← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇. ﴿رَبِّ﴾ يا رب. ﴿السِّجْنُ﴾ الكون في السجن. ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: الزنا. ابن عيسى: إنما قال ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ولم يكن الزنا محبوباً إليه، لأن المعنى لو كان ذلك مما أريده لكانت إرادتي لهذا أشد، والمعنى: وطنت نفسي على السجن. ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ دعاءهن إياي (١) إلى الزنا، وسماه كيداً لأنهن يُحْسِنَّ عنده ذلك. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل بطبعي وغلبة شهوتي إلى إجابتهن. تقول: صَبَا الزوج (٢) إلى المرأة: مال إليها وغازلها، صِبَاً وصَبَاءً، إذا كسرت قصرت وإذا فتحت مددت. والصَّبى: رقة الهوى (٣)، وذكر بلفظ الجمع لأنهن قلن له: أطع مولاتك. وقيل: أصب إلى قولهن، وقيل: كل واحدة منهن دعته إلى نفسها سراً. وظاهر الآية (٤) يدل على ذلك. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ من العاصين. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فأجاب الله دعاءه. ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ مكرهن.

стр. 842

﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائه. ﴿الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ بحاله وحالهن. وقيل: السميع لدعاء الداعي العليم بإخلاصه. ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ أي: ظهر لهم بعد أن لم يكن، والضمير يعود إلى العزيز وإلى (١) النساء، وذَكّرَ تَغليباً للمذكر، وقيل: يعود إلى العزيز وحده وجمع جمع الملوك، وقيل: إلى العزيز وأهل مشورته. وفي فاعل ﴿بَدَا﴾ قولان، أحدهما: رأيٌ وبداءٌ، والعرب تقول: بدا لي ولا يذكرون بداء لكثرته، قال الشاعر (٢): لعلَّكَ والموعودُ حقٌّ وفاؤه ... بدا لكَ من تلك القَلوصِ بَداءُ والبداء في الرأي: التلون (٣) فيه. وقال الكوفيون: فاعل ﴿بَدَا﴾ قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾. وعند البصريين: لا تقع الجملة فاعلة قط، بل (٤) قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ تفسير للبداء (٥). قال المبرد: ثم بدا لهم سجنه (٦).

стр. 843

والآيات: قَدُّ القميص وقطع الأيدي والاستعصام (١). ويحتمل أن كلام الشاهد هو الآية إذا حملته على الصبي، وهو الأكثر. وقوله ﴿حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ قيل: سبع سنين، وقيل: خمس سنين. السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني (٢) راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما إن تحبسه كما حبستني، فحبسه بعد علمه ببراءته (٣). ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: أُدخل يوسف السجن فدخل ودخل معه فتيان. قيل: مملوكان للملك، وقيل: شابان، صاحب شراب الملك وصاحب طعامه، بلغ الملك أن خبازه يريد أن يَسُمَّهُ وأن ساقيه مَالَأَهُ على ذلك، فحبسهما. ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ يعني صاحب شرابه ليوسف. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أستخرج العصير من العنب، وسمي العصير خمراً بما يؤول إليه. والعصر (٤): استخراج المائع. وقيل: الخمر: العنب بلغة عمان (٥). الزجاج: أعصر (٦) عنب الخمر (٧).

стр. 844

والوجه الأول. ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ يعني صاحب الطعام. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ أي: فإذا سباع الطير تنهس منه. ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبرنا بتفسيره. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ العالمين، من قولهم: فلان يحسن هذا العلم، وقيل: من المحسنين إلينا إن فسرت رؤيانا، وقيل: كان يداوي مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد لربه في الحبس. ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أي: أنا عالم بتعبير الرؤيا حتى لو رأى واحد منكما في منامه طعاماً يأكله عبرت رؤياه وأخبرته بما يؤل إليه قبل أن يكون. وقيل: لا يأتيكما (١) طعام في اليقظة، فيكون المعنى (٢) معنى كلام عيسى ﵇ في قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ابن جريج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معلوماً (٣). أي: أخبركما بذلك الطعام إن أُتيتما به قبل أن يأتيكما. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ يجوز أن يكون (٤) ابتداء، ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي﴾ خبره، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكُمَا﴾ (٥) فاعل ﴿يَأْتِيَكُمَا﴾. وقوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي﴾ متصل بقوله ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: من جهة تعليم

стр. 845

الله (١)، وإنما عدل عن التعبير إلى هذا الكلام لأنه كره تعبير رؤيا السوء (٢) وهو ما في رؤيا (٣) صاحب الطعام، فلما ألزمه أخبره به، وقيل: عدل عن ذلك فدعاهما إلى الإسلام أولاً، وكان ذلك أولى. ويحتمل أنه ليس بعدول، لأن (٤) في المنام ذكر الطعام. وقوله ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي: أخبركم عن علم ووحي لا على طريق الكهانة والعرافة والتنجم. ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ لما قدم الصلة أعاد ﴿هُمْ﴾. (٥). ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ﴾ أي: الاتباع. ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بالإسلام والنبوة. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ وعلى سائر الناس الذين عصمهم الله عن الكفر ووفقهم للإسلام واتباع الأنبياء. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ أي: لا يشكرون الله على نعمه. ثم دعاهما (٦) إلى الإسلام فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ يا ساكنيه. ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أأصنام شتى مختلفة الذوات والحقائق والأفعال،

стр. 846

وقيل: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ أي: أصنام وأوثان وجن وملائكة. ﴿خَيْرٌ﴾ أعظم وأولى بالاتباع. ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ المنفرد بالإلاهية. ﴿الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ الذي يَغلب ولا يُغلب. ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ أنتما ومن على دينكما. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله. ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ لا طائل تحتها ولا معاني فيها، وقيل: إلا أصحاب أسماء، وقيل: كأنهم اعتقدوا وجود ما ليس بموجود فصاروا يعبدون اسماً لا مسمى له. ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: لم يأمر بعبادتها. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: القضاء والقدر والأمر والنهي لله. ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾. في رؤياهما ثلاثة أقوال، أحدها: أنهما تحالما وأرادا تجربة علمه، وقيل: بل كانت رؤيا حقيقية، وقيل: رؤيا الساقي حقيقة ورؤيا صاحب الطعام تحالم (١). ثم عبر الرؤيا فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ أي: الساقي. ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ سيده. ﴿خَمْرًا﴾ وجاز تسميته رباً للإضافة، والمعنى يعود إلى منزلته. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ أي: الخباز.

