Полный текст (182 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ترك الصلاة من أسباب الانغماس في الشهوات
إن ترك الصلاة سبب الغرق في الشهوات، فهناك تلازم وارتباط وثيق بين إضاعة الصلاة وبين الغرق في الشهوات والتلوث بالخطيئات؛ لأن من ضيع الصلاة لابد أن يقع في الشهوات، ومن حافظ على الصلاة حفظته الصلاة من الشهوات.
أخبر الله عن قوم أضاعوا الصلاة بعد أن كان آباؤهم مهديين متمسكين بها محافظين عليها متقربين إلى الله بها، يقول : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم:٥٩].
قوله: (خَلْفٌ) أي: في الشر، والأصل أن الخلف في الخير كقول من يقول: خير خلف لخير سلف، وشر خلف لشر سلف، لكن هؤلاء كانوا شر خلف لخير سلف، فآباؤهم كانوا صالحين، قال الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] يعني: من يضيع الصلاة لا بد أن يسقط صريعاً للشهوات.
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠].
فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ضيع الصلاة وهانت عليه فلابد أن يهون عليه ما عداها من حدود الله، من ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع، ومن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ.
يقول الإمام البيهقي رحمه الله تعالى: فذكر الأنبياء والمتقدمين ومدحهم في آخر سورة مريم؛ لأنهم كانوا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، ثم ذكر من خالف مذهبهم، فذمهم فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩].
ثم أخبر بما يؤديهم ذلك إليه من سوء العاقبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] يعني -والله أعلم- لا يرشد أمرهم مع إضاعة الصلاة، ولكنهم لا يزالون يقعون في فساد بعد فساد، كمن يضل الطريق فلا يزال يقع في مهلكة بعد مهلكة، إلى أن ينقطع فيهلك، فدل ذلك على عظم قدر الصلاة، وجلال موقعها من العبادات.
ومن ثمرات الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، والفحشاء والمنكر ينهيان عن الصلاة، فهناك تلازم بين ترك الصلاة وبين اتباع الشهوات، وفي طليعة الفحشاء والمنكر يأتي الخمر والقمار اللذان يستعبدان الإنسان لرغائبه وشهواته، وينهيانه عن الصلاة، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].
فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والفحشاء والمنكر ينهيان عن الصلاة.
إذاً: الخمر والميسر مما يصدان الإنسان عن الصلاة، فشارب الخمر يذهب عقله الذي ميزه الله به عن الحيوانات، فالعقل نعمة وهو يتعاطى ما يذهب به عقله، فيتصرف كالحيوان البهيم، يتجرد من ملابسه، ويتمرغ في الوحل والطين، ويهذي بألفاظ قبيحة ونحو ذلك، استوى مع البهائم بإرادته بتعاطي ما يزيل عقله! فأين السكران من الصلاة؟ كذلك يتعاطى الميسر له سلطان رهيب جداً على من يقعون في أسره، بحيث يضيعون الصلاة اشتغالاً بالميسر، فلذلك كان الميسر مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
إذاً: الفحشاء والمنكر تنهيان عن الصلاة، ولأجل ذلك عظمت مصيبة تارك الصلاة بسبب السكر، وتضاعفت عقوبته، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: (من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها) أي: فمصيبته مثل مصيبة شخص كان يملك كل الدنيا وما عليها ثم سلب هذه النعمة، ثم يقول ﵊: (ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟! قال: عصارة أهل جهنم).
وهذا حديث صحيح عن النبي ﷺ .
أهل جهنم يسيل منهم الصديد والقيح والدم وهذه الأشياء، فعصارة أهل جهنم هي طينة الخبال التي يسقاها من ترك الصلاة بسبب السكر وبسبب الخمر أربع مرات.
نسأل الله أن يعافينا وسائر المسلمين من كل بلاء، وأن يجعلنا من مقيمي الصلاة وأهلها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 142
لماذا نصلي؟ [١٠]
إن ترك الصلاة مصيبة وبلاء، فبتركها يفقد تاركها الإحساس والشعور بالمصائب والعقوبات، ويكون ذلك سبباً في استحواذ الشيطان على العبد، وهو خيانة للأمانة، وسبب من أسباب التعرض لعقوبة الله .
ومما يدل على أهمية الصلاة حض الشرع على تعليمها للأطفال، وأمرهم بالمحافظة عليها في سن مبكرة، حتى إذا ما كبروا اعتادوا عليها، وكانت لها منزلة في قلوبهم.
стр. 143
ترك الصلاة مصيبة وبلاء
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده.
أما بعد: فقد شرعنا في بيان شؤم ترك الصلاة على تاركها، وبينا أن ترك الصلاة كفر، وأنه من أكبر الكبائر الموبقة، وأنه نفاق، وأنه سواد وظلمة وهلكة في الدنيا والآخرة، وأنه من أسباب سوء الخاتمة، وأنه من أسباب عذاب القبر، وأنه شعار أصحاب سقر، وأنه سبب الغرق في الشهوات، وأنه مصيبة وبلاء، فعن نوفل بن معاوية رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله) أي: من فاتته أي صلاة من الصلوات حتى خرجت عن وقتها فقد أصيب بمصيبة كبرى، وفاجعة عظمى، وصار كمن أصيب في أهله وماله جميعاً، ولم يبق له أهل ولا مال، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
قال الخطابي: ومعنى (وتر) أي: نقص وسلب، فبقي وتراً وحيداً بلا أهل ولا مال، والمعنى: فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله.
وفي لفظ عند عبد الرزاق: (لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) متفق عليه.
والموتور: من أخذ أهله وماله وهو ينظر إليهم، ولا شك أن ذلك أشد لغمه، ومن فاتته الصلاة فقد أشبه هذا الرجل؛ لأنه اجتمع عليه أنواع الغم والهم، فاجتمع عليه غم الإثم والذنب العظيم بتفويت وتضييع الصلاة، وغم فقد الثواب الذي كان سيناله لو حافظ على الصلاة، كما يجتمع على الموتور غمان: غم السلب، وغم الطلب بالثأر.
وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ترك صلاة العصر حبط عمله) رواه البخاري.
وقد توعد الله من أعرض عن ذكره فقال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] أي: فليبشر تارك الصلاة بمحاربة الله إياه، ولا شك أن الصلاة أعلى أنواع الذكر؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، بل هي تشتمل على كل أنواع الذكر.
إذاً: فليعلم تارك الصلاة أنه لإعراضه عن ذكر الله سيحاربه الله بالمعيشة الضنك، وأن الله يحشره يوم القيامة أعمى، فسوف يحاربه الله بتنغيص عيشه، وتكدير قلبه، وتشتيت همه، وتفريق شمله، وحضور فقره، وفساد أحواله، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.
стр. 144
ترك الصلاة يفقد الإحساس والشعور بالمصائب والعقوبات
قد ترى تارك الصلاة الأثيم رائحاً غادياً لا يحس بعظم وزره وشناعة فعله، ولا يشعر بعقوبة الله إياه، كما يقول الشاعر: وما لجرح بميت إيلام فاعلم أن أشد العقوبات ما خفي ودق، ففقدان الشعور بالمصيبة هو في حد ذاته أعظم مصيبة؛ لأن الإنسان قد يعاقب بأشد أنواع العقوبة وأخطرها وهو مع ذلك لا يحس بها.
فالله يعاقب بأنواع من العقوبات: عقوبات كونية قدرية كالزلازل وغيرها من المصائب المعروفة، وعقوبات شرعية كإقامة الحدود مثلاً على ذنوب ومعاص معينة، وهناك العقوبة بالأمراض والابتلاءات، وهناك العقوبة بتسليط الظالمين، فالعقوبات متعددة، وأنواعها كثيرة، إلا أن أخطر أنواع العقوبات أن يعاقب الإنسان ولا يحس أنه يعاقب؛ لأنه إذا فقد الإحساس فإنه يرتكب إثماً وبالتالي لن يشرع في إصلاح أحواله أو التوبة إلى الله ؛ لأنه ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فإذا رأى الإنسان الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فكيف سيتوب منه؟! فهذا بلا شك من أخطر أنواع العقوبات، وهو ما خفي ودق ولم يتفطن إليه صاحبه، فصاحب هذه العقوبة الخفية يغفل عن مصابه، فهو بمنزلة السكران والمخدر الذي لا يشعر بالألم فلا يسعى في خلاص نفسه، وفاقد الإحساس مثل الشخص الذي يبتلى بمرض السكر، ولا يحترم نظام الأدوية والأغذية إلى آخره؛ فتبدأ الأضرار تتفاقم عليه لاسيما على أعصابه، فمريض السكر يقولون له: اهتم بالقدم؛ لأن القدم عضو خطير جداً في مرض السكر؛ لأنه لو حصلت مضاعفات في أعصاب القدم يفقد الإحساس، وربما ينخلع النعل من رجليه ولا يشعر به، فبالتالي يدخل في قدمه زجاج أو أي نوع من هذه الأشياء فتتفاقم المشكلة إلى أن تنتهي أحياناً إلى حصول الغرغرينة، ويتحتم قطع القدم أو الساق؛ بسبب عدم الإحساس، فهو لما لم يحس أصيب وهو لا يشعر، وتفاقمت المصيبة حتى انتهت بالبتر ونحو ذلك كما هو معلوم، كذلك صاحب الغفلة قد يعاقب ويصاب دون أن يشعر بأن هذه المصيبة تهدد كيانه، فهو كالسكران وكالمخدر تحت البنج الذي لا يشعر بالألم، ولا يسعى في خلاص نفسه، ولذلك جعل النبي ﷺ التألم للذنب من علامات صحة القلب وبقاء الحياة فيه، فقد قال النبي ﷺ : (إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن) فالمؤمن ليس معصوماً؛ لأنه لا معصوم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن؛ لأنه لم يفقد الإحساس بالذنوب، ولا زال يستطيع أن يحكم على القبيح بأنه قبيح، ويرى الحسن في صورة الحسن.
إذاً: وجود الإحساس في القلب والتألم للمعصية والسرور بالطاعة علامة على حياة هذا القلب.
