةً. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن، وقيل: من قبل التّلاوة، وقيل: من قبل هذا الوقت، وقيل: من قبل نزوله. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ أنّي صادقٌ وهذا (٦) كلامُ الله أمرني أن أتلوه عليكم. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممّن كَذَبَ على الله.

стр. 676

﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: الكاذبُ على الله والمكذِّب بآيات الله في الكفر سواءٌ. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ لا ينالون رشدا. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يشركون مع الله في العبادة. ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ لأنّها أمواتٌ. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: الحسن: يريدون في أمر الدّنيا ومعاشها لأنّهم (١) لا يقرّون بالبعث (٢). وقيل: معناه هؤلاء شفعاؤنا عند الله إن يكن بعثٌ ونشورٌ. وقيل: في الكفّار من يعتقد البعث. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أتخبرونه بما لم يكن ولا يكون لأنّه ليس فيهما من يستحقّ العبادة؛ فنفَى العلمَ لنفي المعلوم. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ نزّه نفسه عن أن يكون معه معبودٌ أو شريكٌ. ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ﴾ يعني بني آدم بعد آدم ﵇، وقيل: بعد إلياس (٣)، وقيل: النّاس هاهنا العرب. ﴿إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دين واحد وهو دين (٤) الإسلام، وقيل: الشّرك، وقد سبق (٥).

стр. 677

﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ وصاروا مللاً كفّارا. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، يريد عذاب هذه الأمّة من قوله : ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود: ١٠٤]. وقيل: سبقتْ أنّه لا يعاجل العصاة بالعقوبة. وقيل: هو قوله لآدم ﵇ حين عطس: يرحمك ربّك (١)، فسبقت رحمتُه غضبَه. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ لأَهْلَكَ المُبْطِلَ في اختلافهم، والاختلاف: الذّهاب في جهتين فصاعدا. ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢) أي ممّا اقترحوا عليه في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وقيل: تعنّتوا في طلب الآيات. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي هو أعلم بمصالح العباد. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ وقوع الآية (٣). ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ فوقعت يوم بدر وظهر المحقّ من المبطل. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ أهل مكّة.

стр. 678

﴿رَحْمَةً﴾ خصبا وسعة. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ الجوع والقحط، وقيل: شفاء بعد سقم. ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها (١). ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ استدراجاً لكم جزاءً على مكركم. ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ أي: الحفظة. ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ فيجازيكم الله عليه. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ يحملكم على السّير ويجعلكم قادرين على قطع المسافات بالأرجل والدّوابّ والفلك الجارية في البحار، وهو قوله: ﴿فِي الْبَرِّ﴾ الأرض الواسعة. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ مستقرّ الماء. ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السّفن (٢)، والفلك واحدٌ وجمعٌ، وقد سبق (٣). ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أي السّفن. ﴿بِهِمْ﴾ بمن فيها، رجع إلى الغيبة بعد الخطاب، وهذا تلوين، وهو كثير (٤) حسن، وفي القرآن أحسن؛ لأنّ القرآن للنّاس كلّهم. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ليّنة الهبوب لا ضعيفة ولا عاصفة. ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلك الرّيح للينها واستقامتها. ﴿جَاءَتْهَا﴾ أي: السفينة، وقيل: الريح الطيبة.

стр. 679

﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ ذات عصف، أي: شديدة الهبوب. ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ وهو ما علا من الماء (١). ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من البحر. وقيل: من كلّ جهة (٢). ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أهلكوا وسُدّت عليهم مسالكُ النّجاة من جميع الجهات. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أخلصوا له الدّعاء منقادين مذعنين دون الأوثان. ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ لئن خلّصتنا (٣) من هذه الواقعة، وقيل: من هذا الرّيح وأنعمت علينا يا ربّنا. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ لنعمتك (٤) مؤمنين بك مستمسكين بطاعتك. ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ أجاب الله دعاءهم. ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ عادوا إلى الكفر والفساد. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ جهلاً وباطلاً، أي: مبطلين. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: وبال بغيكم عليكم، وقيل: بغي بعضكم على بعض. ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: ذلك متاع الحياة الدّنيا تتمتّعونه في الدّنيا، فيكون ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مبتدأً ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبره، و ﴿مَتَاعَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون (على) من صلة المصدر و ﴿مَتَاعَ﴾ خبره، ومن نصب فعلى العلّة أو المصدر،