стр. 847

﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. فقالا: لم نر شيئا، وقيل: قال الخباز، فأجابه فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ أي: قضى الله لكل واحد منكما ما عبرت رؤياه (١) به صدق فيها أم كذب، لأن هذا من الله لا من تلقاء نفسي (٢). ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ أي: علم وأيقن (٣)، لقوله ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾، وقيل: إنما قال ﴿ظَنَّ﴾ حين أنكرا رؤياهما. ومعنى ﴿نَاجٍ﴾: متخلص، ينجو من الهلاك ويتخلص منه. ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سيدك، يعني الملك، وقل له: إن في السجن غلاماً حبس ظلما. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ في الضميرين قولان، أحدهما: أنهما يعودان إلى الساقي، والثاني: يعودان إلى يوسف، أي: أنسى الشيطانُ يوسفَ ذكر الله حتى استعان بغير الله. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (رحم الله أخي يوسف لو لم يقل (اذكرني عند ربك) لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس) (٤). ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ﴾ فمكث وبقي فيه.

стр. 848

﴿بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ سبع سنين، وقيل: هذه مدة لبثه في السجن، وقيل: سبع سنين بعد الرؤيا وكان فيه خمس سنين قبل ذلك، وهو ما جاء في الخبر (١)، وقيل: ﴿بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾: خمس سنين. والبضع: نيف مابين الثلاثة إلى العشرة، وهذا هو الأصح، وقيل: من الثلاثة إلى الخمسة، وقيل: إلى السبعة، وقيل: إلى التسعة، وهي بَضْعَةٌ من الدهر، أي: قطعة منه (٢). ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ أي: رأيت في المنام كأني أرى سبع بقرات. ابن عيسى: البقر حيوان مهيأ للكراب، ومنه المثل: الكراب على البقر (٣). والسِّمَنْ: زيادة البدن من اللحم والشحم. وأجرى الصفات (٤) على المضاف إليه، وفي قوله ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ... [الملك: ٣] على المضاف، وكلاهما جائز. ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ ضعاف مهازيل، والعَجَفُ: أشد الهُزَال، والفاعل: أَعْجَفُ وعَجْفَاء (٥)، والجمع عِجَاف، شَذَّ عن الأقيسة، وكذلك سمان، جمع سمين، والبقرة مؤنثة، وقيل: بل البقرة كالجماعة (٦)، تقع على المذكر والمؤنث، وقيل (٧): جمع سمينة كصبيحة وصباح (٨) وظريفة وظراف، حكاهما سيبويه (٩).

стр. 849

وحكي عن قطرب: أبطح وبطاح وأجرب وجراب وأقعس وقعاس مثل عجاف (١). ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ابن عيسى (٢): السنبلة نبات كالقصبة حمله حبوب منتظمة. وتقديره: وسبع سنبلات أخر يابسات. ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ أي: عبروها إن كنتم عالمين بها (٣). ابن عيسى: العبارة: نقل معنى (٤) التأويل إلى نفس السائل بالتفسير. وفي دخول اللام أقوال، أحدها: أن الفعل واقع موقع المصدر، أي: (٥) للرؤيا عبارتكم، والثاني: أن الفعل واقع موقع الفاعل، أي: للرؤيا معبرين، والثالث: أن المفعول محذوف واللام للعلة (٦)، أي: تعبرون ما تعبرون للرؤيا، والرابع: أن المفعول إذا تقدم ضَعُفَ الفعل فقوي باللام، وهذا مطرد فيما يرد عليك من اللامات (٧) في مثل هذه الآية، وذلك أنه لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر في منامه سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف مهازيل فابتلعت العجاف السمان فدخلن (٨) في بطونهن (٩) ولم ير منهن شيء، ورأى سبع سنبلات خضر قد أدرك حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأفركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع الكهنة والسحرة فاستفتاهم فيها فعجزوا. ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ﴾ أي: هذه أضغاث. ﴿أَحْلَامٍ﴾ رؤيا مختلفة أباطيل، واحدها ضغث، ومنه الضغث من الحشيش، وهو الحزمة من أنواع مختلفة منه. ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ ليس تعبير الرؤيا من شأننا وعلمنا.

стр. 850

والحُلُمُ (١): ما يُرى في النوم. ابن عيسى: أصل الكلمة: الأناة، لأن النوم (٢) حالة أناة وسكون، والحَلَمَةُ تُحَلِّمُ الطفل، أي: تسكنه. ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من صاحبي السجن وهو الساقي. ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: تذكر يوسف بعد أن نسيه ونسي ما وصاه به من تذكير الملك. و(أُمّة): حين من الدهر، أي: جماعة مجتمعة من الزمان. وفي الشواذ: (أَمَه) بفتحتين، أي: بعد نسيان، وروي: (أَمْه) بسكون الميم، وهو زوال العقل (٣). ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ذَكَّرَ حملاً على الحلم. أدلكم (٤) على من يخبركم بتأويله. ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ أي (٥): إلى السجن. ﴿يُوسُفُ﴾ أي: فأرسل فجاء إلى السجن وقال: يا يوسف. ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ هو المبالغ في الصدق. ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أعود إلى الملك، فإن الملك رآها في منامه، وقيل: إلى الناس جميعا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ تأويل رؤيا الملك، وقيل: لعلهم يعلمون حالك ومنزلتك ومقالك. ولعل ها هنا بمعنى لام كي، وقيل: هو على أصله من معنى الطمع. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ على عادتكم المستمرة الدائبة (٦)، وقيل: تجتهدون في الزراعة اجتهاداً. والدأب: العادة، والدُّءُوبُ: المبالغةُ في السَّير.