فما دام هناك قلب ينبض، وما دام هناك دم يجري في العروق ويسري وما دامت الروح لم تغادر البدن، فهناك أمل وفرصة أمام الإنسان ليرتقي إلى أعلى مراتب العبودية، حتى يصل إلى مرتبة الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وهناك فرصة أن يراجع الإنسان نفسه ويعود إلى ربه، يقول الله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
قوله: (نسوا) أي: ضيعوا أوامر الله ولم يرقبوه.
قوله: (فأنساهم أنفسهم) يعني: تركهم الله مثل قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] يعني: فتركهم؛ لأن النسيان في حق الله ليس هو المضاد للذكرى أو التذكر، وإنما نسيهم بمعنى تركهم، وهذا أحد معاني النسيان، وقد فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه:١١٥] أي: ترك على أحد التفسيرين.
قوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) يعني: فتركهم ولم يوفقهم إلى التوبة، فترى الشخص المتلبس بمصيبة ترك الصلاة -التي هي أخطر ما يصيب الإنسان في دينه- لا يبالي بها، وتراه يغدو ويروح وهو مبتسم، وربما سخر من الذين يصلون أو تهكم بهم وغير ذلك، فهذا ينطبق عليه قوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فلو كان عنده إحساس لبكى على مصيبة عدم الإحساس ونسيان الله إياه، فهؤلاء لم يوفقهم الله إلى التوبة لما سلط على قلوبهم من الغفلة التي تزهدهم في طاعة الله .
عن أبي هريرة وابن عمر ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات -أي: عن تركهم صلاة الجمعة- أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين) فيسعى هذا الغافل في صلاح دنياه ولو خرب أخراه، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فتراه إذا أصيب بمصيبة في الدين لا يبالي بها، أما لو أصيب بمصيبة في الدنيا -كما لو ضاع منه جنيه أو خمسة جنيهات- لأقام مأتماً وعويلاً، وحزن عليها حزناً شديداً.
يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى في أهل الدنيا: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي.
يعني: إذا أمسك الدرهم وزنه في غاية الدقة بيديه، كأن يديه ميزان من شدة الخبرة في أمور الدنيا، وهو لا يحسن أن يصلي، فكيف لو رأى الحسن ما نحن عليه الآن في هذا الزمان من غرق الناس في أمور الدنيا، والخبرة بأتفه الأشياء في أمور الدنيا مع الجهل الأعمى بالدين وبالتوحيد ونحو ذلك من الأمور الهامة، فلو علم ذلك لاحتقر هذا المثال الذي ضربه بالنسبة لما نحن عليه الآن.
وقال أبو بكر بن عياش: مسكين محب الدنيا يسقط منه درهم فيظل نهاره يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وينقص عمره ودينه ولا يحزن عليهما! الأيام تجري، والعمر في الحقيقة ينقص، لا يزيد، ومع ذلك بعضهم يعمل حفلة عيد ميلاده ويقولون له: عقبى لمائة سنة! وهذه في الحقيقة مصيبة كان عليه أن يحزن حزناً شديداً على الأيام التي فاتته؛ لأنه صار أقرب إلى القبر، بل هو من يوم ولد بل من يوم أن كان جنيناً في بطن أمه بل من يوم كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وجرى القلم بما هو كائن؛ كتب أجله، وعدد الأنفاس التي يتنفسها، فبالتالي هو في كل لحظه يقترب أكثر إلى القبر.
إذاً: العاقل يحزن لفوات عمره ولا يقيم احتفالاً، وهذا مثال من ينقص عمره ودينه ولا يحزن، ولا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنما يفجع لمصائب الدنيا.
يقول الشاعر: ومن البلية أن ترى لك صاحباً في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر وكان من دعاء النبي ﷺ : (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)؛ لأن المصيبة في الدنيا تهون، وكل ما يفقده الإنسان من الدنيا يمكن أن يعوض، إذا مرض فإن المرض تعقبه العافية، وإذا فقد مالاً فيمكن أن يعوض عليه بمال آخر ويخلف الله عليه.
من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعته عوض فالله إذا كسبته يعوضك عن كل شيء، وإذا خسرته فلا يعوضك عن الله شيء.
يروى في الأثر الإلهي: (ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم! اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء).
стр. 145
ترك الصلاة من أسباب استحواذ الشيطان على العبد
ترك الصلاة سبب استحواذ الشيطان على العبد، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٩].
فمن يضيع الصلاة يضيعه الله ويخذله ويعاقبه بأن يقيض له شيطاناً يقارنه فلا يفارقه لا في الإقامة ولا في المسير، بل هو مولاه وعشيره، فبئس المولى وبئس العشير، فيتخذ قلبه المريض وطناً، ويعده مسكناً، وإذا تصبح بطلعته حياه وقال: فديت من قرين لا يفلح في دنياه ولا أخراه.
قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها فأنت قرين لي بكل مكان فإن كنت في دار الشقاء فإنني وأنت جميعاً في شقى وهوان وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).
قوله: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان) فعدم إقامتهم للصلاة يسبب استحواذ الشيطان عليهم.
قوله: (فعليكم بالجماعة) أي: بصلاة الجماعة.
قوله: (فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) فبين النبي ﵌ أن الشيطان ذئب الإنسان، وهو أعدى عدو له، وكما أن الطائر كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات، فكذلك الشاة كلما كانت أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك، فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب من الغنم أبعدهن عن الراعي.
قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض الله عنه تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان.
وبين ﷺ مظهراً من مظاهر كيد الشيطان لصد المؤمن عن ذكر الله وعن الصلاة، ودلنا على ما يحبط هذا الكيد، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) يعني: أنه يسحر الإنسان بنوع معين من السحر ليمنعه من القيام كما يعقد الساحر عند سحره، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] فالشيطان يفعل نفس الشيء بأن يعقد ثلاث عقد على قافية رأس الإنسان إذا أراد أن ينام، فالذي يخذله الله يعمل فيه هذا السحر الشيطاني، والذي يوفقه الله يصرف عنه ذلك السحر، يقول النبي ﷺ : (ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه حرير -يعني: حبل- معقود ثلاث عقد حين يرقد).
ويقول ﷺ : (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد -يغريه بالتمادي في النوم-، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، وإن توضأ انحلت عقدة، وإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) متفق عليه.
فالذي ينام عن الصلاة قد استسلم لعقد الشيطان ووسوسته حتى صار عدوه مستحوذاً على نفسه مسيطراً عليه.
عن ابن مسعود ﵁ قال: (ذكر عند النبي ﷺ رجل ثقيل ما زال نائماً حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال ﷺ : بال الشيطان في أذنه) رواه البخاري.
وفي رواية ابن حبان: (إنه نام عن الفريضة)، فالشيطان استحوذ عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه، فمعنى أن الشيطان بال في أذنه أي: يستخف به ويستهتر به.
стр. 146
ترك الصلاة خيانة للأمانة
إن ترك الصلاة خيانة للأمانة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] ولا شك أن المعاصي -كلها وفي مقدمتها ترك الصلاة- خيانة لله .
ويقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨]، والأمانة من حيث المعنى أوسع من مجرد حفظ الودائع، فهي التكاليف الشرعية التي ائتمن الله عباده عليها وأمرهم بها، بحيث إذا فعلوها أثيبوا وإن تركوها عوقبوا.
قال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به أو نهوا عنه.
والصلاة من أعظم الأمانات التي كلفنا الله حفظها، فمن ضيعها فقد خان أمانة الله ونقض عهده، والله تعالى يقول: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة:٧].
ويقول ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)، وكان ﷺ إذا ودع رجلاً قال: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)؛ لأن السفر مظنة المشقة فربما كانت سبباً للتقصير والإخلال.
стр. 147
ترك الصلاة إساءة للأنبياء والملائكة والصالحين
إن ترك الصلاة جناية وإساءة على الأنبياء والملائكة وسائر عباد الله الصالحين؛ لأنه يجب عليه في التشهد أن يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وقد قال النبي ﷺ في هذا الذكر: (إذا قالها بلغت كل عبد لله صالح في السماء والأرض) متفق عليه.
أي: إذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين بلغت ووصلت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، فإذا ترك الصلاة عطل هذه التحية الطيبة عن أن تبلغ وتصل إلى أولياء الله الصالحين.
стр. 148
ترك الصلاة من أسباب التعرض لعقوبة الله
إن ترك الصلاة فيه تعرض لعقوبة الله في الدارين، فقد روي عن معاذ ﵁ قال: (أوصاني رسول الله ﷺ فقال: لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله) يعني: أنه لا يبقى في أمن من الله تعالى في الدنيا باستحقاق التعزير والملامة، وفي العقبى باستحقاق العقوبة.
قال ابن حجر: قوله (فقد برئت منه ذمة الله) كناية عن سقوط احترامه؛ لأنه بذلك الترك عرض نفسه للعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حداً لا كفراً بشرط إخراجها عن وقتها الضروري، وأمره بها في الوقت عند أئمتنا، ولقتله كفراً فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين عند أحمد وآخرين.
стр. 149
وصية لتارك الصلاة
النداء الأخير بعد هذه الرحلة لتارك الصلاة: يا تارك الصلاة! إلى متى يدعوك مولاك وأنت معرض لا تجيب؟! كم يتقرب إليك بإحسانه وأنت تبارزه بعصيانك وعليك منه رقيب؟! بادر بالتوبة إلى بابه، ولذ بجنابه، فهو منك قريب!! عن البراء بن عازب ﵁ قال: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ بصر بجماعة فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه، ففزع رسول الله ﷺ ، فبدر بين يدي أصحابه مسرعاً حتى انتهى إلى القبر فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى ﷺ حتى بل الثرى - أي: التراب- من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: أي إخواني! لمثل هذا اليوم فأعدوا).