стр. 680

ويحتمل أن يكون نصباً على الظّرف، أي: مدّة متاع الحياة (١). ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ في القيامة. ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ نخبركم به ونجازيكم عليه. ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ المثل: قولٌ سائرٌ يُشَبَّه فيه حال الثّاني بالأوّل، وقيل: (مثل الحياة) أي: صفة الحياة. ابن عيسى: في المشبَّه والمشبَّه به ثلاثة أقوال: أحدها: الحياة الدّنيا بالنّبات على تلك الأوصاف. والثّاني: الحياة الدّنيا بالماء فيما يكون به من الإمتاع (٢) ثمّ الانقطاع. الثّالث: الحياة الدّنيا بحياة مقدّرة على هذه الأوصاف. وقوله: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ على التّقدير الأوّل: كنبات ماءٍ فحُذف المضاف، وعلى القول الثّاني: ظاهر، وعلى القول الثّالث: كحياة قوم بماء أنزلناه، ويقوّيه قوله: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾. قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السّحاب، وقيل: من جانب السّماء. ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بالماء اختلاط جوار، لأنّ الاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في بعض. وقيل: اختلط به، أي: بسببه. ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ فطالت وامتدّت. ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ الحبوب والثّمار والبقول. ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾ الحشيش والمراعي.

стр. 681

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ زينتها بالنّبات واختلاف ألوانه. ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وتزيّنت به. ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ أهل الأرض (١). ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ على حصاد نباتها، واجتناء ثمارها، إذ لا مانع دونها. ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ ما يهلك الزّرع ويفنيه. ﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: الأرض، وقيل: الغلّة، وقيل: الزّينة. ﴿حَصِيدًا﴾ محصودة مقلوعة منزوعة الأصول. ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ كأن لم تقم بهذه الصّفة، من قولهم: غنينا بمكان كذا: إذا أقمنا، والمغنى: المكان، وقيل: مِنْ غَنِيَ بمعنى (٢): اكتفى. مقاتل: ﴿تَغْنَ﴾: تَنْعَم، أي: كأن لم توجد ولم تكن تلك الأرض بهذه الصّفة. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ فينتفعون بضرب الأمثال. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ ببعث الرّسل، وقيل: بنصب الأدلّة. ودارُ السّلام الجنّة. السّلام: هو الله، والجنّة دارُه، وهذه الإضافة كبيت الله، وناقة الله. وقيل: دار السّلامة من الآفات (٣) والأحزان فحذف الهاء. وقيل: دار السّلام: هو من التّحيّة التي يحيّيهم الله والملائكة، من قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ [إبراهيم: ٢٣]. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يرشد (٤) ويوفّق من يشاء.

стр. 682

﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ الإسلام وكتاب الله ومحمّد ﵇ وأصحابه، وقيل: الحقّ، وقيل: إلى طريق الجنّة. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ آمنوا بالله ورسله (١)، ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة. و﴿الْحُسْنَى﴾ كالبشرى، وقيل: تأنيث الأحسن. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي النّظر إلى وجه الله الكريم. وقيل: الحسنى: جزاء حسناتهم، والزّيادة: بالواحد عشرا لتكون الزّيادة من الجنس الأوّل. وقيل: الحسنى: عشرة، والزّيادة: تضعيف العشرات، وقيل: الزّيادة: المغفرة والرّضوان، وقيل: الزّيادة: ما نالوا في الدّنيا فلا يحاسبون عليه. وإجماعُ المفسّرين على أنّ الزّيادة النّظر إلى الله (٢). ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ لا يعلوها ولا يغشاها، وأصل الكلمة: اللُّحوق. ﴿قَتَرٌ﴾ غبار (٣)، واحدها قترة، وأصل الكلمة: الغبار. ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ هوان. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الكفر والشّرك. ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أي: يجازون بمثلها، والضّمير مقدَّر والباء متعلِّقٌ (٤) بالمضمر، وقيل: تقديرُه: لهم جزاءُ سيّئة مثلها، والباء زيادة، ويحتمل أنّ في الآية

