← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾ مذنبين، أجرم: أتى بالجُرم، واكتسب الجُرم، وهو الذّنب العظيم الذي يقتطع الوصلة، مِنْ: جَرَمَه، أي: قَطَعَه (١). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: معجزاته. ﴿مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ﴾ حيلة وتمويه. ﴿مُبِينٌ (٧٦)﴾ ظاهر. ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ محكيّ القول مضمرٌ تقديرُه: أتقولون (٢) للحقّ لمّا جاءكم سحر (٣)، ثمّ قال موسى منكراً عليهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾. وقيل: الألف زيادة وما بعده محكيُّ القول. وقيل: هو (٤) استفهام تعجّب وهو محكيّ القول. ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾ من تمام كلام موسى. الزّجّاج: أي مع علمي بأنّ السّاحر لا يفلح كيف آتي بالسّحر (٥). وقيل: معنى ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾ يضمحلّ سحرُهم (٦) ولا يبقى. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لتصدّنا وتصرفنا، واللّفت: الصّرف، تقول: لَفَتَ عنقَه، أي: صرفه، من بناء فَتَل (٧). ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ الملك والعظمة والعلوّ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ بمصدِّقين. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾ حاذق في سحره (٨).

стр. 702

﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ أي (١): إن كنتم لابدّ ملقين. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ أي: حبالهم وعصيّهم. ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي الذي جئتم به السّحر (٢) لا ما قلتم فيه إنّه سحر. ومن قرأ: (آلسِّحْرُ) بالاستفهام (٣)، تكون ﴿مَا﴾ للاستفهام و (آلسّحر) بدل منه و ﴿جِئْتُمْ﴾ الخبر. وإن شئت جعلت من (السِّحْرُ) مبتدأً وأضمرت له خبراً تقديرُه: آلسِّحْرُ جئتم به. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ يظهر للنّاس بطلانه ويجعله هباء منثوراً. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ الكافرين. ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ ما أتى به موسى، أي: يثبّت ما جئت به (٤) ويبين للنّاس صحّته وينصره عليكم فتصيروا (٥) مغلوبين. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره، وقيل: بوعده موسى، وقيل: بحكمه في اللّوح المحفوظ. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ ذلك. ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ أي بموسى. وقيل: لأجل موسى (٦). ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قوم موسى، وقيل: من (٧) قوم فرعون، يريد القبط، والذّرّيّة: الأولاد (٨) والشّبّان من القوم.

стр. 703

مجاهد: طال الزّمان ففني الآباء وآمن به الأولاد (١). ابن جرير: كانت الذّرّيّة آباؤهم من القبط وأمّهاتهم من بني إسرائيل (٢). ابن عبّاس ﵄: معناه ما آمن به إلاّ قليل من قومه (٣). ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي: أشرافهم. وفي هذا الجمع أقوال: قال بعضهم: هو كما يقول من له أتباع مطيعون: نحن نفعل وإنّا لنأمر. وقيل: يريد فرعون وجنوده وملئهم فيعود إلى الجنود. وقيل: على خوف من آل فرعون وملئهم فحذف المضاف. وقيل: وملأ الذّرّيّة، أي: آباؤهم، وكانوا من قبط فخافوهم وخافوا فرعون، أي: أسرّوا إيمانهم خوفاً منهم. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يهلكهم. وقيل: يعذّبهم فيحملهم على الرّجوع إلى الكفر. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ مرتفع الأمر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، وقيل: ﴿لَعَالٍ﴾ جبّار مستكبر طاغ باغ. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ المعتدين، وقيل: يكثر القتل. ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فوّضوا أمركم إليه والزموا الإيمان. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ جعل الإيمان والإسلام شرطاً في التّوكّل، وهو (٤) على التّرتيب، كما تقول: إن دخلتِ الدّار فأنت طالقٌ إن كلّمت زيداً (٥)، فهما شرطان والجزاء واحد، وليس هذا شرطاً دخل على شرط. ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ أي لا تسلّطهم علينا فيفتنونا، وقيل: لا تنصرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق، وقيل: لا تسلطهم علينا فنرتاب.

стр. 704

﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ حُلْ بيننا وبينهم وخلّصنا من مشاهدتنا إيّاهم. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾. أبو عليّ: بوّأ وتبوّأ كلاهما متعديان (١)، كقطعته وتقطّعته وخلّصته وتخلّصته (٢). وقيل: بوّأتُ لنفسي منزلا وتبوّأت لغيري منزلاً. ﴿بِمِصْرَ﴾ قيل: هو الإسكندريّة، وقيل: مصر فرعون. ﴿بُيُوتًا﴾ يسكنون فيها، وقيل: بيوتاً يصلّون فيها، وكان فرعون أمر بهدم المواضع التي كانوا يصلّون فيها فأُمروا أن يصلّوا في بيوتهم. ﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتما وقومكما. ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي صلّوا فيها. الحسن: توجّهوا إلى الكعبة (٣). سعيد بن جبير: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً (٤). ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ يا موسى. ابن جرير (٥): بشّر يا محمّد المؤمنين بالنّصرة في الدّنيا والجنّة في العقبى.

стр. 705

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ حليّاً من اللّباس والمراكب. ﴿وَأَمْوَالًا﴾ ذهباً وفضّة ونعماً وضياعاً. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: اللاّم لام العاقبة كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨]، أي ليكون عاقبة ذلك الضّلال. وقيل: هي لام كي والاستفهام مقدّر. وقيل: لام الأمر على وجه الدّعاء عليهم. وقيل: لئلاّ يضلّوا ولا مقدّر. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ اجعلها حجارة. مجاهد وقتادة ومقاتل: صارت دنانيرهم ودراهمهم وزروعهم وسكّرهم حجارة وبقي شكلها ونقشها (١). والطمس: إذهاب الشيء. ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ اطبع عليها. الضّحّاك: أهلكهم (٢)، وقيل: اشدد على قلوبهم ليصبروا على الأموال المطموسة ولا ينفروا إلى الخصب والسّعة.

