← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقيل: هو محمول على إسحاق لفظاً وتقديراً، أما اللفظ: فلأنه لا ينصرف، وأما التقدير: فلأنه المبشر به وهو مفعول، وفيه ضعف (١)، لأن الظرف حيل به بين الواو والمعمول، وباب (٢) هذا الشعر، كقوله (٣): يوماً (٤) تراها كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ ... العصب ويوماً أَديمُها نَغِلا ومن جعل هذا من باب العطف على العاملين (٥) فقد سها. وإنما خصت بالبشارة لظهور أثر الحبل (٦) عليها وهو الحيض على ماسبق. وقيل: جزاء على خدمتها للضيف (٧). وقيل: لأن النساء أعظم سروراً بالولد من الرجال. ويحتمل أن سارة خصت بالبشارة حيث لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل صلوات الله عليهم أجمعين. ويجوز أن الله سبحانه سمّاهما إسحاق ويعقوب (٨). ويجوز أن الله بشرها (٩) بالولد وولد الولد (١٠) ثم إنهما سمياهما (١١) بإسحاق ويعقوب. ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا﴾ إيذان بأمر فظيع. والويل: حلول الشر، والألف في آخره بدل من ياء الإضافة.

стр. 772

وقيل (١): يجري مجرى ألف الندبة، وهو ضعيف (٢). ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين سنة. وقيل: تسع وتسعين سنة. ﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ زوجي. والبعال: الجماع، وأصله: القائم بالأمر (٣)، ومنه: بَعْلُ النَّخْلَة: لاستغنائه عن تكلف السقي له (٤). ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة سنة. وقيل: ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: عرضت بقولها ﴿شَيْخًا﴾ عن ترك غشيانه لها، حكاه الماوردي (٥). و﴿شَيْخًا﴾: حال، والعامل (هَذَا) والجملتان حالان، والعامل فيهما ﴿أَأَلِدُ﴾. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ الولد من شيخين (٦) أمر عجيب لم يعهد مثله. استغربت من حيث العرف لا إنكاراً لقدرة الله. ﴿قَالُوا﴾ يعني الملائكة (٧) ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ استفهام تنبيه، و ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾: حكمه وقضاؤه. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يريد: يا أهل البيت، دعاء لهم. وقيل: اخبار وتذكير للنعمة، ومن بركاته: أن جميع الأنبياء بعده من نسله. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود على كل حال. وقيل: ﴿حَمِيدٌ﴾ يحمد المؤمنين من عباده. ﴿مَجِيدٌ (٧٣)﴾ يكثر الخير من قبله، ومنه: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ (٨).

стр. 773

والمجد: نيل الشرف، مَجَد فهو ماجِدٌ، ومَجُدَ فهو مَجِيد (١). الحسن: المجيد: الكريم (٢). وقيل: العظيم. ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الرَّوْعُ: الفَزَعُ، وبالضم (٣): القَلْبُ، تقول العرب: رِيْعَ رُوْعِي: خافَ قلبي، وأحسن ما تكون الظبية إذا ريعت. ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ سبق (٤). ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ القياس: جادلنا، لأن (لما) علم للظرف إذا وقع الشيء بوقوع غيره، وتقدير الآية: أخذ يجادلنا، وهو حكاية حال، والمعنى: يجادل رسلنا، أي: يكرر السؤال ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال، وأن ذلك واقع لا محالة أم على سبيل الإخافة. وقيل: جادلهم بقوله (٥): أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم، قالوا: لا، قال: أربعون، قالوا: لا (٦)، حتى بلغ الواحد، قالوا: لا، قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ الآية [العنكبوت: ٣٢]. وقيل: ﴿يُجَادِلُنَا﴾: يتشفع في قوم لوط، وقيل: يكلمنا. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ سبق في براءة (٧). ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة: يا إبراهيم ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدال. ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بعذابهم ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ غير مصروف عنهم. ثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط وكان بين قرية إبرهيم وقوم لوط أربع فراسخ، قاله الكلبي (٨).

стр. 774

﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ أي: لما أتوه وضافوه فرآهم وهيآتهم وجمالهم. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءه مجيئهم وأحزن بسببهم (١). ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضاق بمكانهم صدره، لأنه (٢) علم أنه سَيُدْفَعُ إلى الذبِّ عنهم (٣) والطرد دونهم (٤) وأن قومه (٥) يسارعون إلى أمثالهم. ابن عيسى: يقال: ضاق بأمره ذرعاً: إذا لم يجد من المكروه سبيلاً، ونسب إلى الذرع (٦) على عادة العرب في وصف القادر على الشيء المنبسط فيه بالتذرع والتبوع وطول اليد والباع والذراع، ثم (٧) يوضع ضيق الذرع (٨) مكان ضيق الصدر، وهو نصب على التمييز. ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ شديد في الشر، وكذلك عَصَبْصَبٌ، وأصله من العَصْبِ وهو الشدّ. وقيل: خافهم كما خاف إبرهيم (٩). ثم إن عجوز السوء خرجت وأخبرت (١٠) القوم بمجيئهم وقالت: ما رأيت أحسن منهم وجهاً ولا أطيب ريحاً ولا أنظف ثياباً، فأقبلوا نحوهم مسرعين، وهو قوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: لطلب الفاحشة منهم. والإهراع: الإسراع.