стр. 150
وصايا وتنبيهات حول تربية الأطفال على المحافظة على الصلاة
стр. 151
أهمية القدوة الطيبة في تربية الأطفال على المحافظة على الصلاة
من أنواع البناء التربوي للأطفال بناؤهم من ناحية العبادة، وأهم العبادة الصلاة، فالأطفال يعتقدون أن كل ما يفعله الكبار صحيح، ويرون آباءهم أكمل الناس وأفضلهم؛ ولذلك يحاكونهم ويقتدون بهم، وفي السن المبكرة لا يكتفي الأطفال بمجرد تلقين المعلومات، لأنه لا يكون لها الأثر مثل ما يكون الأثر عن طريق القدوة العملية؛ لأن الطفل في السنوات الأولى يتأثر بالأمور المحسوسة، ويعيها جيداً، بخلاف إذا ما حدثته عن المعاني المجردة كالجمال والعدل والسماحة والكرم؛ فهذه لا يدركها الطفل؛ لأنها معاني مجردة، لكنه يدرك الأمور المحسوسة ويتأثر بها جداً، فموضوع القدوة في حياة الطفل أخطر وسائل التربية وأشدها أثراً على الإطلاق، فالسن المبكرة لا يتأثر فيها الأطفال بالتلقين والكلام الشفوي إذا لم توجد أمامهم القدوة الصالحة التي تترجم بصورة عملية المعاني المجردة؛ ولذلك فإن أفضل وأعمق طريقة تؤثر في حفر قيمة الصلاة في نفوس الأبناء هي أن يرى الطفل الأب والأم يحافظان على الصلاة أمامه باستمرار، وبالنسبة للأب في صلاة النافلة في البيت، أما الأم ففي الفريضة.
فالمحافظة على الصلاة باستمرار لها أثر من قبل سن السابعة، فتجده من غير أن يأمره أحد بالصلاة يصلي مثل أبيه أو أمه، تراه على من يأتي إلى جانب الذي يصلي ويقلده في الحركات بطريقة معروفة، ويظل ينظر إليه وهو يسجد وينظر إليه وهو يركع ويفعل مثله، ومن الطبيعي أن الطفل يتقمص الأب، وأعلى مراتب التقليد وأعمق وأقوى صور التقليد والمحاكاة هي التقمص، فهو يتوحد مع أبيه أو يتقمصه ويفعل ما يراه يفعله بطريقة عملية.
التربية الأب لا يجمع أولاده ويقول لهم: تعالوا لدينا حصة تربية في البيت، ثم يعطيهم محاضرات، هذا خطأ؛ لأن تربية الأطفال هي تربية عملية مستمرة خلال أربعة وعشرين ساعة في كل سلوك يفعله الآباء بالذات، هذه هي التربية، فالأب عندما يقول له مثلاً: قل للذي يتصل في الهاتف: إن أبي غير موجود، فهذه تربية على استباحة الكذب، وأن الكذب طريقة مقبولة للتخلص من الحرج، أو إذا طرق شخص الباب، فقل له: إن أبي غير موجود، وربما يقول هذا الطفل للطارق: إن أبي يقول لك: هو غير موجود! فالطفل بهذه الطريقة يتشرب هذه التربية المنحرفة.
إذاً: أنت تعلمه كيف يتخلص من هذه المواقف بالكذب، أو إذا كان الأب يخون الأمانة ويسرق، أو يكيد زملاءه مثلاً، ويأتي يحكي لهم ذلك في البيت، فيسمعه الطفل؛ كل هذه وسائل تربية سيئة، وتترك بصمات عميقة الأثر مدى الحياة بعد ذلك في ذلك الطفل.
إذاً: مجرد التلقين بالكلام والوعظ الشفهي للأطفال لا يتأثرون به ما لم توجد أمامهم صورة عملية يسمونها (كونكريت نتنج) و (كونكريت) هي الخرسانة، يعني: تفكير متحجر مثل الطوب، وليس هو تفكير المعاني المجردة، وإنما هو التفكير الحسي، حتى يجسد الصورة التي ينسجم معها هذا الطفل.
إذاً: محافظة الأب أو الأم على الصلاة تؤثر في الأطفال أعمق التأثير، وتحفر الصلاة في وجدانهم حفراً.
стр. 152
أهمية الدعاء للأبناء للمحافظة على الصلاة
إن من الأسباب التي ينبغي ألا نغفل عنها عند تربية الأطفال على الصلاة والمحافظة على الصلاة أن يستعين الإنسان بدعاء الله ، وأن يتأسى بإبراهيم ﵇، فإبراهيم ﵇ كان يقول في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠].
فينبغي للإنسان أن يلهج بهذا الدعاء في كل مناسبة، وأن يتحرى أوقات الإجابة؛ لأن الدعاء من أنجح وأقوى أسباب حصول المقاصد ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠] فالدعاء أيضاً في غاية الأهمية.
стр. 153
مفهوم العقاب البدني في التربية وضوابطه ووقته
إن على الأب أو المربي أن يعلم أن العقاب البدني بشروطه هو الوسيلة الأخيرة للعقاب؛ كي لا يتعود عليه الطفل، وبالتالي لا يجدي استعماله فيما بعد، مسألة العقاب البدني بالنسبة للطفل موضوع شائك للغاية، يساء فهمه وتطبيقه عند كثير من الناس، وله ضوابط إن شاء الله سنتكلم عنها بعد الفراغ من بحث الصلاة؛ لأنه من الموضوعات التربوية المهمة؛ ولأن درء المضار مقدم على جلب المنافع، فموضوع الضرب يساء فهمه نتيجة جهل الناس بموضوع التربية، حتى أن بعض الناس يظن أنه لو لم يضرب ولده فكأنه ضيع سُنة، ويحس بتقصير إذا لم يضرب الأطفال! لا يوجد نزاع على الإطلاق في أهمية وضرورة مبدأ الثواب والعقاب في التربية، فهو مبدأ أساسي جداً ومهم، لكن ليس من شرط العقاب أن ينحصر في الضرب، فالضرب له شروط كثيرة سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى بالتفصيل، لقد شرع الضرب للأطفال عند سن العاشرة، وذلك لقوله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين)، فإذا كانت الصلاة التي مقامها في الإسلام عظيم، ومع ذلك لا يضرب عليها الطفل إلا بعد بلوغ العاشرة، فما بالك بما عدا الصلاة؟! إننا نرى بعض الآباء القساة غلاظ القلوب يضربون الأطفال ضرباً مبرحاً على أتفه الأشياء! والشيء الغريب الذي دائماً نكرره، والخطيئة المتكررة في التربية التي لا يتفطن إليها كثير من المربين؛ أن طفلك ليس أنت، وعلى الإنسان ألا يساوي عقله بعقل الطفل، فالضرب بعنف خرج عن كونه نوعاً من أنواع العلاج، فالضرب شرع بشروط كعلاج، لكن إذا كان سيتحول إلى داء لا دواء فلا داعي له، فالضرب له هدف تربوي، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يضرب وهو غضبان كما هو معلوم في الآداب الشرعية، فلا تضرب الطفل وأنت غضبان، بل تريث إلى أن تذهب ثورة غضبك، وتقرر الضرب وأنت هادئ؛ لأنه في هذه الحالة سيكون الهدف من الضرب هو التقويم والعلاج، لكن في حالة الغضب سيكون الهدف هو إفراغ شحنة الغضب في ضرب الطفل، ولن يتوقف الضرب حتى تهدأ نفس الضارب ويخرج شحنة الغضب، وليس هذا هو الضرب المشروع لتربيةً الطفل، بل صار وسيلة عقاب وانتقام للنفس وليس هدفاً.
قضية الثواب والعقاب لا مناص منها في العملية التربوية؛ لأن هذه وسيلة من وسائل التربية، لكن معنى العقاب أشمل من أن يكون بالضرب، فهناك وسائل كثيرة للعقاب متعددة، ولا بد أن يكون العقاب متناسباً مع حجم الخطأ بحيث لا يستعمل العقاب الشديد على خطأ تافه، وهكذا.
إن العقاب البدني بشروطه هو الوسيلة الأخيرة للعقاب؛ لأن الطفل إذا تعود على الضرب فإن جسمه سيفقد الإحساس بالضرب، ولا يعد يهمه الضرب؛ لأن كرامته أهدرت؛ لأن بعض الناس المتهورين يربط الضرب بالتحقير والشتم والسب، وهذه الألفاظ في الغالب تهدر كرامة الطفل، ثم إن الطفل لا يتأثر بسماع هذه الأشياء، ولا يجدي استعمال الضرب معه فيما بعد، لكن كلما كان الضرب نادراً ومنضبطاً أتى بالتأثير.
стр. 154
ضرورة تعليم الأب ولده الوضوء نظرياً وعملياً
على الأب أن يعلم ولده الوضوء والطهارة بالشرح النظري ثم بالتدريب العملي المتكرر، وأن يقوم بتيسير فهمه لهذا الأمر بقدر المستطاع، ولا يكثر عليه من الأدعية والسنن في المراحل الأولى.
إذاً: على الأب أن يعلم ولده الوضوء والطهارة بالشرح النظري ثم بعد ذلك بالتدريب العملي المتكرر، كأن يقوم بنموذج للوضوء أمامه، ويجعله يطبق خطوة خطوة كما يفعل هو في الوضوء، ويسمح له بالتطبيق أمامه، فإن أخطأ علمه ووجهه بلطف دون تعنيف، فإذا أتقن الوضوء مدحه واحتضنه وقبله مشعراً برضاه عنه، وهذا نوع من المثوبة المعنوية، وليس شرطاً أن يكون الثناء عليه بالحلوى والنقود وهذه الأشياء، لكن ممكن بأن يظهر الرضا عنه وتقديره لما صنع، وكذلك يعلمه فضائل الوضوء وثواب الوضوء؛ كي يحفزه على الحرص على تحصيل ثوابه.
ومن الأمور المهمة أننا نهتم مع الطفل بأمور الترهيب، وإن كان لا بد من الترهيب فليكن الترهيب بصفة عامة، دون أن تقول له مثلاً: إذا لم تصل سوف تدخل النار، وسوف يعذبك الله بكذا وكذا، لكن تقول: من لا يصلي يعاقبه الله بكذا، فالطفل إذا لم يصل لا يدخل النار؛ لأنه غير مكلف، وقولك: إنه يدخل النار يعتبر كذباً، فليلتفت إلى مثل هذا.