стр. 706

﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ قيل: منصوب بالجواب، وقيل: دعاء عليهم، أي: لا آمنوا. وقال صاحب النّظم: فلن يؤمنوا فصار النّون ألفاً، وهذا ضعيف (١). وقيل: فلا يؤمنون، وحذف النون تخفيفاً، وهذا أيضاً ضعيف، وقيل: تقديره ليضلّوا فلا يؤمنوا وفي الآية تقديم وتأخير، وهذا هو الوجه. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ هو الغرق. ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ثنّى لأنّ التّقدير: قال موسى وهارون ربّنا (٢)، وقيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن والمؤمّن داع. ومعنى ﴿أُجِيبَتْ﴾ استجاب الله دعاءكما. وقيل: هو من قولهم: أجب الدّاعي، أي: مر إليه. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ على ما أنتما عليه ولا تتركا دعاء فرعون وموعظته إلى أن يأتي العذاب، وكان بين هذا (٣) الدّعاء والغرق أربعون سنة، وقيل: استقيما على طاعتي واتّباع أمري. ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ الصّوابَ، وقيل: سبيل الكفّار والجهّال، وقيل: لا تستعجلا قضائي فلا خلف لوعدي ووعيدي، ومن قرأ بالتّخفيف (٤) فهو نفي، أي: أنتما لا تتّبعان سبيل الذين لا يعلمون، وقيل: حال، أي: غير متّبعين، وقيل: هي المخفّفة دخلت للتّأكيد (٥). ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي صيّرناهم إلى الشّطّ الآخر، تقول: جاز الشّيء وجاوزه واجتازه: فارقه فصار قدّامه، وجاوز بغيره الشّيء: جعله قُدّامه. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ أي: تبعهم، ومعنى أتبعهم: أدركهم، واتّبعهم: موصول: أخذ في أثرهم.

стр. 707

﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ باغياً عادياً، أي: مستكبراً ظالماً، وذلك أنّ الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلاً فاستعار بنو إسرائيل من القبط حُليَّهم بعلّة عرس لهم، وسرى بهم موسى وهم ستّمائة ألف وعشرون ألفاً لا يُعدّ فيهم ابن ستّين ولا ابن عشرين سنةً متوجّهين إلى البحر، ومات أبكار القبط تلك اللّيلة وشغلوا عن بني إسرائيل حتّى أصبحوا، وهو قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ [الشعراء: ٦٠] بعدما دفنوا أولادهم، فلمّا بلغ فرعون خروجهم ركب في طلبهم ومعه ألف ألف وستّمائة ألف (١). قال محمّد بن كعب (٢): كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم (٣) سوى سائر الشّيات (٤)، وكان فرعون يكون في الدَّهْم (٥)، وكان هارون على مقدّمة بني إسرائيل وموسى في السّاقة (٦)، فلمّا انتهوا وقربت منه مقدّمة فرعون وكانوا سبعمائة ألف رجل كلّ رجل (٧) على حصان على رأسه بيضة وبيده حربة وفرعون خلفهم في الدَّهْم، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أين ما وعدتّنا؟ هذا البحرُ أمامنا إن دخلناه غرقنا وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا؟ قال: كلاّ إنّ معي ربّي سيهدين، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضرب فلم ينفلق وقال: أنا أقدم منك وأشدّ خلقاً، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن كَنِّهِ وقل: انفلق أبا خالد بإذن الله، ففعل فانفلق البحر وصار فيه اثنا عشر طريقاً، لكلّ سبط طريق، وكشف الله عن وجه الأرض فصارت طرقاً يابسة، وارتفع من كلّ طريق الماء كالجبل، فكانوا لا يرى بعضهم بعضاً ولا يسمع بعضهم كلام بعض، فقال كلّ فريق قد (٨) غرق أصحابنا، فأوحى الله إلى الجبال من الماء تشبّكي فتشبّكت وصار فيه كهيئة الطّبقات (٩)، فجعل ينظر بعضهم (١٠) إلى بعض، فلمّا وصل فرعون بجنوده إلى البحر ورأوا البحر بتلك الهيئة قال فرعون: هابني البحر، وخافوا دخول البحر، وكان فرعون على حصان (١١) ولم يك في خيل فرعون فرسٌ أنثى،

стр. 708

فجاء جبريل (١) على فرسٍ وَدِيْقٍ (٢) وخاض البحر وميكائيل يسوقهم لا يشذّ رجل منهم (٣)، فلمّا شمّ أدهم فرعون ريح فرس جبريل وفرعون لا يراه انسلّ خلف فرس جبريل في الماء، ولم يملك فرعون من أمره شيئاً، واقتحمت الخيول خلفه في الماء، فلمّا دخل آخرهم البحر (٤) وهمّ أوّلهم أن يخرج انطبق الماء عليهم، فلمّا أَلجمَ فرعونَ الغرقُ قال: آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدسّ جبريل في فيه من حَمْأَة البحر (٥) وقال: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، فلمّا أَخْبَر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون ولا يموت، فأمر الله البحر فألقى فرعون على (٦) السّاحل فرأته (٧) بنو إسرائيل (٨) وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ لحقه الموت بالماء. ﴿قَالَ آمَنْتُ﴾ صدّقتُ موسى.

стр. 709

﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأنّه، ومن كسر فبإضمار القول (١)، أي: آمنت وقلت: إنّه لا إله إلاّ الذي، ويجوز أن يكون آمنتُ تامّاً ثمّ استأنف فقال فرعون: إنّه لا إله إلاّ الذي (٢). قطرب (٣): ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي﴾ من قول الله، وهذا ضعيف. ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ المنقادين المطيعين له. ﴿آلْآنَ﴾ أي: قال جبريل: آلآن تؤمن، وقيل: قال الله، أي: أفي هذا الزّمان تؤمن. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي كفرت. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ المانعين النّاس من الإيمان. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾: ابن عبّاس في جماعة: نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل ميّتاً (٤). ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي: بدرعك، والمعنى عليك سلاحك، وذلك آية، لأنّ الحديد يرسب ولا يطفو، وقيل: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي: عرياناً، وقيل: نخرجك (٥) صحيحاً لم يأكله شيء من دوابّ الماء، وقيل: نخرجك على سوء عملك، وقيل: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ نخرجك من ملكك فريداً وحيداً من قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقيل: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ نلقيك في البحر من النَّجَا، وهو ما سَلَخْتَهُ عن الشّاة أو ألقيته عن نفسك من ثياب وسلاح، وقيل: عطف على الاستفهام قبله، أي: أترجو النّجاة، هيهات لا تنجو، وهذا ضعيف لقوله سبحانه: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، ويقال: اللاّم لام القسم على ما سبق، وقيل: نتركك حتّى تغرق، والنّجاء التّرك، وقيل: نجعلك علامة، والنّجاء: العلامة، وقيل: نغرقك، من قولهم: نجا البحر أقواماً: إذا أغرقهم، ويحتمل أنّه من النَّجَاءِ الذي معناه الإسراع، أي: ننجّي إهلاكك.

