المبرد: ﴿كَظِيمٌ﴾: أخذ الحزن بِكَظْمِهِ، وهو مجرى النَّفَس (١).
السدي: ﴿كَظِيمٌ﴾ بالغيظ على نفسه لم أرسله مع إخوته (٢).
وقيل: انضاف حزنه بيوسف إلى حزنه بابنيامين وانضاف إليهما حزن ذهاب بصره، فصار كظيماً ممتلئاً حزناً، ولهذا (٣) حَسُنَ الفاء في ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾.
وذهب بعض المفسرين إلى أنه عَمِيَ وذهب بصره، وبعضهم ذهب (٤) إلى أنه ضعف بصره لبياض حصل فيه من كثرة البكاء.
الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب (٥).
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تتوجع عليه وتذكره، وقيل: لا تفتؤ.
تقول: فَتِئ يفتؤ فَتْأً وفُتُوءاً، والتقدير (٦): لا تفتؤ، لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات، وهي: أن أو اللام عُلِمَ أنه للنفي.
قال (٧):
لقد آليتُ أَغدِرُ في جَداعِ
﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ ابن عباس: (حرضاً): دَنِفاً (٨).
أبو عبيدة: الحرض: الذي (٩) أذابه الهم (١٠).
стр. 877
ابن عيسى: الحرض: فساد الجسم والعقل للحزن أو للحب (١)، قال (٢):
إني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأَحْرَضَني ... حتى بَلِيْتُ وحتى شفَّني السَّقَمُ
ابن بحر: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ أي: حتى تمرض أو تموت، قالوا ذلك لأبيهم شفقاً عليه (٣).
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ابن عباس: ﴿بَثِّي﴾: هَمِّي (٤).
وقيل: حاجتي، وقيل: البث من الحزن: مالا صبر على كتمانه، وقيل: تفريق الهمِّ عن القلب بإظهاره، تقول: بَثَّهُ ما في نفسه وأَبَثَّهُ، أي: أشكوا إلى من يملك الفرج من البلوى لا إليكم.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ قيل: إن ملك الموت أخبره بحياة يوسف يقظة، وقيل: رأى (٥) ملك الموت في المنام فسأله عن يوسف فقال: هو في الأحياء (٦).
ابن عباس: علم أن رؤيا يوسف صادقة وأنه يسجد له (٧). وقيل: علم بإحسان الله ما يوجب حسن الظن بالله.
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ استكشفوا عن أحوالهما واستخبروا خبرهما.
والتحسس: طلب الإحساس مرة بعد أخرى، والإحساس (٨): الإدراك، والحَسُّ: الاسم، كالطاعة من أطاع، قيل: إن يعقوب لما سمع من بنيه ماحكوا له من أحوال الملك مع ابنيامين من طلبه أولاً ثم خلوه به دونهم ثم إمساكه إياه بالاحتيال في الصواع، قال لهم: اذهبوا فتحسسوا من يوسف ونسبه وآبائه ودينه، فإني أرجوا وأظن أنه يوسف.
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ لا تقنطوا من رحمته (٩) وفرجه، والروح: الاستراحة.
ابن عيسى: الروح: نفعٌ بريح تُلَذ (١٠).
﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ أي: الإيمان بالله وبصفاته يوجب للمؤمن رجاء ثوابه من غير قنوط من رحمته.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ يريد: خرجوا من عند (١١) أبيهم راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها ودخلوا على يوسف.
стр. 878
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي: الملك بلغة حمير.
﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: أصابنا وأهلنا الجوع.
﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ دراهم رديئة، وقيل: زُيُوفٌ، وقيل: بضاعة الأعراب، أي: الصوف والسمن والأقط، وقيل: الحبة الخضراء والصنوبر، وقيل: خَلَقُ الغرار (١) والحبال، وقيل: النعال والأدم.
ومعنى ﴿مُزْجَاةٍ﴾ قليلة، وقيل: نُفَاية، وقيل: كاسدة، وأصله من: الدفع، ومنه: تزجية الأوقات.
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أتم لنا الكيل.
﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ فيه قولان، أحدهما: أن الصدقة التي هي زكاة الأموال لم تحل لنبي قط، وهذا قول جل المفسرين، فحملوا قوله (٢): ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ على معنىً يصح من الأنبياء، فقال بعضهم: تصدق علينا بما بين السعرين فأعطنا بالرديء ما تعطي بالجيد، وقيل: تصدق علينا بأخذ متاعنا وإن لم يكن من حاجتك، وقيل: تصدق علينا بأخينا، وقيل: تفضل علينا، وقيل: تجوز عنا.
والثاني: أن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء، وإنما حرمت على نبيا محمد ﷺ (٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ يكافئهم.
والصدقة: العطية للفقراء ابتغاء الأجر.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اختلف المفسرون في موجب قوله:
﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ فقال (٤) بعضهم: لما قالوا ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ دخلته رقة فعندها قال، وقيل: كتب إليه يعقوب كتاباً في تخليص ابنيامين وذكر فيه أحواله وما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه وذكر أحوال أبويه إسحاق وإبراهيم فأخذته رقة، وقيل: قال لهم: إن مالك ابن ذعر قال: اشتريت منكم بمكان كذا غلاماً من صفته كذا وكذا، فقالوا: نحن بعناه منه، فغضب عليهم وأمر بقتلهم، فبكوا وجزعوا،
стр. 879
فدمعت عيناه ورق لهم، وقال (١): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾، حكاه الثعلبي (٢).
وحكى ابن الهيصم (٣) في قصصه أنه صلبهم، وفي القولين بعد، والله أعلم.
﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ قيل: شبان، ومظنة الجهل الشباب، وقيل: صبيان، وفيه بعد، وقيل: مذنبون، وقيل: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾: يوم كنتم جاهلين، وقيل: جاهلون بعاقبة ما يصير إليه أمركم وأمر يوسف.
ابن عيسى: هذا تذكير يتضمن التوبيخ لهم بما صنعوا به (٤) من إلقائه في الجب بعد أن كانوا عزموا على قتله، ثم بيعهم إياه من التاجر، وبما صنعوا بأخيه من إفراده عن أخيه لأمه وأبيه (٥)، ثم جفائهم به حتى كان لا يكلم أحداً منهم إلا كلام الذليل للعزيز (٦).