стр. 155
ضرورة تعليم الطفل الصلاة منذ الصغر
على الأب أن يتم تعليم ولده الصلاة منذ السن الباكرة دونما توجيه مباشر، بل يكرر صلاة النوافل في المنزل على مشهد من أولاده، وهم يتأثرون أعمق الأثر إذا رأوا أباهم يمرغ وجهه لله ساجداً قائماً خاشعاً، قد استغرقته الصلاة وصرفته تماماً عما حوله؛ لأن الطفل مع الوقت يستنتج أن الذي يدخل في الصلاة لا يصح أن يكلمه أحد، ولا يصح أن يأكل أو يشرب أو يتكلم؛ لأن الصلاة تستحوذ على كل كيانه فلا ينظر إلى ولده مهما بكى أو نادى عليه أو نحو هذا.
الشاهد: أن الطفل من هذا المشهد سوف يعلم أنه متى ما دخل أحد أبويه في الصلاة فإنه لن يستجيب له، وكذلك صلاة الأب خاشعاً لله مما يؤثر فيه أعمق الأثر، وهذا من شأنه أن يغرس في نفوس الأطفال عظمة الله ، كما أنهم بهذه الطريقة -وهي التربية بالعادة- يتعرفون على أعمال الصلاة ويحبونها؛ لأن أي شيء يعتادون رؤيته بصورة معينة فإنهم يعتادونه، فهذا نوع من أنواع التربية بالعادة، لاسيما عندما يتكرر بصورة تلقائية في أوقات محددة، فمثلاً: حينما ينام تلقنه أذكار النوم، حينما يأتي الصباح تعلمه بعض أذكار الصباح، فتحويلها إلى عادة يواظب عليها هذا مما يعينه فيما بعد على الاستقامة على هذه الأمور الشرعية.
стр. 156
الآثار السيئة المترتبة على التشديد في أمر الصلاة على الأطفال
على الأب ألا يشتد مع الطفل قبل سن التمييز في أمر الطهارة للصلاة وستر العورة، حتى فوق سن السابعة إذا صلى وهو مقصر في بعض شروط الصلاة مثل ستر العورة تصح صلاته؛ وذلك لحديث الصبي الذي كان يصلي بالقوم، فقالت امرأة: استروا عنا عورة إمامكم! فقد كان أثناء الصلاة ينكشف منه شيء من عورته، ومع ذلك فصلاته كانت صحيحة.
إذاً: لا بأس من التساهل في تحصيل شروط الصلاة في مراحل التدريب الأولى.
أيضاً: لا تدقق معه كثيراً، فقد يسجد على أي الأحوال أو على أي الأوضاع، وهذا نوع من التدريب، فلا تتشدد معه، بل اتركه يقلدك كيفما كان، ولا تكفه عن التقليد، ولا تقل له: أنت لا تحسن تصلي مثلاً، بل دعه يصلي ويقلد؛ لأن زجره في هذه السن وهو غير مكلف ينفره من الصلاة، ويكرهه فيها.
كذلك لا يراقب الأب الطفل الذي يصلي ويتصيد له الأخطاء، وكلما يحصل منه خطأ يقول له: أنت عندما تصلي تعمل كذا أو كذا، فهذا سيكرهه في الصلاة، وسيحس أن الصلاة عبء شديد عليه، وقد يقول: كل هذا لأنني أصلي؟! فلا داعي أن أصلي إذاً! فهذا فيه نوع من التنفير، والنبي ﷺ يقول: (إن منكم لمنفرين) ويقول أيضاً: (بشروا ولا تنفروا) بل عليك تتغاضى عن أخطائه؛ لأنه من حقه أن يخطئ في هذا السن، فهو يتعلم من التجربة والخطأ، ويمكن تحوير العبارة بطريقة أكثر إيجابية بدل هذا التوبيخ المباشر الذي يشعره بأن الصلاة عبء عليه، وأنه إذا تخلص من الصلاة سيتخلص من كل هذا العتاب؛ لأن الذي لا يصلي لا يعاتب، فلننتبه لهذا، وهذا يحصل مع البنات في موضوع الحجاب، أنت متحجبة وتعملين كذا، فيحصل التنفير من الحجاب، يقال لها: لكن تقول لها: أنت محجبة، وبنت مؤدبة ومهذبة، والذي يليق بك أن تفعلي كذا وكذا! بدون تحقير الذات والنقد الهدام.
стр. 157
مراحل تدريب الأطفال على الصلاة
نعود إلى المراحل الأولى من التدريب على الصلاة، هناك مناسبة وهي بلوغ الطفل السنة السابعة من العمر بالتقويم الهجري، فهنا يجب على الأب أن يأمره بالصلاة عند سن السابعة؛ لقول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)، وأيضاً يأمرهم بتحصيل شروطها كالطهارة وستر العورة، وهذا سن التدريب المبكر على الصلاة بهوادة وبلطف وبرفق، ومع الاستمرار تكون الصلاة في حياة هذا الطفل جزءاً من كيانه لا يمكن أن ينفصل عنه أبداً، فإذا أحسنا غرس هذا الشعور بأن الصلاة جزء من شخصيته وجزء من هويته ومن كيانه كان هذا أدعى له حينما تجب عليه الصلاة أن يتمسك بها ولا يضيعها.
وتاريخ إتمام سن السابعة لا ينبغي أن يمر مروراً عابراً، ونحن ضد الاحتفال بأعياد الميلاد؛ لأن هذه بدعة ليس لها علاقة بالإسلام، لكن عند بلوغ الطفل سن السابعة فإن هناك مناسبة شرعية جداً، وهو أنه سوف يبدأ الأب بأمر ولده بالصلاة، مع أنها غير واجبة على الطفل، لكن الواجب على الأب أن يأمر ولده بالصلاة، فبالتالي ينبغي أن يسلط الضوء على هذا التاريخ، ويخبر الطفل مقدماً ومسبقاً بأنك بعد ستة أشهر ستبدأ تصلي مثل الكبار، وتشبهه بالكبار؛ لأنه دائماً يتطلع أن يكون من الكبار، وهذا مما يجعل هذا الطفل عندما يكمل السابعة يحافظ على الصلاة باستمرار ويواظب عليها.
إذاً: المطلوب تعميق هذا الحدث الهام؛ لأننا نريد أن يعرف الطفل أنه سيستقبل مرحلة جديدة، فلا بد أن يهيأ إليها مسبقاً، لا على أنها مسئولية ستلقى على كتفه وعبء عليه، لا.
كذلك يسأله ويقول له: أنت كم عمرك الآن؟ فلو قال لك مثلاً: ست سنوات ونصف، فتقول له: ما شاء الله! عندما تبلغ السابعة سوف تصبح رجلاً، فعلينا أن نربط الصلاة للطفل بشيء يأمله ويطمح إليه ويتطلع إليه بلهفة، وليس أننا ننوي أن نمسك له العصا.
إذاً: لا ينبغي أن يمر تاريخ إتمامه سن السابعة مروراً عابراً، بل يعمق هذا الحدث الهام من خلال إعلامه قبلها بأنه مقبل على أمر عظيم، وهو اقتراب موعد أمره بالصلاة، فإذا بلغ السابعة وصلى أول فرض جمع له أبوه بعض أصدقائه وإخوته في حفل صغير ابتهاجاً بهذه المناسبة الطيبة، وكذلك يقوم الأب بشراء منبه له؛ لكي ينبهه لمواعيد الصلاة، أو يحضر له تقويماً لكي يعرف به مواعيد الأذان أو أي نوع من الهدايا المناسبة لمثل هذه المناسبة، أو حلوى يحبها، وكل واحد من أصدقائه يعطيه هدية يسيرة؛ فيحس أن هذه المناسبة مناسبة عظيمة جداً، وليس هذا احتفالاً بعيد الميلاد، لا، وإنما هذا تضخيم للأمر العظيم المهم الذي هو مقبل عليه، وهو بداية التحول إلى أداء الصلاة، ومن المناسب أن يقدم له ساعة يد لكي يضبط نفسه لمواعيد الصلاة ويقول: هذه حتى تذكرني قبل الأذان بخمس دقائق لكي أتوضأ؛ حتى يكون عارفاً بمواقيت الصلاة ومهتماً بالاستعداد لها.
كذلك ينبغي متابعته في مدى انتظامه في الصلاة، وتذكيره بها وتكرار أمره بها دون ملل.
ولو كان الطفل يلعب بلعبة محببة إليه جداً، بأي نوع من أنواع اللعب، وتريد أن تأمره بالصلاة، ففي هذه الحالة لو أبعدته عن اللعب -الذي هو محبب إليه- إلى الصلاة؛ فقد يحس أنه حرم من حاجة كان يفضلها، وربما يعاندك، وهو لا يعاندك لأنه لا يريد أن يصلي، ولكن يعاندك لأنه يتمتع باللعب، فالحل في هذه الحالة أنك قبل ميعاد الصلاة بعشر دقائق مثلاً تقول له: بقي أمامك عشر دقائق حتى يدخل وقت الصلاة، فالعب إلى الأذان، فأنت لم تحرمه من اللعب، ولم تقطعه عن اللعب إلى الصلاة، لكن أعطيته مهلة كي يوطن نفسه أنه بعد ربع ساعة أو عشر دقائق سيؤذن للصلاة، فيتوضأ ويصلي، فنراعي مثل هذه الأمور.
وإذا شغل الأب أو غاب أو سافر لأي سبب من الأسباب، ففي هذه الحالة يوكل من يقوم بمتابعة الطفل وأمره بالصلاة خلال فترة غيابه أو شغله.
روي عن ابن مسعود ﵁ قال: (حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعودوهم الخير، فإن الخير عادة).
ولا بأس بمكافأته أحياناً لمحافظته على الصلاة، لكن لا يواظب على ذلك، وينوع له الهدية في كل مرة، ولا تكون المكافأة دائماً مادية، فممكن أن تكون المكافأة معنوية بالمدح والثناء عليه والتشجيع له، بحيث لا يتعود على التعامل المادي في العبادة، ويقال: إذا صليت ستأخذ جنيهاً عن كل صلاة، لا، بل اربط صلاته بثواب الله .