стр. 683

تقديماً وتأخيراً. ويحتمل أنّ محلّ ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا﴾ جرٌّ (١). ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ ويلحقهم ذلّ وهوان. ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ من عقابه. ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع ودافع. ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ أي: جعل عليها غطاء من سواد اللّيل، أي: هم سود الوجوه، ومن قرأ ﴿قِطَعًا﴾ بالفتح جعلها جمع قِطْعَةٍ، وجعل ﴿مُظْلِمًا﴾ حالاً عن اللّيل، ومن سكّن الطّاء أخذه من قوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] وهو جزء من اللّيل بعد طائفة منه (٢). ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: الكفّار وغيرهم. ﴿جَمِيعًا﴾ حال. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾ كلمة وعيد عند العرب، معناه: انتظروا وامكثوا، وهي من الأسماء التي سمّيّت الأفعال بها، وفيه ضمير مرفوع. ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد له ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطف عليه. ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ تقول: أزال فلان الشّيء يزيله: نحّاه، وزيّله مبالغة وتكثير للفعل. ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ أي: الأصنام، وقيل: الملائكة والشّياطين. ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾ أي: لم يكن برضانا ولا أمرنا ولا شعرنا ذلك.

стр. 684

﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: الله الشّاهد على صدقنا بأنّا لم نشعر بعبادتكم. ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾. ابن عيسى: هذا الجحود على جهة الإهانة والرّدّ عليهم، أي: لا نعتقد (١) بذلك. وقال أيضاً: دُهشوا كدهشة الصّبيّ. ﴿هُنَالِكَ﴾ عند تلك (٢) المخاصمة. المفضّل: ﴿تَبْلُو﴾ تَخْبرُ. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ تقول: بلوته وابتليته وخبرته واختبرته بمعنىً واحد. وقرئ: (تتلوا) (٣) أي: تقرأ كتاب الحفظة، وقيل: تتبع عمله، وروي أنّ عمل الإنسان يأتي يوم القيامة على صورة حيوان يقود عامله إلى الجنّة أو إلى النّار (٤). ﴿مَا أَسْلَفَتْ﴾ قدّمت (٥)، والإسلاف: تقديمٌ (٦) لما بعده. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى ما وعدهم الله. وقيل: إلى الموضع الذي يجازي فيه. ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ مدبّرهم ومتولّي أمرهم. ﴿الْحَقِّ﴾ على الحقيقة لا ما اتّخذوه مولى. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ بطل وذهب.

стр. 685

﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ افتراؤهم في الدّنيا. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ النّبات. وقيل: من يرزقكم من أهل السّماء وأهل الأرض. (أم) (١) جواب لما يتضمنه (مَنْ) من الاستفهام. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ يملك القدرة عليها بالسّلب والإعطاء. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: من المحيي المميت. ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر العالمين (٢). وهذا السّؤال تبكيت للكفّار وتقريع لهم على اتّخاذهم الأصنام مع إقرارهم بأنّ خالق هذه الأشياء هو الله سبحانه. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي: فسيجيبونك عند سؤالك أنّ القادر على هذه: الله (٣) ولا يكذبون فيه. ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ الله أن يعاقبكم على اتّخاذكم الأصنام. ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ على الحقيقة. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ أي: إذا كان الحقُّ عبادة الله فعبادةُ غيره ضلالٌ باطل. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ كيف (٤) تصرفون من الحقّ إلى الباطل. ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: كما صحّ أنّ الله (٥) الخالق حقّت كلمتُه.

стр. 686

﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ وهي مفسَّرة بقوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ وهذا (١) قومٌ أخبر الله أنّهم لا يؤمنون. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانوا مقرّين بأنّ الله يبدأ الخلق وأنّ الأصنام لا تخلق شيئا وفيهم من يقرّ بالإعادة. ﴿قُلْ﴾ أي: فإن أجابوك وإلاّ فقل أنت، إذ لا جواب إلاّ هذا. ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ كيف تصرفون عن قصد السّبيل. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ يرشد إليه، فإذا قالوا لا؛ ولا بدّ لهم منه: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ يرشد إليه. ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ أي: لا (٢) يهتدي بنفسه إلاّ أن يهديه هادٍ ولا يقبل الهداية، وقيل: لا يقدر على التّنقّل من موضع إلى موضع حتّى ينقل، وقيل: أراد به الرّؤساء المضلّين. ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ في عبادة الأوثان، وقيل: تعجيب (٣). ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾ أي: ليسا في القضيّة سواء فَلِمَ سوّيتم بينهما. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾: قال بعض المفسّرين: أكثرهم: كلّهم. وقال بعضهم: أراد بالأكثر: أتباع الرّؤساء. وقيل: الرّؤساء. وقيل: أكثرهم: أكثر النّاس، لأنّ المؤمنين هم الأقلّون.

