← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والثاني: أن الميم زيادة في الكلمة، من الحول والحيلة، وهو مروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما (١)، ولعلهم عنوا به معنى المحال لا لفظه (٢)، فإن هذا عند النحاة فاسد لأن مِفْعَلاً ومِفْعَالاً يصحان كالمخيط والمقود (٣) والمحور (٤). ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لا إله إلا الله، أي (٥): هو المستحق الدعاء، ودعاء غيره باطل، وإضافته كثوب خز. وقيل: دعوة الطلب الحق، أي: مرجوّ الإجابة ودعاء غير الله لا يجاب، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الذين يدعون هم الكفار، والمفعول محذوف، أي: يدعون الأصنام, وقوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ يعود إلى الأصنام كما سبق. والثاني: أن قوله ﴿وَالَّذِينَ﴾ للأصنام، و ﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار (٦)، والضمير محذوف، أي: يدعونهم، و ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ خبره (٧)، أي: لا يفعلون شيئاً مما يسألون.

стр. 912

وقوله: ﴿إِلَّا (١) كَبَاسِطِ﴾ الاستثناء من الاستجابة، أي: لا يستجيب الصنم إلا كاستجابة الماء داعيه، وهذا مَثَل، أي: عابد الصنم وراجيه (٢) كمن يشير إلى الماء ليبلغ فاه والماء غير بالغ فاه (٣) بدعائه إياه إلا أن يغترف بيده أو بإنائه. وقيل: كالماء في البئر بلا دلو ولا رشاء يريد أن يتناوله بكفيه فلا يناله. وقيل: كالقابض على الماء فلا محصول له. وقيل: كباسط كفيه إلى الماء فلا يحصل في كفيه ما لم يقبضهما ويجمع الأنامل. وقيل: كمن كربه الموت عطشا وكَفَّاهُ في الماء فلا يقدر على شربه. وقيل: كمثل العطشان ينظر في خياله في الماء وهو يريد أن يتناوله (٤) فلا يقدر. والمعنى: أن الصنم لا يجيبهم كما لا يجيب الماء من دعاه. ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ الله ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ فإن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. وقيل: وما دعاء الكافرين الأصنام إلا في ضلال لا يجدي (٥) شيئاً. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سجود تعبد وانقياد. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ﴿طَوْعًا﴾ سجود الملائكة والمؤمنين، و ﴿وَكَرْهًا﴾ من أكره على الإيمان. وقيل (٦): الطواعية والكراهية في سجود أهل الأرض، فإنَّ مَنْ في السموات يسجدون طوعاً، وقيل: طبعاً.

стр. 913

وقيل: المراد بالسجود كرهاً: قهر الله الأشياء لما (١) أراد منهم وإن لم يسجدوا سجود عبادة. ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ أي: ويسجد (٢) ظلالهم، جمع الظل، وهو ما ستره (٣) الشيء عن شعاع الشمس، يقصر مرة ويمتد أخرى. وظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره وظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع. وقيل: ظل كل شيء من كل جنس يسجد لله. قوله ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: قال الفراء: هو مصدر، و ﴿وَالْآصَالِ﴾: جمع، كقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١]، العشي: اسم، والإبكار: مصدر, وقيل: الغدو: جمع غداة، كقُنِى وقَنَاة، والآصال: جمع أَصِيل، وقيل: جمع أُصُل، وأُصُل: جمع أَصِيل، وهو مابين العصر إلى المغرب, وقيل: (ظلالهم): أشخاصهم، وكرر لأن الأول للقلوب والثاني للأشخاص. ﴿قُلْ﴾ يا محمد للكفار ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ استفهام تقرير واستنطاق، فإنهم يقولون: الله، فإذا قالوها ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: هو الله كما قلتم، وقيل: فإن (٤) أجابوك وإلا قل: الله، إذ لا جواب غير هذا. ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾ استفهام إنكار على شركهم بعد إقرارهم، والمعنى: أعددتم لمنافعكم ودفع مضاركم ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ هذا مَثَلٌ ضربه الله لمن يعبد الأصنام ولمن يعبد الله، أي: ليسا بسواء.

стр. 914

﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ الشرك والإيمان. ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ قيل: هي المنقطعة، والمعنى: بل أجعلوا لله شركاء (١)؟ . وقيل: المعادلة لتقدم الاستفهام. وقوله: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾: خلقوا مثل ما خلق الله. ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ اشتبه مخلوق الله بمخلوق (٢) الشركاء. ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: خالق الأجسام والأعراض، فيدخل فيه أفعال العباد، ومن أثبت للعباد فعلاً فقد فعلوا كفعله وصنعوا كصنعه (٣). ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ المنفرد بالخلق والإحداث. ﴿الْقَهَّارُ (١٦)﴾ يقهر كل شيء بقدرته. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: أنزل الواحد القهار وهو الله تعالى من السحاب, وقيل: من جانب السماء. ﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ جمع واد (٤)، وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة. ﴿بِقَدَرِهَا﴾ في الصغر والكبر. والقدر: اتزان الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان. الزجاج: ﴿بِقَدَرِهَا﴾: ما قدر لها من ملئها، قال: ويجوز: بقدر ملئها. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ رفع، وأصله: الحمل على الظهر.

