← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37001

لماذا نصلي - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (182 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إسلام يهودي إسكندراني عند حضوره لصلاة الجمعة لقد كان مشهد الصلاة من الأسباب المساعدة على دخول رجل يهودي في الإسلام، وإسلام يهودي شيء نادر، أما النصارى فيسلم منهم كثير جداً، لكن يهودي يسلم فهذه محض هداية من الله ؛ لأن اليهود معروفون بقسوة القلوب، وبعدهم عن أسباب الهداية. هذا الرجل اليهودي الإسكندراني من يهود الإسكندرية، يحكي عن نفسه فيقول: كنت مريضاً مرضاً شديداً، فتمثل لي في أثنائه أن هاتفاً يهيب بي أن أعلن إسلامي، ولما دخلت المسجد ورأيت المسلمين مصطفين للصلاة وقوفاً كالملائكة، سمعت في نفسي صوتاً يناديني ويقول: هذه هي الجماعة التي أنبأ بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. هو يعرف من التوراة أن الأنبياء أنبئوا أنه سوف تأتي أمة تراهم ركعاً سجداً، ويقفون في صفوف كالملائكة إلى آخره، فأخبر عن هذه الأمة المحمدية قبل أن توجد في الكتب السابقة. ثم قال: ولما رأيت الخطيب يتقدم للخطبة وعليه رداء أسود، وقع في نفسي وجدان الرهبة والخشية، ولما ختم خطبته بالآية الكريمة التي يقول الله ﵎ فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، وهذه الآية يقولها كثير من الخطباء في نهاية خطبة الجمعة، وسبب ذلك أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لما كان بعض الخطباء من قبله يسبون علياً ﵁ ويسبون بعض الصحابة، أراد أن يبطل عادة السب، واستبدلها بتذكير الناس بهذه الآية الكريمة في آخر الخطبة، والله تعالى أعلم. يقول: وأقيمت بعد ذلك الصلاة، فآنست من نفسي أنها سمت سمواً كبيراً، فقد بدت لي صفوف المسلمين كأنها صفوف الملائكة. هو لا يعرف قول النبي ﷺ لأصحابه: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ يتمون الصف الأول فالأول، ويتراصون في الصف). رواه البخاري. ثم يقول: فقد بدت لي صفوف المسلمين كأنها صفوف الملائكة، وأن الله سبحانه قد تجلى عليهم في ركوعهم وسجودهم، وسمعت في نفسي منادياً يناديني بقوله: إن الله سبحانه إذا كان قد خاطب شعب إسرائيل مرتين في جميع القرون الخالية، فلا جرم أنه يخاطب هذه الجماعة -يعني: أمة المسلمين- في كل وقت من أوقات صلاتها، واقتنعت في نفسي بأني ما خلقت إلا لكي أكون مسلماً. وأي إنسان عاقل يتدبر صلاة المسلمين، سيعلم أنه لا يمكن أن يعبد الله بأكمل ولا أعظم من هذه الصورة التي يعبد بها ويعظم في الصلاة، فإذا نظرت إلى منظر المسلمين لاسيما بالمشهد (البانورامي) الذي يكون من الطائرة أو من أماكن عالية في الحرم المكي الشريف، ورأيت منظر المسلمين والتفافهم حول الكعبة المشرفة والخشوع والرهبة والهيبة والطواف حول الكعبة الذي لا ينقطع ليل نهار على الإطلاق، إلا في أثناء الصلوات المفروضة؛ لعلمت أنه لا يوجد مكان على وجه الأرض أبداً يعظم فيه الله كما يعظم في هذا المكان، ولا يمكن أن يعبد الله بأحسن مما يعبد في الصلاة. فالصلاة نعمة من الله ، لكن المصيبة عندما تتحول هذه النعمة إلى عادة، فيحرم المرء من التلذذ بهذه النعمة؛ بسبب الإلف وطول مؤانسته لها، في حين المحروم منها هو الذي يحس بطيبتها، فنحن المسلمين أولى بأن نستشعر هذه النعمة وأن نقبل على الصلاة، حتى لو كانت الصلاة غير مفروضة، فنهرع إليها لما فيها من هذه الفضائل وهذه البركة. وهذا الرجل اليهودي لم يسلم إلا بسبب مشهد الصلاة، وحق له ذلك.

стр. 107

حرص يهودي أسلم على الصلاة أنا رأيت رجلاً مسلماً وكان يهودياً، اسمه الشيخ موسى رحمه الله تعالى، وكان مدير مطبعة أنصار السنة في المبنى القديم، وكان رجلاً كبير السن جداً، وكان شديد المحافظة على الصلاة بصورة غير عادية، ليس الفرائض فحسب، بل النوافل لا يمكن أن يصلي صلاة العشاء إلا ويصلي ركعتي السنة البعدية، ثم يأتي بإحدى عشرة ركعة في المسجد كل يوم قبل أن يخرج من المسجد؛ خشية أن يحرم من ثوابها! انظر إلى مدى حرصه على العبادة، فقد كان يهودياً يحرص على المال والآن انظر إلى حرصه وتمسكه الشديد بالصلاة، لا يمكن أن يضيع نافلة، لا يمكن أبداً أن يغادر المسجد بعد صلاة العشاء إلا وقد صلى إحدى عشرة ركعة في غاية الخشوع، وكان ذا لحية بيضاء كثيفة جداً، وكان معجباً جداً بشيخ الإسلام ابن تيمية وبكتبه، لاسيما كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم)، وكان يقوم بتوزيع الكتب وطباعتها، وكان أصله سورياً، ولما أسلم هجره كل أهله وطردوه، فنزح إلى مصر، وآواه أنصار السنة جزاهم الله خيراً في القاهرة، وبعد ذلك اشتغل في مطبعة أنصار السنة المعروفة.

стр. 108

إسلام عميد اليهود في مصر بسبب الصلاة محام شهير جداً اسمه زكي عريبي وكان عميداً لليهود في مصر، كان يتحرق شوقاً إلى الإسلام كلما رأى مسجداً، أو وقعت عيناه على رجل يصلي لله في خشوع، ويبتهل إليه في خضوع، وكان قلبه ينشرح حين يسمع كلمات الأذان تدعو الناس إلى عبادة الواحد الديان، وكان هناك سؤال يتردد في نفسه ويلح على عقله دائماً وهو: لماذا لا أعتنق الإسلام؟! كان هذا الخاطر يعلو صوته في داخله، ويهزه من أعماقه كلما رأى بين الحقول رجلاً متواضعاً من زارعي الأرض يقف بين يدي الله، مؤدياً صلاته في المصلى الصغير على شاطئ الترعة، فكان يود لو كان يصلي مثل صلاته، ويناجي مثل مناجاته، وقصته طويلة انتهت بإعلانه إسلامه وعمره خمسة وستون عاماً.

стр. 109

إسلام رجل ألماني بسبب منظر السجود رجل ألماني رأى مسلماً ساجداً فتعجب أشد العجب من هذه الحركة، وكان لأول مرة يرى منظر السجود لله في الصلاة، فالرجل انبهر ووقف مشدوهاً أمام هذا المشهد، فظل واقفاً منتظراً هذا المسلم إلى أن فرغ من صلاته، فلما انتهى تقدم إليه وسأله عن معنى هذه الحركات، وخاصة السجود، فبين له ذلك المسلم معنى الصلاة وحكمتها وآثارها، فأصيب وهو يستمع إلى الشرح بما يشبه الذهول الممزوج بالفرحة، وكأنه قد وقع على ما كان يبحث عنه منذ سنين، وسبب تعجبه أنه كان يعاني من مرض نفسي وضيق دائم، فإذا ألصق جبهته بالأرض يشعر بالراحة، ولا يعرف أن هذا هو السجود الخاص بالصلاة عند المسلمين، فكان كلما عاوده ذلك الضيق النفسي عاد لإلصاق جبهته بالأرض ليجد الراحة، حتى رأى ذلك المسلم، فعرف سر تلك الراحة التي كان يشعر بها، فاصطحبه ذلك المسلم إلى المركز الإسلامي في (ميونيخ) حيث قام المسئولون هناك بشرح الإسلام له، وأعلن على إثر ذلك شهادة التوحيد ودخل في الإسلام. ما الذي يجتذب الكافرين للإسلام؟ هذا موضوع شيق جداً، لأنه ينبه المسلمين إلى جمال الإسلام الذي هم في غفلة عنه، وهذا عنوان بحث كنت أود أن أفرغ منه من مدة، وسأحاول إن شاء الله أن أنهيه، عنوانه: ما الذي اجتذب غير المسلمين إلى الإسلام؟! جمعت فيه الأسباب التي تجذب غير المسلمين إلى الإسلام؛ حتى نستفيد منها في دعوتهم إلى الإسلام، وأهم سبب من هذه الأسباب هو عقيدة التوحيد في الإسلام، وانسجامها مع الفطرة، حيث إنها خالية من الوساطة بين العباد وبين الله ، فالإسلام مثل البناء الرائع الجميل الضخم العظيم، إذا أتيته من أي النواحي انبهرت به.

стр. 110

إسلام عالم موسيقي بسبب سماعه آية من القرآن الكريم يقول الله : ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فالقلوب الكافرة عليها أقفال، لكن كل قفل له المفتاح الخاص به، وهل هناك مفتاح يفتح كل الأقفال؟! لا، وإلا كل واحد سيكون له مدخل عام، بل كل قلب له مفتاحه، فمن عجائب ما أذكره في الستينات أني سمعت عن عالم موسيقي متخصص في الموسيقى من لبنان أسلم لما سمع قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] فالرجل من شدة خبرته بالموسيقى وملامح الصوت النشاز يقول: لا يوجد أنشز من صوت الحمار وهو ينهق، فقال: هذا لا يمكن أن يقوله إلا خالق الأرض والسماوات، وخالق الأصوات .

стр. 111

إسلام شخص بسبب لذة طعام أحد المسلمين هناك شخص إنجليزي أسلم بسبب غريب، وهو أنه أكل عند أخ باكستاني دعاه للطعام، وأعجبه الطعام جداً، وتعلمون أن الهنود والباكستانيين أهم شيء في الطعام عندهم البهارات الرهيبة، التي من حرها وكثرتها لا يطيق أحد أن يقترب منها، وأنا أتعجب كيف يأكلونها! ولابد أنها تسبب لهم قرحة المعدة بكثرة، فالرجل أُعجب جداً بالأكل وبالبهارات التي على الطعام، وهذا كان المنطق الذي فكر به حيث قال: لا يمكن أن يهدي الله أناساً لمثل هذا المذاق من الطعام، إلا ويكون الدين الذي هم عليه هو دين الحق، فكان طريقه إلى الإسلام يمر من خلال معدته! ومثل هذا اتركه يدخل في الإسلام فإنه بعد ذلك سيجد الجمال الحقيقي للإسلام. وهناك من يدخل في الإسلام بدون أسباب حسية مثل الرجل اليهودي الذي أتاه هاتف يهتف به أن ادخل في دين الإسلام.

стр. 112

إسلام رجل بسبب رؤية المسيح في المنام في بريطانيا مقابر خاصة بالمسلمين، فزرتها في إحدى السنوات فأشار الإخوة الذين كانوا معي إلى قبر مسلم بريطاني، ووصفوه بصفة عجيبة جداً، حكوا لي قائلين: إن هذا الرجل إنجليزي، أتانا في المسجد وقال لنا: أريد أن أكون مسلماً، فرحبوا به، وذكر لهم سبب رغبته في الإسلام فقال: أتاني المسيح الليلة في المنام وقال لي: كن مسلماً، فالرجل بمنتهى السهولة أسلم، وعلموه الصلاة، وبعد ثلاثة أيام توفي -إن شاء الله- إلى رحمة الله! فهذا اصطفاء من الله .

