← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقيل: المثل زيادة (١)، وتقديره: الذين كفروا أعمالهم كرماد. وقيل: معنى المثل: الصفة، وفيه ضعف (٢)، وقد سبق (٣). ﴿كَرَمَادٍ﴾: ابن عيسى: هو جسم يسحقه الاحتراق سحق الغبار (٤). ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: حملته, وقيل: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ (٥): أسرعت الذهاب به (٦). ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ العصوف: اشتداد الريح، وجاز وصف اليوم به (٧) كما جاز (٨): نهاره صائم وليله قائم، أي: هو صائم قائم فيه، وكذلك يوم عاصف، أي: ريحه عاصف. وقيل: في يوم عاصف الريح، فحذفت الريح ونون الاسم. وقال الكوفيون: مجرور للجوار، وفيه ضعف (٩). ويحتمل (١٠): في يوم عاصف هبوب ريحه, وقيل: عاصف: ذو عصف (١١).

стр. 947

﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أعمالهم وكسبهم هي التي كسبوها من الخيرات كالصدقات وصلة الرحم وبناء القناطر وسائر أبواب البر، لأن الكفر محبِط (١). والثاني: هي أعمالهم التي عملوها للأصنام. ومعنى الآية: أن أعمال الكفار (٢) تصير هباء منثوراً فتبطل بطلان رماد حصل في غبراء هبت به الريح (٣) فبدَّدته ومزَّقته فصيَّرته بحيث لا يُرى ولا يُنتفع به. ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ أي: ما وصفنا هو الضلال عن القصد، البعيد عن الرشاد. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ ألم تعلم أن الله. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: قل لكل واحد (٤) منهم. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره. وقرئ (خالق) بالإضافة (٥)، والمعنى فيهما سواء. قوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: محقاً، وقيل: لم يخلقهما عبثاً. وقيل: للحق، أي (٦): لِيُعَلِّم الناس الحقَّ ويأمرهم به. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)﴾ فيه قولان:

стр. 948

أحدهما لجل (١) المفسرين، أي: يفني مَن على الأرض ويأتي بأمثال (٢) لهم. وقيل: يفني بني آدم ويأتي بنوع غيرهم. وقيل: خطاب لأهل مكة، أي: يميتكم ويخلق غيركم من (٣) هم أطوعُ له منكم. والجديد: القريب العهد بالجَدِّ، وهو القطع. ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ ممتنع، بل سهل عليه (٤) يسير. ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: خرجوا من قبورهم لأمر الله ومحاسبته. والبروز: الظهور، والبَرَاز (٥): الصحراء لظهورها. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ جمع ضعيف، أي: ضعيف الرأي والتدبير وهم السفلة والتابعون. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ تكبروا. ابن عيسى: طلبوا الكبر، والكبر: رفع النفس فوق القدر (٦)، وهم الرؤساء والسادة. ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: فعلنا ما أمرتمونا به. جمع تابع, وقيل: مصدر. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فهل تقدرون أن تدفعوا عنَّا شيئاً مما

стр. 949

نحن فيه بصرفه عَنَّا أو بحمله وإن قلَّ. ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا وكنا حسبنا أنا راشدون مرشدون ولكن ضللنا فأضللناكم. وقيل: لو هدانا الله إلى النجاة من العذاب لهديناكم إليها. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ قال مقاتل (١): إنهم يقولون في النار: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة سنة فلا ينفعهم الصبر، فحينئذ يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ مهرب ومعدِل عن العذاب. والحيص: الزوال من (٢) المكروه، وقيل: الحيص: العدول (٣) على جهة الفرار، ووقع فلان في حيص بيص: إذا وقع فيما لا يقدر أن يتخلص منه (٤). ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني إبليس. ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أُحكم وفُرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وجاء في التفاسير (٥): أنه يوضع له منبر في النار فيرقاه فيقول: يا أهل النار: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ أي: وعد وأنجز. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي: وعدتكم وعد الباطل وهو ما وعد وأخلف، وهما

стр. 950

ضدَّان، ووعد الله الجنة والثواب، ووعد إبليس أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب. ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان, وقيل: من اقتدار وإمكان. ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استتناء منقطع، أي: لكني دعوتكم بالوساوس (١). ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أسرعتم إجابتي. ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ فإن من تجرَّد بالعداوة لا يُلام إذا دعا إلى (٢) أمر قبيح، ولأن الله قد قال لكم: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إذْ تبعتموني لا لحجة وبرهان ولا لتسليط وغلبة. ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم (٣) فأُخرجكم من النار. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بمغيثي فتخرجوني (٤) منها. تقول (٥): استصرخني فأصرخته، أي: استغاثني فأغثته، وأصله من الصراخ، وهو الصوت الشديد، وقراءة حمزة (٦) محمولة على أن الياء حركت بالكسر (٧) عند اجتماع الساكنين، ووجه قراءة سائر القراء أن الياء لما وجب تحريكه رد إلى حركته التي كانت له وهو (٨) الفتح.

стр. 951

﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (ما) بمعنى مَنْ، و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ (١) متصل بالكفر، أي: كفرت بالله زمن آدم حين امتنعت (٢) عن السجود له. ابن جرير (٣): جحدت أن أكون شريكاً لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم في الدنيا. ابن بحر: إني كفرت اليوم بما كنتم في الدنيا تدعونه لي من الشركة لله (٤). قال: وهذا كقوله ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] .. وقيل: كفرت بإشراككم إياي بالله, وقيل: بطاعتكم إياي في الدنيا. وقيل: إني كفرت قبلكم بما أشركتموني من بعد، فإن كفر إبليس قبل كفرهم. ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ يحتمل إنه من تمام كلام إبليس، ويحتمل الاستئناف. ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة وتسليم الملائكة عليهم. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ أي: ألم تعلم، والعلم مُعَلَّقٌ لمكان الاستفهام (٥)، والمعنى: تنبَّه لهذا المثل. والكلمة الطيبة: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذا قول الجمهور. وقيل: الكلمة الطيبة: جميع أفعال المؤمن وطاعته.

