ابنه وأنا حر فيه يضربه يعذبه يعمل له عاهة إلى آخره، ليه لأنه لا يفهم أن هناك سلطة أعلى منه سلطة الشريعة تهذب سلوكه وتجعل العقوبة ليست انتقامًا من الطفل.
لكن الموضوع كله بيدور حول أين تكون مصلحة الطفل ففي حالة معينة قد يكون هناك طفل لا يصلحه إلا نوع من الشدة، طبعًا بشروط ليس الهدف الانتقام الطفل غير مكلف، فاحنا كل الموضوع ما الذي يحسب القرارات أن يصب في مصلحة الطفل، فكل القاعدة تدور حول مصلحته فالشريعة منحازة تمامًا إلى مصلحة الطفل، منحازة لمصلحة الطفل تمامًا لأنه لا يضمن التعبير عن نفسه، ولا يطالب بحق.
ولذلك جائت هذه الإجراءات، فالشريعة عطلت ما كان عليه الجاهلية من أن حق الحضانة يرجع للعصبة أو الأب والعصبة بتاعة الأب، فجاء الإسلام فعدل هذا الأمر وأصلحه وجعل الحضانة من حق الأم في غاية الواقعية، فينظر أين المصلحة.
فالأصل في فترة الصغر التي فيها الرضاع والعناية بنظافته وكذا وكذا بتكون الأم، فيبقى انتهاء سن الحضانة مع الأم، فإذا كبر واحتاج إلى عناية الأب به فتنتقل الحضانة إلى الأب شيء منطقي جدًا، يقول وجعلها من حق الأم لأنها منبع الحنان والعواطف فقرابتها والتصاقها بالإبن أكثر من الأب.
بل جعل الإسلام الأولية بالحضانة بعد الأم لمن له صلة أقرب للأم فمثلاً، جدته لأمه أولى بالحضانة من جدته لأبيه، وخالته أولى من عمته لأن الرسول ﷺ قال: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» (١) عبرت إحدى الصحابيات أجمل تعبير عن حقها في الحضانة بعدما طلقها زوجها وأراد أن ينزع وليدها منها فقالت «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (٢) يعني ما لم تتزوجي، لأن الأم في هذه الحالة ستنشغل بواجبات الزوج فيكون على حساب الطفل.
стр. 317
كأن الشريعة تكافئها ما دامت تحبس نفسها على رعاية هذا الطفل، فأثبت لها حق الحضانة وأثبت لها كذا وكذا من هذه الحقوق، لكن إذا نازع حق الطفل حق آخر تلتقي الحضانة إلى من يتفرغ للعناية بالطفل.
هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يسير في المدينة بقامته المديدة وهيبته الظاهرة، يرى في ناحية من الطريق ابنه عاصمًا الذي أنجبه من امرأة أنصارية كان قد طلقها رآه يسير مع جدته لأمه فانتزعه منها بقوة بدنه وقوة شخصيته هذا ابنه، وكان مع جدته لأمه لكن العجوز التي كانت تدرك أنها تعيش في دولة لا يظلم فيها أحد، وأن الحق أكبر من عمر ﵁، لن تتركه بل أخذت تنازعه الولد وخاصمته بين يدي خليفة المسلمين أبي بكر الصديق ﵁، فانتزع الصديق الطفل من يده بقوة الحق، وقال له عبارته المشهورة الخالدة المعبرة عن روح الحضارة الإسلامية ورسالة الإسلام التي جاءت رحمة للعالمين، انتزعه الصديق من عمر وأعاده إلى جدته أمه وقال له «ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك» بهذه العبارات العاطفية الكاشفة بين الصديق ﵁ العواطف الإنسانية التي يضمها قلب الأم الرؤوم، فإذا كانت الأم تغدي وليدها بما يدره جسدها من غذاء صالح لنموه، فهي بنظراتها وبشاشتها وحنانها وهزها له في المهد، وابتسامتها له في الحجر، ومناغاتها له، تقدم له غذاءًا عاطفيًا يتعاون مع الغذاء المادي في تنميته وقوته، وإن كان هذا الغذاء المادي بسيطًا فهو أفضل من الشهد عند أبيه في غياب أمه.
أيضًا كفلت الشريعة الإسلامية حق الطفل في كف الأذى عنه وتمثل ذلك في الختام وحلق الرأس وغير ذلك فمن مظاهر الاهتمام بنظافته إلى جانب حقه في التربية والتعليم والتأديب.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
* * *
стр. 318
الدرس السابع
ثمار رعاية الطفولة في
الحضارة الإسلامية
стр. 319
الحمد لله رب العالمين .. الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين .. والعاقبة للمتقين .. ولا عدوان إلا على الظالمين .. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ..
أما بعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌. وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ..
ثم أما بعد ..
فنعود إلى السلسلة التربوية، والمفترض أن نشرع في مدارسة مبدأ التأديب.
تأديب الأطفال:
كثير من الناس يقفز إلى أذهانهم إذا ذكرت كلمة التأديب، التأديب بالضرب. لكن التأديب يطير بجناحين؛ جناح الثواب وجناح العقاب.
قبل أن نناقش ضوابط الثواب والعقاب في العملية التربوية نعود إلى مبدأ إسلامي أصيل لا يختص فقط بالأطفال أو تربية الأطفال، ولكنه مبدأ إسلامي أرساه الله في كتابه الكريم، ورسول الله ﷺ في سنته، ألا وهو مبدأ الترغيب والترهيب وهذا أسلوب تعليمي وتربوي من أنجح الأساليب ويراد به تصحيح سلوك الإنسان، فهذا المبدأ أكد عليه العلماء والمربون المسلمون نتيجة لما يرمي إليه من النتائج الإيجابية سواء على الناحية التعليمية أو الناحية التربوية.
الثواب والعقاب مبدأ تربوي أصيل أكد عليه الإسلام في حياة الإنسان، لأن الثواب والعقاب معناه اثبات المسئولية الفردية.
أن الإنسان مسئول ومحاسب وأنه سيجازى على عمله وأن الجزاء من جنس العمل.
- لأن بعض الناس تتخيل الترغيب والترهيب، إنه مجرد تخويف.
стр. 320
مجرد تخويف فقط ولا حقيقة وراءه، وهذا انطباع موجود عند بعض الناس حينما يذكر بمبدأ الترغيب والترهيب، لا، فالترغيب والترهيب مبدأ مؤسس في حياة كل إنسان، وهو أنه يتحمل نتائج وتبعات سلوكه الخيرة منها والشريرة.
يقول الله ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ (١)، ويقول تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ (٢) وقال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (٣).
فإذًا المقصود من هذا المبدأ الإسلامي الأصيل تصحيح السلوك الإنساني والرجوع به إلى الحق والصواب، والبعد به عن السيئات وعن ما يغضب الله تعالى.
أيضا العقاب في الإسلام مبني على الشفقة والرحمة بالإنسان، يقول الشاعر: قسى لي الزجر ..
لكن طبعا هذا في حق المربين من البشر، ولكن مثل هذا اللفظ لا يقال في حق الله ﵎.
قسى لي الزجر ومن يكن راحم افليقسو أحيانا على من يرحم
فالعقاب في الإسلام ليس المقصود به إيذاء الإنسان في نفسه، وإنما المقصود الشفقة والرحمة بهذا الإنسان.