стр. 710

وقوله: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ تأكيد، كما تقول: قال بلسانه وجاء بنفسه، والله أعلم. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ في طول الزّمان. ﴿آيَةً﴾ عبرة ونكالاً. وقيل: لمن تأخّر عن قومك (١). ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا﴾ في موسى وفرعون (٢) وسائر الآيات. ﴿لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ لاهون. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾ أنزلنا. ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ مرضيّ في نفسه صالح، وكذلك في كلّ شيء تقول: رجل صدق وثوب صدق. وحكى أقضى القضاة: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ تَصَدَّقَ به عليهم، وهو ركيك (٣). الحسن: يريد به مصر (٤). قتادة: الشّام وبيت المقدس (٥). الضّحّاك: الشّام ومصر (٦). ومبوّأ: نُصِبَ على أنّه مفعول، ويجوز أن يكون مصدراً والمفعول محذوف. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: اللّذيذ، وقيل: الحلال. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي: المعلوم عندهم، وهو محمّد ﵊، أي: ما اختلفوا في كونه نبيّاً حتّى جاءهم. وقيل: ﴿الْعِلْمُ﴾: القرآن. وقيل: التّوراة اختلفوا في أحكامها.

стр. 711

وقيل: الدّليل المؤدّي إلى العلم من جهة الرّسول والكتاب فآمن به بعض وكفر به بعض. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾ أي: يظهر لهم. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: روي أنّ النّبيّ ﵊ لمّا نزلت هذه الآية قال: (لا أشكّ ولا أسأل) (١) فلم يسأل. وقيل: الخطاب للنّبيّ ﵊ والمراد به غيره، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]. وقيل: إن هاهنا للنّفي، أي (٢): ما كنت في شكّ، كقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ [الأنبياء: ١٠٩]. وقيل: هذا تبكيت للشّاكّين كقوله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] تبكيتاً لقائله. وقيل: ﴿فِي شَكٍّ﴾ في ضيق صدر، أي: إن ضقت به ذرعاً فاصبر وسل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كيف صَبْرُ (٣) الأنبياء. قال الفرّاء في جماعة: هذا كقول الرّجل لعبده وابنه: إن كنت عبدي فأطعني وإن كنت ابني فلا تخالفني، وليس هو بشاكٍّ فيهما (٤). واختار هذا القول جماعةٌ من المفسّرين، وفيه ضعف، لأنّ قول القائل لعبده وابنه: إن كنت، تقديره: أنت عبدي وأنت ابني، فيصير تقدير الآية: أنت في شكّ، إذ ليس في الآية على تأويلهم ما يدلّ على النّفي (٥)، ويحتمل أن يقال: ليس هذا خطاباً للنّبيّ ﵊، بل خطابه مضمر وتقديره: قل يا محمّد للشّاكّ في نبوّتك: فإن كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك، والقرآن منزل على الأنبياء ومنزل إلى كلّ واحد (٦) من الخلق كقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] وقد سبق (٧)، ويقوّي هذا ما بعده من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤]. وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: مؤمني أهل الكتاب ومتديّنيهم.

стр. 712

وقيل: عبد الله بن سلام ﵁ وأضرابه ليخبروك بصحّة نبوّة محمّد ﵊، وعلى هذا باقي الآيات. ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ الشّاكّين، وقل: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾ فإنّ النّبيّ ﷺ أعزّ وأجلّ قدراً عند الله سبحانه من أن يخاطبه بمثل هذا الخطاب أصلاً ورأساً. وقولهم (١) هو بمنزلة قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١] و ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] فليس كذلك، لأنّ النّبيّ ﵊ مأمور بالتّقوى كسائر المؤمنين، وهو في حكم الطّلاق كغيره من المؤمنين، وسيأتي في موضعه، والحمد لله حق حمده (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وجب عليهم الوعيد. قيل: هو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وقيل: كلمته: لعنته في قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]. وقيل: سخطه بما عصوه. وقيل: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ إخباره أنّهم لا يؤمنون، يريد به مشركي العرب. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ فحينئذ لا ينفعهم إيمانهم كما لم ينفع فرعون إيمانه. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ أي: فهلاّ أهل قرية آمنوا بأجمعهم قبل مجيء العذاب فنفعها إيمانها كما فعل قومُ يونس، يحرّضهم على الإيمان. وقيل: فما كانت قرية آمنت بعد مجئ العذاب فنفعها إيمانها كما لم ينفع فرعون، إلاّ قوم يونس، فإنّهم لمّا رأوا أمارات العذاب آمنوا فنفعهم إيمانهم، وهو قوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾. ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الهلاك والهوان. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ إلى آجالهم، وقيل: كشفنا عنهم العذاب إلى يوم القيامة، فيجازون بالثّواب والعقاب. وذلك أن يونس ﵇ فيما ذكره المفسرون بعثه الله إلى أهل نينوى

стр. 713

من أرض الموصل، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ثم دعاهم فأبوا (١)، فأوحي إليه (٢) أن أخبرهم أنّ العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم وخرج من بين أظهرهم، فقالوا: إنّا لم نجرّب عليه كذباً، فانظروا: فإن خرج من بيننا فاعلموا أنّ العذاب (٣) مصبحكم، فلمّا أصبحوا أغامت (٤) السّماء غيماً أسود هائلاً له دخان شديد، فهبط حتّى غشي مدينتهم، فلمّا رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس فلم يجدوه، وقذف الله في قلوبهم التّوبة، فخرجوا إلى الصّعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابّهم، ولبسوا المسوح، وأخلصوا النّيّة، وأظهروا الإيمان والتّوبة، وفرّقوا بين كلّ والدة وولدها من النّاس والأنعام يَحِنُّ بعضها إلى بعض، وعلت أصواتها، واختلطت أصواتها بأصواتهم، وحنينها بحنينهم، وعجّوا وتضرّعوا إلى الله وقالوا: يا حيّ حين لا حيّ، يا حيّ محيي الموتى، يا حيّ لا إله إلاّ أنت، فكشف الله عنهم العذاب، وكان يونس قد خرج وأقام ينتظر العذاب، فلمّا كشف الله (٥) عنهم العذاب (٦) قال: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم، فذهب مغاضباً لقومه، وركب (٧) السّفينة، ويأتي في موضعه إن شاء الله (٨).

