← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقيل: بمعنى مِنْ، أي: أخبتوا من خوف ربهم، قاله (١) الكلبي. ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ الكافر والمؤمن ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ يجوز أن يكون التقدير: كالذي يجمع عماه إلى صممه والذي يجمع إبصاره إلى سمعه، فيكون الواو لعطف الصفة على الصفة، كقول الشاعر (٢): إلى الملكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ ويجوز أن يكون المراد به واحداً، أي: كالأعمى والبصير (٣) والأصم والسميع، والعمى والصمم آفتان تمنعان عن الإبصار والسمع وليسا ضدين لهما (٤)، لأنه لا تعاقب بينهما. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: في المثل، وهو نصب على التمييز ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ فتنتفعوا (٥) بضرب المثل. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ المبعوث إليهم ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ بأني لكم ﴿نَذِيرٌ﴾ أنذركم عذاب الله ﴿مُبِينٌ (٢٥)﴾ أبين لكم مصالحكم (٦)، ومن كسر فبإضمار القول، أي: فأتاهم فقال إني لكم نذير مبين (٧). ابن عباس ﵄: أوحى الله تعالى إلى نوح وهو ابن أربع مائة وثمانين سنة ودعا قومه مائة وعشرين سنة وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة (٨) وبقي بعد هلاك قومه ثلاث مائة وخمسين سنة فذلك ألف سنة إلا خمسين عاماً (٩).

стр. 737

وهب (١): أوحي إليه وهو ابن خمسين سنة ولبث في قومه تسع مائة وخمسين سنة (٢) وعاش بعد هلاك القوم خمسين سنة وكان عمره ألفاً وخمسين سنة (٣). عكرمة: سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه (٤)، قال: وكان اسمه ساكتاً (٥). والجمهور على أنه اسم عجمي (٦). ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون نصباً على تقدير: أرسلناه بأن لا تعبدوا وقيل: أبين لكم أن لا تعبدوا (٧)، ويجوز أن يكون جزماً على النهي، و ﴿أَنْ﴾ هي المفسرة. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ يريد الغرق و ﴿يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾، كقوله (٨): نهاره صائم، لأن الألم أوالإيلام يقع فيه. ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أشراف قومه ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ آدمياً ﴿مِثْلَنَا﴾. وسمى الإنسان بشراً لظهور بشرته، خلافاً للبهائم والطيور والصدف (٩). ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: ابن عيسى: جمع رَذْل على أَرْذُل ثم أراذل، كَكَلْب وأَكْلُب وأكالب. وقيل: جمع الأَرْذَل وهو الناقص القدر. والأول أظهر، لأن الأفعل (١٠) يقتضي الشركة أولاً ثم الزيادة.

стр. 738

ومعنى أراذلنا: أخساؤنا الذين لا شرف لهم ولا مال. ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قرئ بالهمز، أي: أول الرأي، وقرئ بالياء، أي: ظاهر الرأي، وكلاهما قريب، لأن الشيء إذا بدا ظهر (١). وفي الرأي قولان: أحدهما: من الرؤية، كقوله ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]. والثاني: من التفكر، وهذا أظهر (٢). وفي انتصابه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نصب على المصدر، وهو قول ابن عيسى (٣). والثاني: على الظرف، وهو قول أبي علي في الحجة (٤)، وإنما حمله على الظرف وليس بزمان ولا مكان: لأن (في) مقدر عنده (٥)، أي: في ظاهر الأمر (٦) وفي أول الأمر. والثالث: الحال، وهو حال عن نوح ﵇، ومن جعله لنوح فنصبه على النداء أولى، وفي تقديره ثلاثة أوجه: أحدها: ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا أول رأينا وظاهر رأينا، فالرأي من رؤية العين، وهو نصب على المصدر كما تقول: ضربته أول الضرب. ابن عيسى: أول ما نراهم نزدريهم (٧). والثاني: اتبعك الأراذل أول رأيهم وظاهر رأيهم، أي: من غير تفكر ولا رأي سديد وهم يرجعون عنك عند التفكر والتدبر. والثالث: اتبعوك ظاهر رأي، فيكون حالاً عن نوح، وهو ما قلتُ (٨) إن النداء أولى به، عنوا: يا بادي الرأي، أي: ما في (٩) نفسك من الرأي ظاهر لكل

стр. 739

أحد، قالوه تعجيزاً له. ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ عنوا نوحاً وأتباعه، أي: ليس لكم علينا زيادة في مالٍ ولا نسب ولا دين. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ أي: نوحاً في دعواه وأنتم في تصديقكم إياه. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ ثقة. ابن عيسى: حجة (١). ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ النبوة والرسالة. (فَعَمِيَتْ عَلَيْكم) خفيت، وكذلك (عمّيت) بالتشديد (٢)، أي: أعماها الله وأخفاها عليكم. ابن عيسى: هو من المقلوب، أي: فعميتم عنها، كما تقول: أدخلت الخاتم في الأصبع (٣). ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: البينة والرحمة، أي: لانلزمكم (٤) ذلك ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾ لا تريدونها، وقبولكم لها لا يصح مع الكراهة. مقاتل: لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك (٥). ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، كناية عن غير مذكور (٦) ﴿مَالًا﴾