стр. 687

وقوله: ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ أي: يظنّون الباطل (١) حقّاً وأنّ الأصنام آلهة فيدينون به ويدعون النّاس إليه. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يقوم الظّنّ مقام العلم، يريد الظّنّ فيما تُعُبِّدَ الإنسان بعلمه كالتّوحيد وأصول الدّين، أمّا الفروع فالعمل بالظّنّ فيها جائزٌ (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ من اتّباع الظّنّ واعتقاد الباطل. ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جوابٌ لقولهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥]، أي: ما كان (٣) هذا القرآن افتراء من البشر. ﴿وَلَكِنْ﴾ كان. ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي بين يدي القرآن من البعث والحساب والقرآن يقدمه. وقيل: ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: كتب الله المنزلة قبله. وقيل: تصديق الشّيء الذي القرآن بين يديه من الأخبار والأقاصيص. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ تبيين ما كتب عليكم وفرض. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ لا تهمة أنّه من عند الله لأنّه في أعلى طبقات البلاغة بحسن النّظام والجزالة. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ قيل: تقديره بل أيقولون، وقيل: تقديره: أيقرّون به أم يقولون افتراه محمّد من قِبَلِ نفسه.

стр. 688

﴿قُلْ﴾ يا محمّد محتجّاً عليهم. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ مثل القرآن في النّظم والبيان (١). ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من هو في التّكذيب مثلكم، يريد: استعينوا بمن شئتم وأطعتم سوى الله ليعاونوكم عليه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ أنّ محمّداً تقوّله من تلقاء (٢) نفسه. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي: عرفوا عجزهم عن الإتيان بمثله ولكن كذّبوا محمّدا بردّهم ما جهلوا ولم يحيطوا به علماً من ذكر البعث والحساب والجنّة والنّار. ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: أي لم يأتهم وسيأتيهم ما يؤول إليه حقيقة ما وُعدوا. وقيل: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: مصداق مواعيد القرآن. وقيل: «ما لم يحيطوا بعلمه» هو القرآن ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ معاني القرآن؛ لأنّهم سمعوا ما لم يعرفوا تأويله. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني كفّار الأمم الخالية كذّبوا رسلهم. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ من أهل مكّة. ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ سوى من آمن. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وهم الذين ماتوا على الكفر. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾ أي: الكافرين المكذّبين.

стр. 689

﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ الآية منسوخة بآية القتال (١)، أي: لي جزاء عملي ولكم جزاء أعمالكم. ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ استماع تعنّت فلا ينتفعون بما يسمعون (٢)، فصاروا كالأصمّ الذي لا يسمع أصلا. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ وليس في طوقك سلب الصّمم. ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾ كيف تهديهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ويرى صحّة نبوّتك بالمعجزات والدّلائل الواضحات ولا ينتفع بنظره، فصار كالأعمى الذي لا يبصر أصلا. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ وليس في وسعك إزالة عماه. ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾ كيف تهديهم، أي: هم معاندون فلا ينفع إنذارهم ودعاؤهم، وفضّل السّمع على البصر لأنّه يزول بزواله العقل، ولا يزول بزوال العين إلاّ البصر. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ أي: لم يظلمهم بسلب حواسّهم بل هم ظلموا أنفسهم بتفويت منافعها عليهم. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ يعني في الدّنيا، استقصروا مدّة لبثهم فيها (٣).

стр. 690

ابن عبّاس: لم يلبثوا في قبورهم (١). ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يتعارف بعضهم بعضاً، فهو متعدٍ، وقيل: يعرف بعضهم بعضاً (٢) معرفتهم في الدّنيا ثمّ تنقطع المعرفة. «الحجّة»: يتعرّف بعضهم من بعض مدّة لبثهم في القبور (٣). ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ البعث والنّشور وحظوظ الخيرات. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ إلى الإيمان. ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ رؤية البصر. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب في حياتك. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ ولم نرك ذلك. ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ في القيامة. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ أي: عالم بفعلهم وتكذيبهم فيجازيهم عليه. والذي أراهم في حياته يوم بدر، والعذابُ الأليم مدّخر لهم للمعاد (٤). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية. ﴿رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ أو بلغتهم دعوته فلم يؤمنوا. ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ أي: أُهلكوا ونجا المؤمنون وكان ذلك من الله عدلاً (٥). وقيل: هو من قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١].