стр. 714

قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ استثناء منقطع، ويجوز أن يكون صحيحاً (١). ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾: يريد إيمان اضطرار وإكراه (٢)، وكان النّبيّ ﵇ حريصاً على إيمان قومه. وقيل: نزلت في أبي طالب (٣). ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بعلمه وإرادته. وقيل: بإطلاقه لها ذلك. وقيل: بإذنٍ أَذِنَ لها فيه، فلا تجهد نفسك في هداها فإنّ ذلك إلى الله. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: النّتن والعذاب، وقيل: الشّيطان، وقيل: الغضب والسّخط.

стр. 715

﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ دلائله وأوامره ونواهيه. ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: تفكّروا في عجائب صنع الله فيها، فإنّها كلّها تدلّ على وحدانيته وقدرته. ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ يجوز أن تكون ﴿وَمَا﴾ نفياً ويجوز أن تكون استفهاما، ومعنى ﴿تُغْنِي﴾ تنفع، وقيل: تدفع، أي: الآيات مع كثرتها لا تنفع ولا تدفع المعاند الجاحد (١). و﴿وَالنُّذُرُ﴾ جمع نذير. وقوله: ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ أي: حَكَمَ الله بكفرهم. ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ما ينتظرون إلاّ أيّاماً يقع عليهم فيها العذاب. ﴿مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا من قبلهم، وأيّام الله: عقوباته، وأيّام العرب: وقائعها. ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ مثلها إن لم تؤمنوا. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ لذلك، وقيل: انتظروا هلاكي إنّي معكم من المنتظرين هلاككم، جواب لهم حين قالوا (٢): نتربّص بكم الدّوائر (٣). ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: كنّا (٤) أهلكنا الذين خلوا ثمّ نجّينا الرّسل والمؤمنين. ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ أي: ننجّي محمّداً ﵊ ومن آمن معه.

стр. 716

وقوله: ﴿حَقًّا﴾ يجوز أن يكون صفة مصدر، أي: إنجاء حقّاً، ويجوز أن يكون تأكيداً للكلام، أي: حقّاً غير شكّ. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ يجوز أن يكون متّصلاً بالأوّل، ويجوز أن يكون بالثّاني. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾: خطاب لأهل مكّة، أي: إن كنتم (١) لا تعرفون ما أنا عليه فأنا أبيّنه لكم. وقيل: إن كنتم في شكّ من ديني فأنا على (٢) يقين، ثمّ وصف دينه فقال: ﴿فَلَا أَعْبُدُ﴾. وقيل: إن شككتم في أنّ ديني أفضل أم دينكم فاسمعوا، وجعلهم شاكّين لاضطرابهم عند نزول الآيات. وقيل: كان فيهم شاكّون، كقوله حكاية عن الكفّار: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ [إبراهيم: ٩]. ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي تعبدونه من الأصنام لأجل شكّكم. ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يميتكم ويقبض أرواحكم، وصفه بوصف لا يمكنهم دفعه، وفيه إنذار لهم، لأنّ وفاة الكافرين ميعاد عذابهم. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾ بما أتى به الأنبياء قبلي. ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ عطف على المعنى، لأنّ تّقدير (٣) قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ

стр. 717

الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾: كن مؤمناً ثمّ أقم. ﴿وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: استقبل الكعبة في الصّلاة وتوجّه نحوها (١)، وقيل: استقم مقبلاً بوجهك على ما أمرك الله. ﴿حَنِيفًا﴾ على ملّة إبراهيم، وقيل: تقديره: وأوحينا إليك أن أقم وجهك. ويحتمل: أوحي إليّ أن أقم، ليكون في مقابلة: (أمرت). ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ أي: لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن خذلته. أي: لا تدع آلهة كما يدعو المشركون الأوثان آلهة، وقيل: هذا تحقير للأوثان وهوان. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ الذين وضعوا الدّعاء غير موضعه. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ يصبك به. ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ لذلك الضّرّ. ﴿إِلَّا هُوَ﴾ إلاّ الله. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أي: إن يرد بك خيراً يوصله إليك. ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لا رادّ لمراده. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بالخير. ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ فلا تيأسوا من غفرانه ورحمته. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يا أهل مكّةِ ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني محمّداً ﷺ والقرآن.

стр. 718

﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ آمن بمحمّد ﷺ وعمل بما في الكتاب (١). ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثواب اهتدائه. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ كفر بهما. ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: على نفسه وبال ضلاله. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ بحافظ رعاية ما وُكِّلَ به فانظروا لأنفسكم، وقيل: ﴿بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ مسيطر (٢). ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ من التّبليغ والتّبشير والإعذار والإنذار. ﴿وَاصْبِرْ﴾ على تبليغ الرّسالة وتحمّل المكاره. ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بالعذاب أو يأمر بالقتل والجهاد، ثمّ نسخ فأمر بقتل المشركين وأخذ الجزية من أهل الكتاب (٣). ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾ لأنّه المطّلع على السّرائر فلا يحتاج إلى بيّنة وشهود.