стр. 952

الأصم: الكلمة الطيبة: القرآن (١). ابن بحر: الكلمة (٢): دعوة الإسلام وهو الدين وما يعتري (٣) إليه المؤمن، والمراد بالطيب أن يكون من الإخلاص (٤). ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: ابن عباس ﵄: هي شجرة في الجنة (٥). والجمهور على أنها النخلة. وفي الصحاح من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: (إن شجرة من الشجرة (٦) لا يطرح ورقها وهي مَثَلُ المؤمن فأخبروني ما هي) قال: فوقع الناس في شجرة (٧) البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة (٨) وأردت أن أقول هي النخلة ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت وسكت، فقال ﷺ : (هي النخلة)، فذكرت ذلك لأبي فقال: يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم (٩). وقيل: الشجرة الطيبة هي (١٠) المؤمن. قوله: ﴿أَصْلُهَا﴾: أصل هذه الشجرة ثابت في الأرض، ﴿وَفَرْعُهَا﴾: أعلاها

стр. 953

وأفنانها في السماء، أي: عال نحو السماء، كذلك الإيمان والقرآن ثابت في قلب المؤمن وقراءته وتسبيحه وطاعته عال (١) مرتفع إلى السماء ليس لها حجاب، ومثله قوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ تُخرِج ثمرها. ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ قيل: كل سنة، لأن الثمر في السنة مرة. وقيل: ستة أشهر، لأن الثمرة تبقى عليها ستة أشهر. وقيل: شهرين، وهما مدة الصّرام إلى وقت ظهور الطلع. وقيل: بكرة وعشياً، وهذا فيمن فسر الشجرة بالمؤمن (٢)، أي: يصعد منها إلى الله صالح أعماله دائماً. وأصل ﴿حِينٍ﴾ اسم للزمان مبهم، والمعنى أن المؤمن في إدامة الخير من جهته كالنخلة دائم (٣) خيرها. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ فإنها أتم للبيان وأوضح للبرهان (٤). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ يعني الكفر, وقيل: كل كلمة نهى الله عنها فهي خبيثة. ابن بحر: دعوة الكفر وما يعتري إليه الكافر، والخبيث: القبيح، وكل كلام لا يرضاه الله فهو خبيث. ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إنها الحنظل) (٥). وقيل: الكَشُوث (٦). ابن عباس ﵄: هذه شجرة لم يخلقها الله، وهو مثل (٧).

стр. 954

ومعنى ﴿خَبِيثَةٍ﴾: كريهة المطعم مر المذاق تنفر (١) عنها الطباع. ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ استؤصلت جثته وقلعت بتمامها لأن عروقها قريبة من الظاهر لا تثبت زماناً بخلاف النخلة وكثير من سائر الأشجار، كذلك الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصل يستقر (٢) على الأرض ولا فرع يصعد إلى السماء. وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: ذكرت الكمأة عند رسول الله ﷺ ، فقال رجل (٣): إني لأراها الشجرة اجتثت من فوق الأرض والله مالها من فرع ولا أصل، فقال ﷺ : (لا تقل ذلك، إنها من المن وماؤها (٤) شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي (٥) شفاء من السم) (٦). وروى أبو موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل (٧) الأُترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل (٩) التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحان ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر (٨) الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظل طعمه خبيث وريحه خبيث) (٩). ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ أي: يديمهم عليه ويمنعهم من الزوال والاضطراب. والقول الثابت: هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. والباء باء السبب، أي: بسبب، وقيل: الباء متصل بالإيمان، أي: آمنوا بهذا القول. ومعنى الثابت: الدائم النفع. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر (١٠).

стр. 955

وروى (١) البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح المؤمن، قال: (فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك (٢)، فيقول: ربي الله (٣) وديني الإسلام ونبيي محمد، فينتهرانه ويقولان الثانية: من ربك وما دينك ومن (٤) نبيك، وهي آخر فتنة، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، قال: فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: القبر، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بعد (٥) البعث. وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يريد الإيمان في الدنيا، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: القبر. وقيل: يحيا في الدنيا على الإيمان ويحشر على الإيمان, وقيل: التثبيت في الدنيا: الفتح والنصر، وفي الآخرة: الجنة والثواب. ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ فلا يثبتهم على القول الثابت, وقيل: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ بأن يخذلهم (٦) ولا يوفقهم. ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ هم صناديد قريش وظلمتهم، قطع الله دابرهم يوم بدر. وعن عمر بن الخطاب وعلي ﵄: أنها نزلت في الأَفْجَرَين من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى (٧) حين (٨). وقيل: هو عام في جميع المشركين. و﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: محمد ﷺ بعثه الله نعمة عليهم فكفروا وغيروا.

