← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37001

لماذا نصلي - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (182 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حقيقة تربية الأطفال على الصلاة وغيرها بالعادة إن هناك طريقة التربية بالعادة، فالأطفال يتعرفون على أعمال الصلاة بالمشاهدة، فالطفل الصغير يؤثر فيه كل ما حوله، فينطبع ما يراه في ذاكرته بصورة أعظم بكثير جداً مما تتخيلها، فينبغي للأب عندما يسأله ابنه الصغير أن يجيبه؛ لأنه مطالب أن يعطيه أكثر قدر من المعلومات، ودعه يستوعب ما يستطيع أن يستوعبه، وما زاد عن ذلك فلا ضرر في ألا يستوعبها، فهو يستوعب بطاقة أكثر جداً ما تتوقعه أنت، فلذلك إذا سألت علمه وتفهمه بطريقة خفيفة ستجد أمراً مذهلاً من الفهم والاستيعاب. فالطفل لا شك أنه يتأثر من انطباع حركات الصلاة وسلوكك في أثناء الصلاة، وما الذي تقوله في الصلاة، وكيف تتوضأ، وكل هذه الأشياء حتى من السن المبكرة جداً قبل السابعة بكثير تنطبع في ذاكرة هذا الطفل، لكن المهم أنه قبل سن التمييز -أي: قبل سن السابعة- على الأب ألا يشتد مع الطفل في أمر الطهارة والصلاة، ولا يشتد عليه في أمر ستر العورة للصلاة، بل يتركه يقلده على أي حال، حتى لو لم يكن الطفل ملتزماً بشروط الصلاة، لا يستقبل القبلة، ولا يستر العورة، ولا يتوضأ، فلا تقل له: صلاتك غير صحيحة، لا؛ لأنه في هذه المرحلة يتلقن بالعادة وبالتقليد وبالمحاكاة، فلا تغلظ عليه، ولا تكفه عن الصلاة، ولا تكفه عن التقليد؛ لأن زجره في هذه السن وهو غير مكلف ينفره من الصلاة، فاتركه يقلدك بطريقة تلقائية دون أن تعنفه.

стр. 72

واجب الآباء تجاه أبنائهم بعد بلوغهم سن السابعة إذا بلغ الطفل السابعة بالتقويم الهجري وليس بالتقويم الميلادي تقويم النصارى والكفار؛ لأن أي توقيت معين في القرآن أو في السنة فالمقصود به التقويم الهجري، فمثلاً: تجب الزكاة إذا مر على المال حول -أي: سنة- بالحول الهجري لا الحول الميلادي. كذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥] أي: أربعين سنة هجرية وليست ميلادية، فانتبهوا لهذا. إذا بلغ الطفل السابعة بالتقويم الهجري ففي هذه الحالة يجب على الأب أن يأمره بالصلاة، ويوجهه إليها بلا ضرب ولا تعنيف؛ لقول النبي ﷺ (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) وهذا حديث حسن. وفي هذه المرحلة يأمره بتحصيل ما لا تصح الصلاة إلا به كشروط الصلاة مثل: الطهارة، وستر العورة وغيرهما، ولا ينبغي أن يمر تاريخ سن الطفل إلى سن السابعة مروراً عابراً؛ لأن الطفل إذا بلغ سن السابعة فينبغي أن نحيطه بهالة من الاحتفال والأهمية والتعظيم في عين الطفل، بحيث يبدأ مرحلة جديدة في حياته محاطة بحدث خطير سيحدث؛ لأنه ببلوغه السابعة سيترتب عليه أنه صار الآن مؤهلاً لوظيفة مهمة وهي الصلاة، فلا ينبغي أن ندع الطفل يبلغ السنة السابعة دون أن نعمق هذا الحدث من قبل أن يتم سبع سنين، كأن نقول له: أنت في الشهر المقبل أو بعد شهرين أو بعد ثلاثة أشهر أو بعد أسبوعين ستبلغ سن السابعة، واعلم أنك إذا بلغت هذا التاريخ فأنت مقبل على أمر عظيم وأمر مهم جداً، أنت الآن كبرت، ولم تعد كالأطفال الصغار، والرسول ﷺ أمرني أن آمرك أن تصلي، فها هو موعد أمرك بالصلاة يقترب فتهيأ لذلك، فإذا بلغ السابعة فصلى أول فرض جمع له أبوه بعض أصدقائه أو بعض أسرته في حفل صغير ابتهاجاً ًبهذه المناسبة الطيبة؛ لأنه صلى أول صلاة، وما الذي يمنع أن نبتكر مثل هذه الأساليب؟! فيؤتى له مثلاً بحلوى أو بهدية، وبعض الكاتبين في هذا الأمر قالوا: تهدى له ساعة بحيث يقال له: إن هذه الساعة هدية لك حتى تستعين بها على ضبط أوقات الصلاة، فيربط له كل شيء بالصلاة. ثم بعد ذلك ينبغي أن تتم متابعته في الصلاة، ويتابع في مدى محافظته على مواعيد الصلاة، وإذا نسي أو انشغل أو أهمل تذكره بالصلاة: هل صليت؟ يقول تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] قوله: (اصطبر) يعني: داوم ولا تمل، فينبغي أن يكرر الأمر بالصلاة دون ملل، ولنفرض أن الأب شغل أو سافر أو غاب لأي سبب من الأسباب، في هذه الحالة يوكل ويكلف من يقوم مكانه بمتابعة الصبي وأمره بالصلاة خلال فترة غيابه أو شغله، روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (حاسبوا أبناءكم على الصلاة، وعودوهم الخير؛ فإن الخير عادة). أيضاً لا بأس بمكافأته أحياناً لانتظامه بالصلاة، إذا لوحظ أنه بدأ ينتظم في الصلاة فبين وقت وآخر يكافئه بمكافأة، لكن بشرط ألا يواظب على المكافأة؛ لأنه إذا واظب على المكافأة فهذا يرسخ شعوراً موجوداً أصلاً عند الطفل وهو شعور العمل المبني على الجانب النفعي، وهذا قد ينمي فيه الأنانية، بحيث لا يعمل شيئاً إلا بالمقابل المادي، فالمكافأة حتى تعطي ثمارها ولا تفسد هذا الطفل ينبغي أن تعطى له بين وقت وآخر، حتى لا يتعود أن يحفظ القرآن أو يصلي أو يفعل أي شيء إلا إذا أخذ المعلوم، لكن ينبغي أن يرسخ في ذهنه أن الصلاة شيء أساسي، وأنه إنما يصلي لله، ولا بأس بين وقت وآخر أن تعبر عن شكرك وامتنانك بمحافظته على الصلاة. أيضاً ينبغي أن تنوع الهدية في كل مرة؛ لأن الهدية إذا تكررت ففرحه بها لن يكون كما ينبغي، لكن تنوع الهدية في كل مرة بصورة ملائمة. أيضاً على الأب أن يقرن الأمور المحببة بالصلاة، يعني: لا تصور له الصلاة على أنها تكليف وأمر وإلزام، وأنه سيتعرض لعقوبة، لكن تحاول أن تربط الصلاة بالأساليب السلمية دائماً؛ فمتى ما أمكن الطفل أن يصلي بطريقة هادئة وبلطف وبرفق فلا تقفز إلى ما بعد ذلك من الخطوات، كأن تقول له: إذا عملت الشيء الفلاني فسأكافئك بأن أصطحبك معي للصلاة في المسجد، فتزرع في قلبه أن الخروج إلى الصلاة في المسجد هو المكافأة، بحيث تجعل في نفسيته أن ذلك شيء عظيم ومحبب إلى نفسه. كذلك إذا طالبك بالذهاب معك إلى المسجد فقل له: ماذا عملت حتى تذهب معي إلى المسجد؟ أو قل له: افعل الشيء الفلاني حتى تستحق أن أصحبك إلى المسجد. فالمهم أن تربط الصلاة بالأمور المحببة إلى نفسه، فمثلاً: إذا أراد الأب أن يخرج مع الأطفال إلى نزهة فليربط مواعيد الأشياء التي يحبونها بالصلاة، فيقول مثلاً: إذا ذهبت وصليت العصر وعدت من صلاة العصر فسأصطحبك معي في هذه النزهة، وهذا يجعلهم ينتبهون لوقت الصلاة، فتراهم يبكرون للصلاة في وقتها؛ لأنها اقترنت بشيء محبوب لديهم. كذلك مواعيد الأب مع أولاده يربطها بأوقات الصلاة، كأن يريد أن يعد أولاده بشيء فيربطه دائماً بوقت الصلاة، مثل: قبل صلاة العصر، أو بعد أن أصلي المغرب. أيها الأب! عمق أحداث حياة ابنك بالصلاة؛ حتى تصبح الصلاة هي المحور الذي تدور عليه حياته، ويتعلم الأولاد تنظيم الوقت بناءً على أوقات الصلاة. أيضاً الأب يذكر أولاده بين الحين والآخر بفضائل الصلاة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، فبجانب السلوك العملي في تطبيق الصلاة حتى يكتمل تصوره عن الصلاة ينبغي أن تنمي معلوماته عن الجانب الفكري أو النظري المتعلق بالصلاة وبمنزلتها وأهمية الصلاة، وماذا قال الله وماذا قال رسول الله ﷺ في شأن الصلاة وفضائلها، وما يترتب عليها من الفضائل العظيمة.

стр. 73

واجب الآباء تجاه أبنائهم بعد بلوغهم سن العاشرة إن على الأب أن يعلم الصبي خاصة بعد سن العاشرة أداء السنن الرواتب مع الصلوات المفروضات، فإذا صلى العشاء تتابعه هل صلى السنة البعدية؟ وهل صلى الوتر ولا بأس أن يحرضه على قيام الليل حتى ولو كان جزءاً يسيراً، فمثلاً الأب يقول لأولاده: إنني سأقوم هذه الليلة لصلاة القيام أو التهجد الساعة كذا، فيتركهم هم وحدهم يتنافسون من الذي سيستيقظ دون أن يوقظهم؟ لكن أدخل في برنامجهم أنهم بقيامهم هذا يتقربون إلى الله ، وأنه شيء ليس إلزامياً، يعني: لا تأمرهم بهذا القيام ولا تلزمهم به ولا توقظهم، ولكن قل لهم: سأنظر من منكم سيستيقظ ويشاركني هذه الصلاة، فيتنافسون فيما بينهم من الذي يستيقظ ومن الذي سينام؛ حتى لا يتعودوا على الاعتماد على غيرهم، وإنما يعتمدون على أنفسهم، ولتقوى إرادتهم، ثم إذا صلى بهم القيام يخفف هذه الصلاة، ومن نعس منهم في أثناء الصلاة ففي هذه الحالة يأمره أن ينام رفقاً به، ولا يشدد عليه في الصغر. فإذا قصر الولد في الصلاة بعد سن العاشرة ففي هذه الحالة وجب على الأب وعظه وتذكيره بالنصوص الشرعية في الصلاة، فإذا استمر في تهاونه أغلظ له في القول وعنفه وعزره، بألا يسلم عليه ولا يمازحه، ويحرمه من بعض الأشياء المحببة لديه، ومن العقاب النفسي أن يكشر في وجهه ويعرض عنه ولا يكلمه ولا يرد عليه، فإذا فشل العقاب النفسي يلجأ الأب إلى العقاب البدني بالشروط التي سنبينها إن شاء الله فيما بعد؛ لقوله ﵌ (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين) لكن إذا كان الأب قد قصر في أمر الطفل بالصلاة ولم يأمره بالصلاة لا في السابعة ولا في الثامنة ولا في التاسعة وأهمله، أو مات الأب وما التزم الطفل بالدين، وما أدرك خطورة الأمر إلا بعد أن بلغ العاشرة؛ فهل يطبق عليه الحديث تطبيقاً حرفياً؟ إذا كنت -أيها الأب- قد قصرت في البداءة مع الطفل باللين وبالرفق وتركته وأهملته حتى بلغ العاشرة، ففي هذه الحالة لا تستعمل معه العقاب البدني مباشرة بعد العاشرة، لأنك أنت الذي قصرت ولم تعوده على الصلاة، ففي هذه الحالة تبدأ بالتدرج معه وتعوده عليها من جديد إلى أن ينتظم في أمر الصلاة. إذاً: يعود الطفل على صلاة الجماعة منذ الصغر، والمقصود من ذلك أن ينشأ الطفل على طاعة الله، فأعظم هدية يقدمها الأب لولده أن يكون واحداً من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: شاب نشأ في عبادة الله.

