← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقيل: ما غاب عن العباد. وقيل: غيب نزول العذاب. وقيل: ما اشتملت عليه السموات والارض. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ يوم الدين فلا يبقى لأحد فيه ملك ولا أمر. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ وحده وأطعه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ثق به وفوض أمورك (١) إليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾. روي عن عن كعب الأحبار أنه قال: خاتمة التوراة هذه الآية (٢). والحمد لله حق حمده (٣).

стр. 807

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة يوسف (١). مكية عند الجمهور (٢). قال ابن عباس: مكية إلا أربع آيات من أول السورة (٣). عكرمة والحسن: مدنية (٤). روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ في قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، قال: أُنزل القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زماناً، فقالوا (٥): يا رسول الله: لو قصصت، فأنزل الله هذه السورة وفيها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله: لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، قال: كل ذلك يؤمرون (٦) بالقرآن (٧).

стр. 808

ويروى أن الصحابة قالوا: يا رسول الله: لو ينزل الله سورة ليس فيها أمر ولا نهي ولا وعد ولا وعيد فنتنزه بقراءتها وتنفتح بها قلوبنا، فأنزل الله هذه السورة (١). وروي أيضاً: أن علماء اليهود قالوا لأصحاب النبي ﷺ : سلوا صاحبكم محمداً: لماذا انتقل يعقوب من أرض كنعان إلى مصر؟ فأنزل الله هذه السورة (٢). وروي أيضاً: أن اليهود افتخرت بأن في كتابنا قصة يوسف وليس ذلك في كتابكم، فأنزل الله قصة يوسف في سورة واحدة على أحسن ترتيب وأعجب نظام (٣). (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ سبق بيان الحروف أول البقرة وغيرها. وقوله ﴿الْمُبِينِ (١)﴾ أي: حلاله وحرامه وما تحتاجون إليه من أمر دينكم. وأبان لازم ومتعد. وقيل: ظاهر في نفسه أنه كلام الله. وقال معاذ بن جبل ﵁: المبين للحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم، وهي ستة، حكاه المفسرون (٤). وأراد بالستة: الصاد والضاد والطاء والظاء والعين والحاء، وكذلك الثاء والقاف (٥)، وأما الذال المعجمة فلا تقع أيضاً في أوائل الكلم (٦) العجمية، وإذا وقع في الحشو والآخر: فمنهم من جعله دالا ومنهم من جعله ذالاً. والمعنى: نبيّن بهذه الحروف أن هذا القرآن عربي وبلسانكم يا معشر العرب.

стр. 809

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يعني الكتاب، وقيل: نبأ يوسف، وقيل: يعود إلى القرآن (١). و﴿قُرْآنًا﴾ مصدر قرأتُ، أي: تقرأ قرآناً. وقيل: أنزلناه مجموعاً. ويحتمل أنه كناية عن (٢) المصدر، أي: أنزلنا قرآنا عربياً إنزالاً (٣). و﴿عَرَبِيًّا﴾ بلسان العرب وبلغتهم. والعربي منسوب إلى العرب، والعرب جمع عربي، كرومي وروم، وهو منسوب إلى أرض يسكنونها، وهي عَرَبَةُ، باحةُ (٤) دار إسماعيل ابن إبراهيم ﵉. قال الشاعر (٥): وعَرْبَةُ أرضٌ (٦) ما يُحِلُّ حَرامها ... من الناس إلا اللوذعيُّ الحُلاحِلُ (٧) يعني النبي ﷺ أُحلت له (٨) مكة، وسكنها الشاعر ضرورة (٩).

стр. 810

وإن شئت قلت نُسب القرآن إليها ابتداء، أي: على لغة أهل هذه القرية. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ لكي تفهموا معانيه، وقيل: لتكونوا على رجاء فهم معانيه. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نتلوا عليك ونتبع بعض الحديث بعضاً. ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أحسن البيان، فهو مصدر، وقيل: القصص: المفعول، كالسَّلَب والطَّلَب للمصدر والمفعول (١)، والأحسن: الأعظم في الحُسن (٢). وقيل: أحسن من الأمور السالفة والكتب الماضية. وقيل: هو بمعنى الحسن، كقوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وأحسن القصص: جميع القرآن، وهو الظاهر (٣). وقيل: هو (٤) قصة يوسف ﵇، وسماها أحسن القصص لاشتمالها على ذكر حاسد ومحسود ومالك ومملوك وعاشق ومعشوق وشاهد ومشهود وحبس وإطلاق وسجن وخلاص وخصب وجدب وغيرها (٥) مما يعجز عن بيانها طوق البشر. ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي: بإيحاءنا، و (ما) للمصدر، وقيل: بمعنى الذي، وفيه بعد (٦).

стр. 811

﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ هي المخففة من المثقلة، ويلزم بعدها لام الفرق (١)، وليست بالتي تدخل خبر (إن) وهي مثقلة. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن، وقيل: القصص. ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ أي: عن قصة يوسف، وقيل: عَمَّا عَرَّفك الله بالقرآن. ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ واذكر إذ قال، ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، فيكون مفعولاً به على الاتساع (٢)، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ [يوسف: ٥] (٣). ﴿لِأَبِيهِ﴾ يعقوب، وهو اسم عجمي (٤)، وقيل: سمي يعقوب لأخذه عقب عيص عند الولادة. ويوسف اسم (٥) أعجمي، وقيل: من الأَسَفِ أوالأَسِيْف، ولعل هذا على (٦) قراءة من همز (٧)، وتكون العلتان: التعريف ووزن الفعل. وزعم أهل الكتاب أن معنى يوسف بالعجمية: فيروز. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) (٨).