стр. 956

وقوله: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أي: بدلوا شكر نعمة الله كفراً. الزجاج: هم أهل مكة أسكنهم الله حرمه وآتاهم نعمه وجعلهم قوام بيته فبدلوا ذلك كفراً (١). ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ هي جهنم. والبوار: الهلاك، والبور (٢): الهلكى، ورجل بور وامرأة بور ونسوة بور (٣). وعن علي ﵁: ﴿دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾: بدر (٤). ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من ﴿دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾، وعلى قول علي ﵁ منصوبة بفعل دل عليه: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ ومعناه: يدخلونها, وقيل: يقاسون حرّها. ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ أي: وبئس المقر جهنم. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: سموا أصنامهم ﴿أَنْدَادًا﴾ أمثالاً لله ليضلوا عن سبيله، واللام لام العاقبة، والمعنى: كانت عاقبة اتخاذهم الأنداد: الضلال عن الصواب. ومَن ضمَّ الياء (٥) فاللام لام كي. ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بشهواتكم وبعبادة الأوثان. ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ أي: مآلكم ومرجعكم إليها.

стр. 957

أمر تهديد ووعيد. ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خصَّهم الله بالإضافة إليه تشريفاً لهم. ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة، وإقامتها: إدامتها بشروطها. ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ الزكاة الواجبة وسائر أبواب البر. وجَزْمُ ﴿يُقِيمُوا﴾ و ﴿وَيُنْفِقُوا﴾ مختلف فيه، فذهب بعضهم إلى أن ﴿قُلْ﴾ بمعنى مُر، أي: مُرْهم بالصلاة يقيموها (١) لأنهم مؤمنون، وذهب (٢) بعضهم إلى أن ﴿قُلْ﴾ يقتضي مقولاً وهو أقيموا، أي: قل أقيموا يقيموا لأنهم آمنوا، وبعضهم ذهب (٣) إلى أنه أمر، والتقدير: ليقيموا ولينفقوا (٤)، فحذف اللام. ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ مصدران وقعا موقع الحال، أي: مسرين ومعلنين. والسر: ما خفي، والعلانية: ما ظهر. وقيل: السر: التطوع، والعلانية: الفرض. وقيل: السر: الصدقات، والعلانية: النفقات. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾ يريد: من قبل يوم القيامة، ومعنى ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾: لا فداء. وقيل: لا يقدر على ابتياع (٥) ما ينجيه، ﴿وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾ أي: لا مخالة، وهي المودَّة، أي (٦): لا شفاعة للكفار، لأن الخليل يشفع للخليل. والخِلَال: مصدر، وقيل: جمع خُلَّة، كقُلَّة وقِلال.

стр. 958

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب, وقيل: من جانب السماء, وقيل: من السماء (١) التي فيها الملائكة، ينزل إلى السحاب ثم ينزل من السحاب إلى الأرض. ﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ بالمطر. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ حَمْلَ الأشجار وغيره. ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ معاشاً وغذاء. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ ذلل لكم ركوب (٢) السفن. ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)﴾ تجري فيها المياه, وقيل: تسخير هذه الأشياء: تعليم كيفية اتخاذها. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ في إصلاح ما يصلحانه من الناس والنبات لا يفتران، وقيل: دُءُوبهما في طاعة الله، وغلب تذكير القمر على تأنيث الشمس. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ هيَّأهما لمعاشكم، ولو كان الوقت كله ليلاً أو كله نهاراً ما كان على الأرض نبات ولا حيوان كما هو كذلك، حيث لا تفارقه الشمس وحيث لا تطلع (٣) عليه الشمس. ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي: طلبتم من الله ورغبتم فيه، والتقدير: من كل شيء سألتموه شيئاً، كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أي: شيء

стр. 959

احتاجت إليه شيئاً. وقيل: ما من شيء إلا وقد سأله بعض الناس. وقيل: معنى (١) ﴿مِنْ كُلِّ﴾: التكثير، كما تقول: فلان يعرف كل شيء. وقرأ يعقوب (٢) بالتنوين، فيكون ﴿مَا﴾ مفعولاً، ويجوز أن يكون نفياً, ويجوز أن يكون للعموم. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ نعمة الله هاهنا للجنس، وقد يأتي المضاف جنساً، والإحصاء: الإحاطة بمبلغ العدد، والمعنى: إن تروموا عدها بقصدكم إليه (٣) لا تحصوها لكثرتها. وقيل: وإن (٤) تعدوا آحادها لا تحصوا نهايتها لكثرتها وجمومها (٥). ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ﴾ أي: ظلوم على نفسه. ﴿كَفَّارٌ (٣٤)﴾ كفور نعم ربه. الزجاج: تقديره: غير المؤمنين (٦). ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: واذكر (٧) إذ قال إبراهيم. ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ صيِّر مكة ﴿آمِنًا﴾ ذات (٨) أمن لمن سكنها.

стр. 960

قتادة: حرمه من استحلال حرمات الله (١) فيه والاستخفاف (٢) بحقه (٣). ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ أي: بعّدنا واجعلنا منه في جانب، أي: (٤) ناحية وبعد، أي: ثبتنا على اجتنابها. تقول: جَنَّبَهُ الله السوء وأَجْنَبَهُ وجَنَبَهُ بمعنىً. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾ أي: ضل بسبب الأصنام كثير. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾. وقيل: هو (٥) ما يسمع من الصوت يخرج من أفواهها بدخول الشيطان فيها (٦). ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ على ديني وملتي, وقيل: وليِّي ونصيري. ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ أي: له إن تاب وآمن. ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: إسماعيل وأمه هاجر، والمفعول محذوف, وقيل: ﴿مِنْ﴾ زيادة، والوجه الأول. ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يعني مكة، لا زرع بها ولا نبات، لأنها جبل وحجر، والباء وفي بمعنى (٧). ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ هو بيت الله، لم يملكه أحد سوى الله. ومعنى ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ أي: حرم فيه المجامعة (٨) وأشياء مما يجوز لهم تعاطيها في