стр. 775

الكسائي: الإهراع: الإسراع مع رعدة (١). وقيل: هو الشوق العنيف. وجاء على لفظ المجهول كما جاء عُنيت بكذا وزُهيت علينا. وقيل: كان يسوق بعضهم بعضاً ويحث بعضهم بعضاً (٢). ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قبل مجيء الملائكة كانوا يعملون السيئات (٣)، كناية عن إتيان الذكران. وقيل: من قبل كانوا يأتون النساء في (٤) أدبارهن. والمعنى: أَلِفُوا (٥) الفاحشة فجاهروا بها ولم يستحيوا منها. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ قيل: أراد بنات صلبه، وهما ابنتان: زعورا وريثا (٦). وذكر المفسرون: أنه أراد أن يقي أضيافه ببناته (٧). وقيل: أراد بنات قومه، وكل نبي أبو أمته، ومنه قراءة من قرأ: (وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أب) (٨) [الأحزاب: ٦]، وهذا أولى لجمع البنات.

стр. 776

وقيل: كان في قومه رجلان مطاعان فأراد (١) أن يزوج ابنتيه منهما، وكان النكاح جائزاً بين المسلمة والكافر. الحسن: كانوا من قبل يخطبون بناته فيأبى، فحمله ضيق الأمر على أن ضمن إسعافهم (٢). وقيل: شرط عليهم الإيمان، بدليل قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. قوله ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي (٣): أنظف فعلاً، وقيل: أحلّ، وقيل: أعفّ. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ ولا تذلوني ولا تهينوني. وقيل: ولا تشوروني (٤) فيهم، من (٥) الخزاية، وهي: الاستحياء. وقيل: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: لا تهلكوني في حقهم، عد ذلك إهلاكاً (٦). ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ قيل: مؤمن، وقيل: آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر. عكرمة: من يقول: لا إله إلا الله (٧). و(ليس) في الآية بمعنى (ما) النفي، والاستفهام للإنكار. ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: لسن (٨) لنا بأزواج فنستحقهن.

стр. 777

وقيل: ﴿مِنْ حَقٍّ﴾: حاجة وشهوة. ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ أي: الذكران. وقيل: ادعوا في الضيفان حقاً حين نهوه عن إيواء (١) المرد من الضيفان (٢) وشرطوه أن يستبيحوهم، فلما أضاف أولئك ادعوا فيهم حقا للنهي المتقدم، فهذا باطل تعلقوا به. ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ أي: لو قدرت على دفعكم ببدني وقوتي أو انضم وأرجع إلى عشيرة ومنعةٍ ينصرونني لدفعتكم. وجواب (لو) محذوف. وعن زيد بن ثابت: أنه لو كان للوط مثل رهط شعيب لجاهد بهم قومه (٣). وعن ابن عباس ﵄: ما بعث الله بعد هذه الكلمة من لوط نبياً إلا في عزٍّ وثروة من قومه (٤). وروي عن النبي ﷺ أنه قال عند قراءة هذه الآية: (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد) (٥)، يريد: نصر الله وعونه. وقيل: جواب (لو): لأجبرتكم على ترك ما أنتم عليه، والله لا يجبر (٦).

стр. 778

وكان لوط ﵇ قد أغلق بابه دون ضيفه يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من المشقة والتعب بسببهم ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ لا تراهم بعد هذا، لأنا مهلكوهم. قيل: لن يصلوا (١) إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك، فلما سمع مقالتهم خَلَّى بين القوم وبين الدخول إلى منزله فدخلوا فضرب جبريل ﵇ بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم فصاروا لا يبصرون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، ويقولون في بيت لوط سحرة (٢)، كما أنت يا لوط حتى نصبح، يوعدونه، ثم قالوا (٣): إنا أُمِرْنَا أن نُهلكهم حين ينبلج الصبح، فاخرج أنت بمن آمن بك (٤) من أهلك، فذلك قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ الإسراء والسُّرَى: سير الليل، أي: سر بهم (٥) ليلاً. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قيل: بطائفة من الليل، وقيل: بنصف (٦) الليل، كأنه قطع نصفين، وقيل: بسواد الليل. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لا يتخلف منكم أحد (٧)، وقيل: لاينظر إلى ورائه (٨)، وقيل: معناه: لا يلتفت إلى ماله هناك، أي (٩): لا يبال به.

стр. 779

﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ النصب على الاستثناء من قوله: فأسر بأهلك إلا امرأتك، ومن (١) رفع فعلى البدل من ﴿أَحَدٌ﴾، ويجوز النصب من هذا الوجه أيضاً، والرفع أقيس (٢). مجاهد: تعبدوا بأن لا يلتفتوا إلى ورائهم (٣). وفي الخبر: أنها كانت مع لوط فلما رفع جبريل الأرض سمعت الهدّة فقالت: واقوماه، فأدركها حجر فقتلها (٤). ﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر ﴿مُصِيبُهَا﴾ من العذاب ﴿مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ موعد هلاكهم ﴿الصُّبْحُ﴾ وقت الصبح، فقال لوط: أريد الآن، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾ أي: الوقت الذي أمرنا بإهلاكهم فيه قريب، وهو أول الفجر. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ إهلاكنا، وقيل: جاء أمرنا بالعذاب، أي: قيل له: كن، وقيل: جاء أمرنا: هو الملائكة. ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أدخل جبريل جناحه تحت قرى قوم لوط: سدوم وعاموراء وداذوماء وصبوايم (٥)، وهي المؤتفكات، فرفعها حتى سمع أهل السماء