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرئ بالخبر وبالاستفهام (٧)، والوجه الخبر (٨)، لأن بين الاستفهام وبين (إن) واللام تنافياً (٩)، هذا للتردد وذلك (١٠) للتحقيق.
стр. 880
وقيل: هو ألف النداء، وتقديره: يا من تخاطبنا إنك لأنت يوسف، وقيل: من قرأ بالخبر فالاستفهام مقدر (١)، والوجه ما سبق.
وجاء في القصة: إنه كان يتكلم معهم قبل ذلك من رواء الحجاب فرفع يومئذ الحجاب ووضع التاج وتبسم في وجوههم فعرفوه وقالوا: إنك لأنت يوسف (٢).
﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ من أبي وأمي (٣).
﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالسلامة والكرامة.
﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن.
﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ الفاحشة (٤).
﴿وَيَصْبِرْ﴾ على (٥) بلواه، وقيل: يتق الزنا ويصبر على العزبة (٦).
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ في الدنيا والآخرة.
والعائد إلى (٧) المبتدأ محمول على المعنى لأن المتقي الصابر محسن لا محالة.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ اختارك (٨) وفضلك علينا بالعقل والحلم والحسن.
وحقيقة الإيثار: تفضيل الشيء لكون أثره أجمل من أثر غيره.
стр. 881
﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ مذنبين.
فمن ذهب إلى أنهم كانوا بالغين احتج بهذا، ومن ذهب إلى أنهم لم يكونوا بالغين وأن ذلك كان منهم لصباهم قال: إقامتهم على كتمان الأمر عن أبيهم موهمين له أن الأمر على ما اخبروه أولاً خطأ ومعصية.
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ لا تعيير عليكم، وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم، وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتم، وقيل: لا تخليط عليكم ولا إفساد.
الزجاج: لا إفساد (١).
وقيل: لا لوم ولا عتب (٢).
ابن عيسى: التثريب: تعليق الضر بالإنسان من أجل جرم كان منه.
ابن بحر: هو مأخوذ من الثَّرْب، وهو شحم الجوف، وهو بلوغ الأقصى من الأمر.
قال الشيخ ﵀ (٣): ويحتمل أنه من الثَّرْب، حيث لم يأت على هذا الترتيب من هذا التركيب غيره (٤)، ويكون المعنى: لا تعيير عليكم، كما يقال: فلان يتناول كبد فلان، ويأكل الكبد، جعل أكل الكبد كناية عن التوبيخ وعن اللوم وعن الانتظار، وهذا معنى جلي، والله اعلم (٥).
стр. 882
﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ماكان منكم، دعاء لهم من غير مسألة (١)، وقيل: خبر، والمعنى: كان الله آخذكم بحقي إلا أن أصفح، وقد صفحت عنكم.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾.
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ وذلك أنه سألهم عن حال (٢) أبيه، فقالوا: إنه عَمِيَ من كثرة البكاء.
وفي القميص قولان، أحدهما: كان قميصه الذي يلبسه، والثاني: كان القميص من الجنة لا يمسه ذو عاهة إلا صح.
وجاء في التفسير إنه القميص الذي ألبس الله إبراهيم يوم طرح في النار، فكساه إسحاق، ثم كساه يعقوب، ثم جعله يعقوب في تعويذ وعلقه من جيد يوسف ولم يعلم إخوته بذلك (٣).
﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يرجع إلى حال الصحة والبصر، وقال بعضهم: معناه يأتيني بصيراً.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ نسائكم وأولادكم وعبيدكم وإمائكم.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ خرجت الرفقة من مصر نحو كنعان.
﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حضره من أسباطه وأن (٤) أولاده بَعْدُ في الطريق.
﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أُدْرِكه شَمَّاً.
ابن عباس: حملت الريح رائحة يوسف من مسيرة ثمان ليال (٥).
стр. 883
الحسن: مسيرة (١) شهر (٢).
مجاهد: مسيرة ثلاثة أيام (٣).
وذلك أنهم حين نشروه فاحت منه رائحة الجنة فحملتها الريح إلى يعقوب، فَعَلِمَ أن ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثَمَّ قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
ومن ذهب إلى أنه قميصه الذي كان يلبسه قال: بلغت ريح يوسف يعقوب (٤) على بُعْدِ المسافة معجزة حيث كانوا أنبياء.
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾ تُجَهِّلون وتُسَفِّهون وتُهَرِّمون وتكذبون وتحمقون وتضعفون وتقبحون وتعجزون وتضللون، هذه كلها أقوال المفسرين.
والتفنيد في اللغة: تضعيف الرأي، والفَنَدُ: ضَعْفُ الرأي، والتفعيل ها هنا (٥): للنسب إلى الشيء (٦)، وجواب (لو) محذوف، وتقديره: لقلت إنه قريب.
﴿قَالُوا﴾ أي: أسباطه.
﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ خطأك القديم من حب يوسف لا تنساه، غلظوا له القول بهذه الكلمة إشفاقاً عليه، وكان عندهم أنه قد مات.
стр. 884
سعيد بن جبير: ﴿ضَلَالِكَ﴾: حيرتك (١).
الحسن: هذا عقوق (٢)، كأنه لم يرض هذا القول.
وقيل: ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾: محبتك القديمة.
قال الشيخ (٣): ويحتمل إنهم عنوا بهذا الضلال ما حكى الله عن بنيه في قوله:
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، ولهذا قالوا: ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾، لأن القديم: هو الموجود الذي لم يزل، ثم يستعمل للعتيق مبالغة، كقوله: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، والله أعلم.
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ جُلُّ المفسرين على أن البشير: يهوذا بن يعقوب، قال: أنا ذهبت إليه بالقميص ملطخاً بالدم، فأكون أنا الذاهب بالقميص (٤) مبشراً (٥).
وروي عن ابن عباس أيضاً: أن البشير مالك ابن ذعر (٦).
﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: ألقى البشير القميص على وجه يعقوب.
﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ عاد كما كان، وقيل: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ بخبر يوسف، حكاه أقضى القضاة (٧).