стр. 74

واجب الآباء تعليق قلوب الأبناء بالمساجد وتحبيبها إلى نفوسهم إن على الأب أن يربط قلب ولده بالمسجد؛ وذلك لقول النبي ﵊: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) يعني: إذا خرج من المسجد فكأنه سمكة خرجت من الماء، فهو لا يستريح حتى يرجع إلى المسجد، فينبغي أن نجتهد أن نجعل قلب الطفل يحب المسجد، ولا يستطيع فراق المسجد، فيكون أحب مكان إليه. إذاً: ينبغي على الأب أن يعود ابنه الصغير على صلاة الجماعة منذ الصغر؛ كي يتعلق قلبه بالمساجد؛ لأنه إذا تعلق قلبه بالمسجد فهذا خير عظيم جداً، وإذا جعل مراحل حياته في المسجد فإنه سيتعرف على العلماء، ويتعرف على الصالحين، فيمارس عملياً كثيراً جداً من الآداب الشرعية في الإصغاء إلى مجالس العلم، وبلا شك أن الطفل عنده الحب الشديد في أن يشارك الكبار في أفعالهم. فإذاً: ينبغي أن نستثمر هذا الميل الموجود في الطفل، وهو حبه مشاركة الكبار في أفعالهم، ومن هذا المبدأ تصحبه إلى المسجد؛ كي يشارك الكبار في صلاة الجماعة، لكن قبل أن يأتي إلى المسجد نفهمه آداب المسجد إن كان يستوعب ذلك. كذلك نهيئه قبل حضوره إلى المسجد؛ لأن الطفل إذا دخل المسجد رأى أموراً غريبة غير متعود عليها، كأن يرى أناساً مزدحمين وهو لم ير مثل هذا المنظر من قبل، فالطفل إما ينفجر بالبكاء وإما يكظم ويكتم نفسه، فإذا ما سلم أبوه واتجه إليه ينفجر بالبكاء والصراخ من شدة الوحدة التي عاناها، وهذا خطأ، بل ينبغي أن يحصل نوع من التمهيد لفترة كافية، كأن يصف له المسجد، ولو استطاع أن يريه صور المسجد من الداخل ومن الخارج، ويشرح له كل مكان متعلق بالمسجد؛ حتى يحصل له الإلف بهذا المكان قبل أن يتجه إليه. أيضاً يكثر من ذكر المسجد أمامه، ويصفه بكل جميل، كأن يقول له مثلاً: هذه الحلوى اشتريتها لك من المحل القريب من المسجد، ويشتريها فعلاً من ذلك المكان ولا يكذب عليه، والسواك اشتريته من أمام المسجد وغير ذلك، وإذا مر به بجانب المسجد يقول: انظر إلى هذا المبنى الجميل، هذا هو المسجد، وهو بيت الله ، وأنا سآخذك معي قريباً؛ كي تصلي فيه، فهذا كله تمهيد حتى يقبل على المسجد بشوق وتلهف. أيضاً يهيئ جو المسجد قبل أن يصطحب هذا الطفل، وبعض الناس قد يقول: أتريد من الأب أن يتفق مع الإمام ويقول له: أنا سأصحب ابني إلى المسجد؟! أقول: لا تنظر إلى هؤلاء الأطفال على أنهم لعبة أو قطعة من اللحم والعظم والدم، لا، بل هم المستقبل الذي بإمكانك من الآن أن تصنع بهم مستقبل الأمة، بأن تجعل هؤلاء يخرجون من المساجد ويتعلقون بالمساجد؛ لأنهم في الحقيقة هم المستقبل لهذه الأمة، وهذا ليس كلام إنشاء ولا كلام جرائد، بل هو حقيقة، وقد ذكرت لكم في بداية الكلام أن كل ما تعانيه الأمة من الويلات هو ثمرة من ثمرات التربية المعقدة في الصغر أو التربية الخاطئة، انظر كيف يعذب المسلمون تحت ظل حكم هؤلاء الناس؛ وذلك لأنهم ربوا على الاستسلام، ورضعوا الخيانة والخداع والخديعة من صغرهم؛ فبسبب ذلك ذاقت الأمة هذا الويل. إذاً: أقل حماية للمسلمين أن نجتهد ألا ينشأ أطفالنا مشوهين نفسياً ومشوهين عقدياً، فينبغي ألا تنظر إلى هذا الطفل على أنه شيء هين أو شيء حقير، لا، أعطه الحجم الذي يستحقه، فيتفق الأب مع الإمام ويتفق مع المؤذن ويتفق مع بعض المصلين من الجيران وأبنائهم أن ابني إذا حضر معي فاحتفلوا به ولاطفوه؛ حتى يحس بالأنس، لكن بعض القائمين على المساجد يكونون من كبار السن، ولا يعرفون خطورة هذه الأمور التربوية، فنرى بعضهم إذا حصل خطأ من طفل ينهره بشدة! كيف تجعل عقلك مثل عقل هذا الطفل وتحاسبه على أخطائه كأنه مثلك؟! إن الثمرة التي تحصلها الأمة ويحصلها هؤلاء الأطفال فيما بعد من تعريفهم على الصلاة وتحبيبهم إلى المسجد أعظم بكثير جداً من الإزعاج الذي يسببونه أثناء الصلاة، فإذا وقف الأولاد الصغار في الصف ولم يعرفوا كيف يصلون أو ضحكوا أو خرجوا من الصلاة فينبغي أن يعلموا بلين وبرفق وبلطف، فليس من العدل أن تحاكمه على أنه مثلك؛ لأنك عرفت الحياة وتعلمت وكبرت ونضجت، أما هذا الطفل فليس عنده تجربة ولا علم ولا شيء. فما يحصل من الناس حين يتعاملون مع الأطفال كأنهم كبار هو من الظلم، ويستدلون ببعض الأحاديث الضعيفة في هذا الباب، ولها الأثر الخطير في تشويه نفسية الأطفال تجاه المسجد، ومنها حديث: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) فهذا حديث لم يصح عن النبي ﷺ ، بل هو كذب عليه، ولا يمكن أن الرسول ﷺ يقول مثل هذا؛ لأن الرسول ﵊ (كان يخطب على المنبر فلما رأى ابنه الحسن يتعثر في ثوب أحمر نزل من على المنبر وقبله وضمه إليه، ثم قال: صدق الله: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨]). ومرة صلى ﵊ وارتحله ابنه الحسن أو الحسين وهو ساجد، فأطال الصلاة حتى ظنوا أن الرسول ﵊ حصل له شيء، فظل ساجداً إلى أن شبع الطفل من اللعب ونزل من على ظهره، ثم قال ﵌ بعد أن سلم: (إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله) أي: كرهت أن أستعجل عليه وأقطع عليه اللعب، فهل هذا اشتغال بتوافه الأمور؟ كلا، بل هذا اشتغال بأعظم الأمور، وهي أن يحب هؤلاء الأطفال المسجد؛ لأنهم هم الذين سيشكلون المستقبل فيما بعد لهذه الأمة. ومعلوم من سيرة النبي ﵊ مع ابن عباس وغيره من أبناء الصحابة أنهم كانوا يدخلون المسجد، ويصفون خلف الرجال إذا صح الحديث الوارد في ذلك. إذاً: لا ينبغي أبداً أن نمنع الصبيان المساجد، وصحيح أنها تجنب الأطفال الذين لا يعقلون، فالشاهد من الكلام أنه ينبغي إحاطة هذا الحدث الحساس وهو مجيء الطفل إلى المسجد بكثير من الاعتناء أكثر من أن تتفق مع الإمام في أن يلاطف هذا الطفل، لأن الطفل لما يجد إمام المسجد يناقشه ويبتسم في وجهه أو يعطيه حلوى أو كتاباً مثلاً أو مصحفاً، ويجد المصلين يحتفلون به إذا دخل؛ لا شك أن هذا يجعله يحس بالأنس في هذا المكان، فيطمئن لهذا المسجد ورواده، بخلاف ما إذا طرد من الباب، بل بعض الأطفال يضرب ويطرد من المسجد. ولا أقول: أين أنتم مما يفعل في الكنائس بالنسبة للأطفال وكيف يجتذبونهم إلى داخل الكنائس؟! بل أقول: أين أنتم من سيرة السلف الصالح؟! نحن مطالبون أن نرتفع إلى مستوى الإسلام؛ لأننا متخلفون عن الإسلام لا أقول: عن غيره من المناهج، فالاحتفاء والاهتمام بالطفل من شأنه أن يوقع في نفسه تعظيم أمر الصلاة، ويشعر في نفسه أن الصلاة شيء مهم جداً في حياته. قال العلماء: لو كان الإمام معروفاً بإطالة الصلاة بطريقة تخالف السنة فينبه الإمام قبل أن يؤتى بالصبي بأن يخفف الصلاة. كذلك على الأب إذا دخل ابنه الصغير المسجد أن يربطه بحلق تحفيظ القرآن وتجويده التي تعقد في المسجد، بالتعاون مع إمام المسجد. إن على الأب أن يقوي صلة ولده بالمسجد وأهل المسجد، وأن يرفه عليه عن طريق ممارسة أنشطة نافعة ومسلية للأطفال ومتنوعة، فيها نوع من اللهو المباح وغير ذلك بين الأطفال، حتى تتسع وتترسخ علاقته، وتتكون رابطته بالمسجد وبأقرانه من الأطفال. أيضاً: على الأب أن يذكر أمام الطفل الصغير صلاة الجمعة وأهمية صلاة الجمعة وآدابها وبعض أحكامها؛ لأن هذا اليوم يوم عيد للمسلمين، وضرورة احترامه وتوقيره، لكن لا يحمله ما لا يطيق من أمر صلاة الجمعة، وخاصة بين السابعة والعاشرة؛ لأن الطفل قد لا يستطيع أن يبقى مدة طويلة في الخطبة محافظاً على طهارته، قد ينقض وضوءه، وطول الخطبة قد يضجره، فلا يحمله ما لا يطيق من أمر صلاة الجمعة للأسباب التي ذكرنا. روي (أن أبا هريرة ﵁ دخل مرة المسجد يوم الجمعة فوجد غلاماً، فقال له: يا غلام! اذهب العب، فقال: إنما جئت إلى المسجد، قال: فتقعد حتى يخرج الإمام؟ قال: نعم. فتركه). إذاً: على الأب ألا يكلف الصبي الصغير بصلاة الجمعة دون سن العاشرة بل يرغبه فقط بالصلاة، فإن أقبل عليها وإلا تركه وشأنه حتى يبلغ العاشرة أو قبلها بقليل، ثم يبدأ معه بالإلزام. أيضاً قال العلماء: إن الأب ينبغي له أن يتحرى اختيار الخطيب؛ لأن الخطيب بمسلكه وبخطبته عميق التأثير في أخلاق الأولاد، خاصة إذا كان هؤلاء الأولاد يفهمون الخطبة ويعقلونها، وإذا كان الأطفال يعقلون ويفهمون فينبغي أن يسألهم الأب بعد الخطبة عن موضوع الخطبة، وما الذي تتذكره من عناصرها، وما الفوائد التي تستخلصها من هذه الخطبة، وقبل أن يدخلوا إلى صلاة الجمعة يحثهم على الإنصات، ويقول لهم: إنني سوف أسألكم عن مضمون الخطبة بعد الصلاة؛ لأنه بهذا يستدعي تركيزهم وانتباههم أثناء الخطبة. هذا -باختصار- بعض التوجيهات المتعلقة بتحبيب الأطفال في أمر الصلاة، وكما ذكرنا فإن الأطفال ينبغي أن ننظر إليهم على أنهم مستقبل الأمة الذي يتمثل في أبنائنا أفلاذ أكبادنا. وكما ينبغي للأمة أن تعد لأعدائها ما استطاعت من قوة من الأسلحة للحرب فكذلك تعد الأطفال للمستقبل. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح وصناعة الأبطال علم قد دراه أولو الصلاح من لم يلقن أصله من أهله فقد النجاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح أي: الذي يخون ربه في الصلاة فسيخون أمته كلها إذا بعثته إلى الجهاد؛ كي يحميها ويذود عنها. هذا فيما يتعلق بالترغيب للأطفال بالصلاة ومحافظتهم على الصلاة في ضوء قول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر).

стр. 75

قصص من ثمرة تربية الأولاد بعض القصص والمواقف نسردها عليكم وهي تعكس مدى اهتمام السلف الصالح بكيفية تربية الأولاد، وكيف كان يربى أولاد الصحابة وثمرة ذلك، منها: ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: (وقف غلام عن يميني يسألني في غزوة بدر فقال: يا عم! دلني على أبي جهل؟ -انظر كيف تربى هذا الولد على عداوة أعداء الله- فقلت له: وما لك يا بني من أبي جهل؟! فقال: والله إن رأيته لن أفلته، لقد كان يؤذي رسول الله ﷺ ، فإذا غلام آخر عن يساري، فسألني مثل الأول، ثم تحتدم المعركة ويشتد بأسها فيلتفت عبد الرحمن إلى الغلامين فقال لهما: ذاك الذي تبغيان، ذاك أبو جهل، فينطلقان مسرعين كل منهما يريد أن ينال شرف السبق في طعن عدو الله ورسوله ﷺ ، فيضربانه ضربة قوية فيسقط أبو جهل فرعون هذه الأمة على الأرض، فيتسابقان بزف البشارة إلى رسول الله ﷺ ، ويقول: كل واحد منهما: أنا الذي قتلته يا رسول الله، فيقول لهم النبي ﵊: أرياني سيوفكما، فيرى عليهما آثار الدماء، فقال لهما: كلاكما قتله) فهذا ثمرة التربية على التوحيد، وعلى الولاء لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله ﵎. وهذه قصة إحدى المدرسات كانت تأمر الطلاب الصغار بأن ينشدوا: بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي فكان بين الطلاب صبي صغير رفض أن ينشد، فقالت له: لماذا لا تنشد مع الأطفال؟ قال: أنا حبي وفؤادي لله، بمنتهى العزة هذا الطفل الصغير يفهم أن حبه وفؤاده لله ﵎! أيضاً من هذه الوقائع: أنه مر الحارث المحاسبي وهو صبي بصبيان يلعبون على باب رجل تمار يبيع التمر، فوقف الحارث ينظر إلى لعبهم، وخرج صاحب التمر ومعه تمرات فقال للحارث: كل هذه التمرات، فقال الحارث: من أين أتيت بالتمرات؟ قال: إني بعت الساعة تمراً من رجل فسقطت هذه التمرات منه، فخذها أنت كلها، فقال الحارث له: أتعرفه؟ قال: نعم، فالتفت الحارث إلى إخوانه الصبيان الذين كانوا يلعبون فقال لهم: أهذا الشيخ مسلم؟! قالوا: نعم، فتركه، فتبعه التمار حتى قبض عليه وقال له: والله ما تنفلت من يدي حتى تقول لي ما في نفسك مني، فقال: يا شيخ! إن كنت مسلماً فاطلب صاحب التمرات حتى تتخلص من تبعته، كما تطلب الماء إذا كنت عطشان، يا شيخ! تطعم أولاد المسلمين السحت وأنت مسلم؟! فقال الشيخ: والله لا اتجرت للدنيا أبداً. فهذه لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة التربية الصحيحة التي أخرجت مثل هذه النماذج. قال ابن غفر المكي: بلغني أن أبا سليمان داود بن نصير الطائي ﵀ لما بلغ من العمر خمس سنوات أسلمه أبوه إلى المؤدب، فابتدأ بتلقين القرآن، وكان لقناً -يعني: كان يحفظ بسرعة- فلما تعلم سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١] وحفظها رأته أمه يوم الجمعة وجهه مقبلاً على الحائط يشير متفكراً بيديه، فخافت أمه على عقله فنادته: قم يا داود فالعب مع الصبيان، فلم يجبها، فضمته إليها وقالت: يا ويلاه، فقال: مالك يا أماه؟! أبك بأس؟ قالت: أين أنت؟ قال: مع عباد الله قالت: أين هم؟ قال: في الجنة، قالت: ما يصنعون؟ قال: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٣]، ثم مر في تلاوة السورة وهو شاخص كأنه يتأمل شيئاً حتى تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]، ثم قال: يا أماه ما كان سعيهم؟ فلم تدر ما تجيبه، فقال لها: قومي عني حتى أتنزه عندهم ساعة، فقامت عنه، فأرسلت إلى أبيه، فأعلمته شأن ولده، فقال له أبوه: يا داود! كان سعيهم أن قالوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، فكان يقولها في أكثر أوقاته حتى يكون ممن سعى هذا السعي المشكور. ومن ذلك ما حكاه ابن غفر المكي أن أبا يزيد طيفور بن عيسى البسطامي لما بدأ يحفظ سورة المزمل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]، قال لأبيه: يا أبت من الذي يقول الله تعالى له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]؟ قال: يا بني! ذلك النبي محمد ﷺ ، قال: يا أبت مالك لا تصنع كما صنع رسول الله ﷺ ؟! فقال: يا بني! إن قيام الليل خصص به ﷺ دون أمته، فسكت عنه، واستمر في حفظ السورة فوصل إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل:٢٠]، فالولد تأمل قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل:٢٠]، وأبوه قال له: إنها خاصة بالرسول ﵊ دون سائر الأمة، فقال: يا أبت! إني أسمع أن طائفة كانوا يقومون الليل مع النبي ﷺ فمن هذه الطائفة؟ قال: يا بني! أولئك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، قال: يا أبت! فأي خير في ترك ما عمله النبي ﷺ وأصحابه؟! فقال: صدقت يا بني. يعني: أقام عليه الحجة أن قيام الليل ليس خاصاً بالرسول ﵊ وإنما خص بالوجوب لكن الاستحباب للأمة كلها، فكان أبوه بعد ذلك يقوم من الليل ويصلي، فاستيقظ أبو يزيد في ليلة فإذا أبوه يصلي فقال: يا أبت! علمني كيف أتطهر وأصلي معك؟ فقال أبوه: يا بني! ارقد فإنك صغير بعد، قال: يا أبت إذا كان يوم ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦] أقول لربي: إني قلت لأبي: علمني كيف أتطهر لأصلي معك، فأبى وقال لي: ارقد فإنك صغير بعد، أتحب هذا؟ أتحب أن أشكوك إلى الله؟ فقال له أبوه: لا والله يا بني ما أحب هذا، وعلمه فكان يصلي معه!

стр. 76

اهتمام الكفار بأولادهم إن الحديث عن أبناء المسلمين والاهتمام بهم حديث طويل جداً؛ لأن هذا الأمر من الخطورة بمكان، وللأسف الشديد أني مضطر بأن أذكر ببعض الأمثلة من غير المسلمين، فالكفار عندهم مناهج وطرائق معينة، فهم يفتشون في المدارس على الأطفال النوابغ النبيهين والمتفوقين والعباقرة، ثم يستخلصونهم ويعزلونهم في مدارس خاصة بهم، ويوجهونهم بتوجيهات تربوية ومناهج دقيقة جداً، ويسمونها مدارس إعداد القادة من الطفولة، فيكون هذا الطفل الذكي مع أطفال من نفس المستوى من الذكاء؛ حتى تنمو قدراته، لكن إذا وجد ولد عبقري في وسط أطفال دونه في الذكاء، فالنتيجة أن تفاهمه معهم وتعامله معهم يكون فيه صعوبة، بحيث يصعب عليه أن يتكيف معهم أو يتعامل معهم، فهو يريد أن يتعايش مع من حوله، فيضطر أن ينزل إلى مستواهم؛ حتى يحصل بينه وبينهم نوع من القناعة في الوسط الذهني أو الفكري الذي هو فيه، فبالتالي لا يترقى، لكن إذا وجد وسط الأذكياء نما نمواً سريعاً، وتقطف أمته فيما بعد ثمرة هذه التربية الموجهة في مدارس إعداد القادة الموجودة في تلك البلاد، فهم احترموا الأسباب والله لا يحرمهم من ثمرة هذا العمل في الدنيا.