стр. 915

﴿زَبَدًا﴾ ابن عيسى: الزبد: وضر (١) الغليان وخبثه، والمعنى: علاه زبد. ومعنى ﴿رَابِيًا﴾: عالياً. ابن عيسى (٢): زائداً بانتفاخه. أجمع المفسرون على أن هذا مثل ضربه الله للقرآن والقلوب والحق والباطل، فالماء هو مثل القرآن لما فيه من حياه القلوب وبقاء الشرع والدين، والأودية مثل القلوب، ومعنى (٣) ﴿بِقَدَرِهَا﴾: على سعة القلب وضيقه، فمنها ما انتفع به وحفظه ووعاه فتدبر فيه فظهرت ثمرته وأدرك تأويله ومعناه، ومنها دون ذلك بطبقة، ومنها دونه بطبقات، والزبد مثل الشكوك والشبه وإنكار الكافرين أنه كلام الله ودفعهم إياه، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق. ثم قال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ يريد الفلزات كالذهب والفضة والرصاص والصفر والنحاس. ومعنى ﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾: تلقون (٤) الحطب في النار تحته. ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ طلب حلي هو الذهب والفضة يتخذ منهما حلية السيف والمركب والدَّواة وحلية النساء. ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ كالرصاص والنحاس والصفر (٥)، منها تتخذ الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر (٦). ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: خبث، يريد لهذه الفلزات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: يضرب الله مثل الحق والباطل. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ باطلاً، من قولهم: جَفَأَتِ القِدْرُ وأَجْفَأَت: إذا رمت زبدها عند الغليان، وجَفَأتُ الرجل: صَرَعْتُهُ، وبناء فُعَال مما يرمى ويطرح، وقيل: جَفَأ الوادي وأَجْفَأ: إذا نشف (٧). مجاهد: ﴿جُفَاءً﴾: جموداً (٨)، لأنه يجتمع (٩) على الماء ويجمد حتى يذهب به الماء.

стр. 916

﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء والحلي والأواني. ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يشرب منه الحيوان ويزرع به (١) فيكون منه معاش الخلق، وانتفاع الناس بالحلي والأمتعة (٢) ظاهر. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ أي: كما بَيَّنَ هذا بضرب المثل كذلك يبين الله سائر المشكلات، وفي الآية تقديم وتأخير. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ أي: أجابوا وآمنوا. و﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة, وقيل: تضاعف الحسنات, وقيل: الحياة والرزق. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أي: كفروا به ولم يؤمنوا. ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي (٣): لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها. ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله، وتقديره: لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله (٤) وقُبِلَ الفداء لافتدوا به. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ المناقشة فيها، ومن نوقش الحساب هلك. وقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: أن لا يغفر سيئاتهم ولا يقبل حسناتهم. وقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: الذي معه التوبيخ والتقريع. وقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: شدة العذاب. والحساب: الجزاء وإعطاء الاستحقاق. وقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: المقايسة بالأعمال. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ مرجعهم إلى النار. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾ المستقر والمكان، والمذموم محذوف وهو جهنم. ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ (ما) بمعنى الذي، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبره، والمراد به: القرآن. ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ عَمَى القلب لا ينتبه على رشده بالقرآن.

стр. 917

وقيل: كمن أنكر القرآن فجرى مجرى العميان. نزلت بمكة في حمزة وأبي جهل (١). أي: هما لا يستويان. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ ذوو العقول، ولُبُّ كل شيء: أفضل ما فيه. ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ ما عهد إليهم يوم الميثاق. وقيل: ما عهد إليهم في الكتب المتقدمة (٢). وقيل: ما في جِبِلَّتِهم وعقولهم. قتادة: إن الله تعالى لم يتقدم في ذنب ما تقدم في نقض هذا الميثاق، لقد ذكره في (٣) بضع وعشرين آية تقدمة ونصيحة وعظة (٤). ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: الرحم، وقيل: نصرة المؤمنين. وقيل: صلة محمد ﷺ , وقيل: الإيمان بجميع الأنبياء من غير تفريق بينهم في النبوة. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يخافون عقابه. وقيل: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: يعظمونه. ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ شديده، وقد سبق (٥). ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طلب رضى الله. وقيل: طلب تعظيم الله.

стр. 918

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ الزكاة وسائر مواساة المسلمين. ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ مسرين الإنفاق ومعلنين له. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يجازون الإساءة إليهم بالإحسان منهم، كما قال (١): يجزون من ظُلْمِ أهلِ الظلم مَغْفِرَةً ... ومِنْ إساءةِ أهل السُّوءِ إِحسانا وقيل: يدرؤون بالتوبة الذنب. وقيل: يدفعون (٢) العذاب بالصدقة. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ العاقبة الحسنة. وقيل: ﴿عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾: الجنة. وقيل: عقبى الشيء (٣): منتهاه، أي: كانت لهم بعد دار الدنيا جنات، فهي بدل من عقبى الدار. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ دار إقامة، وقد سبق (٤). ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: هم ومن صلح. وأجاز الزجاج أن يكون مفعولاً معه (٥)، ووصفهم بالصلاح ليعلم أن مجرد النسب لا يغني.

стр. 919

﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)﴾ بالتحية والسلام. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي (١): يقولون سلام عليكم. وقيل: هي بشارة بدوام السلامة. ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ أي: بدل صبركم، والباء (٢) يجوز أن تكون متصلة بالسلام، ويجوز أن تكون متصلة بجنات عدن. ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ أي: الجنات. ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ سبق (٣). وقال ﷺ : (إذا لم تمش إلى ذي رحمك (٤) برجلك، ولم تعطه من مالك فقد قطعته) (٥). ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والظلم. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الإبعاد من الرحمة. ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ يعني جهنم ونكالها.