стр. 740

جُعْلاً ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به أَنَفَةً من المجالسة معهم ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ يقرون بالبعث والنشور، وقيل: ملاقوا ربهم فيخاصمونني عند الله. ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ أي: في سؤالكم طردهم وكفركم بآيات الله وتجهلون أن هؤلاء خير منكم لإيمانهم. ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أبعدتهم ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾ ألا تراجعون عقولكم فتعرفوا الصواب. ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ خزائن أمواله فأعطيكم على الإيمان. وقيل: خزائن المطر فأسوقها إليكم. وقيل: مفاتح الغيب. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ هو ما غاب عن الإدراك، فأخبركم به، وهو عطف على القول لا المقول (١). ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ [هود: ٢٧]. والمعنى: لست أَدَّعي ما ليسَ فِيّ. ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يعني مَنْ آمن معه. ومعنى ﴿تَزْدَرِي﴾: تحتقر، والازدراء: افتعال من قولهم: زريت على الشيء: إذا عبته، وأزريت عليه (٢): إذا قصرت به. ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ توفيقاً وايماناً، جواب لقولهم: اتبعوك في ظاهر الرأي

стр. 741

وباطنهم على خلاف ذلك. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الخير والشر، لست مأخوذاً به. ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾ إن قلت من هذه شيئا. ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ خاصمتنا، والجدال: فتل (١) الخصم عن رأيه بالحجاج (٢). الكلبي: دعوتنا (٣). وقيل: وعظتنا. ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أتيت بأنواع الجدال وفنونه. وقيل: أطلت الجدال. الكلبي: فأكثرت الدعوة (٤). وقيل: فأكثرت الوعظ فما صحت لنا دعواك. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾ في وعيدك. ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: العذاب ﴿إِنْ شَاءَ﴾ عاجلاً أو آجلاً. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾ لم تقدروا على الهرب منه. وقيل: لا تفوتون. ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ دعائي ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ يضلكم، أي: إرادة الله فوق كل إرادة. وهذا شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدماً في الحكم، تقديره: إن كان الله

стр. 742

يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالقكم، فيتصرف فيكم على قضية إرادته. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ بالموت والبعث فيجازيكم على أعمالكم. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني ما أخبر به محمد ﷺ . ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ وبال جرمي وجزاؤه دونكم. تقول: أجرم الرجل: إذا أذنب، والاسم: الجرم والذنب. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ وليس علي من إجرامكم شيء. وعن ابن عباس ﵄: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني: نوحاً ﵇ (١)، فيحتاج إلى إضمار، أي: فقلنا لنوح ﴿قُلْ (٢) إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، والأول أظهر وأنه اعتراض في خلال قصة نوح ﵇. ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ آيسه الله من إيمان قومه فدعا عليهم وقال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٣) [نوح: ٢٦]. ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ قيل: هذا خطاب له بعد الدعاء، لأنه لما دعا عليهم حزن واغتم. وقيل: متصل بالأولى (٤).

стр. 743

والابتئاس (١): افتعال من البؤس، والبؤس: الحزن، والبؤس: الفقر أيضاً، والبأس: الشدة. ابن عيسى: الابتئاس: الحزن في استكانة (٢). ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ واعمل السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ بحيث نراها، والعين عبارة (٣) عن الرؤية. وقيل: بعلمنا وحفظنا. وقيل: بأعين أوليائنا، يعني الملائكة. وقيل: جمع عين الماء، وفيه بعد (٤). ﴿وَوَحْيِنَا﴾ على ما أوحينا إليك من صفتها. ابن عباس ﵄: لم يعلم كيف صَنْعَةُ الفلك، فأوحى الله إليه أن (٥) اصنعه مثل جؤجؤ (٦) الطائر (٧). وقيل: أوحينا (٨) إليك أن اصنعها. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تراجعني فيهم (٩) ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾.

стр. 744

وقيل: المراد بقوله ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ واعلة زوجته وكنعان ابنه. ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكاية حال. وجاء في التفسير: أن الله أمره بغرس الأشجار، فغرسها حتى أدركت وكانت أشجار ساج فقطعها حتى يبست ثم اتخذ منها السفينة واستأجر أجراء ينحتون معه (١). الحسن: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع (٢). وقيل: كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً وارتفاعها ثلاثون ذراعاً وبابها في عرضها (٣). ابن عباس ﵄: كانت (٤) ثلاث طبقات، طبقة للناس وهي العليا منها، وطبقة للطير، وطبقة للدواب والوحش (٥). وهب: تمت في مائة سنة (٦). وقيل: في أربعمائة سنة (٧). ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ استهزؤا به (٨) وقالوا: يا نوح صرت نجاراً بعد النبوة، وإنما سخروا لأنه كان يعملها في البر ولا ماء هناك يحمل مثلها. وقيل: لم يكونوا رأوا سفينة قبلها وكانوا (٩) يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها. ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾.

стр. 745

قيل: نجازيكم (١) على سخريتكم. الزجاج: إن تستجهلونا (٢) فإنا نستجهلكم كما تستجهلون (٣). وقيل: إنا نسخر منكم عند الغرق. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يهلكه ويفضحه ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ وينزل عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾ دائم عليهم. و﴿مَنْ﴾ بمعنى: الذي، ومحله نصب. وقيل: استفهام، ومحله رفع. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ بالعذاب ﴿وَفَارَ﴾ ابن عباس: نبع الماء (٤). غيره: ارتفع، من: فارت القدر تفور فوراً وفوراناً. ﴿التَّنُّورُ﴾ ابن عباس في جماعة: ﴿التَّنُّورُ﴾ (٥): وجه الأرض (٦). وعن علي ﵁: ﴿التَّنُّورُ﴾: طلوع (٧) الفجر (٨). قتادة: ﴿التَّنُّورُ﴾: أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها (٩). والأكثر على أنه: تنور (١٠) الخبز، وكان ذلك علامةً لمجيء العذاب. واختلف في موضعه: فقيل: كان (١١) في الكوفة في موضع مسجدها. وقيل: كان في الهند. وقيل: بعين وردة من أرض الجزيرة. وقيل: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ كناية عن اشتدد الأمر وصعوبته، كما يقال: حمي الوطيس: إذا اشتدت الحرب. والتنور: معرب (١٢).