стр. 851

وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أي (١): تحرثون، والزرع من الخلق حرث ومن الله إنبات. ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ كي لا يأكله السوس. وفي مصحف ابن مسعود ﵁: (فذروه في سنبله هو أبقى له) (٢). ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ في تلك السنين لغذائكم. يجوز أن يكون عبر الرؤيا فقال: البقرات السمان هي السنون المخصبة والسنابل الخضر زكاء الزرع، ثم أمرهم بما هو الصواب نصيحة لهم لكونه نبياً فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾، ويجوز أن يكون: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ في معنى الأمر أيضاً، كأنه قال: ازرعوا سبع سنين على العادة فما حصدتم فذروه في سنبله هو أبقى له إلا قليلاً مما تأكلون، والله أعلم. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾ السبع الشداد: البقرات العجاف، والسنابل اليابسات يأكلن ما قدمتم لهن، يريد: تأكلون فيها، فأسند الفعل إلى الظرف، كقولهم: ليله قائم ونهاره صائم، وقد سبق (٣). وقوله: ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: في السنين المخصبة، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾ تدخرون استظهاراً وعدة لبذور الزراعة. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ أي: السنة (٤) الثامنة. ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أي: يمطرون من الغيث. تقول العرب: غثنا ما شئنا (٥)، وقيل: هو من الغوث، تقول: استغاث فأغاثه، أي: يغيثهم الله من القحط والجوع. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ أي: تكثر الثمار والأعناب والسمسم والزيتون فيعصرونها ويتخذون الأدهان والأشربة. ابن عباس: يحلبون المواشي من كثرة المراعي (٦). أبو عبيده: ﴿يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾: ينجون، من قولهم: هو عصرة المنجود (٧)، قال (٨): صادِياً يستغيثُ غيرَ مُغاثٍ ... ولقد كان عُصْرَة المنجودِ أي: المكروب.

стр. 852

وحكى أقضى القضاة: تعصرون السحاب بنزول الغيث (١)، وإنما يصح هذا المعنى على قراءة من قرأ: (وفيه يُعْصَرون) على المجهول، وهو شاذ (٢). قال الزجاج: من قوله: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ: ١٤] (٣). فرجع الساقي وأخبر الملك بتعبير رؤياه ونصحه إياه. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ ليخرجه من السجن. ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يريد الملك. ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ يريد بذلك إظهار براءته مما نسب إليه وأنه كان محبوساً ظلماً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (رحم الله أخي يوسف لو كنت مكانه (٤) لبادرتهم إلى الباب إن كان لحليماً ذا أناة) (٥). ويروى: (لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني) (٦). وقوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ أي: فسئله أن يسأل النسوة ما بالهن وشأنهن، وعَمَّهُن بالذكر دون امرأة العزيز صيانة لها وأنها معهن تعريضاً لا تصريحاً. ويحتمل أن المعنى: ما بالهن لم يشهدن ببرآتي وقد عرفن ذلك بإقرار امرأة العزيز عندهن، ويحتمل أنه خاف أن تحيل الذنب عليه كالأول. ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ حين قلن لي: أطع مولاتك. وقيل: أراد بقوله ﴿إِنَّ رَبِّي﴾: العزيز.

стр. 853

فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف (١) برسالته فدعى الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن ودعى امرأة العزيز. ﴿قَالَ﴾ لهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ ما شأنكن. والخطب: الأمر العظيم يخاطب فيه صاحبه. ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ معاذ الله. ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ذنب، وقيل: معناه: ما دعوناه إلى أنفسنا، وإنما دعوناه إلى امرأة العزيز وما علمنا سوءاً في أن ندعوا المملوك إلى طاعة صاحبته (٢). ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ وقيل: أقرت مخافة أن يشهدن عليها. ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، ومعنى ﴿حَصْحَصَ﴾: بان وظهر، عن ابن عباس (٣). ابن عيسى: هو من قولهم: حَصَّ شَعْرَهُ: إذا استأصلَ قِطْعَةً، والحِصَّةُ: القطعة من الشيء (٤). ثم رجع الرسول إلى يوسف فأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وبشهادتها (٥) على نفسها، فقال يوسف: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: رد الرسول (٦) إلى الملك وامتناعي من الخروج. ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيز. ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ غائباً عني. وقيل: ليعلم الملك أني لم أخن العزيز. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ لا يهدي الخائنين بكيدهم.

стр. 854

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ فيه أربعة أقوال، أحدها: أن جبريل ﵇ لقاه (١) فقال له: ولا حين هممت؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، عن ابن عباس ﵄ (٢). السدي: خاطبته بذلك راعيل امرأة العزيز، فقالت (٣): ولا حين خلعت السراويل؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٤). الحسن: لما زكى نبي الله نفسه، استدرك فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٥). قتادة: خاطبه الملك فقال له: أذكر ما هممت، قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لا أنزِّهها (٦). ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ كثيرة الأمر بالمعصية. ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ قيل: استثناء متصل، أي: إلا من ﵀ فعصمه عن السوء، وقيل: منقطع، أي: لكن من رحمه، وقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر. ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾. وذهب جماعة من المفسرين (٧) إلى أن هذا كله من كلام امرأة العزيز وهو متصل بقولها: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ﴾ أي: الإقرار على نفسي ﴿لِيَعْلَمَ﴾ يوسف ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بظهر الغيب

стр. 855

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ عن ذنب هممت به ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ إذا غلبت الشهوة ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ بنزع الشهوة عن يوسف (١) ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ وهذا قول لطيف (٢)، وهو الأظهر، والأول قول الجمهور وفيه غموض. واعتراض صاحب النظم (٣) بقوله: يجوز أن يكون من كلام المرأة لولا قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ لا يدفعه، لأن الكفار مقرون بالله. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجعله خالصاً لنفسي من غير شركة. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ عبر رؤياه شفاهاً ودَلَّهُ على الرشد في أموره. ﴿قَالَ﴾ الملك ليوسف. ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ ذو مكانة ومنزلة. ﴿أَمِينٌ (٥٤)﴾ مأمون، وقيل: ﴿أَمِينٌ (٥٤)﴾ آمن لا تخاف العواقب، فمن لي بما هديت إليه وأشرت به. ﴿قَالَ﴾ يوسف. ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي: حفيظ لها ممن لا يستحقها. ﴿عَلِيمٌ (٥٥)﴾ بوجوه التدبير فيها ومتصرفاتها، وقيل: ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾: كاتب حاسب، وقيل: حفيظ لِكُتُبِ الله عليم بمعانيها وفيها هداية العباد ومصالح