стр. 920

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يوسعه. والبسط: مباعده أطراف الشيء. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويقدر لمن يشاء، يضيق، من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. المبرد: يبسط الرزق ويقدر، أي: ويُخَيِّر (١) له في البسط. ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَشِروا وبَطِروا بما نالوا منها. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾ في جنب الآخرة. ﴿إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ كزاد الراعي, وقيل: قليل النفع، ينقطع عن قريب. وقيل: متعة وبلغة لا تدوم. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ سبق (٢). ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾ آمن وتاب. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: هم الذين آمنوا, وقيل: بدل مِن ﴿مَنْ﴾، ومحله نصب. ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ تسكن وتهدأ ويزول عنها (٣) القلق والاضطراب. والهمزة (٤) أصل عند المحققين, وقيل: زيادة. وأصله من الطمن، وهو الأرض المنخفضة. قوله ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بوعد الله، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، أي: تطمئن بوعده كما توجل بوعيده.

стр. 921

وقيل: بذكرهم الله بألسنتهم أو بألسنة غيرهم، فيكون مصدراً مضافاً إلى المفعول. وقيل: ذكر الله هاهنا: القرآن, وقيل: بنعمة الله. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ بسبب ذكره تطمئن قلوب المؤمنين. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ فيها (١) أقوال أحدها: أنها شجرة في الجنة غرسها الله بيده في دار كل مؤمن منها غصن (٢). وقيل: أصلها في دار النبي ﷺ . وقيل: في دار علي ﵁، حكاه الثعلبي (٣). وقيل: طوبى: اسم من أسماء الجنة، كلمة حبشية (٤). وقيل: هندية. وقيل: طوبى: فُعْلى من الطيب، أي: الراحة والطيب ولين العيش لهم. وقيل: خير لهم, وقيل: غبطة لهم (٥). وقيل: قرة عين وفرح لهم (٦). وقيل: هي تأنيث الأفعل، أي: أطيب الأشياء لهم، وهي الجنة، وهذا ضعيف، لأن الأفعل تأنيثه الفعلى، بالألف واللام أو بالإضافة. ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ أي: حسن مرجع. ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ أي: كما أرسلنا قبلك رسلاً أرسلناك إلى أمتك.

стр. 922

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ أي: لست بدعاً من الرسل (١) وليست أمتك أُوْلى أمة أرسل إليها رسول. ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن. ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ جاء في سبب النزول أنها نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال سهيل ابن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب، اكتب باسمك اللهم، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون، فأنزل الله فيهم هذه الآية (٢). ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] (٣). ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي: الرحمن ربي وخالقي ورازقي ومدبري. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وثقت به وفوضت أمري إليه. ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ وإلى الله أتوب من خطيئتي السالفة، وقيل: إليه (٤) مرجعي. ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ في سبب النزول: إن قريشاً اجتمعت وقالت: يا محمد: إن سرك أن نتبعك فسيّر لنا جبال مكة بالقرآن و (٥) سخر لنا الريح نركبها إلى الشام أو أحيي (٦) آبائنا لنسألهم أحق ما تقول أم باطل، فأنزل الله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ كتاباً (٧) ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (٨). وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف، وهو محذوفاً أبين منه (٩) ملفوظاً، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: جوابه: لكان هذا القرآن (١٠).

стр. 923

وقيل: جوابه: لما آمنوا، كقوله ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]. وقيل: جوابه: ما يدل عليه قوله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، أي: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآناً سيرت به الجبال. وقيل: هذا تفخيم للقرآن وأنه ليس في كتب الله ما يجمع من الحكم والدلائل والشواهد والبينات (١) ما يجمعه القرآن ولو سيرت (٢) جبال بقراءة كتاب لكان هذا القرآن. ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: هذا وأمثاله يفعله الله القادر الذي له كل الأمر. وقيل: بل لله الأمر جميعاً وليس لأحد أن يقترح عليه آية. ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ اليأس: ضد الطمع، وفيه لغتان سبق بيانهما (٣). واختلفوا في الآية: فذهب أكثرهم إلى أنه بمعنى العلم، وأنشد (٤): أَلَم ييئس الأقوامُ أني أنا ابنُهُ ... وإنْ كنتُ عن أرض العشيرةِ نائيا يريد: ألم يعلم، وهي لغة نَخَع، وقيل: لغة هوازن. المبرد: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ علماً منهم ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥). وقيل: أفلم يعلم الذين آمنوا علماً يئسوا معه من أن يكون غير ما علموا. وقيل: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم (٦) أنهم لا يؤمنون، لأنه قد قال: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فيكون ييأس على أصله. وقرأ ابن عباس (٧): (أفلم يتبين للذين آمنوا)، أي (٨): أفلم يعلموا, وقريء:

стр. 924

(أفلم يتبين للذين آمنوا)، أي: يظهر (١). وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ما كتبها الكاتب إلا وهو ناعس (٢). ونسبة الراوي إلى النعاس أولى من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٣). وقوله ﴿لَوْ (٤) يَشَاءُ اللَّهُ﴾ على لفظ المستقبل، ﴿لَهَدَى﴾ على لفظ الماضي، لأن ما يشاءه الآن فهو الذي شاءه قبل، فلفظ الماضي والمستقبل سواء. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام، وقيل: طائفة منهم. ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ أي (٥): بصنيعهم, وقيل: بالذي صنعوه. ﴿قَارِعَةٌ﴾ داهية تقلقهم ونازلة تهلكهم، من: القرع، وهو الضرب بالمقرعة، أي: لا يأمنون المسلمين بعد اليوم (٦).