стр. 691

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: وعد العذاب استهزاء، وقيل: يوم القيامة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ خطاب منهم (١) للنّبيّ والمؤمنين. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا أقدر لها على (٢) ضرّ ولا نفع. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن أملكه فكيف آتيكم (٣) بالعذاب. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مدّة. ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ وقت فناء أعمارهم (٤). ﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ أي: لا يتأخّرون ولا يتقدّمون. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ الذي تستعجلون به. ﴿بَيَاتًا﴾ وقت بيات، وهو اللّيل. ﴿أَوْ نَهَارًا﴾ ضرّكم ذلك، وهو جواب الشّرط. ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ﴾ من العذاب، وقيل: من الله. ﴿الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾ أي: ما أعظم ما يستعجلونه. ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾: ابن عيسى: استفهام إنكار، قد أكثروا القول في هذا الاستفهام، والوجهُ أن

стр. 692

يقدّر هاهنا فعلٌ تقديرُه: فيقع العذاب ويؤمنون به (١)، فيقال لهم (٢): ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بالعذاب، وقيل: بالله (٣). ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون به. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ بالعذاب تكذيباً واستهزاء، وقيل: ثمّ هاهنا بمعنى هنالك، وهذا شيء لا تحتمله العربيّة. ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي: على الدّوام. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾ بكفركم واستهزائكم. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾: قال مقاتل: لمّا قدم حييّ بن أخطب (٤) مكّة قال لرسول الله ﷺ : أحقٌّ ما تقول أم باطل؟ أي: أبجدٍّ (٥) منك هذا أم أنت هازل (٦). ﴿قُلْ﴾ يا محمّد. ﴿إِي وَرَبِّي﴾ نعم والله. ﴿إِنَّهُ﴾ إنّ العذاب، وقيل: إنّ القرآن، وقيل: البعث والحساب. ﴿لَحَقٌّ﴾ كائنٌ لا محالة. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ فائتين.

стр. 693

﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أشركت وكفرت. ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الملك والمال. ﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ لإزالة العذاب عن نفسه، ولكن لا يؤخذ الفداء. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: كتموها، وقيل: أظهروها، وهذا أولى لأنّه ليس ثَمَّ وقت تصنّع، وقيل: انطووا لا عن قصد. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾ ليس هذا تكراراً، لأنّ الأوّل في قوم وهذا في آخرين. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا مانع من عذابه، وقيل: فلا يقبل فداء. ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: وعده ووعيده (١) كائنان لا خُلْفَ فيهما. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾. ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدّنيا. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾ في العقبى. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: ما فيه (٢) وعظ وزجر. ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ودواء للجهل والشّكّ (٣). ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ نجاة لهم، وهذا كلّه من صفة القرآن وهو المراد به. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الإسلام. ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ القرآن. وقيل: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ القرآن ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الإسلام. ﴿فَبِذَلِكَ﴾ أي: بهما. ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ لا بما أوتوا من المال. ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ من حطام الدّنيا فإنّها فانية زائلة عن قريب، وإنّ ثواب هذا لصاحبه باقٍ ثابتٌ. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني.

стр. 694

﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ مطر هو سببٌ للنّبات وفيه معاش الحيوان. ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ﴾ من الرّزق. وقيل: ممّا أنزل. ﴿حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ يعني قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] (١)، وقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ الآية [المائدة: ١٠٣]. ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ فيه وأمركم به. ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ تكذبون. ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: ينسبون ذلك إليه، هذا تهديد، أي: لا يظنّوا لأنفسهم خيراً ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقيل: أيحسبون أن يصفح عنهم، كلاّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بتأخير العذاب، وبما أنزل من الرّزق، ووسّع على العباد. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي النّاس. ﴿لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ الله على نعمه. ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ في حالٍ وأمرٍ من أمورك. الزّجّاج: العبادة (٢). وقيل: الشّأن كلُّ أمر قُدِّر، تقول: شأنتُ زيداً أشأنه: قصدته، واشأن شأنك: اعمل عملك. ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي من الشّأن، وقيل: من الله، وقيل: من القرآن، أي: بعضاً منه. ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ عمّم الخطاب. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ﴾ أي: شهداء، وقيل: حاضرين، فيكون على بمعنى مع، ومعنى ﴿تُفِيضُونَ﴾ تخوضون وتنتشرون في الحديث، وقيل: تندفعون في تكذيب العذاب. قوله (٣) ﴿فِيهِ﴾ في العمل، وقيل: في القرآن. ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ لا يغيب عن علمه. ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ وزن نملة صغيرة، وقيل: الذّرّة: الهباء (٤).