يقول النبي ﷺ ما معناه: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي» (٤).
الفراش ينجذب لضوء النار ولا يعقل أن فيه هلاكه، فهكذا الإنسان حينما تجذبه الشهوات.
стр. 321
«مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي» (١)
فهذه هي رحمة رسول الله ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين.
فالإنسان معرض لأن يرتكب الخطأ من جراء جهله ونسيانه. ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ (٢)
يقول الله ﵎ في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٣) ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٤).
الحياة الإنسانية في مختلف صورها تحتاج إلى أن تحاط بسياج من الضبط كي تستقيم، فمثلا أنزل الله القصاص.
القصاص المقصود منه أساسا هو حماية الروح الإنسانية، فالمقصود من القصاص هو رحمة البشر وحفظ حياتهم.
يقول الله ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ﴾ المعاملة بالمثل، من قتل يقتل ﴿حَيَاةٌ﴾.
كيف يكون القتل فيه حياة ؟
نعم القتل فيه حياة لأن الله ذكر تعليل ذلك الحكم ب ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾
تتقون ماذا؟
-القتل.
стр. 322
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ (١) أي القتل، لأنه إذا علم أنه سوف يجازى بالقتل قصاصا فإنه سوف يمتنع من الاعتداء على أرواح الناس.
تتعدد آيات القرآن الكريم التي تضمن التشريع بالقصاص والعقاب الدنيوي كوسيلة من وسائل الضبط العقائدي والاجتماعي في صلاح الفرد والمجتمع.
أيضا تجد الشارع الخبير بطبائع النفوس، يسد الطريق أمام كل الاستثارات الدافعة إلى العدوان أو إلى التقصير.
فلا ريب أن الأسلوب الإسلامي الذي هو أسلوب الترغيب والترهيب أو الثواب والعقاب، بني على الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
لأن الكائن الحي سواء أكان إنسانا أو حيوانا يميل بفطرته إلى اللذة والنعيم وحب البقاء، ويهاب كل ما يؤلمه ويكون سببا في شقائه.
-حتى الحيوانات، تتحرى أن تجلب ما ينفعها وتدفع ما يضرها، يعني أي حيوان، إذا أردت أن تقتل نملة أو صرصورا أو نحو ذلك فإنه يقاوم ويسلك أساليب معينة ليحمي نفسه ويدفع عنها الضر ويجلب لها النفع.
فالإنسان يميل إلى حب اللذة والنعيم والبقاء، ويهاب كل ما يؤلمه ويكون سببا في شقائه.
فالنفس البشرية أولى بالابتعاد عما يؤذيها والميل إلى ما لذ وطاب من العيش وإلى ما يحقق لها استمرار الحياة.
كما أن ضرورة الاجتماع –أي ضرورة وجود أناس يعيشون مع بعض في اجتماعات لأن الإنسان مدني بطبعه- تقتضي أن يثاب المحسن على إحسانه وأن يعاقب المسيء على ما اقترف من المعاصي والذنوب.
стр. 323
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١) لكل عمل جزاؤه إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، وهذا نتيجة طبيعية ليست متكلفة ولا مصطنعة، ولولاها لعم الظلم وساد الاضطراب بين الناس.
والإنسان في مراحل عمره المختلفة عرضة للوقوع في الذنب قل ذلك أو كثر وعرضة للانزلاق في الخطأ. فالكمال لله وحده.
-فهنا لابد من العقاب حسب الموقف والذنب المقترف، حتى لا يقع الإنسان في الذنب يأتي الترغيب والترهيب كنوع من الردع حتى لا يقع فيها الإنسان والاستمرار عليها حتى لا تصبح عادة وصفة لازمة من صفاته.
وما الحياة إلا صراع مستمر بين عنصري الخير والشر والعاقل من أحسن الاختيار.
إذا أسلوب الترغيب والترهيب له أهمية بالغة في التربية الإسلامية وفي تربية النشء وتعويدهم فعل الخير منذ نعومة أظفارهم.
فالترغيب أسلوب لابد أن يلجأ إليه المربي مقابل أسلوب الترهيب.
فمرة يهدد المتربي بعدم رضا الله إذا فعل منكرا أو ارتكب محرما، مبينا له مقابل ذلك ما أعد الله من النعيم المقيم لمن أطاع أوامره واجتنب نواهيه.
فالناشئ ولا ريب يحاول جاهدا الابتعاد عن اتباع الهوى، فالتربية كما قلنا من قبل كالطائر الذي يطير بجناحين وهما الحب والحزم.
الحب وما يتطلبه من الرفق والإثابة والترغيب واللين.
والحزم وما يتطلبه من الترهيب والعقاب والانضباط.
فأسلوب التوجيه اللفظي والوعظ والإرشاد يجدي مع بعض الناس.
стр. 324
لكن توجد مجموعة أخرى -والناس طبائع، والشخصيات مختلفة في طبائعها- لا يجدي معها هذا الأسلوب، فمن ثم هناك فروق فردية بين البشر، ليس كل الناس يجدي معهم الوعظ ولا الترغيب ولا اللين، ولكن هناك من لا يقومه إلا العقوبة والتهديد والترهيب.
لم يسلك أسلوبا من أساليب التربية إلا طرقه للنفاذ إلى نفس الإنسان والتأثير عليها، فهو يستخدم الموعظة والترغيب والترهيب والعقوبة.
كل أنواع التربية:
يقول الله مخوفا عباده بعقاب الآخرة، وهذا كثير جدا في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ (١).
فالمربي لا يستطيع أن يسلك الطريق الطويل في حقل التربية، ما لم يعرف الطفل والإنسان عموما أن هناك مكافأة وعقوبة إزاء عمله وسلوكه فالجزاء من جنس العمل، سواء عند الله أم عند الناس.
والإنسان منذ نعومة أظفاره على فعل الخيرات، فلن يختار غيرها إذا شب وصلب عوده، لذا لابد من الاهتمام بدراسة ضوابط مبدأ الترغيب والترهيب إذا أردنا أن نعرس مبدأ خلقيا أو تربويا في نفس المربي، لأن هذا مبني على إثارة الانفعالات، وتربية العواطف الربانية، تربية عاطفة الخوف من الله والرهبة، وحب الله وحب النبي ﷺ ، فبهذا الأسلوب الأساسي (الترغيب والترهيب) نستطيع أن نغرس القيم ونعين الأطفال على الالتزام بالعبادات والتدرب عليها كما هو في حالة الصلاة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فيما بعد بالتفصيل.
стр. 325
الآن نأتي إلى نماذج مباشرة من القرآن والسنة في بيان ملامح هذا المنهج العام الذي أرساه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، من حيث استعمال اسلوبين متضادين يختلف إحداهما عن الآخر ألا وهما أسلوب الترغيب والترهيب .
الترغيب والترهيب:
أما الترغيب: فهو وعد يصاحبه تحبيب الإنسان وإغراؤه بإنجاز عمل ما يجني من ورائه مصلحة كبيرة أو خيرا كثيرا يصب في ميزان أعماله وهذا مؤكد وحاصل لكن الغالب في الخطاب بين المؤمنين الوعد الأخوي، لو تأملتم في قصة ذي القرنين لما قال لهؤلاء القوم: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ (١).