стр. 925

﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ القارعة. ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ هي سرايا المسلمين, وقيل: هي أنواع البلاء من القحط والجلاء والأسر والجزية وغيرها. ابن عباس: أو تحل أنت (١) يا محمد قريباً من دارهم (٢). وهذا وعد بفتح مكة, وقيل: وعد الله يوم القيامة (٣). ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ لا خلف (٤) في موعوده. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعزي نبيه ﷺ على ما ناله من استهزاء قومه. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أطلت لهم المدة وأخرت عنهم العذاب. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم بأشد العقاب. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾ أي: عقابي إيَّاهم. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ابن عباس (٥): الله يعلم أينما كنتم (٦). وقيل: توكيله الحفظة عليهم: قيامه على كل نفس. وقيل: القائم على الشيء هو الحافظ له يدبر أمره. وقيل: هو المجازي على الأعمال. وقيل: هو القاهر له المقتدر عليه. والخبر محذوف تقديره: كغيره من المخلوقين، أو كمن ليس بهذه الصفة، ثم

стр. 926

استأنف فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ يعني الأصنام. ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بما خلقوا وصنعوا وأماتوا وأحيوا لتصح الشركة. وقيل: طَالِبُوْهُم بحجة على أنها آلهة. وقيل: صفوهم فانظروا هل يستحقون الإلهية. وقيل: هذا تهديد، كما تقول لمن تهدده على شرب الخمر: سَمِّ الخمر بعد هذا. ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ نفى العلم لانتفاء المعلوم، أي: لا شريك له في السموات والأرض فلا يعلمه. ابن عباس في جماعة: أي إذا ادعيتم في الأرض إلهاً غير الله فقد أخبرتم الله بما لا وجود له. الحسن: إذا ادعيتم فعلاً لأصنامكم فقد أخبرتم الله بما لا يعلم. والكل يعود إلى القول الأول (١). وقال صاحب النظم (٢): ﴿لَا﴾ بمعنى ليس، والعلم زيادة، تقديره: بما ليس في الأرض، وهذا مزيف. ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: باطل. وقال (٣): وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها. وقيل: ظاهر من القول: مجرد التسمية. وقيل: أم بظاهر من القول أنزله على بعض الأنبياء.

стр. 927

وقيل: أراد بما لا يعلم: المعدوم، وبظاهر من القول: الموجود، والمعنى: أتنبئون الله بشيء موجود أم معدوم. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ زين الشيطان لهم كفرهم وتمويههم. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ومن قرأ بالفتح (١) فالمعنى: وصدوا المسلمين عن سبيل الله. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ أي: من خذله لا يوفقه غيره. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر (٢) والجلاء. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشد لدوامه (٣) واستمراره. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ دافع يدفع عنهم (٤) عذاب الله. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قيل: شبه الجنة. وقيل: صفة الجنة، وهذا ضعيف في اللغة. وقيل: ﴿مَثَلُ﴾ زيادة، كمثل في مواضع، وهو مرفوع بالابتداء وخبره عند سيبويه (٥): فيما أنزل. وقيل: خبره: ﴿تَجْرِي﴾ فيمن (٦) جعل مَثَلاً زيادة.

стр. 928

وأجاز الفراء أن تكون ﴿تَجْرِي﴾ الخبر وإن لم يجعل مثلاً زيادة (١). وقيل: الخبر محذوف لطول الكلام. وقيل: هذه صفة الجنة، فهو خبر المبتدأ، ثم أخذ يصفها. وقيل: مثل الجنة التي وعد المتقون جنة تجري. قوله ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾: أي: ثمرها دائم الوجود لا ينقطع صيفاً ولا شتاء. وقال مالك بن أنس: ليس في الدنيا شيء يشبه ثمر الجنة إلا الموز، فإنه يوجد (٢) صيفاً وشتاء (٣). وقيل: أكلها دائم لا ينقطع بالموت والبلى (٤). ﴿وَظِلُّهَا﴾ أي: وظلها أيضاً دائم لا تنسخه الشمس، وإنما تستضيء أهل الجنة بنور لا حر معه ولا برد (٥). ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: الجنة الموصوفة عقبى تقواهم، أي: منتهى أمرهم ومآله (٦). ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾ أي: منتهى دارهم وأعمالهم. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قيل: هم اليهود والنصارى، أي (٧) يفرحون بما يوافق كتبهم ويصدق ما معهم. وقيل: هم الذين آمنوا منهم كابن سلام وأصحابه.

стр. 929

﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ الأحزاب: هم (١) الذين تحزَّبوا على رسول الله، أي: اجتمعوا على عداوته (٢)، وهم المشركون. ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ يقرون بالله وينكرون نبوة محمد ﷺ . وقيل: ﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: ذكر الرجم. وقيل: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ﴾ يعني: مؤمنيهم، ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: الباقون منهم. ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ آمنتم أو كفرتم. ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ إلى الله أدعوكم. ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾ وإلى الله مرجعي ومرجعكم. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآن عليك. ﴿حُكْمًا﴾ يحكم ويفصل بين الحق والباطل. ﴿عَرَبِيًّا﴾ بلسانهم. وقيل: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (٣) إشارة إلى قوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾، أي: كما أمرناك أن تقوله أنزلناه في القرآن. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في دعائهم إياك إلى ملة آبائهم. ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ هذا وعيد حسم به طمعهم.