стр. 695

﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ في اللّوح المحفوظ، قرئ بالرّفع والنّصب (١)، الرّفع من وجهين: أحدهما: أن يكون عطفاً على محل ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾. والثّاني: أن يكون بالابتداء وخبرُه ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ حكاهما الزّجّاج وغيره (٢). والنّصب من وجهين: أحدهما: أن يكون عطفاً على لفظ ﴿مِثْقَالِ﴾ أو عطفاً على ﴿ذَرَّةٍ﴾ فيكون مجروراً في الحكم فتح لأنّه لا ينصرف. والثّاني: نصبٌ على التّبرئة (٣) و ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ خبره. وهذا الوجه غير ممتنع وإن لم أسبق إليه فيما علمتُ؛ فمن رفع أو فتح على المحلّ فقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ مشكلٌ. وذهب النّحاةُ إلى أنّ التّقدير: ما ذلك كلّه إلاّ في كتاب، فيحسن الوقف على ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ (٤). ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ هم المؤمنون المخلصون. ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ على الدّوام. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ إذا حزن النّاس. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ الشّرك والمعاصي، يجوز أن يكون وصفاً لهم، ويجوز أن يكون مبتدأً ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ خبره. قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: قيل: هو قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. وقيل: لهم البشرى عند النّزع.

стр. 696

وقيل: هي الرّؤيا الصّالحة يراها المؤمن لنفسه أو يراها له مؤمنٌ، جاء ذلك عن النّبيّ ﷺ مرفوعاً (١). ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لا مانع لإمضائها ولا خُلف لوعده. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مدلول البشرى (٢) أو إلى التّبشير. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ الظّفر بالبغية. ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ تكذيبهم إيّاك وإشراكهم بالله، وتمّ الكلام (٣) ثمّ استأنف فقال: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ القدرة والغلبة له ﴿جَمِيعًا﴾. وقرئ في الشّواذّ: " أنّ العزّة " بالفتح (٤)، أي: لأنّ العزّة لله (٥)، وذكر القتيبيُّ في هذا فصلاً لا طائل تحته (٦). ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولهم. ﴿الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ بفعلهم. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الملائكة والإنس والجنّ, أي: كلّهم مملوكون له. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ قوله: ﴿شُرَكَاءَ﴾

стр. 697

مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾، ومفعول: ﴿يَتَّبِعُ﴾ محذوف تقديرُه: علماً ويقيناً. وقيل: ما للاستفهام والتّقدير: يتّبعه. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ في عبادة الأصنام، لأنّهم زعموا أنّ الله أعظم من أن يُعبد من دون واسطة. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾ وما هم إلاّ كاذبون. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ أي خلق. ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وتستريحوا من تعب النّهار ونصبه. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لتبصروا فيه، كقولك: ليله قائم ونهاره صائم، وقيل: النّهار مبصراً: مضيئاً، من قولهم: أبصر النّهارُ: إذا أضاء. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾ يعقلون أن لولا تعاقبهما لما كان نباتٌ ولا حيوان. ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ أي تبنّاه. ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن الولد والشّريك. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا (١). ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ ما عندكم. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجّة وبرهان. ﴿بِهَذَا﴾ على هذا القول. ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ جهلاً منكم. ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في اتّخاذ الولد.