стр. 812

﴿يَاأَبَتِ﴾ التاء عند النحويين بدل من ياء الإضافة وخُصَّ بالنداء، وقيل: هي تاء التأنيث كعمة وخالة، ولكن (١) لما جعل للأم (٢) اسم مفرد جعل الأب والأبة (٣) للأب، ويحتمل أن يكون بدلاً من الواو التي هي لام الفعل في أبوان وأبوين. ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ أصله أحد وعشر فركبا وبنيا على الفتح لتضمن الحروف. والكوكب: النجم، وليس له نظير إلا بابل (٤). ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هما المعروفان. ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ كرر الرؤية لأن الأولى متعلقة بالذات والآخر بالحال. وقيل: لما طال الكلام أعادها. ويحتمل أنه جواب ليعقوب، كأنه قال له (٥): كيف رأيتها؟ فقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ أي (٦): متواضعين. وقيل: سجدة تحية، وذَكَّرَ الكناية وجمع جمع العقلاء لما وصفها بوصفهم. قال ابن عباس: الشمس والقمر أبواه والأحد عشر كوكباً إخوته (٧).

стр. 813

السدي: الشمس أبوه والقمر خالته (١) وكانت أمه راحيل توفيت (٢). وقيل: القمر أبوه، للتذكير، والشمس أمه أوخالته على القولين، للتأنيث. وأسماء إخوته: روبين، ويقال باللام، وشمعون ولاوي ويهوذا وبشسوخور (٣) وزبولون ودون (٤) وتفتولي وكودواء وشير (٥) وبنيامين ويوسف. وذكر السدي عن جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها، فسكت رسول الله ﷺ ولم يجبه بشيء، فنزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها، فقال رسول الله: (هل أنت تؤمن (٦) إن أخبرتك بأسمائها؟ ) قال: نعم، قال: (جربان والطارق والذبال وذو الكتفات وقابش ووثاب وعمودان والمصبح والفليق والضروح والفرغ والضياء والنور (٧)، نزلن (٨) من السماء فسجدن له)، فقال

стр. 814

اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها (١). ﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ تصغير ابن، صغّره لصغر (٢) سنة، وكان ليوسف يومئذٍ اثنتا عشرة سنة. ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ ابن عيسى (٣): الرؤيا تصور (٤) المعنى في المنام على توهم الإبصار، قال: وذلك أن (٥) العقل معمور في النوم فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه (٦). ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فيحتالوا في هلاكك حيلة. تقول: كاده وكاد له، مثل نصحته ونصحت له. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ ظاهر العداوة. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الاجتباء الذي دل عليه (٧) رؤياك. ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يختارك، من: جبيتُ الشيء: إذا (٨) جمعته لنفسك، وجبيت الماء في الخابية (٩).

стр. 815

﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ معاني الكلام في آيات الله وكتبه. والأكثر على أنه تعبير الرؤيا، أي: ما يؤول إليه أمرها، وكان أعبر الناس للرؤيا. وقيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ عواقب الأمور وما يؤول إليه آخره. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة. الحسن: هذا شيء أعلمه الله (١) يعقوب من أنه سيعطى يوسف النبوة (٢). ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أهل بيته وولده. وقيل: أهل دينه بأن يجعل فيهم النبوة. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾ كما اختارهما للنبوة والرسالة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبلك، وقيل: من قبل (٣) هذا الوقت. و﴿أَبَوَيْكَ﴾ تثنية أب، والمراد آباء أبيك وأباه، أي: جدك وجد أبيك. ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ بدل من أبويك، وهما اسمان عجميان. قيل: معناه: أب رحيم، وقيل: من البَرْهَمَةِ، وهي شدة النظر (٤). وإسحاق: قيل: معناه: الضاحك.

стр. 816

﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الاجتباء. ﴿حَكِيمٌ (٦)﴾ يضع الأشياء مواضعها. والآية دالة على نبوة يوسف ونبوة إخوته (١). ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ عجائب واضحة ودلائل قاطعة. ﴿لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ عن قصة يوسف، وقيل: للسائلين وغير السائلين. ومن وَحَّدَ الآية (٢) أراد: قصة يوسف آية. ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامين (٣). ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ ثم بلغ إخوه يوسف رؤياه فحسدوه أشد الحسد لعلمهم تأويلها، فقالوا هذه المقالة بينهم. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعة أقوياء. والعصبة في النسب، والعصبة هي العشرة (٤). المبرد: من عشرة إلى أربعين (٥)، واشتقاقه من العصب والتعصب، ولا يقال للضعاف: عصبة.

стр. 817

﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ أي (١): عن التعديل في المحبة بين الأولاد. وقيل: في غلط من أَمر دنياه، فإنا نقوم بأمواله ومواشيه. وقيل: في ضلال باختياره الصغير على الكبير والقليل على الكثير وغير المعين على المعين (٢). وقيل: في ضلال عن الطريق الذي يكون عليه الآباء في أبنائهم. وقيل: في ضلال محبة. ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قال بعضهم لبعض، وقيل: قاله شمعون، وقيل: روبين. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أبعدوه عن أرض أبيه إلى أرض بعيدة عنه (٣)، وتقديره: في أرض، فحذف الجار وتعدى الفعل إليه. ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ ... تَصْفُ مودته لكم ويقبل بكليته عليكم. ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد قتله أو طرحه. ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ تقديره: ثم توبوا لتكونوا قوماً صالحين. هيأوا (٤) التوبة قبل المعصية. وقيل: ﴿صَالِحِينَ (٩)﴾: تائبين. وقيل: صالحين مع أبيكم في أمر دنياكم. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني روبين، وهو ابن خالة يوسف، وكان أحسنهم فيه رأياً وأكبرهم سناً، وقيل: يهوذا، وكان أعقلهم. مجاهد: شمعون (٥).