стр. 930

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ في سبب النزول: قال الكلبي: عيَّرت اليهود رسول الله ﷺ (١) وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبياً كما زعم لشغله (٢) أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله هذه الآية (٣). والمعنى: كانوا بشراً يأكلون ويباشرون النساء ويلدون الأولاد. ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ليس في وسعهم إتيان الآيات على ما يقترحه قومه (٤)، إنما ذلك إلى الله. وقوله (بإذنه): بعلمه وأمره، واللفظ لفظ الحظر، والحظر إنما يكون مع القدرة، ومثله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، والمعنى معنى النفي، أي: لا يفعل مالا يليق به (٥). ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾ الأجل: الوقت الذي يقع فيه (٦) المقدور، والكتاب: المكتوب، أي: كتب في اللوح المحفوظ. قيل: هو متصل بالأول على تقدير: لكل ما اقترحوا (٧) أجل يقع فيه. وقيل: هذا من المقلوب، أي: لكل كتاب أنزله الله من السماء أجل وقت معلوم. وقيل: لكل أجل انقضاء عمر الإنسان كتاب (٨) مشتمل على جميع أعماله.

стр. 931

وقيل: لكل أمر قضاه الله كتاب كتبه فهو (١) عنده. وقيل: معناه: لكل وقت حكم. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء، وقال بعضهم: يمحو ويثبت إلا الشقاوة والسعادة. وقيل: إلا (٢) الأجل والرزق. وقيل: المراد به (٣): المنسوخ والناسخ. وقيل: المراد: يمحو السيئات من التائب ويثبت مكانها الحسنات. وقيل: يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء ولا حساب ويثبت ما سواه، أي: يتركه (٤) مثبتاً. وقيل: يمحو من قد جاء أجله ويثبت من لم يأت (٥) أجله. وقيل: يغفر ذنوب (٦) من يشاء ويترك ذنوب من لم يغفر له. وقيل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: القمر، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: الشمس. وقيل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾: بالنوم، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: باليقظة. وقيل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾: الدنيا، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: الآخرة, ويحتمل (٧): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا

стр. 932

يَشَاءُ﴾: عند الموت، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: عند الولادة. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ اللوح المحفوظ، وهو أصل كل كتاب فيه ما خلق وما يخلق, وقيل: فيه الحلال والحرام، وقيل: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾: جملة الكتاب. ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يعني العذاب. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نريك (١)، فيقع بهم في الدنيا. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ يريد: تبليغ الرسالة. ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ المجازاة. وقيل: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من إظهار دين الإسلام على سائر الأديان ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قيل: نفتح على المسلمين شيئاً فشيئاً، وذلك نقصان أرض الكفار وزيادة أرض المسلمين. وقيل: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: يريد خراب العمران وهلاك أهلها. وقيل: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: بذهاب (٢) البركة عن ثمارها ونباتها. ابن عباس ﵄: نقصانها موت العلماء والفقهاء وخيار الناس (٣). وقيل: نقصانها: موت أهلها، والمراد بالأرض: أهلها. وقيل: نقصانها: جور ولاتها.

стр. 933

وقيل: ينقص من جوانب الشام ويزيد في الشام وهي أرض المحشر، حكاه مجاهد. ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا مغير لإرادته ولا مانع. ابن عيسى: التعقيب: رد الحكم بعد فصله (١). ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ حسابه لأعمالهم أسرع من لمح البصر، لا يشغله محاسبة أحدهم عن محاسبة الآخرين. وقيل: لا يحتاج إلى تأمل وتفكر وعقد باليد. وقيل: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾: سريع الجزاء. ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد كفار الأمم الخالية كفروا ومكروا بأنبيائهم. والمكر: إرادة المكروه في خفيه. ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ أي: أسباب المكر بيد الله لا يضره إلا من أراده. وقيل: مكرهم بالأنبياء مكرهم (٢) بأنفسهم لأن الله ينجي الأنبياء ويهلكهم. ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من الخير والشر فيجازيها عليه. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ أي: العاقبة المحمودة، واللام تدل على المحمودة، كما أن (على) تدل على المذمومة، وهذا وعيد للكفار. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ جاء في التفسير أن المراد بهم: كعب بن الأشرف وأصحابه ورؤساء اليهود (٣)، جحدوا فقالوا: لست مرسلاً. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فلا حاجة مع شهادته إلى شهادة غيره. والباء دخلت الفاعل، و ﴿شَهِيدًا﴾ منصوب على التمييز, وقيل: على الحال, وقيل: معناه اكتف به. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ قيل: هو عبد الله بن سلام.

стр. 934

وقال عبد الله: فِيَّ نزلت هذه الآية (١). ومجاهد والضحاك أنكراه، وقالا: كيف نزلت فيه والسورة مكية (٢). وقد سبق أول السورة الكلام في نزولها. وقيل: هم من آمن من أهل الكتاب. وقيل: هو الله تعالى، وتقديره: كفى بالله الذي عنده علم الكتاب شهيداً بيني وبينكم، ودليله قراءة من قرأ: (وَمِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكتاب)، وكذلك (٣) من قرأ: (وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكتاب) (٤). وقيل: هو علي بن أبي طالب ﵁، حكاه الثعلبي (٥). ومحل (مَنْ) جر بالعطف على الله، ويجوز أن يكون رفعاً على المحل، لأن (٦) التقدير: كفى الله. والله أعلم.

стр. 935

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة إبراهيم ﵇ (١)، مكية. قتادة: مكية إلا آيتين من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] (٢). ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، ولم تذكر في سبب النزول. (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿الر﴾ أنا الله أعلم وأرى، وقد سبق الكلام فيه (٣). ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن. ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ أي: أنزلناه لتخرج الناس بدعائك إياهم. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الجمهور على (٤) أن المراد بالظلمات: الكفر، وبالنور: الإيمان. وقيل: من الشك إلى اليقين. وقيل: من البدعة إلى السنة، والوجه الأول. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ قيل بتوفيق ربهم. وقيل: بعلم ربهم. وقيل: بإطلاق الله ذلك لك. ﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ بدل من النور، وهو الإسلام.