стр. 113

إسلام جراح فرنسي بسبب الإعجاز العلمي في القرآن هذه قصة رجل دخل في الإسلام، وهذه القصة في غاية الروعة، وهي أنه كان من عائلة نصرانية متدينة جداً، وعانى جداً من الصراع في قضية الأديان، والتعارض بين كتب أهل الكتاب وبين الحقائق العلمية، حتى إنهم كانوا في وقت من الأوقات يسمونها الجغرافيا المسيحية، وعندما دونوا العلوم التي لا علاقة لها بالدين، رأى تصادم بين حقائق جغرافية وبين ما يفهمونه من كتبهم المحرفة. فانتهى به الأمر إلى أنه أجرى دراسة مفصلة غاية التفصيل، حيث جمع الآيات القرآنية التي لها تعلق بالحقائق العلمية، وعمل قائمة في كل موضع منها، ماذا يقول عنها التوراة؟! وماذا يقول عنها الإنجيل؟! وماذا يقول عنها القرآن الكريم؟ ووضع هذه الأشياء في قوائم وجداول مقارنة، فهو جراح فرنسي مشهور جداً، فأنفق وقتاً طويلاً في مدارسة هذه المقارنة، وانتهى في النهاية إلى حتمية أن القرآن كلام الله ، وحتمية وقوع التحريف في التوراة والإنجيل. وجمعت هذه المقارنة في كتاب، والكتاب مشهور وطبع بلغات كثيرة في كل أنحاء العالم، وهو تحت عنوان: العلم والتوراة والإنجيل والقرآن، أو الحقائق العلمية في التوراة والإنجيل والقرآن وأتى بأدلة في غاية القوة. الطريف أنه عمل هذا البحث وكان أبوه وأمه متمسكين جداً بالنصرانية، وبسبب توجهه واقترابه إلى الإسلام قام أبوه وأمه بنشر إعلان في الجرائد في فرنسا وكتبا فيه: نريد لصاً محترفاً، وهذا شيء معتاد عندهم أن يعلنوا مثل هذا الإعلان، وكانا يعلمان أين يضع ولدهما أوراقه، فكلفا اللص أن يدخل البيت، ووضحا له كيف يدخل، حتى يحصل على المخطوطة التي فيها هذا الكتاب، فاللص تمكن من سرقة مخطوطة هذا الكتاب، لكن اللص قبل أن يسلمها لهما دفعه الفضول إلى أن ينظر في هذا الكتاب، فبعد أن قرأ اللص هذا الكتاب أسلم تأثراً بما في الكتاب، وشعر بقيمة الكتاب، فما كان من اللص إلا أن أعاد إليه الكتاب، ونشر المؤلف الكتاب بعد ذلك، وهو موجود في كل أنحاء الدنيا بعدة لغات، وهو كتاب قيم جدا، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١].

стр. 114

قصة إسلام ابن الزعيم الهندي غاندي هناك قصص رائعة كثيرة، منها أن غاندي الزعيم الهندي الوثني المعروف عابد البقر، ابنه دخل في الإسلام، ووقعت ضجة كبيرة جداً في الهند؛ بسبب تأثر ابنه بالإسلام ودخوله في دين الله .

стр. 115

قصة إسلام الثري الهندوكي جابا بسبب مشهد الصلاة هذا كوك هلال جابا ثري هندوكي صار بعد إسلامه خالد لطيف جابا السياسي والصحفي والمؤلف الهندي، يحكي عن الإشعاعات النورانية الأولى التي أشرقت في قلبه، مبيناً أن مصدرها كان مشهد الصلاة، يقول: كنت كلما مررت بأحد مساجد المسلمين في الهند أفعم قلبي بالإحساس بعظمة هذا المكان وقدسيته. وكنت أشعر دوماً أن المؤذن وهو ينادي إلى الصلاة كأنه يقصدني أنا بالذات في ندائه ذلك، وكأن هاتفاً من داخلي يجيبه قائلاً: هيا بنا إلى الصلاة، هيا بنا إلى الفلاح، وكان قلبي يريد الانضمام إلى جماعة المؤمنين في المسجد، وكان النداء والدافع قوياً إلى درجة أنني لم أتمالك نفسي من الدخول إلى المسجد، والوقوف في صف المسلمين، والحقيقة أنني لم أستطع مقاومة ذلك، وظللت أفعله فترة طويلة من الزمن، ثم أسلمت. يعني: قبل أن يسلم كان يجد نفسه منجذباً ويدخل إلى المسجد ويقف مع المسلمين في الصفوف.

стр. 116

علاقة العلم الحديث بالإسلام ننتقل إلى البحوث العلمية الحديثة، عندما يقوم أي شخص بتصميم آلة أو جهاز، فإنه يكون أخبر الناس بطريقة تشغيله، ولذلك دائماً يجعلون مع الأجهزة (كتلوج) يعرف ويبين طريقة استعماله وعلاماته، ويذكر فيه توصيات كأن يقول فيها: احذر التعامل معه بالطريقة الفلانية، وهذه أفضل طريقة للتعامل معه، إلى آخره، ولله المثل الأعلى، من الذي خلق هذا الإنسان؟ إنه الله كما قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. العلم في هذا العصر منحاز بكل قوة إلى الإسلام، وليس معارضاً له، بل العلم منحاز غاية الانحياز إلى دين الإسلام، ولم يعرف أي صدام بين حقيقة علمية وبين نصوص الوحي الشرعي؛ لأن الذي خلق حقائق الوجود هو الله ، والذي أنزل القرآن هو الله، فلا يمكن أبداً أن تتعارض آية مع حقيقة علمية ثابتة، وقد يحصل التعارض مع نظرية خاطئة، لكن مع حقيقة علمية فهذا مستحيل، فالعلم يكشف لنا بين يوم وآخر عن عجائب خلق الله ، وعجائب طبيعة هذا الإنسان الذي خلقه الله ، ولا يمكن أن يسعد الإنسان إلا بأن يتبع -ولله المثل الأعلى- (الكتلوج) الذي هو القرآن الكريم، هذه هي الحقيقة. ولذلك الذي يريد السعادة من غير فلسفة ومن غير كلام كثير فليلتزم القرآن والسنة، هذا هو المختصر لطريق السعادة، انظر إلى الشرع وما طلبه منك فافعله والتزم أوامره تضمن السعادة، إن أردت التأكد والبحث والتسجيل سوف تجد أيضاً هذه الأدلة وهذه البراهين، ففيها المعجزات والآيات. وأنا أسمي العلم الحديث القائم اليوم بالجاهل؛ لأنهم جردوه من الهدف الذي خلق من أجله، والذي كشفت حقائق العلم من أجله؛ لأن كل حقائق العلم ما هي إلا رسائل من الله إلى الخلق. الآيات نوعان: آيات الله التنزيلية، وآيات الله التكوينية، الآيات التنزيلية هي التي تنزل عن طريق الوحي كالقرآن الكريم، والآيات التكوينية هي التي يبثها الله في صفحات هذا الوجود، يقول الشاعر: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل فلذلك قال الله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: نور الفطرة مع نور الوحي، نور الآيات التكوينية يتطابق مع نور الآيات التنزيلية، فلو فقه الناس لما نظروا إلى العلوم الحديثة هذه على أنها علوم معزولة عن الدين أبداً؛ لأنها من صلب الدين، هذا الأمر بالذات يتميز في علوم أكثر من غيرها بوضوح، كعلوم الجينات مثلاً، فهذه تنحاز جداً لقضية القدر بالمفهوم الإسلامي؛ لأن الإنسان له شفرة موجودة في خريطة شاملة بصفاته الجسدية والنفسية والوراثية بكل أنواعها إلى آخره. فالشاهد أنهم عندما يخترعون شيئاً ما يجعلون له (كتلوج) أو شفرة حتى يتمكنوا من استعمال هذا الشيء المخترع. كذلك تجدهم يفخرون بفنان عظيم من فنانيهم أو ممن يمارس صناعة التماثيل المحرمة، فهذا مايكل أنجلو صنع تمثالاً يضاهي به خلق الله ثم رفسه بيديه وقال له: انطق! والعياذ بالله. كذلك هم ينبهرون بالفنان الذي يرسم لوحة جميلة جداً، فأنت كلما اقتربت أكثر من الصورة الطبيعية التي خلقها الله عليها ستجد الفرق كبيراً، والبون شاسعاً، وستجد أنهم استفادوا من مخلوقات الله ، فهذا (الكمبيوتر) أخذوا فكرته من المخ والجهاز العصبي في الإنسان، وكذلك أخذوا فكرة الطيران من الطيور، نظروا كيف تطير، وكيف تركيب جسمها والأجنحة والذيل، فقلدوا ذلك فصنعوا الطائرة. الشاهد أن خلق الله أبدع من صنع المخلوق، وهذا لا شك فيه ولا ريب؛ ولهذا لما دخلوا في التهجين الوراثي أفسدوا الزروع والثمار، وأفسدوا الحيوانات وكل شيء. إذاً: العلم الحديث في غاية الانحياز إلى الإسلام، وكل العلوم الحديثة تجدها ليل نهار تقذف بالأدلة الجديدة الدالة على توحيد الله ﵎، وتثبت أن دين الله هو الحق. كذلك الإعجاز العلمي فيه أشياء جميلة جداً، مثلاً يقولون: إن الذي يغزل نسيج العنكبوب هي الأنثى وليس الذكر، وهذه حقيقة علمية مكتشفة، فتأمل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ [العنكبوت:٤١]، فقال: (اتَّخَذَتْ) بتاء التأنيث. نقول: ما علاقة هذا الموضوع بالصلاة؟ هناك في الجسم عوامل اليقظة والإجهاد التي تنشط الجسم، مثل هرمون النشاط الذي اكتشف حديثاً، وهذه حقائق موجودة في كتب الطب، وقد كتبها كفار لا يعرفون ما علاقة هذه الاكتشافات بالوحي. هناك شخص عمل دراسة وخط رسوماً بيانية توضح عوامل النشاط، ومتى ترتفع ومتى تنخفض في أوقات معينة خلال اليوم. يقول: على مدار السنة ما بين الساعة الثالثة إلى الخامسة ترتفع عوامل النشاط ارتفاعاً ملحوظاً، وفي آخر الليل عند طلوع الفجر بالذات تهبط وتنخفض، ثم من الساعة السابعة صباحاً تبدأ في الارتفاع إلى ما قبل الظهر بثلث ساعة، ثم تبدأ تنخفض، ثم بعد الظهر ترتفع الهرمونات التي تساعد الإنسان على النشاط والعمل، وتظل في الارتفاع، وبعد العصر عند المغرب تنخفض. هذا الرجل يقول: في واضحة النهار من الساعة السابعة ترتفع هرمونات النشاط؛ لأن الناس يذهبون إلى أعمالهم، وفي الوقت الذي هو قبل الظهر تنخفض معدلات هرمونات النشاط، وكذلك عند الغروب، قال: وأنا مستغرب للجزئية الغريبة، ولم أجد لها تفسيراً، وهي ارتفاع نسبة هرمون النشاط ما بين الساعة الثالثة إلى الساعة الخامسة فجراً على مدار السنة، وهذه الفترة مرتبطة بوقت إعلان الفجر، فهو يقول: لا أعلم تفسيرها، ونحن نقول له: إن تفسيرها واضح، وهو أن الله خلق الإنسان وأوجد فيه هذه الهرمونات في جسمه وهي مهيئة له لأمر ما؛ وذلك لأنه خلق ليصلي. فالبحوث العلمية الحديثة أظهرت أن مواقيت الصلاة التي شرعها الله لنا، تتوافق زمانياً مع أوقات النشاط (الفسيولوجي) للجسم، مما يجعل القيام بها في استطاعة المسلم المكلف دون عناء أو مشقة، ولذلك التهجد فيه مشقة؛ لأن التهجد يكون في وقت النوم، وهرمونات النشاط في أدنى مستوياتها، فلذلك يجاهد الإنسان نفسه ليستيقظ ويصلي. ثم يقول: وهذا يجعل في استطاعة المسلم المكلف القيام بصلاة الفجر دون عناء أو مشقة، فإذا واظب المسلم على أدائها في أوقاتها، فهرمون (الكرسيدون) أو هرمون النشاط يبدأ في الازدياد بحدة مع دخول وقت صلاة الفجر، بينما ينخفض بدرجة ملحوظة أثناء الليل، ويتلازم منسوب ضغط الدم مع درجة إفراز (الكرسيدون)، حيث يبدأ ضغط الدم في الارتفاع إلى الحد (الفسيولوجي) المطلوب بدخول وقت صلاة الفجر، ويبدأ انخفاضه بعد الغروب، كما أن إفراز الكرسيدون يهبط إلى حده الأدنى بالنهار آخر وقت الضحى وحتى وقت الزوال، وهذا وقت القيلولة؛ لأن السنة أن ينام الإنسان القيلولة قبل وقت الظهر، وفي هذا الوقت يأتي وقت الاستواء الذي تكره فيه الصلاة. ثم يقول: وهنا يستطيع الجسم أن ينال قسطاً من النوم والراحة الذي هو نوم القيلولة؛ لكي يعينه على قيام الليل، وإلا احتاج إلى مجاهدة إذا أراد قيام الليل للانخفاض الشديد في منسوب (الكرسيدون) أثناء الليل، الأمر الذي لا يقوى عليه إلا أرباب العزائم، وذوو الهمة العالية، فمن ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦]، ولهذا أيضاً كان قيام الليل من أفعال الأبرار الذين قال الله عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦].