كذلك إذا حصل منه خطأ تقول: أنا كنت سأضربك على هذا الخطأ، لكن ما دام أنك تحافظ على الصلاة فسأعفو عنك هذا المرة، فهذا نوع من المكافأة.
стр. 158
ربط الأب الأمور المحببة إلى أولاده بالصلاة
على الأب أن يقرن الأمور المحببة للطفل بالصلاة؛ لكي يتعود الطفل أنه يبرمج حياته على مواعيد الصلاة، فمثلاً تقول له: سنخرج فسحة بعدما نصلي صلاة العصر، أو تقول له: بعد صلاة العصر سأشتري لك حاجة طيبة تحبها، ولا تقل له مثلاً: الساعة السادسة سآخذك إلى مكان كذا، وإنما تقول له: بعدما نصلي العصر أو بعدما نصلي المغرب سنعمل كذا، فاربط المواعيد دائماً بالصلاة؛ لكي تكون الصلاة جزءاً أساسياً في الجدول اليومي بالنسبة إليه؛ لأنه إذا عرف أنه بعد الصلاة سيخرج يتفسح مثلاً سيتحفز لذلك، ويستعد للصلاة في وقتها؛ لاقترانها بأمر محبوب لديه.
كذلك يرتب جميع مواعيده مع أولاده بأوقات الصلاة، فيتعلمون تنظيم الوقت بناء على أوقات الصلاة.
стр. 159
ضرورة تذكير الأب أولاده بمنزلة الصلاة وفضلها في الدين
إن على الأب أن يذكر أولاده بين الحين والحين بفضائل الصلاة من القرآن الكريم والسنة الشريفة؛ حتى يكتمل تصورهم الفكري عن الصلاة ومنزلتها في الدين، وحتى يتعود الصبي خاصة بعد سن العاشرة على أداء السنن الرواتب مع الصلوات المفروضة، ويحرص على تعويده على قيام الليل ولو جزءاً يسيراً، فيعلن الأب لأولاده أنه سيقوم ليصلي في الليل وقت كذا وكذا، ثم يتركهم يتنافسون في الاستيقاظ في ذلك الوقت دون أن يوقظهم الأب؛ لتقوى إرادتهم، ويعتمدوا على أنفسهم، وأن يخفف بهم الصلاة، ومن نعس منهم أمره بالنوم رفقاً به.
فإذا قصر الولد في الصلاة بعد العاشرة وجب على الأب وعظه وتذكيره بالنصوص الشرعية في الصلاة، فإن استمر في تهاونه أغلظ له في القول وعنفه وهجره، فلا يكلمه ولا يخالطه ولا يمازحه، ويحرمه من بعض الأشياء المحببة لديه، فإذا فشل العقاب النفسي يلجأ الأب إلى العقاب البدني بشروطه؛ لقول النبي ﷺ : (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين).
فالمربي يقدم دائماً أسلوب الترغيب والإثابة والتشجيع، ويتجاهل تقصير الطفل في بعض الأوقات، مع حسن الإشارة والتلميح دون التصريح، فإن أصر يعاتبه سراً ويعبس في وجهه، فإن أصر يعاتبه جهراً أمام أسرته أو رفاقه بدون شتم أو سب أو تحقير ذاته؛ لأن التحقير للذات أمر غير مسموح به على الإطلاق، فإذا انتقدت تنتقد الموقف أو التصرف ولا تحكم على الطفل بأنه فاشل، وأنه ليس فيه أمل، وأنك طول عمرك ستبقى هكذا؛ لأن هذا فيه تحقير للذات، وفيه تحطيم لقدرات الطفل، لكن تنتقد التصرف فقط.
فإن تمادى رغم ذلك يهدده بالضرب، ويعلق عصاً صغيرة بحيث يراها، فإن لم تنفع كل هذه الوسائل، يلجأ إلى الضرب.
стр. 160
شروط العقاب البدني للأطفال وضوابطه
إذا رأى الوالد أن المصلحة في ضرب ولده، فلا يضربه إلا بشروط، منها: ألا يضرب ولده بأي حال قبل سن العاشرة.
وأن يعلم المربي أن الضرب وسيلة علاج وإصلاح، وليس وسيلة لإهانته وتحقيره وتشويه نفسيته، وليس الضرب أيضاً وسيلة انتقامية يقصد بها تفريغ شحنة غضب المربي وإراحة نفسه، ولكنه ضرورة تربوية استثنائية لمصلحة الطفل، وعليه فلا يقدم المربي على عقوبة الضرب وهو غضبان ثائر.
وألا يكون الضرب شديداً مبرحاً، ويستعمل فيه آلة معتدلة الحجم والرطوبة، ولا يزيد على ثلاث ضربات، وللوالد أن يزيد إلى عشر بحد أقصى.
أن يتوقى ضرب الوجه والمواضع الحساسة من البدن، ولا يكرر الضرب في الموضع الواحد، بل يفرق الضرب، ويترك بين الضربتين زمناً يخف به ألم الأولى.
وأهم شرط أن يكون الضرب على تقصير حقيقي، لا على شبهة أو سوء ظن، وأن يتناسب العقاب مع حجم الخطأ ونوعه.
وأن يتوقف عن الضرب إذا ذكر الغلام الله واستغاث به؛ لأننا بهذا نغرس معنى معيناً فيه.
كان هناك ابن صغير جداً لأحد إخواننا الأفاضل، فأول ما بدأ بالنطق حضر مع والده درساً لي في آداب ضرب الطفل، فكان سعيداً جداً، فبعد أن أكملت الدرس قال لوالده: سمعت الشيخ ماذا قال؟ وجاء إلي وقال: جزاك الله خيراً يا شيخ.
فهو سمع هذا وفهمه، والأولاد قد يظن أنهم لا يفهمون، وهم يفهمون جيداً، وكان هذا الصغير كلما ضربه أبوه ذكر الله أثناء الضرب، واستفاد مما سمعه في الدرس، فجاء أبوه يشتكي إلي أنه من وقت ما سمعك ابني أنه إذا ذكر الله فعلى الأب أن يوقف الضرب، فكلما ضربته ذكر الله واستغاث به فأتوقف عن ضربه، فأقول: هذا مكسب كبير أن نزرع في ذهن الطفل تعظيم اسم الله ، وأنه إذا ذكر اسم الله يتوقف عنه الضرب، فيرتبط ذكر اسم الله بالرحمة والعفو وإيقاف الأذية، فهذا شيء سيحبب إليه ذكر الله .
стр. 161
الآثار المترتبة على تكرار العقاب البدني للطفل
العقاب الذي يتكرر يفقد فاعليته كسلاح لا ينفع استخدامه أبداً، فعلى الأب ألا يكرر العقاب بقدر الإمكان حتى لا تفقد العقوبة قيمتها، فلا يبالي بها الطفل، لكن القاعدة أن الإنسان متى ما استطاع أن ينجز ما يريد بالرفق، فلا يعدل عن الرفق أبداً؛ لأن الطفل الراقي المحافظ على كرامته قد يكون الكلام أشد عليه من الضرب بكثير، فندعه يحافظ على كرامته ولا نهدرها، فالضرب ليس شيئاً حتمياً، بل هو شيء استثنائي وبشروط كثيرة.
لو أن الأب قصر في أمر ولده بالصلاة في سن السابعة، ولم يأمره بالصلاة حتى بلغ العاشرة، فإذا بلغ عشر سنين ولم يكن قد أمره بالصلاة فلا يبدأ بالضرب؛ لأنه قصر في أمره بالصلاة بعد السابعة، فلا يستعمل معه العقاب البدني مباشرة بعد العاشرة وهو قد قصر في تعويده، بل يتدرج معه ويمرنه ويعوده عليها من جديد.
стр. 162
تعويد الطفل على صلاة الجماعة منذ الصغر وربطه بالمسجد
إن على الأب أن يعود الطفل على صلاة الجماعة منذ الصغر؛ كي يتعلق قلبه بالمساجد، وفي المساجد يتعرف على العلماء، ويمارس عملياً آداب الإصغاء في مجالس العلم، والحرص على مشاركة الكبار في أفعالهم ميل طبيعي عند الطفل، فليستثمر الأب هذا الشيء.
كذلك ينبغي أن يعلم الطفل آداب المسجد، وأن يحافظ على المسجد من التلويث أو النجاسة، وأن يحافظ على المسجد من اللهو والصراخ.
هناك أحاديث تدل على أن أطفال الصحابة كانوا يتواجدون في المسجد، لكن أطفال الصحابة لا أظن أنهم كانوا مثل أطفالنا، أو أنهم يفعلون مثل هذه الأشياء التي يفعلها أطفالنا في المساجد، فالطفل الذي يعرف آداب المسجد، ويحافظ على خشوع المسجد، هو الذي يأتي، لكن قد يؤتى بغيره لضرورة، كأن يخرج شخص لحاجة ما ومعه ابنه، فإن أرجعه إلى البيت فاتته صلاة الجماعة، فهذه حالات استثنائية، لكن أن نحول المسجد إلى دار حضانة وصراخ وزعيق بصورة لا تنبغي أو أن نلوث المسجد بالقاذورات فهذا لا يقول به أحد ولا يرتضيه، وهذا نوع من التعسف.
والرخصة تقف عند حد معين، فلا ينبغي أن نأتي إلى الحد الأقصى، ونجعله نقطة انطلاق إلى الإفراط في استعمال هذا الحق، فالأطفال الذي يأتون إلى المساجد يجب أن يكونوا من النوع الذين لا يلعبون فيها، ولا يحدثون أذية للمصلين، ولا يعبثون بأجهزة المسجد ونحو ذلك.