стр. 961

بيوتهم (١) من الدماء والأقذار وغيرها. ابن بحر: ﴿الْمُحَرَّمِ﴾: أي: العظيم (٢) الحرمة، وأشار بقوله ﴿بَيْتِكَ﴾ إلى ما بناه آدم ﷺ فرفع زمن (٣) الطوفان. وقيل: بيتك الذي قضيت (٤) في سابق علمك أن (٥) يبنى. وجاء في القصص: أن سارة كانت لها جارية يقال لها هاجر فوهبتها من (٦) إبراهيم ﷺ فولدت منه إسماعيل فغارت سارة وناشدته أن يخرجهما من عندها، فأخرجهما إبراهيم إلى أرض مكة، ثم رجع إلى سارة. وذكر محمد بن الهيصم في القصص: أن سارة بعدما بُشرت بالولد جعلت تهيئ أسباب الولادة من المهد وغيره، وكان فيها أصفر وأخضر فضحك إسماعيل، فغضبت سارة وقالت: منزلتك بلغت أن تضحك مني لا أراك (٧) تمكث هاهنا، فحمله إبراهيم وأسكنه الوادي فأظهر الله عين زمزم. ثم إن جرهم - قبيلة من العرب - نظروا فرأوا ثمَّ (٨) طيوراً، فقالوا: لا طير إلا على الماء، فقصدوا ذلك الموضع فرأوا هاجر وإسماعيل وعندهما عين ماء، فقالوا: أشركينا في ماءك هذا نشركك في ألباننا، ففعلت ذلك فنزلوا. واختلفوا في سنِّ إسماعيل، فقيل: كان بالغاً حين أسكنه الوادي، ألا ترى أنه

стр. 962

كان يعين إبراهيم في بناء البيت. وقيل: إنه كان قد نشأ ولم يبلغ بعد. وقيل: إنه كان طفلاً، وهو الأكثر. ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذه لام كي، وهي متصلة عند بعض النحاة بقوله: ﴿أَسْكَنْتُ﴾، وعند بعضهم بقوله: وارزقهم من الثمرات ليقيموا الصلاة، وعند بعضهم: هي لام الأمر، كأنه دعا لهم بإقامة الصلاة. ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ جمع فؤاد، وسُمِّي فؤاداً لتفؤده، وفَأَدْتُ: شويتُ، والمِفْأَدُ (١): السَّفُّود. قال المؤرج: الأفئدة: القطع من الناس بلغة قريش، وإليه ذهب ابن بحر (٢)، وفيه نظر. ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تسرع إليهم بالمودة والمحبة فينزلون بها ويحجون إليها عاماً فعاماً. والهُوِىُّ: النزول من علو إلى سُفل، وإذا كان على الضد فالهَوِىُّ بالفتح (٣)، وقرئ في الشواذ (تَهْوَى) بالفتح (٤)، من: هويتُ الشيء. مجاهد: لو لم يدخل (من) لازدحمت عليه فارس والروم (٥). ابن جبير: لو قال: أفئدة الناس (٦): لحجت اليهود والنصارى (٧).

стр. 963

سأل إبراهيم (١) الله تعالى أن يحبب (٢) مكة إلى الناس فاستجاب الله دعائه ففرض على الناس الحج إليه (٣) فساروا إليه من كل فج عميق. وقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ هي ما تحمل إليها من الأطراف فصار سبباً لمعاشهم، وأظهر طائف (٤) بالقرب منها أو نُقل إليها على ما يذكر في القصص. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ ما نُضمِر وما نُظهِر (٥). ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)﴾ قيل: هو اعتراض بين كلام إبراهيم ﷺ وبين (٦) كلام الله. وقيل: ذلك من تمام كلام إبراهيم ﷺ . ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ابن عباس ﵄: ولد إسماعيل لإبراهيم (٧) وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشر سنة (٨) , وقيل: سبع عشرة ومائة سنة. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ سامع له، وقيل: مجيب الدعاء لمن أراد. ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ابن عباس: لا يزال من ولد إبراهيم

стр. 964

ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة (١). ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾ استجب دعائي، وقيل: اجعله دعاء (٢) مقبولاً مجاباً. وقيل: معنى (٣) (دعائي): إيماني وعملي وعبادتي. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ العذر لإبراهيم عن استغفاره لأبيه سبق (٤)، وقرئ (٥) في الشواذ: (ولِوَلَدَيَّ)، يريد: إسماعيل وإسحاق (٦). قوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾: يوم القيامة. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ميمون بن مهران: هذا (٧) وعيد للظالمين وتعزية للمظلومين (٨). ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يؤخر عذابهم ويمهلهم. ﴿لِيَوْمٍ﴾ لجزاء يوم، ويجوز: إلى يوم. ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ أي: لا تغتمض مما تناله من الكرب والهول، مثله