стр. 780

صياح الديكة ونباح الكلب، ثم جعل عاليها سافلها ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ على المدن، وقيل: على شذاذها ومسافريها ﴿حِجَارَةً﴾ أي: جعلنا الحجارة بدل المطر حتى أهلكهم من آخرهم ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فيه ثمانية أقوال: الأول: حجارة صلبة ليست من جنس حجارة الثَّلج والبَرَد. ابن عباس: فارسي معرب سنك وكل (١)، بدليل قوله ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ (٢) [الذاريات: ٣٣] .. الثاني: شديد من الحجارة، عن أبي عبيدة (٣). الثالث: من مثل السَّجْلِ في الإرسال، والسَّجْلُ: الدلو. الرابع: من: أَسْجَلْتُهُ: أَرْسَلْتُه. الخامس: من: أَسْجَلْتُهُ: أَعْطَيْتُهُ، وتقديره: من مثل العطية في الإدرار. السادس: من: السِّجِلِّ، وهو الكتاب، وتقديره: من مكتوب الحجارة، وهي حجارة (٤) كتب الله أن يعذبهم بها. السابع: من سجين، أي: من جهنم، أبدلت نونه لاماً. الثامن: من السماء الدنيا، وهي تسمى سجيلاً. حكاها ابن عيسى (٥)، وأحسن الأقاويل ما وافق القرآن، وهو قول ابن عباس: سنك وكل، لقوله ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذاريات: ٣٣]، ويقرب منه قول من قال:

стр. 781

من: السجل (١). ﴿مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ نُضِدَ بعضه على بعض حتى صار حجراً. وقيل: ﴿مَنْضُودٍ (٨٢)﴾: مصفوف في تتابع. نُضِدَتْ (٢) حين أمطرت كالمطر قطرة بعد قطرة. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة ببياض إلى حمرة من السماء. وقيل: مكتوب عليها اسم من أهلك بها. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خزائنه، وقيل: في علمه. وهب بن منبه: أمطر عليهم الكبريت والنار (٣). ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ يريد ظالمي أمة (٤) محمد ﷺ . وقيل: هو ترهيب لقريش. وقيل: هو في قوم لوط، وهم الظالمون، أي: لم يَبْعُد عن ظالم منهم بل أصاب جميعهم حيث كانوا، وذَكَّرَ بعيد: أي: بمكان بعيد. وقيل: حُمِلَ على لفظ الحجر. وقيل: ليس في لفظ ﴿هِيَ﴾ علامة التأنيث. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأرسلنا شعيباً إلى بني مدين، وقيل: ساكني مدين. ومدين هذا: يقال إنه (٥) ابن لإبراهيم، فصار اسماً للقبيلة، أو سميت البلدة

стр. 782

باسمه، وهو شاذ في القياس، كمزيد ومريم (١). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ المكيل بالمكيال والموزون (٢) بالميزان، أي: لا تبخسوا الناس حقوقهم. كانوا مع كفرهم مطففين. والكيل: تعديل الشيء بالمكيال في القلة والكثرة، والميزان: آلة الوزن، والوزن (٣): تعديل الشيء بالشيء في الخفة والثقل. ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ نعمة وخصب فلا حاجة بكم إلى التطفيف مع النعمة ورخص السعر. ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ قيل: هو غلاء السعر، وقيل: الاستئصال في الدنيا، وقيل: العذاب في الآخرة. ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أتموها (٤). والوفاء: تمام الحق، والإيفاء: إتمامه. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، مصدر أميت فعله، والفعل منه بالزيادة: أقسط. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ حقوقهم، ذكر بأعم الألفاظ. والبخس: ضد الإيفاء، وهو نقصان الحق. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾ العِثِيُّ والعَيْثُ: أشد الفساد (٥).

стр. 783

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ البقية: تَرِكَةُ شيء من شيء قد مضى، أي: ما أبقى الله لكم بعد إيفاء (١) الكيل والوزن خير لكم من التطفيف، لأن الله يجعل فيها البركة. وقيل: طاعة الله، لأنها تبقى. الحسن: فرائض الله (٢). وقيل: رزق الله. وقيل: رحمة الله (٣)، من قوله ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦]. وقيل: وصية الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: خير لكم بشرط الإيمان. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ يحفظ عليكم نعمكم، فاحفظوها بترك المعصية. وقيل: بحفيظ يحفظكم عن البخس. ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام، وكان كثير الصلاة. وقيل: أقراءتك تأمرك. وقيل: أدينك يأمرك. ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ عطف على ﴿مَا﴾، أي: نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، وليس بعطف على ﴿أَنْ﴾ في قوله ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾. وقرئ في الشواذ بالتاء (٤) فيكون عطفاً عليه أو يضمر (لا).

стр. 784

وقيل: الأمر يتضمن (١) معنى النهي والنهي يتضمن معنى الأمر، فصار تقديره: تأمرك بها (٢) وتنهاك عن هذا، فعلى هذه الوجوه يكون عطفاً على ﴿أَنْ﴾. و﴿أَوْ﴾ في الآية: قيل: بمعنى الواو، وقيل: هو كقولك (٣): يركب البغل أو الفرس، أي: مرة هذا ومرة ذلك (٤). ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ قيل: بزعمك. وقيل: أرادوا ضدهما استهزاءاً به. وقيل: قالوا له: إنك لأنت السفيه الجاهل، فرد لله عليهم وقال: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ وهو (٥) ضعيف، بل مردود. ويحتمل: أن التقدير: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ أي: كنا نظنك قبل هذا بهذه الصفة، كما قالوا لصالح: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢]. وما كانوا يفعلون في أموالهم هو البخس والتطفيف، وقيل: كانوا يقطعون الدراهم والدنانير فنهاهم عن ذلك. سفيان الثوري: كان يأمرهم بالزكاة، حكاه الماوردي (٦)، وإنما يصح هذا على القراءة الشاذة (٧).