إذاً: لا بد أن يلقن الطفل أولاً آداب المسجد، فإذا اطمأن إلى ذلك يحضره إلى المسجد، وقبل أن يحضره إلى المسجد يهيئه لذلك؛ لأن الطفل قد يكون عنده نوع من الخوف الاجتماعي، فكونه يلتقي بجمع كثير في مكان واسع جداً مثل المسجد قد يحصل له نوع من الهيبة، وقد يبكي ويصرخ، فلابد من التهيئة له قبل أن نذهب به إلى المسجد، وذلك بأن يوصف له المسجد، وأن المسجد بيت الله ، وأنه مكان واسع وجميل ونظيف ورائحته طيبة وشكله جميل، وفيه كذا وكذا، فتصف له المسجد، وتقرن له المسجد بكل شيء جميل، وبأشياء محببة إليه، فمثلاً: تشتري له الحلوى من جنب المسجد، وتقول له: اشتريت لك هذه الحلوى من المحل القريب من المسجد، يعني: أدخل كلمة المسجد واقرنها بالأشياء التي يحبها.
كذلك لو مررت به من جانب المسجد تقول له: هل ترى هذا البناء الجميل؟ هذا هو المسجد، وأنا قريباً سوف آخذك معي لتصلي فيه، فهذا نوع من التدرج قبل أن تأتي به إلى المسجد، كذلك يمكن تهيئة جو المسجد قبل اصطحابه، فلا مانع أن يتفق الأب مع الإمام ومع المؤذن وبعض المصلين من الجيران، أنه إذا حضر معي هذا الطفل إلى المسجد فلاطفوه، وبعض كبار السن يأتون إلى المسجد وفي جيب أحدهم (شوكولاتة) أو حلويات للأطفال، فإذا لقي الطفل في المسجد يعطيه، فهذا نوع من التلطف مع الطفل، وتحبيبه في المسجد وفي أهل المسجد، فيحسن بالأنس، فيطمئن لأهل المسجد ورواده؛ لأن الاهتمام به في أول مرة يدخل فيها المسجد سوف يوقع في نفسه شأن تعظيم الصلاة.
كذلك إذا كان الإمام ممن يطيل الصلاة إطالة تخالف السنة نبهه على عدم الإطالة.
وكذلك يربط الطفل بحلق تحفيظ القرآن الكريم وتجويده في المساجد بالتعاون مع إمام المسجد؛ لأنه لم يبق لنا حصن إلا المساجد الآن، فهي الحصن الأخير الذي يمكن أن تصحح فيه الأخطاء التربوية، وحصن من السهام الموجهة للأطفال والأبناء في المدارس والإعلام والمجتمع، إلى آخره، فنسأل الله أن يحفظها من كل سوء.
كذلك يهتم بترسيخ ارتباطه بالمسجد وأهله عن طريق ممارسة أنشطة نافعة ومسلية للأطفال.
стр. 163
ضرورة تعليم الأب ولده أحكام صلاة الجمعة وآدابها وتعظيمها
إن على الأب أن يعظم أمام ولده صلاة الجمعة، ويحدثه عن آدابها وأحكامها وضرورة احترامها وتوقيرها، لكن لا يحمله ما لا يطيق من أمر صلاة الجمعة؛ لأن الجمعة فيها الخطبة والصلاة فيطول وقتها، فقد يمل الطفل أو قد يصعب عليه أنه يحافظ على الطهارة، وقد يلعب فيها، وللأسف الشديد أنه في هذا الزمان يندر جداً أن نرى من يتمسك بالسنة- حتى من الذين ينسبون إلى السنة والسلفية- في موضوع خطب الجمعة، فالسنة ينبغي احترامها، وألا نتحذلق مع السنة، فالسنة هي تقصير الخطبة وإطالة الصلاة، ليس كما يحصل الآن للأسف الشديد، تتحول الخطبة كأنها محاضرة طويلة، وفيها مشقة على الناس، فالصادق في الانتساب إلى السنة لا بد أن يشتهر ويتميز بأنه يقصر الخطبة ويطيل الصلاة، فإذا فعل ذلك عرف الناس أن هذا هو السني، وليس السني الذي يطيل الخطبة كما يحصل ويشق على المصلين.
روي: (أن أبا هريرة ﵁ دخل مرة المسجد يوم الجمعة فوجد غلاماً فقال له: يا غلام! اذهب العب، قال: إنما جئت إلى المسجد، قال: فتقعد حتى يخرج الإمام؟ قال: نعم).
إذاً: على الأب ألا يكلف ولده بصلاة الجمعة دون سن العاشرة، بل يرغبه ولا يرهبه، فإن أقبل عليها وإلا تركه وشأنه مرفهاً حتى يبلغ العاشرة أو ما قبلها بقليل فيبدأ معه بالإلزام.
كذلك يتحرى الأب اختيار الخطيب؛ لأن الخطيب بخطبته ومسلكه عميق التأثير في أخلاق الأولاد، خاصة إذا فهموا الخطبة وعقلوها، ولا بأس أن يسألهم بعد الخطبة عن موضوع الخطبة، وما استخلصوه من الفوائد، ويحثهم قبل الدخول على حسن الإنصات، ويبين لهم أنه سوف يسألهم عن مضمون الخطبة بعد الصلاة؛ لاستدعاء تركيزهم أثناء الخطبة.
هذا ما يتعلق بشأن تربية الأطفال على المحافظة على الصلاة؛ لأن مستقبل الأمة متمثل في هؤلاء الأبناء وأفلاذ الأكباد، يقول الشاعر: لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح وصناعة الأبطال علم قد دراه أولو الصلاح من لم يلقن أصله مـ ـن أهله فقد النجاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 164
لماذا نصلي؟ [١١]
الصلاة هي أس العبادات كلها بعد الشهادتين، فعلى المرء أن يتفقه في معرفة أحكامها، ويتعلم شروطها وأركانها وواجباتها.
ويجب حث المسلمين على المحافظة عليها، وإصلاح الخلل الناتج عن الجهل بأحكامها.
стр. 165
ضرورة التفقه في أحكام الصلاة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد سبق لنا تدارس موضوع الصلاة وخصائصها وفضائلها، وبعض التنبيهات التي تمس الحاجة إليها فيما يتعلق بموضوع الصلاة، وأصل ذلك أن على الإنسان أن يبادر إلى التفقه في الدين، فقد قال النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، والعلم الذي هو فريضة على كل مسلم هو العلم الذي تؤدى به الواجبات، وتصحح به العبادات، فيجب على المسلم أن يتعلم ما يصحح به عبادته، فمن أراد الحج وجب عليه أن يتعلم مناسك الحج من فرائض وأركان، وما يفسد الحج كي يتجنبه ونحو ذلك، ومن أراد الزواج يجب عليه أن يتعلم شروط عقد النكاح مثلاً، ومن أراد الطلاق يجب عليه أن يتعلم كيف الطلاق كي لا يقع في مخالفة الشرع الشريف، ومن أراد البيع والشراء يجب أن يتفقه في البيوع، وهكذا.
ويوجد قاسم مشترك بين كل المكلفين رجالاً ونساءً، وهو الفروض العامة كالطهارة والصلاة مثلاً، فبعد تصحيح العقيدة يجب على كل مسلم أن يحصل هذا العلم الذي يصحح به عبادته.
يقول النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، وقال ﷺ أيضاً: (خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، وفقه في الدين).
إذاً: لابد أن نتعلم من الفقه ما نصحح به الصلاة، يقول النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) متفق عليه.
فكيفية الصلاة لا يمكن أن يصل إليها بالعقل أو التأمل أو التفكير أو التجارب، وإنما يصل إليها عن طريق الوحي الذي جاء به الصادق المصدوق ﷺ ، فكيف يعرف الإنسان هدي النبي ﷺ في الصلاة؟! يعرف ذلك بسؤال العلماء أو بمطالعة كتب العلم أو الجلوس في مجالس العلم التي تتناول أحكام الصلاة والطهارة بأسلوب سهل وشيق وما أكثرها الآن، وما أكثر الكتب المختصرة والمبسطة في هذا الموضوع.
стр. 166
وجوب التناصح في أمر الصلاة
إن التناصح في أمر الصلاة أمر ضروري، فالنبي ﵌ قال: (الدين النصيحة) فإذا كانت الصلاة عمود الدين؛ فإن واجب المسلم إذا رأى من يقصر في صلاته ويخل بها أن ينصحه وأن يعلمه، فإذا رأيت من يسيء في صلاته فلا تسكت عليه، بل يجب عليك أن تنصح أخاك كي يصحح عبادته، خاصة أن معظم المخالفات تقع بسبب الجهل، فمثلاً لو سجد مصل على ظهر أصابع رجليه، وكانت الأظافر إلى جهة الأرض، فبعض العلماء يقول ببطلان الصلاة في مثل هذا؛ وذلك لما ورد في الحديث: (استقبل بأصابع رجليك القبلة) وترك الاستقبال بأصابع الرجلين بين السجدتين أو في جلسة التشهد الأمر أخف، لكن عند السجود لا بد أن يستقبل القبلة بأصابع رجليه، فتكون أظافره إلى جهة القبلة لا إلى جهة الأرض؛ لأن هذا فيه مخالفة لسنة النبي ﷺ ، فقد كان يستقبل القبلة بأصابع قدميه، خاصة في السجود، ونحو ذلك من المخالفات بسبب الجهل بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والدليل على وجوب هذا التناصح هو ما فعله النبي ﷺ مع الرجل المسيء في صلاته، والحديث معروف ومشهور؛ فإنه قال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع ففعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق! ما أحسن غير هذا، فعلمني) فعلمه كيفية الصلاة كما في الحديث المتفق عليه، وهو الحديث المشهور بحديث المسيء في صلاته، فعلمه النبي ﷺ واجبات الصلاة، وهذا الحديث أصل في معرفة واجبات الصلاة.
وقال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: مثل الذي يرى الرجل يسيء في صلاته فلا ينهاه، مثل الذي يرى النائم تنهشه حية ثم لا يوقظه.
يعني: لو وجدت أخاك المسلم نائماً والحية تكاد أن تعضه بنابها وتهجم عليه ألا توقظه لتنقذه من ذلك؟! بلى، وكذلك إذا رأيت أخاك يسيء في صلاته فهو معرض للهلكة؛ لأنه يفسد أهم أركان الدين، ولا يصحح أهم واجبات العبادات، فإذا تركته فقد خذلته تماماً كما لو رأيته سيقع في بئر أو نار أو رأيت حية ستنهشه ثم لم تحذره ولم تنصحه.