стр. 965

﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي. والإهطاع في اللغة: الإسراع والبدار, وقيل: المهطع: الفاتح عينه لا يطرف, وقيل: الناظر بذل. ابن عيسى عن أبي زيد (١): المهطع: المطرق لا يرفع رأسه. وقيل: الإهطاع: إدامة النظر مع فتح العينين، وليس من هذا التركيب غير هذه الكلمة. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ مفسر بوجهين: أحدهما: رافعي رؤوسهم، وهو قول ابن عباس ﵄ (٢). والثاني: ناكسي (٣) رؤوسهم بلغة قريش، حكاه المؤرج (٤)، والأول أكثر. ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: نظرهم، فهو مصدر، أي: بقيت عيونهم شاخصة من الخوف لا تطرف, وقيل: الطرف: العين، ووحد (٥) اكتفاء بجمع المضاف إليه. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ لا تعي شيئاً، وقيل: نزعت أفئدتهم من أجوافهم (٦)، وقيل: هواء: جوف لا عقل لها, وقيل: خالية عن كل خير, وقيل: تدور في أجوافهم لا تستقر, وقيل: الفؤاد: موضع القلب كالصدر، والمعنى: خلع الخوف قلبهم فليس بين جوانحهم قلب. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أنذر يا محمد كفار مكة وغيرهم. ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يريد: يوم القيامة، وهو مفعول به, وقيل: يوم الموت. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: يقول الكفار. ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أي: أخر العذاب عنا وردنا إلى الدنيا، ومن حمل اليوم على يوم الموت قال: سألوا أن يؤخِّرهم فلا يُميتهم في الوقت ويبقيهم إلى أجل يؤمنون فيه. ومعنى ﴿قَرِيبٍ﴾: مقدار ما نجيب دعوتك، وهو الإسلام. ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ على دينهم، وذلك (٧) زمان قليل فيجابون.

стр. 966

﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ أي: حلفتم في الدنيا أنكم إذا مِتُّم لا تزولون عن تلك الحالة إلى حياة ثانية، كقوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. وقيل: حلفتم لا تزولون (١) بعذاب وليس يعني به زوال موت، لأنهم مُقرُّون بالموت. وقيل: لا تزولون عن هذه الدنيا إلى دار أخرى، بل نحيا فيها ونموت فيها (٢). المبرد: تم الكلام عند قوله ﴿أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني قولهم ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، ثم استأنف فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ أي: لا تُزالون (٣) عما أنتم عليه ولا تُجابون إلى ما تريدون. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي، أي (٤): نزلتم منازل الكفار قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ أي: ظهر (٥) لكم حالهم، وقوله: ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ تفسير الحال، أي: شاهدتم في منازلهم آثار ما نزل بهم، فإنها باقية. ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ أي: حكمكم في كفركم حكمهم في حلول (٦) العذاب. ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ في تأييد (٧) الكفر وبطلان أمر الأنبياء، والمعنى: فعلوا ما أمكنهم. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ جزاء مكرهم, وقيل: هو ثابت عنده (٨) ليوم الجزاء غير خاف عليه. ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ أي: وما كان مكرهم (٩)،

стр. 967

و ﴿وَإِنْ﴾ بمعنى ما، كقوله ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ [الأنبياء: ١١١]، واللام للجحد، نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. والجبال: أمر النبي ﷺ وأعلامه ودلالاته (١). ومن قرأ بفتح اللام (٢) فإن هي المخففة من الثقيلة (٣)، فيكون التعظيم لمكرهم، كقوله ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ [نوح: ٢٢]، خلاف القراءة الأخرى، وهذا كله معنى كلام أبي علي (٤). وعن علي ﵁ في جماعة: أن المراد بالمكر هاهنا: ما كان من نمرود الجبار، وذلك أنه قال: إن كان ما يقوله إبراهيم حقاً فلا أنتهي حتى أعلم ما في السماء، فعمد إلى أربعة أفرخ من النسور وعلفها اللحم وربَّاها حتى شبت واستفحلت - ويروى: استفلحت (٥) - ثم قعد في تابوت وجعل معه رجلاً آخر وجعل له باباً من أعلى وباباً من أسفل، وربط التابوت بأرجل النسور وعلق اللحم فوق التابوت على عصا ثم خَلَّى عن النسور فَطِرْنَ وصعدنَ طمعاً في اللحم حتى أبعدن في الهواء، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربنا

стр. 968

منه (١)، ففتح ونظر، فقال: إن السماء كهيئتها، ثم (٢) قال: افتح الباب الأسفل فانظر إلى الأرض كيف تراها، ففعل ذلك، فقال: أرى الأرض مثل اللجة البيضاء، والجبال مثل الدخان، فطارت النسور وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لصاحبه: افتح البابين، ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغية أين تريد. قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشّاب فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخاً بدم، فقال: كُفيت شغل إله السماء، قال عكرمة: سمكة فدت نفسها من بحر الهواء، وقيل: طائر من الطيور (٣) أصابه السهم. ثم إن نمروذ أمر صاحبه أن يصوب العصا وينكس اللحم، ففعل ذلك فهبطت النسور بالتابوت. وروى الثعلبي: فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور (٤) ففزعت وظنت أن قد حدث بها حدث من السماء وأن الساعة قد قامت، فذلك قوله ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ (٥). والعهدة في هذا وأمثاله على الراوي (٦). ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ خطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره. وقيل: تقديره: قل لكل عات منهم.

стр. 969

وجمهور المفسرين على أن التقدير: مخلف رسله وعده، فأضيف إلى الوعد وهو في تقدير الانفصال، أي: مخلفاً وعده رسله. الفراء وقطرب: لما تعدى الفعل إليهما جميعاً لم يبال بالتقديم والتأخير (١). ويحتمل (٢) أن رسله منصوب بالوعد لا بمخلف، ويكون معناه من قوله (٣) ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، واقتصرَ المخلف على مفعول واحد كقوله ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ (٤) [آل عمران: ٩]. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء. ابن عيسى: الانتقام: الانتصاف من الجاني بالعقاب (٥). ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ أي: تزال وتجعل مكانها أخرى. والتبديل: يستعمل أيضاً (٦) في تغيير الأوصاف مع بقاء الذات كما يبدل الخاتم خاتماً إذا كسر وصيغ صيغة (٧) أخرى. فذهب جماعة إلى أن الله تعالى يفني هذه ويأتي بأخرى (٨): فابن مسعود ﵁ في جماعة قالوا: يؤتى بأرض كالفضة نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة (٩).