стр. 746

﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الزوج: الفرد، من قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، والزوج أيضاً: اثنان مما لا يتباينان في الأكثر، كزوج نَعْل وزوج حمام، والزوج: الصنف (١) أيضاً، من قوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥] أي: من كل صنفين ذكر وأنثى (٢) اثنين، فيكون ﴿اثْنَيْنِ﴾ مفعول ﴿احْمِلْ﴾، ومن نوّن (٣) فالمعنى: من كل حيوان فردين ذكر وأنثى، فـ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ المفعول و ﴿اثْنَيْنِ﴾ تأكيد (٤). ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ تقدم (٥) قولي لك لا تخاطبني فيه، وهو: امرأته وابنه. وقيل: إلا من سبق عليه (٦) القول فيهم فإنهم مهلكون (٧)، وهم الكفار. وقيل: القول هاهنا: الوعيد. وقيل: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ هاهنا: فعل ماض، أي: أهلك الله إلا من سبق عليه القول بالنجاة، وهم: المؤمنون منهم. والقول: هو الأول، لأن من سبق عليه القول يستعمل في الوعيد دون الوعد. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: واحمل من آمن. ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ قيل: ثمانون من رجل وامرأة. وقيل: لم يكن في السفينة إلا نوح وامرأته (٨) وثلاثة من بنيه ونساؤهم، فجميعهم ثمانية. وقيل: سبعة. وأسماء بنيه: يافث وسام وحام، وأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن يغير نطفته، فجاء بالسودان (٩).

стр. 747

وروى المفسرون عن ابن عباس ﵄ قال: قال الحواريون لعيسى ﵇: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها (١)، فانطلق بهم حتى انتهى إلى (٢) كثيبٍ من تراب، فأخذ كفاًّ من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ماهذا، قالوا (٣): الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام (٤) بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه، فقال (٥): قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب، قال (٦) له عيسى: هكذا هلكت، قال: لا، متُّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثَمَّ شِبْتُ، قال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت (٧) ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير (٨)، فلما كثرتْ أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر في السفينة جعل يقرضها وحبالها، وذلك أن الفأر توالدت في السفينة أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر (٩)، فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت، قال: بعث الغراب ليأتيه (١٠) بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث حمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، قال: فطوقها الحلقة (١١) التي في عنقها ودعا لها أن تكون في إنْسٍ وأَمَان، فمن ثَمَّ يألف البيوت، قال: فقالوا: يا رسول الله: ألا تنطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدثنا، قال: كيف يتبعكم من لا رزق له، قال: فقال له: عد بإذن الله، فعاد تراباً (١٢). ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ أي: صيروا فيها، وجعل ذلك ركوباً لأنها تجري جري المركوب من الدواب، وقال ﴿فِيهَا﴾: لاستقرارهم (١٣) فيها، فلما ركبها نوح وأصحابه أرسل الله السماء عليهم مدراراً وفجر الأرض عيوناً والتقى الماآن حتى غرق الجبال ومن عليها.

стр. 748

﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ اركبوا باسم الله. وقيل (١): ابدؤا بسم الله. وقيل: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: إجراؤها وإرساؤها بالله، فهو مبتدأ وخبر. الضحاك: إذا أراد أن تجري قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد (٢) أن ترسو قال: بسم الله، فرست (٣). والمجرى والمرسى صالحان للمصدر والزمان والمكان، وكذلك من (٤) قرأ ﴿مَجْرَاهَا﴾ بالفتح (٥). ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ لمن آمن منهم ﴿رَحِيمٌ (٤١)﴾ حين خلصهم. ﴿وَهِيَ﴾ (٦) أي (٧): السفينة ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾ أي: وهم فيها ﴿فِي مَوْجٍ﴾ جمع موجة، كتمر وتمرة، والموج: حركة الماء الكثير بدخول الرياح الشديدة في خلاله ﴿كَالْجِبَالِ﴾ في العظم ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعان، وقيل: اسمه يام. وجل المفسرين على أنه ابنه لصلبه (٨).

стр. 749

وعن علي ﵁ أنه قال: لم يكن ابنه وإنما كان ابن امرأته، وكان يقرأ (ابنها) (١). وعن بعض القراء: (ابنه) بفتح الهاء، يريد ابنها، وهو شاذ (٢). وعن الحسن أيضاً: أنه ليس بابنه (٣). وروى عنه أيضاً أنه قال: كان لغير رِشْدَه (٤)، وهذا قول مرغوب عنه، لأن الله عصم أنبياءه من مثل هذا. وحمل المفسرون قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]: على الدين لا على الفرج. ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عن أبيه وعن السفينة. وقيل: بمعزل عن دين أبيه. والعزلة (٥): البعد. ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ في السفينة ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾ أي: أسلم واركب. وقيل: كان ينافق. ﴿قَالَ سَآوِي﴾ سأصير ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يمنعني من الغرق. والعصمة: المنع من الآفة. ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، لأن من رحم معصوم، والمفعول ليس من جنس الفاعل، وتقديره: لكن من ﵀ معصوم، ومحل ﴿مِنْ﴾ نصب.