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ من حياة يوسف وأن الله
стр. 885
يجمع بيننا، وقيل (١): إني أعلم من صحة رؤيا يوسف، وقيل: بلوى الأنبياء بالمحن ونزول (٢) الفرج، وقيل: من إخبار ملك الموت إياي.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ أي: سل الله لنا مغفرة (٣) ما ارتكبناه في حقك وحق ابنك، إنا تبنا واعترفنا بخطأنا (٤).
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أَخَّرَهُ إلى صلاة الليل، وقيل: إلى السحر، وقيل: إلى ليلة الجمعة، وقيل: أدوم إلى (٥) الاستغفار خلف كل صلاة، وعند (٦) كل دعاء، وقيل: أسأل يوسف فإن عفا عنكم أستغفر لكم ربي (٧).
﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾.
ثم إن يوسف حمل إلى يعقوب جهاز السفر ومائتي راحلة وسأله أن يأتيه بأهله أجمعين، فهيأ يعقوب أسباب السفر فخرج بأهله.
قال ابن سيرين (٨): كانوا ثلاثة وسبعين إنساناً.
فلما بلغ قريباً من مصر كلم يوسف الملك الكبير، فخرج يوسف والملك في جند عظيم وأدخلوهم مصر، وهو قوله:
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ﴾ ضم إليه.
﴿أَبَوَيْهِ﴾ يريد أباه وخالته، وكانت تحت يعقوب.
стр. 886
الحسن: كانت أم يوسف راحيل باقية إلى دخول مصر (١).
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ قيل: هذا كان (٢) قبل الدخول، وقيل: بعد أن دخلوا مصر، أي: ادخلوا مقيمين فيها.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ من ملوكها، وكانوا لا يدخلون إلا بجواز، وقيل: آمنين من القحط.
والاستثناء من الأمن، وقيل: كان قبل الدخول، وقيل: هو راجع إلى قول يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] إن شاء الله.
قال الشيخ ﵀ (٣): ويحتمل أن هذا على وجه التسبيح، كقوله ﷺ حين دخل المقابر: (وإنا بكم لاحقون إن شاء الله) (٤)، وإلى هذا المعنى ذهب بعض المفسرين في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧].
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ الواو لا تقتضي الترتيب، وفيه تقديم وتأخير، أي: خروا له سجداً ورفع أبويه على العرش، على السرير، وكان تحيتهم السجود.
الحسن: أمرهم الله بالسجود له لتأويل الرؤيا (٥).
ابن عباس: خروا لله (٦) سجداً (٧).
стр. 887
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صادقة.
وكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعون سنة.
الحسن: ثمانون سنة (١)، وقيل: ست وثلاثون سنة، وقيل: اثنتان وعشرون سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة (٢).
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يذكر الجب لقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف/٩٢].
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ وكانوا (٣) يسكنون البراري، وقيل: جاءوا من البادية وكانوا يسكنون المدن، قيل: فلسطين، وقيل: الجزيرة من حران.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ أفسد وحرش ﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، وقيل: أفسد ذات بيننا.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ بالغ إرادته، وقيل: لطف ليوسف حتى نجا من الشدائد ونال ما نال.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾.
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ ملك مصر، ودخل ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، لأنه لم يؤت الملك كله، وقيل: ﴿مِنَ﴾ للبيان.
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تفسير كتبك المنزلة على الأنبياء، وقيل: تعبير الرؤيا، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض أو للتبيين، كالأول.
стр. 888
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي﴾ ناصري ومعيني ومتولي تدبيري.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (١) اقبضني على الإسلام مخلصاً في الطاعة.
ابن جرير: سأل الموت وما سأله غيره (٢).
وقيل: ليس هذا سؤالاً، وإنما المعنى توفَّني يوم توفَّني مسلماً (٣).
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ الأنبياء، وقيل: وقيل: آبائي (٤) إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقيل: أهل الجنة.
﴿ذَلِكَ﴾ يعني نبأ يوسف ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ من الأخبار (٥) العظيمة، وقد غبت عنها ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ نرسل به جبريل إليك ولم يكن من علمك ولا من علم قومك (٦).
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لدى بني يعقوب ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف في الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ بيوسف، وقيل: بأبيهم.
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ كان رسول الله ﷺ يرجوا إيمان قريش واليهود لما سألوا عن قصة يوسف فقص (٧) الله عليهم أحسن قصص (٨) وبينها أحسن بيان، فلم يكونوا عند ظنه، فنزلت هذه الآية (٩). وتقديرها: وما أكثر
стр. 889
الناس بمؤمنين ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اجتهدت كل الاجتهاد، فإن ذلك إلى الله فحسب.
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ على القرآن، وقيل: على التبليغ، وقيل: على الإنباء.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْلٍ ومالٍ فيثقلهم ذلك.
﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو.
﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي: ما في القرآن إلا عظة (١).
﴿لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ للخلائق أجمعين.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ معناه: كم، وتقديره: كأي عدد شئت، ويلزم ما بعده (من).
قوله: ﴿مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية: ما يوجب العلم اليقين (٢) عند التأمل.
﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ على الآيات، وقيل: على الأرض، ويقوي هذا القول قراءة من قرأ بالرفع والنصب، وكذلك قراءة ابن مسعود ﵁ (يمشون عليها)، والكل شاذ (٣).
﴿وَهُمْ عَنْهَا﴾ عن الآيات ﴿مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ غير متفكرين فيها.
стр. 890
الحسن: من الآيات إهلاك من أهلك من الأمم (١).
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ أكثر المفسرين على أنها نزلت في الكفار، لأنهم مقرون بأن الله خالقهم ورازقهم وإذا حزبهم أمر شديد دعوا الله (٢).
وقيل: نزلت في الثنوية وقولهم بالنور والظلمة، والمجوس وقولهم الخير من الله والشر من إبليس، وقيل: في النصارى، آمنوا ثم أشركوا بالتثليث (٣).
ابن عباس: نزلت في تلبية المشركين وهي قولهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك (٤).
وقيل: نزلت في المنافقين، أظهروا الإسلام (٥) وأسروا الكفر والشرك.
وقيل: نزلت في أهل الكتاب، آمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، فجمعوا بين الإيمان والشرك.