تلاحظ أنه مع المؤمنين قدم الثواب الأهم بالنسبة للمؤمن وهو ثواب الآخرة، لأن المؤمن عنده يقين بديمومة وخلود هذا الثواب وأيضا بقدره بالنسبة لثواب الدنيا الفانية، ولذلك لما تكلم عن الكافرين قال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ في الدنيا، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ رغم أنفه، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾.
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ انظر ماذا قدم؟
﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ (٢)
لأن هذا هو المقصد الأساسي للمؤمن طلب الثواب هناك في الآخرة.
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ﴾ هناك، ﴿جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾.
هذا في الدنيا.
стр. 326
فلذلك ينبغي أن يربى المسلم على العمل ابتغاء مرضاة الله ﵎.
لأهمية هذا الأسلوب الرفيع الذي يمثل دافعا للإنسان نحو الأعمال الصالحة التي ترضي الله ﵎ شاع جدا في القرآن الكريم وفي سنة النبي ﵌.
مثلا قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ (١).
ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (٢).
ويقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ (٣).
ويقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ (٤)
стр. 327
ويقول : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ (١).
ويقول : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ (٢).
استعمل رسول الله ﵌ أسلوب الترغيب في تربية أصحابه رضي الله تعالى عنهم فحثهم على فضائل الأعمال عن طريق الترغيب والترهيب كما ورد في فضل مثلا صلاة الضحى أو صلاة الليل أو صيام التطوع وغير ذلك من هذه الأعمال الصالحة.
فكان من هدي رسول الله ﷺ تحبيب عباد الله في طاعة الله ﵎، كان يشجعهم على إنجازها.
-لما رأى قوما يعملون في بئر زمزم ويحفرون، قال: «اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ» (٣) وحسان بن ثابت لما كان يهجوا المشركين، كان يقول: «اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ» (٤) وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ
стр. 328
أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
-فهذا هو مبدأ الجزاء من جنس العمل.
وقال ﵌: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» (٢).
وأسلوب الترغيب أو التشجيع ينقسم إلى قسمين:
الترغيب أو التشجيع المادي:
أما التشجيع المادي: مثلا إذا طلبت من الطفل أن يحفظ سورة من القرآن الكريم فأنجزها، فهنا يمكن أن تمنحه جائزة أو هدية مكافأة له على حفظه.
قد تكون هدية مادية.
-طبعا موضوع الثواب والعقاب له ضوابط في غاية الدقة سنناقشها بإذن الله تعالى فيما بعد بالتفصيل، ولكننا هنا نركز على مبدأ الترغيب والترهيب كمبدأ تربوي عام حتى في حق الكبار، وليس فقط في حق الأطفال.
القسم الثاني من صور الترغيب، وهو:
التشجيع المعنوي:
مثل مجرد أن تشكر للطفل أو تمدحه وتثني عليه وتشيد بإنجازه أمام الناس، هذه الإشادة تعطي الطفل الثقة بالنفس وتشجعه على فعل المزيد من الأعمال الجيدة الأخرى.
-وسبق أن أشرنا من قبل إلى مبدأ المدح التربوي.
стр. 329
هناك مقصد تربوي، له أهمية في حث الإنسان على مزيد من الإنجاز فهذا المدح المعنوي يشبع حاجة عند كل إنسان.
حاجة نفسية، وهي الحاجة إلى التقدير .
الحاجة إلى التقدير:
وهذا مبدأ إسلامي أصيل، يقول النبي ﷺ : «مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ » (١) «وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ فَقَدْ كَفَرَ»، يعني كفر نعمة إنعام وإحسان هؤلاء الناس عليه، فمن شكر الله أن تشكر من أسدى إليك معروفا، فهذا إشباع للحاجة النفسية عند أي إنسان وهي الحاجة إلى التقدير، فإنسان أدى إليك معروفا أو خدمة، فينبغي ألا تكون ناكرا للجميل وأن تعبر عن شكره بالثناء أو بالدعاء أو غير ذلك.
فالتشجيع من الممكن أن يكون ماديا ومن الممكن أن يكون معنويا والمربي هو الذي يحدد هذا حسب الموقف الذي يعيشه الطفل.
والأساليب التربوية ليست قوالب جامدة تتطبق بطريقة عمياء على كل الناس، فلابد من مراعاة الفروق الفردية فما يصلح هذا قد يفسد ذاك، فخبرة المربي هي التي تجعله يحدد الأسلوب المناسب في الترغيب أو في الترهيب.
لكن المطلوب دائما تنويع الأساليب التربوية في التربية
ممكن يجمع أحيانا بين الأسلوب المادي أو التشجيع المعنوي.
فالمربون ينادون باستخدام أساليب التشجيع المادي مع الأطفال في بداية الأمر إلى أن يكسب الطفل إدراك المعنى، فيصبح للمديح والشكر أثر يفوق الهدايا والجوائز.
стр. 330
-الطفل في البداية يكون كما قلنا، ماديا متحجرا، يعني لا يتأثر إلا بالأشياء المحسوسة، تعطيه حلوى، تعطيه مالا، تعطيه كذا ..
فهذه الأشياء المحسوسة أو الثواب المحسوس يدركه أكثر، فإذا نضج أكثر وفهم المعاني المجردة فحينئذ سيدرك أنه ربما يكون المديح والثناء وكلمة الشكر أعظم عنده من الجائزة المادية.
على أي الأحوال الجمع بين الأسلوبين (التشجيع المادي والمعنوي) مفيد ومطلوب.
ومن ثم ينبغي على المربي أو الأب إذا وعد الطفل بجائزة معينة أو بوعد معين فلابد أن يفي بوعده، لأنه إذا أخل بوعده فإن الابن يفقد الثقة في هذا الوالد أو هذا المعلم.
ما دام الطفل أكمل العمل الذي طلبته منه على وجه صحيح، فلابد أن تفي.
إذا لم تف فهذا يشوه الصورة الحسنة التي يرسمها كل طفل عن أبيه.
عن عبد الله بن عامر قال: «دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ قَالَتْ أُعْطِيهِ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ» (١).
هذا فيما يتعلق بأسلوب الترغيب أو أسلوب التشجيع بقسميه.
أما أسلوب الترهيب: فهو وعد يصاحبه تهديد الإنسان بالعقوبة، وتحذيره من الأعمال التي تؤدي إلى الوقوع في المعاصي التي تغضب الله ﵎.
فأسلوب الترهيب أيضا أسلوب تربوي جيد لا يمكن الاستغناء عنه خاصة في مجال التربية.
ولأهميته ورد ذكره في كثير من المواضع في القرآن وفي السنة النبوية.
يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ هذا هو الإنذار، هذا هو الترهيب.
стр. 331
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ (١) فالإنذار هنا كما تلاحظون هو إنذار في القرآن الكريم.
لأن هناك فكرة مضطر إلى أن أصفها بالفكرة الشيطانية، فكرة شيطانية تتسرب إلى بعض الدعاة للأسف الشديد، وهي إن الشيطان يقول له: إن هؤلاء القرآن لا يؤمنون بالقرآن فكيف تحتج به، فأنت اهجر آيات القرآن وأحاديث الرسول ﵊ لأنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بالرسول ﵊، فأنت تقنعهم بالأدلة العقلية والمناقشات الجدلية وتأتي لهم بنصوص من كتبهم إلى آخر هذه الأساليب الغريبة هي أساليب، لكن الأسلوب الأساسي، والإنذار الأساسي للبشرية إنما يتم بالقرآن الكريم، فهذا تعطيل أقوى سلاح من أسلحة المؤمنين في دعوتهم الكفار إلى الدخول في الإسلام.