стр. 818

﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيم. ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ في قعر البئر. وقيل: (غيابة الجب): الموضع يغيب (١) خبره ويذهب أثره. ابن عيسى: كل ما غيّب (٢) شيئاً عن الحسّ بكونه فيه (٣) فهو غيابة، والجب: البئر تجب، أي (٤): تقطع وتحفر من غير طي. قتادة: بئر (٥) بيت المقدس. وقيل: بين مدين ومصر، وقيل: بالأردن، وقيل: على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب (٦)، وقيل: كانت ثمانين قامة أسفلها واسعاً وأعلاها (٧) ضيقاً. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ يأخذه بعض المجتازين، يقال: لقطت الشيء والتقطته. ابن عيسى: الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه: اللقطة واللقيط. (والسيارة): رفقة مسافرون يسيرون في الأرض. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ به شيئاً، وقيل: إن كنتم فاعلين بمشورتي، وقيل: إن كنتم فاعلين ما قصدتم من التفريق بينه وبين أبيه.

стр. 819

واختلفوا في إخوة يوسف حين قالوا هذا وفعلوا: فذهب بعضهم إلى أنهم قاربوا الحلم (١) ولم يكونوا بالغين، وذهب بعضهم إلى أنهم كانوا بالغين أقوياء ولم يكونوا بعد أنبياء. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ فلما عزموا على طرحه في البئر جاءوا أباهم وقالوا: يا أبانا مالك لا تأمنّا، أي: لا (٢) تأمُننا أن ترسله معنا، أي: لم تخافنا عليه، وأدغم النون في النون بإشمام وغير إشمام (٣). ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ حافظون نحفظه (٤) ونرده عليك سالماً، وقيل: محبون ومشفقون. والنصح: طلب الصلاح، وقيل: هو إصلاح العمل، والناصح: الخياط (٥). قال مقاتل: فيها تقديم وتأخير، لأن هذا جواب لقوله: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ الآية [يوسف: ١٣] (٦). ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ خلهِ غداً يخرج معنا إلى الصحراء.

стр. 820

﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قرئ بكسر العين وجزمه (١)، فمن كسره جعله من الرعي وهو افتعال منه، ومن قرأ (٢) بالجزم جعله من الرتع وهو الرعي (٣) أيضاً، قال (٤): وكلّفتني ذنب امريءٍ وتركته ... كذي العُرّ يكوي غيرهُ وهو راتعُ أبو عبيده: (نرتع) (٥): نلهو. ابن عيسى: الرتعة: التصرف في الشهوات، ومنه المثل: القَيْد والرَّتْعة (٦)، ومن قرأ بالنون أراد (نرتع) مواشينا و (نلعب) نلهو وننشط (٧)، وقيل: نلعب بالرمي، وقيل: بالشدّ والعدو.

стр. 821

وروى هارون صاحب أبي عمرو أنه قال: قلت لأبي عمرو: كيف تقرأ (نلعب) بالنون وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذ أنبياء (١). ومن قرأ بالياء: أي (٢): (يرتع) يوسف ساعة (ويلعب) ساعة. وروي عن يعقوب: (نرتع) بالنون (ويلعب) بالياء. (وإنا له لحافظون) عن أن يناله مكروه. ﴿قَالَ﴾ يعقوب ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: يحزنني (٣) ذهابكم به ويألم قلبي بفراقه. والصحيح: أن أذهبه وذهب به بمعنى واحد، كقوله ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، و ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣]. ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ وكان أرضهم مَذْأَبَةٌ (٤)، وقيل: رأى في المنام أن الذئاب كانت تقصد يوسف. ابن عيسى: الذئب سبع دون الأسد وفوق الكلب (٥) يطلب الغنم أشد الطلب، وهو (٦) من: تذابت الريح: إذا هبت من كل جهة. قيل (٧): كأنه لقنهم بقوله ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ علة وعذراً (٨) وكانوا لا يدرون ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ (٩). ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عشرة نحفظه. ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ عاجزون ضعفاء مغبونون.

стр. 822

وجاء في القصة: فأقبل على يوسف وقال له: أتحب ذلك (١) يا بني؟ وقد كانوا قالوا له: اطلب من أبيك أن يبعثك معنا، قال: نعم، قال يعقوب: إذا كان غداً أذنت لك في ذلك، فلما أصبح يوسف لبس ثيابه وشَدَّ عليه منطقته (٢) وخرج مع إخوته، فشيعهم يعقوب وقال: يا بني أوصيكم بتقوى الله وبحبيبي يوسف، ثم أقبل على يوسف وضَمَّهُ إلى صدره وقَبَّلَ بين عينيه، ثم قال: أستودعك الله رب العالمين، وانصرف (٣). ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: عزموا على إلقائه في البئر. يقال: أجمع أمره: إذا صحح العزم. أتوا به البئر وجعلوا يدلونه فيها فيتعلق (٤) بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه، وقال: يا إخوتاه: ردوا عليَّ قميصي أتوارى به في الجب، فقالوا (٥): ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يكسوك ويؤنسوك، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة في البئر فقام عليها يبكي، فجاءه جبريل ﵇ بالوحي من الله وهو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لتخبرن يا يوسف إخوتك. ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ بصنيعهم هذا، يريد بمصر، وهو قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩]. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ قيل: متصل بالوحي، أي: أوحينا وهم لا يشعرون،