стр. 77

مبدأ الثواب والعقاب للأطفال في أمر الصلاة وغيرها ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: كيفية العقاب البدني للأطفال عموماً، وفي أمر الصلاة خصوصاً، الإنسان الكبير الناضج الذي عنده خبرة وعلم وتجربة ومعرفة كبيرة بالأمور، وعنده ميزان دقيق لها، يستطيع أن يحدد متى يقدم، ومتى يحزم، ولماذا يفعل هذا، ولماذا يجتنب هذا، بينما الطفل ليس عنده من الخبرة أو العلم والنضج ما يكفيه إلى أن يندفع ذاتياً للعمل، فبالتالي يحتاج إلى دوافع تدفعه من حوله، وهي مبدأ الثواب إن أحسن والعقاب إذا أساء؛ لأن هذه طبيعة الإنسان، وهذه من محاسن الإسلام التي سبق بها كل الأمم. فمبدأ الترغيب والترهيب من أفضل أساليب التعليم والتربية والتوجيه السلوكي؛ وذلك لأن الإنسان مركب فيه الخير والشر، فينبغي مقابلة جانب الخير في الإنسان بتنميته، وأيضاً مقابلة جانب الشر فيه بتحجيمه وإزالته، بلا إفراط ولا تفريط، وإنما بتوازن واعتدال. فمبدأ الثواب على فعل الخير يقوده إلى تثبيت السلوك السوي وتقويمه، وأيضاً يشجع السلوك الإلزامي عند الأطفال، بأن يكافأ الأطفال مقابل تصرفاتهم الحسنة بالقبول والاستحسان، خاصة في السن المبكرة، فهذا يزرع الثقة في نفوسهم، والطفل يحب أن يمدح إذا عمل شيئاً طيباً، خاصة إذا كان هذا الشكر أمام زملائه، وخاصة إذا عرف أو أعلن السبب الذي شكر لأجله أو كوفئ من أجله، فإذا أردت مزيداً من النجاح أو الإنجاز في جانب من الجوانب الحسنة فلا بد من الشكر والثناء والاستحسان أو الهدية، أما إذا اقتصر الإنسان على العقاب، فإنه يؤدي إلى الخمول وضعف الإرادة وتثبيط الهمة.

стр. 78

مراتب ما قبل اللجوء إلى العقاب البدني للأطفال هناك مبدأ مهم جداً وهو أن العقاب لا يلجأ إليه إلا إذا فشلت أساليب الترهيب والترغيب، وينبغي أيضاً أن يلاحظ في موضوع العقاب أن الأطفال يتفاوتون، ليس كل الأطفال على قالب واحد، وإنما يتفاوتون، فمنهم من ترهبه الإشارة، ومجرد التلميح بالعقاب يكفي في زجره عن الشيء الخطأ، ومنهم ما لا يردعه إلا الجهر الصريح. كذلك ينبغي غرس شعور الطفل بالثقة بالنفس والاعتزاز بالنفس والحفاظ على كرامته بقدر المستطاع، فالأصل هو عدم اللجوء إلى الضرب أو إلى العقاب إلا عند الضرورة كما سنبين إن شاء الله تعالى، فلا يجعل الإنسان أول شيء يفعله هو عقوبة الطفل وإهانته وإهدار كرامته، لا؛ لأنه إذا أهدرت كرامته فقد الثقة بنفسه. يقول النبي ﵌ في حديث ما معناه: (علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه أدب لهم) وليس تعليق السوط شرطاً، بل لك أن تعلق عصاً أو أي شيء خاص بالضرب، فيعلق أمام الأطفال كنوع من الإرهاب مع الاعتدال، فهذا أسلوب تربوي حسن في تخويف الأطفال من الوقوع في الخطأ، فأنت تعلق العصا لكن لا تستعملها؛ لأن الأطفال مجرد أن يروا العصا أمامهم معلقة فهذا يردعهم عن الخطأ، لكن لو ضربت بها مرة فستهون عليه مسألة الضرب، فإذا عودته على الضرب زال خوفه منه. ومع تعليق السوط يذكره بالله ؛ لأن هذه العقوبة لا تستخدم إلا بنوع من التدرج وبضوابط مهمة جداً؛ كي لا تأتي بآثار سلبية، فالأصل أن الإنسان في البداية إذا وجد الطفل يخطئ كأن ينام عن صلاة الفجر أو يؤخر الصلاة أو يقصر في شيء معين أن يتجاهل خطأه في البداية، ولا يوجه توجيهاً مباشراً، لكن يشير إليه إشارة حسنة، كأن يأتي التوجيه في وسط كلام مع غيره، ويذكر الخطأ الذي ارتكبه دون إعلامه برؤيته. والطفل يحتاج للترغيب والترهيب؛ لأنه ليس عنده المثل الكافي الذي يدفعه إلى أن يفعل أو لا يفعل، فيحتاج إلى هذه الأشياء حتى تدعم توجيهه، فإذا كان هناك خطأ وقع فيه وهو لا يدري متفهمه أن هذا خطأ، وتعطيه فرصة لمراجعة سلوكه وتصحيح خطئه، لكن لا يذكر الكلام على سبيل التعريض به، فتقول مثلاً: هناك واحد اليوم نام عن صلاة الفجر، فتذكر خطأه بطريقة غير مباشرة تماماً، والمهم أن يصل الكلام إليه بالطريقة غير المباشرة بدون مواجهة وبدون تصريح، فضلاً عن أن يكون هناك أي نوع من الإهانة، لكن إذا لفت نظره إلى الخطأ بطريقة مباشرة وبعنف وبشدة فقد يحصل أنه يتجرأ عليه، ويصر على ارتكاب هذا الخطأ. إن الخطوة الأولى: أن يتجاهل الخطأ في البداية مع حسن الإشارة والتوضيح دون المواجهة والتصريح، وذلك بأن يعطيه الفرصة لمراجعة سلوكه وتصحيح خطئه. الخطوة الثانية: إذا أصر على الخطأ أو واقعه وتكرر منه ففي هذه الحالة له أن يعاقبه سراً، لكن بعد الخطوة الأولى الماضية، وذلك بأن يصرح بالنصيحة له، ثم يشتمه ويوبخه، لكن ليس أمام أحد، بل سراً، ويصارحه ويقول له: أنت فعلت خطأ كذا أو ضيعت الصلاة أو نمت عن الصلاة، يعني: له أن يوبخه ويعبس في وجهه، وممكن أن يستعمل معه نوعاً من العقوبة البدنية الخفيفة، كأن يفرك أذنه بشدة؟ إن على المربي ألا يكثر من العقوبة البدنية؛ لأنها إذا كثرت لن تكون لها أي قيمة، كذلك لا يكرر التوبيخ؛ لأن التوبيخ إذا كرر يهتك حجاب الهيبة، فلن يهاب ولن يخاف؛ لأنه جرب كثرة التوبيخ مما يجعله يتعود على أن يهتك حجاب هيبة المربي، فيهون عليه أن يسمع التوبيخ والملامة وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام في قلبه؛ وبهذا تفقد هذه الطريقة فاعليتها. كذلك الأم لها دور مهم جداً في تخويف الطفل بأبيه، على الأم أن تجعل الأب في صورته الواجبة، وأنه ولي البيت وهو الراعي وهو الذي سيعاقبك. فالأم تخوف الابن بأبيه كأن تقول: لو أتى أبوك سأقول له: إنك لا تريد أن تقوم إلى الصلاة مثلاً، أو أنك تؤخر الصلاة. فإذا استمر الطفل على الخطأ رغم التدرج في الخطوتين السابقتين، في هذه الحالة يحتاج الطفل إلى طريقة أشد في العقوبة: وهي عقابه ولومه جهراً أمام أسرته ورفاقه؛ لأننا هنا نستغل حرص الطفل دائماً على أن يبقى أمام إخوانه وأخواته أو أصدقائه محافظاً على مكانته، فنستغل هذا الشعور الذي هو خوفه على مكانته بين أقرانه في تعديل سلوكه، فإذا عنفته ووبخته أمام إخوانه حينئذ فلا بأس كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] ففي هذا زجر لباقي الأولاد، بحيث لو أخل واحد منهم بالصلاة فإنه سيتعرض لهذا التوبيخ كما تعرض هذا الصبي. إذاً: يعاقب ويواجه جهراً أمام الأسرة أو أمام رفاقه، لكن يشترط أن يكون التعنيف بدون شتم أو تحقير للذات؛ لأن هذا الكلام فيه تحطيم له، وثمرته مريرة جداً، حيث تجعله يشعر بالدونية وبعقدة النقص، لكن ينبغي أن يعاقب ويوبخ بالأساليب المنضبطة؛ حتى لا تفقده ثقته بنفسه. أيضاً معاقبته أمام الأسرة أو أمام أصدقائه ينبغي ألا يكرر؛ حتى لا تفقد العقوبة قيمتها؛ لأنه إذا وبخ سيشعر بالتألم الذي هو الشعور بالذنب، ويشعر أن التوبيخ يحدث له نوع من الضيق، وليس هذا فحسب بل سيكره مصدر هذا التوبيخ، فيكره أبيه أو المعلم. فالعقوبة الصارمة تؤدي إلى كراهية المعاقب، وبالتالي تزرع فيه الشعور بالنقص والخوف، والمرحلة الثالثة بعد تأنيب الضمير أو الشعور بالذنب وبعد التضايق وكراهية المعاقب؛ لن يبالي بعد ذلك بالتوبيخ ولا بالضرب؛ لأنه تعود على سماع الشتائم أو تعود على الضرب، فأصبح لا يؤثر فيه بعد ذلك.

стр. 79

العقوبات الحسية البدنية للأطفال وشروط اللجوء إليها العقوبات الحسية درجات، وأخف عقوبة يبدأ بها شد الأذن بطريقة خفيفة، كما يروى عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: (بعثتني أمي إلى رسول الله ﷺ بقطف من عنب، فأكلت منه قبل أن أبلغه إياه، فلما جئت أخذ بأذني وقال: يا غدر يا غدر) يعني: ظهر له أنه أكل منه في الطريق، والحديث رواه ابن السني. الشاهد أن هذا فيه دليل على أن يفرك أذنه كعتاب خفيف على الخطأ، أما الضرب للتأديب فهو كالملح للطعام، فالملح إذا وضعته في الطعام بكمية كبيرة فسد الطعام، لكن لو وضعت ملحاً بكمية قليلة فإنه يصلح الطعام، فنفس الشيء الضرب، فالضرب لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد جميع وسائل التأديب السابقة، أما أنك تتجه مباشرة إلى العقاب البدني فهذا خطأ فادح. لقد تكلم علماء المسلمين على موضوع الضرب وإباحة الضرب، وأحاطوه بشروط بالغة في الدقة؛ لأنه إذا لم تراع هذه الشروط خرج الضرب عن موضعه التربوي، فما هي شروط هذا الضرب؟ أولاً: ينبغي أن يعلم أنه ليس من أهداف الضرب تشويه الطفل، ولا الهدف منه إهانة كرامته، ولا التحقير من شأنه، وإنما هو وسيلة بناءة لا هدامة، هدفها الإصلاح وليس الإفساد، فمتى ما عادت هذه الوسيلة هدامة أو ترتب عليها فساد فقدت قيمتها ولا يلجأ إليها، فهذا أمر مهم. فالضرب هو ضرورة تربوية يلجأ إليها عند الاضطرار بعد استنفاد كل الوسائل السابقة، والفشل في العلاج عن طريقها. ثانياً: الضرب ضرورة تأديبية وليست انتقامية، وهذا خطأ شديد جداً نراه من بعض الآباء قساة القلوب، نرى الأب أو الأم يضرب للانتقام لا للتربية، وهذا انحراف عن نهج الرسول ﵊، والرسول ﷺ قال: (اضربوهم عليها لعشر)؛ لأن الضرب وسيلة لإصلاح الطفل، ووسيلة اضطرارية وليست وسيلة انتقامية، فلا يجوز أن يفرغ الأب أو الأم شحنة الغضب والانفعال والغيظ في صدره عن طريق الضرب؛ لأن هذا الأب الذي يضرب مثل هذا الضرب المبرح القاسي ليشفي غليله وغيظه لا يضربه بنية أنه يعالجه، بل يضربه بحثاً عن راحة نفسه، ففي هذه الحالة لا يجوز الضرب؛ لأن هذا ليس من العدل، وقد قال النبي ﷺ للرجل الذي استوصاه: (لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب، قال: أوصني قال: لا تغضب) فكرر عليه هذه النصيحة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 80

لماذا نصلي؟ [٦] الصلاة أعظم الأركان بعد الشهادتين، وهي قرة عيون الموحدين، وأم العبادات، وأجل القربات، ومرآة عمل المسلم، وميزان تعظيم الدين في قلب المؤمن، وهي دعامة جميع الشرائع السماوية، وشعار دار السلام، وهي شهادة بالإيمان، وبراءة من النفاق، وهي سبيل المؤمنين، وشعار حزب الله المفلحين، وأوليائه المرحومين، وهي زلفى وقربى إلى رب العالمين.

стр. 81

الصلاة مجلبة للرزق الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فنستأنف بإذن الله تعالى ما كنا بصدده من ذكر خصائص الصلاة وفضائلها، وقد ذكرنا أن الصلاة أعظم الأركان بعد الشهادتين، وأنها أهم أمور الدين، وأنها توءم الفرائض والأركان، وأنها أم العبادات، وأنها أمر الله ﵎، وأنها الوصية الأخيرة لرسول الله ﷺ ، وأنها مرآة عمل المسلم وميزان تعظيم الدين في قلب المؤمن، وأنها دعامة جميع الشرائع السماوية، وأنها شعار دار الإسلام، وأنها إيمان، وأنها براءة من النفاق، وأنها سبيل المؤمنين وشعار حزب الله المفلحين، وأوليائه المرحومين، وأنها القاسم المشترك بين عبودية الكائنات، وأنها خير موضوع، وأنها زلفى وقربى إلى الله ، وأنها مدرسة خلقية، وأنها راحة وسعادة وقرة عين، وأنها نور وبرهان ووضاءة، وأنها من سنن الهدى، وأنها منحة ربانية، وأنها شكر لنعم الله تعالى، وأنها إغاظة للكافرين ومراغمة لأعداء الدين، وأنها تحرير للبشرية، وأنها ناهية عن المنكرات وعاصمة من الشهوات، وأنها كفارة للسيئات وماحية للخطيئات، وأنها ملجأ المؤمن في الكربات، وانتهينا إلى بيان أن الصلاة حفظ وحماية للمصلي. أيضاً من خصائص وفضائل الصلاة: أنها مجلبة للرزق، لقد أوجب الله الصلوات الخمس على المؤمنين، فقال ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ومن رحمته بعباده أنه خففها من خمسين صلاة في اليوم والليلة إلى خمس صلوات. ولو بقي الأمر على ما كان عليه، وفرض علينا في اليوم والليلة خمسين صلاة، لكان حتماً واجباً علينا أن نحافظ عليها، وإلا حق علينا الوعيد الإلهي، فمن رحمة الله ﵎ أنه خففها من خمسين صلاة في اليوم والليلة إلى خمس صلوات، كما أمرنا بالمداومة على إقامتها في أوقاتها، قال تعالى: ﴿والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣]، وليس المراد من المداومة استغراق الليل والنهار بها، ولكن المطلوب فقط هو أداؤها في أوقاتها؛ كي يستطيع الإنسان أداء الواجبات الأخرى كتحصيل معاشه ونحو ذلك.