стр. 117

قصة إسلام امرأة فلبينية هذه أخت فلبينية اسمها جميلة لاما تقول: والغريب أنني كنت أستيقظ عند الفجر تحدوني رغبة قوية للصلاة، وكذلك كان يتملكني هذا الإحساس نفسه عند الغروب. تقول: وفعلاً أخذت أصلي على الطريقة النصرانية، وهي الطريقة الوحيدة التي كنت أعرفها حينئذ، إلا أن إحساسي بالفراغ الروحي ظل يسيطر على نفسي رغم هذه الصلاة، لقد شعرت أنني متعطشة لشيء لم تكن لدي أي صورة واضحة عنه، ففي كثير من الأحيان كانت الدموع تنهمر من عيني على وجهي عندما كنت أدعو الله أن يمنحني النور والصبر؛ لأن ما كنت أحس به وأكتشفه كان أكبر من طاقتي وقدرتي على الفهم والاستيعاب، وجاء وقت أحسست فيه بدافع قوي يحضني على الصلاة في مكان لا صور فيه أو تماثيل أو شيء من هذا، فسألت الناس عن المكان الذي يصلي فيه الناس وليس فيه صور؟ فقالوا: لا يوجد غير مسجد المسلمين. تقول: فقطعت عدة كيلو مترات عبر حقول الأرز بحثاً عن المسجد، وفي اليوم التالي شاركت المصلين صلاة الجمعة، تقول: إن نداء الأذان في الإسلام قد بدد الأساس الواهي لعقيدتي السابقة، وعندما بدأت صلاة الجمعة أحسست بالطمأنينة تغمرني، وهو إحساس نادر لم أشعر به من قبل، وعندما سجدت لله مع جميع المصلين فاضت روحي بسعادة لا حدود لها، فهذا هو ما كنت أتعطش له، لقد وجدت الإسلام برحمة من الله وبركاته، واعتنقته بمشيئة الله وإرادته.

стр. 118

قصة إسلام مهندس معماري أسترالي هذا مهندس معماري أسترالي يدعى نورمن وأصبح اسمه بعد إسلامه أحمد عبد الله نورماني يقول: كنت في فترة الحرب العالمية في الصحراء الغربية في ليبيا، ووجدت رجلاً يسوي الرمال بيده، ثم يمسح وجهه ويديه، ثم يقف في خشوع وينصرف عن كل ما حوله، فسألت: ماذا يفعل هذا الرجل؟! فقيل لي: إنه يصلي، وسألت عن دينه الذي يسلك به هذا المسلك البسيط بلا طقوس؟ فأخبروني أنه دين الإسلام، ومن هذه اللحظة التي كنت أكثر ما أكون في حاجة إلى ما يضيء نفسي ويريح خواطري، بدأت بدراسة الأديان -وفي مقدمتها الإسلام- فأسلمت.

стр. 119

قصة إسلام امرأة إنجليزية بسبب مشاهدتها صلاة أحد المسلمين هذه مارغريت فيلب إنجليزية كانت تعيش مع زوجها الهولندي التقت بأسرة مسلمة، فسألت عن الإسلام وتعاليمه وتلقت إجابات كثيرة، تقول: ذات يوم وقفت أمام منظر لا يمكن لي نسيانه إلى الأبد، لقد كنا في حقل القرية، وجاء رجل هولندي مسلم، وجلسوا يشربون الشاي، وفجأة وجدت الرجل ينظر إلى ساعته ويقوم بسرعة ليقف على بعض الحشائش النظيفة في هدوء ووقار شديدين، ويرفع يديه إلى السماء قائلاً: الله أكبر، وقام الرجل يصلي في خشوع المسلمين العابدين المؤمنين. ثم عقدت مارغريت مقارنة سريعة بين صلاة المسلمين بلا وسيط، وبلا قرابين، وبلا كهنوت وطقوس، وبين الصلاة في الكنيسة، تقول: وكانت رؤية مشهد الصلاة الخيط الأول الذي قادها إلى أن تعتنق الإسلام، وسمت نفسها آمنة عبد الله، وتحولت إلى داعية للإسلام، فيسلم زوجها على يديها، وتحمل رسالة الإسلام إلى أهل قريتها.

стр. 120

قصة إسلام فتاة مارونية وسبب ذلك هذه نجوى أدمون شوفاني فتاة لبنانية نصرانية مارونية، تزوجت شاباً مسلماً أعجبت بأخلاقه وسلوكه، وعرفت أن هذه الأخلاق الحميدة نابعة من تدينه وتمسكه بإسلامه، وكانت تراقبه وهو يصلي واقفاً بين يدي الله في خشوع، فتتأثر بذلك كثيراً، إلى أن أعلنت إسلامها.

стр. 121

قصة إسلام شاب أمريكي هذا الأخ عبد الصبور بيلار شاب أمريكي، كان نشيطاً في الدعوة إلى النصرانية بين الألمان، حتى كان يلقب نفسه بغطرس الأمريكي، وقد تعرض لحادث سيارة نجا منه برحمة الله ولطفه، واحتجز في المستشفى ليبقى فيه عاماً كاملاً، فاشترى جهاز التلفاز ووضعه في غرفته حيث كانت بداية الهداية، يقول: فرأيت صورة مكة عبر التلفاز، ورأيت المسلمين يصلون، ورأيت الملك فيصل يصلي معهم! فقلت لنفسي: هذا هو الطريق. كذلك موريس بوكاي، عندما قابل الملك فيصل كان الملك فيصل ﵀ سبباً في دخوله في الإسلام. يقول الأخ عبد الصبور: فقلت لنفسي: هذا هو الطريق، لكنني في ذلك الحين لم أكن أعرف شيئاً عن الإسلام، وكان انطباعي بأن هؤلاء القوم ليسوا متكبرين؛ لأنهم يضعون جباههم على الأرض ساجدين لله، فقلت: هذا هو أفضل سبيل للعبادة. يعني: لا يمكن أن يعبد الله بأحسن من هذه الطريقة التي يفعلها المسلمون، وهذا بلا شك حق؛ لأن الله اختار لأفضل رسول وأفضل أمة أفضل صلاة وأكمل صلاة. ولذلك اقتدى به جميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وائتموا بصلاته ليلة الإسراء، كذلك المسيح ﵇ حينما ينزل في آخر الزمان فإنه يصلي خلف المهدي بصلاة المسلمين، وفقاً لشريعة خاتم النبيين الباقية إلى قيام الساعة.

стр. 122

قصة إسلام شاب صيني من تايوان وسبب إسلامه من تايوان يقول الشاب الصيني يحكي قصة إسلامه وكيف بدأت: لقد أحببت الطريقة التي يعبد بها المسلمون ربهم، ويصلون جماعة في المسجد، لقد لاحظت أنهم يسجدون بكل ذل وخضوع لله ﵎، وأحسست حينئذ أن هذه هي أفضل طريقة لعبادته سبحانه، ومن هنا أحببت الإسلام، وقبلته لنفسي ديناً.

стр. 123

قصة إسلام محمد صديق الألماني وسببه الأخ الألماني محمد صديق مشهور، ذهب في السبعينيات إلى مكة للعمرة، وهو طويل جداً، ولحيته صفراء، ويلبس اللباس الإسلامي، وزوجته ألمانية منقبة بالجلباب الأسود، ولما عرف أن الدجال إذا خرج لن يدخل مكة والمدينة؛ سكن في مكة وجاور بها؛ حتى ينجو من فتنة الدجال إذا خرج. وكان بين وقت وآخر يسافر هو وزوجته لزيارة أهله وأهلها في ألمانيا، فكان كلما وصل إلى ألمانيا لا يمشي إلا بعصا في الشارع؛ لأن الألمان كانوا يسخرون منه ومن زوجته؛ بسبب ملابسهما أو مظهرهما، فكان يضربهم بالعصا. والأخ محمد صديق يتحدث عن الشيء الذي اجتذب قلبه إلى نور الإسلام فيقول: إن شكل الصلاة الإسلامية هو الذي جعلني أفكر في الإسلام. هذا التعبير هو الذي يفسر لنا لماذا يحرص دائماً الإعلام الغربي المعادي للإسلام أن يتوقى إبراز صلاة المسلمين كاملة، فهم في أي موضع يتجنبون دائماً إظهار الصلاة الإسلامية بصورة كاملة، فتراهم يحاولون تشويه صورة الصلاة ويحاولون أن يظهروا المسلمين وهم في الصلاة، بصورة معينة بحيث لا يتأثر أحد بها. يقول محمد صديق: إن شكل الصلاة الإسلامية هو الذي جعلني أفكر في الإسلام، فقد أردت أن أعرف لماذا يقوم هؤلاء الناس بالصلاة بهذه الكيفية، فاستنتجت أنها خير سبيل يختاره الإنسان لعبادة خالقه، فبدأت -وأنا ما زلت بروتستانتياً بأداء الصلاة بالكيفية الإسلامية. يعني: وهو على ملة النصرانية كان يصلي بنفس الطريقة الإسلامية!

стр. 124

ذكر لايت حال المصلين في المساجد والصلاة الرسول ﷺ نهى أن يوطن الإنسان لنفسه مكاناً كما يوطن البعير، والمسجد مباح لكل المسلمين، لا يوجد مكان خاص فيه للأكابر والأغنياء والوجهاء دون الفقراء، فأي إنسان سبق إلى المكان فهو أولى به، وهذا الشيء أثار إعجاب لايت مر فقال: في المساجد ترى المساواة التامة بين المصلين، فلا يوجد فيها مقاعد خاصة بأحد، وأي إمام يمكنه أنه يؤم المصلين، ولا يوجد منظر أبهج من منظر جماعة المسلمين وهم يصلون خاشعين صامتين.

стр. 125

قصة إسلام فتاة أمريكية وسبب إسلامها هذه زيبورا بوتر فتاة أمريكية من ولاية (متشيجن)، قضت رحلة طويلة بحثاً عن الحق، وانتهت إلى أن دين الإسلام هو دين الحق الوحيد في هذا الوجود، وبعدما أسلمت كتبت إلى والدها تدعوه إلى الإسلام، وكان من مما قالته ضمن رسالة طويلة بليغة تفيض بالبر والرحمة والرفق: لست أدري هل سبق لك أن شاهدت صورة في التلفاز عن صلاة الجماعة عند المسلمين؟! فقد حدث قبل أن أعرف شيئاً عن الإسلام منذ عدة سنوات أن شاهدت ذلك عن الصلاة في مصر، ورأيت كيف تقام هذه الصلاة، وقد هزني في ذلك الحين الإخلاص البديع والخضوع والمساواة والأخوة بين المصلين، فقد رأيت الغني والفقير والكبير والصغير، والأبيض والأسود يصطفون في صفوف واحدة، يسجدون في خشوع لله .

стр. 126

قصة إسلام النصراني الأمريكي تومس وسبب إسلامه هذا النصراني الأمريكي تومس كليتون الذي نفر بفطرته من العقيدة النصرانية ففر إلى الحنيفية السمحة، يحكي فطرة إسلامه تحت عنوان (تجربة نيرة) يقول: كانت الشمس قد مالت عن الزوال، وبينما نحن نمشي عبر الطريق الحار المغبر سمعنا غناءً رتيباً عذباً غريباً يملأ الجو من حولنا، ولما دخلنا وسط مجموعة من الشجر وقعت أبصارنا على مشهد غريب عجيب لم تصدقه عيوننا، رأينا رجلاً عربياً أعمى يرتدي ملابس بيضاء نقية، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وكان الرجل واقفاً على برج خشبي عال يكاد يقرع السماء بترميمه الساحر، فجلسنا دون أن نشعر بذلك، وقد أخذنا بإيقاعه الغريب وكأنه يصدر عن شبح، لم نكن نفهم الكلمات التي كان يرددها، ولكن لسحرها انساب إلى آذاننا وقلوبنا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. وقبل أن نتم القصة أقول: نشرت إحدى المجلات عن عميد الأطباء النفسانيين في ألمانيا، أن هذا الرجل كان يعالج مرضاه بإسماعهم الأغاني، والعجيب أنه كان يسجل لهم الأذان ويعتبره نشيداً، وكان لا يعرف أن هذا الأذان خاص بالصلاة عند المسلمين، لكن كان يلاحظ أن هذا النشيد إذا أسمعه للمرضى النفسيين فإنهم يتحسنون جداً، فكان يعالج مرضاه بإسماعهم الأذان، دون أن يعرف أنه النداء الإسلامي باللغة العربية لأداء الصلاة! إن الأذان نعمة بينما هناك بعض السفهاء يشتكون من صوت المؤذن، ويزعمون أنه يزعجهم، فهؤلاء لا يعرفون نعمة الأذان، وأي رجل عاش في بلاد الكفار يحس ما معنى الأذان! وما هي قيمة الأذان! وذلك بسبب أن الأذان في بلاد الإسلام يكرر خمس مرات في اليوم والليلة، وتتجاوب به الآفاق بنداء الحق في أرجاء المدن والقرى، وهذه نعمة لا يمكن التعبير عنها وعن جمالها، ولا يحس بها إلا إذا حرمها الإنسان. لما اكتشف عميد الأطباء النفسيين في ألمانيا هذه الحقيقة قال: إن كلمات الأذان التي تدعو المسلمين إلى الصلاة تدخل السكينة إلى قلب المريض النفسي، حتى لو لم يكن يفهم معانيها، وأضاف أن الأذان يزرع النور والأمل في قلب المصابين بالاكتئاب أو فقدان الثقة بالنفس أو كراهية الحياة أو الشعور بالفشل. يقول تومس كليتون: قبل ذلك لم نكن نشعر بأي شيء يجري حولنا، أما الآن فقد بدأنا نرى أعداداً كبيرة من الناس يتجمعون، إنهم أناس من مختلف الأعمار يرتدون ألواناً شتى من الملابس، ويمثلون كافة قطاعات الحياة، لقد أخذوا يقتربون من المكان بانكسار ينم عن خشوع، يفرشون الحصرة الطويلة على الأرض، لقد كان مشهداً ممتعاً حقاً، يجمع تناقض الألوان، وخضرة الأعشاب، واصفرار الحصر، وظلت جموع الناس تأتي إلى المكان، حتى بدأنا نعجب: هل يا ترى سيتم التئام الجمع المحتشد؟ ثم يقول: كان الناس يخلعون نعالهم وينتظمون في صفوف طويلة، الواحد منها وراء الآخر، وقد أثار دهشتنا ونحن نرقبهم في صمت، أنه لا توجد فوارق من أي نوع بين أفراد هذا الاجتماع، فلقد كان البيض والصفر والسود إلى جانب الفقراء والأغنياء والشحاذين والتجار يقفون جنباً إلى جنب، دون أدنى التفات إلى العنصر أو المكانة الاجتماعية في الحياة. روي أن النبي ﵌ قال: (مملوكك يكفيك، فإذا صلى فهو أخوك)، وهو حديث فيه ضعف، ومعنى قوله: (مملوكك يكفيك) يعني: المملوك يخدمك ويقضي حاجاتك، فهذه تستوجب له عليك حقاً أنه يقوم بأداء الخدمة لك. وقوله: (فإذا صلى فهو أخوك) يعني: إذا صلى فإنه أخوك في الدين، فينبغي عليك إكرامه. ثم يقول: ولم يحدث أن رجلاً واحداً من ذلك الجمع الحاشد رفع ناظريه بعيداً عن الحصير المفروش أمامه مباشرة، إن روح الأخوة التي تجلت في ذلك الجمع المتباين من الناس قد تركت انطباعاً لا يمكن أن يمحى من نفسي ما حييت.