стр. 823

وقيل: متصل بقوله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ أنك يوسف، أي: لا يعرفونك، وقيل: كان الوحي وحي إلهام، وقيل: كانت بئراً قليلة الماء تُغيّبه ولا تُغْرِقُه، وقيل: جعلوه في جانب منها. وجواب ﴿فَلَمَّا﴾ مضمر تقديره: عظمت فتنتهم. وقال الكوفيون: الواو زائدة (١)، ومثله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، قال الشاعر (٢): فلمّا أَجَزْنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطنُ خَبْتٍ ذي قفاف عَقَنْقَلِ ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ آخر النهار (٣). ﴿يَبْكُونَ (١٦)﴾ قيل يتباكون، وقيل بكوا ببكاء أبيه عليه، فلما سمع أصواتهم فزع وقال: مالكم يا بني؟ وأين يوسف؟ . ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ من السباق في الرمي، وقيل: في العدو (٤)، لنعلم أينا أشد عدواً. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ رحلنا.

стр. 824

﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ الجمهور: بمصدق لنا (١)، أي: تسيء ظناً بنا لشدة محبتك ليوسف. ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ جوابه: ما صدقتنا لاتهامك لنا في أمر يوسف. قال صاحب النظم: (لو) فيه طرف من التمني وطرف من النفي، لأن قولك: لو كان، دليل على أنه لم يكن، ولا يتمنى إلا ما هو غير موجود، فدل على (٢) أنهم لم يكونوا صادقين (٣). وقيل: تقديره (٤): وما أنت بمصدق لنا وإن كنا قد صدقنا (٥) وهذا قميصه بالدم (٦). ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: ذي كذب (٧)، يريد: مكذوباً فيه، لأنه لم يكن دم يوسف بل دم سخلة. قتادة: دم ظبي (٨). وقرئ: (دم كدب) بالدال (٩)، أي: طري (١٠).

стр. 825

وروى (١) أبو الفضل الرازي: (بدمِ كَدْبٍ) (٢)، بالإضافه وفتح الكاف وسكون الدال غير معجمة، وفسره: الجدي، وهو غريب. وقوله: ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ حال لدم وليس بصلة للمصدر (٣)، وصفة النكرة إذا تقدمت انتصبت على الحال. وقيل: تقديره: وجاءوا بقميصه عليه دم كذب، فقدم الدم لأنه الأهم. ﴿قَالَ (٤) بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: زينت، وقيل: أمرتكم، وقيل: التسويل: جعل الشيء بالحكم سولاً، أي: مطلوباً، وذلك أن يعقوب قال لهم: أروني قميصه، فأروه، فقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً حكيماً، أكل ابني ولم يخرق عليه قميصه، فعند ذلك قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. ويحتمل أنه فرح بذلك لأن القميص كَذَّبهم، فدل أن يوسف حي لم يأكله الذئب. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: أولى وأفضل، وقيل: فصبري صبر جميل. الشعبي: لقميص يوسف ثلاث آيات، إحداها: حين جاءوا عليه بدم كذب، والثانية: حين قُدَّ، والثالثة: حين ألقي على وجه (٥) يعقوب (٦). ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ تكذبون.

стр. 826

﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ هم المسافرون يسيرون من أرض (١) إلى أرض، وقيل: المارة في الطريق وفيهم مالك بن ذعر (٢). ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ من يرد الماء ليستقي منه. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أرسل الدلو (٣) ليملأها. ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يريد: ثم دلاها، أي: أخرجها فتشبث بها يوسف، فلما رآه قال: يا بشراي، بشر المُدْلِي نفسه وقال: يا بشرى تعالي فهذا أوانك، وقيل: بشر أصحابه بأنه وجد غلاماً، وقيل: (بشرى): اسم صاحب له ناداه يخبره خبر الغلام. قال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن (بشراي)، فقال: يا حِرْزَا وأَبتغي النَّوافِلا، هذا مَثَلٌ معناه: قد أحرزتُ ما كنتُ أطلبه فأنا أطلب الفضول (٤). وفي (بشرى) قراءتان (٥): الإضافة إلى ياء المتكلم وفتحه، والثانية: الإفراد، وإذا أضيفت فالألف (٦) في حكم النصب، كيا عبد الله، وقيل: في حكم الكسر كميم (٧) غلامي. وقرئ (٨) (يا بشراي) بسكون الياء، وقريء (يا بشريَّ) بتشديد الياء (٩).

стр. 827

ومن أفرد جاز أن يكون في محل نصب لأنها نكرة، وجاز أن يكون مضموماً، وإن جعلته اسم علم (١) على ما سبق فهو مضموم، وأجاز الكوفيون أن يكون المنادى محذوفاً وتقديره: يا قوم بشراي هذا غلام. ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الإسرار ضد الإعلان، والبضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة، مشتقة من بَضَعْتُهُ، أي: قَطَعْتُهُ، ومن (٢) المَبْضَع (٣). وفي هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه يعود إلى الوارد وأصحابه، أي: أخفوا حاله وكتموا شأنه وقالوا للسيارة هو بضاعة أَبْضَعَنَاهَا أهلُ الماءِ لنبيعه بمصر لئلا يستشركهم فيه الناس، وبضاعة نصب على الحال. الزجاج: أَسَرُّوه جاعليه (٤) بضاعة (٥). والثاني: أنه يعود إلى إخوة يوسف، وذلك أن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم لأنه بقي فيها ثلاثة أيام، فأتاه يومئذ بالطعام فلم يجده فيها، فأخبر إخوته فأتوا مالكاً وقالوا: هذا عبدنا أبق (٦) مِنَّا، وكتم يوسفُ شأنه مخافة أن يقتله إخوته، ويقال: قالوا ليوسف بالعبرانية: إنْ لم تُقِرَّ بأنك عبدٌ انتزعناك من السيارة ثم لنقتلنك، فقال يوسف: إني عبد، وأراد به (٧) عبد الله، فكتموا حريته وباعوه على أنه بضاعة. قتادة: أَسَرُّوا بَيْعَه (٨). ابن عباس: أسر إخوة يوسف أنه أخوهم وجعلوه بضاعة وباعوه (٩).