стр. 750

والثاني: أن (١) الاستثناء صحيح، ومحل ﴿مَنْ﴾ رفع، وفي تقديره أربعة أوجه: أحدها: أن من رحم هو الله ، أي: لا عاصم إلا الله. والثاني: أن العاصم نوح، وقد دعاه إلى النجاة. والثالث: أن المراد به: لا ذا عصمة إلا من ﵀، فإنه ذو عصمة. والرابع: عاصم بمعنى معصوم، كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة: ٢١]، و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦]، وناقةٌ راحلة، وسِرٌّ كاتم، وأمرٌ عارف، وتطليقةٌ بائنة، ويمينك آشرة، وما زيد بحازم الأمر، وهذا قول الكوفيين (٢). ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ بين ابنه والجبل، وقيل: بين نوح وابنه. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ أي: صار (٣) من المهلكين بالماء. ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ أدخلي (٤) الماء في أجزائك بسرعة شيئاً فشيئاً. ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ يا سحاب (٥) أمسكي عن إنزال الماء (٦). وقيل: كانت المياه يومئذ تنزل من السماء (٧) وتنبع العيون من الأرض السابعة. تقول: أقلعت السماء: إذا ذهب مطرها، وأقلع عن الأمر: تركه (٨). ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نقصه الله، وغاض: لازم ومتعد، والغيض: غيبة الماء في الأرض على وجه (٩) النشف. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من إهلاك (١٠) من هلك وإنجاء من نجا. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١١) استقرت السفينة عليه. والجودي: جبل معروف بناحية الموصل. وقيل: في جزيرة الشام. وقيل: بناحية آمل. وقيل: من وراء آمل (١٢). وقيل: اسم لكل جبل، حكاه الماوردي (١٣)، وهو سهو.

стр. 751

﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ أي: أبعدهم الله من الخير والرحمة، وهو نصب على المصدر، وهو من كلام الله لهم. وقيل: قال المؤمنون على وجه الدعاء عليهم. وجاء في الخبر أن نوحاً ﵇ ركب في السفينة في العاشر من رجب ونزل عنها في العاشر من المحرم (١). أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية بعد أن فتّشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها وحسن نظمها وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال. ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أي: دعا ربه فقال: يا رب (٢) إن ابني من أهلي الذين أمرتني بحملهم ووعدتني نجاتهم، وإن وعدك حق (٣) لا خلف فيه. ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ لا شطط في حكمك ولا ميل. قيل: سأل هذا حين صار عنه بمعزل. وقيل: سأل قبل أن عرف هلاكه. وقيل: سأل (٤) مغفرته بعد أن عرف هلاكه، وهذا أليق بالآية. وقيل (٥): ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ من زوجتي (٦)، حكاه الثعلبي (٧). ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ لأنه كافر، والكفر (٨) يقطع الولاية بين المؤمن والكافر.

стр. 752

وقيل: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهل الذين وعدتك انجاءهم (١). الحسن: لغير رشده، وقد سبق (٢). ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يعود إلى ابن نوح، أي: إنه ذو عمل غير صالح (٣) لكثرة وقوعه منه. والثاني: إن سؤالك إياي تخليصه بعد كفره عمل غير صالح، أي: غير مرضي. وقيل: سؤالك تخليصه بعد قولك ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦] عَمَلٌ غير صالح. ومن قرأ (عَمِلَ غَيْرَ صالح) على الفعل فهو لابن نوح لا غير (٤). ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بجواز مسألته. وقيل: لا تعلم كونه صواباً. وقيل: لا تعلم أنه جائز في حكمي. ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ بوعدي لك. وقيل: أعظك بمواعظي لئلا تكون من الجاهلين بما أمرتك به. وقيل: من الجاهلين فتظن أن لا أفي وعدي (٥). وقيل: من الجاهلين بنسبك، وهذا يشبه (٦) قول الحسن.

стр. 753

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ أعتصم وأمتنع ﴿أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾ ذنبي بسؤالي ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بفضلك ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾. وقوله: ﴿بِهِ عِلْمٌ﴾ الجار متعلق بمضمر دلّ عليه العلم، كقوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ [يوسف: ٢٠] وأخواته (١)، وأجاز أبو علي في الحجة أن يتعلق بالمضمر في الظرف، وهو الاستقرار، كما تقول: ليس لك فيه رضى (٢). ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ انزل من السفينة بسلامة وخلاص من المكاره، أي: سالماً. وقيل: بتحية منا. ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ وزيادات في نسلك حتى صار أبا البشر بعد آدم. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (سام بن نوح أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش) (٣). ولم يتصل من غيره ممن كان معه نسل، يقويه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]. وقيل: البركات هاهنا (٤): السعادة. وقيل: النعمة الباقية.

стр. 754

﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أي: وعلى أمم يلدون ممن معك، يريد أولاد أولادك ما تناسلوا، جعلهم قسمين، قسم دخل تحت السلام والبركات، وهم المؤمنون من ذريته إلى يوم القيامة، وقسم هو المذكور بقوله: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أي: في الدنيا بالسعة في (١) الرزق والخفض في العيش. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ أي: في القيامة، وهم الكفار من ذريته. وقيل (٢): سائر الحيوان (٣) داخل تحت البركات. ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ إشارة إلى قصة نوح وقومه. وقيل: إشارة إلى السفينة، أي: خبرها. ومعنى ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: غِبْتَ عنها. ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ ينزل بها جبريل عليك معجزة لك وصحة لنبوتك. ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ أي: لم يكن هذا من علمك ولا من علم قومك ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ قبل القرآن، وقيل: قبل هذا (٤) الوقت. ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذى قومك كما صبر نوح ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ النصر والظفر ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ للموحدين. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ أي: وأرسلنا هوداً إلى عاد. وقيل: هو عطف على ما قبله، وسماه ﴿أَخَاهُمْ﴾ لأنه كان من نسبهم.