стр. 127

قصة إسلام الصحفي النمساوي اليهودي محمد أسد هذه قصة أخرى طريفة، وهي قصة الصحفي النمساوي اليهودي، وهو من أشهر اليهود الذين اعتنقوا الإسلام؛ لأنه شخصية بارزة جداً في التاريخ الإسلامي المعاصر، وهو الذي سمى نفسه بعد الإسلام محمد أسد. هذا الصحفي النمساوي اليهودي كان إسلامه فتحاً على الدعوة الإسلامية في هذا القرن، نسج مشهد المسلمين وهم يصلون خاشعين الخيط الأول في قصة إسلامه، روى قصة إسلامه في كتاب رائع مشهور اسمه (الطريق إلى مكة)، قال في هذا الكتاب: في ذلك الخريف من سنة (١٩٢٢م) كنت أعيش في بيت داخل مدينة القدس القديمة، وكثيراً ما كنت أجلس إلى النافذة التي كانت تطل على فناء متسع وراء البيت، وكان هذا الفناء ملكاً لرجل عربي يدعى حاجي، كان يؤجر الحمير للركوب وحمل الأثقال، وجعل من الفناء نزلاً لمبيت القوافل، وفي أثناء النهار كانت أجسام الجمال الثقيلة ترى مضطجعة على الأرض، والرجال دائماً منهمكين بالعناية بها وبالحمير، وكان الحاجي يجمعهم عدة مرات في النهار للصلاة، وكانوا يقفون جميعاً في صف طويل واحد، وكان هو إمامهم، كانوا كالجنود في دقة حركاتهم، ذلك أنهم كانوا ينحنون معاً باتجاه مكة، ثم ينهضون ثانية ليسجدوا، وتلمس جباههم الأرض، كانوا يتبعون كلمات قائدهم الخاطفة، وكان يقف حافي القدمين على سجادته المعدة للصلاة، مضموم الذراعين فوق صدره، محركاً شفتيه دونما صوت، وشارداً في استغراق عميق، لقد كان بإمكانك أن ترى أنه كان يصلي بروحه كلها. والحق أنه قد أزعجني أن أرى مثل تلك الصلاة العميقة المقترنة بحركات جثمانية آلية، فسألت الحاجي ذات يوم وكان يفهم الإنجليزية قليلاً: هل تعتقد حقاً أن الله ينتظر منك أن تظهر له احترامك بتكرار الركوع والسجود؟ ألا يكون من الأفضل للمرء أن يخلو بنفسه وأن يصلي إلى الله في قلبه؟ لم حركات جسمك هذه كلها؟ يقول محمد أسد: ولم أكد أنطق بهذه الكلمات حتى شعرت بالندم وتأنيب الضمير، ذلك أنني لم أكن أنوي أن أجرح شعور الشيخ الديني، ولكن الحاجي لم تبد عليه قط أمارات الاستياء، لقد ثغر فمه عن ابتسامة، وأجاب علي بقوله: بأية طريقة أخرى إذاً يجب أن نعبد الله؟! هذا الصحفي النمساوي اليهودي كان من الصحفيين المشهورين جداً، وبالذات أيام عبد الناصر، وكان دائماً يتكلم بصراحة، وقد سجن مع أحد الإخوة في زنزانة واحدة، فكان هذا الأخ فاضلاً عابداً مجتهداً في عبادته، فكان يحافظ على الصلاة، ودائماً يذكر قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]. فكان هذا الصحفي يستغرب جداً لماذا يصلي؟ ويقول: إن الله غني عن أن نفعل له هكذا، نفس الكلام الذي قاله لـ حاجي فانظر إلى رد حاجي العامي البسيط وهو يقول له: بأية طريقة أخرى إذاً يجب أن نعبد الله؟! ألم يخلق الجسد والروح معاً؟! وإذا كان هذا كذلك، أفلا يجب أن يصلي الإنسان بجسده كما يصلي بروحه؟! اسمع سأفهمك، نحن المسلمين حين نصلي نولي وجوهنا نحو الكعبة بيت الله الحرام في مكة، مدركين أن المسلمين كلهم حيثما كانوا يتجهون نحوها في صلاتهم، وأننا كجسد واحد، وأن الله هو محور تفكيرنا جميعاً، نحن نقف أولاً مستقيمين، ونقرأ شيئاً من القرآن الكريم، ذاكرين أنه كلام الله أنزله على الإنسان، كي يكون مستقيماً راضياً في الحياة. ثم نقول مذكرين أنفسنا: إنه ما من أحد يستحق أن يعبد إلا هو، ونركع؛ لأننا نعتبره فوق كل شيء، ونسبح بعزته ومجده، وبعد ذلك نسجد على جباهنا؛ لأننا نعلم أنه هو الذي خلقنا، وهو ربنا الأعلى، ونرفع وجوهنا عن الأرض ونبقى جالسين داعين إياه أن يغفر ذنوبنا، وأن يتغمدنا برحمته، ويهدينا الصراط المستقيم، ويهبنا العافية والرزق. يقول: ثم نسجد ثانية على الأرض، ونلمس التراب بجباهنا تجاه عزة الواحد الأحد وعظمته، وبعد ذلك نستوي جالسين، وندعو الله أن يصلي على النبي محمد ﷺ الذي بلغنا رسالته كما صلى على الأنبياء من قبله، وأن يباركنا وجميع من يتبعون السبيل، ونسأله أن يهب لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وفي النهاية ندير رءوسنا إلى اليمين وإلى الشمال قائلين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبذلك نحيي كل من كانوا صالحين حيثما كانوا. على الإنسان المسلم متى ما واتته فرصة أن يلقي البذرة في أي تربة فليلقها، ولا يضيع فرصة أبداً، فأنت لا تكلف بهداية القلوب؛ لأن هذا ليس لأحد من الخلق، حتى الرسول ﵊ لا يملك هداية القلب، لكن يمكن هداية الناس بالبيان والتوضيح والتبليغ، فمهما كان عتو الشخص الذي أمامك فإنك لا تيئس منه، وما عليك إلا أن تلقي البذرة في التربة الخصبة، وبعد ذلك ليس من شأنك أن تنبت هذه البذرة، وإنما إنباتها على الله ، فهو الذي ينبت فيها شجرة الإيمان إن شاء. الإنسان قد يلقي كلمة عابرة يقولها أو تصرفاً عابراً وهو لا يقصده، ثم يؤثر في نفس من يخاطبه، ويحول مجرى حياته بكلمة عابرة تصادف وقت انفتاح القلب للهداية، أو تكون سبباً في إنبات البذرة، فتنتهي بأن تثمر. يقول محمد أسد: وبعد ذلك بسنوات عدة، أدركت أن الحاجي بتفسيره البسيط قد فتح لي أول باب للدخول في دين الإسلام. ولكن قبل أن يخالجني بزمن طويل أي تفكير في أن الإسلام يمكن أن يصبح ديناً لي، بدأت أشعر بخضوع غير عادي كلما رأيت رجلاً يقف حافي القدمين على سجادته المخصصة للصلاة، أو على حصيرة من قش، أو على الأرض العادية، مضموم الذراعين، مستغرقاً بالكلية في ذات نفسه، ناسياً كل ما يجري حوله، سواء كان ذلك في أحد المساجد أو على رصيف أحد الشوارع المكتضة. ثم يقول: محمد أسد أيضاً: ولما عشت في القاهرة كان مقابل بيتي مسجد صغير ذو مئذنة دقيقة، منها كان يدعى إلى الصلاة خمس مرات في اليوم الواحد، فيظهر في أعلى المئذنة رجل متعمم بعمامة بيضاء، ويرفع يديه ويبدأ بالإنشاد: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، وكان صوته ناعماً قوياً قادراً أن يصل إلى مسامع الكثيرين ممن كانوا على مبعدة كبيرة، وكان باستطاعتك أن تدرك أن الغيرة والحماسة لا الفن هما اللتان كانتا تجعلانه على مثل ذلك القدر من الجمال، لقد كان ترتيل المؤذن بهذا اللحن الدائم الذي كنت أسمعه في الأيام والأمسيات التي قضيتها في القاهرة تماماً كما كان لحن القدس القديمة الدائم، وكما كان مقدراً لي أن أسمعه طيلة أسفاري في الأراضي الإسلامية فيما بعد، لقد كان الأذان نفسه في كل مكان، وبرغم الفروق في اللهجة والتجويد فتوجد وحدة صوتية جعلتني أدرك مقدار الوحدة الباطنية لدى جميع المسلمين من العمق، ومبلغ الخطوط الفاصلة بينهم وبين التكلف والتفاهة. لقد كانوا واحداً في اعتقادهم، وواحداً في طريقة تفكيرهم وتمييزهم بين الحق والباطل، وواحداً في فهمهم قوام الحياة الخيّرة، ولقد خيل لي أنني قد صادفت لأول مرة مجتمعاً لم تكن فيه صلة النسب بين الإنسان والإنسان مسببة عن طوارئ من مصالح اقتصادية عنصرية، بل عن شيء أعمق وأكثر استقراراً إلى حد بعيد، صلة من الفهم المشترك للحياة، أزالت كل حواجز العزلة والانفراد بين الإنسان والإنسان.

стр. 128

قصة إسلام المخرج السينمائي العالمي فركت لقد عم التأثر بالأذان والصلاة طوائف البشر، حتى الأوساط الفنية التي تؤدي دور الشيطان في إغراء المؤمنين بالفحشاء والمنكر، ولنرى أكبر مركز لهذه الشيطنة على وجه الأرض، وأساطينها يدهشون من أثر الأذان، يذكر المستشار محمد عزت السخطاوي في كتابه (الدعوة إلى الإسلام بين غير المسلمين) قصة إسلام المخرج السينمائي العالمي ركت إنجرام في سنة (١٩٢٨م). وقبل أن نختم الجلسة بهذه القصة لعل بعضكم يذكر في إحدى السنوات في هذا المسجد، حيث كان لي محاضرة عنوانها: بداية الهداية، تكلمنا فيها عن نماذج من نقاط التحول في حياة الكثير من الناس التي هي بداية الهداية، وذكرنا نماذج كثيرة جداً، وقدر الله أنه كان موجوداً في نفس الجلسة مخرج فرنسي اسمه سراج، وهو مشهور جداً، وكان من أشهر المخرجين السينمائيين في فرنسا في الستينيات، وكان حينذاك صغير السن جداً، لكن مع ذلك كان مشهوراً عالمياً، فكان حاضراً معنا في هذا المسجد، وشاء الله أن دعوناه أن يأتي ويحكي قصة بداية هدايته، وهي موجودة في آخر شريط اسمه: (بداية الهداية)، وهو بصوته يتكلم اللغة العربية في غاية الجمال والقوة؛ وقصته كانت جميلة جداً، فذكر أنه سافر موريتانيا، والجزائر، وشكوا فيه لأجل شكله وقبضوا عليه إلى آخر قصته. يذكر المستشار محمد عزت السخطاوي في كتابه (الدعوة إلى الإسلام بين غير المسلمين) قصة إسلام المخرج السينمائي العالمي ركت إنجرم فيقول: في سنة (١٩٢٨م) فوجئت الأوساط الفنية في (هوليود) وغيرها من أنحاء العالم بنبأ أدهش الجميع، وهو إشهار المخرج السينمائي العالمي ركت إنجرم إسلامه على مشهد من بعض مواطنيه، ووسط جماعة من أصدقائه المسلمين، وكان ركت من أنجح المخرجين السينمائيين في ذلك الزمن على الإطلاق، وقد وصفته جريدة السياسة الأسبوعية التي صدرت في الثالث عشر من فبراير سنة (١٩٢٨م) ريكت إنجرم وهي تتحدث عن نبأ إسلامه بأنه أكبر مخرج (سينماتوغرافي) في العالم، وأكبر أقطاب صناعة السينماء، فأسلم هذا القطب السينمائي عقب حادثة معينة كان لها أبعد الأثر في حياته، وهو أنه ذات يوم كان يشرف على التقاط مشهد سينمائي يتمثل في قيام شخص عربي مسلم مهيب الطلعة بأداء الأذان بخشوع تام، وهو يؤذن في هذا الجو الغريب بعيداً عن وطنه، وترك ذلك المشهد في نفس ريكت إنجرم الشفافة المتعطشة صدى تعجز عن وصفه أبلغ الألفاظ وأدقها تعبيراً. يقول: وما إن انتهى العربي من أداء الأذان حتى صحبه إلى مكتبه، وراح يسأله المزيد من المعلومات عن أحكام دينه، حتى أشهر إسلامه على الملأ، وأقلع تمام الإقلاع عن كل ما أمر الله باجتنابه، وعاش حياة الزهد والعبادة، واصطفى بعض المسلمين المقيمين في فرنسا للاستعانة بهم في إرشاده إلى أحكام الدين، وتهيئة جو إسلامي خالص في القصر الذي اشتراه ليعيش فيه في مدينة (نيس) التي نفذ إلى قلبه فيها أول قبس من نور الإسلام. بهذا نختم النصف الأول من بحث لماذا نصلي؟ وهو ذكر فضائل وخصائص ومزايا الصلاة التي امتازت بها عن غيرها، ونشرع إن شاء الله ﵎ بعد ذلك في الكلام على عواقب ترك الصلاة؟ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 129