стр. 828

ويحتمل أن معنى: أسروه بضاعة: أظهروه بضاعة، سواء يعود الضمير إلى الوارد وأصحابه أو إلى الإخوة، وهذا كما تقول: هذا (١) شيء أظهرته أعجوبة وهذا مال أظهرته بضاعة، والمعنى: أظهروا حال يوسف على هذا الوجه، والله أعلم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ بيوسف. ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه، والشري: البيع، مشتق من: الشَرْوَى، لأن البائع أو المشتري يعطي شيئاً ويأخذ شيئاً، والضمير عند الجمهور يعود إلى إخوة يوسف، لأنهم باعوه من مالك بن ذعر. ابن بحر: الضمير (٢) يعود إلى الوارد وأصحابه، أي: أسروه بضاعة وحملوه (٣) إلى مصر فباعوه بثمن طفيف لأنهم عرفوا أنه حر يظهر أمره، فقنعوا باليسير. ويحتمل أن قوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ على ظاهره من معنى اشتروا، أي: اشترى الوارد وأصحابه من إخوته، والله أعلم. ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ حرام، لأنه حر، وقيل: ظلم، لأنهم ظلموه (٤) في بيعه، وقيل: ذي بخس، أي: ناقص، وقيل: قليل، وقيل: زيف. ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من الثمن. ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قليلة، عشرين درهماً، اقتسموا درهمين درهمين. وقيل: اثنان وعشرون درهماً، وقيل: أربعون درهماً، وقيل: ما كانوا يزنون دون الأوقية، وهي أربعون درهماً (٥). ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ ﴿فِيهِ﴾ يعود إلى الثمن، وقيل: إلى يوسف، والضمير في ﴿وَكَانُوا﴾ يعود إلى الإخوة، إلَاّ على قول ابن بحر. ومعنى ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ غير محتاجين إليه ولا راغبين فيه، ولا يجوز أن يكون ﴿فِيهِ﴾ من صلة الزاهدين، لأن اسم الفاعل إذا كان فيه الألف واللام لا يعمل فيما قبله (٦). وعند النحاة أن (٧) (من) للتبيين، وتقديره (٨): وكانوا فيه زُهَّداً من الزاهدين، وجاز حذف العامل لأن الظرف جائز فيه هذا الاتساع، ولم يجز: كانوا زيداً من الضاربين.

стр. 829

﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ ثم إن مالك بن ذعر حمله إلى مصر وباعه في من يزيد (١) بعشرين ديناراً، وقيل: بوزنه فضة، وقيل: بوزنه (٢) ذهباً، وقيل: أكثر من ذلك، فاشتراه عزيز مصر، وكان صاحب خزانة الملك واسمه: قطفير، واسم الملك: الوليد ابن الريان (٣)، قال لامرأته، واسمها عند جل المفسرين: راعيل، وقيل: فكاء، وقيل: زليخا (٤). ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ يصلح للمصدر، أي (٥): إقامته، ويصلح للمكان، أي: موضع إقامته، والمعنى: أحسني إليه في جميع حالاته من مأكول ومشروب وملبوس. ابن عيسى: الإكرام: إعطاء المراد على وجه الإعظام. ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في ضياعنا وأموالنا، وقيل: لعلنا نبيعه بثمن أزيد مما اشتريناه به. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه ولم يكن له ولد. وروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال في يوسف ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ الآية [القصص: ٢٦] , وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر الفاروق ﵄ (٦). ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي تحبيب الله يوسف إلى مشتريه أول تمكينه في الأرض. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ عطف على مضمر، تقديره: لنوحي إليه ولنعلمه. وقيل: كما أنعمنا عليه بالخروج مَكَّنَّاه في الأرض لنوحي إليه ولنعلمه من تأويل الأحاديث: عبارة الرؤيا (٧) ومعاني كتب الله.

стр. 830

الزجاج: مثل الذي وصفنا (١) مكنا ليوسف في الأرض (٢). ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ لا يرده شيئ، وقيل: غالب على أمر يوسف. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أهل مصر، وقيل: أهل مكة. ﴿لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ لطائف صنع الله. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ منتهى اشتداد (٣) جسمه وقوته. الضحاك: عشرين سنة (٤). مجاهد: ثلاثاً وثلاثين سنة (٥). وابتداء الأشد بلوغ الحلم، وقيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة، لأنه يتقوى لسبع سنين ويبلغ لسبع بعدها ويتناهى طوله وقوته لسبع بعدها (٦)، وآخر الأشد (٧) أربعين سنة، وقيل: ستين سنة. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حكمة وعقلاً، وقيل: حكماً على الناس، وقيل: نبوة، وقيل: فقهاً، وقيل: إصابة القول. ﴿وَعِلْمًا﴾ بتأويل الأحاديث، وقيل: أُعطي النبوة في الجُبِّ ثم لما بلغ أشده أُمِرَ بإظهار الدعوة.