ابن جرير: هو كقول القائل: لولا الله وفلان لكان كذا (٦).
وقيل: تقديره: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا (٧) وهم كانوا مشركين، وله نظائر.
стр. 891
وروي عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) (١).
﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ عقوبة تغشاهم وتشملهم.
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ القيامة.
﴿بَغْتَةً﴾ فجأة من غير سابقة علامة.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾ بإتيانها، أي (٢): وهم غير مستعدين لها.
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَذِهِ﴾ الطريقة وهذه الدعوة ﴿سَبِيلِي﴾ طريقي (٣) ومنهاجي ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أدعوا الناس إلى الله ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ على هدى وبيان.
ابن عيسى: البصيرة: المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل، وهي مصدر بَصُرَ.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ آمن بي وصدقني، أي: وهم يدعون الناس أيضاً إلى الله، وقيل: تم الكلام على قوله ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فيكون ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ خبر المبتدأ، وهذا أحسن، وعلى الوجه الأول حال (٤).
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وقل سبحان الله، نزهه عما لا يليق بوصفه.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ مع الله غير الله.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: حال من سبق من الأنبياء كحالك وبعثوا من أهل القرى لأنهم أعلم وأحلم، ولم يبعث الله نبياً من البادية ولا من من النساء.
стр. 892
قال الحسن: ولا من الجن (١).
و(من) لابتداء الغاية، وقيل: اسم للزمان الذي تقدم زمان ما أضيف قبل إليه، وأفاد دخول (من) استيعاب الطرفين (٢).
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يحذر أمة محمد ﷺ من تكذيبه بما وقع بمن كذب الرسل قبلهم، ويحرضهم على الامتداد في الأرض والنظر إلى مصارع من أهلكوا قبلهم.
وأفاد دخول الفاء أن ما قبله يقتضي ما بعده.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ يعني الجنة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك وآمنوا بالله ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ فتعرفوا أنها خير فتتوسلوا بالإيمان إليها (٣)، وقيل: أولم تقرأوا (٤) القرآن فتعرفوا كيف كان (٥) حال من كذب الرسل قبلهم.
وأضاف الدار هاهنا إلى الآخرة على تقدير حذف الموصوف، كأنه قال: ولدار النشأة الأخرى وفي غيرها صفة للدار.
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ يأسوا وانقطع رجاؤهم من صلاح القوم وإيمانهم.
стр. 893
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ وأيقن الرسل أن قومهم كذبوهم (١).
ومن قرأ بالتخفيف يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الضمير للمرسل إليهم، ودل الرسل على المرسل (٢) إليهم، وقيل: تقدم (٣) ذكرهم في قوله ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
والثاني: أن يعود إلى الرسل، والمعنى: ظن الرسل أن قومهم كَذَبُوهُم فيما وعدوهم من الإجابة إلى الإيمان.
وكَذَبَ يتعدى إلى مفعولين: كذبته الحديث.
وما ذكره القتبي (٤) في جماعة في هذه الآية فبعيد لا نعتقد مثله في الأنبياء والمرسلين.
﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ نصرتنا للأنبياء والمؤمنين (٥).
﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ النبي ومن آمن به (٦).
стр. 894
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ أي: وأهلكنا الكاذبين حيث لا راد لعذابنا عنهم إذا نزل بهم.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي: في (١) قصص الأنبياء وأممهم، وقيل: في قصة يوسف وإخوته وأبيه.
﴿عِبْرَةٌ﴾ ما يُعْبَرُ به عن (٢) الجهل إلى العلم.
﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ذوي العقول.
ولُبُّ كل شيء: خلاصته وخياره.
أي: الذي قدر على إعزاز يوسف بعد الجب والسجن وتمليكه مصر بعد العبودية (٣) والذل والجمع بينه وبين أبويه وإخوته على المحبوب بعد المدة المديدة والشقة البعيدة (٤) قادر على إعزاز محمد ﷺ وإعلاء كلمته على من عاداه (٥) من الكفار والجهال.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان القرآن حديثاً مفترى كما زعم الكفار ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ولكن كان تصديق الكتب التي تقدمته (٦)
﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وبيان دين الله وشرائعه ﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ من العذاب ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ يصدقون بتوحيد الله ويقرون بنبوة محمد ﷺ .
стр. 895
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الرعد (١).
مدنية في قول قتادة.
وقال عطاء: هي مكية إلا آية من قوله ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣] (٢).
(بسم الله الرحمن الرحيم).
﴿المر﴾ ابن عباس ﵄: أنا الله أعلم وأرى (٣).
والكلام فيها سبق (٤).
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قيل: ﴿الْكِتَابِ﴾: التوراة والإنجيل وقيل (٥): الزبور، وقيل: القرآن, وقيل: اللوح المحفوظ.
﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ القرآن بإجماع، لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، فمن جعل
﴿الْكِتَابِ﴾ القرآن جعل الواو مقحماً أو جوز (٦) العطف على الوصف بالواو،
стр. 896
كقول الشاعر (١):
إلى الملك القَرْم وابنِ الهُمامِ ... وليثِ الكتيبة في المزدَحَمْ
وقيل: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: ما نزل من القرآن قبل هذه السورة، ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾: هذه السورة.
ومحل ﴿وَالَّذِي﴾ رفع بالابتداء، ﴿الْحَقُّ﴾ خبره.
وقيل: جر عطفاً على الكتاب، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبر المبتدأ (٢).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾ نزلت حين قالت العرب إن محمداً يتقوَّل القرآن من تلقاء نفسه (٣).
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: وضعها من جانب العلو.
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمع عماد, وقيل: جمع عمود, فإن العرب تقول: عمود البيت وعماد البيت (٤)، وجمعهما: عَمَد، بفتحتين، كَأَدم وأَفَق وأَهَب (٥)، وهو قليل.
ابن عيسى: هو جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل.
﴿تَرَوْنَهَا﴾ الضمير يعود إلى السموات، أي: ترونها كذلك فلا حاجة إلى بيان.
وقيل: يعود إلى العمد، وفيه قولان:
أحدهما: لها عمد غير مرئية وهي قدرة الله سبحانه.
وقيل: هي جبل قاف والسموات مقببة عليه وأن خضرة السماء من جبل قاف (٦).