لماذا نصلي؟ [٩] إن لترك الصلاة آثاراً سلبية في الدنيا والآخرة، فمن شؤم ترك الصلاة أن فاعل ذلك يقع في الكفر، واختلف العلماء فيمن تركها تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها هل يكفر كفراً أكبر يخرجه من الملة أم أنه كفر دون كفر؟ أما من تركها جحوداً فأجمعوا على كفره كفراً أكبر. وترك الصلاة تكاسلاً من أكبر الكبائر، وهو نفاق، وسواد في الوجه، وظلمة في القلب، وهلكة في الدنيا والآخرة، وهو سبب من أسباب سوء الخاتمة، وعذاب القبر، ودخول سقر.

стр. 130

ترك الصلاة كفر الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده. أما بعد: فقد تكلمنا فيما مضى عن خصائص وفضائل الصلاة بالنسبة لسائر العبادات، وذكرنا جملة من فضائل الإتيان بالصلاة وما يترتب عليها، ومن المناسب أن نتكلم بعد أن أخذنا الترغيب في الصلاة أن نتناول جانب الترهيب من ترك الصلاة، وبيان شؤم ترك الصلاة. أول شؤم ترك الصلاة إنها تركها كفر، فقد قال الله في حق المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. قوله: (فَإِنْ تَابُوا) أي: تابوا عن شركهم وكفرهم. قوله: (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) معتقدين وجوبها آتين بأركانها. قوله: (وَآتَوْا الزَّكَاةَ) أي: المفروضة. قوله: (فإخوانكم في الدين) أي: إخوانكم في دين الإسلام، هذا منطوق الآية، ومفهومها أن من أصر على ترك الصلاة أو على ترك الزكاة فليس من إخواننا في دين الإسلام. قال رسول الله ﵌: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) متفق عليه. فانظر كيف علق عصمة الدم والمال على الإتيان بالشهادتين وبالصلاة وإيتاء الزكاة. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم. وقال ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)، رواه مسلم أيضاً. وفي لفظ: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة). وقال ﵌: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). وعن محجن بن الأبرع الأسلمي: (أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ ، فؤذن للصلاة، فقام النبي ﷺ ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له: ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟! قال: بلى، ولكني صليت في أهلي -يعني: صلى في مسجد أهله- فقال له: إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت). قوله: (إذا جئت فصل مع الناس) يعني: من صلى ثم تحول إلى مكان آخر وأقيمت الصلاة فليصل مع الجماعة الحاضرة، ولا يتخلف عن ذلك، لكن الصلاة الثانية تكون بنية النافلة؛ لأن الفريضة لا تصلى مرتين. والشاهد في هذا الحديث قوله: (ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟). يعني: لو كنت مسلماً لصليت. وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أما إنه لا حظ لأحد في الإسلام أضاع الصلاة) وروي عنه بلفظ: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة). وعن ابن مسعود ﵁ قال: (من ترك الصلاة فلا دين له). وعن عبد الله بن شقيق قال: (كان أصحاب رسول الله ﵌ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة). وهذا المعنى استقر في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حتى إن نجاة غير المصلي من النار في نظرهم مما يلغز به ويذكر على أنه خلاف الأصل، قال الدينوري: كان أبو هريرة ﵁ يقول: (حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط؟ -يعني: كأن هذا شيء لا يتصور وقوعه- فسكت الناس، فيقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: هو أخو بني عبد الأشهل عمرو بن أقيش ﵁، كان له رباً في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، يعني قال: لن أدخل في الإسلام حتى أستوفي هذا المال الربوي، فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد. قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد. قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد، فلبس لأمته -وهي الدروع التي تلبس في الحرب- وركب فرسه ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فقال لأخته: سليه: أقاتلت حمية لقومك أو غضباً لهم أم غضباً لله ؟ فقال: بل غضباً لله ولرسوله ﷺ ، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة) وهذا الأثر حسن. الشاهد: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يعتقدون أن الشخص الذي لا يصلي ويدخل الجنة لغز! وأبو هريرة كأنه يتحداهم عندما قال: (حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فسكت الناس ولم يستطيعوا الجواب على أبي هريرة، فحكى لهم قصة هذا الصحابي، وختمها بقوله: فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة!). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له). وقال إبراهيم النخعي ﵀: من ترك الصلاة فقد كفر. وقال أيوب: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أخشى ألا يحل للرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن. قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وتارك الصلاة على صحة البدن لا تجوز شهادته، ولا يحل لمسلم أن يؤاكله، ولا يزوجه ابنته، ولا يدخل معه تحت سقف. هذه المعادلة يستحقها المجرم الأثيم الذي تهون عليه الصلاة، فمن هانت عليه الصلاة لم يعز عليه شيء، كيف يهون عليه أن يعيش من غير صلاة وهو يتقلب في نعم الله ، وفي العافية التي أعطاه الله إياها، والمال والرزق والشمس والهواء؟! كل هذه النعم يتمتع بها وهو لا يستحقها؛ لأن تارك الصلاة لا مسوغ ولا معنى لحياته بدون صلاة، ومعنى كلام الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: أن تارك الصلاة ينبغي أن تحصل له نوع من المقاطعة الجماعية من جميع المسلمين؛ زجراً له عن هذه الجريمة.

стр. 131

أقوال أهل العلم في تارك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها ليس هذا أوان مناقشة حكم تارك الصلاة من الناحية التفصيلية، فإن هذا له مناسبة أخرى نرجو أن تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى، وهو ما يتعلق بقضية الكفر والإيمان، ويعبر عنها أحياناً بالأسماء والأحكام، فأقول: قطعاً يطلق على تارك الصلاة أنه كافر، ولا شك في وصفه بأنه كافر؛ لأن الرسول ﵊ وصفه بأنه كافر، لكن ما نوع هذا الكفر؟ هل من ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها مسلم أم كافر خارج من الملة؟ يوجد خلاف بين العلماء كما هو معروف، والخلاف في حق من ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها، أما من تركها جحوداً -بمعنى أنه لا يعتقد أن الصلاة واجبة عليه أصلاً- فهذا كفر مخرج من الملة؛ لأنه إنكار لما علم من الدين بالضرورة، لكن الكلام والخلاف في حق من ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها، فهذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، منهم من يرى كفره كفراً أكبر، وأنه كافر مشرك، وأنه إذا مات لا يورث، ولا يرث، وتنقطع الولاية بينه وبين المسلمين، وأنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فهو مخلد في جهنم مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وغيرهم من أصناف أئمة الكفر، هذا مذهب بعض العلماء. أما الفريق الآخر من العلماء فإنه يرى أنه فاسق، وأن كفره كفر دون كفر وليس كفراً مخرجاً من الملة، بل هو باق في دائرة الإسلام مع أنه فاسق عاص فاجر ينبغي أن يزجر عن هذا الفعل، وإن أصر على ترك الصلاة فيقتل حداً بسبب تركه الصلاة، لكن مع ذلك يقولون: إن ترك الصلاة أسوأ وأخطر من الزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس التي حرم الله وأكل الربا، وترك الصلاة جريمة من أشنع الجرائم، هذا قول من يقول: إن تارك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها لا يكفر كفراً أكبر، فنحن نهمس في أذن تارك الصلاة ونقول له: هل يرضيك أن يكون انتسابك إلى ملة الإسلام وإلى دين التوحيد وإلى أمة محمد ﵌ محل خلاف بين العلماء، فيه راجح ومرجوح، هذا يقول: كافر. والثاني يقول: لا، بل هو فاسق؟! فهل يقبل الإنسان الذي عنده كرامة ومروءة أن يكون انتماؤه للإسلام قضية خلافية؟! فريق يقول: إنك كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنك لا تستحق الحياة، بل على ولي أمر المسلمين أن يقتلك ردة، ولا يجوز لك أن تتزوج من مسلمة، ولا تصلح ولياً شرعياً لأولادك، وإنك لا ترثهم ولا يرثونك، وإنك لا تغسل ولا يصلى عليك ولا تدفن في مقابر المسلمين، وإنك مستحق للخلود في جهنم مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب وسائر أعداء الدين، وفريق آخر يقول: بل أنت فاسق عاص فاجر يجب قتلك حداً إن أصررت على ترك الصلاة. يقول بعض العلماء: يا تاركاً لصلاته إن الصلاة لتشتكي وتقول في أوقاتها الله يلعن تاركي وإن كان هذا الكلام قد يتساهل فيه في جانب الترهيب، إلا أنه ينبغي ألا يخبر عنه إلا بوحي، لأن قوله: إن الصلاة تقول: الله يلعن تاركي، غيب، ولابد أن يثبت فيه حديث عن النبي ﵌. إذاً: هذا هو أول شؤم لترك الصلاة، وهو كونها كفراً بالله ، فتارك الصلاة كافر، ويطلق عليه كافر على القولين، سواء من يكفرونه كفراً أكبر أو من يكفرونه كفراً دون كفر.

стр. 132

ترك الصلاة من أكبر الكبائر إن ترك الصلاة من أكبر الكبائر الموبقة، يقول الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى: سمعت إسحاق يقول: صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. وقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: لا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وقتل مؤمن بغير حق. فويل لهؤلاء الذين يتعمدون جمع بعض الصلوات الخمس آخر اليوم، ويأتون بها متتابعة عندما ينتهون من الشغل، فهذا من تلبيس إبليس، وهذا ضياع للدين، وارتكاب لأكبر الكبائر. وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة، ومقصوده أن هذا موضع إجماع من لعلماء. وقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: فمؤخر الصلاة عن وقتها صاحب كبيرة، وتاركها بالكلية -يعني: الصلاة الواحدة- كمن زنى وسرق؛ لأن ترك كل صلاة أو تفويتها كبيرة، فإن فعل ذلك مرات فهو من أهل الكبائر إلا أن يتوب، فإن لازم ترك الصلاة فهو من الأخسرين الأشقياء المجرمين.

стр. 133

ترك الصلاة نفاق إن ترك الصلاة نفاق، يقول : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]، وجد المنافقون في مجتمع المدينة أما في مكة فلم يكن هناك نفاق؛ وذلك لأنه كان في المدينة سطوة وسلطة الدولة المسلمة، ولا يقوى أحد على المجاهرة بترك الصلاة، فحتى المنافقون كانوا يظهرون شعائر الإسلام في الظاهر وهم منافقون في الباطن، يقول : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فالجزاء من جنس العمل، فهم يخادعون الله في الدنيا، وهو خادعهم يوم القيامة. وقد بين الله ذلك في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، فهذا معنى قوله: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ). ثم يقول سبحانه واصفاً المنافقين مع الصلاة: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]، وذلك لأن المنافق لا يقوم إلى الصلاة بدافع داخلي وإنما يقوم إليها خوفاً من سطوة الدولة المسلمة أن تعاقبه على ترك الصلاة، فصلاتهم إنما هي مراءاة، يراءون الناس وهم متكاسلون متثاقلون، لا يرجون ثواباً ولا يعتقدون على تركها عقاباً.