стр. 755

الزجاج: هو أخوهم من حيث إنه من ولد آدم وهم أولاده (١). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحدوه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ معبود ﴿غَيْرُهُ﴾ غير الله ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ كاذبون في إشراككم مع الله الأوثان. ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة ﴿أَجْرًا﴾ جُعْلاً، وقيل: رزقاً. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ورزقي ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خلقني ولم أك شيئاً ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾ أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا الخطأ من الصواب (٢). ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: اطلبوا المغفرة وتوسلوا إليها بالتوبة. الفرآء: ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو، وقد سبق (٣). وقيل: ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾: آمنوا ثم توبوا إليه من سالف ذنوبكم. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: المطر (٤) ﴿مِدْرَارًا﴾ دائماً ساكباً، وذلك أنفع ما يكون. وأصله من: دَرَّ اللبنُ: إذا نَزَل مُتتابعاً. وقيل: هو المطر في وقته. وقيل: كثير البركة. ومفعال من بناء المبالغة، يستوي فيه المذكر (٥) والمؤنث. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ شدة إلى شدتكم.

стр. 756

وقيل: عزاً إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم. عكرمة: ولد الولد (١). وذلك أن الله حبس عنهم (٢) القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، فوعدهم هود ﵇ المطر والأولاد على الإيمان والاستغفار والتوبة. ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ مشركين. ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ برهان وحجة ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: لانترك عبادة آلهتنا عن جهة قولك، كما تقول: جئته عن يمينه. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ بمصدقين. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ﴾ أي: ما نقول فيك إلا قولنا: ﴿اعْتَرَاكَ﴾: أصابك. ﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ بجنون وخبل بسبب سبّك إياها، فصرت تتكلم بما نسمع. ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾ أني برئ من آلهتكم التي تخوفونني بها. وقيل: معناه: أني برئ (٣) من الأصنام، فسموني ما شئتم. ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ يريد: أنتم وآلهتكم، أي: احتالوا في هلاكي. ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ (٤) ولا تؤخروني فإني على ثقة من ربي ولا تقدرون على إساءتي. ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ فوضت أمري إلىه (٥) ﴿رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ خالقي وخالقكم ﴿مَا

стр. 757

مِنْ دَابَّةٍ﴾ حيوان يدب (إلا هو آخذ بناصيتها) أي: هو (١) مقتدر عليه متمكن من تصريفه (٢) فيما يريد. والناصية: شعر مقدم الرأس. وقيل: قُصاصُ الشعر. وقيل (٣): ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ يحييها ويميتها. وقيل: يقهرها، لأن من أخذت ناصيته فقد قهر، ومنه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق: ١٥]، و ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١]. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ يثيب المحسن ويعاقب المسيء. وقيل: هو (٤) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. وقيل: يحملكم على صراط مستقيم، وهو الإسلام. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تعرضوا ولم تؤمنوا ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ من الإعذار والإنذار. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا أقام خلفاء يكونون سكان الأرض بعدكم. ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ لا يضره إهلاككم وكفركم. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ أي: مستول عليه. وقيل: لكل شيء حافظ. وقيل: يحفظ أعمال العباد ليجازى عليها.

стр. 758

وقيل: معناه يحفظني منكم. وهذه الآية من كلام هود لعاد. وقيل: استئناف، أي: قل يا محمد لأمتك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الآية. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: عذابنا. وقيل: أمرنا بعذاب عاد. ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ جاء في التفسير أنهم كانوا أربعة آلاف (١). ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾ وهو الريح التي أهلكت عاد بها. وقيل: هو عذاب يوم القيامة. ﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ قبيلة عاد ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أنكروها ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ هوداً، أي: كفروا به، وجَمَعَ لأن الكفر بواحدٍ منهم كفر بالجميع ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ﴾ كافر قهار يجبر غيره على ما يريد. وباب فَعَّال: فَعَلَ، وقد جاء من أَفْعَل: أجبر فهو جبّار، وأدرك فهو درّاك. والجبار في حق الله: من الجبر، وهو الإصلاح، ويجوز أن يكون: من أجبر أيضاً (٢). ﴿عَنِيدٍ (٥٩)﴾ طاغ باغ. تقول: عَنَدَ عَنَدَاً وعَنْدَاً وعُنُوداً (٣): إذا تجبر وطغى، وعَنَدَ عن الحق: مال.

стр. 759

وقيل: هو فعيل من لفظ عندي كان فيه معنى الإعجاب وحسن الظن بنفسه وما عنده. والمعنى: عصوا من في طاعته سعادتهم وأطاعوا من في طاعته شقاوتهم. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: بعد هلاكهم تلعنهم الملائكة والمؤمنون. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يجوز أن تكون عطفاً على محل (١) ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾، كقول الشاعر (٢): إذا ماتلاقينا من اليوم أو غدا. ويجوز أيضاً (٣): أن يكون تقديره: ولعنة يوم القيامة، فحذف المضاف (٤)، أي: ويلعنون أيضاً يوم القيامة. ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ ﴿أَلَا﴾: يذكر قبل الكلام يعظم موقعه، ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أي: كفروا بربهم، فحذف الجار، وقيل: كفروا نعمة ربهم. ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ أي: أبعدهم بعداً، كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]، ويحتمل: أبعدهم فبعدوا بعداً. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وأرسلنا صالحاً إلى ثمود، وكانت منازل ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، ومنازل عاد كانت باليمن. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحده وأطيعوه. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم من غير استعانة بشيء من الأسباب.