стр. 856

الأمور والرشاد، وقيل: عليم بالألسن، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم قال الملك إنك اليوم لدينا مكين أمين، أي: أجابه إلى ملتمسه. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ جاء في القصص: أن الملك أجلسه على السرير وفوض إليه جميع أموره (١) وجعله مكان العزيز قطفير، وقيل: أطفير، وأن العزيز توفي في تلك الليالي وزوج الملكُ يوسفَ امرأة العزيز راعيل فوجدها عذراء، وولد له منها (٢) ابنان أفرايم (٣) وميشا. ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ ينزل منها حيث يريد ويهوى. ومن قرأ بالنون (٤)، أي: حيث يشاء الله. ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يريد يوسف ﵇ وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة. ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ الشرك والفواحش. ثم انقضت السنون المخصبة ودخلت المجدبة وعمَّ أهلَ مصر ونواحيها والشام وأطرافها القحط وقلة الطعام، وكان بمصر ما أعدوه بنصيحة يوسف فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام (٥) بالنقود حتى لم يبق لهم (٦) درهم جعلوا يبتاعون بالحلي والجواهر ثم بالمواشي والدواب ثم بالعبيد والإماء ثم بالضِّياع والعقار والدور ثم بأولادهم، فدخلت السنة السابعة ولم يبق لهم شيء فابتاعوا الطعام برقابهم حتى لم يبق في مصر حُرٌّ ولا حُرَّةٌ إلا صار عبداً له، ثم إن الملك استشار يوسف في أمرهم وجعل يوسفَ وكيله فيما يستصوبه فيهم (٧)، فأعتقهم جميعاً وردَّ عليهم أملاكهم (٨)،

стр. 857

وقصد الناسُ في تلك السنين مصرَ من كل أوب (١) يمتارون، وجعل يوسف لا يُمكِّن أحداً وإن كان عظيماً من أكثر من حمل بعير، وأصاب أرض كنعان من الشدة ما أصاب سائر البلاد، فأرسل يعقوب عشرة من بنيه إلى مصر للميرة وهو قوله: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: مجلس يوسف. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ يوسف. ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾ أي: عرفهم ولم يعرفوه، ولم يكن منهم فعل، ونَكِرَ وأَنْكَرَ بمعنىً، وإنما لم يعرفوه لأنه كان قد تقرر في أنفسهم هلاكه، ولأن بين إلقائهم إياه في البئر وبين دخولهم عليه أربعين (٢) سنة، قاله ابن عباس ﵄ (٣). وقيل: كان بينهم وبينه حجاب، وقيل: لأنه كان في زي الملوك على رأسه تاج وفي عنقه طوق من ذهب وعليه ثياب حرير جالساً على سرير، فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم وما أمركم ولعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادنا، قالوا: والله ما نحن بجواسيس وإنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ يقال له: يعقوب، نبي من الأنبياء، قال: فكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر (٤)، فذهب أخ لنا إلى البَرِّيَّة فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا، قال: فكم (٥) أنتم ها هنا؟ قالوا: عشرة، قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا، وهو أخ الذي هلك من أمه، وأبونا يتسلى به، قال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: يا أيها الملك: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد، فقال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم (٦) صادقين، فأنا أرضى بذلك، أظهر لهم أنه يريد أن يستبرئ (٧) به أحوالهم. قال صاحب النظم: سألوه أن يعطيهم وقر الأخ لهم (٨) من أبيهم، فأعطاهم ثم اعتل عليهم في الرجعة، فقال: ائتوني بهذا الأخ الذي لأبيكم حتى (٩) أعلم صدقكم من كذبكم،

стр. 858

وإن لم تأتوني به علمت كذبكم فلم أعطكم شيئاً بعده، قالوا: إن أبانا يحزن على فراقه وسنراود عنه أبانا وإنا لفاعلون، قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف وأبرهم به، فجعلوه عنده، وهو قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: مار هم (١) وكال لكل واحد منهم كيل بعير، والباء زائدة (٢). أي: جهزهم جهازهم. ابن عيسى: الجهاز: فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد. ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أُتِّمُه، وقيل: معناه: ألا ترون أن بيدي الكيل. ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ المضيفين (٣). ابن عيسى: المُنْزِلُ: واضع الشيء (٤) في منزله، رغبهم بهذا الكلام على الرجوع إليه، ونَكَّرَ قوله: ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وحقه التعريف: لأن التقدير: بأخ لكم (٥) قد سمعت به، والوصف ينوب عن التعريف. ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أي: لا تباع الميرة منكم فيكال لكم. ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾ لا تقربوا داري وبلادي. ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي: نجتهد في طلبه من أبيه، وأصله من: رَادَ يَرُودُ، إذا جاء وذهب. ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾ ما أمرتنا به، وقيل: لفاعلون المراودة.

стр. 859

وأراد يوسف بذلك (١) تنبيه يعقوب على حال يوسف، وقيل: أمره الله بذلك. ﴿وَقَالَ لفتيته (٢) اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ الفتية والفتيان: جمع فتى، والفتى: الشاب القوي. قتادة: كانوا غلماناً له (٣). وبضاعتهم: ما جعلوها في ثمن الطعام. قتادة: أوراقهم (٤). الضحاك: كانت نعالاً وأَدَماً (٥). والرَّحل: الشيء المعد للرحيل من حمل ووعاء للمتاع. وإنما فعل ذلك يوسف مخافة أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون إليه (٦) مرة أخرى. وقيل: أراد أن يتسع به أبوه. وقيل: رأى لو ما أخذ ثمن الطعام من إخوته وأبيه. وقيل (٧): فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم وأمانتهم تحملانهم على رد البضاعة. وقيل: حرضهم بذلك على الرجوع.

стр. 860

﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ أي: لكي يعرفوا ذلك عند انصرافهم إلى أهلهم فيرجعون إلي. ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ بالطعام وأخبروه خبره. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ حُكِمَ بمنعه بعد هذا إن لم نذهب بأخينا ابنيامين (١)، وقيل: منع منّا إتمام الكيل الذي أردنا (٢). ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ نكتال لنا وله، و (يكتل) بالياء هو لنفسه وعياله (٣). والاكتيال: الكيل للنفس. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ عن (٤) أن يناله مكروه. ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على ابنيامين. ﴿إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسف. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ وقد قلتم: أرسله معنا غداً (٥) نرتع ونلعب وإنا له لحافظون، لم يثق بهم لما كان منهم في حق يوسف. ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ أي: حفظ الله خير من حفظكم. ومن قرأ بالألف (٦): فنصبه على التمييز، وقيل: على الحال. قال كعب: لما قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قال الله: (وعزتي وجلالي لأردن عليك

стр. 861

كليهما (١) بعدما فوضت إلي (٢)). ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ أوعيتهم. ﴿وَجَدُوا﴾ الوجدان: ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عن الحاسة. ﴿بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثمن الطعام. ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا﴾ لأبيهم. ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ للاستفهام، أي: ماذا نطلب وماذا نريد وهل فوق هذا من مزيد، أكرمنا وباع منا ورد علينا الثمن، وقيل: ﴿مَا﴾ للنفي، أي: لا نطلب منك ما تردنا به إلى مصر. ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾ ننصرف بها. وقيل: ﴿مَا نَبْغِي﴾: ما (٣) نكذب فيما نخبرك به عن صاحب مصر ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾ ما حملناه في ثمن الطعام (ردت إلينا ونمير أهلنا) نجلب إليهم الميرة. والميرة: الطعام يحمل من غير بلدك. ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ في ذهابنا ومجيئنا. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ حمل جمل. مجاهد: حمار (٤). ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾ سهل عليه. واليسر: إتيان الخير بغير مشقة.