стр. 831

﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ ابن عباس: المؤمنين (١)، وقيل: الصابرين، وقيل: كما فعلنا بيوسف نفعل بمحمد ﵉. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ يعني: راعيل، طلبت يوسف أن يواقعها، وأصله من: راد يرود، إذا جاء وذهب، ومنه: الرائد، لأنه يجول في الصحراء لطلب المرعى. ابن عيسى: المروادة: المطالبة بأمر يعمل به، ولا يقال في مطالبة الدين: راوده (٢). ﴿عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ التغليق: إطباق الباب بما يعسر فتحه، والتشديد للمبالغة في الإيثاق (٣)، وقيل: للكثرة، وكانت سبعة أبواب. ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ تعال وأقبل، وهي من الأسماء (٤) التي سميت الأفعال بها (٥). وقرئ: (هِيتُ) بكسر الهاء وضم التاء بغير همز، وبهمز (٦)، وهي من قولك: هِئْتُ أهيُء هِيْئَةً (٧)، كجئتُ أجيُء جيئة، ومعناه: تهيأت، و (لك) على هذا الوجه

стр. 832

متعلق بالفعل، وعلى الوجه الأول تبيين للمدعو. الزجاج: المعنى في اللام (١): تقدم لنفسك، أي: لك في التقدم حظ (٢). ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: أعتصم به، وهو نصب على المصدر، أي (٣): أعوذ بالله عياذاً. ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ إن الله خالقي ولا أعصيه، وقيل: إن العزيز ربي وسيدي اشتراني وأحسن منزلتي فلا أخونه في أهله. ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ حيث قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١]. ﴿إِنَّهُ﴾ الأمر والشأن. ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ الواضعون الشيء غير موضعه، والمراد به هاهنا: الزُناة. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: هما بالذنب، والهم بالشيء: مقاربته من غير دخول. ابن عباس ﵄: استلقت على قفاها وحل هو هميانه، أي (٤): سراويله، وجلس منها مجلس الخاتن (٥). الحسن: أما همها فكان أخبث هم، وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء (٦) من غير عزم على الزنا (٧).

стр. 833

وقيل: هَمَّ بضربها (١) والفرار منها. وقيل: هم بها ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، وهذا حسن في المعنى ضعيف في الإعراب، لأن جواب ﴿لَوْلَا﴾ لا يتقدم عليه، بل جوابه مقدر، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به (٢). وفي برهان ربه أقوال: ابن عباس في جماعة: هو أن رأى يعقوب، أي: صورة يعقوب عاضاً على أنامله (٣). قتادة: نودي: يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء (٤). وقيل: رأى جبريل، وقيل: تذكر جزاء الزنا، وقيل: رأى قطفير، وقيل: رأى كفاً بلا معصم يمنعه من المواقعة. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كذلك فعلنا، فهو في محل نصب. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ عن يوسف. ﴿السُّوءَ﴾ الذنب. ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ الزنا.

стр. 834

﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ أخلصهم الله واختارهم. ومن كسر (١) فالمعنى: أخلصوا دينهم لله. ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ طلبا المبادرة إلى الباب. وذلك أن يوسف لما رأى برهان ربه قصد الباب للخروج وقصدت الباب لتمنعه من الخروج، فلم تصل إلَاّ إلى ذيله من خلفه فتشبثت به فشقته، وهو قوله: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ القَدُّ: الشق طولاً، والقَطُّ: عرضاً. ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ صادفا زوج المرأة على الباب، فلما رأته خافت فاحتالت لتنزيه نفسها. ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ أوهمت أنه قصدها وأن البِدار كان منها. و﴿مَا﴾ نفي، وتقديره: إلا السجن أو عذاب أليم، وهو الضرب الوجيع. وقيل: ﴿مَا﴾ للاستفهام، وتقديره: هل جزاؤه إلا السجن، وفيه ضعف. ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ أي: طالبتني بالمواقعة ولم يكن صلوات الله عليه وسلامه يكشف الأمر ويفضحها إن لم تكذب عليه. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أخبر مخبر من أهلها. ابن عباس ﵄: كان صبياً أنطقه الله (٢). وإليه ذهب جماعة من المفسرين. وقيل: كان رجلاً له رأي من خاصة الملك، وقيل: الشاهد: العزيز.

стр. 835

وفي بعض التفاسير: السنور (١). وعن مجاهد: القميص المقدود (٢). ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ ومعنى ﴿إِنْ كَانَ﴾: إن يصح. والمبرد يجوز بقاء كان على الماضي، وإليه ذهب الزجاج، ويأباه أبو علي، وكان القياس: وشهد شاهد أنه، لكن ذهب به مذهب القول والحكاية، وقُدَّ مضمر مع قَدْ، أي: إن يكن الآن قَدْ قُدَّ قميصه (٣)، وهذه دلالة (٤) عادة أن الذي شق قميصه هو الهارب كما أن الذي في ظهره الضربة هو المهزوم في الحرب، قاله ابن عيسى (٥). ويحتمل أن الشاهد علم قطعاً أن الذنب لها فلم يُرِد أن يصرّح بذلك فعرّض بهذا. ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: رآه بعينه، وقيل: علم صدقه. ﴿قَالَ﴾ يعني الزوج، وقيل: الشاهد. ﴿إِنَّهُ﴾ يعود إلى قوله ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ , وقيل: إلى السوء، وقيل: إلى كذبها. ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ من حيلتكن.