أقوى سلاح:
القرآن الكريم سلاح حتى مع الكافر، لأنه كما ذكرنا من قبل، القرآن الكريم يتميز بالإعجاز التأثيري، فالقرآن له تأثير حتى على قلب من لا يؤمن به، وهذه هي سنة الأنبياء والرسل، هذه سنة رسول الله ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ (٢) هذا في التذكير، ولكن أيضا في الإنذار وفي الوعيد، كما نرى في هذه الآية الكريمة، ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ (٣) فالرسول ﵊ كما أنه هو البشير هو أيضا النذير.
فالبشارة والنذارة إنما تحصل بتبليغ آيات الله، فالقرآن نزل من أجل هذا: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) فكيف تعطل أقوى سلاح في دعوة الناس إلى القرآن الكريم.
فانتبه إلى هذا.
يعني عاهد بالله، وباسم الله ثم غدر.
«ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (١)
وقال ﷺ : «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (٢)، وقال ﵌: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (٣).
وقال ﷺ : «اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلَاثًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (٤).
فالتربية كالعملة لها وجهان وجه الترغيب أو الثواب، ووجه الترهيب أو العقاب.
فيتحتم على المربي استخدام أسلوب الترهيب في بعض المواقف لكن ينبغي ألا يبقى هذا هو الأسلوب الوحيد أو الأكثر استخداما في التربية.
-لأن كثرة الترهيب أو العقاب لها تأثيرات سلبية في نفسية وفي شخصية الطفل، كما سنناقش إن شاء الله ﵎ ذلك ..
стр. 334
هناك خصائص وفروق بين أسلوبي الترغيب والترهيب، فمثلا يقول الله ﵎: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ (١) فتلاحظ هنا أن في الآية وعدا يصاحبه تحبيب وترغيب بمصلحة أو متعة آجلة تعود على صاحبها بخيرات مقابل الابتعاد عن لذة ضارة أو عمل سيء ابتغاء مرضاة الله تعالى وإطاعة أوامره واجتناب نواهيه.
أما الترهيب فهو عكس الترغيب –كما ذكرنا- لأنه وعيد وتهديد بعقوبة إزاء ارتكاب المرء معصية منهي عنها.
فدائما يأتي الترهيب تهديدا من الله مصحوبا بإظهار صفة العزة والجبروت الإلهي ليكون المرء دائما على حذر مما تقترف يداه من ارتكاب الهفوات والمعاصي.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢)
انظر ختام الآية
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ ولذلك لما أخطأ أحدهم في قراءتها فقال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أحد المستمعين العرب، قال: لا، لابد أنك أخطأت في الآية، لأنه لو رحم وغفر لما قطع، فلما قطع فذلك لأنه عز وحكم ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ المائدة: ٣٨.
فالإسلام يتبع جميع وسائل التربية ولا يترك منفذا في النفس لا يصل إليه.
стр. 335
التربية لا تقتصر على مبدأ الترغيب والترهيب، وإنما هناك أنواع كثيرة جدا من مسالك تربية وتهذيب هذه النفس البشرية، هناك أسلوب القدوة، وهناك أسلوب الموعظة، وهناك أسلوب الترغيب والترهيب كما ذكرنا.
والترهيب والتهديد يستخدم بجميع درجاته ابتداء من التهديد إلى التنفير، مثلا: مرة يهدد بعدم رضاء الله ﵎، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ (١).
مرة يهدد بغضب الله ﵎ صراحة كما حدث في حادثة الإفك، فهذه أشد من الدرجة التي جاءت في الآية في سورة الحديد يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ (٢).مرة أخرى يهدد بحرب من الله ورسوله، يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا﴾ (٣)
- إعلان حرب.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ (٤).
стр. 336
ومرة أخرى يهدد بالعقاب في الآخرة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ (١).
أيضا يهدد أحيانا بالعقاب في الدنيا: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (٢)، ويقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ (٣) ويقول : ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ (٤).
ثم أيضا يوقع العقاب، وهذه درجة أخرى أبعد من مجرد التهديد.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥) و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٦).
هذا التنوع سواء من حيث أساليب التربوية، ثم من حيث أساليب الترغيب وتنوع أساليب الترهيب أيضا وتفاوت درجاتها، يفيد أن هذه عقوبات أو ترغيب أو ترهيب لأنواع مختلفة ومتفاوتة من الناس، ماذا يقول الشاعر؟
العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة
يعني: من الناس من تكفيه الإشارة البعيدة فيرتجف قلبه ويهتز وجدانه.
ويعدل عما هو مقدم عليه من انحراف، ومنهم من لا يردعه إلا الغضب الصريح.
стр. 337
ومنهم من يكفيه التهديد بعذاب مؤجل التنفيذ، ومنهم من لابد من تقريب العصا منه حتى يراها على مقربة منه، ومنهم بعد ذلك فريق لابد أن يحس لذع العقوبة على جسمه كي يستقيم.
-فأساليب التربية الإسلامية كما أشرنا متنوعة جدا كما سنفصل بعد ذلك إن شاء الله تعالى ..
هناك التربية بالقدوة، وهناك التربية بالعادة، وهناك التربية بالموعظة، وهناك التربية بالملاحظة، وهناك التربية أيضا بالعقوبة وبالإفادة كما ذكرنا.
فالتربية بالقدوة ميزتها أنها تكسب الولد أفضل الصفات وأكمل الأخلاق ويترقى نحو الفضائل والمكرمات وبدون القدوة لا ينفع مع الولد تأديب ولا يؤثر فيه موعظة.
وهناك التربية بالعادة، وهذه تصل بالإنسان أيضا أو بالطفل إلى أفضل وأطيب الثمرات لأنها تغرس الأعمال الصالحة في هذا الطفل.
-بدون التربية بالعادة وهي الاستمرار، الاستمرار في الشيء حتى يصبح عادة، وبدون ذلك يكون المربي مثل الذي يكتب على صفحة ماء أو يصرخ في واد أو ينفخ في رماد بلا فائدة ولا جدوى.
-يعني لو طبقناها في الصلاة، فيكون الطفل تعود حتى قبل أن يصل إلى السابعة هو تعود أن يرى أمه تصلي وأباه يصلي، فبسبب وجود هذه القدوة الحسية أمامه فيحاول حتى وهو ابن الثلاث أو الأربع سنوات يقلد أو يقتدي بأبيه في مسألة الصلاة.
شيء طبيعي بدون أن يكلمه أحد، لماذا؟
لأنه عنده أن هذا الأب أو الأم أفضل وأحسن ناس في الدنيا كلها، ومن ثم يتقمص ما يمارسه الأبوان أمامه من أساليب.
فإذا جاءت السابعة وحان وقت تدريبه على الصلاة، تبدأ بأمره بالصلاة.
هو لا يؤمر بالصلاة قبل السابعة وهذا رعاية لمراحل نموه المختلفة، ولكن مجرد أن يرى القدوة فهذا يغرس في نفسه أن هذا شيء حسن وينبغي الاقتداء به.