ينسب إلى الإمام أحمد أنه قال: واعلموا أنه لو أن رجلاً أحسن الصلاة فأتمها وأحكمها، ثم نظر إلى من أساء في صلاته وسبق الإمام فيها فسكت عنه ولم يعلمه؛ شاركه في وزرها وعارها.
إذاً: المحسن في صلاته شريك المسيء في صلاته إذا لم ينهه ولم ينصحه.
وقال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: إن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب، وذلك قبل أن يلي شيئاً من المناصب التي وليها فيما بعد، فجعل يركع قبل الإمام ويقع قبله في السجود، فلما سلم، أخذ سعيد بطرف ردائه، وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة، فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه، أي: كان سعيد لا يريد أن يقطع الورد الذي يقال عقب الصلاة، وفي نفس الوقت لا يريد أن ينشغل بمعاتبته على أخطائه في الصلاة عن الذكر الذي تعود أن يحافظ عليه، فأمسك بردائه حتى لا يفلت منه ويقوم.
يقول: حتى قضى سعيد ذكره ثم أقبل عليه فقال له: يا سارق يا خائن! تصلي هذه الصلاة؟! لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك، فلم يرد عليه.
ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشام، ثم جاء نائباً على الحجاز، فلما قتل ابن الزبير كر راجعاً إلى المدينة نائباً عليها، فلما دخل المسجد قصد مجلس سعيد بن المسيب، فخشي الناس على سعيد منه فجاء حتى جلس بين يديه، فقال له الحجاج: أنت صاحب الكلمات، فضرب سعيد الحجاج في صدره بيده وقال: نعم، قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيراً، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك، ثم قام ومضى.
فـ الحجاج الدموي السفاح الشرير، انتفع بالنصيحة رغم شدتها عليه، لكنها أثرت فيه، والحجاج ليس كله عيوب، فقد كان له فضائل وصفات جيدة في جنب ظلمه وسفكه لدماء المسلمين، وهذه من حسناته، وقد كان يقول عند الاحتضار: اللهم إن الناس يقولون: إنك لا تغفر لي؛ فاغفر لي، أي: خيب ظنهم وارحمني برحمتك الواسعة.
وهذا الذي يسيء الصلاة سوف يعلمها لأولاده وأبنائه، وإن كان مدرساً سيعلمها للتلاميذ، فأنت إذا نصحته صححت عبادته وعبادة من وراءه ممن يعلمهم هذه الصلاة.
فإذا استحضرت أن جناية الذي يسرق صلاته ولا يطمئن فيها جناية متعدية على من تحت ولايته، أشفقت على نفسك من مغبة تقصيرك في نصيحته، فإنه إذا فسد القوام عم الفساد جميع الأقوام.
عن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: رأى مالك بن دينار رجلاً يسيء صلاته، فقال: ما أرحمني بعياله، فقيل له: يا أبا يحيى! يسيء هذا صلاته وترحم عياله؟! قال: إنه كبيرهم ومنه يتعلمون.
أي: لا شك أن أولاده سيسيئون الصلاة مثله؛ لأنه الذي يعلمهم، وهم يقتدون به.
стр. 167
وجوب المحافظة على الصلاة في وقتها
تجب المحافظة على الصلاة في أول وقتها، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: فريضة مرتبطة بأوقات محددة لا بد من التزامها.
وقال رسول الله ﷺ : (أفضل الأعمال الصلاة على وقتها) متفق عليه، يعني: في أول الوقت.
كل نص في القرآن والسنة يأمر بإقامة الصلاة، فإنما يعنى به في المقام الأول المحافظة على الصلاة في وقتها، ولذلك لم يرد أبداً لفظ: صلوا أو يصلون، وإنما يأتي بلفظ إقامة الصلاة كما في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٦٢]، فأول معنى من معاني إقامة الصلاة -وهو الركن الركين فيها- أن يحافظ على الصلاة في أوقاتها، والله يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لم تكن إضاعتها تركها، ولكن أضاعوا الوقت.
يعني: أخرجوا الصلاة عن وقتها، هذه هي جريمتهم.
وقال مسروق ﵀: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن.
وقال بعضهم: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فكأنما ملأ البر والبحر عبادة.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] قال سعد بن أبي وقاص ﵁: سهو عنها حتى ضاع الوقت فهذا مصل يتطلع بصلاته إلى النجاة من الويل، لكن لما فرط في وقتها استحق الويل.
стр. 168
وجوب المحافظة على صلاة الفجر في جماعة
تجب المحافظة على صلاة الفجر جماعة في المسجد، ولا شك أن تعظيم الصلاة يكون على قدر تعظيم الدين في قلب المؤمن، فإذا كان هذا أمراً عاماً في الصلوات، فهو في صلاة الفجر مقياس في غاية الدقة، فهو أدق بكثير من المقياس العام، فالمقياس الحقيقي للالتزام وللإيمان ولحب الله ورسوله ﷺ وحب طاعة الله هو المحافظة على صلاة الفجر جماعة في المسجد، فإذا أردت أن تقيس مدى تفريطنا معشر المسلمين في جنب الله وتعدينا حدود الله فانظر إلى الصفوف في صلاة الفجر؛ تجدها خاوية إلا قليلاً ممن رحم الله ﵎، حينئذٍ نتمثل قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠] فكأن فريضة الفجر على غيرنا كتبت، وكأن صلاة الفجر في حقنا نسخت، بل القلوب قست، والعيون جمدت، والهمم خمدت، لقد صار المصلون بالنسبة إلى جملة المنتسبين إلى الإسلام قليلة، والذين يشهدون صلاة الجماعة من جملة المصلين أقل من هؤلاء، والذين يشهدون صلاة الفجر في المسجد أقل من الذين يصلون صلاة الجماعة، بل الذين يصلونها فرادى في بيوتهم أقل، فيا لله ماذا أصاب أهل الإسلام؟! وماذا دهى أمة خير الأنام ﷺ ؟! أليس من عدل الله فينا أن سلط علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا؟! وهل تمنينا العزة والنصر والتمكين وحالنا كما ذكرنا إلا من الانحراف عن نهج ربنا الكريم؟! وهل تنشأ يقظة عن غفلة، أو نهضة عن رقود، أو حركة وجهاد عن جمود وخمود، أو حياة من موت، أو انتباه وانتعاش من غشاوة وفتور؟! يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] إن الطريق إلى الفلاح والتمكين يبدأ من المحراب، وعلينا أن نبادر بالمصالحة مع الله والإنابة إليه قبل أن ينزل بنا سخطه، ويحل علينا غضبه، ولات حين مناص، يقول الشاعر: بذنوبنا دامت بليتنا فالله يكشفها إذا تبنا
стр. 169
مواعيد الصلاة وغيرها بين الإفراط والتفريط
نذكر فائدة مهمة جداً تتعلق بالأشياء المرتبطة بالمواعيد، سواء في حياة الإنسان من حيث السلوك الشخصي أو الجماعي أو العبادي؛ لأن الخمس الصلوات لكل صلاة منها موعد، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
هناك قاعدة نستطيع أن نعممها إلا في استثناءات قليلة جداً تكون الأمور فيها جادة؛ لأن الشخص الذي يخلف موعداً إياك أن تصدق دائماً الأعذار التي يقولها، فهو عندما يبرر إخلافه للوعد يخادع نفسه دون أن يشعر؛ لأن هذا الموعد لو كان حبيباً إلى قلبه، لما كان هناك عائق يقف أمامه، لكن لعدم تعظيم هذا الأمر في قلبه لم يبال به، بدليل الطالب الذي يأتي دائماً متأخراً، ويعتذر مرة بموت عمه، ومرة بموت أخيه، وكل مرة يعتذر بموت أحد أقاربه، ومرة يعتذر بحصول حادث سيارة وغير ذلك من الأعذار المزعومة إلى آخره، فمثل هذا لو كان مسافراً وعنده موعد طائرة، كيف سيحتاط لمثل هذا الموعد؟! نادراً ما يتخلف شخص عن الطائرة، ونادراً أن تجد طالباً ينام حتى يفوت عليه وقت الامتحان؛ لأن الامتحان شيء مهم عنده، وموعد محترم له مكانته وله أهميته وله جديته، فلذلك يأخذ بكل الأسباب كي لا يخلف هذا الميعاد، مع أنه يتخلف عن صلاة الفجر في المسجد جماعة، أو يخرجها عن وقتها فلا يصليها إلا بعد خروج الوقت، فهلا احتاط لمواعيد دينه كما يحتاط لمواعيد دنياه؟! نلاحظ أن وقت الفجر فيه توقيت شتوي، وتوقيت صيفي، ففي الصيف يكون النهار طويلاً، والفجر يأتي والناس نيام؛ لأن الليل قصير، وهم يخرجون إلى العمل الساعة السابعة صباحاً أو الثامنة، فيتكاسلون عن حضور صلاة الفجر في جماعة، في حين أن الناس عندما تأتي مواعيد خروجها للعمل أو للدراسة في الشتاء في شدة البرد تجدهم يستيقظون عند صلاة الفجر، ويخرجون في البرد، حتى لا يتأخر على موعد عمله، لكن في الصلاة تجد الواحد لا يضبط نفسه على أن ينزل إلى الصلاة في موعدها.
فالشاهد من هذا الكلام أن كثيراً من الناس يتهاونون في صلاة الجماعة؛ وذلك لأن تعظيم الصلاة في قلوبهم ليس كما ينبغي؛ لأن هناك شيئاً من النفاق في القلب، وشيئاً من ضعف الإيمان؛ لأنه لو كان يعظم الصلاة ويعظم أمر الله كما ينبغي لما هان عليه أن يضيع الصلاة، ولحرص عليها تماماً مثل حرصه على العمل وموعد الطائرة؛ فانظر كيف يحتاط ويذهب المسافر إلى المطار قبل موعد إقلاع الطائرة بكذا ساعة، وكذلك آلاف الطلاب يحضرون الامتحانات مع السهر أثناء الليل للمذاكرة، ومع ذلك يقومون مبكرين، لكن كم من هذا العدد يصلي الفجر في وقتها في جماعة أو حتى في وقتها في البيت؟! كذلك الآباء تأخذهم بهم رأفة في دين الله، فيقول أحدهم: كيف أوقظه لصلاة الفجر وهو سهران، هذا فيه مشقة عليه إلى آخره؟!! يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] فهذا شيء مذموم، فهؤلاء الآباء في مثل هذه الحالة يعتبر عدواً لابنه، فهذا عداوة وليست محبة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] فهذه عداوة بصورة غير صريحة.