стр. 836

﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾ حيلتكن. ﴿عَظِيمٌ (٢٨)﴾ يخلص (١) إلى الصالح والطالح والبريء والسقيم، وكيد الشيطان ضعيف لأنه وسوسة وغيب وكيدهن مواجهة وعين. ثم أقبل على يوسف وقال: ﴿يُوسُفُ﴾ يريد يا يوسف. ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ اكتمه ولا تذكره، وقيل: دع ذلك، ثم أقبل على راعيل وقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ توبي إلى الله من خطيئتك. ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ ذَكَّرَ لتغليب الرجال. وروي عن بعضهم أنه قال: كان السيد قليل الغيرة حيث اقتصرعلى قوله ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ (٢). ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ تطلب مواقعة غلامها إياها. ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ دخل حبه شغاف قلبها. والشغاف: باطن القلب وهو حبة القلب وسويداؤه، وقيل: الشغاف: غلاف القلب، وقيل: الشغاف: داء يكون في الجوف، و ﴿حُبًّا﴾ نصب على التمييز لصرف الفعل عنه (٣)، وقيل: شَغفها (٤) مثل: رَأَسَهُ وَرَجَلَهُ ﴿حُبًّا﴾ بالحب، والأول أولى.

стр. 837

﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ في ضلال عن الرشد، وقيل: في محبة (١) عظيمة. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: سمعت راعيل بوقيعتهن، وقيل: سمي مكراً لأنهن قلن ذلك لِتُرِيَهُنَّ يوسف، وكان يوصف لهن حسنه وجماله. ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن إلى مأدبة اتخذتها، فدعت أربعين امرأة. قيل (٢): وفيهن أربع قد أَطْلَعَتْهُنَّ على سِرِّها واستكتمتهن فأفشين سرها وذلك مكرهن. ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ وأعدت (٣)، من: العَتِيْد، وهو: المُعَدّ (٤). ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ مجلساً فيه مايتكئن عليه من الوسائد والنمارق وفيه الطعام والشراب (٥). الحسن في جماعة: ﴿مُتَّكَأً﴾: طعاماً (٦). قال الشاعر (٧): فَظَلِلْنا بنعمةٍ واتَّكأْنا ... وشربنا الحلالَ من قُلله وقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾: ما يقطع بالسكين مثل الأُترج والبطيخ (٨) والموز. وقيل: الزُماورد، وهو: الرُّقاق (٩) الملفوف باللحم وغيره، كأنه يتكأ عليه السكين.

стр. 838

﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ المبرد: كانوا في ذلك الزمان (١) لا يأكلون إلا بالملاعق والسكاكين كفعل الأعاجم، قال: والعرب تنهس (٢) نهساً لا تبتغي سكيناً. ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرج عليهن يوسف. عكرمة (٣): قال: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء (٤). ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ هالهن أمره، وقيل: أعظمنه (٥). مجاهد: حضن (٦). قال (٧): نأتي النساءَ لدى أطهارهنَّ ولا ... نأتي النساءَ إذا أَكْبَرْن إكْبارا والهاء في قوله ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ على هذا تعود إلى المصدر، أي: أكبرن إكباراً (٨)،

стр. 839

وقيل: أكبرن له، فحذف اللام، وقيل: المرأة إذا اشتدت غلمتها (١) حاضت، ومنه قول المتنبي (٢): خَفِ اللهَ واستُر ذا الجمالَ بِبُرْقُعٍ ... فإنْ لُحْتَ حاضت في الخدورِ العواتقُ وقال بعض المفسرين: أَمْنَيْنَ من حسنه كما يُمنين من الجماع (٣). والاستدلال بشعر المحدثين في المعاني جائز بإجماع (٤). وأما ابن عيسى فإنه قال: العلماء برواية الشعر لا يعرفون هذا البيت (٥). ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ خدشنها بالسكاكين وخِلن يقطعن الطعام. قتادة: أَبَنَّ أيديهن حتى ألقينها (٦)، وهذا غلو، وإنما هذا (٧) كقول القائل: قطعت يدي: إذا خدشها أو جرحها. وهب: بلغني أن سبعاً من الأربعين متن في ذلك المجلس وَجْدَاً بيوسف ﵇ (٨). ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ حاش لله: تنزيه له عن حال البشر.

стр. 840

أبو عبيدة: لهذه اللفظة معنيان: التنزيه والاستثناء (١). الحجة: لا يخلو حاش من أن يكون الحرف الجار في الاستثناء أو الفعل، فلا يجوز أن يكون الجار لأن الجار لا يدخل على مثله، فثبت أنه فَاعَلَ (٢) من الحشا الذي يُعنى به الناحية، وفاعله يوسف، أي: صار في حَشَاً من ذلك، هذا معنى كلام أبي علي (٣). وحذف ألفه اكتفاء بالفتح عليه دليلاً. ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أي: مثل هذا الجمال ليس بمعهود في البشر إنما (٤) هو ملك. ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أكثرتن ملامتي فيه، أي: في حبي إياه وشغفي به، وكان القياس: هذا، ولكنه غاب عن أعينهن. ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أقرت لهنَّ حين عرفت أَنهنَّ يَعذُرنَهَا. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ امتنع يطلب العصمة من ركوب الفاحشة، ثم قلن له: أطع مولاتك، فقالت راعيل: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ ليحبسن. والسَّجْنُ: مصدر سَجَنَهُ، أي: منعه من التصرف بالحبس. ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ الأذلاء، والفعل منه: صَغِرَ بالكسر يَصْغَرُ صَغَراً وصَغاراً، وفي الدقة والسن: صَغُرَ صِغَرَاً فهو صَغِير. والوقف على قوله ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالألف، ومثله ﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: ١٥]، وليس لهما في القرآن نظير.