стр. 785

ورشيد: فعيل، يصلح للفاعل والمفعول، تقول: رَشَدَ رُشْداً ورَشَدَاً فهو رَشِيدٌ، وأرشده الله فهو رشيد مُرْشَد ومُرْشِد فيهما جميعاً. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ بيان وبرهان ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ﴾ من الله، وقيل: من البيان (١). ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حلالاً من غير بخس وتطفيف. وقيل: علماً ومعرفة (٢). وقيل: نبوة. وجواب الشرط محذوف تقديره: أتكرهون ذلك، وقيل: تقديره: أفأعدل عنها (٣) وأتبع الضلال. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ معناه: لا أنهاكم عن شيء ثم آتيه. وقيل: معناه: لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما أريد إلا إصلاح (٤) أمركم قدر طاقتي (٥) على حسب قبولكم مني. ويحتمل: أن المراد به المدة والدوام، كما تقول: ما طلعت شمس وما ذرّ شارق، لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة. وقيل: ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ متعلق بالإصلاح.

стр. 786

﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ لدعائكم إلى الإسلام وترك التطفيف. ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ومعنى ﴿تَوْفِيقِي﴾: لا تكون أفعالي موافقة للصواب إلا بمعونة الله. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ استعنت به (١) ووثقت به. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ أرجع في السراء والضراء، وقيل: أرجع في المعاد، وقيل: له أدعوا. ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم ولا يحملنكم ﴿شِقَاقِي﴾ مشاقتي وعداوتي وخلافي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ الريح ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ الرجفة ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾ لا في الزمان ولا في المكان. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ سبق (٢)، وقيل: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: دوموا على التوبة. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين ﴿وَدُودٌ (٩٠)﴾ متحبب إلى عباده بالإحسان إليهم. وقيل: محب للمؤمنين. وقيل: محبوب المؤمنين، حكاه الثعلبي (٣). ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ ما نفهم وما نعقل ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ يريد التوحيد وترك البخس. ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ ضعيف (٤) البصر، وقيل: أعمى، عَمِيَ مِنْ كثرة

стр. 787

البكاء خشيةَ الله (١). وقيل: ضعيف البدن، وحِمْيَرُ تسمي الأعمى ضعيفاً (٢). ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ عشيرتك، وكان في عز ومنعة (٣) من قومه. قال (٤) قتادة: بلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف. ابن عيسى: أصل الرهط: الشَّدُّ، ومنه: التَرْهِيْطُ (٥): شِدَّةُ الأكل، والرَّاهِطاءُ، والرَّهْطُ أيضاً (٦): اسم لما دون العشرة (٧) من الرجل (٨)، وجمعه أَراهِطُ، وهو شاذ، ولا يقع الرَّهْطُ والعصبة والنفر إلا على الرجال (٩). ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾ قتلناك، وقيل: سبيناك. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ لست عندنا من أهل الكرامة والتوقير. وقيل: وما أنت علينا بذي غلبة. وقيل: ملك، وكانوا يسمون الملك عزيزاً.

стр. 788

﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أمنع، وهذا إنكار، أي: حفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ الظهري: المنسي المتروك الذي جعل كأنه خلف الظهر، فيكون الضمير في قوله ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ يعود إلى الله سبحانه، وقيل: إلى أمر الله، وقيل: إلى ما جاء به شعيب. والمعنى: لم تلتفتوا (١) إليه، وهذا قول جمهور المفسرين في الظهري (٢). وقيل: الظهري أيضاً: العون وما يتقوى به، وهو (٣) ظهري: أي: عُدتي، وفلان بين ظهريهم وظهرانيهم على التثنية. قال المبرد: فعلى هذا اتخذتم العصيان عدة لدفعي (٤)، وينبغي أن يكون وراء بمعنى قدام. ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ عالم به مجاز عليه. الحسن (٥): هو من قولهم حملت فلاناً على ظهرك إذا أظهرت عناده. ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ سبق في الأنعام تفسيره (٦). وقوله ﴿يُخْزِيهِ﴾ أي: يهلكه ويفضحه. ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ قيل: تقديره: ويخزي من هو كاذب، وقيل: عطف على

стр. 789

الأول، وهو الأظهر. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ انتظروا هلاكي ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾ لهلاككم. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قيل: الصيحة: الصياح، صاح بهم جبريل ﵇ فماتوا. وقيل: الصيحة ها هنا: العذاب، وإنما هلكوا (١) بالحرّ، وهم أهل يوم الظُّلة. وقيل: بعث الله شعيباً إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة، فأهلك أصحاب مدين بالصيحة كما في الآية، وأصحاب الأيكة بالحر، ويقويه ما بعده: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٩٥]، وثمود أهلكوا بالصيحة. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ ميتين صرعى هلكى ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ لم يقيموا ولم يكونوا فيها، شبّه هلاكهم بانقطاع آثارهم منها بما لم يكونوا فيها. ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكاً وإبعاداً ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ هلكت. بَعُد بالضم: ضد قَرُب، وبَعِد بالكسر: هلك. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ و (٢) هي المعجزات التسع. ﴿وَسُلْطَانٍ﴾ حجة واضحة نيّرة، واشتقاقه من: السليط، وهو: الزيت. ﴿مُبِينٍ (٩٦)﴾ واضح وموضح، وأبان: لازم ومتعد. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ. ﴿أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾ جواب لفرعون في قوله ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ [غافر: ٢٩] .. وقيل: معناه: وما أمره ذا صلاح (٣).