стр. 970

وقيل: تلك الأرض نار (١) والجنة من وراءها ترى أكوابها (٢) وكواعبها. وعن علي ﵁: أن تلك الأرض من فضة والجنة من ذهب (٣). وعن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: هي أرض من خبز يأكل منها (٤) المؤمنون من تحت أقدامهم (٥). وجاء هذا مرفوعاً أيضاً (٦). وذهب بعضهم إلى أن تبدل أوصافها. فابن عباس ﵄ قال (٧): تمد كما يمد الأديم العكاظي وتزال عنها جبالها وآكامها (٨) وأشجارها وجميع ما فيها حتى تصير مستوية لا ترى فيها عوجاً

стр. 971

ولا أمتاً (١). وقيل: يزاد فيها وينقص. ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي: وتبدل السموات غير السموات. قال علي ﵁: تصير السماء من ذهب (٢). كعب الأحبار: تصير السموات جناناً ويصير مكان البحر النار (٣). وقيل: تبديل السموات: تكوير شمسها وانتشار كواكبها وانشقاقها وخسوف قمرها، وهو قول ابن عباس ﵄ (٤). وقيل: تبديلها: طيها، من قوله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقيل: تبديلها: أن تكون مرة كالمهل ومرة وردة كالدهان. وعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ : أين يكون الناس (٥) حين تبدل الأرض؟ ، قال: (على الصراط)، ويروى: (على جسر جهنم)، ويروى: (أضياف الله) , ويروى: (في الظلمة دون الجسر) (٦).

стр. 972

﴿وَبَرَزُوا﴾ خرجوا (١) من قبورهم. ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ لمحاسبته إياهم ومجازاته (٢) على أعمالهم. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الكفار. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مشدودين في القَرَنِ (٣)، وهو الحبل. وقيل: قرنوا في القيود والأغلال. من قرنت الشيء بالشيء، أي: ضممته، فيقرن الكافر مع الكافر. وقيل: الكافر مع شيطانه. المبرد: يجعل كل واحد مع قرينه (٤). ﴿فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ جمع صَفَد، وهو الغُلُّ، وقيل: القيد والكَبْل، والصَّفَدُ: العطاء أيضاً. ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ قمصانهم، وقيل: لباسهم. والقَطِران: ما يهنأ (٥) به الإبل. قتادة: القَطِران: النحاس (٦).

стр. 973

الضحاك: القطران: النحاس (١)، والنحاس: الصُّفْر. وقيل: القطران: شيء في النار والله أعلم به (٢). وقيل: القطران: ما يُتَحَلَّب من شجر (٣) الأُبْهُل، وهو أقبل الأشياء اشتعالاً. وقرئ: (من قِطْرٍ آنٍ) (٤)، فالقِطْر: النحاس (٥)، والآني: الذي بلغ النهاية (٦) في الحرارة. ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ تعلوها باشتعالها. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ تجزى وفق أعمالها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ يحاسب جميع العباد في أسرع (٧) من لمح البصر. ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: القرآن, وقيل: هذه السورة (٨)، وحمل على قوله ﴿الر كِتَابٌ﴾ [إبراهيم: ١].

стр. 974

وقيل: ما فيها من الوعظ بلاغ (١) أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم. وقيل: عظة كافية. وقيل: البلاغ: الكفاية، من قوله ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾ [الأنبياء: ١٠٦]، أي: هو كاف في إنذار الناس. ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ بالقرآن, وقيل: بالرسول. ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك معه ولا معين. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾. المازني: الواو في ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ زيادة (٢). المبرد: لعطف مفرد على مفرد، أي: هذا إبلاغ (٣) وإنذار (٤). وقيل: محمول على المعنى، أي: ليبلغوا ولينذروا به. ويحتمل أنه عطف على أول السورة، أي: أنزلناه إليك لتخرج الناس ولينذروا به. وقيل: اللام لام الأمر، وهو حسن لولا قوله ﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ فإنه منصوب لا غير.

стр. 975

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحجر مكية (١). ليس فيها ناسخ ولا منسوخ إلا قوله (٢): ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]، وكذلك: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ [الحجر: ٩٤]، فإنهما منسوختان بآية القتال (٣). (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ أي: هذه آيات الكتاب، والكتاب: القرآن، وعطف عليه ﴿وَقُرْآنٍ﴾ كما يعطف الوصف على الوصف، وقيل: الكتاب للجنس، والمراد به (٤) ما تقدم القرآن من الكتب، أي: هذه الآيات آيات الكتب التي تقدمت القرآن، يريد معنى هذه معناها، وقيل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ يريد: التوراة والإنجيل، وهذه آيات (قرآن مبين) يبين الرشد من الغي والهدى من الضلال. ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ قيل: عند (٥) النزع. وقيل: إذا عاينوا حسن أحوال المؤمنين.