стр. 862

وهذا يدفع قول صاحب النظم (١). ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ عقداً مؤكداً بذكر الله. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵄: حتى تحلفوا لي بحق محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين أن لا تغدروا بأخيكم (٢). ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تهلكوا جميعاً. قتادة: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك (٣). ابن عيسى: ﴿أَنْ يُحَاطَ﴾: محله نصب (٤)، لأنه مفعول له. ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدهم. ابن عباس: حلفوا بمنزلة محمد ﷺ (٥). ﴿قَالَ﴾ يعقوب ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ شاهد، وقيل: كفيل حفيظ، وقيل: ﴿وَكِيلٌ﴾: ضامن للقيام على ما أسند إليه.

стр. 863

﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ جل المفسرين على أنه خاف عليهم العين لأنهم كانوا ذوي صورة وجمال، وقيل: خاف عليهم حسد الناس وأن يبلغ الملك قوتهم وشدة بطشهم فيهلكهم خوفاً على مملكته. إبراهيم النخعي: قال ذلك رجاء أن يلقوا يوسف (١). وأنكر أبو علي الجبائي (٢) العين، وليس كما زعم، فإن النبي ﷺ قال: (العين حق) (٣)، وقال: (العين (٤) تدخل الرجل القبر (٥) والجمل القدر) (٦)، وقال في عوذته للحسن والحسين: (وأعيذكما من كل عين لامَّة) (٧)، ونزل في العين أيضاً ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] (٨).

стр. 864

﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أحذره عليكم، يريد أن المقدور كائن وأن الحذر لا ينفع من القدر. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ جمع بين الواو والوفاء في عطف الجملة على الجملة لما تقدم (١) الصلة وهي (عليه). ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ كانت لمصر أربعة أبواب فدخلوها متفرقين. ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ دخولهم من أبواب متفرقة. ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ صَدَّقَ اللهُ نبيه يعقوب في قوله ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قوله: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ حزازةً وهَمَّة (٢) ﴿قَضَاهَا﴾ قضى تلك الحاجة، وهي تفريقهم خوف العين أو خوف الحسد أو رجاء أن يلقوا يوسف. ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ذو يقين ومعرفة بالله، وقيل: معناه: ليس يعمل على جهل بل على علم، وقيل: كان عاملاً بعلمه (٣). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ أن يعقوب بهذه الصفة، وقيل: لا يعلمون ما يعلم يعقوب. ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أنزله في الموضع الذي يأوي إليه (٤) وخلا به دونهم، وقيل: ضَمَّهُ إليه وأنزله عنده، وقيل: اعتنقه وبكى. والإيواء: تصيير الشيء إلى المأوى الذي يأوي إليه. ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ اعترف له بنسبه، وقال له: لا تخبرهم بما أخبرتك.

стр. 865

وهب: إني أنا أخوك مكان أخيك (١) الذي زعموا أنه أكله الذئب (٢). ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ لا تحزن. والابتئاس: افتعال من البؤس، وهو سوء العيش. ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ في حقنا. ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ أي (٣): فلما هيأ أسبابهم، وأوفى الكيل لهم (٤)، وحمل لهم بعيراً بعيراً (٥) وحمل باسم ابنيامين بعيراً، ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل أخيه ابنيامين بغير علمه، وقيل: كان ذلك بتقرير منه وتوطين نفس على ما نسب إليه من السرقة، وكان مَشْرَبَةً يشربُ منها (٦) الملك، وقيل: كان كأساً من فضة، وقيل: من ذهب، مرصعة بالجواهر، وقيل: السقاية والصاع واحد، وقيل: كانت سقاية فجعلت صاعاً يكال به لعزة الطعام. وقوله: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: في جملة متاعه. ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ نادى مناد، وقيل: أَعْلَم مُعْلِم. والتأذين: إعلام بقول يسمع بالآذان (٧). وحُمِلَ هاهنا على معنى القول، ولهذا لم يقع بعده (أن) ولا (أنّ) (٨). ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ يريد: يا أهل العير، فحذف المضاف.

стр. 866

والعير: الإبل، لا واحد لها. مجاهد: العير: الحمير (١). ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ اختلفوا في تأويله، قال بعضهم: إن المنادي ناداه من غير (٢) إذن يوسف، وقيل: إنكم لسارقون ليوسف، يريد حين أخذوه من أبيه ورموه في الجُبِّ (٣)، وقيل: فيه استفهام، أي: أإنكم (٤) لسارقون، وقيل: أراد إن ظهر منكم السرق فإنكم سارقون، وقيل: إنكم في قوم من يسرق، كما يقال: قتل بنو فلان رجلاً، والقاتل واحد أو اثنان، وقيل: تعريض. ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: قابلوهم بوجوههم. ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ أيُّ شيء ضاع لكم (٥). والفقد: غَيْبَةُ الشيء عن الحِسِّ بحيث لا يُدرى أين هو. ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ الصواع: المكيال لا غير، يذكر ويؤنث. ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ أظهر الصواع ورده. ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ هذا دأب الناشد في طلبه ضالته (٦). ﴿وَأَنَا بِهِ﴾ بالحِمْل. ﴿زَعِيمٌ (٧٢)﴾ كفيل ضمين. وَحَّدَ المؤذن ثم جمع الضمير العائد ثم وَحَّدَ الزعيم: لأن المؤذن أو الناشد لا يكون إلا واحداً، والزعيم هو المؤذن ولسان القوم. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ التاء بدل من الواو، والواو بدل من الباء، وخص اسم الله به وفيه معنى التعجب (٧).