стр. 790

وقيل: الرشيد هاهنا: بمعنى المُرْشِد على ما سبق (١). ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يتقدمهم يقودهم إلى النار ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٢) وذِكْرُهُ بلفظ الماضي يحتمل (٣) وجهين: أحدهما: فأوردهم في الدنيا (٤) النار، أي (٥): إلى موجبه وهو الكفر. والثاني: أن ألفاظ القيامة أكثرها جاء بلفظ الماضي تحقيقاً، فيكون المعنى: يقودهم إلى أن يوردهم فيدخل قبلهم وهم خلفه. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ المدخل المدخول (٦) فيه النار، وهو ذمٌّ للنار، وقيل: للواردين، وأصله: من الورود: وهو إتيان الماء. ابن عباس ﵄: الوِرد: الدخول (٧). ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ يعني في هذه الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق (٨)، وقيل: ويلعنون (٩) يوم القيامة. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ العطاءُ المُعْطى والعَوْنُ المُعَان. وأصل الرِّفْد: شيءٌ يضاف إلى شيءٍ ليعمده ويقويه، تقول: رفدت الحائط، واسم ذلك: رِفْدٌ، ثم جُعِلَ كل إعانة رِفْداً، والمعنى: بئس العطاء المعطى، اللعنة بعد اللعنة.

стр. 791

﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك النبأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ نخبرك به ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ أي: عامر ﴿وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ ومنها حصيد خراب (١)، وأصل الحصد: قطع الشيء من أصله، ومعنى الحصيد: المحصود. وقيل: قائم بناؤها خالٍ عن أهلها، وحصيد: مطموس العين والأثر. وقيل: القائم: ما بقيت حيطانه، كقوله ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥]، والحصيد: المخسوف به وما قد محي أثره. ويحتمل: أن المراد بالقرى قرى من تقدم ذكرهم، وأن القائم منها: ديار قوم هود وصالح وموسى ﵈، والحصيد: ديار قوم نوح ولوط. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باتخاذهم الأصنام ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما نفعتهم ولا دفعت عنهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ العذاب ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ هلاك، وقيل: خسارة (٢)، من قوله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد ١]، وقيل: تدمير وتخسير. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما بيّنا من أخذه وإهلاكه ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ أي: أهلها (٣) ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: أهلها كافرون ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾ مؤلم ﴿شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ يعسر زواله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: إن في ذلك الذي نزل بالأمم المهلكة من أنواع العذاب لعبرة لمن خاف عذاب الآخرة، أي: اعتقد صحته ووجوده، وقيل: ﴿لَآيَةً﴾: علامة أن الله ينجز وعده للمؤمنين، وقيل: للأنبياء أن ينصرهم.

стр. 792

﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ يحشر الخلائق كلهم فيه وليس يوم (١) بهذه الصفة إلا يوم القيامة. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ يشهده أهل السموات والأرضين (٢). وفي تفسير ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ [البروج: ٣]: أن الشاهد محمد ﷺ والمشهود يوم القيامة. ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم المذكور، وقيل: الجزاء. ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ لوقت مؤخر عُيّن لوقوع أَمْرٍ ما فيه. ﴿مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ معلوم محسوب. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أي (٣): يوم يأتي الجزاء، ويحتمل: أن اليوم بمعنى الحين، أي: حين يأتي ذلك اليوم ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ بنفع من (٤) شفاعة أو وسيلة ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقيل: إن فيه وقتاً يمنعون عن الكلام إلا (٥) بإذن الله. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من الذين جُمِعُوا لمجيئ (٦) الأجل، وقيل: يعود إلى النفس (٧)، والمراد بها الإنسان ﴿شَقِيٌّ﴾ مستحق للنار (٨) سبقت له الشقاوة ﴿وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ أي: ومنهم سعيد مستحق للجنة سبقت له السعادة. وقيل: شقي معذب وسعيد منعم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾ الزفير: ابتداء صوت الحمار (٩) في النهيق، وأصله من المَزْفُور: وهو الشديد (١٠) الخَلْقِ، والشهيق: آخر صوت الحمار، وأصله الطول، من الجبل الشاهق. وقيل: الشهيق: الصوت الشديد يصدر عن اشتداد الكرب، وربما تبعته الغشية وتلاه الموت.

стр. 793

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مقدر، تقول العرب: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، والعامل فيه معنى الاستقرار في قوله ﴿فَفِي النَّارِ﴾. ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: دوام السموات والأرض، وأراد بالدوام: وقت الدوام، وقيد الخلود بالدوام: لأن العرب لا تفهم خلوداً لا نهاية له، وهذه لفظة (١) وضعت للدوام ولها أمثال. وفي هذه الآية والتي تليها سؤالان: أحدهما: أن السموات والأرض فانيات وأن بقاء أهل الدارين بصفة الدوام فكيف علق ما يبقى بما يفنى. والثاني: بم يتصل الاستثناء. وقد أكثر المفسرون والنحاة الكلام فيها (٢). أما السؤال الأول فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن العرب كانت تعتقد دوامهما، فخاطبهم على ما اعتقدوا وإن كان الله علم من شأنهما ما جهلوا. والثاني: أنهما تعادان، وإذا أعيدتا بقيتا إلى غير نهاية، يقويه قوله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .. والثالث: ما دامت السماء سماء والأرض أرضاً وهذا شيء (٣) لا يفارقهما في ذواتهما بقيتا أو فنيتا (٤). والرابع: ما دامت سماء الجنة وأرض النار. ويحتمل: أن المراد منه المعنى، لأن الكلام على ضَرْبَين: ضَرْبٌ يصل إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده (٥)، نحو: قام زيد وجلس عمرو، وضرب آخر لا يصل إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدل (٦) اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم (٧) تجد لذلك المعنى معنىً تَصِلُ به إلى الغرض، كقوله ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]، ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]، وفلان طويل النجاد كثير الرماد،