стр. 760

﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يريد آدم أبا البشر وولده تبع له. وقيل: أنشأكم في الأرض. وقيل: أنشأكم بنبات الأرض، حكاه الماوردي (١). ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أعاشكم، من: العمر، فيكون استعمر وأعمر بمعنىً، نحو: استحياه وأحياه: إذا تركه حياً، ومثل ذلك: استغواه وأغواه، واستهلكه وأهلكه. وقيل: من العمارة، أي: أقدركم على العمارة وجعلكم عمارها. مجاهد: من العُمْرَى (٢)، تقول: أعمرت فلاناً داراً: إذا (٣) جعلتها له عمره. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ سبقت (٤). ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ لراجيه ﴿مُجِيبٌ (٦١)﴾ لداعيه. ابن عيسى: قريب هاهنا: من الإسراع لا من قرب المكان، أي: سريع الإجابة (٥). ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ لما كنت عليه من العقل والرأي والعفة والسداد وكنا نرجوا أن تكون لنا سيداً. وقيل: كنا نرجوا أن تعود إلى ما نحن (٦) عليه، لأنه كان يخالفهم في عبادة

стр. 761

الأصنام ولا ينهاهم عنها قبل هذا (١) اليوم. الماوردي: من الإرجاء، وهو سهو (٢). ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ يريد الأصنام ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ تهمة وحيرة ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ يعنون عبادة الله وتوحيده ﴿مُرِيبٍ (٦٢)﴾ موقع في (٣) التهمة موجب لها. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أعلمتم، وهو هاهنا معلق، لأن باب الظن يعلق عن (٤) الشرط كما يعلق عن الاستفهام واللام وما النفي (٥). ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ بيان وبصيرة ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ نبوة ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من يعينني على الله ويمنعني من عذابه ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان. والفاء في قوله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾ جزاء الشرط الأول، وجزاء الشرط الثاني محذوف دل عليه الأول، كما تقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلاناً. ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ باحتجاجكم بقولكم ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾ نسبتي إياكم إلى الخسران. تقول: خسَّرته كما تقول: فسّقته وزَنّيته، إذا نسبته إلى شيء من ذلك.

стр. 762

ابن عباس: ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾: بصارة في خسارتكم (١). الفراء: غير تضليل (٢). وقيل: معناه: ما يزدادون إلا خساراً، فنسبه إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان يسألهم الإيمان. وقيل: إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه كنت بمنزلة من يزداد الخسران. وقيل: ما تزيدونني على ما أنا عندكم إلا تخسيراً. ابن بحر: إن انتصرت بكم لمّا (٣) تزيدونني إلا خساراً. ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ سألوا صالحاً آية ليؤمنوا بها (٤)، فأظهر الله الناقة فلم يؤمنوا، وهو قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ تدل على صدقي وصحة نبوتي، وهي نصب على الحال والعامل فيها معنى الإشارة. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ ترع، والأكل عام في كل ما يغتذى، أي: ترعى نبات الأرض وتشرب ماءها ولكم درها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ عقر أونحر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾ يريد في الدنيا. ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ﴾ صالح ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾ أي: عيشوا في منازلكم. وقيل: المراد بدراكم: دار الدنيا. وقيل: إنما وحد لأن المراد بها البلد. ويحتمل كل واحد في داره.

стр. 763

﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثم يهلكون (١). ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ أي: غير مكذوب فيه. وقيل: ﴿مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ مصدر، كالمعقول والمحصول. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: العذاب. وقيل: أمرنا بالعذاب. ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي: نجيناه من العذاب بالصيحة ومن الخزي. ابن عيسى: الخزي: العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيا من مثله. وبنى ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ على الفتح فيمن فتح (٢) لأنه أضيف إلى مبني، ونون (إذ) لأنه عوض مما حذف وهي الجملة المقدرة، ومن جرّه فللإضافة (٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ فلا يغلب ولا يمتنع عليه شيء. ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل ﵇. والصيحة: خرور (٤) صوت في فم وحلق حيوان. ابن بحر: الصيحة: العذاب، كما تقول: صاح فلان بفلان: إذا زجره وردعه. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ﴾ منازلهم ﴿جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ ميتين صرعى. والجثوم: السقوط على الوجه، وقيل: القعود على الركب.

стр. 764

فأماتهم الله إلا رجلاً كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله، وجاء في الخبر أنه أبو ثقيف (١). ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا فيها لانقطاع آثارهم بهلاكهم بأجمعهم، إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي النازل بهم. ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ سبق (٢). ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈. وقيل: كان جبريل في اثني عشر ملكاً. ﴿بِالْبُشْرَى﴾ بالبشارة بالولد. وقيل: بشروه (٣) بهلاك قوم لوط. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: سلموا سلاماً، فهو نصب على المصدر، كما تقول: كلموا كلاماً، وأعطوا عطاء، وأنبت نباتاً. وقيل: نصب لأنه مفعول القول (٤)، وإذا وقعت بعد القول جملة: حكيتها، وإن وقع بعده مفرد بمعنى الجملة: نصبته، نحو: قل الحمد لله، حكيت الجملة، وفي المفرد نحو: قُلتَ (٥) حقاً، إذا قال المؤذن الله أكبر، لأن حقاً بمعنى (٦) الله أكبر، وهو لم يلفظ به (٧).

стр. 765

﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ أي: وعليكم سلام. وللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن شيء ثابت، والنصب طلب إيقاع ما لم يقع، فصار مندرجاً في قوله تعالى ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]. وقرئ (سِلْم) (١) وله وجهان: أحدهما: سلم وسلام لغتان، كحرْم وحرام وحل وحلال. والثاني: سِلْم: صُلحٌ، وعن النبي ﷺ (٢)، أي: نحن سلم والأمر سلم. الزجاج: أمري معكم سلام (٣). الفرّاء: هو سلام إن شاء الله فمن أنتم (٤). ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ ما أبطأ، ومعنى لبث ومكث: أقام أكثر من ساعة. ﴿أَنْ جَاءَ﴾ أي: عن أن جاء، فهو خفض عند الخليل ونصب عند غيره. ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ محنوذ، وهو المشوي بالحجارة المحماة. مجاهد: مطبوخ (٥).