стр. 338
بعد ذلك يؤمر بالصلاة، فالأمر بالصلاة إعانة له على التعود على المحافظة على الصلاة.
إذا الإنسان تدرج وراعى هذا التدرج، التربية بالقدوة والتربية بالعادة ونحو ذلك، هل يتصور لهذا الطفل إذا بلغ العاشرة، يقترب من النضج ويكون أكمل من المرحلة السابقة، هل مثل هذا يحتاج لأن يضرب على الصلاة؟
في الغالب، لكن لا يجئ أحدهم ويتجاوز كل المراحل السابقة ويظل مقصرا حتى يصبح ابنه في سن العاشرة ويبدأ معه بالضرب، فأنت الذي قصرت في المراحل السابقة، أو يضرب بعد التكليف، وبعد التكليف خلاص هو أصبح مسئولا ومكلفا، فإذا لابد من الانتباه من هذه المراحل المبكرة وإعطاء كل مرحلة حقها.
ولكن التربية بالموعظة الكلمة الهادئة والنصيحة الراشدة، والتربية بالموعظة من أنواعها أيضا التربية بالعبرة، لأن العظة تصل بطريقة غير مباشرة عن طريق القصص أو الحوار أو الأسلوب الرشيد الحكيم والتوجيه المؤثر
هناك التربية بالملاحظة، وهناك التربية بالعقوبة كما ذكرنا حتى لا يسترسل في المخالفات.
يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه عن التربية، حينما لا تفلح القدوة ولا تفلح الموعظة، فلابد أيضا من علاج حاسم يضع الأمور في وضعها الصحيح، والعلاج الحاسم هو العقوبة، وبعض اتجاهات التربية الحديثة تنفر من العقوبة وتكره ذكرها على اللسان، ولكن الجيل الذي أريد له أن يتربى بلا عقوبة في أمريكا جيل منحل متميع مفكك الكيان، إن العقوبة ليست ضرورة لكل شخص فقد يستغني شخص بالقدوة وبالموعظة، فلا يحتاج في حياته كلها إلى عقاب، ولكن الناس ليسوا كلهم كذلك بلا ريب، ففيهم من يحتاج إلى الشدة مرة أو مرات.
стр. 339
طبعا العقوبة أيضا حينما نذكر هذا في العقوبة، حذار أن يقفز إلى أذهاننا إن العقوبة تساوي الضرب، بالعكس العقوبة مراحل متعددة آخرها ما هو آخر الدواء، آخر الدواء الكي، فهي عقوبة اضطرارية في النهاية، آخر مرتبة يستعملها المربي.
يقول الأستاذ محمد قطب: وليست العقوبة أول خاطر يخطر على قلب المربي ولا أقرب سبيل، فالموعظة هي المقدمة، والدعوة إلى عمل الخير والصبر الطويل على انحراف النفوس لعلها تستجيب.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٢) هذا ليس فقط مع الكافر، وإنما مع أي أحد تدعوة بما في ذلك الأولاد.
يقول تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (٣).
والموعظة وسائل مختلفة لا وسيلة واحدة، والقرآن مليء باللمسات الدقيقة اللطيفة الموحية المؤثرة التي تهز الوجدان وتؤثر فيه بكل وسائل التأثير.
ولكن الواقع المشهود يؤكد أن هناك أناس لا يصلح معهم ذلك كله أو يزدادون انحرافا كلما زيد لهم في الوعظ والإرشاد وليس من الحكمة أن نتجاهل وجود هؤلاء أو نتصنع الرقة الزائدة فنستنكر الشدة عليهم، إنهم مرضى، نعم. ومنحرفون، والعيادات السيكولوجية قد تصلحهم، ولا أحد يمنع عنهم العلاج النفسي أو أي نوع من أنواع العلاج.
стр. 340
ولكن فلنحذر أن نجعل وسيلتنا في تربية النفوس أن نجاريها في انحرافاتها ونتلمس لها الأعذار فإن ذلك يبعث على الانحراف ويزيد عدد المنحرفين.
إن التربية الرقيقة اللطيفة الحانية كثيرا ما تفلح في تربية الأطفال على استقامة ونظافة واستواء.
ولكن التربية التي تزيد من الرقة واللطف والحنو -التي بها حماية زائدة وتدليل زائد- تضر ضررا بالغا لأنها تنشئ كيانا ليس له قوام.
والنفس في ذلك كالجسم إذا رفقت بنفسك رفقا زائدا فلم تحمله جهدا خشية التعب، ولا مشقة خشية الإنهاك فالنتيجة أنه لا يقوى أبدا ولا يستقيم له عود
-يعني الشخص الذي يتجنب حمل أشياء ثقيلة أو عمل مهام فيها مشقة خشية أن يرهق.
ما الذي يحصل؟
يحصل ما يسمونه في الطب الضمور الناتج عن الإهمال أو عدم الاستعمال ( use it or loose it)، يعني استعمل الحاسة وإلا سوف تفقدها ويحصل لها ضمور.
فالشخص الذي يريد أن يبني العضلة ماذا يعمل؟
لابد أن يحمل أثقالا متدرجة في الازدياد حتى يعود ذلك عليه بالقوة والنماء، ولكن الذي يهمل ذلك ويعطل عضلاته، فما الذي يحصل؟
الرخاوة والليونة والضعف.
يقول: فالنفس في ذلك كالجسم إذا رفقت بنفسك رفقا زائدا
هو مطلوب الرفق بالنفس لكن في حدود.
فالشخص الذي يرفق بنفسه رفقا زائدا فلم تحمله جهدا خشية التعب، ولا مشقة خشية الإنهاك فالنتيجة أنه لا يقوى أبدا ولا يستقيم له عود
стр. 341
وإذا رفقت بنفسك رفقا زائدا فلم تحملها أبدا على ما تكره، فالنتيجة أنها تتميع، وتنحرف ولا تستقيم.
-فالنفس أيضا لابد فيها من مكابدة جهد ومشقة حتى تستقيم.
ولذلك من حكمة الله ، أن الإنسان مثلا في مرحلة المراهقة تنشط الغدد والهرمونات وكذا، بحيث أنه يكون عنده رغبة وشهوة شديدة مثلا، وإن لم يكن حتى نضج من الناحية العقلية أو لم تنضج شخصيته بعد.
يعني عدم تيسر الزواج في هذا السن المبكر مع وجود هذا الدافع يقويه أم يضعفه؟
يقويه؛ لأنه يربيه على تأجيل الرغبات، تأجيلها وعدم استيفائها كلما سنحت له، وإنما هذا تدريب يقويه وليس يضعفه، يقويه على ماذا؟
على أنه ليس كلما اشتهى نال في الحال، فهذا يدربه على كبح جماح هذه النفس والتدرب على تأجيلها حتى يفرغ من تعليمه أو يشتغل أو يأتي بكذا أو كذا من متطلبات الزواج.
فمثل هذا لوضع فيه جهد ومشقة للنفس ولكنه يضعفه أم يقويه؟
يقويه، لأن مثل هذه المصلحة لا يمكن أن تتحقق لو أن الأمور فيها رخاوة وسعة، وإنما تأجيل استيفاء الشهوات يقويه ويعينه على كبحها إلى أن يأتي الوقت المناسب.