стр. 82

إعطاء كل ذي حق حقه قال النبي ﵌: (إن لجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، صم وأفطر، وصل وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه) رواه البخاري. هذا الحديث هو ميزان ومقياس الوسطية التي امتاز بها الإسلام، لم يشأ النبي ﷺ أن يستطرد ويقول: وإن لوالديك عليك حقاً، وإن لإخوانك عليك حقاً، وإن لكذا عليك حقاً، لكن بعدما ذكر هذه النماذج من أصحاب الحقوق، ختمها بذلك القول الجامع: (فأعط كل ذي حق حقه). نتوقف قليلاً عند هذا الحديث؛ لأنه يمس موضوعاً مهماً جداً نبينه إن شاء الله تعالى، هذا الحديث كما ذكرنا يعطي كل مؤمن ميزاناً ليزن به الأمور، والنبي ﷺ يقول: (احرص على ما ينفعك) فالإنسان ليس له وظيفة واحدة، بل له وظائف متعددة، ودوائر الالتزام بالحقوق والواجبات لديه متعددة، فالإنسان المتوازن لا يميل كل الميل إلى وظيفة، ثم يهدر باقي الوظائف، فالطالب مثلاً: وظيفته أنه طالب، يحضر المدرسة، ويذاكر دروسه، هذه وظيفته كطالب، لكن في نفس الوقت هناك واجبات أخرى متنوعة في حقه كابن تجاه والديه وأقاربه وأرحامه، وقبل ذلك كله عليه واجبات تجاه ربه كعبد، والأب مثلاً: عليه واجبات تجاه أولاده كأب، وهو كزوج عليه واجبات تجاه زوجته وتجاه أهله، وواجبات تجاه صلة رحمه وأقاربه، وكعبد لله عليه واجبات تجاه ربه ، أيضاً مجال النوافل مفتوح للمتقرب لله ، كذلك إذا أتاه الضيوف عليه واجبات تجاههم، وهكذا، فلكل طرف من هذه الأطراف التزامات على الإنسان، لكل منهم حق نفسه لها حق.

стр. 83

طلب العلم الشرعي لا يعارض الدراسة المنهجية لتحصيل الوظيفة والعمل بعض الإخوة عندهم نوع من الخلل في مفهوم التوازن والوسطية، ويظنون أنهم ينجزون شيئاً عظيماً، فبعضهم يقول: أنا لا أستطيع إيجاد التوازن بين الدراسة وبين تعلم العلوم الشرعية أو حضور دروس العلم، فتجد الواحد من هؤلاء إما أن ينقطع تماماً إلى العلوم الشرعية ولو أخل بكل الواجبات الأخرى، وإما أن ينغمس تماماً في الدنيا ويخل بطلب العلم ونحو ذلك، وهذا السؤال ليس له محل من البداية أصلاً؛ لأن هذا السؤال لا نحتاجه إلا عند حصول التعارض بين واجب وواجب آخر، فعند التعارض نحتاج إلى الترجيح، لكن متى ما أمكن الجمع فيجب أن نجمع بين الواجبات، والأصل أن المسلم بحكم كينونته عبداً مسلماً طائعاً لله ، ومنفذاً لشريعته على نفسه ومن يليه؛ تتعدد وظائفه، ولا يصح أن يقول: أنا أقوم بواجبي كأب ويضيع واجبه كابن، فينشغل بحقوق أولاده عن بر والديه، أو العكس ينشغل ببر والديه ويضيع تماماً حقوق زوجته وأولاده، وهكذا. أنا أتعجب لماذا دائماً نفترض التعارض بين الواجبات، في حين أن الحديث يحسم هذه القضية تماماً: (فأعط كل ذي حق حقه)؟! كذلك هناك من الناس من ينشغل بالرزق وتحصيل الرزق ويخدع نفسه ويقول: العمل عبادة، ويريد بهذا القول ألا يصلي مع الجماعة، وكأن الصلاة ليست عبادة، والعمل هو العبادة. هذا المفهوم في غاية الخطورة، وهو ناشئ عن التصور القاصر في العلاقة بين الأمور. أما بالنسبة للإخوة الطلبة الذين لا يريدون أن يتحملوا المسئولية، ويريدون أن يكون كل شيء على هواهم، فإذا كانت الدراسة لا يستسيغها ولا يحبها، فتراه يستتر خلف القراءة في كتب الدين، حتى إذا ما انتهت الامتحانات التي كان يهرب منها، فلا يقرأ في دين ولا يقرأ في دنيا ولا يعمل أي شيء، فهو ينكشف مع الوقت أنه كان يهرب، فالهروب لا يحل المشكلة، بل ستظل ماثلة أمامه، فالإنسان يكون صريحاً مع نفسه. نقول: إن فترة الطلب سواء في جامعة أو في مدرسة من أخطر فترات حياة الطالب ويستطيع أن يغتنمها في تحصيل أمور كثيرة جداً؛ لأنه بعد ذلك في الغالب ينشغل، ويكون الأمر بعد التخرج أصعب، وتكون مشاغل الحياة أكثر، خاصة إذا تزوج ورزق أولاداً، فالهموم تزداد، وقدراته على التحصيل في الغالب تقل، إلا من يسر الله عليه. فالشاهد أن فترة الدراسة فترة مثمرة جداً، ولو أحسن المرء استخدامها يكون النجاح إلى حد كبير، ويستطيع أن يجمع بين كثير من الأمور الخيرية. لكن هناك نقطة مهمة جداً وهي أن الإخوة الطلبة يقولون: كيف نترك الدراسة الدينية ونذاكر الكلام الفارغ، نقول: إن حكم الدين، أن الابن إذا بلغ النكاح، وصار مكلفاً، فعليه أن ينفق على نفسه، لكن بما أن ظروف الحياة حالياً انتهت إلى أن فترة الطفولة الاقتصادية قد طالت؛ وذلك لأن الوظائف الآن لا تنال إلا بشهادات في الغالب، والطالب يظل يتلقن هذه العلوم إلى حد فترة بعيدة قد تمتد أكثر من أربع وعشرين أو خمس وعشرين سنة. ونحن نلاحظ أن الأب في بلادنا الإسلامية هو الذي يتحمل نفقة ابنه ليفرغه لطلب العلم، فما على الابن إلا أن يشتغل بدراسته، وأن يحفظ دروسه ويذاكر؛ لأن هذا عمله ووظيفته، ولأجل تفريغه لهذه الوظيفة يتكفل والده بالنفقة عليه، فيفرغه لمصلحه الدراسة. إذاً: على الإنسان أن يكون واضحاً مع نفسه، وألا يهرب من الدراسة ويقول: أنا سأقرأ كتباً دينية؛ لأنه مهما كان إقبالك على طلب العلم الشرعي فلا بد في النهاية أن تكون لك وظيفة تشتغلها، وإلا هل سيبقى المتدينون من العاطلين عن العمل أو سيرتزقون من وراء الدين؟! لو كان الأمر هكذا فليدخل كلية أزهرية من البداية، ويسلك المسلك الطبيعي الذي يؤدي به إلى أن يطلب العلم، وفي نفس الوقت تكون له وظيفة، لكن معظم الناس ليسوا كذلك. إذاً: وظيفة الطالب الأساسية هي الدراسة والمذاكرة، فالدراسة ليس لها حل إلا أن ينهيها ويكملها، قال الفقهاء: من شرع في فرض كفاية لزمه أن يتمه. خلاصة الكلام: ترك الدراسة والبحث عن عمل بدون شهادة فيه مشقة شديدة، والتعرض للفتن يكون أكبر في الغالب؛ لأنك ستكون محكوماً، وستواجه صعوبة في التعامل معك، والعمل في القطاع الخاص يكون الوقت فيه أوسع، وبالتالي ينهك أكثر، ويحرم من دروس العلم، ويحرم من طلب العلم، فلو جاء يقارن بين من يشتغل وبين من يدرس، يجد أنه في فترة الدراسة يكون في سن الشباب، ويبذل للدعوة ويجتهد في الدعوة إلى الله بحرية، وفي نفس الوقت إذا قارن الشغل الذهني الذي يستخدمه في المذاكرة يجده أخف بكثير من الشغل المفروض، فلو قطع علاقته بالمذاكرة والدراسة وذهب ليشتغل ففي الغالب يكون شغله شاقاً، وأنتم تعرفون ظروف البطالة والأوضاع التي نحن فيها، ففي هذه الحالة نلاحظ أن الآباء يتعذبون مع أولادهم عذاباً شديداً، تجد الأب كل رغبته أن يضحي ويبذل من أجل أن يكمل ولده الدراسة، وهو لا يريد من ابنه شيئاً، بينما تجد الابن ينفر من تحمل مسئوليته وهي الدراسة والمذاكرة! فأقول للذي يهرب من المذاكرة ويترك الدراسة ويذهب ليعمل: عليك أن تراجع نفسك، وأن تكون صريحاً معها؛ لأن بعض الناس يغتنم فترة الدراسة، فتجد أن أباه يبعث له نقوداً من أجل الدراسة، وهو مع ذلك لا ينفق هذه النقود على كتب الدراسة، بل ينفقها لشراء كتب دينية، فأقول: أنت مؤتمن على هذا المال، وأبوك إنما بذله لكي تتفرغ لدراستك وتشتري كتبك وهذه الأشياء، فلا يجوز لك أن تخدعه ولا تأتي بالكتب الدراسية؛ لأنها كتب علوم دنيوية. أنا لا أنفر من العلوم الشرعية؛ لأنها أشرف العلوم على الإطلاق، لكن أقول: إن فترة الدراسة أفضل فرصة يحصل فيها الإنسان العلم الشرعي، ويجتهد في العبادة، ولا تعارض على الإطلاق بينها وبين العلوم الدنيوية، فلماذا دائماً نفترض التعارض؟ والرسول ﵊ يقول: (إن لجسدك عليك حقاً) يعني: عليك أن تحافظ على صحتك؛ لأنك مطالب بحماية صحتك والاعتناء بها. ثم يقول ﵊: (ولربك عليك حقاً, ولضيفك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً, صم وأفطر، وصل وائت أهلك، فأعط كل ذي حق حقه). فخلاصة الكلام: إن ظاهرة الهروب من الدراسة تكثر أيام الامتحانات، فترى الواحد يراجع نفسه ويقول: هل أدرس أم لا أدرس؟ ونقول: إن أيام الامتحانات أسبوع أو أسبوعان ثم تأتي إجازة طويلة عريضة، فما عليه لو توقف عن قراءة العلم الشرعي الآن وبعد أسبوعين أو ثلاثة يرجع إلى قراءة الكتب الدينية، ويرينا همته الحقيقية؟! على الطالب أن يستغل النعمة العظيمة التي هي نعمة الصحة والفراغ، يقول ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) فإذا جمع الله لك النعمتين فاستغلهما كما ينبغي. هذا تنبيه لزم التنويه عليه؛ نظراً لما يدور في أذهان كثير من الناس، ترى الواحد منهم لا يريد أن يعمل ولا يريد أن يذاكر، ولا يريد أن يدخل الامتحان بحجة طلب العلوم الشرعية! أقول: كن صريحاً مع نفسك، إن كنت تريد الهروب من هذه الأمور فلا تتستر وراء العلم الشرعي، اترك الدراسة واسلك طريقاً آخر ولا تقل: إن العلوم الشرعية هي التي عطلتني.

стр. 84

وجوب ترك العمل لأداء الصلاة المفروضة إن الاشتغال بالصلاة يقطع الإنسان مؤقتاً عن عمل الدنيا، وبعض الناس قد يفتنون بالدنيا وراء تحصيل المال ولو على حساب إقامة الصلاة، فتجد أهل الدنيا ينشغلون وينهمكون في عمل الدنيا إلى حد اللهف والجري وراء الرزق ولو على حساب إقامة الصلاة، ولو ضيع صلاة الجماعة اشتغالاً بالرزق. من هنا لم يغفل الشرع الشريف هذه الجزئية، فبين الله أن ترك اكتساب الرزق من أجل أداء الصلاة المفروضة فرض، وليس العمل عبادة، إذ لو كان العمل فعلاً عبادة لما كان الاشتغال بهذا العمل ساعة دخول وقت الصلاة حراماً، فترك اكتساب الرزق من أجل أداء الصلاة المفروضة فرض، يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩]. في جلسة من جلسات مجلس الشعب في عهد السادات قام أحد الناس الطيبين أثناء الجلسة التي كانت بعد العصر وقال: الصلاة يا رئيس، فقال له الرئيس: نحن في عبادة، واستمرت هذه العبادة حتى غربت الشمس! فما بالك بالذي يشتغل بالمباراة ومتابعة الكرة حتى تغرب الشمس أو غير ذلك من هذه الأشياء، فمن يقول: إن العمل عبادة فأوضح رد على تلبيسهم من القرآن الكريم قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) [الجمعة:٩] وتدبروا كلمة (فاسعوا)، فالسعي المقصود به الجدية والمبادرة، لكن انظر في طلب الرزق كيف جاء التعبير: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] فأمرنا بطلب الرزق بالمشي، فعلى الإنسان ألا يستميت في طلب الرزق إلى الحد الذي يقطعه عن أداء العبادات. قوله: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) عبر عن طلب الرزق بالمشي، أما العبادة فعبر عنها بالسعي، وقوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) فالبيع الذي تسميه عبادة يجب عليك الآن أن تترك هذه العبادة التي هي العمل وطلب الرزق، فالدليل على أن ترك اكتساب الرزق من أجل الصلاة المفروضة فرض قوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) وبعد أداء حق الله ﵎ أُمروا أمر إباحة أن ينتشروا في الأرض في حوائجهم، فيقول : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ثم وبخ سبحانه من ترك العبادة وانصرف إلى التجارة فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩].

стр. 85

حق الله مقدم على حق غيره نعود إلى موضوع التوازن بين حقوق الأولاد والأهلين وحقوق العمل وحقوق الله ، فإذا حضر حق الله يلغى كل عمل آخر، ومن ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] فهي تقدم على غيرها من الواجبات أو الحقوق، بل تلغى الحقوق الأخرى ويقدم حق الله ﵎. وهذا الإنسان الذي يؤجل الصلاة عن أول وقتها ويظن أنه إذا أخرها سينجز حاجته وعمله، نقول: بالعكس، إن البركة تنزع من وقته، ولا يحصل منه الصلاة في وقتها، ولا يحصل منه إنجاز عمل عطل الصلاة من أجله، فتنزع البركة من الوقت فلا ينجز لا هذا ولا ذاك، فالإنسان يعود نفسه أنه متى ما جاء وقت الصلاة فليتذكر معنى كلمة: الله أكبر، فيقدم حق الله وحق الله أكبر على أي حق آخر في هذه اللحظة، يقول : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) قال جماعة من المفسرين: إن المراد بقوله تعالى: (عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) هنا الصلوات الخمس، فمن اشتغل عن الصلاة بماله كبيعه أو صنعته أو ولده، كان من الخاسرين وذلك لقوله تعالى في آخر الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، فانظر إلى هؤلاء الذين يقولون: إن العمل عبادة ويضيعون الصلاة، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، والبيوت في الآية هي المساجد.