стр. 766

الحسن: نضيج مشوي (١). شمر (٢): مشوي (٣) يقطر ودكه (٤)، من قولهم: حنذت الفرس: إذا عرقته بالجلال (٥). وقيل: حنيذ: سميط (٦). السدي: حنيذ: سمين (٧). ظنهم أضيافاً والملائكة لا يأكلون ولا يشربون. الحسن: أتوه على صورة الأضياف لأنه كان يحب قرى الضيوف (٨). ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: فلما رآهم لا يأكلون الطعام ولا يمدون أيديهم إليه. ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم. ونكر وأنكر لغتان.

стр. 767

قال الأعشى (١): وأَنْكَرَتْنِي وماكان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلَعَا فجمع اللغتين في البيت. ابن عيسى: نكرته أشد مبالغة، وإنما نكرهم لأنهم لم يتحرموا بطعامه (٢) فلم يأمن أن يكون ذلك لبلاء (٣). ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وقع في نفسه خوف منهم (٤). والإيجاس: الإدراك، أي (٥): أدرك وأحسّ (٦) بخوف حدث في نفسه. وجاء في الخبر أن إبراهيم ﵇ سأل الملائكة عن تركهم الأكل فقالوا: لا نأكل إلا بثمن، قال إبراهيم ﵇: فإن ثمنه أن تسموا الله، فقالوا: الله أعلم بهذا حين اتخذه خليلاً (٧). وذكر المفسرون أنه أرعد من خوفهم (٨). ﴿قَالُوا﴾ له (٩) ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ أي: نحن ملائكة الله بُعثنا لعذاب قوم لوط. ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ لخدمة الأضياف، وكان لا تحتجب نساؤهم كعادة الأعراب

стр. 768

ونازلة البوادي والصحراء، ولم يكن التبرز مكروهاً، وكانت عجوزاً وخدمة الضيفان مما يعد من مكارم الأخلاق. وقيل: كانت سارة قائمة وراء الستر تسمع ما يجري بين إبراهيم وبين الضيفان. وقيل: دعا جبريل فأحيا الله العجل المشوي فقام يَطْفِر (١)، فخرجت سارة لهذه العجيبة. المبرد: وامرأته قائمة (٢) عن الولد (٣). وقيل: كانت قائمة تصلى (٤). وفي الشواذ: (وامرأته قائمة وهو جالس) (٥). قوله ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: تبسمت سروراً بالأمن لأنها خافت كما خاف إبراهيم ﵇. وقيل: ضحكت تعجباً من إحياء الله العجل المشوي وطَفْرِه وعدوه إلى مرعاه. وقيل: ضحكت من خوف إبراهيم وهو (٦) بين أهله وحشمه. وقيل: ضحكت من امتناع الضيف من الأكل ولم تكن رأت مثل ذلك. وقيل: ضحكت من البشارة بالولد، وفيها (٧) تقديم وتأخير، أي: بشرناها (٨) بإسحاق فضحكت.

стр. 769

وقال محمد بن قيس: لما امتنعوا من الطعام وكانت لهم شارة وشباب وجمال ظنت أنهم على رأي قوم لوط في اللواط (١) فضحكت تعجباً من ذلك (٢). والضحك خاصة للإنسان، إذا رأى العجيب (٣) البديع حصل في مادة البدن هيئة (٤) الضحك. عكرمة ومجاهد: ضحكت: حاضت، ورواه الخليل أيضاً (٥). وقالوا: ضحكت الأرنب: إذا حاضت. وقيل: ضحكت، أي: أشرق (٦) وجهها، كما تقول: الروضة تضحك (٧). وقيل: معنى حاضت: أقرب إلى البشارة بالولد، أي: رأت أمارة ذلك بعد البشارة أوقبلها (٨)، وأنشد (٩): وعهدي بسلمى ضاحكاً في لَبابة (١٠) ... ولم تعد حُقاً ثديها أن تحلما

стр. 770

أي: حائضاً في لبابة، واللَّبابَةُ والعِلْقَةُ والشوذر (١) واحد، ومنه: ضحكت الكافورة: إذا انشقت، وضحكت السَّمُرَة (٢): إذا سال صمغها، وهو يشبه الدم. ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ وبعد بشارة إسحاق بيعقوب (٣). وروى جماعة من المفسرين وكثير (٤) من أهل اللغة أو كلهم أن الوراء: ولد الولد، والعرب تقول: هذا ابني من الوراء، أي: ابن ابني، وهو مشكل في الآية جداً (٥)، ولم يبينه المفسرون، لأن الوراء إذا حملته على ولد الولد يكون أولاد يعقوب لا يعقوب، ووجه ذلك أن يقال: سمى ولد إسحاق وراء لأنهم وراءها، أي: أولاد أولادها، فبشر من بينهم بيعقوب لأنها رأته ولم تر غيره (٦). و﴿وَمِنْ﴾ للتبعيض، ووراء: يقع للجمع (٧)، كالولد، ومن رفع يعقوب فهو مبتدأ والجار والمجرور خبره تقدم عليه، ومن نصبه فبفعل مضمر، أي: وهبنا له يعقوب (٨).

стр. 771

وقيل: هو محمول على إسحاق لفظاً وتقديراً، أما اللفظ: فلأنه لا ينصرف، وأما التقدير: فلأنه المبشر به وهو مفعول، وفيه ضعف (١)، لأن الظرف حيل به بين الواو والمعمول، وباب (٢) هذا الشعر، كقوله (٣): يوماً (٤) تراها كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ ... العصب ويوماً أَديمُها نَغِلا ومن جعل هذا من باب العطف على العاملين (٥) فقد سها. وإنما خصت بالبشارة لظهور أثر الحبل (٦) عليها وهو الحيض على ماسبق. وقيل: جزاء على خدمتها للضيف (٧). وقيل: لأن النساء أعظم سروراً بالولد من الرجال. ويحتمل أن سارة خصت بالبشارة حيث لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل صلوات الله عليهم أجمعين. ويجوز أن الله سبحانه سمّاهما إسحاق ويعقوب (٨). ويجوز أن الله بشرها (٩) بالولد وولد الولد (١٠) ثم إنهما سمياهما (١١) بإسحاق ويعقوب. ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا﴾ إيذان بأمر فظيع. والويل: حلول الشر، والألف في آخره بدل من ياء الإضافة.