يقول: والنفس في ذلك كالجسم إذ رفقت بجسمك رفقا زائدا فلم تحمله جهدا خشية التعب، ولا مشقة خشية الإنهاك فالنتيجة أنه لا يقوى أبدا ولا يستقيم له عود.
وإذا رفقت بنفسك رفقا زائدا فلم تحملها أبدا على ما تكره، فالنتيجة أنها تتميع وتنحرف ولا تستقيم.
стр. 342
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (١) وأنت مطالب بفعل ما فيه كره ومشقة لأن هذا هو الذي يربي هذه النفس.
يقول: وفضلا عن ذلك –يعني نتيجة أن النفس إذ تُركت تتميع وتنحرف ولا تستقيم- بالإضافة إلى ذلك فإنها تشقي صاحبها، لأنها لا تدع له فرصة يتعود فيها على ضبط مشاعره وشهواته فيصطدم بالواقع الأرضي الذي لا يعطي الناس قط كل ما يشتهون.
ومن هنا كان لابد من شيء من الحزم في تربية الأطفال.
-ومن أجل ذلك في تربية الأطفال، نحتاج أحيانا أن نعمل لهم نوع من الإحباط، تحتاج إن تربيه على تحمل الإحباط، وليس كل شيئا يريده لابد أن ينفذ فيصبح سلطانا بلا تاج، يأمر وينهى ويتحكم في كل من في البيت، والآباء يعتبر أن الإحسان للطفل أن يلبي له كل ما يطلب
لكن الطفل أحيانا يحتاج أن تحبطه ويتعود على تحمل الإحباط ويتعود أن في الحياة ليس كل ما يشتهيه يشتريه وليس كل ما يطلبه يناله، وإنما الواقع في واقع الحياة أنه سيعجز عن تحصيل بعض الأهداف أحيانا.
فإذا أردت أن تعود ابنك مثلا على الاستئذان، وأن لا يدخل بابا مغلقا إلا بعد أن يستأذن.
فبداية تفهمه طبعا تفاصيل الاستئذان، وأن من بداخل الغرفة قد يقول لك: ادخل، وقد يقول لك: ارجعوا، أو ارجع.
فالمرة الثانية والثالثة تبدأ تقول له ماذا؟
ادخل.
لكن لابد من مرة تعمل تصدمه وتسبب له احباط
لكن احباط محكوم، تعمل له صدمة بالإحباط، بإنك تقول له: ارجعوا.
стр. 343
وليس هناك داع لأن يرجع، ولكن من أجل أن تدربه على تحمل الإحباط، مع أنه من الممكن أن يدخل لا مشكلة، ولكن تتعمد إنك أحيانا تحبطه احباطا خفيفا، لأنه في أول مرة سيصطدم صدمة شديدة: كيف أبي يقول لي: ارجعوا
يعني صدمة وإحباط فقد تعود على أن يلبى طلبه.
لكنها مفيدة له، لأنه في أول مرة سيصدم ويحبط، لكن بعد ذلك مع تكرر الاحباط يتعود عليه، ويكون متوقعا حين يستأذن عليك أو على غيرك: إن من حق من في داخل البيت أن يقول نعم أو لا، ادخل أو ارجع، هذا حقه.
بدون ما تحصل مشكلة فلابد من شيء من الحزم في تربية الأطفال وتربية الكبار لصالحهم هم قبل صالح الآخرين.
فمن ملامح هذا الحزم استخدام الحد أو العقوبة أو التهديد باستخدامها في بعض الأحيان.
فإذًا أسلوب التربية بالترغيب والترهيب هو أسلوب مبني على قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (١).
ولذلك بسبب علم الله بطبائع خلقه، سواء خلق الإنسان الرجل أو المرأة، والطفل أو الكبير أو الشيطان، لأنه ممن خلقه الله.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ فالله يعلم هذه النفوس وطبائعها، وهو الذي فطرها على هذه الفطرة، ولذلك جاء الأسلوب التربوي الإسلامي موافقا ومبنيا على ما فطر الله عليه الإنسان من الرغبة في اللذة والنعيم والرفاهية وغريزة حب البقاء، وفي نفس الوقت الرهبة من الألم والشقاء وسوء المصير.
стр. 344
وكما ذكرنا من قبل إن جميع الكائنات الحية تقريبا تبتعد عما يؤذيها حال شعورها به وتقبل على ما يلذها ويحقق لها استمرار الحياة أو جنسها.
وهذا هو المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ (١) فهذه أولى مراتب الهداية الأربع:
أول مراتب الهداية، الهداية العامة لجميع المخلوقات، هداية إلى ما يصلحها، والقصص في ذلك فيها من الأعاجيب الشيء الكثير جدا، أعاجيب الحشرات والحيوانات والوحوش وكل ما خلق الله من الكائنات حتى غير عاقلة، مثلا بعض الحشرات التي تغير لون جلدها بحيث يتوافق مع البيئة، ويسهل الاختباء عليها.
لو درستم سلوك الوحوش والحيوانات والطيور والنحل والنمل وكل هذه الأشياء، أنت لو حاولت تطارد صرصور يهرب أم يستسلم، لأن ليس عنده عقل؟
لا هو ليس عنده عقل لكن الله فطره على حب البقاء وحب التناسل، وبقاء هذا النسل، وفعلا هناك أشياء جميلة جدا ورائعة تشرح هذه الآية الكريمة، لكن ليس هذا هو أوان الكلام فيها.
فالله ميز الإنسان عن الحيوانات بقدرته على التعلم والاعتبار والتفكير لما بعد هذه الحياة.
هذا من خواص الإنسان.
وأيضا ميز الإنسان بأنه يعمل ويحضر للمستقبل ويميز بين النافع والدار ويختار بينهما سواء في العاجل او الآجل.
стр. 345
من أوضح الأمثلة على ذلك أن الفتى تستيقظ عنده الرغبة الجامحة في الزواج منذ بلوغه الحلم، لكنه يؤجل ذلك إذ يجد نفسه عاجزا عن نفقات الحياة الزوجية فيفضل لذة ومتعة مؤجلة ولو كان التأجيل مديدا، ولكنها مكفولة الاستقرار بحسب ما يبدو له، على لذة عاجلة ينغصها الحرمان والنكد أو خراب البيوت او سوء السمعة أو نقمة المجتمع .. الخ
هكذا يرغبه مجتمعه بزواج هانئ مستقر إن هو صبر ونال الشهادات أو الخبرات أو القدرات على الكسب وإعالة الزوجة وتأمين المسكن كما يرهبه المجتمع –مجتمع الأبوين أو الأصدقاء أو الأقارب- من النتائج الوخيمة إن هو اقترف لذة غير مشروعة أو تسرع في زواج غير مناسب ولا ملائم.
ميزات الترغيب والترهيب القرآني والترغيب والترهيب النبوي
إذا ما هي ميزات الترغيب والترهيب القرآني والترغيب والترهيب النبوي؟
وهذه الميزة، ما هي الميزات التي يمتاز بها الترغيب والترهيب الإسلامي عن الأسلوب الغربي في التربية؟
لا شك بما أن المنهج الإسلامي طبيعته أنه منهج رباني موات وموافق ونسجم مع فطرة الإنسان، فمن ثم لابد أن يمتاز عن المناهج الغربية في أشياء كثيرة.