стр. 936

﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب الممتنع (١). ﴿الْحَمِيدِ (١)﴾ لأفعال الخلق، وهو بمعنى فاعل, وقيل: بمعنى مفعول. ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرئ بالجر على عطف البيان أو (٢) البدل، وبالرفع على الاستئناف (٣). ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾ فشدة (٤) عذاب لهم، وقد سبق (٥). ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ أي: يختارون ويؤثرون الدنيا على العقبى ويتركون العمل لها (٦). ابن عيسى: الاستحباب: طلب المحبة بالتعريض (٧) لها. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ . ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يلتمسون لها (٨) زيغاً وعيباً. تقول (٩): بغيته الشيء: طلبته له، وأبغيته: أعنته.

стр. 937

وقيل: ينتظرون لمحمد ﷺ هلاكاً، حكاه الماوردي (١). وقيل: يطلبون غير سبيل القصد. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الموصوفون. ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾ في خطأ وطريق جائر عن الصواب. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي: بلغتهم. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما هو مبعوث به وله، ومحمد ﷺ مبعوث إلى الخلق كافة بلسان قومه الذي ولد فيهم وتربى بينهم، وليس المراد بالقوم الأمة. وقيل: تقدير الآية: وما أرسلنا قبلك رسولاً إلا بلسان قومه وإليهم فحسب وأنت مرسل بلسان قومك إلى الكافة. الكلبي: إن الله بعث جميع الكتب إلى جبريل بالعربية وأمره أن يأتي رسول كل قوم بلغتهم، حكاه النقاش في تفسيره (٢). وعن علي ﵁: بعث الله نبياً حبشياً (٣). ثم استأنف فقال: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان عن الإيمان. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتوفيق. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يريد اليد والعصا إلى سائر (٤) آياته التسع. ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أن هي المفسرة بمعنى أي.

стр. 938

وقيل: معناه (١): بأن تخرج (٢)، فحذف الجار. والأمر واقع موقع الخبر، والمعنى: أن موسى كان مأموراً كما (٣) أنت مأمور به (٤). والقوم: القبط، والظلمات: الكفر، والنور: الإيمان على ما سبق. وقيل: القوم: بنو إسرائيل، فيكون المعنى: أخرج قومك من ذلِّ الاستعباد إلى عزِّ الملكة (٥)، لأن بني إسرائيل كانوا مؤمنين. ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ جَدِّد لهم الذكر. والذكر حصول المعنى للنفس، وقد يغيب عنها بالنسيان فيعاد إليها بالتذكير (٦). ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ يريد ما خلا من الزمان, وقيل: بنقمه وشدائده، وأكثر استعمال الأيام للوقائع والشدائد, وقيل: بنعم الله، وجاء ذلك مرفوعاً (٧). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ أي: للمؤمنين، فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف (٨) شكر. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾ سبق (٩). قوله ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ عطف على ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ وحيث لا واو بدل عن الأول.

стр. 939

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أعلم، وتَأَذَّنَ وآذن بمعنىً، كتَوَعَّدَ وأَوْعَد (١)، وهو عطف على كلام موسى ﵇ لقومه. وقيل: ﴿تَأَذَّنَ﴾ قال، وقيل: سمع. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: إن شكرتم ما أنعمت به عليكم في قوله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] لأزيدنَّكم نعمة إلى نعمة. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ جحدتم حقِّي وحقَّ نعمتي. ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ يريد في الدنيا بسلب النعمة وفي العقبى بالنار والنكال. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ أي: هو غني عن عبادتكم، حميد يحمده (٢) أهل السموات والأرض. وقيل: ﴿حَمِيدٌ﴾ بإحسانه لمن عبده. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ للمفسرين فيه قولان (٣): أحدهما: أن هذا من كلام موسى لقومه. والثاني: أنه خطاب محمد، ﵉. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ لكثرتهم، ولا يعرف رسلهم إلا الله وحده. وأكثر المفسرين رووا أن النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: (كَذَب النَّسَّابون) (٤). ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات التي تثبت (٥) بها نبوَّتهم ووجبت إجابتهم، ثم لم يؤمنوا، وهو (٦) قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ وفيها أقوال (٧): أحدها: أن الضميرين يعودان إلى الكفرة، أي: رد القوم أيديهم في أفواههم غيظاً عليهم بها (٨)، كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهو قول ابن مسعود ﵁ (٩).

стр. 940

قال ابن عباس ﵄: عَجِبوا من كلام الله فوضعوا أيديهم متفكِّرين فيه (١). وقال بعضهم: أشاروا إليهم بالسِّكوت ووضعوا أناملهم (٢) على شفاههم وقد طبقوها (٣). وقيل: الضمير الثاني يعود إلى الأنبياء، أي: رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كي لا يتكلموا بما أرسلوا به، وهو قول الحسن (٤) والفرَّاء (٥)، وأشار الفرَّاء بظهر كفِّه إلى مَنْ كان يخاطبه. وقيل: الضميران يعودان إلى الرُّسل، فيكون المعنى: لم يقبلوا كلامهم بل ردوا عليهم ما أتوا به، فيكون هذا مثلاً. وقيل: ردوا نعمهم في أفواههم؛ لأن ما أتوا به كانت (٦) نعمة. وقيل: ﴿فِي﴾ هاهنا بمعنى الباء، أي: ردوا النعم بأفواههم بالنطق بالتكذيب، فيكون بأفواههم للقوم. وقيل: كانت بعثة الرسل نعمة حصلت في أفواههم فلفظوها من أفواههم وردوها. ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: بما تدَّعون أنه رسالة. ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ موقع في الريبة. أَرَابَ: أتى بالرِّيْبَة، وأَتْهَم: أَتَى بالتُّهْمَة. ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا جواب لهم على قولهم ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾، أي: لا تشكُّوا في وجود الله ووحدانيته سبحانه فقد دلَّ على توحيده ووجوده وقدرته خلق (٧) السموات والأرض ابتداء.