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق بيانه (٧).
стр. 897
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذلَّلهما لما يراد منهما تذليل الفرس للركوب (٣) , وقيل: سخرهما لمنافع العباد.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لانقضاء الدنيا.
والأجل: الوقت المضروب لحدوث أمر أو انقطاعه.
ابن عباس: ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: يريد درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يتجاوزانها (٤).
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضيه وحده.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يبينها ويميز بعضها عن بعض.
﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ كي تتفكروا فتعرفوا قدرته على البعث والإعادة.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بسطها طولاً وعرضاً لتثبت عليها أقدام الخلق.
واختلفوا في شكل الأرض: فقيل: بسيط, وقيل: كري، والآية حجة لمن قال بسيط (٥).
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالاً ثوابت، من رسا الشيء: إذا ثبت (٦)، وكانت الأرض تضطرب فخلق الله الجبال أوتاداً فاستقرت.
ابن عباس ﵄: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض (٧).
و﴿رَوَاسِيَ﴾ جمع راسية، والتاء للتأنيث، أي: جبل راس وأجبل راسية وجبال رواسي، فجبال جمع أجبل, وقيل: التاء للمبالغة، كنسَّابة وعلَاّمة، والأول أولى.
﴿وَأَنْهَارًا﴾ جمع نهر، وهو مسيل الماء، من: نَهَرت الشيء، أي: وسعته.
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: لونين وضربين، حلواً وحامضاً ومراً وعذباً وحاراً وبارداً، يريد اختلاف كل جنس من الثمر.
والزوج واحد والزوج اثنان، ولهذا قُيِّدَ لِيُعْلَمَ أن المراد بالزوج هاهنا: الفرد لا التثنية، فيكون أربعاً، وخص اثنين بالذكر وإن كان من أجناس الثمار ما يزيد على ذلك لأنه الأقل، إذ لا نوع تنقص أصنافه عن اثنين.
وقيل: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: الشمس والقمر, وقيل: الليل والنهار على أن الكلام تم على (٨) قوله ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.
стр. 898
قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ (١) أي: يأتي بالليل في إثر النهار فيستره بظلامه.
وقيل: يغشي الليل النهار ويغشي النهار الليل فاكتفى بذكر أحدهما.
قال الشيخ ﵀ (٢): ويحتمل أن الاكتفاء بأحدهما إنما وقع لاحتمال أن
الليل ظرف والنهار مفعول به، وأن النهار ظرف والليل مفعول به.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾.
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ قطع: جمع قطعة.
﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: متدانيات بعضها منبت طيب (٣) وبعضها سبخة غير منبت.
وقيل: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: قُرَىً (٤) متدانيات بعضها من بعض.
﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ وبساتين من ثمر الكرم (٥).
﴿وَزَرْعٌ﴾ الزر ع: إلقاء الحب للنبات في الأرض.
﴿وَنَخِيلٌ﴾ جمع نخلة.
﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان (٦): النخلات أصلها واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرقات، واحدها صنو، ومثله قنو وقنوان وهو العذق.
وقيل: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: وصف للجنات (٧)، أي: أشكال وغير أشكال، والصنو: الشكل، والأول أكثر (٨).
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ اختلاف ألوان الماء وطعومه (٩) بالمجاورة، والماء في أصله متحد الوصف.
стр. 899
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ في الثمر، وهو خلاصة (١) الشجر، وهذا مَثَلٌ لبني آدم صالحهم وطالحهم وأبوهم (٢) واحد, وقيل: مَثَلٌ لقلوب بني آدم ينزل عليها تذكير واحد فيرق بعضها ويقسو (٣) البعض.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ دلالات لمن يتفكر.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ عن (٤) إنكارهم البعث والنشور.
﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: إذا كنا تراباً نبعث ونحيى، وحذف لأن قوله ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يدل عليه، وليس ﴿جَدِيدٍ﴾ بعامل في (إذا) لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبله.
واختلف القراء في الاستفهامين (٥)، وكتب القراءة أولى بهذه المسألة (٦).
وتقدير الآية: وإن تعجب فقولهم أإذا (٧) كنا تراباً إنا لفي خلق جديد عجب، فالقول مبتدأ وعجب خبره.
واختلفوا في وصف الله بالعجب (٨):
стр. 900
فذهب قتادة إلى جوازه، وأنكره غيره, وقالوا: إنما يكون العجب منا إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن الله ، قالوا: والمعنى: فعجب قولهم عندكم (١).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ لأنهم أنكروا البعث.
﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ هي جمع غُل (٢)، والغُلُّ: ما يجمع اليمين والعنق في القيد والتعذيب.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ الاستعجال: طلب التعجيل, والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته.
﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ بالعقوبة قبل العافية، وهو اختيار كثير من المفسرين (٣).
وقال بعضهم: بالشر قبل الخير.
وقيل: بالكفر قبل الإجابة.
ابن عيسى: يطلبون ما يسوؤهم من العذاب قبل الإحسان بالإنظار.
وقيل: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: بالعذاب، بقولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٤) [الشعراء: ١٨٧] , وقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٢].
قيل: ﴿الْحَسَنَةِ﴾: التوحيد، أي: الله يدعوهم إلى التوحيد (٥) ليكرمهم وهم يستعجلون بالعذاب.
стр. 901
وقيل: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾: الشرك، و ﴿الْحَسَنَةِ﴾: التوحيد.
وقيل: معنى ﴿قَبْلَ﴾ ها هنا: الوقت، أي: ويستعجلونك بالعذاب وقت إحسان الله إليهم بتأخيره عنهم إلى يوم القيامة.
وقيل: معناه التفضيل، أي: تطلبون العذاب مؤثرين له على ما توعدون من الإحسان.
قال الشيخ ﵀ (١): ويحتمل ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: دون الحسنة (٢)، كما يستعمل دون بمعنى قبل، نحو قوله ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد) (٣)، و: اختر الجود قبل البخل، أي: دونه.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ قد مضت وتقدمت عقوبات الله بالأمم الكافرة قبلهم.
الحسن: وقائع الله في الأمم الخالية.