стр. 794

وكل (١) واحد من هذه يدل لفظه على معنى والمعنى على معنى آخر، وكذلك ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ دلَّ (٢) على الأبد بواسطة ألفاظ هي (٣) غير مرادة لها بل لمعنى المعنى. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو السؤال الثاني، وعنه (٤) عشرة أجوبة: أحدها: أن قوله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ يصرف إلى السموت والأرض والخلود بحاله، أي (٥): إلا أن يشاء الله فيهما ما يشاء. وقيل: إلا ما شاء الله من زيادة الدوام على دوام السماوات والأرض. وقيل: ﴿إِلَّا﴾ ها هنا بمعنى سوى، تقول: لك عليّ ألف إلا الألفان اللذان (٦) تعرفهما فيلزمك ثلاثة آلاف. وقيل: هذا الإطلاق يوجب أن يكونوا في حال الإخبار في الجنة أو في النار فاستثنى مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ. وقيل: مدة وقوفهم في القيامة قبل الدخول. وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ بزيادة العذاب على أهل النار وبزيادة النعيم على أهل الجنة. قال الفراء: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى الواو، أي: وما شاء ربك (٧). وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ بمعنى: مَنْ، وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم: الجَهَنَّمِيُّون (٨)، وهم المستثنون من أهل الجنة أيضاً لمفارقتهم إياها

стр. 795

بكونهم في النار أياماً، فهؤلاء (١) لم يشقوا شقاء من يدخل النار على التأبيد ولا سعدوا سعادة من لا تمسه النار. وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو (٢) ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه (٣) قال: ليأتينّ على جهنم زمان تطبق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً فيأمر الله النار فتأكلهم (٤). وقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عذاباً وأسرعهما خراباً (٥). ولهذا قال في الجنة ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨] ولم يقل مثله في النار. وروي عن الدهان وجه فيه جواب المسألتين (٦): وذلك أنه جعل ﴿مَا﴾ للنفي، و ﴿إِلَّا﴾ جواباً له على تقدير: لاتدوم السموات والأرض إلا مقدار ما شاء ربك، قال: ويكون المعنى: يدخلونها (٧) عن قريب (٨).

стр. 796

وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو لا يشاء غير تخليدهم. وقيل: لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب. ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ من غير اعتراض عليه. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ تقول: سَعَده الله فَسَعِد، ومسعود منه، وأَسْعَدَ هو المعروف في كلام العرب، كقوله (١): أَحَبَّ فهو محبوب، وقد جاء حَبَّهُ كما جاء سَعَده (٢). ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ غير مقطوع عنهم، و ﴿عَطَاءً﴾ نصب على المصدر، أي: أعطوا عطاء. وقيل: حال عن الجنة، كقوله (٣) ﴿نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾ [هود: ١٠٩] .. ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المرية: الشك (٤) تطلب معه اليقين، والفعل منه: امترى وتمارى ومارى غيره مماراة (٥) ومراء، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى (٦): لا تشك أن عبادة ما يعبدونه ضلال. والثاني: لا تشك أنها تقليد لآبائهم واقتداء منهم بهم. والثالث: أن الكفار نوعان: نوع: ينفون الصانع (٧)، ونوع: يقرون بالله ويعبدون الأصنام، أي: فلا تشك

стр. 797

في أن هؤلاء في الكفر كهؤلاء. ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هم كآبائهم في الكفر والتقليد، ومعنى ﴿كَمَا يَعْبُدُ﴾ كما كان يعبد، فحذف لأن ﴿قَبْلُ﴾ يدل عليه. ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾ قيل: من الرزق، وقيل: من الخير والشر، وقيل: من العذاب. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فصدقه قوم وآمن به، وكفر به قوم، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ . ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن أمة محمد ﷺ إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لأُهلكوا وفُرغ من عذابهم ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾ أي: ريب يوقع الريبة (١) ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ المؤمن والكافر. اختلف القراء (٢) في تخفيف ﴿وَإِنَّ﴾ وتشديده بعد إجماعهم على نصب كل (٣) إلا شاذاً، واختلفوا في تخفيف ﴿لَمَّا﴾ (٤) وتشديده، فمن خفف فلكراهة اجتماع اللامين، زيد بينهما (ما) وهي صلة، واللام الأولى لام الابتداء وهو الذي يدخل في خبر (إن) والثانية لام القسم، وقيل: (ما) بمعنى الذي، أي: للذي (٥) ليوفينهم، وقيل: بمعنى مَنْ، أي: لمن ليوفينهم، ومن شدّد فهو مشكل.

стр. 798

قال الكسائي: لا أعرف للتشديد وجهاً. قال أبو علي: لم يُبعد فيما قال (١). وقال (٢) بعضهم: معناه: إلا كما تقول نشدتك الله لمَّا فعلت كذا وإِلَاّ فعلت كذا، بالكسر، أي: ما أسألك (٣) بالله إلا كذا، وهذا بعيد، لأن الناصبة لا يقع بعدها (لما) ولا (إلا)، إنما يقعان إذا تقدمهما (٤) نفي وطلب. قال المازني (٥): أصله (لما) بالتخفيف فشدد، وهذا (٦) بعيد. وقال الفراء: أصله (لمن ما) فأدغم النون فصار ميماً ثم (٧) حذف وأدغم الميم المفتوحة، وهذا أيضاً (٨) كما ترى بعيد (٩).

стр. 799

وقيل: إنما هو لَمىّ، فَعْلَى من لمَمْتُ أو لَمّاً، فأُجري الوصل مجرى الوقف، وقد قريء (لَمّاً) في الشاذ (١)، كقوله ﴿أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾ [الفجر: ١٩]. ومعنى ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: أمرك (٢) ربك، وبلغ الرسالة وادع الناس إلى الإيمان بالله. عائشة في جماعة: استقم على القرآن (٣). السدي: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به الأمة (٤). قال ابن عباس (٥): ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن (٦) آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، قال (٧): ولهذا قال: (شيبتني سورة هود) (٨). ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي: آمن بك فليستقيموا. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ لا تجاوزوا أمر الله.