стр. 698

﴿لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ لا ينجون من النّار ولا يفوزون بالجنّة. ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ لهم مهلة مدّة بقائهم. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بالموت والبعث. ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ النّار على الدّوام. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ بكفرهم. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ واقرأ عليهم. ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ خبره مع قومه. ﴿إِذْ قَالَ﴾ حين قال. ﴿لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ عظم عندكم. ﴿مَقَامِي﴾ كوني بين أظهركم، وقيل: ثباتي على ما أنا عليه. ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إيّاكم. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وتلاوتي عليكم كتاب الله. ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وثقت به وفوّضت إليه أمري (١). ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ اعزموا عليه، وقيل: أعدّوا له. ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ وأَجْمِعوا شركاءكم، تقول: أجمعت الأمر وجمعت القوم (٢)، فيكون منصوباً بمضمر، وقيل: مع شركائكم، ويقوّيه قراءةُ من قرأ بالرّفع (٣).

стр. 699

﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ ملتبساً لا تدرون (١) وجهه واجعلوه ظاهراً منكشفاً، وقيل: غمّاً عليكم، وقيل: معناه افعلوا ما تريدون عن مشورةٍ (٢) لتكونوا على بيّنة. ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون، وافعلوا ما تريدون، وقيل: افرغوا عنّي، من: قضيتُ دَيْني، وقيل: اقتلوني إن قدرتم. ابن بحر: أعلموني بآخر ما عندكم، من قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أعلمناهم. ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾ لا تؤخّرون. ابن بحر: لا تؤخّروا (٣) إعلامي، والمعنى: لا أخاف (٤) غائلة عداوتكم. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الإيمان وقبول كلامي. ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما سألتكم من أجر فأوجب التّولّي. والثّاني: ما سألتكم من أجر ففاتني بتولّيكم. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي. ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ المستسلمين لأوامره ونواهيه. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ داموا على تكذيبه. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ من الغرق ومقاساة الكفّار.

стр. 700

﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ ونجّينا من معه (١). ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي: في السّفينة، وكانوا ثمانين نفرا. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ عمّن كانوا في الأرض. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أهلكناهم بالماء. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الكافرين، وخوّف أمّتك مثل ما نزل بهم. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ أرسلنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد نوح. ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ كلّ رسول إلى قوم، والقوم يقع على الكثير الجَمَّاء الغفير (٢) وعلى القليل بعد أن يكونوا جمعاً. ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل مجيئهم، والمعنى: أصرّوا على الكفر بعد المجئ كما كانوا عليه قبل المجئ. وقيل: يريد بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ما حكم الله عليهم بالشّقاوة والتّكذيب. وقيل: ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ كناية عن قوم نوح، أي: قبل هؤلاء. ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾ هكذا نطبع على قلوب الكافرين. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد هؤلاء الرّسل. ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ الوليد بن مصعب (٣). ﴿وَمَلَئِهِ﴾ جمعه. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ اليد والعصا وغيرهما. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ تمرّدوا وطلبوا الكبر.

стр. 701

﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾ مذنبين، أجرم: أتى بالجُرم، واكتسب الجُرم، وهو الذّنب العظيم الذي يقتطع الوصلة، مِنْ: جَرَمَه، أي: قَطَعَه (١). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: معجزاته. ﴿مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ﴾ حيلة وتمويه. ﴿مُبِينٌ (٧٦)﴾ ظاهر. ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ محكيّ القول مضمرٌ تقديرُه: أتقولون (٢) للحقّ لمّا جاءكم سحر (٣)، ثمّ قال موسى منكراً عليهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾. وقيل: الألف زيادة وما بعده محكيُّ القول. وقيل: هو (٤) استفهام تعجّب وهو محكيّ القول. ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾ من تمام كلام موسى. الزّجّاج: أي مع علمي بأنّ السّاحر لا يفلح كيف آتي بالسّحر (٥). وقيل: معنى ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾ يضمحلّ سحرُهم (٦) ولا يبقى. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لتصدّنا وتصرفنا، واللّفت: الصّرف، تقول: لَفَتَ عنقَه، أي: صرفه، من بناء فَتَل (٧). ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ الملك والعظمة والعلوّ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ بمصدِّقين. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾ حاذق في سحره (٨).