стр. 941

﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمان ببعِثه إيَّانا إليكم (١). ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ إذا آمنتم به. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الموت، فلا يأخذكم بالعذاب كما أخذ به من كفر قبلكم، و ﴿مِنْ﴾ زيادة (٢). ابن عيسى: ﴿مِنْ﴾ (٣) للبدل، أي: يجعل لكم المغفرة بدل الذنوب (٤)، ويحتمل (٥) أنه للتبعيض، أي: ما سَلَف من ذنوبكم. ﴿قَالُوا﴾ أي: القوم. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: أنتم مثلنا في الصورة والهيئة ولستم ملائكة تحبون صدَّنا عن عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا. ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ حجة واضحة نتيقَّن بها أنَّكم محقُّون في دعواكم. ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: سلَّمنا لكم أنَّا بشر مثلكم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالإيمان والنبوة والتوفيق كما مَنَّ علينا بها. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ جواب لقولهم ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، اقترحوا عليهم آيات سوى ما كان معهم من المعجزات، فقالوا: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ

стр. 942

نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ بيان ومعجزة من تلقاء أنفسنا, وقيل: معناه: إن الذين أتينا به من عند الله لأنَّا لا نقدر على الإتيان بالآيات. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بأمره وعلمه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ من كان يريد اتِّباع الحق إذا قام الدليل فإنه يتوكل على الله ويرضى (١) بما يعطيه ولا يعاند باقتراح الآيات (٢). ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا عذر لنا إن تركنا التوكل عليه. ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ أرشدنا للإيمان ورزقنا النبوَّة. وأفاد دخول (أن) إثبات التوكُّل عليه (٣). ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ جواب قسم مضمر، حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يُمسِكوا عن دعائهم. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾ يريد في صبرنا على أذاكم والتوكل على الله وتفويض الأمر إليه والتسليم له، ويحتمل أنه استئناف من الله (٤). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ لنخرجنكم ومن آمن معكم (٥) من بلادنا. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ إلا أن ترجعوا عن دعوتكم هذه وتعودوا إلى عبادة

стр. 943

الأصنام، و ﴿أَوْ﴾ هاهنا مثله (١) في ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، والعود سبق بيانه في الأعراف (٢). ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)﴾. ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أوحى الله إلى الأنبياء أنه يهلك الكافرين ويورثهم ديارهم وأموالهم، فأنجز وعده. ﴿ذَلِكَ﴾ الإهلاك والإسكان. ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي: مقامه بين يدي، وأضافه سبحانه إليه لأنه يقيمه فيه. ﴿وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ عذابي (٣) , وقيل: زواجر القرآن, وقيل: خاف مقامي من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، حكاه الثعلبي (٤). ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ سألوا الفتح (٥)، وهو النصر. وقيل: سألوا الفتح وهو القضاء. وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير للأنبياء (٦)، أي: سألوا الله أن ينصرهم على الكفار, وذهب بعضهم إلى أنه للكفار، كقولهم (٧): ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٧]، و ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقيل: إنه يعود إلى الجميع، أي: كلهم سألوا أن ينصر المحق ويهلك المبطل (٨).

стр. 944

﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ خاب ما أراد ولم يدرك ما تمنَّى. والجبار: العاتي المتكبر على الله، وهو صفة ذم في المخلوقين, وقيل: هو الذي لا يرى لأحد عليه حقاً. تقول: أجبر فهو جَبَّار، ومثله (١) أَسْأَرَ (٢) فهو سَأّر وأدرك فهو درَّاك، وهو قليل. وقيل: جبار في حق الله من جبر، وقد سبق (٣). والعنيد: المائل عن الحق. ابن عيسى: تقول: عَنَدَ عن الحق: قَصَدَ عنه، والعنيد من الإبل: الذي يخرج عن الطريق، وعِرْقٌ عاند: لا يرقأ دمه، كأنه خرج عن المعتاد. قتادة: الجبار العنيد: الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله (٤). ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أكثرهم على أنه هاهنا بمعنى: قدام, وقيل: من وراء حياته، أي: بعد موته، وهو (٥) ظرف مكان خلاف قُدَّام. وقيل: هو من الأضداد، وحقيقته (٦): ما توارى عنك. وقيل: معناه: من وراء ما هو فيه جهنم، أي: يتلوه. ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ جاء في التفسير أنه: القيح والدم. قتادة: ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه (٧).

стр. 945

الربيع بن أنس: هو غُسالة أهل النار، وذلك من فروج الزناة (١). فعلى هذه الأقاويل: ﴿صَدِيدٍ (١٦)﴾ بدل من الماء, وقيل: من ماء مثل صديد فحذف المضاف. وقيل: ﴿صَدِيدٍ (١٦)﴾ يصد عن شربه لكراهة مذاقه، فيكون وصفاً. ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يتحسَّاه ويشربه جرعة جرعة لمرارته وحرارته. ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يسيغه بعد إبطاء. تقول (٢): ساغ الشراب يسُوغ سوغاً: إذا جاز الحلق ووصل إلى الجوف. وقيل: لا يسوغ في حلقه بل يغصّ به فيطول به عذابه. وقيل: الإساغة إنما تكون مع تقبل النفس فيكون ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ نفياً. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: أسبابه من الشدائد التي الواحدة منها مهلكة لو كان ثم موت. وقوله ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: من جهاته الست, وقيل: ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من بدنه حتى من (٣) أطراف شعره. ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ لأنه لو مات استراح وليس لهم موت. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ ومن وراء المذكور الخلود في النار, وقيل: هو حبس الأنفاس (٤). ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: فيما أنزل الله مثل الذين كفروا. ثم ابتدأ فقال: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ وقيل: تقديره: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، فلما حذف التبس فأُعيد.