стр. 86

الثناء على التجار الصالحين عن ابن عباس ﵄ قال: ((ضرب الله هذا المثل في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ [النور:٣٥]) لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس وأبيعهم) قوله: (كانوا أتجر الناس) يعني: كان الصحابة أشد الناس خبرة بالتجارة. قوله: (وأبيعهم) يعني: أقدرهم على البيع والعمل وهذه الأشياء، ولكن مع ذلك كانوا إذا أتى وقت الصلاة فإنها لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة. ثم يقول: (وكانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله). وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (إن ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]). وعن إبراهيم قال: هم قوم من القبائل في الأسواق إذا حانت الصلاة لم يشغلهم شيء. وقال سفيان الثوري ﵀: كانوا يشترون ويبيعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في جماعة. وتأمل كيف ربط الله بين تركهم الارتزاق لأجل الصلاة في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] وبين قوله بعدها ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨] فهؤلاء التجار الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله أو غيره من الطاعات، يكافئون بالرزق؛ لأنه من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فهم إذا جاء وقت الصلاة أغلقوا محلاتهم وخرجوا إلى الصلاة ثم عادوا، فما جزاؤهم؟ يقول الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨]، فالله يبارك لهم في الرزق، حتى لو كان الرزق قليلاً فتحصل فيه البركة، والبركة شيء لا يوصف، لكن نستطيع أن نشعر بهذه البركة، وذلك لو أن إنساناً رزق مالاً كثيراً لكن نزعت منه البركة، فتراه ينفق هذه الأموال على الأدوية والأمراض، وينفق هذا المال في اللهو والمعاصي ويكون وبالاً عليه، أو ينفق هذا المال فيما لا فائدة منه، بخلاف المال القليل الذي يكون فيه البركة من الله .

стр. 87

الرزق بيد الله الأرزاق بيد الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، فمن شؤم المعاصي حرمان الرزق، فالرزق يقدر عن الإنسان ويضيق عليه؛ بسبب المعصية، فإذا استهان الإنسان بأعظم حق من حقوق الله ﵎ -وهو الصلاة- فأي ذنب أعظم من ذلك؟! فلا شك أن ترك الصلاة سبب لمحق البركة من الرزق، وليس الاشتغال باللهو والتجارة عن الصلاة هو الذي سيجلب لك المال ويجلب لك الرزق. كان عروة بن الزبير ﵁ إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفاً، رجع إلى أهله فدخل الدار وقرأ قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢]، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله. فانظر إلى هذا الفقه منه لهذه الآية: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). قوله: (زهرة) يعني: سريعة الذبول. قوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي: لنختبرهم فيه. قوله: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أي: ما عند الله من الثواب، خير وأبقى. وقوله تعالى: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)) [طه:١٣٢] أي: اصبر على ذلك. ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا َنحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. وقوله تعالى هنا بعدما أمر بالصلاة: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] فيه دفع لما عسى أن يخطر ببال أحد من أن المداومة على الصلاة ربما تضر بأمر المعاش، فقد يوسوس الشيطان لبعض الناس بهذه الفكرة، وأن الصلاة ستعطله عن طلب الرزق وعن المعاش، فكأنه قال: داوموا على الصلاة غير مشتغلين بأمر المعاش عنها، إذ لا نكلفكم رزق أنفسكم فنحن نرزقكم، فلا تقلقوا على الرزق، ولا تتركوا الصلاة ولا تؤجلوها اشتغالاً بالرزق، فلا تظن أن الاشتغال بالصلاة ينقص رزقك؛ لأن الرزق ليس عليك أنت، فالرزاق هو الله . وتقديم المسند إليه للاختصاص أو لإفادة التقوى: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]، ولم يقل: نرزقك نحن، وإنما قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]، للدلالة على الاختصاص. وقد قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]، فالله غني عن العالمين، لا يطلب منك العبادة لأنه محتاج إليها، فالله هو الغني القوي المتين، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. ويستفاد من الآية الكريمة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] أن الصلاة سبب لإدرار الرزق، وسبب لكشف الهم. يروى عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال: (كان النبي ﷺ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم الصلاة، وتلا: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ)) [طه:١٣٢]). وأخرج الإمام أحمد في الزهد وغيره عن ثابت قال: (كان النبي ﷺ إذا أصابت أهله خصاصة - حاجة أو شدة - نادى أهله بالصلاة: صلوا صلوا، قال ثابت: وكان الأنبياء ﵈ إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة).

стр. 88

ضمان الله سبحانه لعباده الرزق حتى الممات عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة كلهم ضامن على الله، إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة). قوله: (ثلاثة كلهم) أي: كل واحد منهم ضامن على الله، وضامن هنا بمعنى مضمون، مثل قوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] فصيغتها صيغة الفعل، لكن معناها: في عيشة مرضية. أو أنه ذو ضمان، والضمان الرعاية للشيء كما يقال: تامر ذو تمر، أو لابن ذو لبن، أي: صاحب تمر ولبن، ومعنى ضامن على الله: أنه في رعاية الله، وما أجزل هذه العطية؟! وعدي بعلى: (كلهم ضامن على الله) لأن الضمان هنا ضمن معنى الوجود والمحافظة على سبيل الوعد؛ ولأن هذا عهد على الله أخذه على نفسه، أنه يرعى هؤلاء الثلاثة ويحفظهم من مضار الدين والدنيا. قوله ﷺ : (ثلاثة كلهم ضامن على الله، إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة: من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله - يعني: الإنسان إذا دخل بيته يسلم على أهله، تكون بركة عليه وعليهم- ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله، -يعني: خرج لصلاة الجماعة- ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله).

стр. 89

طلب الرزق وسيلة لا غاية لقد بين جل وعلا أن المال خادم وأن الدين مخدوم، وهذا معنى في غاية الأهمية؛ لأن الرزق والمعاش يكون بالمال، فلا بد أن نعرف مراتب الأعمال: من السيد ومن الخادم؟ من الخادم ومن المخدوم؟ فهل المال خادم أم مخدوم؟ أو بتعبير آخر: هل المال وسيلة أم غاية؟ هل يراد المال لذاته أم يراد لغيره؟ لا شك أنه يراد لغيره، فالمال خادم والدين هو المخدوم، فالمال هو الذي يخدم العبادة، فلا يضحى بالعبادة من أجل المال. إذاً: من يقول: إن العمل عبادة ويضيع الصلاة فإنه يخدع نفسه، فهنا صير الخادم مخدوماً، فبدل ما كان الدين هو المخدوم صار هو الخادم للدنيا وللمال، مثل الذي يريد أن ينظف أسفل نعله، فيمسحه في خده، فالخد عضو شريف، والنعل خادم لهذا الجسم، فأنت لما تحول الخادم إلى مخدوم والمخدوم إلى خادم قلبت الأمور. وهذا مما يوضح لنا إبطال هذا المعنى، وهو الذي يتذرع به بعض الناس حين يضيعون الصلاة ويقولون: العمل عبادة. يوجد حديث صح عن النبي ﵌ يقول فيه: (إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب) يعني: أن الإنسان سيظل ملازماً وحريصاً على المال والازدياد من المال والطمع في الدنيا إلى أن يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره. ومعنى قوله : (إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة) أي: أن المال إنما أنزل ليستعان به على إقامة حقوق الله تعالى، لا للتلذذ والتمتع به كما تأكل الأنعام، فالأنعام تعيش لتتلذذ وتتمتع بالطعام ونحو ذلك، أما بالنسبة للإنسان فإنما أنزل له المال ليستعين به على أداء حقوق الله ﵎، فإذا خرج المال عن هذا المقصود فات الغرض والحكمة التي أنزل لأجلها، وكان التراب أولى به، فرجع المال والجوف الذي امتلأ بمحبته وجمعه إلى التراب الذي هو أصله، فلم ينتفع به صاحبه، ولا انتفع به الجوف الذي امتلأ به.

стр. 90

حتمية حصول الرزق والأسباب الشرعية للحصول عليه لقد ضمن الله ﵎ لعباده أرزاقهم فقال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]. وقال رسول الله ﷺ : (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت) يعني: أن الإنسان يرزق رغم أنفه؛ لأن الرزق مكتوب لك حتى ولو قلت: أنا لا أريده وفررت منه، فسوف يجري خلفك إلى أن يلحقك حتماً إذا كان الله قد كتبه لك. وقال ﷺ : (الرزق أشد طلباً للعبد من أجله) الإنسان إذا طلبه ملك الموت وحضره أجله هل يستطيع أن يهرب منه؟ حتماً لا بد أن يموت في الأجل الذي كتبه الله، فكذلك الرزق مكتوب، وسوف ينالك ما كتب لك من هذا الرزق. وقال ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي -هذا إلهام وهو نوع من أنواع الوحي-: أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته) وهذا حديث صحيح. قوله: (إن روح القدس نفث في روعي) أي: جبريل ﵇. قوله: (أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) يعني: اطلبوا الرزق لكن بنوع من الحكمة. قوله: (ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته). يعني: ما دام أن الرزق عند الله، فالوسيلة التي يطلب بها الرزق هي طاعة الله، وليس عن طريق معصية الله ﵎. وقال رسول الله ﷺ : (من كانت همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت همه الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) فرزق الله لا يجلبه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره. فمن كانت همه الآخرة يكافأ على ذلك بأن يجمع الله له شمله، ويجعل غناه في قلبه، وهذه أعلى درجات الغنى غنى النفس، وتأتيه الدنيا راغمة. إذاً: يرزق العبد رغم أنفه؛ لأن رزق الله لا يجلبه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره؛ ولأنه سبق به قلم القضاء: (رفعت الأقلام وجفت الصحف).

стр. 91

حال من اشتغل بالدنيا عن الصلاة المفروضة إن من اشتغل بالدنيا عن الصلاة المفروضة فهو داخل فيمن آثر الدنيا على الآخر، يقول : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك)، فبعض الناس ينهمكون في خدمة الدنيا على حساب الدين، وعلى حساب إقامة الصلاة، فإذا ما نصحوا وذكروا بأن الرزق مضمون، وأن عليهم أن يجملوا في طلب الدنيا، انطلق الواحد منهم محتجاً بأن ضمان الرزق لا يعني ترك الأسباب، فتقول له: الرزق مضمون ولن يفوتك شيء من الرزق، قدم حق الله على غيره، قدم الآخرة على الأولى، فينطلق كالصاروخ قائلاً: أليس كل شيء بالأسباب؟! وإن ضيعت الأسباب سيضيع مني الرزق! فيجادل ويقول لك: ضمان الرزق لا يعني ترك الأسباب، وعندما تأتي وتذكره بالأوامر والنواهي والأمور الشرعية يقول لك: ربنا كريم، ربنا غفور رحيم، وبعضهم يقول لك: إن النبي ﷺ سيشفع لنا، ونحن نقول: لا إله إلا الله، ويتعلق بهذه النصوص. فهل نقول: إن ربنا كريم في الآخرة وفي الدنيا، فاترك السعي وراء الرزق، وربنا كريم سيرزقك وأنت جالس؟! هذا غير صحيح، صحيح أن كل شيء يأتي بالأسباب، وكذلك الجنة لا تأتي إلا بالأسباب، يقول ﵊: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)، فالجنة نفيسة جداً، فهل تريد أن تنالها بالأماني والأوهام والأحلام؟! لماذا لا تأتي بالأسباب التي توصلك إلى الجنة؟! قال بعض الصالحين: اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة. إذاً: هذا أحد الأدلة على أن البصيرة غائبة منطمسة؛ لأن الله سبحانه ضمن للإنسان الرزق، لكن هل الجنة مضمونة؟ الرزق كتبه الله كما هو معلوم في الآيات: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] لكن الجنة قال عنها : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٩ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. إذاً: اطلب الرزق لكن بحكمة، ولا تضيع الصلاة من أجل الرزق، أما الجنة فأهم أسباب دخولها المحافظة على الصلاة. قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. فمن اتقى الله بتقديم حقه في أداء الصلاة على ما عداه عوضه عما فاته من الدنيا، ورزقه من حيث لا يحتسب. وقال سبحانه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٩٦]. وقال : ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]. وقد روي في بعض الآثار: (وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) فمن شؤم تضييع الصلاة نقصان الرزق ومحق البركة، ومن عجيب أمر بعض الناس أنك إذا دعوتهم لترك شواغلهم لإجابة الداعي إلى الصلاة تعرف في وجوههم المنكر، كيف يتركون العمل لأجل الصلاة مع أن العمل عبادة؟! وهذه العبارة شاعت وذاعت، وشب عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، مع أنها ليست آية قرآنية ولا حديثاً نبوياً، بل هي بهذا السياق عبارة منكرة؛ لأن صاحبها إذا أمر بالصلاة في وقتها يعارض بهذه المقولة المنكرة، ومفهوم هذه المقولة إن الصلاة ليست عبادة، وأصبحت عبادة الدنيا هي العبادة! إن العمل الذي يلهيك عن فريضة الله عبادة، لكن عبادة للشيطان وللدنيا؛ بدليل الحديث: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار) إلى آخر الحديث. وهذا المسلك من أربابه الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا، ومن المغالطات العلمانية التي يطلقها من لا يرجون لله وقاراً، ولو كان يجوز لأحد أن يترك الصلاة لانشغاله بما عداها، لكان أولى الناس بذلك المجاهد الذي يكافح العدو ويلتحم معه في الجهاد، ومع ذلك لم يعذر المجاهد بترك الصلاة حتى صلاة الجماعة، ففي الجهاد لم يعذر المجاهد في ترك الصلاة، وشرع الله له صلاة الخوف، كذلك المريض الذي أنهكه المرض كان أولى أنه يجوز له أن ينشغل بالمرض عن الصلاة، لكن مع ذلك لم يعذر لمرضه مهما اشتد به المرض، ما دام عاقلاً ومستطيعاً، فالمريض الذي أنهكه المرض تبقى الصلاة فريضة عينية في حقه، ويصلي على حسب استطاعته، فلا يتصور في الوجود أن يكون هناك مسلم لا يصلي، إلا امرأة حائضاً أو نفساء، فهما اللتان يعذران في ترك الصلاة، بل لا تصح منهما الصلاة.

стр. 92

الصلاة أول ما يسأل عنه الناس من حقوق الله يوم القيامة إن من خصائص الصلاة وفضائلها: أن الصلاة أول الإسلام وآخره، فهي أول فروض الإسلام بعد الشهادتين، وهي أول ما نسأل عنه من حقوق الله يوم القيامة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك). ونفس هذا المعنى يشير إليه حديث ضعيف يروى عن أبي أمامة ﵁: (أن امرأة أتت النبي ﷺ تسأله ومعها صبيان لها، فأعطاها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحد منهما تمرة، قال: ثم إن أحد الصبيين بكى فشقة التمرة الثالثة فأعطت كل واحد نصفاً، فقال رسول الله ﷺ : حاملات والدات رحيمات لأولادهن، لولا ما يصنعن بأزواجهن لدخل مصلياتهن الجنة)، فتأمل كيف أنه اشترط الصلاة في الانتفاع بما عداها من الأعمال الصالحات. والنبي ﵊ تأثر بموقف المرأة الرحيمة بأولادها، فقال: (حاملات والدات) يعني: يتعبن في الحمل، وفي الولادة. قوله: (رحيمات لأولادهن، لولا ما يصنعن بأزواجهن دخل مصلياتهن الجنة) أي: أن اللاتي لا يصلين لا يدخلنها، وهو وارد على سبيل الزجر والتخويف والردع.

стр. 93

الصلاة آخر ما يرفع من الدين إذا كانت الصلاة هي أول ما نحاسب عليه في القبر، وهي أول ما طلب في الإسلام بعد الشهادتين، وأول ما يسأل عنه من حقوق الله يوم القيامة؛ فهي أيضاً آخر ما يسقط من الدين، فعن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورب مصل لا صلاة له عند الله تعالى) أي: لا نصيب له ولا ثواب. وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة) أي: أن الحكم من عرى الإسلام مثل الصلاة، ثم يقول ﵊: (فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين)؛ لأن الصلاة أول الإسلام وآخره، وما ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه.