стр. 841

﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇. ﴿رَبِّ﴾ يا رب. ﴿السِّجْنُ﴾ الكون في السجن. ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: الزنا. ابن عيسى: إنما قال ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ولم يكن الزنا محبوباً إليه، لأن المعنى لو كان ذلك مما أريده لكانت إرادتي لهذا أشد، والمعنى: وطنت نفسي على السجن. ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ دعاءهن إياي (١) إلى الزنا، وسماه كيداً لأنهن يُحْسِنَّ عنده ذلك. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل بطبعي وغلبة شهوتي إلى إجابتهن. تقول: صَبَا الزوج (٢) إلى المرأة: مال إليها وغازلها، صِبَاً وصَبَاءً، إذا كسرت قصرت وإذا فتحت مددت. والصَّبى: رقة الهوى (٣)، وذكر بلفظ الجمع لأنهن قلن له: أطع مولاتك. وقيل: أصب إلى قولهن، وقيل: كل واحدة منهن دعته إلى نفسها سراً. وظاهر الآية (٤) يدل على ذلك. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ من العاصين. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فأجاب الله دعاءه. ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ مكرهن.

стр. 842

﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائه. ﴿الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ بحاله وحالهن. وقيل: السميع لدعاء الداعي العليم بإخلاصه. ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ أي: ظهر لهم بعد أن لم يكن، والضمير يعود إلى العزيز وإلى (١) النساء، وذَكّرَ تَغليباً للمذكر، وقيل: يعود إلى العزيز وحده وجمع جمع الملوك، وقيل: إلى العزيز وأهل مشورته. وفي فاعل ﴿بَدَا﴾ قولان، أحدهما: رأيٌ وبداءٌ، والعرب تقول: بدا لي ولا يذكرون بداء لكثرته، قال الشاعر (٢): لعلَّكَ والموعودُ حقٌّ وفاؤه ... بدا لكَ من تلك القَلوصِ بَداءُ والبداء في الرأي: التلون (٣) فيه. وقال الكوفيون: فاعل ﴿بَدَا﴾ قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾. وعند البصريين: لا تقع الجملة فاعلة قط، بل (٤) قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ تفسير للبداء (٥). قال المبرد: ثم بدا لهم سجنه (٦).

стр. 843

والآيات: قَدُّ القميص وقطع الأيدي والاستعصام (١). ويحتمل أن كلام الشاهد هو الآية إذا حملته على الصبي، وهو الأكثر. وقوله ﴿حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ قيل: سبع سنين، وقيل: خمس سنين. السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني (٢) راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما إن تحبسه كما حبستني، فحبسه بعد علمه ببراءته (٣). ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: أُدخل يوسف السجن فدخل ودخل معه فتيان. قيل: مملوكان للملك، وقيل: شابان، صاحب شراب الملك وصاحب طعامه، بلغ الملك أن خبازه يريد أن يَسُمَّهُ وأن ساقيه مَالَأَهُ على ذلك، فحبسهما. ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ يعني صاحب شرابه ليوسف. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أستخرج العصير من العنب، وسمي العصير خمراً بما يؤول إليه. والعصر (٤): استخراج المائع. وقيل: الخمر: العنب بلغة عمان (٥). الزجاج: أعصر (٦) عنب الخمر (٧).

стр. 844

والوجه الأول. ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ يعني صاحب الطعام. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ أي: فإذا سباع الطير تنهس منه. ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبرنا بتفسيره. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ العالمين، من قولهم: فلان يحسن هذا العلم، وقيل: من المحسنين إلينا إن فسرت رؤيانا، وقيل: كان يداوي مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد لربه في الحبس. ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أي: أنا عالم بتعبير الرؤيا حتى لو رأى واحد منكما في منامه طعاماً يأكله عبرت رؤياه وأخبرته بما يؤل إليه قبل أن يكون. وقيل: لا يأتيكما (١) طعام في اليقظة، فيكون المعنى (٢) معنى كلام عيسى ﵇ في قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ابن جريج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معلوماً (٣). أي: أخبركما بذلك الطعام إن أُتيتما به قبل أن يأتيكما. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ يجوز أن يكون (٤) ابتداء، ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي﴾ خبره، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكُمَا﴾ (٥) فاعل ﴿يَأْتِيَكُمَا﴾. وقوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي﴾ متصل بقوله ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: من جهة تعليم

стр. 845

الله (١)، وإنما عدل عن التعبير إلى هذا الكلام لأنه كره تعبير رؤيا السوء (٢) وهو ما في رؤيا (٣) صاحب الطعام، فلما ألزمه أخبره به، وقيل: عدل عن ذلك فدعاهما إلى الإسلام أولاً، وكان ذلك أولى. ويحتمل أنه ليس بعدول، لأن (٤) في المنام ذكر الطعام. وقوله ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي: أخبركم عن علم ووحي لا على طريق الكهانة والعرافة والتنجم. ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ لما قدم الصلة أعاد ﴿هُمْ﴾. (٥). ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ﴾ أي: الاتباع. ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بالإسلام والنبوة. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ وعلى سائر الناس الذين عصمهم الله عن الكفر ووفقهم للإسلام واتباع الأنبياء. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ أي: لا يشكرون الله على نعمه. ثم دعاهما (٦) إلى الإسلام فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ يا ساكنيه. ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أأصنام شتى مختلفة الذوات والحقائق والأفعال،
следующие страницы →