стр. 719

سورة هود (١). مكية. ابن عباس ﵄: إلا آية من قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] (٢). وروي أن النبي ﷺ قيل له: عجل إليك الشيب فقال: (شيبتني سورة هود وأخواتها الحاقة والواقعة وعم يتساءلون والغاشية) (٣). (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ﴿الر كِتَابٌ﴾ أي: هذا كتاب. وقيل: ﴿الر﴾ اسم كتاب. وقيل: ﴿الر﴾ بعض حروف ﴿كِتَابٌ﴾ فهو مبتدأ وخبر (٤). ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ عن التناقض والكذب والباطل. وقيل: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالنظم العجيب واللفظ الرصين والمعنى البديع. وقيل: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بالحجج والدلائل. وقيل: أحكم القرآن من أن ينسخ بكتاب سواه كما نُسِخَ سائر الكتب به. وقيل: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ آيات هذه السورة، فليس فيها منسوخ.

стр. 720

﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أنزلت فصلاً فصلاً ونجماً نجماً. مجاهد: معنى ﴿فُصِّلَتْ﴾: فسرت (١). ابن عباس (٢): بينت بالأحكام والحلال والحرام (٣). الحسن: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالأمر والنهي ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب (٤). ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ أي: هذا الكتاب من عند الله، (الحكيم): يضع الشيء موضعه، (الخبير): يعلم ما كان وما يكون. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ضمن أن لا تعبدوا إلا الله (٥)، وقيل (٦): فَصَّلَ بأن لا تعبدوا، وقيل: كتب أن لا تعبدوا إلا الله، فتكون (أن) للمصدر، ويجوز أن تكون المفسرة، ويجوز أن تكون رفعاً، أي: في الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله. ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾ أي: قل يا محمد: ألر كتاب إنني لكم. وقيل: قل لا تعبدوا إلا الله إنني لكم ﴿مِنْهُ﴾ من الله ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ منذر ومبشر ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ حكم (أن) حكم الأول، والمعنى: سلوه مغفرة من (٧) ذنوبكم.

стр. 721

﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة، وأَخَّرَ التوبة لأن التقدير: سلوا الله المغفرة وتوسلوا إليها بالتوبة، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب. وقيل: استغفروا لما مضى (١) من الذنوب ثم توبوا إليه لما عسى يقع من الذنوب في المستأنف، حكاهما ابن عيسى (٢). وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ مع الجملة يدل على التقديم. الفراء: ﴿ثُمَّ﴾ ها هنا بمنزلة الواو (٣). ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ يعشكم في خفض ودعة وأمن وسعة. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الموت. سعيد بن جبير: يوم القيامة (٤). ابن عباس: إلى وقت لا يعلمه إلا الله (٥). ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: كل ذي حسنة وخير جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وقيل: الضمير في ﴿فَضْلَهُ﴾ لله. الضحاك: كل ذي عمل جزاء عمله (٦). وقيل: يريد تضعيف الحسنات.

стр. 722

الزجاج: من كان (١) ذا فَضْلٍ في دينه فَضَّلَهُ الله في الدنيا بالمنزلة كما فَضَّلَ أصحاب نبيه ﷺ وفي الآخرة بالثواب الجزيل (٢). ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ قيل: أصله: تتولوا، فحذف التاء، والدليل عليه قراءة ابن كثير: (وإن تَّوَلَّوا) بالتشديد (٣). وقيل: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ماض، وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بلفظ الخطاب على التلوين (٤). واليوم الكبير: يوم القيامة، وقيل: في الدنيا، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف. وقيل: ﴿أَخَافُ﴾: أعلم. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رجوعكم، شذ عن القياس (٥)، وقيل: موضع رجوعكم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ في سبب النزول: قال الكلبي: إنها نزلت في الأخنس بن شَرِيق (٦) وكان منافقاً حلو الكلام (٧).

стр. 723

وقال المفسرون: نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد، كيف يعلم بنا، فأنزل الله ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (١). فيه وجهان: أحدهما: وهو قول الجمهور، أي: يطوونها ويعطفونها على عداوة محمد، وقيل: على (٢) الكفر (٣)، وقيل: على حديث النفس، من قولهم (٤): ثنيت الشيء: عطفته، ومنه: الأثناء (٥) والاستثناء والثِّنَاءُ. والثاني: ولوا ظهورهم، وهو قول عبد الله بن شداد (٦). ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ جل المفسرين على أن معناه: ليستتروا من الله بزعمهم. وهذا يحتاج إلى بيان: فإن ثني الصدور على الكفر والعداوة لا يكون علة لاستتارة النفوس، ووجه ذلك أن يقال: تقديره (٧): ليستخفي سرهم، فحذف

стр. 724

المضاف وأسند الفعل إلى الضمير فارتفع به، أو يقال: تقديره: ليستخفوا بما أسرّوا (١)، فحذف لأن معنى استخفى به وأخفاه واحد، ومن جعل معناه: ولوا ظهورهم، لم يحتج إلى هذا التأويل ويكون ﴿مِنْهُ﴾ عائداً إلى النبي ﷺ وهو قول ابن شداد (٢). ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ جواب على وفق كلامهم ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بأفواههم. ابن عباس: عمل الليل وعمل النهار (٣). وقيل: يريد الليل والوقت الذي يأوي إلى فراشه في الظلمة ويتغطى بثيابه ويستخفي بسره، وذلك النهاية في الخفاء وهو لله ظاهر جلي. وقيل: نزلت في قوم كانوا لا يتعرون ولا يبدون أجسادهم (٤) للسماء، وكانوا يتمسكون بستر أجسادهم بالثياب ويزعمون أن ذلك يقربهم من الله سبحانه، فأعلمهم أن هذا اعتقاد باطل وأنه يجزي بالنيات ويعلم الطويات، وهذا قول زيّفه المفسرون (٥). ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ بأسرار (٦) ذات الصدور. وقيل: ذات الصدور: القلوب.