стр. 800

﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ يعلم أعمالكم فيجازيكم عليه (١). ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ابن عباس ﵄: لا تميلوا (٢). وقيل: لا ترضوا أعمالهم. وقيل: لا تدهنوا، من قوله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩]. وقيل: لا تلحقوا بالمشركين. وحقيقة الركون: السكون إلى الشيء بالمحبة له، تقول: رَكَنَ يَرْكُنُ بالفتح والضم: إذا مال، والرُّكْنُ: ناحية من الجبل أو الحائط قوية. ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ فيصيبكم العذاب. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذاب الله. ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ حال وليس بعطف، أي: حالكم حينئذ هذا. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ في سبب النزول بروايات جمّة وطرق مختلفة: أنها نزلت في رجل أتى النبي ﷺ فقال: إني قد أصبت من امرأة، غير أني لم آتها، فأنزل الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. وفي رواية أخرى: فقال الرجل: أَلِي خاصة يا رسول الله (٣) أم للناس عامة، فضرب عمر صدره، وقال: لا ولا نعمة عين، ولكن للناس عامة، فضحك رسول الله ﷺ ، فقال: صدق عمر (٤). وذكر الثعلبي أن اسم الرجل: أبو اليَسَرِ (٥) عمرو بن غزية الأنصاري (٦).

стр. 801

قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي: المفروضة ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: صلاة الصبح، واختلف في الطرف الثاني: ابن عباس: المغرب (١). القرظي: الظهر والعصر (٢). الضحاك: صلاة العصر (٣). مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف (٤). ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ العشاء الاخرة. الحسن: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء (٥). والزُّلفة: الساعة من الليل، والزُّلفة: المنزلة والقربة، ومنه الزُّلفى والمزدلفة. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ إن الصلوات الخمس (٦) تذهب بالذنوب. وفي الحديث: إن الصلوات الخمس تكفر مابينها من الذنوب (٧).

стр. 802

الحسن: إذا كان قبل الأذان ينادى منادٍ: يا بني آدم قوموا فأطفئوا نيرانكم إن الحسنات يذهبن السيئات (١). وقيل: الحسنات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله (٢) والله أكبر. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الذي ذكرنا. وقيل: القرآن. ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ أي: لمن شأنه أن ينتبه (٣) إذا نبه. ﴿وَاصْبِرْ﴾ على الصلوات ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ المصلين. هو كقوله ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وقيل: واصبر فإن بالصبر تنال درجة المحسنين. وقيل: واصبر على ما يصيبك من أذى قومك. ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فهلا كان، وهو موضوع للتحضيض ومختص بالفعل. وقيل: هو مركب من (لو) (٤) الذي للتمني و (لا) النافية، أي: لم يكن (٥) المتمني كونه. والبقية: الباقي من الشيء، أي: بَقِيَتْ له بقية من الرأي والعقل والتمييز والبصيرة فيعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ. ابن عيسى: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أصحاب جماعة تبقى من نسلهم. ابن بحر: من يبقي على نفسه وقومه من عذاب الله تعالى. والمعنى: لو كان منهم مَنْ هذه صفته لما نزل بهم العذاب. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: لكن قليلاً منهم أنجيناهم لأنهم كانوا بهذه الصفة، والاستثناء منقطع. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: عودوا التُّرْفَةَ بالنعيم واللذة، والتُّرْفَةُ عادة النَّعْمَة.

стр. 803

وقيل: أُبطروا فيه (١). والمعنى: آثروا الدنيا والتنعم فيها على الآخرة. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ كافرين. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ أي: بظلم من الله وأهلها مصلحون مؤمنون (٢) محسنون. وقيل: بظلم منهم، أي: بعضهم، والأكثر على الصلاح. وقيل: بظلم منهم، وهو الشرك، وأهلها مصلحون في المعاملات فيما بينهم لا (٣) يظلم بعضهم بعضاً، لأن مكافأة الكفر والشرك: النار، وإنما أهلك من أهلك (٤) بالتعدي في الشرك. وقيل: وفيهم مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: مسلمين كلهم، لكن لم (٥) يشأ ذلك. ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾ في الأديان، كاليهود والنصارى والمجوس. والاختلاف: اعتقاد كل واحد نقيض ما يعتقده (٦) الآخر. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فهداه إلى الإيمان فإنه ناج من الاختلاف بالباطل، والاستثناء منقطع. الحسن: لا يزالون مختلفين (٧) في الأرزاق والأحوال من تسخير بعضهم لبعض (٨). وقيل: معنى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾: لايزال الخَلَفُ فيهم يتبع السلف (٩).

стр. 804

والاختلاف: افتعالٌ مِنْ: خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ، إذا قام بالشيء (١) بعده مقامه، فخلفوا واختلفوا، كقولهم (٢): قتلوا واقتتلوا، فعلى هذا يكون اعتراضاً، والتقدير: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة كفاراً إلا من رحم ربك (٣) فهداه، ولايزالون مختلفين. قوله ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: للرحمة خلقهم، واللام لام العاقبة. ابن عيسى: على الاختلاف خلقهم (٤)، واللام تعاقب على في مواضع، تقول: أكرمتك لبرك وعلى برك (٥). وقيل: للاختلاف (٦) والرحمة خلقهم، فوحد، كقوله ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٧) [البقرة: ٦٨]. وقيل: للسعادة والشقاوة. وقيل: للجنة والنار. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعيده. وقيل: هي قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾. وقيل: يمينه وهي: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٨) أي: منهما لا من أحدهما، وليس ذلك للإحاطة. وقيل: من عصاة الجنة والناس أجمعين، فيكون للإحاطة. ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ أي: نتلوا عليك من أخبارهم ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ نسكن به فؤادك فيقوى به قلبك فتطيب به وتصبر صبرهم.