стр. 867

وإنما قالوا ذلك لأنهم كلما دخلوا مصر كَعَمُوا (١) أفواه دوابهم كي لا تتناول من حروث الناس وكان قد عُرِفَ ذلك منهم، وقيل: لأنهم ردوا ما وجدوا في رحالهم وهذا لا يليق بالسراق. قال الشيخ ﵀ (٢): ويحتمل أن التقدير: تالله ما كنا سارقين ولقد علمتم ماجئنا لنفسد في الأرض، لتكون اليمين واقعة (٣) على فعلهم لا فعل غيرهم. ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ فما عقوبة السارق، وقيل: ما جزاء السَّرَق (٤). ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ في قولكم ما كنا سارقين. ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي: جزاؤه أَخْذُ مَنْ وجد في رحله رِقّاً فهو جزاءه عندنا، وكان عند آل يعقوب من يسرق يُسْتَرقُّ وعند أهل مصر أن يُضْرَبَ ويَغْرَم (٥)، وله تقديران من الإعراب: الأول: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ رفع بالابتداء ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبر المبتدأ، ولا بد من إضمار ليأتلفا، تصحيحه: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، أي: جزاؤه ذاته، و﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي، والفاء في قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ لعطف جملة على جملة. والثاني: أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ رفعاً بالابتداء، و ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ مبتدأ (٦) ثان، ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ خبر (٧)، والعائد إلى المبتدأ الأول عين المبتدأ، كما تقول: زيد ضربت زيداً تريد ضربته، و ﴿مَنْ﴾ على هذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون شرطا، والفاء دخل للجزاء، ويجوز أن يكون بمعنى الذي والفاء دخل لتضمن المبتدأ معنى (٨) الشرط. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ السارقين. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ يريد المؤذن الزعيم، وقيل: ردوهم (٩) إلى مصر فبدأ يوسف واحداً بعد واحد. ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ لتزول الرِّيبة، ولو بدأ بوعاء أخيه لعلموا أنهم جعلوا (١٠) فيه.

стр. 868

﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السقاية، وقيل: الصواع، وقيل: السرقة. ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ صنعنا له، وقيل: ألهمنا (١)، وقيل: أردنا، كما أن قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] بمعنى يكاد، وقيل: كدنا لأجل يوسف (٢) إخوته بما دبرنا في أمره. ابن عيسى: الكيد: التعريضُ للضُّرِّ في خُفْية، والكيد ها هنا رد الحكم إلى بني يعقوب. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ حكمه وسلطانه وطاعته، لأن دينه في السرقة: الضرب والتغريم. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الحسن: لأن الله أمره بذلك (٣). وقيل: هو ما أجري على لسان إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق (٤)، والتقدير: إلا بمشيئة الله. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلم. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ وهو الله (٥) سبحانه، وقيل: فوق كل (٦) عالم عالم حتى (٧) ينتهي العلم إلى الله وحده. ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ أي: ابنيامين. ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف، أي: له عرق في السرقة من أخيه (٨) نزع في الشبه إليه. عكرمة: هذه عقوبة من الله ليوسف أجراها على ألسنتهم في مقابلة قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ (٩).

стр. 869

وللمفسرين في ذلك أقوال: قيل: إنه كان يسرق الطعام من المائدة ويدفعه إلى الفقراء والمساكين، وقيل: أخذ بيضة فدفعها إلى الفقير، وقيل: ديكاً، وقيل: جدياً (١). مجاهد: أن عمته ابنة إسحاق ورثت من أبيها مِنْطَقة (٢) له وكانت هي تكفل يوسف وتحبه ولا تصبر عنه، فأراد يعقوب أخذ يوسف منها، فساءها ذلك فشدت المنطقة على وسطه ثم أظهرت (٣) ضياع المنطقة، فصارت في حكمهم أحق به (٤). سعيد بن جبير: سرق صنماً من أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق (٥). الحسن: بهتوا عليه (٦). ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ وعاها وأكنها ولم يظهرها، إرادة التوبيخ عليها والمجازاة بها. وفي الضمير ثلاثة أقوال: قول الزجاج، وزيفه (٧) أبو علي في «إصلاح الإغفال»، وقولان لأبي علي. أما قول الزجاج: فإنه ذكر في «المعاني» (٨) أنها (٩) كناية بشريطة التفسير،

стр. 870

وفسرها قوله: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ كأنه (١) أضمر هذه الكلمة، أي: أنتم شر مكاناً في السَّرَق (٢). قال أبو علي (٣): الإضمار على شريطة التفسير ضربان (٤): إما جملة يفسر مفرداً، نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] يريد الضمير الذي يتقدم المبتدأ والخبر، ويسميه النحويون ضمير الأمر والشأن، وكذلك مع (٥) العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر. وإما مفرد يفسر مفرداً، نحو: نِعْمَ رجلاً ورُبَّهُ رَجُلاً، فرجل تفسير المضمر (٦) في رُبَّه، كما كان تفسيراً لفاعل نعم، وليس لهذين المفردين نضير، ولا في التقسيم ثالث. وأما قولا أبي علي (٧)، فأحدهما: أنه (٨) كناية عن الإجابة، أي: أسرها إلى وقت ثانٍ (٩)، والثاني: كناية (١٠) عن المقالة وأراد بها المقول، كضرب الأمير ونسج اليمن. ومعنى ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ عند ابن عباس: شر صنيعاً، لما فعلتم من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم (١١).

стр. 871

وقيل: شر مكاناً في السَّرَق، لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من أبيه (١) على الحقيقة، وقيل: أنتم شر فعالاً، وليس أفعل هاهنا للتفضيل بل للمبالغة. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ تقولون، وقيل: تكذبون. ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا﴾ كلفاً بحبه. ﴿كَبِيرًا﴾ في السن، وقيل: في المنزلة. ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ خذ واحداً منا (٢) عبداً بدله. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ في أفعالك، وقيل: من المحسنين بالمسلمين، وقيل: من المحسنين إلينا برد بضاعتنا وإيفاء الكيل لنا، وقيل: إن (٣) فعلت أحسنت إلينا. ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أعوذ بالله وأعتصم به. ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا﴾ الصاع ﴿عِنْدَهُ﴾ أي: أستجير بالله من أخذى بريئاً بسقيم. ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ في الحكم والقضاء. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾ أيسوا، ويأس واستيأس بمعنىً، كسَخِرَ واستسخر (٤) وعَجِبَ واستعجب. وأيس مقلوب يأس وبمعناه، ومنه قراءة ابن كثير: (استايس) (٥).