واحدها مَثُلَة، نحو صَدُقة وصَدُقَات، تقول: مَثَلَ به يَمْثُلُ مَثْلاً بفتح الميم وسكون الثاء إذا فعل به (٤) فعلاً ينكِّل به غيره، والاسم: المُثْلَة، ويجوز التسكين والنقل (٥).
أبو عبيدة: هي الأمثال والأشباه والنظائر (٦).
стр. 902
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يريد تأخير العذاب إلى يوم الدين لا غفران الذنوب, وقيل: هو كقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩].
قوله ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: حال للناس، ما لم يكن شركاً.
ابن بحر: ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: بالتوبة منه.
وقيل: ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: على الصغائر.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ يعني على المشركين.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: هلا أنزل، يريد ما اقترحوا (١) من الآيات.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي: ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة وإنذار الكفار وتبشير المؤمنين.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ يهدي إلى الطاعة، وفيه أربعة أقوال:
أحدها: أن الهادي هو المنذر، وهو النبي ﷺ ، أي: أنت منذر وهاد لكل قوم.
الثاني: الهادي هو الله تعالى، أي: والله هاد لكل قوم.
وروي عن بعض الوقف على قوله ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) اللَّهُ﴾، فيكون المبتدأ متأخراً لا مضمراً (٢).
الثالث: عام، أي: ولكل أمة نبي بعث إليهم يهديهم (٣) بما يعطيه الله من الآيات، لا بما يتحكمون فيه وعليه.
وعن ابن عباس (٤) ﵄: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾: داع إلى
стр. 903
الحق (١)، وهو من القول الثالث.
والرابع: حكاه الثعلبي (٢): ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾: وهو علي ﵁.
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ من العدد والذكر والأنثى والصورة والشكل والسعادة والشقاوة.
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ غاض لازم ومتعد، فإن جعلته اللازم:
فـ ﴿وَمَا﴾ للمصدر، أي: وغيض الأرحام وازديادها، وإن جعلته المتعدي، فتقديره: وما تغيضه الأرحام، أي (٣): تنقصه.
والمراد بالنقصان: السقط والخديج، والازدياد (٤): التمام.
وقيل: نقصان مدة الحمل فيأتي لستة أشهر، وازدياد مدة الحمل فيأتي لسنتين، وقيل أكثر.
وقيل: نقصان دم الحيض وازدياده.
وقيل: الحَبَل والحَبَال (٥).
وقيل: كلما (٦) حاضت على حملها يوماً ازدادت في طهرها يوماً حتى تستكمل تسعة أشهر طهراً.
стр. 904
ومعنى حاضت على حملها: رأت دماً.
ويحتمل (١): ما تغيض الأرحام عن الواحد بالإسقاط والإخداج، وما تزداد على (٢) الواحد والإثنين.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ من غيض الأرحام وازديادها, وقيل: طول الجنين وعرضه وحياته وموته ورزقه وأجله, وقيل: عامٌّ.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن العباد فلا اطلاع لهم عليه.
﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما عاينوه وعلموه لا يخفى على (٣) الله من ذلك شيء.
﴿الْكَبِيرُ﴾ عظيم الشأن.
﴿الْمُتَعَالِ (٩)﴾ عن المكان والزمان (٤)، وعما يقول الظالمون.
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ من أضمر معنى القول في نفسه من غير لفظ.
﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ رفع الصوت بالقول.
ومعنى ﴿سَوَاءٌ﴾: ذو سواء، لأنه مصدر، والمعنى: مستويان، أي: المسرّ والجاهر سواء (٥).
﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ متوار (٦)، وهو الذي يطلب الخفاء كي لا يُرى.
و﴿بِاللَّيْلِ﴾ ظرف، أي: في الليل، ويحتمل (٧) إنه للآلة، أي: يستتر به.
стр. 905
﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ ظاهر خارج، من: سَرَبَ سُرُوباً: إذا خرج وبرز.
وقيل: السارب: السائر، من: سَرَبَ الماء، إذا خرج من الحوزة (١).
وقيل: يخفي عمله بالليل ويظهره (٢) بالنهار, وقيل فيهما (٣) على الضد، فالمستخفي (٤) من: خَفَيْتُ الشيء: أظهرته، والمختفي: النَّبَّاش، من هذا، والسَّارب: الداخل في السَرَب.
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ الهاء تعود إلى (مَن)، وقيل: إلى الله تعالى (٥).
والمعقبات: جمع مُعَقِّبَة، بُنِيَ (٦) على فَعَّل للمبالغة، وأصله من: عَقَبَهُ يَعْقُبُه، إذا جاء بعده، وهم الحفظة الكرام البررة على كل إنسان، ملكان بالليل وملكان بالنهار.
وقيل: عشرة بالليل وعشرة بالنهار.
وعن ابن عباس ومجاهد: هم الحرس والرجال يتعقبون على الأمراء (٧).
стр. 906
عكرمة: هم الجلاوزة (١).
وقوله (٢) ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: قدامه وورائه.
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ما لم يجيء القدر، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه.
وقيل: يحفظونه من المخلوقات، كالعقارب والحيات، وكلها من أمر الله.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: له معقبات من أمر الله، كما تقول: له غلام يحفظه ممن يضره (٣)، وهذا أظهر (٤).
وقيل: من أمر الله: بأمره (٥)، وهو معنى قول من قال: (من) لابتداء الغاية، أي: ابتداء حفظهم إياه من أمر (٦) الله، ومن فسر المعقبات على الحرس والرجال (٧) والجلاوزة فقوله ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ على زعمه أو (٨) زعمهم. وقيل: الهاء في (له) تعود إلى النبي ﷺ ، أي: لمحمد ﷺ معقبات من الله يحفظونه عن الأعداء، وذلك حين هَمَّ به أربد وعامر، فكفاهما الله (٩)، ويأتي ذكرهما.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا يسلب ما أعطاهم من النعمة والعافية (١٠) حتى يغيِّروا ما بأنفسهم من الأحوال الجميلة والطاعة فيعصون الله ويظلمون الناس، والمعنى: لا يغير الله ذلك حتى يكونوا هم يغيرونه بالمعصية وترك الشكر.