الترغيب والترهيب القرآني يعتمد على الإقناع والبرهان، فليس من آية فيها ترغيب أو ترهيب بأمر من أمور الآخرة إلا ولها علاقة أو فيها إشارة من قريب أو بعيد إلى الإيمان بالله واليوم الآخر على الغالب.
أو فيها توجيه الخطاب إلى المؤمنين: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (١) فالكذب صفة من صفات الذين يجحدون الآخرة.
فنجد الآيات التي فيها ترغيب وترهيب، إما أنها دائما أو في الغالب تشير من قريب أو بعيد إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، أو فيها خطاب للمؤمنين، تخصيص المؤمنين بالخطاب.
стр. 346
ربط المسألة بالإيمان، يعني حتى الحجاب لما ربنا أمر به أو غض البصر ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١).
فضيلة الشيخ: ما إعراب ﴿يَغُضُّوا﴾؟
طالب علم: فعل مضارع مجزوم بشرط مقدر، تقديره: إن تقل لهم غضوا ... وعلامة جزمه حذف النون؛ لأن أصله: (يغضون)
فضيلة الشيخ: نعم .. أحسنت، أصل الكلام: قل للمؤمنين غضوا أبصاركم يغضوا.
فهنا إشارة إلى أن المؤمنين لابد أن يمتثلوا هذا الأمر وبالفعل سوف يغضون هذا الأمر.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٢) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٣)
الآية أيضا في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) فهنا الخطاب خاص بمن؟ بالمؤمنات.
فهنا كثير من الأحكام تأت مرتبة على توجيه الخطاب على المؤمنين والمؤمنات، ولا شك أن لهذا معنى تربويا وهو أن البداية الصحيحة في التربية، هي البداءة بغرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في نفوس الناشئين، لأنه إذا آمن فسيتسنى لنا بعد ذلك أن نرغبهم في ثواب الجنة، أو نرهبهم من عذاب الله.
ويكون للترغيب والترهيب ثمرة عملية سلوكية.
أيضا يكون الترغيب أو الاقناع عن طريق أخذ العبرة من القصة القرآنية ثم يعقبها التهديد أو الترغيب.
стр. 347
أيضا من مميزات الترغيب أو الترهيب الإسلامي أنه يأت مصحوبا بتصوير فني رائع لنعيم الجنة أو لعذاب جهنم بأسلوب واضح يفهمه جميع الناس، لذلك يجب على المربي أن يستخدم الصور والمعاني القرآنية والنبوية في عرضه لعقاب الله وثوابه كتصوير مواقف القيامة بالصور القرآنية مدعومة بالتفاصيل النبوية، كقصة الشفاعة مثلا التي يطلبها الناس في موقف الحشر من جميع الأنبياء لشدة الهول فيعتذرون إلا رسول الله محمد ﵌.
وقصة آخر رجل يدخل الجنة، ونحو ذلك من القصص النبوي الذي يخبر عن مواقف يوم القيامة.
أيضا من هذه الميزات أن أسلوب الترغيب والترهيب القرآني والنبوي يعتمد على إثارة الانفعالات وتربية العواطف الربانية.
فهذه تتضمن تربية وجدانية كعاطفة الخوف من الله ، فيقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ومدح عباده الذين يخافونه ووعدهم الثواب العظيم، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٢) بل أمرنا أن ندعوه خوفا وطمعا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (٣).
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (٤) على أساس من هذه العاطفة الجياشة والتربية الوجدانية العاطفية بنيت بعض العبادات، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ (٥).
стр. 348
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ (١) نفس هذه العاطفة، وهي الخوف من الله بنيت علها معاملات إسلامية كثيرة كالنصح في البيع والشراء ورعاية اليتيم: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ (٢) كحسن معاملة الزوجة والعدل بين الأولاد فكل من خاف ربه كان انسانا فاضلا عادلا في سلوكه ومعاملاته، ومن لم يستح من ربه يفعل ما يشاء بلا ضابط ولا وازع له قلب كالحجارة أو أشد قسوة.
من ذلك أيضا عاطفة الخشوع ومعناه التذلل والخضوع، والشعور بالانقياد والعبودية لله ، والخشوع هو ثمرة الخوف من الله.
فنحن نرى في الدنيا أن الناس إذا خافوا من بعض الطواغيت الباطشين فإنهم يسارعون إلى الانقياد إلى أوامرهم والخضوع لها ولو ظاهريا ولكن الخشوع لله يمتاز عن الخضوع الظاهري بأنه مصحوب بشعور حقيقي بالتبعية لله تعالى وبطاعته والإذعان لعظمته إذعانا ناتجا عن الأعجاب بآثار إبداعه وتدبيره في هذا الكون وفي أنفسنا، يقول الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٣) .. إلى آخر الآية.
بل هذا الخشوع له علامات جسدية تظهر على بدن هذا الإنسان، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤).
стр. 349
مما ينبغي أن يراعى أيضا عند التربية بالترغيب والترهيب أن يكون المربي صادقا في انفعالاته بنصوص الترغيب والترهيب، لأنه إذا كان صادقا في مشاعره فإن هذه المشاعر تنتقل بالعدوى تتعدى إلى هؤلاء المربين حيث ينقادون له ويحبونه ويقلدونه.
وإذا كان صادقا أيضا ستتخذ ملامح وجهه ولهجة كلامه الهيئة التي تثير هذه الانفعالات كلما اقتضى الأمر، كذلك ينبغي الاعتماد على الاقناع والتكرار لتربية العواطف الربانية، فتكرار الانفعالات المتشابهة مرة بعد مرة حول موضوع معين وبمناسبات مختلفة كالقصة والوصف والحوار والاستفهام واستجواب الطلاب، فهذا يربي في النفس الاستعداد الدائم لثورة انفعالية وجدانية، كلما وجد الإنسان نفسه في موقف مشابه.
فالعواطف دافع مهم من دوافع السلوك، تحرض الإنسان على الصبر: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (١) فهذه المشاعر والعواطف والأمور الوجدانية تحرض الإنسان على الصبر وتغذي طاقته وهي لا تقل أهمية عن الدوافع الغريزية بل هذه تهيمن عليها وتوجهها وتنظمها وتسمو بها، وبها يمتاز الإنسان على الحيوان.
فكما أن بالنفس عواطف سلبية توافق التربية بالترهيب كالخوف والخشوع، كذلك في النفس عواطف إيجابية توافق التربية بالترغيب كالمحبة، كل إنسان منذ الطفولة يميل إلى أنه يحِب ويحَب.
والحب: هو تعلق المحب بالمحبوب وتتبع آثاره ودوام ذكره وحضور القلب معه، وعمل ما يرضيه ويحقق سروره.
يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٢) يعني من أهل الأنداد في محبتهم أصنامهم أو أندادهم.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ويلجئون إليه في جميع أمورهم.
стр. 350
فهذه العواطف التي تأتي عن طريق الترغيب والترهيب هي من أركان وركائز التربية الإسلامية والتزكية الإسلامية للنفوس البشرية. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١).
فجعل اتباع رسول الله ﷺ الذي يبلغ أوامر الله من شروط محبته ﵎.
أيضا يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٢) كما في الآية الكريمة.