стр. 94

الصلاة سبب النصر والتمكين والفلاح في الدنيا والآخرة إن الصلاة سبب النصر والتمكين والفلاح في الدنيا والآخرة، فقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، فقوله : (قَدْ أَفْلَحَ) أي: المفلحون أول صفاتهم الصلاة، وانتهى بوصفهم بالصلاة، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] وانتهى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] تماماً كما في سورة المعارج. وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]، والفلاح: هو الفوز بالبقاء الدائم في النعيم، فالله سبحانه سمى الصلاة فلاحاً، وجعل النداء إليها نداءً إلى الفلاح، حي على الفلاح. بعض الناس ينطق كلمة (حي) بالكسر، وهي بالفتح؛ لأن حيّ اسم فعل أمر، والفلاح هو الفوز بالمراد والبقاء في الخير. إذاً: هذه أدلة على أن الصلاة هي الفلاح. وبالصلاة يستمنح نصر الله ، يقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] ولعل في تشريع صلاة الخوف حال الالتحام المسلح ما يشير إلى أثر الصلاة في استجلاب نصر الله ﵎. وعن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم). هذا الحديث مهم جداً، وهو في صحيح البخاري بدون ذكر الإخلاص، فصلاة الضعفاء ودعاء الضعفاء وإخلاصهم هو أحد أسباب نصر هذه الأمة، والضعفاء: هم الأطفال واليتامى والنساء والشيوخ الطاعنون في السن، هؤلاء هم الضعفاء، فالإنسان إذا ابتلاه الله بشيء من ذلك، سواء كان ابناً مريضاً مزمناً، أو أولاداً صغاراً ضعافاً أو يتامى، أو أباً أو أماً كبيرين في السن، فحذار أن ينظر إلى أن هذا عبء عليه، بالعكس فرزقه ربما يأتيه بسببه، وقد تمنع الرزق بسبب المعاصي، لكن قد يأتيك الرزق ليس لك أنت؛ لأن معاصيك تمنع أن يتكاثر لك الرزق وتحجبه، لكن يأتي الرزق لهؤلاء الذين تعولهم من الأطفال أو النساء أو كبار السن، فهؤلاء رحمة من رحمة الله . روي عن سليمان ﵇ أنه خرج مع قومه للاستسقاء، فلما أراد أن يستسقي رأى نملة قائمة بقوائمها -يعني: رافعة قوائمها- وتقول: اللهم اسقنا ولا تؤاخذنا بذنوب بني آدم، كان هناك قحط وجدب فسمع النملة تدعو بهذا، وقد كان يفهم لغة النمل، فقال لمن معه: ارجعوا فقد سقيتم بدعاء غيركم. وفي الحديث: (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا) فهم يستحقون أن يمنع عنهم الماء من السماء، لكن الله من عدله لا يؤاخذ البهائم بذنوب الآدميين، فنحن نسقى من أجلها. كذلك بالنسبة لهؤلاء الضعفاء من الأطفال أو النساء أو المرضى أو الشيوخ، فهؤلاء هم البركة، وهؤلاء ترزق وتنصر بسببهم، فلا تنظر إليهم على أنهم عبء، لكن انظر إليهم أنهم مصدر خير وبركة واستدرار للرزق، بنص حديث رسول الله ﷺ : (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها)، وكلمة النصر تطلق أحياناً على الرزق، والشاهد في سورة الحج يقول : ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] إن أحد المعاني الذي فسر بها النصر هنا هو الرزق، والسائل قد يأتي ويقول: انصروني نصركم الله، أو يقول: ارزقني حسنة، فأحياناً يطلق النصر على الرزق. قال رجل للحسن: أوصني، قال: أعز أمر الله يعزك الله، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. أي: انصر أمر الله بإقامة الصلاة ينصرك الله ﵎، وقال الله : ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:١٢] يعني: إني معكم بالنصر والتأييد إن أنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، ومن كان الله معه فقد تولاه، والله لا يعز من عاداه ولا يذل من والاه، بل الذل حليف من حاربه وعصاه. يقول النبي ﷺ : (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) وعباد الله هم الذين يعاقب بهم أعداءه ويعذبهم بأيديهم ويستمدون منه زاداً ووقوداً في جهادهم، كما في قوله في سورة الإسراء: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]، فهؤلاء هم المؤهلون لأن يكونوا أداة لتعذيب أعداء الله ﵎، ولا شك أنهم يقيمون الصلاة، وهذا إذا فسرنا (عباداً لنا) على أنه مدح لهم، وهناك تفسير آخر: وهو أنهم مسخرون لتعذيبهم وإن لم يكونوا مؤمنين. وبهذه العبودية الحقة يتعرف عليهم الحجر آخر الزمان ويناديهم: (يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله) كما في صحيح مسلم. فهل يمكن أن يكون عبداً لله ولا يقيم الصلاة؟! لا. يتعجب الإنسان كيف يعيش الذي لا يصلي بدون صلاة! لماذا يتنفس من هواء الله؟! لماذا يأكل من رزق الله؟! لماذا يمشي في أرض الله؟! لماذا يتمتع بالعافية التي رزقه الله والعقل الذي كرمه به؟! لكن المفلحون الصالحون إذا فتح الله عليهم بالنصر والتمكين كان أعظم ما يقدمونه للناس إقامة الصلاة يقول : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. نكتفي الليلة بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 95

لماذا نصلي؟ [٧] من خصائص الصلاة أنها نجاة من عذاب القبر، وأمنية الأموات والمعذبين، ونجاة من عذاب الله رب العالمين، وهي رافعة للدرجات في الجنة، وسبب لرؤية الله سبحانه فيها، فإذا كانت الصلاة كذلك فجدير بنا أن نحافظ عليها بأركانها وواجباتها ومستحباتها، وأن نقوم بلبها وروحها من الخشوع والطمأنينة فيها؛ حتى نحصل على تلك الفضائل والخصائص والمزايا العظيمة.

стр. 96

الصلاة نجاة من عذاب القبر الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الصلاة نجاة من عذاب القبر، فطاعة الله ﵎ هي خير ما يقدمه الإنسان ويدخره في قبره، يقول الله : ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤]. قال مجاهد: ﴿فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤] يعني: في القبر. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله) متفق عليه. وقد وصف لنا الصادق المصدوق ﵌ تفاصيل ما يجري في أول لقاء يتم في القبر، بين المؤمن وبين عمله الصالح الذي يصحبه ولا يفارقه، ففي حديث البراء الطويل قال ﷺ في المؤمن: (فيأتيه من روحها وطيبها -يعني: من روح الجنة وطيبها وهو في قبره- ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير، من أنت؟! فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً، ثم يفتح له باب من الجنة)، وهذا الحديث صحيح. فالشاهد فيه: أنه في اللقاء الأول الذي يدوم إلى وقت الخروج من القبور يبقى العمل الصالح مؤنساً للإنسان في قبره بهذه الحيثية، يقول: (أنا عملك الصالح فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله) أي: يبادر إلى الطاعات. قوله: (بطيئاً في معصية الله فجزاك الله خيراً، ثم يفتح له باب من الجنة) ولاشك أن الصلاة تأتي في مقدمة الأعمال الصالحة التي تحفظ صاحبها من عذاب القبر. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إن الميت إذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه -أي: تأتيه ملائكة العذاب من قبل رأسه- فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل) أي: لا يوجد طريق للمرور من ناحيتي، لا سبيل لكم إلى تعذيبه من ناحيتي؛ لأنه لم يكن يقصر في الصلاة هذا معنى: (ما قبلي مدخل) لأن الصلاة قوية وكاملة، ولا يوجد ثغرات بحيث ينفذ منها العذاب إلى هذا المؤمن. ثم قال: (ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف إلى الناس: ما قبلي مدخل) وهذا حديث حسن.

стр. 97

الصلاة أمنية الأموات والمعذبين إن من فضائل الصلاة وشرفها أن الصلاة أمنية الأموات والمعذبين، الأموات والمعذبون يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا لكي يصلوا ركعتين خفيفتين من النوافل التي يزهد فيهما كثير من الناس. فعن أبي هريرة ﵁ قال: (مر النبي ﷺ على قبر دفن حديثاً فقال: ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم) يعني: لو أن هذا الميت خير بين أن يعود إلى الدنيا لفترة وجيزة جداً ليركع فيها ركعتين خفيفتين من النوافل التي يزهد الناس في أجرهما، وبين أن يؤتيه الله ملك الدنيا بما عليها إلى أن تقوم القيامة؛ لاختار أن يعود إلى الدنيا ويركع ركعتين خفيفتين ثم يعود إلى القبر مرة ثانية؛ لما رأى من ثواب الطاعة وثواب الصلاة حتى لو كانت نافلة. وقال إبراهيم بن يزيد العبدي: أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق! انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهداً، فانطلقت معه فأتى إلى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور فقال: يا أبا إسحاق! ما ترى هذا متمنياً لو تمنى؟ قلت: أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من طاعة الله ويصلح في عمله، قال: فها نحن، ثم نهض فجد واجتهد فلم يلبث إلا يسيراً حتى مات. وكلمة يستمتع إشارة إلى أن العبادة لها طعم ومتعة ولذة يجدها من يخلص لله فيها. كذلك قوله: ويصلح في عمله أي: لنفرض أننا متنا ودفنا ثم سألنا الكرة إلى الدنيا فرجعنا فأخذنا فرصة جديدة، مع أنه في الواقع لا يحصل هذا أبداً، لكن افترض ذلك واعتبر أنك الآن قد مت ودفنت وقامت القيامة وأدخلت النار ثم سألت الله الكرة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فافترض أن الله قال: قد فعلت وأذن لك بالعودة من جديد إلى الدنيا لتأخذ فرصة جديدة، هكذا ينبغي أن يعالج الإنسان مرض الفتور والتواني عن العبادة بأن يفترض هذا الافتراض، إن الموت هو الفيصل بين هذه الدار وبين دار القرار، وهو الحد الفاصل بين دار الامتحان وبين دار ظهور النتائج، فليس لأحد بعده من مستعتب ولا اعتذار، ولا يمكن الزيادة في الحسنات ولا النقص من السيئات، ولا حيلة ولا درهم ولا دينار، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] يعني: إن هؤلاء لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، وإنما هي كلمة هو قائلها مثل قوله تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]. ومن يغادر الدنيا وتوافيه الآخرة فلا سبيل إلى رجوعه مرة ثانية، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. قوله: (بَرْزَخٌ) هي فترة التواجد في القبر إلى يوم البعث والنشور. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]. فعلى أحد التفسيرات فمعنى قوله تعالى: (لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) أي: أن أجل الله لا يؤخر. وقال : ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٤] فهم يسألون الرجعة عند الاحتضار، وكذلك يسألونها إذا وقفوا على النار، قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]. وكذا يتمنون الرجعة إذا عرضوا على ربهم ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]. وكذا يتكرر سؤالهم الرجعة وهم في غمرات الجحيم، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. وعن : ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١]. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة ربه تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها. من أجل ذلك أوصانا رسول الله ﵌ فقال: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) يعني: اغتنم كل واحدة من هذه الخمس قبل أن تخلفها الثانية ولا تعود الأولى. قوله: (شبابك قبل هرمك) لأن الإنسان إذا دخل في حد الشيخوخة فلا سبيل إلى استرداد الشباب، يقول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما صنع المشيب فالشباب إذا ولى لا يعود، والشباب هو فترة العمل، وفترة الإنتاج والبناء، وفترة القوة بين الضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة، وفترة مجاهدة النفس، وفترة الاجتهاد في العبادة وتحصيل الأعمال الصالحة ونحو ذلك. والشباب ضيف سريع الزوال كما قال الشاعر: ما قلت للشباب في كنف اللـ ـه وحفظه غداة استقل زائر لم يزل مقيماً حتى سود الصحف بالذنوب وولى وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما رأيت الشباب إلا كشيء كان في كمي فسقط. يعني: ما شعر به لسرعان انقضاء الشباب، فالإنسان لا يغتر بشبابه، ولا ينصت إلى تلبيس الشيطان ورفقاء السوء عندما يقولون له: استمتع بشبابك ثم تب بعد ذلك، واغتنمه في اللهو والضياع؛ وهذا من تلبيس إبليس، ومن اغتنم شبابه في طاعة الله كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الحديث: (وشاب نشأ في عبادة الله ﵎. قوله: (وصحتك قبل سقمك)؛ لأن الصحة أيضاً لا تدوم، حتى وإن سلم الإنسان من الآفات في فترات العمر الأولى ففي الغالب هناك الأمراض التي تهجم عليه في فترة الشيخوخة، ولنفرض أن الزرع سلم في مرحلة البذر، وفي مرحلة النمو، وفي مرحلة كذا وكذا وكذا إلى أن استوفى نموه، فنهاية الزرع الحصاد. فأنت -أيها الإنسان- حتى لو سلمت من الآفات كلها فأنت عند تمام الزرع محصود بالموت. قوله: (وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) إذ هي أيام وأحوال، فمن فاته العمل والتأهب والاستعداد والاستكثار من الزاد في الشباب وفي الصحة والغناء والفراغ والحياة، فإنه لن يدركها عند مجيء أضدادها، ولا ينفعه تمني الأعمال بعد التفريط منه والإهمال في زمن الفرصة والإمهال، ومن فرط في العمل في زمن الحياة لم يدركه بعد حيلولة الممات، فعند ذلك يتمنى الرجوع وقد فات، ويطلب الكرة وهيهات، وتعظم حسراته حين لا مدفع للحسرات، وحيل بينهم وبينما ما يشتهون من الرجعة والتوبة والإخبات. قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٧ - ٤٨].