стр. 134

التكاسل عن الصلاة تشبه بالمنافقين روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح؛ فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه يغفر له، ويجيبه إذا دعاه) يعني: إذا قام الرجل إلى الصلاة وهو كسلان ففيه شبه بالمنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى؛ لذلك كان السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم إذا أقيمت الصلاة يتسارعون إلى الصفوف الأولى لتحصيل الفضيلة. وقال النبي ﷺ : (احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها). قوله: (احضروا الذكر) يعني: احضروا مجالس الذكر. قوله: (وادنوا من الإمام) فيه أمر بالقرب من الإمام في صلاة الجماعة، والإنسان العاقل الحريص على الثواب الأعظم ينبغي أن يحرص على الاقتراب من الإمام بقدر المستطاع. نقف هنا وقفة نحتاجها، وهي أننا نرى بعض العوام أحياناً في صلاة الجماعة يأتي بعد أن تقام الصلاة ثم يذهب إلى أقصى المسجد من جهة اليمين، ويبدأ الصف من أقصى المسجد ويقول: من أجل أن يجعلنا الله من أهل اليمين! مع أن الصواب أن يكون خلف الإمام مباشرة، لا أن يذهب إلى أقصى اليمين ويقف هناك؛ لأن المقصود من الإمام المتابعة، فأنت كلما اقتربت من الإمام أكثر سمعته أكثر، وبذلك تستطيع أن تتابعه بدقة أكثر، لكن لو كنت بعيداً، ولا يوجد مثلاً كهرباء أو مكبر الصوت، فكيف ستسمع الإمام وتتابعه؟! فمن السنة الدنو من الإمام، فالدنو من الإمام يقتضي أن يكون الصف خلف الإمام مباشرة، وإلا لو كان الصف في أقصى اليمين وهم قليل لبقي الإمام واقفاً ولا يوجد أحد خلفه! وهذا خلاف السنة، فالسنة أن نكون خلف الإمام، ولابد أن نحسن تطبيق المفاضلة بين اليمين واليسار بالنسبة للإمام، ولذلك اختار النبي ﷺ أفضل موضع لأفضل الخلق بعد الأنبياء وهم الصحابة فقال: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) يعني: المكان الذي يكون خلف الإمام يخصص للعقلاء والفقهاء وحفظة القرآن الكريم، حتى إذا طرأ شيء أثناء الصلاة فهؤلاء نتيجة فقههم وحفظهم يتمكن الإمام من استخلافهم. إذاً: لا بد أن يكون هناك نوع من التوازن بين الجناحين والوسط الذي هو خلف الإمام مباشرة، والدليل قوله في هذا الحديث: (احضروا الذكر، وادنوا من الإمام) يعني: اقتربوا من الإمام، وبلا شك أن من كان خلف الإمام مباشرة فهو أقرب ممن هو في أقصى الصف. قوله: (فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها) هذا يتأخر بمرتبته في الآخرة لعدم الهمة في الحرص على الأماكن المقدمة في العبادة؛ لأن القرب من الإمام والتسابق على ذلك علامة الإقبال والحرص على طاعة الله ﵎، أما الكسل والتراخي فهو دليل على الزهد في الثواب، ويدل على أنه يتثاقل ويتشبه بالمنافقين إذا قام إلى الصلاة، قال ﷺ : (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) فالجزاء من جنس العمل، فإذا كنت تتعمد التأخر عن الصفوف الأولى وتتكاسل عن ذلك، ففي الآخرة يؤخرك الله في الجنة، فتضيع عليك مراتب أعلى كان يمكن أن تنالها.

стр. 135

النفاق يورث الكسل في العبادة قال في شأن المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤]. قال ابن عباس: (إن كان في جماعة صلى؛ لأن الناس يراقبونه، وإن انفرد لم يصل؛ لأنه يخشى الناس ولا يخشى الله). هذا شأن المنافق، إن كان في جماعة صلى، وإن انفرد لم يصل؛ لأنه لا يرجو على الصلاة ثواباً، ولا يخشى في تركها عقاباً. فالنفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة، وإنما يدفعهم إلى الصلاة الرغبة في إرضاء الناس، والتظاهر بالإيمان، فراراً من الذنب، وسعياً إلى الكسب والمغنم، وإذا قاموا كسالى إلى الصلاة، فلن يؤدوها بخشوع وحضور قلب، بل وهم شاردون عن الخالق إلى المخلوق، كما قال تعالى في شأنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧]. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥]: إما ساهون عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائماً أو غالباً، وإما ساهون عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما ساهون عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي. وهذا في حق من يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، فما بالك بمن يترك الصلاة بالكلية؟! فما بالك بعفيف الجبهة الذي لا يسجد لله أصلاً؟! وقال صلى الله عليه آله وسلم ذاماً لمن أخر الصلاة عن وقتها: (تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان -أو على قرني الشيطان- قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) رواه مسلم وغيره، وهذه هي صلاة العصر. وإذا كان المنافق شر البرية مع أنه يكسل في الصلاة أو يؤخرها عن وقتها، فشر منه من لا يصلي لله أصلاً، ولا يعرف السجود إلى جبهته سبيلاً. قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في شأن صلاة الجماعة: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -أي: عن صلاة الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) رواه مسلم. يعني: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يحرصون على أداء صلاة الجماعة، مع أن الله قد عذرهم بالمرض الشديد الذي يعجزهم عن الخروج إلى الصلاة، ومع ذلك لم تطق قلوبهم أن يتخلفوا عن صلاة الجماعة، فكان الرجل منهم يؤتى به يهادى بين الرجلين، يعني: يسنده اثنان من اليمين ومن الشمال ويمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله، فهؤلاء هم المؤمنون الخلص، عذر الله أبدانهم، لكن مع ذلك لم تطق قلوبهم التخلف عن صلاة الجماعة! وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) وهذا الأثر صحيح عن ابن عمر ﵄، وهو يؤيد ما ذكرناه من أن التخلف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق، فكيف بترك الصلاة أساساً؟! فما بال من لا يصلي لا جماعة ولا منفرداً؟! لا شك أنه أولى بسوء الظن من هذا. قوله: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) يعني: شككنا أنه من المنافقين.

стр. 136

موقف المنافقين من صلاة العشاء والفجر قال ﷺ مبيناً موقف المنافقين من صلاة العشاء: (ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها) رواه مسلم. يعني: لو علم أنه إذا ذهب إلى المسجد سيجد وليمة فيها عظم عليه لحم لسارع إلى ذلك؛ لينال حظاً من الدنيا، وليس لأجل الصلاة التي يترتب عليها الثواب العظيم، بل هو يزهد فيها! إذاً: المنافقون لو لاح لهم شيء من الدنيا يأخذونه، وكانوا على يقين منه؛ لبادروا إليه، فهذا شأنهم ودأبهم، فدل على أن تكاسل المنافق عن الصلاة نتيجة عدم اليقين في الثواب الذي وعده الله به؛ لأنه لو كان على يقين من الثواب لبادر. إن قلت: حي على الشهوات طاروا إليها خفافاً وثقالاً، وإن قلت: حي على الصلاة قاموا إليها كسالى، لهم في المعاصي وثبات، وفي الطاعات سكون وثبات! وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً). قوله ﷺ : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر)، ظاهر الحديث أن المنافقين ربما شهدوا صلاتي الفجر والعشاء، لكن يكونون كسالى، وتكون الصلاة ثقيلة على قلوبهم، وربما يشهدونهما أحياناً، ويتخلفون عنهما في الغالب؛ لأن صلاة الفجر وصلاة العشاء في الظلام فلا يراهم الناس، ولأن صلاة العشاء في آخر اليوم وقد يشق عليهم الخروج من المنزل، وصلاة الفجر تقتضي مفارقة الفراش ونحو ذلك، فيفهم من الحديث أنهم ربما شهدوا صلاتي الفجر والعشاء، أما ما عداهما من الصلوات فإنهم يحضرونها ويشهدونها. وإذا قارنا بين ظاهر الشخص الذي يدعي أنه مسلم وأنه مؤمن ولا يشهد الصلوات الخمس جماعة في المسجد، وبين ظاهر المنافقين في عهد الرسول ﷺ ؛ فإن ظاهر المنافقين أنهم كانوا يخرجون إلى الفجر والعشاء أحياناً، وهي أثقل الصلوات عليهم، فأيهما من حيث الظاهر أكمل؟ ظاهر المنافقين أكمل ممن لا يصلي الصلوات الخمس كلها في جماعة، لكن في الباطن يتفاوتون، لكن كيف ترضى أن يكون ظاهر المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار خيراً من ظاهرك؟! يقول ﷺ : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار). متفق عليه. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وذلك لأن صلاة العشاء تأتي وقد أتعبه عمل النهار، فيثقل عليه القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا. فما أصدق قول رسول الله ﷺ في حقهم: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة). قوله: (إن الله يبغض) أي: يكره. قوله: (كل جعظري) الجعظري هو الفظ الغليظ المتكبر. قوله: (جواظ) هو الجموع المنوع، يكثر جمع المال، ثم لا يؤدي حق هذا المال من الزكاة وغيرها. قوله: (صخاب في الأسواق) يقال: تصاخبوا أي: كثر سخبهم، وصخبهم، بالسين والصاد، وهو الصياح والضجيج، فالصخب في الأسواق مما يذم به الإنسان، كما ينادي الباعة على الخضروات والفواكه ونحوها، وللأسف الشديد ما يحدث في الأسواق يحدث أمام المساجد عند خروج المصلين من صلاة الجمعة، تجد رفع الأصوات عند بيع الكتب أو الأشرطة، تجد بعضهم يقول بصوت مرتفع: كتاب الشيخ فلان، وكأنه يبيع الشيخ نفسه، أو شريط الشيخ فلان، فرفع الصوت ليس من أخلاق المسلمين، كما جاء في صفة النبي ﷺ في التوراة: (ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق)، ورفع الصوت شيء مذموم؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، فالصخب ورفع الصوت لا يليق بوقار المسلم، وكذلك عندما يقف أمام بيت صاحبه في الشارع ويناديه بصوت مرتفع: يا فلان! سواء كان في الليل أو في أول النهار، فهذا أيضاً مما لا يليق بالمسلم؛ لأنه يسلك سلوك الأعراب الجفاة الغلاظ الذين كانوا ينادون النبي ﷺ من وراء الحجرات، هذا مما ينبغي أن يتنزه عنه المسلم. قوله: (جيفة بالليل) أي: لا يذكر الله الليل كله، ملقى على فراشه كأنه جيفة منتنة ميتة، جيفة بالليل لا صلاة عشاء ولا قيام ولا فجر ولا ذكر. قوله: (حمار بالنهار) أي: طول النهار يعمل ويسعى وراء الدنيا، ويكد ويكدح كالحمار الذي يشقى ولا يتعبد. قوله: (عالم بأمر الدنيا) أي: يعرف تفاصيل أتفه الأمور، لاعب الكرة الفلاني تزوج كذا، وعنده أولاد كذا، ويحب اللون كذا، والأكل المحبوب له كذا، وكل هذه التفاهات! كذلك تجده يعرف أنواع الخشب وأنواع الأقمشة وأنواع كذا من علوم الدنيا، ثم هو لا يدري بما يجيب الملكين حينما يسألانه في قبره: (من ربك؟! وما دينك؟! وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ﵊؟!). فالمنافقون خشب بالليل صخب بالنهار، إذا جن عليهم الليل سقطوا نياماً كأنهم خشب لا يذكرون الله تعالى ولا يصلون، فإذا أصبحوا تصاخبوا ورفعوا أصواتهم على الدنيا شحاً وحرصاً؛ ولهذا قال ﵊ في حق الواحد منهم: (جيفة بالليل حمار بالنهار). قال قتادة: كان يقال: ما سهر الليل منافق، أي: ما سهر الليل منافق في العبادة، كما جاء في الحديث: (خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه في الدين). لا يمكن أن تجتمع هاتان الخصلتان في المنافق، قد يكون عنده حسن السمت، لكن ليس عنده فقه في الدين. وعندما يحاول المنافقون مشاركة المؤمنين في سجودهم لربهم يوم القيامة، يحال بينهم وبين هذا التكريم، وتصبح ظهورهم كصياصي البقر، لا يستطيعون الانحناء، كلما أراد أحدهم أن يسجد، خر على قفاه، فيبوءون بالذل والخزي والهوان، يقول الله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]. وهذه علامة بين المؤمنين وبين ربهم ﵎: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣]. قوله: (يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) يعني: كانوا يسمعون الأذان في الدنيا (وَهُمْ سَالِمُونَ) أي: وهم في صحة وعافية وإمكانية، ومع ذلك يتخلفون عن صلاة الجماعة، فلذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة؛ لأن الذم هنا على ترك صلاة الجماعة. إذاً: الدعاء إلى السجود يكون عن طريق الأذان، والأذان يكون لصلاة الجماعة، فالجزاء من جنس العمل كما تركوا الصلاة اختياراً في الدنيا وهم قادرون؛ يجازون في الآخرة أنهم يمنعون من السجود في وقت التكريم والنجاة.