стр. 725

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ما من حيوان يأكل ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ غذاؤها وما تحتاج إليه، تكفل الله بأرزاقهم فضلاً منه ورحمة. وقيل: إلا من الله رزقها. وقيل: إلى الله رزقها إن شاء وسعه وإن شاء ضيقه. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ مأواها (١) في حياتها ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ قبرها بعد موتها، وقد سبق في قوله ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] .. ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ يعني اللوح المحفوظ. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يريد: وما بينهما. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ابن عباس: من أيام الآخرة (٢). الحسن: من أيام الدنيا (٣)، وقد سبق (٤). ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ أي: فوق الماء قبل أن (٥) خلق السموات والأرض، وكان الماء على متن الريح. وقيل: هو كقولك: السماء فوق الأرض، لا أنه (٦) متصل به. وقيل: ثم خلق العرش وصار عرشه على الماء. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: وخلقكم ليبلوكم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ صاحب النظم:

стр. 726

كل في كتاب مبين ليبلوكم (١). ابن عباس: ليبلوكم أيكم أعمل بطاعة الله (٢). مقاتل: أتقى لله (٣). الحسن: أزهد في الدنيا (٤). ابن عمر: عن النبي ﷺ : (أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله) (٥). ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ أي: ما هذا الذي تقول إلا سحر مبين (٦)، أي: إحياء الموتى سحر. وقيل: إلا باطل. وقيل: السحر ها هنا: الخداع. ومن قرأ: (ساحر) بالألف (٧) فإنهم عنوا به النبي ﷺ .

стр. 727

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ إلى حين كقوله ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: جماعة من الزمان، وقيل: إلى مجيء أمة وانقراض أمة. وقوله ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أي: معلومة، وقيل: قلائل. ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ ما يمنع العذاب من الوقوع، قالوه (١) استهزاءاً. ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ أي (٢): العذاب يوم بدر ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ أي: ليس العذاب مصروفاً ﴿عَنْهُمْ﴾، وقيل: ليس اليوم مصروفاً عنهم. ثم قال ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾ أي: العذاب، وقيل: أحاط بهم ونزل بهم (٣) جزاء استهزائهم. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ أعطيناه نعمة وسعة وصحة وأذقناه حلاوتها ومكناه من (٤) التلذذ بها. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾ أي: ثم سلبناه إياها يئس من النعمة وكفربها (٥)، لأنه لا ثقة له بالله بل وثوقه (٦) بما في كفه من المال. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾ وسعنا عليه النعمة. والنعماء: النعمة مع النعمة، يريد المال والصحة. ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ بعد الفقر الذي ناله. والضراء: الفقر المضر بالبدن لعدم المال.

стр. 728

﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أي: لو كشفنا عنه الضر الذي به (١) ظن أنه فاز بخير لا يفارقه، لأنه لا يعرف نقم الله وتغييراته. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ مرح أشر، والفرح مذموم حيث جاء في القرآن كقوله ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص: ٧٦]، وكقوله ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ [التوبة: ٨١]، والسرور محمود، حيث قال: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١]. ﴿فَخُورٌ (١٠)﴾ متكبر متطاول. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الضراء ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وشكروا على النعماء ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ يعني الجنة. والاستثناء صحيح، لأن الإنسان اسم للجنس، أي الإنسان بهذه الصفة إلا المؤمنين. وقيل: منقطع، أي: لكن الذين صبروا. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ قال بعض المشركين: ائتنا بكتاب ليس فيه (٢) عيب آلهتنا نجالسك ونتبعك، وقال بعضهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٧ ـ ٨] الآية، فَهَمَّ بما قال الأولون حرصاً على إيمانهم، وهو أن (٣) لايقرأ عليهم ما (٤) يكرهون، واهتم بما قال الآخرون، فأنزل الله ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ غير مبلغه إياهم (٥).

стр. 729

اللفظ خبر والمعنى نهي، أي: لا تركن إلى كلامهم ولا تضيق صدرك باقتراحهم ولا تهتم إن لم تؤت ما سألوكه: ﴿أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ينفقه ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدقه. هذا تفسير الهاء في قوله: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وتقديره: وضائق بـ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ الآية: صدرك. وقيل: لأن يقولوا. وقيل: هو أن يقولوا. قال ابن الأنباري (١): يجوز في الضمير في ﴿بِهِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعود إلى بعض ما يوحى. والثاني: إلى التبليغ. والثالث: إلى التكذيب. والوجه ما ذكرت (٢) أنها كناية فسرها ما بعدها. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ليس عليك إلا البلاغ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ عالم حافظ. ابن عيسى: ﴿وَضَائِقٌ﴾ في مقابلة ﴿تَارِكٌ﴾، ولأن الضائق وصف عارض، والضيق وصف لازم (٣). ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البلاغة

стр. 730

والإخبار عما كان وما يكون ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ مختلقات بزعمكم. الكلبي: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ مثل سورة البقرة إلى سورة هود، وهي العاشرة، وهذا ضعيف، لأن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلت بعد سورة هود بزمان، وسورة هود مكية (١). ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المعاونة على المعارضة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ أنه مفترى متقول، أي: ادعوا كل مخلوق يقدر على معاونتكم في هذا، لأنه (٢) لما قال ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أدخل فيه كل من سواه، وأخرج بلفظ الاستطاعة من لا يتكلم بالعربية منهم. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فإن لم يفعل المدعوون ما دعوتموهم إليه لعجزهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أنزله جبريل ﵇ بإذن الله وبعلمه (٣). وقيل: من علم الله، والباء بمعنى من. ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ واعلموا أنه لا إله إلا الله (٤) منزل القرآن على محمد ﷺ . ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ أي: إذا رأيتم العرب قاطبة عجزت عن الإتيان بمثل شيء من القرآن فأسلموا. وفي الآية قولان: أحدهما: أنه خطاب للكفار. وقيل: خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين، أي: فإن لم يستجيبوا لكم فقولوا لهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾.