стр. 98

الصلاة نجاة من عذاب الله ﵎ إن من خصائص الصلاة وفضائلها أنها نجاة من عذاب الله ﵎، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحترقون تحترقون) -يعني: تقعون في الهلاك بسبب الذنوب الكثيرة التي ترتكبونها- فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا) وهذا حديث حسن. قوله: (ثم تنامون) يعني: وقد كفرت الصلوات الخمس ما بينها من الذنوب، فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا؛ لأن الإنسان الذي يفعل المعاصي باستمرار ظالم، ونوم الظالم عبادة كما يقولون؛ لأنه يكف شره عن نفسه أو عن غيره، فهذا المعنى نفهمه من قوله: (ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملكاً ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها). قوله: (قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها) أي: بالذنوب. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفاً: (ألا إن الله يضحك إلى رجلين: رجل قام في ليلة باردة من فراشه ولحافه ودثاره فتوضأ، ثم قام إلى الصلاة، فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي هذا على ما صنع؟ فيقولون: ربنا! رجاء ما عندك وشفقة مما عندك -يعني: رجاء ما عندك من الثواب، وشفقة مما عندك من العذاب- فيقول: فإني قد أعطيته ما رجاه، وأمنته مما يخاف). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (رأيت في المنام أنه جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، ثم لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، قالوا: لم ترع -يعني: اطمئن لا تخف-، نعم الرجل أنت لو كنت تتقن الصلاة من الليل، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم) إلى آخر الحديث، وهو متفق عليه. وفي آخر الحديث: (فما ترك عبد الله بن عمر بعد ذلك قيام الليل أبداً)، فاستفاد ﵁ من هذا الحديث؛ لأنه علم من هذه الرؤية أن الصلاة بالليل منجاة من العذاب. ويروى عن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً وكنا في صفة بالمدينة فقام علينا، وقال: إني رأيت البارحة عجباً -إلى أن قال-: ورأيت رجلاً من أمتي احتوشته ملائكة العذاب -أي: أحاطت به- فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم). وقد ضمن الله النجاة من النار لمن حافظ على صلاتي الفجر والعصر، فعن عمارة بن رويبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر. وورد في الحديث: (من صلى البردين دخل الجنة). حتى أهل المعاصي وأهل الفساد الذين كانوا لا يتركون الصلاة مع مقارفة المعاصي تنفعهم صلاتهم، فالإنسان في حالة المعصية لا يغفل عن ذكر الله؛ لأن المعصية مع ذكر أفضل من معصية مع غفلة، وعسى الذكر أن يوقظ قلبه من سباته وغفلته. فالإنسان لا يقنط من روح الله؛ لأن بعض الناس يريد أن يستغفر أو يدعو الله أو يسأله من رحمته فيقول: وأنى يستجيب الله لي وأنا أفعل كذا وكذا من المعاصي والتقصير؟! لا، هذا من تلبيس الشيطان، لكن على الإنسان دائماً أن يكون عنده أمل في رحمة الله ﵎، وطمع في عفوه ، ويطرق باب التقرب إلى الله . عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يرحم، ممن كان شهد أن لا إله إلا الله؛ أمر الله أن يخرجوهم) يعني: يأمر الله الملائكة أن تخرج من النار من قال: لا إله إلا الله بشروطها، فالملائكة تعرف هؤلاء المذنبين الذين ماتوا مصرين على الكبائر ولم يتوبوا منها، أما لو تابوا توبة صحيحة فتقبل توبتهم، فمن لم يتب فهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم، فهناك فئة من الموحدين سيدخلون النار ويعذبون، وهم الذين كانوا يفعلون كثيراً من الذنوب والمعاصي والكبائر الموبقات والمهلكات، لكن الله يأمر الملائكة أن تخرجهم من النار، فالملائكة تتعرف على هؤلاء بعلامة السجود في وجوههم، فيميزونهم عن غيرهم بعلامة السجود فيخرجونهم من النار، فهؤلاء كانوا يرتكبون المعاصي وأصروا عليها حتى ماتوا، لكن ما كانوا يقصرون أبداً في الصلاة. إذاً: العاصي حثه أن يصلي، ولا تقل له: لا تنفعك صلاتك؛ لأنك تفعل كذا وكذا، لا بالعكس، عليك أن تحثه على الصلاة حتى ولو كان مقصراً؛ لأن الصلاة مع المعاصي سوف تنفعه، إما في الدنيا بأن تنهاه عن الفحشاء والمنكر كما في حديث الرجل الذي كان يسرق، فقال عنه النبي ﵊: (أما إن صلاته ستنهاه) أي: ستنهاه عن هذا المنكر، وإما أنها ستنفعه في الآخرة بهذه الحيثية التي ذكرت في الحديث: (أمر الله أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود). فانظر أثر السجود كيف أنه حبيب إلى الله ، حتى إنه ليعذب جسمه ما عدا الموضع الذي كان يسجد عليه، وليس هذا معناه: أن يجتهد الإنسان في العبادة حتى يكون له علامة الصلاة في الجبهة، لا، بل علامة الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] هي الخشوع والتواضع والمسكنة، وإلا فإن هذه العلامة المعروفة -كما قال بعض السلف- قد تكون بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون، يعني قد تكون لإنسان منافق، لكن المقصود موضع السجود. ثم يقول: (فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا) يعني: تفحموا واحترقوا من العذاب والعياذ بالله! ثم يقول: (فيصب عليهم من ماء يقال له: ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)، وهذا الحديث متفق عليه. فالصلاة تشفع لصاحبها وتحفظه كما قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:١١٠] وأهم الخير ما ذكر في سطر الآية، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. قوله: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ) يعني: أن العبادة تنفعك أنت أما الله فغني عنك وعن العالمين، فصلاتكم لا تنفعه ولا تفيده شيئاً وإنما هي لأنفسكم. وقال ﷺ : (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار).

стр. 99

الصلاة رافعة للدرجات في الجنة إن من فضائل الصلاة أنها رافعة الدرجات، ولا تقتصر على إدخال المؤمن إلى الجنة، لكنها تكون سبباً في رفع درجاته حتى بعد دخوله الجنة، وذلك برفع درجاته، يقول الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] فأعطي ﷺ بصلاة الليل المقام المحمود، ونال أشرف المنازل. وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : (حدثني بعمل يدخلني الجنة، قال: بخ بخ! لقد سألت عن أمر عظيم وهو يسير لمن يسره الله له، تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، ولا تشرك بالله شيئاً). وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن سبعة نفر، أربعة من موالينا وثلاثة من عربنا، مسندي ظهورنا إلى مسجده، فقال: ما أجلسكم؟ قلنا: جلسنا ننتظر الصلاة، قال: فأرم قليلاً -يعني: سكت قليلاً ﷺ ثم أقبل علينا فقال: هل تدرون ما يقول ربكم؟ فقلنا: لا، قال: فإن ربكم يقول: من صلى الصلاة لوقتها وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافاً بحقها فله علي عهد أن أدخله الجنة، ومن لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافاً بحقها فلا عهد له علي، إن شئت عذبته وإن شئت غفرت له). وعن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال ﷺ : من الصديقين والشهداء). وعن ربيعة بن كعب قال: (كنت أبيت مع رسول الله صلى عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سلني -يعني: يريد النبي ﷺ أن يكافئه كما أحسن إليه- فقال: أسألك مرافقتك في الجنة -يعني: أسألك أن تدعو الله لي أن يجعلني رفيقاً لك في الجنة- قال: أو غير ذلك؟! -يعني: اطلب حاجة أسهل- قلت: هو ذاك -يعني: ليس عندي أمنية أو طموح أقل من هذا- قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) يعني: أن دعوة الرسول ﵊ لابد معها من عمل صالح، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] يعني: لا تقتصر على دعائي فقط، لكن أعني على إنجاز هذا الطموح وهذا الأمل بكثرة السجود، وهذا الحديث رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﵌ قال: (في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة) رواه مسلم. وهاتان الركعتان سنة الوضوء. وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه. والبردان: الصبح، والعصر، وسميا بذلك؛ لأنهما يصليان في طرفي النهار حيث يطيب الهواء، وتذهب ثورة الحر. وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) أي: لو استطعت أن تحفظ لسانك من الصلاة إلى الصلاة التي تليها عن اللغو يكتب لك كتاب في عليين. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كان رجلان أخوين، فهلك أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فذكرت فضيلة الأول منهما عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ألم يكن الآخر مسلماً؟ قالوا: بلى وكان لا بأس به، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريكم ما بلغت به صلاته؟). قوله: (وما يدريكم ما بلغت به صلاته؟) يعني: أن الصلاة رفعت مقامه أراد أن يلفت نظرهم إلى أن الثاني قد عاش بعد الأول فترة من الزمان وأقام الصلاة فيها، ونال ثواباً بسبب امتداد عمره، لعله يربو على ثواب هذا الذي مات أولاً. وقال ﷺ : (إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فما ترون ذلك يبقى من درنه؟!) يعني: أن الصلاة طهرته. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رجلان من بلي من قضاعة أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأُخر الآخر سنة، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك! فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة صلاة سنة؟). وفي زيادة صحيحة لـ ابن حبان: (بينهما أبعد مما بين السماوات والأرض) أي: بينهما في الفضيلة والمنزلة بالعمل الصالح الذي عمله بعد موت صاحبه. وعن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قال لـ بلال: يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي غير أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) رواه البخاري. يعني: كان يتنفل عقب كل غسل أو وضوء تنفلاً مطلقاً، قوله: (ما كتب لي) يعني: ما استطعت؛ لأنه كان يكثر من نوافل الصلاة المطلقة؛ لأن النوافل المقيدة لا يزيد الإنسان فيها، مثل: ركعتي الفجر، وسنة المغرب ركعتين بعدية، وسنة العشاء ركعتين بعدية، وسنة الظهر أربع ركعات قبلها وركعتين بعدها، فهذه النوافل مقيدة بعدد، لكن إذا أراد الإنسان في أي وقت خارج أوقات الكراهة أن يزيد ما شاء في الصلاة فله أن يصلي ما شاء. وهذا هو المقصود بقول النبي ﵌: (الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر)، يعني: من الصلوات المشروعة، لا أن يبتدع صلاة من عنده، وإنما يستكثر من النوافل المطلقة التي لم تقيد بعدد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟! قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) رواه مسلم وغيره. قوله: (إسباغ الوضوء على المكاره) تقول: ثوب سابغ إذا كان يغطي البدن، فإسباغ الوضوء يعني: أنك تبلغ الماء إلى أعضاء الوضوء ولا تقصر في ذلك، رغم أنك تتألم من الماء في شدة البرد، فهذه هي المكاره؛ لأن المشقة فيه أكثر، والأجر على قدر النصب والمشقة، بخلاف الماء البارد في شدة الحر، فإن الإنسان يستمتع بذلك؛ لأنه يلطف من شدة الحر. إذاً: معنى إسباغ الوضوء على المكاره: أن يوصل الماء إلى مواضع الوضوء بحدودها الشرعية، رغم الألم الذي يجده بسبب شدة البرد. قوله: (وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) يعني: يمكث في المسجد بعد الفراغ من الصلاة، وينتظر الصلاة التي تليها؛ حماية لنفسه من شر الفتن، وحماية للناس من شر نفسه، ويجلس في المسجد يذكر الله تعالى. قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) شبهه بالرباط في الجهاد وحراسة الثغور من الأعداء، فكذلك هو يجلس في المسجد يرابط؛ ليحمي نفسه من الفتن، ويحمي الآخرين من شره. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح) متفق عليه. النزل هو ما يعد للضيف من طعام ونحوه من الإكرام، يقول : ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢]. وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] قال: (أرض الجنة يرثها الذين يصلون الصلوات الخمس في الجماعات). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦] أي: بشارة لقوم عابدين، وهم الذين يصلون الصلوات في الجماعات، ولذلك قال بعض السلف: (من صلى الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة).

стр. 100

الصلاة سبب لرؤية الله في الجنة إن من فضائل الصلاة أن الصلاة تؤهل من يقيمونها لرؤية الله ﵎ في الجنة، فلا شك أن رؤية أهل الجنة ربهم ﵎ هي الغاية العظمى، التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم. وحرمانها والحجاب عنها لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، فأهل الجنة على رغم ما هم فيه من النعيم المقيم الذي لم تسمع به أذن، ولم تقع عليه عين، ولم يخطر على قلب بشر، ومع ذلك إذا كشف الله الحجب وتجلى لأهل الجنة، ورأوا وجهه الكريم؛ نسوا وتلهوا عن كل ما في الجنة من نعيم؛ لأن هذه هي النعمة العظمى، يقول : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم. إذاً: أهل الجنة إذا رأوا ربهم نسوا ما هم فيه من النعيم، أما الحرمان من هذا النعيم -الذي هو رؤية الله في الآخرة- فهو أشد على أصحاب الجحيم من عذاب الجحيم نفسه، ولذلك قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وهذا أشد عذاب يقع على أهل النار. وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم يوم القيامة لماتوا، يعني: من الحزن؛ لكن لأنهم يعبدون الله على أمل أن يتشرفوا برؤية الله ﵎، فهذا يحدوهم إلى السعي إلى مرضاته وطاعته، أما إذا علموا أنهم لن يروا ربهم يوم القيامة لماتوا من الغم والحسرة. وفي رواية عنه: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم يوم القيامة لذابت أنفسهم. وعن نافع -وكان من عباد الجزيرة- أنه كان يقول: ليت ربي جعل ثوابي من عملي نظرة مني إليه، ثم يقول لي: يا نافع! كن تراباً. انظر إلى شدة الشوق إلى رؤية الله ﵎ في الجنة! يعني: كل العمل الصالح الذي عملته في كل عمري، يجعل ثوابي فقط أن أنظر إليه نظرة واحدة مني إليه، ثم يقول لي بعد ذلك: يا نافع! كن تراباً.

стр. 101

الصلاة تطهر القلوب وتزكي النفوس والوجدان إن المحافظة على الصلاة بقالبها وروحها والإكثار من النوافل لها تأثير لا يعرف لغيرها في صفاء القلب وزكاء النفس وطهارة الوجدان، وسمو الروح، والاتصال بعالم القدس. فالصلاة تؤهل النفس لتلقي التجليات الأخروية، واستقبال النفحات الإلهية، لاسيما رؤية الله تعالى في الآخرة، وقد ربط ﷺ بين رؤية الرب ﵎ وبين الصلاة، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الفجر وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]). متفق عليه. قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) المشبه رؤية الله في الآخرة، والمشبه به رؤية القمر في ليلة صافية لا سحاب فيها، ووجه الشبه الصفاء والوضوح. قوله: (لا تضامون في رؤيته) يعني: إما لا يصيب أحد منكم الضيم وهو الظلم، بحيث لا يحرم من الرؤية، بل كل المؤمنين سيستوون في هذه الرؤية؛ لأنها واضحة مثل رؤية القمر في السماء دون سحاب ليلة البدر، فهو في غاية الوضوح، المعنى: لا ينضم بعضكم إلى بعض حتى يؤيد ما يشهده وما يراه بشهادة غيره له، فعلى كلا المعنيين فهنا تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: شبهت رؤية المؤمنين ربهم برؤيتهم القمر في الدنيا، وضرب لنا هذا المثل لأجل الوضوح، فمن ثم قال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم). إذاً: من أراد أن يحظى برؤية الله في الآخرة فليحافظ على الصلاة لقوله: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]). وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً) رواه مسلم. الشاهد هنا: أن هذا يحدث في يوم الجمعة، فهم يجتمعون في وقت صلاة الجمعة، ويوم الجمعة عند أهل الجنة اسمه: يوم المزيد، وقد روي في بعض الأحاديث: (أن الله يتجلى لهم في يوم المزيد ويحاضر كل منهم محاضرة). نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 102

لماذا نصلي؟ [٨] لقد كانت الصلاة سبباً في إسلام وهداية كثير من الناس، فما أن يرى بعض اليهود أو النصارى أو غيرهم مشهداً من مشاهد الصلاة إلا ويتأثرون بذلك المشهد، وهناك نماذج كثيرة على ذلك، فقد أشهر بعضهم إسلامهم لما رأوا منظر الصلاة، وعرفوا معانيها، وهذا مما يبين ما لهذه الصلاة من الفضائل والخصائص والمزايا.