وقال النحاس: لا يغير ما بقوم مؤمنين صالحين فيسميهم كافرين فاسقين إلا أن يفعلوا ما يوجب ذلك ولا يأمر بإذلالهم إلا أن يغيروا ما بأنفسهم (١١).
стр. 907
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ عذاباً وعقاباً فلا يدفعه (١).
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله (٢).
﴿مِنْ وَالٍ (١١)﴾ يلي أمره وينصره (٣)، وهو اسم الفاعل من ولي يلي إذا تولى تدبير شيء (٤)، والولي بمعناه.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ هو لمع كعمود النار ينقدح من السحاب.
﴿خَوْفًا﴾ للمسافر (٥) من أذاه.
﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم في الرزق (٦).
وقيل: خوفاً من الصواعق التي تكون مع البرق وطمعاً في الغيث. ونصبهما يحتمل وجهين:
أحدهما: المصدر وقع موقع الحال، أي: خائفين طامعين، كقوله:
﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] ..
والثاني: المفعول له، أي: إخافة وإطماعاً، كما تقول: فعلت ذلك رغماً للشيطان، أي: إرغاماً له.
﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾ الغيم المسحب (٧) في الهواء.
﴿الثِّقَالَ (١٢)﴾ بالماء.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الرعد: مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بالسحاب.
وقيل: الرعد: صوته، وجاء في الحديث إن النبي ﷺ كان إذا سمع الرعد قال: (سبحان من يسبح الرعد بحمده (٨)) (٩).
стр. 908
وعن ابن عباس أنه قال (١): من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الذي (٢) يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فَعَليَّ دِيَتُه (٣).
وقيل: الرعد: صوت أجرام السحاب، وتسبيحه: دلالته على وحدانية الله، والوجه الأول.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي: ويسبح الملائكة من خوف (٤) الله.
وقيل: من خيفة الرعد، حكاه الماوردي (٥).
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ في سبب النزول عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: (اذهب إليه (٦) فادعه لي)، فقال: يا رسول الله إنه أعتى من ذلك، قال: (اذهب (٧) فادعه لي)، قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ﷺ ، فقال: وما الله أمن ذهب هو أو من (٨) فضة أو من نحاس؟ قال: فرجع إلى رسول الله فأخبره وقال: قد أخبرتك إنه أعتى من ذلك، قال (٩) لي كذا وكذا، فقال (١٠): (ارجع إليه الثانية فادعه)، فرجع إليه فأعاد عليه مثل الكلام الأول (١١)، ورجع إلى النبي فأخبره، فقال: (ارجع إليه) فرجع إليه الثالثة فأعاد عليه ذلك (١٢) الكلام، فبينا هو يكلمه إذ بعث الله سحابة حيال رأسه (١٣) فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بِقِحْفِ (١٤) رأسه، فأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ (١٥).
стр. 909
وقال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية والتي قبلها في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وذلك أنهما أقبلا يريدان رسول الله ﷺ ، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: (دعه فإن يرد الله به خيراً يهده)، فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي (١) إن أسلمت؟ قال: (لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم)، قال: تجعل لي الأمر بعدك، قال: (لا، ليس ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء)، قال: فتجعلني على الوَبَر وأنت على المَدَر (٢)، قال: (لا)، قال: فماذا تجعل لي؟ قال (٣): (أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها)، قال: أوليس ذلك إليَّ اليوم، وكان أوصى إلى أربد إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فدار أربد ليضربه، فاخترط من سيفه شبراً ثم حَبَسَهُ الله فلم يقدر على سَلِّه، فجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: (اللهم أكفنيهما بما شئت)، فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح، فأحرقته، وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت الله (٤) فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفتياناً مرداً، فقال ﷺ : (يمنعك الله من ذلك وابنا قيلة)، يريد الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضمَّ عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر محمد إلي وصاحبه، يعني ملك الموت، لأنفذنهما برمحي، فلما رأى الله ذلك منه أرسل ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبتيه (٥) غدة في الوقت عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غُدَّةٌ كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم مات على ظهر فرسه، وأنزل الله فيه هذه الآية (٦).
стр. 910
والصواعق: جمع صاعقة، وهي: نار تسقط من شدة البرق تحرق ما أصابته، وتستعمل أيضاً في الأمر الشديد المهلك.
﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ الجدال: التشدد في الخصومة، مشتق من الجَدْل (١)، وهو الفَتْل.
وقيل: الجدال: المصارعة، مشتق من الجدالة، وهي (٢) وجه الأرض.
وجدالهم في الله: دفع الإيمان (٣).
الحسن: الجدال في الله: مجادلتهم لرسوله (٤) في عبادتهم الأوثان.
والواو يصلح للحال ويصلح لعطف الجملة على الجملة (٥).
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾ والله شديد القوة.
وقيل: شديد الغضب, وقيل: شديد الأخذ والانتقام, وقيل: شديد العداوة, وقيل: شديد الإهلاك بالمحل، وهو القحط، حكاه أقضى القضاة (٦).
وفي الميم قولان: أحدهما: أن الميم أصل، تقول: مَحَل به إذا عَرَّضَه للهلاك، وكذلك ما حله مِحَالاً.
стр. 911
والثاني: أن الميم زيادة في الكلمة، من الحول والحيلة، وهو مروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما (١)، ولعلهم عنوا به معنى المحال لا لفظه (٢)، فإن هذا عند النحاة فاسد لأن مِفْعَلاً ومِفْعَالاً يصحان كالمخيط والمقود (٣) والمحور (٤).
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لا إله إلا الله، أي (٥): هو المستحق الدعاء، ودعاء غيره باطل، وإضافته كثوب خز.
وقيل: دعوة الطلب الحق، أي: مرجوّ الإجابة ودعاء غير الله لا يجاب، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الذين يدعون هم الكفار، والمفعول محذوف، أي: يدعون الأصنام, وقوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ يعود إلى الأصنام كما سبق.
والثاني: أن قوله ﴿وَالَّذِينَ﴾ للأصنام، و ﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار (٦)، والضمير محذوف، أي: يدعونهم، و ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ خبره (٧)، أي: لا يفعلون شيئاً مما يسألون.