стр. 731

وقيل: الخطاب للنبي وحده بلفظ التعظيم، وفي هذا القول ضعف. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ بإحسانه إلى الناس كإطعام الفقير وكسوتهم (١) والعدل بين الناس ولم يؤمن بالآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ أي: وفّاه الله جزاء عمله الصالح في الدنيا بالحظ منها وبالجاه والرئاسة من غير بخس ولا نقص. وقيل: نزلت في المنافقين الذين كانوا يغزون مع النبي ﷺ فيقول: يعطون من الغنيمة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لأنهم استوفوا جزاءهم في الدنيا ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ في الدنيا، لأنهم لم يريدوا به وجه الله ولم يؤمنوا به ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ أي: حبط (٢) لأن أعمالهم كانت باطلة. وجزم ﴿نُوَفِّ﴾ لأنه جواب للشرط وهو قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني محمداً ﷺ ، والبينة: القرآن. ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ ويقرأه عليه ﴿شَاهِدٌ﴾ جبريل ﴿مِنْهُ﴾ من الله، هذا قول ابن عباس في جماعة (٣). وقيل (٤): ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ يتبعه ملك يحفظه. الحسن: ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ لسان محمد ﷺ (٥)، فيكون معنى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾: يقرأه. وعن ابن الحنفية (٦) أنه قال: قلت لأَبِي: أنت التالي، قال: وما تعني بالتالي، قلت قوله تعالى ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ قال: وددت أني هو ولكنه لسان النبي ﷺ (٧).

стр. 732

وعن الحسين بن علي رضي لله عنهما: ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: محمد ﷺ (١). فيكون ﴿أَفَمَنْ كَانَ﴾ هو المؤمن ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ على بيان وبصيرة من دينه ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ ويشهد له محمد ﷺ يوم القيامة، من قوله (٢) ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] .. وقيل: ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ يتبع محمداً ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ علي بن أبي طالب ﵁، حكاه الثعلبي في تفسيره وأطنب (٣). وقيل: ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أبو بكر ﵁، حكاه محمد بن الهيصم في تنزيله (٤). وقيل: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: بيان وبصيرة ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ عقله، وتقدير الآية: أفمن كان بهذه الصفة كمن كان بضدها، فحذف الجواب. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ قيل: قبل نزول القرآن. وقيل: قبل محمد ﷺ . ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ التوراة، عطف على الشاهد، وقيل: مبتدأ (٥). وقيل: كان (٦) الأصل النصب (٧)، عُطِفَ على الهاء من ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ فرفع على الاستئناف، أي: ومن قبله كتاب موسى كذلك لأن فيه ذكر محمد ﷺ ونعته. ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ للناس جميعاً. وقيل: لليهود. ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن. وقيل: بالتوراة.

стр. 733

وقيل (١): نزلت في عبد الله بن سلام، وهذا ضعيف لأن السورة مكية (٢). وقيل: فيمن (٣) آمن من اليهود بمكة. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ بمحمد ﷺ ، وقيل: بالقرآن (٤). ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ من الكفار الذين تحزبوا واجتمعوا على رسول الله ﷺ وعداوته من اليهود والنصارى وسائر الملل. ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مصيره ومورده، وهذا دليل على بطلان مذهب (٥) أحمد بن حمدان الهروي (٦)، فإنه زعم أن الكفار في الحقيقية هم الدهرية، وأما اليهود والنصارى وسائر أصناف الكفرة فليسوا بكفار حقيقة، ومنزلتهم منزلة المبتدعة ينجيهم الله يوماً من النار، حكى مذهبه محمد بن الهيصم وغيره من المتكلمين. ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي من أن موعده النار. وقيل: من القرآن. قالوا: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، ويحتمل أن التقدير: قل للشاك في ذلك: فلا تك في مرية منه ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: أعتى وأشد كفراً ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أن (٧) له ولداً وشريكاً ووصفه بغير صفته وافترى عليه ما لم ينزله ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ في المحشر (٨) للحساب ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ الحفظة. وقيل: الأنبياء. وقيل: الخلائق يعرفونهم بسيماهم. وقيل: ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم.

стр. 734

﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ عذابه وسخطه ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ الكاذبين على ربهم، فهم (١) الكفار. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ عدولاً عن طريق الصواب ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فائتين هرباً ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يمنعونهم من عذابه ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ قيل: للذين أضلوهم، وقيل: يضاعف بتضاعيف الإجرام، وقيل: كلما مضى ضعف جاء ضعف. ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ أي: ثَقُل عليهم سماع الحق وإبصاره، و ﴿مَا﴾ نفى. وقيل: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلم يسمعوا وبما كانوا يبصرون الحق فلم يبصروا. وقيل: يريد به الآلهة (٢). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وهو أعظم الخسران، ومعنى ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: خسروا راحة أنفسهم وسعادتها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾ عنى بذلك الأوثان. وقيل: بطل سعيهم وخاب رجاؤهم. وقيل: لم ينتفعوا بكذبهم. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾ لأنهم ضلوا وأضلوا. وقوله ﴿لَا جَرَمَ﴾: معناه حقاً. وقيل: معناه حق له (٣). وقيل: معناه لابُدَّ ولا محالة.

стр. 735

وذهب بعض النحويين (١) إلى أن ﴿لَا﴾ رد لكلام سابق، ومعنى ﴿جَرَمَ﴾: كَسَب، وفاعله مضمر تقديره: كَسَبَ فِعْلُهُم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، وكذلك قوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]، ومنه قول الشاعر (٢): ولقد طعنتُ أبا عيينةَ طعنةً ... جَرَمَتْ فَزَارةَ بعدها أن يغضبوا وقيل: معنى (٣) ﴿جَرَمَ﴾: قَطَع، أي: لا قَطَعَ قَاطعٌ عن ذلك. وقال بعضهم: ﴿جَرَمَ﴾ اسم بني مع ﴿لَا﴾ على الفتح، كقوله (٤): لا بُدَّ ولا محالة. وروي عن العرب: لا جرم إنه، بالكسر. وروي أيضاً: لا جر أنه (٥)، بحذف الميم. وقيل: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ في محل رفع، كما تقول: حقاً إنه كذا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا﴾ تواضعوا وخشعوا. ابن عباس ﵄: أنابوا (٦). وقيل: اطمأنوا. وقيل: سكنت جوارحهم. واشتقاقه من: الخبت، وهي (٧) الأرض المنخفضة، وقيل: المستوية، كما تقول: أَنْجَد وأَتْهَم. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾ و (إلى) واقع موقع اللام لما بينهما من القرب. وقيل: قصدوا بإخباتهم إلى ربهم.