стр. 772

وقيل (١): يجري مجرى ألف الندبة، وهو ضعيف (٢). ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين سنة. وقيل: تسع وتسعين سنة. ﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ زوجي. والبعال: الجماع، وأصله: القائم بالأمر (٣)، ومنه: بَعْلُ النَّخْلَة: لاستغنائه عن تكلف السقي له (٤). ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة سنة. وقيل: ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: عرضت بقولها ﴿شَيْخًا﴾ عن ترك غشيانه لها، حكاه الماوردي (٥). و﴿شَيْخًا﴾: حال، والعامل (هَذَا) والجملتان حالان، والعامل فيهما ﴿أَأَلِدُ﴾. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ الولد من شيخين (٦) أمر عجيب لم يعهد مثله. استغربت من حيث العرف لا إنكاراً لقدرة الله. ﴿قَالُوا﴾ يعني الملائكة (٧) ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ استفهام تنبيه، و ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾: حكمه وقضاؤه. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يريد: يا أهل البيت، دعاء لهم. وقيل: اخبار وتذكير للنعمة، ومن بركاته: أن جميع الأنبياء بعده من نسله. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود على كل حال. وقيل: ﴿حَمِيدٌ﴾ يحمد المؤمنين من عباده. ﴿مَجِيدٌ (٧٣)﴾ يكثر الخير من قبله، ومنه: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ (٨).

стр. 773

والمجد: نيل الشرف، مَجَد فهو ماجِدٌ، ومَجُدَ فهو مَجِيد (١). الحسن: المجيد: الكريم (٢). وقيل: العظيم. ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الرَّوْعُ: الفَزَعُ، وبالضم (٣): القَلْبُ، تقول العرب: رِيْعَ رُوْعِي: خافَ قلبي، وأحسن ما تكون الظبية إذا ريعت. ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ سبق (٤). ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ القياس: جادلنا، لأن (لما) علم للظرف إذا وقع الشيء بوقوع غيره، وتقدير الآية: أخذ يجادلنا، وهو حكاية حال، والمعنى: يجادل رسلنا، أي: يكرر السؤال ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال، وأن ذلك واقع لا محالة أم على سبيل الإخافة. وقيل: جادلهم بقوله (٥): أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم، قالوا: لا، قال: أربعون، قالوا: لا (٦)، حتى بلغ الواحد، قالوا: لا، قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ الآية [العنكبوت: ٣٢]. وقيل: ﴿يُجَادِلُنَا﴾: يتشفع في قوم لوط، وقيل: يكلمنا. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ سبق في براءة (٧). ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة: يا إبراهيم ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدال. ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بعذابهم ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ غير مصروف عنهم. ثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط وكان بين قرية إبرهيم وقوم لوط أربع فراسخ، قاله الكلبي (٨).

стр. 774

﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ أي: لما أتوه وضافوه فرآهم وهيآتهم وجمالهم. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءه مجيئهم وأحزن بسببهم (١). ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضاق بمكانهم صدره، لأنه (٢) علم أنه سَيُدْفَعُ إلى الذبِّ عنهم (٣) والطرد دونهم (٤) وأن قومه (٥) يسارعون إلى أمثالهم. ابن عيسى: يقال: ضاق بأمره ذرعاً: إذا لم يجد من المكروه سبيلاً، ونسب إلى الذرع (٦) على عادة العرب في وصف القادر على الشيء المنبسط فيه بالتذرع والتبوع وطول اليد والباع والذراع، ثم (٧) يوضع ضيق الذرع (٨) مكان ضيق الصدر، وهو نصب على التمييز. ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ شديد في الشر، وكذلك عَصَبْصَبٌ، وأصله من العَصْبِ وهو الشدّ. وقيل: خافهم كما خاف إبرهيم (٩). ثم إن عجوز السوء خرجت وأخبرت (١٠) القوم بمجيئهم وقالت: ما رأيت أحسن منهم وجهاً ولا أطيب ريحاً ولا أنظف ثياباً، فأقبلوا نحوهم مسرعين، وهو قوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: لطلب الفاحشة منهم. والإهراع: الإسراع.

стр. 775

الكسائي: الإهراع: الإسراع مع رعدة (١). وقيل: هو الشوق العنيف. وجاء على لفظ المجهول كما جاء عُنيت بكذا وزُهيت علينا. وقيل: كان يسوق بعضهم بعضاً ويحث بعضهم بعضاً (٢). ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قبل مجيء الملائكة كانوا يعملون السيئات (٣)، كناية عن إتيان الذكران. وقيل: من قبل كانوا يأتون النساء في (٤) أدبارهن. والمعنى: أَلِفُوا (٥) الفاحشة فجاهروا بها ولم يستحيوا منها. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ قيل: أراد بنات صلبه، وهما ابنتان: زعورا وريثا (٦). وذكر المفسرون: أنه أراد أن يقي أضيافه ببناته (٧). وقيل: أراد بنات قومه، وكل نبي أبو أمته، ومنه قراءة من قرأ: (وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أب) (٨) [الأحزاب: ٦]، وهذا أولى لجمع البنات.
следующие страницы →