стр. 912
وقوله: ﴿إِلَّا (١) كَبَاسِطِ﴾ الاستثناء من الاستجابة، أي: لا يستجيب الصنم إلا كاستجابة الماء داعيه، وهذا مَثَل، أي: عابد الصنم وراجيه (٢) كمن يشير إلى الماء ليبلغ فاه والماء غير بالغ فاه (٣) بدعائه إياه إلا أن يغترف بيده أو بإنائه.
وقيل: كالماء في البئر بلا دلو ولا رشاء يريد أن يتناوله بكفيه فلا يناله.
وقيل: كالقابض على الماء فلا محصول له.
وقيل: كباسط كفيه إلى الماء فلا يحصل في كفيه ما لم يقبضهما ويجمع الأنامل.
وقيل: كمن كربه الموت عطشا وكَفَّاهُ في الماء فلا يقدر على شربه.
وقيل: كمثل العطشان ينظر في خياله في الماء وهو يريد أن يتناوله (٤) فلا يقدر.
والمعنى: أن الصنم لا يجيبهم كما لا يجيب الماء من دعاه.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ الله ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ فإن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى.
وقيل: وما دعاء الكافرين الأصنام إلا في ضلال لا يجدي (٥) شيئاً.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سجود تعبد وانقياد.
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ﴿طَوْعًا﴾ سجود الملائكة والمؤمنين، و ﴿وَكَرْهًا﴾ من أكره على الإيمان.
وقيل (٦): الطواعية والكراهية في سجود أهل الأرض، فإنَّ مَنْ في السموات يسجدون طوعاً، وقيل: طبعاً.
стр. 913
وقيل: المراد بالسجود كرهاً: قهر الله الأشياء لما (١) أراد منهم وإن لم يسجدوا سجود عبادة.
﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ أي: ويسجد (٢) ظلالهم، جمع الظل، وهو ما ستره (٣) الشيء عن شعاع الشمس، يقصر مرة ويمتد أخرى.
وظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره وظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع.
وقيل: ظل كل شيء من كل جنس يسجد لله.
قوله ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: قال الفراء: هو مصدر، و ﴿وَالْآصَالِ﴾: جمع، كقوله:
﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١]، العشي: اسم، والإبكار: مصدر, وقيل: الغدو: جمع غداة، كقُنِى وقَنَاة، والآصال: جمع أَصِيل، وقيل: جمع أُصُل، وأُصُل: جمع أَصِيل، وهو مابين العصر إلى المغرب, وقيل: (ظلالهم): أشخاصهم، وكرر لأن الأول للقلوب والثاني للأشخاص.
﴿قُلْ﴾ يا محمد للكفار ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ استفهام تقرير واستنطاق، فإنهم يقولون: الله، فإذا قالوها ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: هو الله كما قلتم، وقيل: فإن (٤) أجابوك وإلا قل: الله، إذ لا جواب غير هذا.
﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾ استفهام إنكار على شركهم بعد إقرارهم، والمعنى: أعددتم لمنافعكم ودفع مضاركم ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ هذا مَثَلٌ ضربه الله لمن يعبد الأصنام ولمن يعبد الله، أي: ليسا بسواء.
стр. 914
﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ الشرك والإيمان.
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ قيل: هي المنقطعة، والمعنى: بل أجعلوا لله شركاء (١)؟ .
وقيل: المعادلة لتقدم الاستفهام.
وقوله: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾: خلقوا مثل ما خلق الله.
﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ اشتبه مخلوق الله بمخلوق (٢) الشركاء.
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: خالق الأجسام والأعراض، فيدخل فيه أفعال العباد، ومن أثبت للعباد فعلاً فقد فعلوا كفعله وصنعوا كصنعه (٣).
﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ المنفرد بالخلق والإحداث.
﴿الْقَهَّارُ (١٦)﴾ يقهر كل شيء بقدرته.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: أنزل الواحد القهار وهو الله تعالى من السحاب, وقيل: من جانب السماء.
﴿مَاءً﴾ مطراً.
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ جمع واد (٤)، وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة.
﴿بِقَدَرِهَا﴾ في الصغر والكبر.
والقدر: اتزان الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان.
الزجاج: ﴿بِقَدَرِهَا﴾: ما قدر لها من ملئها، قال: ويجوز: بقدر ملئها.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ رفع، وأصله: الحمل على الظهر.
стр. 915
﴿زَبَدًا﴾ ابن عيسى: الزبد: وضر (١) الغليان وخبثه، والمعنى: علاه زبد.
ومعنى ﴿رَابِيًا﴾: عالياً.
ابن عيسى (٢): زائداً بانتفاخه.
أجمع المفسرون على أن هذا مثل ضربه الله للقرآن والقلوب والحق والباطل، فالماء هو مثل القرآن لما فيه من حياه القلوب وبقاء الشرع والدين، والأودية مثل القلوب، ومعنى (٣) ﴿بِقَدَرِهَا﴾: على سعة القلب وضيقه، فمنها ما انتفع به وحفظه ووعاه فتدبر فيه فظهرت ثمرته وأدرك تأويله ومعناه، ومنها دون ذلك بطبقة، ومنها دونه بطبقات، والزبد مثل الشكوك والشبه وإنكار الكافرين أنه كلام الله ودفعهم إياه، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق.
ثم قال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ يريد الفلزات كالذهب والفضة والرصاص والصفر والنحاس.
ومعنى ﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾: تلقون (٤) الحطب في النار تحته.
﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ طلب حلي هو الذهب والفضة يتخذ منهما حلية السيف والمركب والدَّواة وحلية النساء.
﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ كالرصاص والنحاس والصفر (٥)، منها تتخذ الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر (٦).
﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: خبث، يريد لهذه الفلزات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: يضرب الله مثل الحق والباطل.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ باطلاً، من قولهم: جَفَأَتِ القِدْرُ وأَجْفَأَت: إذا رمت زبدها عند الغليان، وجَفَأتُ الرجل: صَرَعْتُهُ، وبناء فُعَال مما يرمى ويطرح، وقيل: جَفَأ الوادي وأَجْفَأ: إذا نشف (٧).
مجاهد: ﴿جُفَاءً﴾: جموداً (٨)، لأنه يجتمع (٩) على الماء ويجمد حتى يذهب به الماء.