стр. 976

وقيل: هو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يخرج من النار حتى يقال أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيتمنى الكافر لو كان مسلماً (١). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين، قالوا: بلى، قالوا (٢): فما أغنى عنكم إيمانكم وأنتم معنا (٣)، فيغضب الله لهم فيأمر بكل من كان من أهل القبلة فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) (٤) وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية (٥). ويحتمل (٦) اللفظ عموم هذه الأحوال. وكلمة رب للقلة عند النحويين خلاف كم، وجميع ما جاء في الشعر جاء للكثرة (٧)، وكذلك في الآية تدل على الكثرة، لأن الكفار في العقبى دائماً يودُّون لو

стр. 977

كانوا مسلمين، فلعلهم استعملوها استعمال الشيء لضد ما وضع له (١)، أو مقصود النحاة بقولهم (٢): وضع للتقليل، أي: بالإضافة إلى كم، وقد تخفف كما قرأه نافع وعاصم (٣)، وقد يدخله (٤) ما الكافة، فإنه حرف يجر ما بعده، ويخص (٥) بالاسم النكرة فإذا كفت وقع بعده الاسم والفعل الماضي، وجاز (٦) يود على حكاية الحال، وهذا كلام أبي علي (٧). وقال الكوفيون: ما هو آت لا محالة فهو كالماضي. وقيل: كان هاهنا مضمر، وهذا (٨) بعيد. قال ابن السراج: الأفعال كلها جنس واحد، فجاز وقوع كل لفظ منها موقع الآخر إذا لم يورث اشتباهاً (٩). ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ الصيغة صيغة الأمر،

стр. 978

والمعنى: الوعيد، إذ (١) لم يكونوا ممنوعين من الأكل والتمتع، أي: دع الكفار يأكلوا في الدنيا ويتمتعوا (٢) من لذاتها وتشغلهم الأماني عن الإيمان والتكثير من الطاعات فسوف يعلمون ما يصيرون إليه من عذاب الله. ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ أي (٣): أجل مقدر، ووقت محدود (٤). وقيل: هو كتاب فيه أعمالهم وأعمارهم وآجالهم وهلاكهم. ومعنى ﴿مَعْلُومٌ (٤)﴾ أي: تعلم الملائكة ذلك الوقت، وقيل: ﴿مَعْلُومٌ (٤)﴾: من العلامة، وفيه نظر. وذكر الماوردي: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾: فرض محتوم (٥)، وهذا التاؤيل ها هنا بعيد جداً. أي: ما أهلكنا قوم قرية إلا ولإهلاكهم (٦) وقت معين لا يتقدم ولا يتأخر وهو قوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ وقت إهلاكها ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ يريد عن الوقت المضروب لهم، و ﴿مِنْ﴾ في الآيتين صلة، والواو للحال، ويجوز حذفه في (٧) غير القرآن، و ﴿يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ محمول على المعنى. الحسن: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ رسولها وكتابها، فتعذب (٨) قبله،

стр. 979

و (لايستأخرون) أي: لا يستأخر (١) القوم إذا كذبوا الرسل (٢). ﴿وَقَالُوا﴾ يعنى الكفار. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يعنون محمداً ﷺ ، والذكر: القرآن، أي: نزل عليه بزعمه ودعواه، قالوه استهزاء. ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ مصاب في عقلك ورأيك مستور عليك وجه الصواب أن (٣) كنت تقدر أنا ندع دين (٤) آبائنا ونصير لك تبعاً من غير بينة وبرهان. ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ هلا تأتينا، وقيل: لم لا تأتينا. ﴿بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ أي: هلا كان معك ملائكة يصدقونك ويشهدون لك على دعواك، فإنا (٥) إذا رأينا ذلك صدقناك وآمنا بك واتبعناك. ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا بالرسالة أو العذاب أو الموت، ولو كذبوا الملك لوجب هلاكهم عاجلاً. ابن عيسى: إلا بالحق الذي لا يثبت معه الباطل طرفة عين (٦). وقيل: إلا بالقرآن. ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ أي: لو نزلت الملائكة لم ينظروا. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن.

стр. 980

﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ للقرآن (١). ﴿لَحَافِظُونَ (٩)﴾ من أن يزاد فيه ما ليس منه أو ينقص منه ما هو فيه، وقيل: لحافظون من إبليس والشياطين أن يزيدوا فيه باطلاً. قتادة: ﴿لَهُ﴾: لمحمد ﷺ ﴿لَحَافِظُونَ (٩)﴾، نحفظه من أعدائه (٢). وقيل: لحافظون في قلب من أردنا به الخير. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ جمع شِيْعَة، وهي الأمم والفرق والطوائف والتوابع والأنصار، مشتقة من شاعه (٣)، أي: تبعه، وأصله من الشِّياع، وهو الحطب الصغار توقد به الكبار. و﴿الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ قيل (٤): من إضافة الشيء إلى صفته، وهذا ممتنع عند سيبويه (٥). وقيل: ﴿الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ هم الأقدمون الذين سنوا الضلالة لمن بعدهم ومن تبعهم شيعتهم لاقتدائهم به (٦). ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾ يعزي نبيه ﷺ . ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾ أي: كما سلكنا الكفر والاستهزاء في شيع الأولين ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أي (٧): الكفر والاستهزاء، في قلوب المجرمين من أمتك. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالله، وقيل: بالذكر، وقيل: بالعذاب، حكاه الماوردي (٨). وقيل: نسلك الذكر في قلوب المجرمين بإسماع النبي إياهم ذلك وهم مع ذلك لا يؤمنون به. والسَّلْك: إدخال الشيء في الشيء، وجاء: أَسْلَكَهُ أيضاً، والسُّلُوك لازم ومتعد (٩). ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ للمعاندين بالخذلان، وقيل: للكافرين بالعذاب. ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: لو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء. ﴿فَظَلُّوا﴾ أقاموا النهار كله.