стр. 872

﴿مِنْهُ﴾ من يوسف وإجابته إياهم، وقيل: من ابنيامين. ﴿خَلَصُوا﴾ انفردوا من غير أن يكون معهم من ليس منهم. ﴿نَجِيًّا﴾ يتناجون، ووحد النجي (١) لأنه مصدر، والنجي (٢): الناجي أيضاً، وجمعه أنجية. ابن عيسى: أصله من: النجو، وهو الارتفاع من الأرض، لأن المناجي يرفع ما عنده إلى صاحبه في خفية (٣). ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في الرأي، وهو شمعون رئيسهم، وقيل: كبيرهم في السن، وهو روبيل، وقيل: يهوذا. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهداً وثيقاً، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾. ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أي: قدمتم، ومنه الفارط، وقيل: قصرتم، وتقديره: وتعلمون (٤) تفريطكم، وقيل: ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ مبتدأ، خبره (٥) ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾، أي: وتفريطكم في يوسف ثابت من قبل (٦)، وقيل: ﴿فِي يُوسُفَ﴾ خبره، وهذا أظهر، وقيل: ﴿مَا﴾ صلة، وتقديره: ومن قبل (٧) فرطتم في يوسف.

стр. 873

﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ لا أفارق أرض مصر، وبرح وزال بمعنىً، و ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوبة بواسطة الجار، أي: عن (١) الأرض، وليست ظرفاً ولا مفعولاً به. ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في (٢) الرجوع إليه. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ يقضي لي بالخروج منها فيرد (٣) علي أخي، وقيل: يأمر لي بالمقاتلة مع القوم، وذلك أن بني يعقوب كانوا يكلمون العزيز في أخيهم، فقال روبيل: أيها الملك والله لتتركنّا أو لأصيحن صيحة لا تَبْقَي بمصر امرأة حامل إلا وضعت وألقت ما في بطنها لها، وقامت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسه، وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه، فقال روبيل: من هذا؟ إن في هذا البلد لبذراً من بذر يعقوب (٤)، فقال يوسف: من يعقوب؟ قال: أيها الملك لا تذكر يعقوب، فإنه إسرائيل الله ابن ذبيح الله ابن خليل الله (٥). وهذا معنى قول من قال: يأمر لي بالقتال. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾. ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي: اشرحوا له كيفية الحال، وقوله: ﴿سَرَقَ﴾: يعنون في ظاهر الأمر، وقرئ: (سُرِّق) بالتشديد (٦)، وله وجهان:

стр. 874

أحدهما: نسب إلى السرقة، والثاني: علم (١) منه أنه سرق. ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾ أي: شهادتنا بما ظهر ورأينا والغيب عند الله، وقيل: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي: وما قلنا إلا بما رأينا أخرجت من رحله، وقيل: وما شهدنا أن السارق يسترق إلا بما علمنا من كتبنا، لأن يعقوب قال لهم: ومن أين علم الملك أن السارق يسترق، ولم نعلم أن ابنك يسترق (٢)، وقيل: معناه: لا ندري باطن أمر السرقة، وقيل: معناه: لم نعلم أنك تصاب به (٣) كما أصبت بيوسف (٤). ابن عباس: الغيب: الليل بلغة حمير (٥)، أي: ما كنا نحفظه بالليل. عكرمة: فلعلها دست في رحله بالليل (٦). قال الشيخ ﵀ (٧): ويحتمل: وما كنا نحفظ (٨) إذا غاب عنا. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قيل: مصر، وقيل: قرية بالقرب منها، لأنهم كانوا خرجوا من مصر، وأراد أهل القرية فحذف المضاف إيجازاً من غير إخلال، وقيل: ليس في هذا حذف، والمعنى: ليس بمستنكر أن يكلمك جدران القرية فإنك نبي. ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ وكان معهم جماعة من أهل كنعان. والعير: الإبل، وقيل: القافلة من الحمير، وقد (٩) يستعمل للإبل مجازاً، والعَيْر: حمار الوحش. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ تأكيد يجري مجرى القسم. ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ يريد: فلما رجعوا إلى يعقوب وقالوا له هذا القول وشرحوا الأمر، اتهمهم وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ زينت، وقيل: سهلت. ابن عيسى: التسويل: حديث النفس بما تطمع فيه، ومنه: السول، غير مهموز، وهو المُنى.

стр. 875

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فأمري صبر جميل، وقيل: فصبر جميل أولى وأمثل. والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يريد يوسف وابنيامين وأخاهما الذي بمصر. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي. ﴿الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ بتدبيره. ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم، والتولي: الانصراف بالوجه عن الشيء. سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال (لم يعط أحد من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون إلا أمة محمد ألا ترى أن يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع، إنما قال (١) ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾) (٢). الأسف: أشد الحزن، وقيل: الأسف: أشد الحزن (٣) على ما فات، والألف بدل من ياء الإضافة، والمعنى: يا أسفي تعال فهذا أوانك. ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾ انقلبت إلى حال البياض، أي: عميتا فغطى البياض سواد الحدقة. ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: لكثرة بكائه من الحزن، فحذف لدلالة الحال عليه. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ فعيل بمعنى مفعول، كقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] أي: مملوء حزناً، وقيل: فعيل بمعنى (٤) فاعل، كقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] أي: ممسك للحزن في قلبه لابنيه، وأصله من: كَظَمَ البعيرُ جِرَّتَهُ: ردها في جوفه (٥)، وكظم الغيظ: اجترعه.

стр. 876

المبرد: ﴿كَظِيمٌ﴾: أخذ الحزن بِكَظْمِهِ، وهو مجرى النَّفَس (١). السدي: ﴿كَظِيمٌ﴾ بالغيظ على نفسه لم أرسله مع إخوته (٢). وقيل: انضاف حزنه بيوسف إلى حزنه بابنيامين وانضاف إليهما حزن ذهاب بصره، فصار كظيماً ممتلئاً حزناً، ولهذا (٣) حَسُنَ الفاء في ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾. وذهب بعض المفسرين إلى أنه عَمِيَ وذهب بصره، وبعضهم ذهب (٤) إلى أنه ضعف بصره لبياض حصل فيه من كثرة البكاء. الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب (٥). ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تتوجع عليه وتذكره، وقيل: لا تفتؤ. تقول: فَتِئ يفتؤ فَتْأً وفُتُوءاً، والتقدير (٦): لا تفتؤ، لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات، وهي: أن أو اللام عُلِمَ أنه للنفي. قال (٧): لقد آليتُ أَغدِرُ في جَداعِ ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ ابن عباس: (حرضاً): دَنِفاً (٨). أبو عبيدة: الحرض: الذي (٩) أذابه الهم (١٠).