стр. 137

ترك الصلاة سواد وظلمة وهلكة في الدنيا والآخرة إن ترك الصلاة سواد وظلمة وهلكة في الدنيا والآخرة، فترك الصلاة يظلم القلب، ويسود الوجه؛ لأن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت الحيرة حتى يقع تاركها في الضلالات وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة لوحده. وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين وتعلو الوجه، فيصير سواداً يدركه أهل البصائر، وتحصل حين ذلك الوحشة بينه وبين الناس سيما أهل الخير، فيجد نفوراً من أهل الخير ومن الصالحين من عباد الله، لا يشعر بالأنس معهم، بل يشعر بالوحشة بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم، وحرم بركة النفع بهم، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن، إلى أن ينتهي به الحال في المآل إلى أن يقترن بصحبة السوء والأشرار يوم العرض على الملك الجبار، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩]. عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) أي: يحشر مع هذه الصحبة الخبيثة. يقول بعض أهل العلم: وإنما يحشر تارك الصلاة مع هؤلاء الأربعة: وهم قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف؛ لأنه إنما يشتغل عن الصلاة بماله أو بملكه أو بوزارته أو بتجارته، فإن اشتغل بماله عن الصلاة حشر مع قارون، وإن اشتغل بملكه حشر مع فرعون، وإن اشتغل بوزارته حشر مع هامان وزير فرعون، وإن اشتغل بتجارته حشر مع أبي بن خلف تاجر الكفار بمكة. فما أنقص عقل من باع مرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمرافقة الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً!

стр. 138

ترك الصلاة من أسباب سوء الخاتمة إن ترك الصلاة من أسباب سوء الخاتمة والعياذ بالله، قال الإمام أبو محمد عبد الحق رحمه الله تعالى، وهو مشهور جداً بـ ابن عطية صاحب التفسير المعروف: اعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه. فالإنسان إذا وفق إلى الأعمال الصالحة وحافظ عليها حتى الممات، فإنه يوفق إلى حسن الخاتمة. وسوء الخاتمة إنما تكون لمن كان عنده فساد في العقل أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيغتنمه الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله، أو يكون ممن كان مستقيماً ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه ويأخذ في طريقه، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمته وشؤم عاقبته، نسأل الله العافية. يقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) رواه البخاري. وهذا مثل رجل صلى صلاة طويلة خشع فيها وأطال ركوعها وسجودها وكذا وكذا، ثم قبل أن يسلم مباشرة نقض وضوءه، فهل تقبل تلك الصلاة أم أنها تبطل كلها؟ تبطل كل الصلاة التي مرت، وكذلك مثل من صام يوماً طويلاً شديداً حره ثم أفطر قبل المغرب بدقيقة واحدة، فإنه يبطل كل ما مضى من صيام النهار. فكذلك العمر فإن العبرة بالخواتيم، ومن ثم (كان النبي ﷺ إذا استودع رجلاً مسافراً يقول له: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك). لأن العبرة بخواتيم الأعمال. ويقول ﷺ : (يبعث كل عبد على ما مات عليه) رواه مسلم. كذلك الذي يصلي وهو يسيء صلاته فإنه متوعد بسوء الخاتمة، فكيف بمن يترك الصلاة بالكلية؟! ورد في الأثر: (أن حذيفة ﵁ رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد ﷺ . وكم شاهد الناس من أحوال المحتضرين من تاركي الصلاة عبراً! والذي يخفى عليهم أعظم وأعظم، وكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله قلبه عن ذكره، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا؟! وكيف لا تكون خاتمته سيئة وهو مضيع للصلاة، وعنده إصرار وثبات على هذا العهد الشيطاني إلى أن تأتيه الغرغرة وتخرج روحه، وهو مصر على ترك الصلاة؟! فأي شؤم أكثر من شؤم ترك الصلاة!

стр. 139

ترك الصلاة من أسباب عذاب القبر إن ترك الصلاة من أسباب عذاب القبر، فأول شؤمه بالنسبة لمراحل الانتقال إلى الدار الآخرة أنه إذا مات وخرجت روحه فإنه يعذب في القبر، فإذا قامت القيامة وبعث وحوسب يكون من أصحاب سقر، قال : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣]. يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]. فسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أن عذاب القبر من المعيشة الضنك التي يعانيها المعرض عن الله في الدنيا وفي البرزخ ويوم المعاد، وهذه الآية تحتاج من الإنسان أن يتدبرها كثيراً؛ لأنها كفيلة بإصلاح ما يفسد من أحواله. وقبل هذه الآية يقول : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]. قوله: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) أي: من اتبع الوحي فإنه لا يضل ولا يشقى، فمن يبحث عن السعادة والراحة فعليه أن ينظر إلى شرع الله وينفذه. ثم قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. قوله: (مَعِيشَةً ضَنكًا) هي عامة تعم المعيشة الضنك في الدنيا وعند الاحتضار وفي القبر والآخرة. فما من شخص يحيد عن طريق الله ويغرق فيما حرم الله أو يضيع الواجبات التي فرضها الله، فلا شك أنه لا يكون سعيداً سعادة حقيقية، لا يمكن أبداً مهما أظهر خلاف ذلك، قال الحسن البصري ﵀: إنهم وإن هرطقت بهم الجمال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. من عصى الله لابد أن يجد هذا الذل والشقاء في قلبه، وتكون السعادة مزعومة كاذبة، والابتسامات العريضة تخفي وراءها مرارة وذل المعصية، فهذه حقيقة من حقائق هذا الوجود. يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢]، فكل صاحب معصية أو صاحب بدعة يجد ذلة تغشاه وتسود قلبه. أهل الغرب انتهكوا كل حرمات الله ﵎، واستحلوا أشد أنواع الفواحش، حتى التي تتصادم مع الفطرة الإنسانية، مدعين أن هذا يعالج اليأس وكذا وكذا إلى آخره؛ فنجد أن أكثر نسب الانتحار في هؤلاء المنحرفين، فهم لم يستريحوا لما استحلوا هذه المحرمات، فاستحلوها كي يهربوا من تأنيب الضمير، والشعور بالوزر أو بالذنب، وبالرغم من ذلك لما فروا إلى استحلالها عظم عليهم الاكتئاب، وازدادت الأمراض النفسية، وارتفعت جداً فيهم نسب الانتحار، فهذا دليل على أن كل من يصادم الفطرة ويحيد عن شرع الله ﵎، فإنه لابد أن يعيش المعيشة الضنك، وما أحوال الإيدز والأمراض الجنسية المعروفة عنا ببعيدة. قول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] هذا في الدنيا، وبعض العلماء -كما ذكرنا- فسر المعيشة الضنك بأنها عذاب القبر، ولاشك أن عذاب القبر هو نوع من أنواع المعيشة الضنك التي يعانيها المعرض عن الله في الدنيا. ولا تتصور أن الضنك في المعيشة هو بقلة ذات اليد أو بالفقر أو بكذا أو بكذا، فإن الغنى الحقيقي غنى القلب وقناعته بالله ورضاه عن الله ﵎، فالمعرض عن الله في شقاء حتى لو كان أغنى أغنياء الدنيا، وكان يتقلب في نعيمها ليل نهار، لكنه أشقى الأشقياء، ويسلط عليه من أنواع التكدير والتنغيص ما يحول بينه وبين التمتع بالدنيا، نجد المؤمن الفقير المعدم المحافظ على طاعة الله يمشي متنقلاً بجنة في صدره كما ذكر ذلك بعض الصالحين. إذاً: عذاب القبر من المعيشة الضنك التي يعانيها المعرض عن الله في الدنيا وفي البرزخ ويوم المعاد. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا تظن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة: في الدنيا، والبرزخ، والآخرة، والفجار في جحيم في دورهم الثلاثة. وتارك الصلاة عامل بعمل الفجار أهل النار، فإن لم يتداركه الله بتوبة نصوح، فإنه يصحبه عمله السيئ إلى داخل قبره، قال النبي ﷺ في شأن الفاجر بعد دفنه: (ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بما يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: وأنت فبشرك الله بالشر، من أنت؟! فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، ويظل معه في القبر إلى يوم القيامة). فيبقى في عذاب أليم ممتد إلى يوم القيامة. وعن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي، إلى أن قال: وأتينا على رجل مضطجع وإلى جانبه آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه -يعني: يشدخ رأسه- فيتدهده الحجر هاهنا -يعني: يتدحرج الحجر- فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يعود رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى). إلى آخر الحديث. وفيه: (أن الملكين فسرا للنبي ﷺ ما رأى فقالا: أما الرجل الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة)، وفي رواية: (فيفعل به ذلك إلى يوم القيامة).

стр. 140

ترك الصلاة من أسباب دخول سقر إن ترك الصلاة شعار أصحاب سقر يقول : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧ - ٣٠] ثم يقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٣] فهي أول جريمة استحقوا بها دخول سقر، ثم قال : ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٤ - ٤٥]. فتارك الصلاة في سقر، والمستكبرون عن الركوع لله والمستهترون بمواقيت الصلاة لهم الويل، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٤٨ - ٤٩]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]. فيا تارك الصلاة! أليس إقامة خمس صلوات في اليوم والليلة أهون من شرب الصديد ومعاناة العذاب الشديد؟!

стр. 141

ترك الصلاة من أسباب الانغماس في الشهوات إن ترك الصلاة سبب الغرق في الشهوات، فهناك تلازم وارتباط وثيق بين إضاعة الصلاة وبين الغرق في الشهوات والتلوث بالخطيئات؛ لأن من ضيع الصلاة لابد أن يقع في الشهوات، ومن حافظ على الصلاة حفظته الصلاة من الشهوات. أخبر الله عن قوم أضاعوا الصلاة بعد أن كان آباؤهم مهديين متمسكين بها محافظين عليها متقربين إلى الله بها، يقول : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم:٥٩]. قوله: (خَلْفٌ) أي: في الشر، والأصل أن الخلف في الخير كقول من يقول: خير خلف لخير سلف، وشر خلف لشر سلف، لكن هؤلاء كانوا شر خلف لخير سلف، فآباؤهم كانوا صالحين، قال الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] يعني: من يضيع الصلاة لا بد أن يسقط صريعاً للشهوات. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]. فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ضيع الصلاة وهانت عليه فلابد أن يهون عليه ما عداها من حدود الله، من ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع، ومن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ. يقول الإمام البيهقي رحمه الله تعالى: فذكر الأنبياء والمتقدمين ومدحهم في آخر سورة مريم؛ لأنهم كانوا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، ثم ذكر من خالف مذهبهم، فذمهم فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]. ثم أخبر بما يؤديهم ذلك إليه من سوء العاقبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] يعني -والله أعلم- لا يرشد أمرهم مع إضاعة الصلاة، ولكنهم لا يزالون يقعون في فساد بعد فساد، كمن يضل الطريق فلا يزال يقع في مهلكة بعد مهلكة، إلى أن ينقطع فيهلك، فدل ذلك على عظم قدر الصلاة، وجلال موقعها من العبادات. ومن ثمرات الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، والفحشاء والمنكر ينهيان عن الصلاة، فهناك تلازم بين ترك الصلاة وبين اتباع الشهوات، وفي طليعة الفحشاء والمنكر يأتي الخمر والقمار اللذان يستعبدان الإنسان لرغائبه وشهواته، وينهيانه عن الصلاة، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والفحشاء والمنكر ينهيان عن الصلاة. إذاً: الخمر والميسر مما يصدان الإنسان عن الصلاة، فشارب الخمر يذهب عقله الذي ميزه الله به عن الحيوانات، فالعقل نعمة وهو يتعاطى ما يذهب به عقله، فيتصرف كالحيوان البهيم، يتجرد من ملابسه، ويتمرغ في الوحل والطين، ويهذي بألفاظ قبيحة ونحو ذلك، استوى مع البهائم بإرادته بتعاطي ما يزيل عقله! فأين السكران من الصلاة؟ كذلك يتعاطى الميسر له سلطان رهيب جداً على من يقعون في أسره، بحيث يضيعون الصلاة اشتغالاً بالميسر، فلذلك كان الميسر مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة. إذاً: الفحشاء والمنكر تنهيان عن الصلاة، ولأجل ذلك عظمت مصيبة تارك الصلاة بسبب السكر، وتضاعفت عقوبته، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: (من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها) أي: فمصيبته مثل مصيبة شخص كان يملك كل الدنيا وما عليها ثم سلب هذه النعمة، ثم يقول ﵊: (ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟! قال: عصارة أهل جهنم). وهذا حديث صحيح عن النبي ﷺ . أهل جهنم يسيل منهم الصديد والقيح والدم وهذه الأشياء، فعصارة أهل جهنم هي طينة الخبال التي يسقاها من ترك الصلاة بسبب السكر وبسبب الخمر أربع مرات. نسأل الله أن يعافينا وسائر المسلمين من كل بلاء، وأن يجعلنا من مقيمي الصلاة وأهلها. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 142

لماذا نصلي؟ [١٠] إن ترك الصلاة مصيبة وبلاء، فبتركها يفقد تاركها الإحساس والشعور بالمصائب والعقوبات، ويكون ذلك سبباً في استحواذ الشيطان على العبد، وهو خيانة للأمانة، وسبب من أسباب التعرض لعقوبة الله . ومما يدل على أهمية الصلاة حض الشرع على تعليمها للأطفال، وأمرهم بالمحافظة عليها في سن مبكرة، حتى إذا ما كبروا اعتادوا عليها، وكانت لها منزلة في قلوبهم.