стр. 805

و ﴿وَكُلًّا﴾ منصوب بالمصدر (١)، أي: وكل القصص نقصّ (٢). وقيل: هو مفعول نقص. و﴿مَا نُثَبِّتُ﴾ منصوب بدل عن ﴿وَكُلًّا﴾. ابن عيسى: الفؤاد: العضو الذي يحمى بالغضب الذي يحل (٣) فيه، مِنْ المُفْتَأَد، وهو المشوي (٤)، وأنشد (٥): كأَنَّه خارجاً من جنبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْب نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأَدِ ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ﴾ أي: في هذه السورة. وقيل: في هذه الانباء. وقيل: في هذه السورة مع سائرها. وقيل: في هذه الدنيا. ﴿الْحَقُّ﴾ النبوة ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ عبرة لمن اعتبر وتذكرة لمن تذكر. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١)﴾. ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ سبق (٦). ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابن عباس: خزائنهما (٧).

стр. 806

وقيل: ما غاب عن العباد. وقيل: غيب نزول العذاب. وقيل: ما اشتملت عليه السموات والارض. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ يوم الدين فلا يبقى لأحد فيه ملك ولا أمر. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ وحده وأطعه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ثق به وفوض أمورك (١) إليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾. روي عن عن كعب الأحبار أنه قال: خاتمة التوراة هذه الآية (٢). والحمد لله حق حمده (٣).

стр. 807

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة يوسف (١). مكية عند الجمهور (٢). قال ابن عباس: مكية إلا أربع آيات من أول السورة (٣). عكرمة والحسن: مدنية (٤). روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ في قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، قال: أُنزل القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زماناً، فقالوا (٥): يا رسول الله: لو قصصت، فأنزل الله هذه السورة وفيها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله: لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، قال: كل ذلك يؤمرون (٦) بالقرآن (٧).

стр. 808

ويروى أن الصحابة قالوا: يا رسول الله: لو ينزل الله سورة ليس فيها أمر ولا نهي ولا وعد ولا وعيد فنتنزه بقراءتها وتنفتح بها قلوبنا، فأنزل الله هذه السورة (١). وروي أيضاً: أن علماء اليهود قالوا لأصحاب النبي ﷺ : سلوا صاحبكم محمداً: لماذا انتقل يعقوب من أرض كنعان إلى مصر؟ فأنزل الله هذه السورة (٢). وروي أيضاً: أن اليهود افتخرت بأن في كتابنا قصة يوسف وليس ذلك في كتابكم، فأنزل الله قصة يوسف في سورة واحدة على أحسن ترتيب وأعجب نظام (٣). (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ سبق بيان الحروف أول البقرة وغيرها. وقوله ﴿الْمُبِينِ (١)﴾ أي: حلاله وحرامه وما تحتاجون إليه من أمر دينكم. وأبان لازم ومتعد. وقيل: ظاهر في نفسه أنه كلام الله. وقال معاذ بن جبل ﵁: المبين للحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم، وهي ستة، حكاه المفسرون (٤). وأراد بالستة: الصاد والضاد والطاء والظاء والعين والحاء، وكذلك الثاء والقاف (٥)، وأما الذال المعجمة فلا تقع أيضاً في أوائل الكلم (٦) العجمية، وإذا وقع في الحشو والآخر: فمنهم من جعله دالا ومنهم من جعله ذالاً. والمعنى: نبيّن بهذه الحروف أن هذا القرآن عربي وبلسانكم يا معشر العرب.

стр. 809

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يعني الكتاب، وقيل: نبأ يوسف، وقيل: يعود إلى القرآن (١). و﴿قُرْآنًا﴾ مصدر قرأتُ، أي: تقرأ قرآناً. وقيل: أنزلناه مجموعاً. ويحتمل أنه كناية عن (٢) المصدر، أي: أنزلنا قرآنا عربياً إنزالاً (٣). و﴿عَرَبِيًّا﴾ بلسان العرب وبلغتهم. والعربي منسوب إلى العرب، والعرب جمع عربي، كرومي وروم، وهو منسوب إلى أرض يسكنونها، وهي عَرَبَةُ، باحةُ (٤) دار إسماعيل ابن إبراهيم ﵉. قال الشاعر (٥): وعَرْبَةُ أرضٌ (٦) ما يُحِلُّ حَرامها ... من الناس إلا اللوذعيُّ الحُلاحِلُ (٧) يعني النبي ﷺ أُحلت له (٨) مكة، وسكنها الشاعر ضرورة (٩).

стр. 810

وإن شئت قلت نُسب القرآن إليها ابتداء، أي: على لغة أهل هذه القرية. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ لكي تفهموا معانيه، وقيل: لتكونوا على رجاء فهم معانيه. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نتلوا عليك ونتبع بعض الحديث بعضاً. ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أحسن البيان، فهو مصدر، وقيل: القصص: المفعول، كالسَّلَب والطَّلَب للمصدر والمفعول (١)، والأحسن: الأعظم في الحُسن (٢). وقيل: أحسن من الأمور السالفة والكتب الماضية. وقيل: هو بمعنى الحسن، كقوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وأحسن القصص: جميع القرآن، وهو الظاهر (٣). وقيل: هو (٤) قصة يوسف ﵇، وسماها أحسن القصص لاشتمالها على ذكر حاسد ومحسود ومالك ومملوك وعاشق ومعشوق وشاهد ومشهود وحبس وإطلاق وسجن وخلاص وخصب وجدب وغيرها (٥) مما يعجز عن بيانها طوق البشر. ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي: بإيحاءنا، و (ما) للمصدر، وقيل: بمعنى الذي، وفيه بعد (٦).
следующие страницы →