стр. 103

الصلاة مفتاح هداية للمؤمنين وغيرهم من الملل الأخرى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. تكلمنا من قبل عن فضائل وخصائص الصلاة، وذكرنا أن الصلاة أعظم الأركان بعد الشهادتين، وأنها أهم أمور الدين، وأنها توءم الفرائض والأركان، وأنها أم العبادات، وأنها أمر الله ﵎، وأنها الوصية الأخيرة لرسول الله ﷺ ، وأنها مرآة عمل المسلم وميزان تعظيم الدين في قلب المؤمن، وأنها دعامة جميع الشرائع السماوية، وأنها شعار دار الإسلام، وأنها الإيمان، وأنها براءة من النفاق، وأنها سبيل المؤمنين وشعار حزب الله المفلحين، وأوليائه المرحومين، وأنها القاسم المشترك بين عبودية الكائنات، وأنها خير موضوع، وأنها زلفى وقربى إلى الله ، وأنها مدرسة الأخلاق، وأنها راحة وسعادة وقرة عين، وأنها نور وبرهان ووضاءة، وأنها من سنن الهدى، وأنها منحة ربانية، وأنها شكر لنعم الله ﵎، وأنها إغاظة للكافرين، ومراغمة لأعداء الدين، وأنها تحرير للبشرية، وأنها ناهية عن المنكرات وعاصمة من الشهوات، وأنها كفارة للسيئات وماحية للخطيئات، وأنها ملجأ المؤمن في الكربات، وأنها حفظ وحماية، وأنها مجلبة للرزق، وأنها أول الإسلام وآخره، وأول ما نحاسب عليه يوم القيامة، وأنها سبب النصر والتمكين والفلاح في الدارين، وأنها نجاة من عذاب القبر، وأنها أمنية الأموات والمعذبين، وأنها نجاة من عذاب الله تعالى، وأنها رافعة للدرجات، وأنها تؤهل مقيمها لرؤية الله تعالى في الآخرة. ومن فضائل الصلاة وخصائص الصلاة أنها مفتاح هداية، فمن فضائل الصلاة أنها كانت مفتاح هداية لكثير من الكافرين، فمنظر المسلمين وهم يؤدون الصلاة، كان هو الخيط الأول الذي قاد كثيراً من الكافرين إلى اعتناق الإسلام، فالكافر يحس أكثر بما هو محروم منه، فبالتالي ينبهر بهذا الشيء الذي هو محروم منه، فإذا اطلع على التوحيد في الإسلام فإنه يقارن بينه وبينما هو عليه من الشرك، وإذا رأى الصلاة ونظامها الدقيق العجيب من حيث عددها وهيئتها ومواقيتها، وقارن بين صلاة بعض الملل التي ليس فيها قيام ولا ركوع ولا سجود، ولا أوقات ولا طهارة ولا استقبال قبلة؛ حينها يدرك قيمة هذه النعمة العظمى التي هي نعمة الصلاة؛ فالإنسان دائماً يتطلع ويتأثر بما هو محروم منه، وهذا نلاحظه أيضاً في شيء مهم جداً وهو تأثر بعض الكافرين ممن يعيشون في المجتمعات الإسلامية بشهر رمضان، واحتفاء المسلمين بشهر رمضان، وكيف يكون أثر شهر رمضان المعظم على كل دولاب الحياة، فيعاد تنظيمه من جديد في سويعات معدودات؛ لتكون حياة غير الحياة ونظام غير النظام وسلوك غير السلوك! ونلاحظ أيضاً كيف أن غير المسلمين الذين يعيشون في مجتمعات المسلمين يشعرون بالحرمان الشديد من الصيام، بل إن منهم أحياناً من يضطر لأن يظهر أنه مسلم وصائم؛ من شدة الضغط الاجتماعي الذي تشكله هذه الظاهرة الطاغية على المجتمع، والتي تقود الناس أجمعين إلى هذا التعديل في نظم حياتهم، فهذه النقطة وهذه الفكرة هي التي يصورها لنا أناس من هؤلاء الذين كانوا كفاراً ثم دخلوا في الإسلام، وكان سبب دخولهم في الإسلام هو الإحساس بنعمة الصلاة، ومشهد المسلمين وهم يصلون.

стр. 104

نماذج من أقوال غير المسلمين المعبرة عن إعجابهم بالصلاة يقول أر تومس لون وهو لم يسلم، لكن كتاباته تنم عن إعجاب شديد جداً بالإسلام كما هو معلوم، يقول: إن دين المسلم يتمثل دائماً في مخيلته، وفي الصلوات اليومية، ويتجلى هذا الدين في طريقة نسكية خاشعة مؤثرة، لا تستطيع أن تترك العابد والمشاهد كليهما غير متأثرين. يعني: أن مشهد الصلاة يؤثر على المصلي وعلى من يراه، فإنه يتأثر بمنظره. ويتحدث توماس أرلون أيضاً في كتابه (العقيدة الإسلامية) عن تأثير العبادة، وبشكل خاص تأثير الصلاة في المسلمين وغيرهم فيقول: هذا الفرض المنظم من عبادة الله، هو من أعظم الأمارات المميزة للمسلمين عن غيرهم في حياتهم الدينية، فكثيراً ما لاحظ السائحون وغيرهم في بلاد المشرق ما لكيفية أدائه من التأثير في النفوس، وإليك ما قاله الأسقف لوفر بهذا الخصوص، وهو من كبار قساوستهم، يقول: لا يستطيع أحد يخالط المسلمين لأول مرة، إلا يدهش ويتأثر بمظهر عقيدتهم، فإنك حيثما كنت سواء أوجدت في شارع مطروق، أم في محطة سكة حديدية، أم في حقل، كان أكثر ما تألف عينك مشاهدته أن ترى رجلاً ليس عليه أدنى مسحة للرياء، ولا أقل شائبة من حب الظهور، يذر عمله الذي يشغله كائناً ما كان، وينطلق في سكون وتواضع لأداء صلاته في وقتها المحدد. ثم يقول: ولننتقل من صلاة الفرد إلى صلاة الجماعة فنقول: إنه لا يتأتى لأحد يرى ولو مرة في حياته، ما يقرب من خمسة عشر ألف مصل في ساحة المسجد الجامع بمدينة دلهي بالهند يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان وكلهم مستغرقون في صلاتهم، وقد بدت عليهم أكبر شعائر التعظيم والخشية في كل حركة من حركاتهم. ثم يقول: إنه لا يتأتى لأحد يرى ذلك المشهد ألا يبلغ تأثره به أعماق قلبه، وألا يلحظ ببصره القوة التي تمتاز بها هذه الطريقة من العبادة عن غيرها. ثم يقول: كما أن توقيت الأذان اليومي للصلاة في أوقات معينة، حينما يرن به صوت المؤذن في أبكر البكور قبل الإفطار، وعند الظهيرة والناس مضطربون ومصطخبون في أعمالهم وعند المساء، هذا الأذان الذي يحصل في هذه الأوقات على تلك الصورة كل يوم مشحون هو الآخر بذلك الجلال عينه. فجمال الصلاة وروعة الصلاة لو أدركها أي إنسان عاقل، لانجذب إلى هذه الصلاة، فتباً لهؤلاء الذين يتثاقلون عن أداء الصلاة، سواء في جماعة أو في غير ذلك، لا يريد أن يصلي، وهو لا يعرف أنه يحرم نفسه من هذه المتعة التي لو كانت غير واجبة لتمناها كما تمناها هؤلاء الذين لم يدخلوا في دين الإسلام بمجرد أنهم رأوا ما ينعم به المسلمون في جنة الدنيا وقرة العين التي هي الصلاة. وقال رينان وهو فيلسوف فرنسي معروف: ما دخلت مسجداً قط دون أن تهزني عاطفة حارة. أو بعبارة أخرى: دون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلماً.

стр. 105

نماذج ممن دخلوا في الإسلام بسبب الصلاة وغيرها

стр. 106

إسلام يهودي إسكندراني عند حضوره لصلاة الجمعة لقد كان مشهد الصلاة من الأسباب المساعدة على دخول رجل يهودي في الإسلام، وإسلام يهودي شيء نادر، أما النصارى فيسلم منهم كثير جداً، لكن يهودي يسلم فهذه محض هداية من الله ؛ لأن اليهود معروفون بقسوة القلوب، وبعدهم عن أسباب الهداية. هذا الرجل اليهودي الإسكندراني من يهود الإسكندرية، يحكي عن نفسه فيقول: كنت مريضاً مرضاً شديداً، فتمثل لي في أثنائه أن هاتفاً يهيب بي أن أعلن إسلامي، ولما دخلت المسجد ورأيت المسلمين مصطفين للصلاة وقوفاً كالملائكة، سمعت في نفسي صوتاً يناديني ويقول: هذه هي الجماعة التي أنبأ بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. هو يعرف من التوراة أن الأنبياء أنبئوا أنه سوف تأتي أمة تراهم ركعاً سجداً، ويقفون في صفوف كالملائكة إلى آخره، فأخبر عن هذه الأمة المحمدية قبل أن توجد في الكتب السابقة. ثم قال: ولما رأيت الخطيب يتقدم للخطبة وعليه رداء أسود، وقع في نفسي وجدان الرهبة والخشية، ولما ختم خطبته بالآية الكريمة التي يقول الله ﵎ فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، وهذه الآية يقولها كثير من الخطباء في نهاية خطبة الجمعة، وسبب ذلك أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لما كان بعض الخطباء من قبله يسبون علياً ﵁ ويسبون بعض الصحابة، أراد أن يبطل عادة السب، واستبدلها بتذكير الناس بهذه الآية الكريمة في آخر الخطبة، والله تعالى أعلم. يقول: وأقيمت بعد ذلك الصلاة، فآنست من نفسي أنها سمت سمواً كبيراً، فقد بدت لي صفوف المسلمين كأنها صفوف الملائكة. هو لا يعرف قول النبي ﷺ لأصحابه: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ يتمون الصف الأول فالأول، ويتراصون في الصف). رواه البخاري. ثم يقول: فقد بدت لي صفوف المسلمين كأنها صفوف الملائكة، وأن الله سبحانه قد تجلى عليهم في ركوعهم وسجودهم، وسمعت في نفسي منادياً يناديني بقوله: إن الله سبحانه إذا كان قد خاطب شعب إسرائيل مرتين في جميع القرون الخالية، فلا جرم أنه يخاطب هذه الجماعة -يعني: أمة المسلمين- في كل وقت من أوقات صلاتها، واقتنعت في نفسي بأني ما خلقت إلا لكي أكون مسلماً. وأي إنسان عاقل يتدبر صلاة المسلمين، سيعلم أنه لا يمكن أن يعبد الله بأكمل ولا أعظم من هذه الصورة التي يعبد بها ويعظم في الصلاة، فإذا نظرت إلى منظر المسلمين لاسيما بالمشهد (البانورامي) الذي يكون من الطائرة أو من أماكن عالية في الحرم المكي الشريف، ورأيت منظر المسلمين والتفافهم حول الكعبة المشرفة والخشوع والرهبة والهيبة والطواف حول الكعبة الذي لا ينقطع ليل نهار على الإطلاق، إلا في أثناء الصلوات المفروضة؛ لعلمت أنه لا يوجد مكان على وجه الأرض أبداً يعظم فيه الله كما يعظم في هذا المكان، ولا يمكن أن يعبد الله بأحسن مما يعبد في الصلاة. فالصلاة نعمة من الله ، لكن المصيبة عندما تتحول هذه النعمة إلى عادة، فيحرم المرء من التلذذ بهذه النعمة؛ بسبب الإلف وطول مؤانسته لها، في حين المحروم منها هو الذي يحس بطيبتها، فنحن المسلمين أولى بأن نستشعر هذه النعمة وأن نقبل على الصلاة، حتى لو كانت الصلاة غير مفروضة، فنهرع إليها لما فيها من هذه الفضائل وهذه البركة. وهذا الرجل اليهودي لم يسلم إلا بسبب مشهد الصلاة، وحق له ذلك.

стр. 107

حرص يهودي أسلم على الصلاة أنا رأيت رجلاً مسلماً وكان يهودياً، اسمه الشيخ موسى رحمه الله تعالى، وكان مدير مطبعة أنصار السنة في المبنى القديم، وكان رجلاً كبير السن جداً، وكان شديد المحافظة على الصلاة بصورة غير عادية، ليس الفرائض فحسب، بل النوافل لا يمكن أن يصلي صلاة العشاء إلا ويصلي ركعتي السنة البعدية، ثم يأتي بإحدى عشرة ركعة في المسجد كل يوم قبل أن يخرج من المسجد؛ خشية أن يحرم من ثوابها! انظر إلى مدى حرصه على العبادة، فقد كان يهودياً يحرص على المال والآن انظر إلى حرصه وتمسكه الشديد بالصلاة، لا يمكن أن يضيع نافلة، لا يمكن أبداً أن يغادر المسجد بعد صلاة العشاء إلا وقد صلى إحدى عشرة ركعة في غاية الخشوع، وكان ذا لحية بيضاء كثيفة جداً، وكان معجباً جداً بشيخ الإسلام ابن تيمية وبكتبه، لاسيما كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم)، وكان يقوم بتوزيع الكتب وطباعتها، وكان أصله سورياً، ولما أسلم هجره كل أهله وطردوه، فنزح إلى مصر، وآواه أنصار السنة جزاهم الله خيراً في القاهرة، وبعد ذلك اشتغل في مطبعة أنصار السنة المعروفة.

стр. 108

إسلام عميد اليهود في مصر بسبب الصلاة محام شهير جداً اسمه زكي عريبي وكان عميداً لليهود في مصر، كان يتحرق شوقاً إلى الإسلام كلما رأى مسجداً، أو وقعت عيناه على رجل يصلي لله في خشوع، ويبتهل إليه في خضوع، وكان قلبه ينشرح حين يسمع كلمات الأذان تدعو الناس إلى عبادة الواحد الديان، وكان هناك سؤال يتردد في نفسه ويلح على عقله دائماً وهو: لماذا لا أعتنق الإسلام؟! كان هذا الخاطر يعلو صوته في داخله، ويهزه من أعماقه كلما رأى بين الحقول رجلاً متواضعاً من زارعي الأرض يقف بين يدي الله، مؤدياً صلاته في المصلى الصغير على شاطئ الترعة، فكان يود لو كان يصلي مثل صلاته، ويناجي مثل مناجاته، وقصته طويلة انتهت بإعلانه إسلامه وعمره خمسة وستون عاماً.

стр. 109

إسلام رجل ألماني بسبب منظر السجود رجل ألماني رأى مسلماً ساجداً فتعجب أشد العجب من هذه الحركة، وكان لأول مرة يرى منظر السجود لله في الصلاة، فالرجل انبهر ووقف مشدوهاً أمام هذا المشهد، فظل واقفاً منتظراً هذا المسلم إلى أن فرغ من صلاته، فلما انتهى تقدم إليه وسأله عن معنى هذه الحركات، وخاصة السجود، فبين له ذلك المسلم معنى الصلاة وحكمتها وآثارها، فأصيب وهو يستمع إلى الشرح بما يشبه الذهول الممزوج بالفرحة، وكأنه قد وقع على ما كان يبحث عنه منذ سنين، وسبب تعجبه أنه كان يعاني من مرض نفسي وضيق دائم، فإذا ألصق جبهته بالأرض يشعر بالراحة، ولا يعرف أن هذا هو السجود الخاص بالصلاة عند المسلمين، فكان كلما عاوده ذلك الضيق النفسي عاد لإلصاق جبهته بالأرض ليجد الراحة، حتى رأى ذلك المسلم، فعرف سر تلك الراحة التي كان يشعر بها، فاصطحبه ذلك المسلم إلى المركز الإسلامي في (ميونيخ) حيث قام المسئولون هناك بشرح الإسلام له، وأعلن على إثر ذلك شهادة التوحيد ودخل في الإسلام. ما الذي يجتذب الكافرين للإسلام؟ هذا موضوع شيق جداً، لأنه ينبه المسلمين إلى جمال الإسلام الذي هم في غفلة عنه، وهذا عنوان بحث كنت أود أن أفرغ منه من مدة، وسأحاول إن شاء الله أن أنهيه، عنوانه: ما الذي اجتذب غير المسلمين إلى الإسلام؟! جمعت فيه الأسباب التي تجذب غير المسلمين إلى الإسلام؛ حتى نستفيد منها في دعوتهم إلى الإسلام، وأهم سبب من هذه الأسباب هو عقيدة التوحيد في الإسلام، وانسجامها مع الفطرة، حيث إنها خالية من الوساطة بين العباد وبين الله ، فالإسلام مثل البناء الرائع الجميل الضخم العظيم، إذا أتيته من أي النواحي انبهرت به.

стр. 110

إسلام عالم موسيقي بسبب سماعه آية من القرآن الكريم يقول الله : ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فالقلوب الكافرة عليها أقفال، لكن كل قفل له المفتاح الخاص به، وهل هناك مفتاح يفتح كل الأقفال؟! لا، وإلا كل واحد سيكون له مدخل عام، بل كل قلب له مفتاحه، فمن عجائب ما أذكره في الستينات أني سمعت عن عالم موسيقي متخصص في الموسيقى من لبنان أسلم لما سمع قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] فالرجل من شدة خبرته بالموسيقى وملامح الصوت النشاز يقول: لا يوجد أنشز من صوت الحمار وهو ينهق، فقال: هذا لا يمكن أن يقوله إلا خالق الأرض والسماوات، وخالق الأصوات .
следующие страницы →