على أي الأحوال ينبغي التوازن بين مسألة الترغيب والترهيب لا نتمادى في الترغيب بحيث يصل بالناس إلى الاغترار بالله ﵎، ولا نتمادى في الترهيب بحيث يصلون إلى القنوط واليأس من رحمة الله ﵎، فكل ذلك مذموم.
يقول الله ﵎: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ (٣) فالفرح بزوال الشدة قد ينسي الإنسان عقاب الله وقدرته ويجعله فخور بنفسه معتدا بحوله وقوته وبالتالي يعود إلى المعاصي.
الجمع بين الخوف والرجاء:
فيجب أن يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء.
الخوف من عقاب الله والخوف من عظمة الله ومقامه ﵎، فلا يطغى ولا يتملكه الغرور، والرجاء في رحمة الله فلا ييأس من عفوه.
стр. 351
يقول الله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ (١) ويقول أيضا ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ (٢).
فنحن في مجال الترغيب والترهيب لابد أن نستجمع في قلوبنا وأذهاننا صفات الكمال الإلهي مع ما يقابلها أيضامن تلك الصفات، فاستشعار غضب الله يجب ألا ينسينا رحمته، وإرادته المطلقة لا ينبغي أن تنسينا حكمته، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ (٣).
ويقول النبي ﵌: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (٤)، ويقول ﷺ : «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» (٥)
إذ ينبغي أن تربى العواطف الإيمانية عند الناشئين باعتدال واتزان فلا يتمادون في المعاصي مغترين برحمة الله ومغفرته مسوفين ومؤجلين توبتهم إلى الله.
ولا ييأسوا من نصر الله ورحمته بدعوى أن الناس كلهم منغمسون في المعاصي منحرفون عن الإسلام، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ (٦).
نكتفي بهذا القدر أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ..
стр. 352
الدرس الثامن
فقه إثابة الطفل
стр. 353
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى .. والشكر له على ما أنعم من نعم سابغة وأسدى .. أحمده سبحانه وهو الولي الحميد .. وأتوب إليه جل شأنه وهو التواب الرشيد .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نستجلب بها نعمه ونستدفع بها نقمه، وندخرها عدة لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله نجوم المهتدين ورجوم المعتدين ..
ورضي الله عن صحابته الأبرار الذين قاموا بحق صحبته وحفظ شريعته وتبليغ دينه إلى سائر أمته، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
أما بعد ..
فقد شرعنا في الأسبوع الماضي في مدارسة قضية من القضايا التربوية المهمة، بل هي من أهم هذه القضايا، وتناولنا الأسبوع الماضي مبدأ الترغيب والترهيب كأسلوب تربوي إسلامي متميز.
فنشرع هذه الليلة بإذن الله تعالى في مناقشة أو في مدارسة فقه الترغيب ، أو فقه مكافأة وإثابة الأطفال.
فقه الترغيب:
والسؤال الذي يقفز إلى أذهاننا: لماذا نبدأ بفقه الترغيب والإثابة دون فقه التأديب بالعقوبة بأنواعها؟
والجواب: لأن الرفق هو الأصل الذي حثنا عليه النبي ﵌.
فعلى المربي أن يكون معلما أساسا ولا يكون معنفا.
في الحديث: «عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (١) وأيضا في الحديث: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» (٢).
стр. 354
يقول الإمام النووي: ينبغي أن يحنو عليه ويجريه مجرى ولده –أي المعلم- في الشفقة عليه والاهتمام بمصالحه والصبر على جفائه وسوء أدبه ويعذره على جفوة وسوء أدب تعرض منه في بعض الأحيان، فإن الإنسان معرض للنقائص.
فإذا نبدأ بفقه المكافأة أو فقه الإثابة بالنسبة للأطفال، أولا: لأنه هو الأصل.
«مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ وَلَا عُزِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (١)
والأحاديث معروف في الحث على الرفق وناقشناها من قبل في محاضرة بالتفصيل.
والإثابة: أمر ملائم لفطرة الإنسان في اكتساب السلوك والثبات عليه.
فالنفس مهيأة بالترغيب، إذا رغبت فإن هذا يشجعها ويدفعها إلى الفعل الحسن والابتعاد عن الفعل السيء.
ولولا قيمة الترغيب لما رغبنا الله في الجنة، وحثنا على التسابق عليها، وجعل التسابق في اكتساب الخيرات هو طريق الوصول إلى الجنة.
ليس هذا فحسب، بل حثنا على التضحية حتى بالروح والنفس والمال، في سبيل تلك الغاية العظمى والمثوبة الجزيلة ألا وهي الجنة.
والمكافأة لا يتوقف أثرها فقط في اكتساب السلوك الحسن وزيادته بالنسبة للأطفال، ولكنها ايضا لها دورها المؤثر في تقليل السلوك السيء، وهي أيضا تزيد من احترام الطفل لنفسه.
-بعض المربين يعتبر أنه لا يلتفت للطفل ولا يربيه ولا يهتم به إلا إذا كان يتصيد له الأخطاء فقط.
стр. 355
فتجده بارعا ومتفرغا لإحصاء الأنفاس وتعداد الأخطاء ويعاقب على هذا
في حين أنه يهمل الجانب الآخر ألا وهو النظر إلى السلوكيات الحسنة وتدعيمها والإثابة عليها.
فيصبح الأب مثل رجل البوليس السيء فقط يعاقب، كذلك الأم تعزز هذه الصورة، بأن أباك لما يجيء ليلا من العمل أنا سأقول له ماذا فعلت، وسترى كيف سيتصرف معك؟ مثلا.
فمعناها أن الأب دائما يرتبط بصورة سيئة وهي صورة الشرطي السيء الذي يجيء فقط ليضرب أو ليؤذي أو نحو ذلك.
فهذا أيضا مما ينبغي أن نلتفت إليه.
كما سنناقشها بالتفصيل إن شاء الله تعالى، لابد أن نلتفت أيضا إلى الأفعال .. وأن نثيبه عليها لأن هذا أهم من العقاب لأن هذا طريق مختصر ولا ضرر فيه، وهو التربية بالثواب والمكافأة، لأن الثواب والمكافأة يعمل على تثبيت السلوك السوي وكثير من نظريات علم النفس أكدت في مجال التعليم على دور الإثابة والتشجيع في تعزيز السلوك الإيجابي، فمكافأة الأبناء على تصرفاتهم الجيدة تثبت في نفوسهم الثقة.
هذا يزيد من احترامه لنفسه، وهذا المبدأ مهم جدا، عمليه احترام الذات والثقة في الذات.
والثقة في الذات اصطلاح نتجاوز عنه، فإننا لانقصد به التوكل على النفس طبعا معاذ الله، وإنما هو حسن تقدير الذات، فهذا المكافأة تشجعهم على المداومة والتعود على السلوك الحسن.
وقد كان النبي ﷺ يستخدم المكافأة والثواب في إثارة نشاط الأطفال لكي يدعم ممارستهم لهذا النشاط، وكان يقول مثلا: «مَنْ سَبَقَ فَلَهُ كَذَا» (١).
من سبق: يعني من يأتيني أولا في الجري له كذا.
فكانوا يتسابقون إليه ﷺ ويقعون على صدره فيقبلهم ويفي لهم بما وعدهم.