стр. 877

ابن عيسى: الحرض: فساد الجسم والعقل للحزن أو للحب (١)، قال (٢): إني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأَحْرَضَني ... حتى بَلِيْتُ وحتى شفَّني السَّقَمُ ابن بحر: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ أي: حتى تمرض أو تموت، قالوا ذلك لأبيهم شفقاً عليه (٣). ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ابن عباس: ﴿بَثِّي﴾: هَمِّي (٤). وقيل: حاجتي، وقيل: البث من الحزن: مالا صبر على كتمانه، وقيل: تفريق الهمِّ عن القلب بإظهاره، تقول: بَثَّهُ ما في نفسه وأَبَثَّهُ، أي: أشكوا إلى من يملك الفرج من البلوى لا إليكم. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ قيل: إن ملك الموت أخبره بحياة يوسف يقظة، وقيل: رأى (٥) ملك الموت في المنام فسأله عن يوسف فقال: هو في الأحياء (٦). ابن عباس: علم أن رؤيا يوسف صادقة وأنه يسجد له (٧). وقيل: علم بإحسان الله ما يوجب حسن الظن بالله. ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ استكشفوا عن أحوالهما واستخبروا خبرهما. والتحسس: طلب الإحساس مرة بعد أخرى، والإحساس (٨): الإدراك، والحَسُّ: الاسم، كالطاعة من أطاع، قيل: إن يعقوب لما سمع من بنيه ماحكوا له من أحوال الملك مع ابنيامين من طلبه أولاً ثم خلوه به دونهم ثم إمساكه إياه بالاحتيال في الصواع، قال لهم: اذهبوا فتحسسوا من يوسف ونسبه وآبائه ودينه، فإني أرجوا وأظن أنه يوسف. ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ لا تقنطوا من رحمته (٩) وفرجه، والروح: الاستراحة. ابن عيسى: الروح: نفعٌ بريح تُلَذ (١٠). ﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ أي: الإيمان بالله وبصفاته يوجب للمؤمن رجاء ثوابه من غير قنوط من رحمته. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ يريد: خرجوا من عند (١١) أبيهم راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها ودخلوا على يوسف.

стр. 878

﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي: الملك بلغة حمير. ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: أصابنا وأهلنا الجوع. ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ دراهم رديئة، وقيل: زُيُوفٌ، وقيل: بضاعة الأعراب، أي: الصوف والسمن والأقط، وقيل: الحبة الخضراء والصنوبر، وقيل: خَلَقُ الغرار (١) والحبال، وقيل: النعال والأدم. ومعنى ﴿مُزْجَاةٍ﴾ قليلة، وقيل: نُفَاية، وقيل: كاسدة، وأصله من: الدفع، ومنه: تزجية الأوقات. ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أتم لنا الكيل. ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ فيه قولان، أحدهما: أن الصدقة التي هي زكاة الأموال لم تحل لنبي قط، وهذا قول جل المفسرين، فحملوا قوله (٢): ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ على معنىً يصح من الأنبياء، فقال بعضهم: تصدق علينا بما بين السعرين فأعطنا بالرديء ما تعطي بالجيد، وقيل: تصدق علينا بأخذ متاعنا وإن لم يكن من حاجتك، وقيل: تصدق علينا بأخينا، وقيل: تفضل علينا، وقيل: تجوز عنا. والثاني: أن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء، وإنما حرمت على نبيا محمد ﷺ (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ يكافئهم. والصدقة: العطية للفقراء ابتغاء الأجر. ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اختلف المفسرون في موجب قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ فقال (٤) بعضهم: لما قالوا ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ دخلته رقة فعندها قال، وقيل: كتب إليه يعقوب كتاباً في تخليص ابنيامين وذكر فيه أحواله وما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه وذكر أحوال أبويه إسحاق وإبراهيم فأخذته رقة، وقيل: قال لهم: إن مالك ابن ذعر قال: اشتريت منكم بمكان كذا غلاماً من صفته كذا وكذا، فقالوا: نحن بعناه منه، فغضب عليهم وأمر بقتلهم، فبكوا وجزعوا،

стр. 879

فدمعت عيناه ورق لهم، وقال (١): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾، حكاه الثعلبي (٢). وحكى ابن الهيصم (٣) في قصصه أنه صلبهم، وفي القولين بعد، والله أعلم. ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ قيل: شبان، ومظنة الجهل الشباب، وقيل: صبيان، وفيه بعد، وقيل: مذنبون، وقيل: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾: يوم كنتم جاهلين، وقيل: جاهلون بعاقبة ما يصير إليه أمركم وأمر يوسف. ابن عيسى: هذا تذكير يتضمن التوبيخ لهم بما صنعوا به (٤) من إلقائه في الجب بعد أن كانوا عزموا على قتله، ثم بيعهم إياه من التاجر، وبما صنعوا بأخيه من إفراده عن أخيه لأمه وأبيه (٥)، ثم جفائهم به حتى كان لا يكلم أحداً منهم إلا كلام الذليل للعزيز (٦). ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرئ بالخبر وبالاستفهام (٧)، والوجه الخبر (٨)، لأن بين الاستفهام وبين (إن) واللام تنافياً (٩)، هذا للتردد وذلك (١٠) للتحقيق.

стр. 880

وقيل: هو ألف النداء، وتقديره: يا من تخاطبنا إنك لأنت يوسف، وقيل: من قرأ بالخبر فالاستفهام مقدر (١)، والوجه ما سبق. وجاء في القصة: إنه كان يتكلم معهم قبل ذلك من رواء الحجاب فرفع يومئذ الحجاب ووضع التاج وتبسم في وجوههم فعرفوه وقالوا: إنك لأنت يوسف (٢). ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ من أبي وأمي (٣). ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالسلامة والكرامة. ﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن. ﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ الفاحشة (٤). ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على (٥) بلواه، وقيل: يتق الزنا ويصبر على العزبة (٦). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ في الدنيا والآخرة. والعائد إلى (٧) المبتدأ محمول على المعنى لأن المتقي الصابر محسن لا محالة. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ اختارك (٨) وفضلك علينا بالعقل والحلم والحسن. وحقيقة الإيثار: تفضيل الشيء لكون أثره أجمل من أثر غيره.
следующие страницы →