стр. 736

وقيل: بمعنى مِنْ، أي: أخبتوا من خوف ربهم، قاله (١) الكلبي. ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ الكافر والمؤمن ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ يجوز أن يكون التقدير: كالذي يجمع عماه إلى صممه والذي يجمع إبصاره إلى سمعه، فيكون الواو لعطف الصفة على الصفة، كقول الشاعر (٢): إلى الملكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ ويجوز أن يكون المراد به واحداً، أي: كالأعمى والبصير (٣) والأصم والسميع، والعمى والصمم آفتان تمنعان عن الإبصار والسمع وليسا ضدين لهما (٤)، لأنه لا تعاقب بينهما. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: في المثل، وهو نصب على التمييز ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ فتنتفعوا (٥) بضرب المثل. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ المبعوث إليهم ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ بأني لكم ﴿نَذِيرٌ﴾ أنذركم عذاب الله ﴿مُبِينٌ (٢٥)﴾ أبين لكم مصالحكم (٦)، ومن كسر فبإضمار القول، أي: فأتاهم فقال إني لكم نذير مبين (٧). ابن عباس ﵄: أوحى الله تعالى إلى نوح وهو ابن أربع مائة وثمانين سنة ودعا قومه مائة وعشرين سنة وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة (٨) وبقي بعد هلاك قومه ثلاث مائة وخمسين سنة فذلك ألف سنة إلا خمسين عاماً (٩).

стр. 737

وهب (١): أوحي إليه وهو ابن خمسين سنة ولبث في قومه تسع مائة وخمسين سنة (٢) وعاش بعد هلاك القوم خمسين سنة وكان عمره ألفاً وخمسين سنة (٣). عكرمة: سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه (٤)، قال: وكان اسمه ساكتاً (٥). والجمهور على أنه اسم عجمي (٦). ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون نصباً على تقدير: أرسلناه بأن لا تعبدوا وقيل: أبين لكم أن لا تعبدوا (٧)، ويجوز أن يكون جزماً على النهي، و ﴿أَنْ﴾ هي المفسرة. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ يريد الغرق و ﴿يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾، كقوله (٨): نهاره صائم، لأن الألم أوالإيلام يقع فيه. ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أشراف قومه ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ آدمياً ﴿مِثْلَنَا﴾. وسمى الإنسان بشراً لظهور بشرته، خلافاً للبهائم والطيور والصدف (٩). ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: ابن عيسى: جمع رَذْل على أَرْذُل ثم أراذل، كَكَلْب وأَكْلُب وأكالب. وقيل: جمع الأَرْذَل وهو الناقص القدر. والأول أظهر، لأن الأفعل (١٠) يقتضي الشركة أولاً ثم الزيادة.

стр. 738

ومعنى أراذلنا: أخساؤنا الذين لا شرف لهم ولا مال. ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قرئ بالهمز، أي: أول الرأي، وقرئ بالياء، أي: ظاهر الرأي، وكلاهما قريب، لأن الشيء إذا بدا ظهر (١). وفي الرأي قولان: أحدهما: من الرؤية، كقوله ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]. والثاني: من التفكر، وهذا أظهر (٢). وفي انتصابه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نصب على المصدر، وهو قول ابن عيسى (٣). والثاني: على الظرف، وهو قول أبي علي في الحجة (٤)، وإنما حمله على الظرف وليس بزمان ولا مكان: لأن (في) مقدر عنده (٥)، أي: في ظاهر الأمر (٦) وفي أول الأمر. والثالث: الحال، وهو حال عن نوح ﵇، ومن جعله لنوح فنصبه على النداء أولى، وفي تقديره ثلاثة أوجه: أحدها: ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا أول رأينا وظاهر رأينا، فالرأي من رؤية العين، وهو نصب على المصدر كما تقول: ضربته أول الضرب. ابن عيسى: أول ما نراهم نزدريهم (٧). والثاني: اتبعك الأراذل أول رأيهم وظاهر رأيهم، أي: من غير تفكر ولا رأي سديد وهم يرجعون عنك عند التفكر والتدبر. والثالث: اتبعوك ظاهر رأي، فيكون حالاً عن نوح، وهو ما قلتُ (٨) إن النداء أولى به، عنوا: يا بادي الرأي، أي: ما في (٩) نفسك من الرأي ظاهر لكل

стр. 739

أحد، قالوه تعجيزاً له. ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ عنوا نوحاً وأتباعه، أي: ليس لكم علينا زيادة في مالٍ ولا نسب ولا دين. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ أي: نوحاً في دعواه وأنتم في تصديقكم إياه. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ ثقة. ابن عيسى: حجة (١). ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ النبوة والرسالة. (فَعَمِيَتْ عَلَيْكم) خفيت، وكذلك (عمّيت) بالتشديد (٢)، أي: أعماها الله وأخفاها عليكم. ابن عيسى: هو من المقلوب، أي: فعميتم عنها، كما تقول: أدخلت الخاتم في الأصبع (٣). ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: البينة والرحمة، أي: لانلزمكم (٤) ذلك ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾ لا تريدونها، وقبولكم لها لا يصح مع الكراهة. مقاتل: لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك (٥). ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، كناية عن غير مذكور (٦) ﴿مَالًا﴾

стр. 740

جُعْلاً ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به أَنَفَةً من المجالسة معهم ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ يقرون بالبعث والنشور، وقيل: ملاقوا ربهم فيخاصمونني عند الله. ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ أي: في سؤالكم طردهم وكفركم بآيات الله وتجهلون أن هؤلاء خير منكم لإيمانهم. ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أبعدتهم ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾ ألا تراجعون عقولكم فتعرفوا الصواب. ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ خزائن أمواله فأعطيكم على الإيمان. وقيل: خزائن المطر فأسوقها إليكم. وقيل: مفاتح الغيب. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ هو ما غاب عن الإدراك، فأخبركم به، وهو عطف على القول لا المقول (١). ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ [هود: ٢٧]. والمعنى: لست أَدَّعي ما ليسَ فِيّ. ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يعني مَنْ آمن معه. ومعنى ﴿تَزْدَرِي﴾: تحتقر، والازدراء: افتعال من قولهم: زريت على الشيء: إذا عبته، وأزريت عليه (٢): إذا قصرت به. ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ توفيقاً وايماناً، جواب لقولهم: اتبعوك في ظاهر الرأي
следующие страницы →