стр. 702

﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ أي (١): إن كنتم لابدّ ملقين. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ أي: حبالهم وعصيّهم. ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي الذي جئتم به السّحر (٢) لا ما قلتم فيه إنّه سحر. ومن قرأ: (آلسِّحْرُ) بالاستفهام (٣)، تكون ﴿مَا﴾ للاستفهام و (آلسّحر) بدل منه و ﴿جِئْتُمْ﴾ الخبر. وإن شئت جعلت من (السِّحْرُ) مبتدأً وأضمرت له خبراً تقديرُه: آلسِّحْرُ جئتم به. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ يظهر للنّاس بطلانه ويجعله هباء منثوراً. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ الكافرين. ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ ما أتى به موسى، أي: يثبّت ما جئت به (٤) ويبين للنّاس صحّته وينصره عليكم فتصيروا (٥) مغلوبين. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره، وقيل: بوعده موسى، وقيل: بحكمه في اللّوح المحفوظ. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ ذلك. ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ أي بموسى. وقيل: لأجل موسى (٦). ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قوم موسى، وقيل: من (٧) قوم فرعون، يريد القبط، والذّرّيّة: الأولاد (٨) والشّبّان من القوم.

стр. 703

مجاهد: طال الزّمان ففني الآباء وآمن به الأولاد (١). ابن جرير: كانت الذّرّيّة آباؤهم من القبط وأمّهاتهم من بني إسرائيل (٢). ابن عبّاس ﵄: معناه ما آمن به إلاّ قليل من قومه (٣). ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي: أشرافهم. وفي هذا الجمع أقوال: قال بعضهم: هو كما يقول من له أتباع مطيعون: نحن نفعل وإنّا لنأمر. وقيل: يريد فرعون وجنوده وملئهم فيعود إلى الجنود. وقيل: على خوف من آل فرعون وملئهم فحذف المضاف. وقيل: وملأ الذّرّيّة، أي: آباؤهم، وكانوا من قبط فخافوهم وخافوا فرعون، أي: أسرّوا إيمانهم خوفاً منهم. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يهلكهم. وقيل: يعذّبهم فيحملهم على الرّجوع إلى الكفر. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ مرتفع الأمر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، وقيل: ﴿لَعَالٍ﴾ جبّار مستكبر طاغ باغ. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ المعتدين، وقيل: يكثر القتل. ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فوّضوا أمركم إليه والزموا الإيمان. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ جعل الإيمان والإسلام شرطاً في التّوكّل، وهو (٤) على التّرتيب، كما تقول: إن دخلتِ الدّار فأنت طالقٌ إن كلّمت زيداً (٥)، فهما شرطان والجزاء واحد، وليس هذا شرطاً دخل على شرط. ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ أي لا تسلّطهم علينا فيفتنونا، وقيل: لا تنصرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق، وقيل: لا تسلطهم علينا فنرتاب.

стр. 704

﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ حُلْ بيننا وبينهم وخلّصنا من مشاهدتنا إيّاهم. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾. أبو عليّ: بوّأ وتبوّأ كلاهما متعديان (١)، كقطعته وتقطّعته وخلّصته وتخلّصته (٢). وقيل: بوّأتُ لنفسي منزلا وتبوّأت لغيري منزلاً. ﴿بِمِصْرَ﴾ قيل: هو الإسكندريّة، وقيل: مصر فرعون. ﴿بُيُوتًا﴾ يسكنون فيها، وقيل: بيوتاً يصلّون فيها، وكان فرعون أمر بهدم المواضع التي كانوا يصلّون فيها فأُمروا أن يصلّوا في بيوتهم. ﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتما وقومكما. ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي صلّوا فيها. الحسن: توجّهوا إلى الكعبة (٣). سعيد بن جبير: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً (٤). ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ يا موسى. ابن جرير (٥): بشّر يا محمّد المؤمنين بالنّصرة في الدّنيا والجنّة في العقبى.

стр. 705

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ حليّاً من اللّباس والمراكب. ﴿وَأَمْوَالًا﴾ ذهباً وفضّة ونعماً وضياعاً. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: اللاّم لام العاقبة كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨]، أي ليكون عاقبة ذلك الضّلال. وقيل: هي لام كي والاستفهام مقدّر. وقيل: لام الأمر على وجه الدّعاء عليهم. وقيل: لئلاّ يضلّوا ولا مقدّر. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ اجعلها حجارة. مجاهد وقتادة ومقاتل: صارت دنانيرهم ودراهمهم وزروعهم وسكّرهم حجارة وبقي شكلها ونقشها (١). والطمس: إذهاب الشيء. ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ اطبع عليها. الضّحّاك: أهلكهم (٢)، وقيل: اشدد على قلوبهم ليصبروا على الأموال المطموسة ولا ينفروا إلى الخصب والسّعة.
следующие страницы →