стр. 143

ترك الصلاة مصيبة وبلاء الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده. أما بعد: فقد شرعنا في بيان شؤم ترك الصلاة على تاركها، وبينا أن ترك الصلاة كفر، وأنه من أكبر الكبائر الموبقة، وأنه نفاق، وأنه سواد وظلمة وهلكة في الدنيا والآخرة، وأنه من أسباب سوء الخاتمة، وأنه من أسباب عذاب القبر، وأنه شعار أصحاب سقر، وأنه سبب الغرق في الشهوات، وأنه مصيبة وبلاء، فعن نوفل بن معاوية رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله) أي: من فاتته أي صلاة من الصلوات حتى خرجت عن وقتها فقد أصيب بمصيبة كبرى، وفاجعة عظمى، وصار كمن أصيب في أهله وماله جميعاً، ولم يبق له أهل ولا مال، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]. قال الخطابي: ومعنى (وتر) أي: نقص وسلب، فبقي وتراً وحيداً بلا أهل ولا مال، والمعنى: فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله. وفي لفظ عند عبد الرزاق: (لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) متفق عليه. والموتور: من أخذ أهله وماله وهو ينظر إليهم، ولا شك أن ذلك أشد لغمه، ومن فاتته الصلاة فقد أشبه هذا الرجل؛ لأنه اجتمع عليه أنواع الغم والهم، فاجتمع عليه غم الإثم والذنب العظيم بتفويت وتضييع الصلاة، وغم فقد الثواب الذي كان سيناله لو حافظ على الصلاة، كما يجتمع على الموتور غمان: غم السلب، وغم الطلب بالثأر. وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ترك صلاة العصر حبط عمله) رواه البخاري. وقد توعد الله من أعرض عن ذكره فقال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] أي: فليبشر تارك الصلاة بمحاربة الله إياه، ولا شك أن الصلاة أعلى أنواع الذكر؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، بل هي تشتمل على كل أنواع الذكر. إذاً: فليعلم تارك الصلاة أنه لإعراضه عن ذكر الله سيحاربه الله بالمعيشة الضنك، وأن الله يحشره يوم القيامة أعمى، فسوف يحاربه الله بتنغيص عيشه، وتكدير قلبه، وتشتيت همه، وتفريق شمله، وحضور فقره، وفساد أحواله، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.

стр. 144

ترك الصلاة يفقد الإحساس والشعور بالمصائب والعقوبات قد ترى تارك الصلاة الأثيم رائحاً غادياً لا يحس بعظم وزره وشناعة فعله، ولا يشعر بعقوبة الله إياه، كما يقول الشاعر: وما لجرح بميت إيلام فاعلم أن أشد العقوبات ما خفي ودق، ففقدان الشعور بالمصيبة هو في حد ذاته أعظم مصيبة؛ لأن الإنسان قد يعاقب بأشد أنواع العقوبة وأخطرها وهو مع ذلك لا يحس بها. فالله يعاقب بأنواع من العقوبات: عقوبات كونية قدرية كالزلازل وغيرها من المصائب المعروفة، وعقوبات شرعية كإقامة الحدود مثلاً على ذنوب ومعاص معينة، وهناك العقوبة بالأمراض والابتلاءات، وهناك العقوبة بتسليط الظالمين، فالعقوبات متعددة، وأنواعها كثيرة، إلا أن أخطر أنواع العقوبات أن يعاقب الإنسان ولا يحس أنه يعاقب؛ لأنه إذا فقد الإحساس فإنه يرتكب إثماً وبالتالي لن يشرع في إصلاح أحواله أو التوبة إلى الله ؛ لأنه ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فإذا رأى الإنسان الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فكيف سيتوب منه؟! فهذا بلا شك من أخطر أنواع العقوبات، وهو ما خفي ودق ولم يتفطن إليه صاحبه، فصاحب هذه العقوبة الخفية يغفل عن مصابه، فهو بمنزلة السكران والمخدر الذي لا يشعر بالألم فلا يسعى في خلاص نفسه، وفاقد الإحساس مثل الشخص الذي يبتلى بمرض السكر، ولا يحترم نظام الأدوية والأغذية إلى آخره؛ فتبدأ الأضرار تتفاقم عليه لاسيما على أعصابه، فمريض السكر يقولون له: اهتم بالقدم؛ لأن القدم عضو خطير جداً في مرض السكر؛ لأنه لو حصلت مضاعفات في أعصاب القدم يفقد الإحساس، وربما ينخلع النعل من رجليه ولا يشعر به، فبالتالي يدخل في قدمه زجاج أو أي نوع من هذه الأشياء فتتفاقم المشكلة إلى أن تنتهي أحياناً إلى حصول الغرغرينة، ويتحتم قطع القدم أو الساق؛ بسبب عدم الإحساس، فهو لما لم يحس أصيب وهو لا يشعر، وتفاقمت المصيبة حتى انتهت بالبتر ونحو ذلك كما هو معلوم، كذلك صاحب الغفلة قد يعاقب ويصاب دون أن يشعر بأن هذه المصيبة تهدد كيانه، فهو كالسكران وكالمخدر تحت البنج الذي لا يشعر بالألم، ولا يسعى في خلاص نفسه، ولذلك جعل النبي ﷺ التألم للذنب من علامات صحة القلب وبقاء الحياة فيه، فقد قال النبي ﷺ : (إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن) فالمؤمن ليس معصوماً؛ لأنه لا معصوم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن؛ لأنه لم يفقد الإحساس بالذنوب، ولا زال يستطيع أن يحكم على القبيح بأنه قبيح، ويرى الحسن في صورة الحسن. إذاً: وجود الإحساس في القلب والتألم للمعصية والسرور بالطاعة علامة على حياة هذا القلب. فما دام هناك قلب ينبض، وما دام هناك دم يجري في العروق ويسري وما دامت الروح لم تغادر البدن، فهناك أمل وفرصة أمام الإنسان ليرتقي إلى أعلى مراتب العبودية، حتى يصل إلى مرتبة الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وهناك فرصة أن يراجع الإنسان نفسه ويعود إلى ربه، يقول الله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. قوله: (نسوا) أي: ضيعوا أوامر الله ولم يرقبوه. قوله: (فأنساهم أنفسهم) يعني: تركهم الله مثل قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] يعني: فتركهم؛ لأن النسيان في حق الله ليس هو المضاد للذكرى أو التذكر، وإنما نسيهم بمعنى تركهم، وهذا أحد معاني النسيان، وقد فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه:١١٥] أي: ترك على أحد التفسيرين. قوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) يعني: فتركهم ولم يوفقهم إلى التوبة، فترى الشخص المتلبس بمصيبة ترك الصلاة -التي هي أخطر ما يصيب الإنسان في دينه- لا يبالي بها، وتراه يغدو ويروح وهو مبتسم، وربما سخر من الذين يصلون أو تهكم بهم وغير ذلك، فهذا ينطبق عليه قوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فلو كان عنده إحساس لبكى على مصيبة عدم الإحساس ونسيان الله إياه، فهؤلاء لم يوفقهم الله إلى التوبة لما سلط على قلوبهم من الغفلة التي تزهدهم في طاعة الله . عن أبي هريرة وابن عمر ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات -أي: عن تركهم صلاة الجمعة- أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين) فيسعى هذا الغافل في صلاح دنياه ولو خرب أخراه، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فتراه إذا أصيب بمصيبة في الدين لا يبالي بها، أما لو أصيب بمصيبة في الدنيا -كما لو ضاع منه جنيه أو خمسة جنيهات- لأقام مأتماً وعويلاً، وحزن عليها حزناً شديداً. يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى في أهل الدنيا: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي. يعني: إذا أمسك الدرهم وزنه في غاية الدقة بيديه، كأن يديه ميزان من شدة الخبرة في أمور الدنيا، وهو لا يحسن أن يصلي، فكيف لو رأى الحسن ما نحن عليه الآن في هذا الزمان من غرق الناس في أمور الدنيا، والخبرة بأتفه الأشياء في أمور الدنيا مع الجهل الأعمى بالدين وبالتوحيد ونحو ذلك من الأمور الهامة، فلو علم ذلك لاحتقر هذا المثال الذي ضربه بالنسبة لما نحن عليه الآن. وقال أبو بكر بن عياش: مسكين محب الدنيا يسقط منه درهم فيظل نهاره يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وينقص عمره ودينه ولا يحزن عليهما! الأيام تجري، والعمر في الحقيقة ينقص، لا يزيد، ومع ذلك بعضهم يعمل حفلة عيد ميلاده ويقولون له: عقبى لمائة سنة! وهذه في الحقيقة مصيبة كان عليه أن يحزن حزناً شديداً على الأيام التي فاتته؛ لأنه صار أقرب إلى القبر، بل هو من يوم ولد بل من يوم أن كان جنيناً في بطن أمه بل من يوم كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وجرى القلم بما هو كائن؛ كتب أجله، وعدد الأنفاس التي يتنفسها، فبالتالي هو في كل لحظه يقترب أكثر إلى القبر. إذاً: العاقل يحزن لفوات عمره ولا يقيم احتفالاً، وهذا مثال من ينقص عمره ودينه ولا يحزن، ولا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنما يفجع لمصائب الدنيا. يقول الشاعر: ومن البلية أن ترى لك صاحباً في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر وكان من دعاء النبي ﷺ : (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)؛ لأن المصيبة في الدنيا تهون، وكل ما يفقده الإنسان من الدنيا يمكن أن يعوض، إذا مرض فإن المرض تعقبه العافية، وإذا فقد مالاً فيمكن أن يعوض عليه بمال آخر ويخلف الله عليه. من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعته عوض فالله إذا كسبته يعوضك عن كل شيء، وإذا خسرته فلا يعوضك عن الله شيء. يروى في الأثر الإلهي: (ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم! اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء).

стр. 145

ترك الصلاة من أسباب استحواذ الشيطان على العبد ترك الصلاة سبب استحواذ الشيطان على العبد، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٩]. فمن يضيع الصلاة يضيعه الله ويخذله ويعاقبه بأن يقيض له شيطاناً يقارنه فلا يفارقه لا في الإقامة ولا في المسير، بل هو مولاه وعشيره، فبئس المولى وبئس العشير، فيتخذ قلبه المريض وطناً، ويعده مسكناً، وإذا تصبح بطلعته حياه وقال: فديت من قرين لا يفلح في دنياه ولا أخراه. قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها فأنت قرين لي بكل مكان فإن كنت في دار الشقاء فإنني وأنت جميعاً في شقى وهوان وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية). قوله: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان) فعدم إقامتهم للصلاة يسبب استحواذ الشيطان عليهم. قوله: (فعليكم بالجماعة) أي: بصلاة الجماعة. قوله: (فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) فبين النبي ﵌ أن الشيطان ذئب الإنسان، وهو أعدى عدو له، وكما أن الطائر كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات، فكذلك الشاة كلما كانت أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك، فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب من الغنم أبعدهن عن الراعي. قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض الله عنه تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان. وبين ﷺ مظهراً من مظاهر كيد الشيطان لصد المؤمن عن ذكر الله وعن الصلاة، ودلنا على ما يحبط هذا الكيد، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) يعني: أنه يسحر الإنسان بنوع معين من السحر ليمنعه من القيام كما يعقد الساحر عند سحره، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] فالشيطان يفعل نفس الشيء بأن يعقد ثلاث عقد على قافية رأس الإنسان إذا أراد أن ينام، فالذي يخذله الله يعمل فيه هذا السحر الشيطاني، والذي يوفقه الله يصرف عنه ذلك السحر، يقول النبي ﷺ : (ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه حرير -يعني: حبل- معقود ثلاث عقد حين يرقد). ويقول ﷺ : (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد -يغريه بالتمادي في النوم-، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، وإن توضأ انحلت عقدة، وإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) متفق عليه. فالذي ينام عن الصلاة قد استسلم لعقد الشيطان ووسوسته حتى صار عدوه مستحوذاً على نفسه مسيطراً عليه. عن ابن مسعود ﵁ قال: (ذكر عند النبي ﷺ رجل ثقيل ما زال نائماً حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال ﷺ : بال الشيطان في أذنه) رواه البخاري. وفي رواية ابن حبان: (إنه نام عن الفريضة)، فالشيطان استحوذ عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه، فمعنى أن الشيطان بال في أذنه أي: يستخف به ويستهتر به.
следующие страницы →