стр. 946

وقيل: المثل زيادة (١)، وتقديره: الذين كفروا أعمالهم كرماد. وقيل: معنى المثل: الصفة، وفيه ضعف (٢)، وقد سبق (٣). ﴿كَرَمَادٍ﴾: ابن عيسى: هو جسم يسحقه الاحتراق سحق الغبار (٤). ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: حملته, وقيل: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ (٥): أسرعت الذهاب به (٦). ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ العصوف: اشتداد الريح، وجاز وصف اليوم به (٧) كما جاز (٨): نهاره صائم وليله قائم، أي: هو صائم قائم فيه، وكذلك يوم عاصف، أي: ريحه عاصف. وقيل: في يوم عاصف الريح، فحذفت الريح ونون الاسم. وقال الكوفيون: مجرور للجوار، وفيه ضعف (٩). ويحتمل (١٠): في يوم عاصف هبوب ريحه, وقيل: عاصف: ذو عصف (١١).

стр. 947

﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أعمالهم وكسبهم هي التي كسبوها من الخيرات كالصدقات وصلة الرحم وبناء القناطر وسائر أبواب البر، لأن الكفر محبِط (١). والثاني: هي أعمالهم التي عملوها للأصنام. ومعنى الآية: أن أعمال الكفار (٢) تصير هباء منثوراً فتبطل بطلان رماد حصل في غبراء هبت به الريح (٣) فبدَّدته ومزَّقته فصيَّرته بحيث لا يُرى ولا يُنتفع به. ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ أي: ما وصفنا هو الضلال عن القصد، البعيد عن الرشاد. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ ألم تعلم أن الله. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: قل لكل واحد (٤) منهم. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره. وقرئ (خالق) بالإضافة (٥)، والمعنى فيهما سواء. قوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: محقاً، وقيل: لم يخلقهما عبثاً. وقيل: للحق، أي (٦): لِيُعَلِّم الناس الحقَّ ويأمرهم به. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)﴾ فيه قولان:

стр. 948

أحدهما لجل (١) المفسرين، أي: يفني مَن على الأرض ويأتي بأمثال (٢) لهم. وقيل: يفني بني آدم ويأتي بنوع غيرهم. وقيل: خطاب لأهل مكة، أي: يميتكم ويخلق غيركم من (٣) هم أطوعُ له منكم. والجديد: القريب العهد بالجَدِّ، وهو القطع. ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ ممتنع، بل سهل عليه (٤) يسير. ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: خرجوا من قبورهم لأمر الله ومحاسبته. والبروز: الظهور، والبَرَاز (٥): الصحراء لظهورها. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ جمع ضعيف، أي: ضعيف الرأي والتدبير وهم السفلة والتابعون. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ تكبروا. ابن عيسى: طلبوا الكبر، والكبر: رفع النفس فوق القدر (٦)، وهم الرؤساء والسادة. ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: فعلنا ما أمرتمونا به. جمع تابع, وقيل: مصدر. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فهل تقدرون أن تدفعوا عنَّا شيئاً مما

стр. 949

نحن فيه بصرفه عَنَّا أو بحمله وإن قلَّ. ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا وكنا حسبنا أنا راشدون مرشدون ولكن ضللنا فأضللناكم. وقيل: لو هدانا الله إلى النجاة من العذاب لهديناكم إليها. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ قال مقاتل (١): إنهم يقولون في النار: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة سنة فلا ينفعهم الصبر، فحينئذ يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ مهرب ومعدِل عن العذاب. والحيص: الزوال من (٢) المكروه، وقيل: الحيص: العدول (٣) على جهة الفرار، ووقع فلان في حيص بيص: إذا وقع فيما لا يقدر أن يتخلص منه (٤). ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني إبليس. ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أُحكم وفُرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وجاء في التفاسير (٥): أنه يوضع له منبر في النار فيرقاه فيقول: يا أهل النار: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ أي: وعد وأنجز. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي: وعدتكم وعد الباطل وهو ما وعد وأخلف، وهما

стр. 950

ضدَّان، ووعد الله الجنة والثواب، ووعد إبليس أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب. ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان, وقيل: من اقتدار وإمكان. ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استتناء منقطع، أي: لكني دعوتكم بالوساوس (١). ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أسرعتم إجابتي. ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ فإن من تجرَّد بالعداوة لا يُلام إذا دعا إلى (٢) أمر قبيح، ولأن الله قد قال لكم: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إذْ تبعتموني لا لحجة وبرهان ولا لتسليط وغلبة. ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم (٣) فأُخرجكم من النار. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بمغيثي فتخرجوني (٤) منها. تقول (٥): استصرخني فأصرخته، أي: استغاثني فأغثته، وأصله من الصراخ، وهو الصوت الشديد، وقراءة حمزة (٦) محمولة على أن الياء حركت بالكسر (٧) عند اجتماع الساكنين، ووجه قراءة سائر القراء أن الياء لما وجب تحريكه رد إلى حركته التي كانت له وهو (٨) الفتح.
следующие страницы →