стр. 981

﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾ يصعدون. قتادة: ﴿يَعْرُجُونَ (١٤)﴾ (١): يختلفون فيه جائين وذاهبين (٢). والذين يعرجون: بنو آدم، وقيل: تعرج الملائكة في الباب. وهذا جواب لقولهم ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾، أي (٣): لو أجيبوا إلى ما اقترحوا. ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. الأخفش: أمسكت، تقول: سكرت الباب: إذا حبسته بخشبة. أبو عمرو: غُشِّي أبصارنا وأخذت (٤). الحسن: سحرت (٥). وقيل: دير بنا (٦). الزجاج: تحيرت وسكنت عن أن تنظر (٧). الضحاك: سدت (٨). الكلبي: عميت (٩). قتادة: خدعت (١٠). وقرئ (١١): (سُكِرَت) بالتخفيف.

стр. 982

قال أبو علي: هما سواء، لكن التشديد يدل على المبالغة (١). وأصله من الحبس، تقول: سَكَرت النهر، والسِّكْر: ما يُسكر به. ابن عيسى: أصله إدخال اللطيف في المسام (٢)، ومنه السُّكر، والسَّكر: السد (٣) بالتراب (٤). ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ مخدوعون، وقيل: سحرنا محمد. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: خلقنا فيها. ﴿بُرُوجًا﴾ الحسن ومجاهد وقتادة: نجوماً (٥). ابن جرير: هي كواكب تنزلها الشمس والقمر (٦). غيرهم: هي (٧) البروج الاثنا عشر: الحَمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسُّنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدَّلو، والحوت، وهي منازل الشمس والقمر والنجوم التي تجري فيها، وذلك أن الفلك قسم اثني عشر قسماً وكل قسم منها سمي برجاً ولقب كل برج ببعض الكواكب التي في ذلك القسم كالحمل والثور إلى التمام. وقيل: البروج: قصور في السماء. وأصل الكلمة من بروج الحصن، واشتقاقه من البروج وهو الظهور. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ قيل: السماء، وقيل: البروج. ﴿لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ للمعتبرين. ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ السماء. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ ملعون، وقيل: مرمي بالنجوم.

стр. 983

﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الزجاج: يجوز أن يكون خفضاً، أي: إلا ممن استرق (١). ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ أي: رام اختلاسه سِرَّاً، والسمع المسموع، فيتبعه ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ نار تظهر (٢) لكل ذي عينين. ابن عيسى: الشهاب: عمود من نار (٣) يمتد بشدة ضيائه كالنار (٤). قال ابن عباس ﵄: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات فكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، لأن الملائكة يتدارسون مما انتسخوه من اللوح المحفوظ، ثم يأتون الكهنة فيخبرونهم بذلك فيخلطون به (٥) كذبهم، فلما وُلِد عيسى ﵇ مُنِعوا من ثلاث سماوات (٦) ولم يُمْنعوا من أربع، فلما ولد محمد ﷺ مُنِعوا من السماوات كلها، فما منهم من يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب فيخرجه أو يخبله أو يخرق جزءاً منه ولا يقتله (٧). الحسن: يقتله ولا يعود الشهاب (٨).

стр. 984

وقيل: يرجمون بها (١) وتعود الشهب إلى أماكنها. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بسطناها من تحت الكعبة، من قوله ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠]. وعن الحسن أنه قال: أخذ الله طينة فقال لها انبسطي فانبسطت (٢). والجمهور على أن الله تعالى مدها على وجه الماء. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿رَوَاسِيَ﴾ جبالاً ثوابت، والراسي (٣): الثابت، وقيل: الغائب في الأرض (٤). ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ قيل: في الأرض. وقيل: في الجبال، وقيل: فيهما. ومعنى ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾ أي: شأنها أن توزن، كالحنطة والشعير والزعفران والذهب والفضة (٥) والنحاس. وقيل: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: معلوم عند الله. وقيل: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: مقدور بقدر. قتادة: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: مقسوم (٦). ويحتمل (٧) أن المراد به المكيل والموزون والمعدود، لأن مآل الكل إلى الوزن،

стр. 985

كالخبز وحب الرمان والمج (١)، ويحتمل أيضاً (٢) أن المراد بالموزون ماله منزلة، كما تقول: ليس له وزن، أي: قدر ومنزلة. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿مَعَايِشَ﴾ جمع معيشة، وهي مصدر عاش، فجعل اسماً لما يعاش به. ابن عيسى: المعيشة: طلب أسباب الرزق من المطاعم (٣) والمشارب والملابس مدة الحياة، قد يطلبها الإنسان بالكسب والتصرف وقد تطلب له، فإن أتاه من غير طلب فهو العيش الهني (٤). ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ العبيد والإماء، أي: يخدمونكم والله يرزقهم. مجاهد: الدواب والأنعام والبهائم (٥). وفيه بعد، أو يضم إليها العبيد والإماء. وقيل: أراد به الوحش والسباع والطير، ومحل (من) جر، وهذا (٦) ممتنع من وجهين (٧)، أحدهما: أنه لايجوز العطف على الضمير (٨) المجرور إلا بإعادة الجار، والثاني: أنه يحتاج إلى إضمار معايش، فيصير عطفاً على عاملين مختلفين، وهذا لايجوز أيضاً، بل محله (٩) نصب من وجهين، أحدهما: بالعطف على المعايش (١٠)، والثاني: بالعطف على محل (١١) لكم، ومن هذا الوجه يحتمل الرفع أيضاً، أي: ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش.
следующие страницы →