لو أن عندنا بصائر لراجعنا حسابنا والتزامنا بمواعيد الصلاة وبالذات صلاة الفجر، كما نلتزم بمواعيد العمل والسفر وغيرها؛ لكن لأننا لم نعظم الصلاة صرنا نتهاون عن الصلوات في أوقاتها مع الجماعة، وخاصة صلاة الفجر في جماعة.
стр. 170
أسباب المحافظة على صلاة الفجر
стр. 171
السبب الأول: تشخيص أمراض القلوب والاجتهاد في علاجها
نذكر جملة من أسباب المحافظة على صلاة الفجر.
أن يفتش الإنسان عن أمراض قلبه وتشخيصها والاجتهاد في علاجها بما أمكن من الأدوية؛ لأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فكل أحوال الإنسان أساسها القلب، فليفتش الإنسان في قلبه، وينظف قلبه ويغسله مما يكدره، فالقلب هو القائد الذي إذا استقام استقامت جنوده من الجوارح والأركان، روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)، وشجرة الإيمان في القلب يرويها القرآن الكريم، فمن أراد أن يحيا قلبه، وأن يلين جفاف قلبه وقسوته، فليسقه بالقرآن الكريم، فالقرآن هو الذي يحيي القلوب، فالجسد كل يوم محتاج إلى كمية من السوائل لا ينبغي أن تقل أبداً، وكذلك لا بد أن يصل القلب يومياً مدد وغذاء من القرآن الكريم؛ ليغذيه ويبقيه سليماً معافى من الآفات والأمراض، فشجرة الإيمان في القلب يرويها القرآن الكريم، ويسقيها ذكر الله ، ويقيمها على حفظ حدود الله وتعظيم أمره ونهيه، فالإنسان يبادر أن يتوب عن كل معصية حتى لا تحول هذه المعاصي دونه ودون طاعة الله ؛ فإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
стр. 172
السبب الثاني: التذكير الدائم بالآيات والأحاديث المرغبة في صلاة الفجر
أن يجدد الإنسان بين وقت وآخر ذكراً وعهداً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي ترغب في المحافظة على الصلاة عموماً وصلاة الفجر خصوصاً، فلا بد من التذكير بين وقت وآخر، مثل الكتب التي فيها الأحاديث الشريفة التي تحض على المحافظة على الصلوات مثل كتاب (رياض الصالحين) وغيره من كتب العلم والأحاديث ونحو ذلك، فعلى الإنسان أن يقرأ في مثل هذه الكتب ليتذكر؛ لأن التذكير فيه انفعال القلب، وتجديد للعهد، وكل الناس يعرفون أنهم سيموتون، لكن ما أقل من يحس بالموت، فعلى المسلم أن يتذكر نصوص التحذير من طول الأمل أو الترغيب في كثرة ذكر الموت وما بعد الموت إلى آخره، ويستمر في تذكير نفسه ليتعظ كما قال : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، وقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] فالتذكير غير المعلومة؛ التذكير فيه تجديد العهد، فالإنسان يحتاج من وقت لآخر إلى أن يجدد العهد بالآحاديث الواردة في الحض على صلاة الجماعة وغير ذلك من أمور الدين كالتذكير ببغض البصر مثلاً، حتى يتأمل أكثر وبعمق، فتحدث له خشية وإنابة إلى الله ، والإنسان حينما يجدد العهد بالنصوص الواردة في أمر من أمور الدين؛ فإن هذه النصوص تعمل عملها في إحياء موات قلبه، يقول الله ﵎: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] وهذا تحريض على سماع أو تلاوة القرآن في الفجر، والمقصود بقرآن الفجر هو القرآن الذي يقرأ في صلاة الفريضة، ولذلك يستحب إطالة قراءة القرآن بالذات في صلاة الفجر؛ لأن الإطالة من أهم خصائص صلاة الفجر، فقوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] أي: يشهدها ويحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار.
ولا بأس أن الإنسان إذا كان هناك حديث يهز كيانه أكثر من غيره أن يكتبه بخط جميل أو يجعل شخصاً يكتبه له، ويجعله أمامه باستمرار، بحيث ينشط همته إذا كسل، فإذا كان يتأذى من النزول في الظلام مثلاً، تذكر قوله ﵊: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) فيكون حافزاً له على الخروج في الظلمات إلى المساجد، ولا شك أن المؤمن الذي عنده يقين فمثل هذا يحركه ويحفزه على الإنجاز.
وقال ﷺ : (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم، فمثل هذا الحديث أيضاً لو كتب في ورقة وعلق في البيت لكان فيه تنبيه لأهل البيت وللأبناء، وتجسيد لأهمية هذا الموضوع الذي هو حديث اليوم، فيغرس هذا المفهوم في نفوس الأهل والأبناء ويذكرهم ويجدد العهد لديهم.
стр. 173
السبب الثالث: تذكر فضيلة المحافظة على صلاة الفجر في جماعة
قال ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
قوله: (من صلى البردين) يعني: الصلاتين اللتين تصليان في وقت البرد، وهما: العصر والفجر.
وقال ﷺ : (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر -يا ابن آدم- لا يطلبنك الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) رواه مسلم، فهذا وعد بالحفظ والرعاية والحماية لمن يصلي الفجر، وهذا وعيد لمن يتعدى عليه أو يؤذيه، ولما كانت صلاتا الفجر والعصر من أفضل الصلوات وأعظم الطاعات ناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا والهبات ألا وهي رؤية الله في الجنة، قال ﷺ : (أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]) متفق عليه.
قوله: (أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم) والربط بالفاء هنا مسلك من مسالك التعليم، فيكون المعنى: كيف تدركون فضيلة رؤية الله في الجنة؟! وما الضريبة التي تدفع حتى تنالوا هذه الفضيلة؟! إن الضريبة هي المحافظة على صلاتي الفجر والعصر.
قوله: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)؛ لأن هذا يتسبب أن تنالوا ثواب رؤية الله في الآخرة، (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب)، وهذا التعبير من النبي ﷺ فيه نوع من المغالبة والمصارعة والمعالجة مع شيء آخر، فيه صراع بين النوم وبين الاستيقاظ، بين أن يهب الإنسان للصلاة وبين أن يستجيب لنداء الشيطان: (عليك ليل طويل فارقد)، بين الإقدام وبين الإحجام.
قوله: (ألا تغلبوا) يعني: اجتهدوا في الأخذ بالأسباب الكفيلة للاستيقاظ للصلاة.
стр. 174
السبب الرابع: الأخذ بالأسباب المعينة على المحافظة على صلاة الفجر
النبي ﷺ حين قفل -أي: رجع- من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى وعرس -عرس يعني: نزل في آخر الليل للنوم والراحة- فقال للصحابة: (احفظوا علينا صلاتنا) يعني: لابد أن تبقى حراسة لكي ينبهونا لصلاة الفجر، والنائم مرفوع عنه القلم، لكن ما الذي يستطيعه من يريد أن ينام؟ الذي يستطيع هو أن يأخذ بالأسباب التي تعينه على القيام لصلاة الفجر، فالرسول ﵊ هنا أخذ بالأسباب بقوله: (احفظوا علينا صلاتنا)، وليس هذا فحسب، بل عين شخصاً وهو بلال رضي الله تعالى عنه وقال له: (اكلأ لنا الليل) أي: احفظ لنا الليل، وإياك أن تغفل عن وقت صلاة الفجر، فظل بلال يحرسهم وينتظر الفجر، فأخذ يذكر الله وصلى ما شاء الله له أن يصلي من القيام، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما اقترب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجهاً إلى جهة الشرق، حيث يطلع شعاع الفجر والشمس، فغلبته عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس وهذا الحديث رواه مسلم.
فمثل هذا النوم الذي يغلب الإنسان رغم بذله وسعه في تحصيل أسبابه يقال فيه ما قال رسول الله ﷺ في نفس الحادثة: (أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) فالنوم عذر قهري يغلب الإنسان، لكن ليس معنى ذلك أن يتعمد الإنسان السهر ويتمادى في السهر حتى إذا ما بقي إلا وقت يسير من الفجر نام بحيث لا يستطيع القيام لصلاة الفجر.
والإنسان الذي يعتاد على النوم مبكراً يستيقظ للصلاة ولا يحتاج في الغالب إلى الساعة، والأطباء يقولون: إن هناك شيئاً داخل جسم الإنسان اسمه الساعة الحيوية، وهذه مظهر من مظاهر ربوبية الله ، وتدبير أمور خلقه.
فهذه الساعة الحيوية المزعومة هي التي تنذر من حافظ وداوم على صلاة الفجر في جماعة للاستيقاظ لها أو الاستيقاظ في وقت معين، حتى لو سهر في بعض الليالي تجده ينتبه في نفس المعاد، وهذه معجزة ربانية، وهي نوع من الإعانة، وقد تكون الملائكة هي التي توقظه؛ لأنه لم ينو التفريط، وإنما هو حريص على المحافظة على الطاعة.
إذاً: من كانت عادته القيام إلى الصلاة فغلبته عيناه فنام، فإنه يكتب له أجر صلاته، ونومه عليه صدقة، أما الذي ينتبه وقت الصلاة ثم يعود للنوم حتى يضيع وقتها فبلا شك أن هذا مفرط؛ لأنه انتبه وقد دخل وقت الصلاة أو سمع النداء، ومثل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥].
стр. 175
السبب الخامس: تعظيم الصلاة في القلب ومجاهدة الشيطان وحزبه
إن وقت الاستيقاظ في صلاة الفجر في خطين متعارضين: خط يدعوك إلى الانغماس في النوم، وخط آخر وهو الخط الشرعي، فهناك خط شيطاني، وخط رباني ورحماني، خط الشيطان كلما أراد الإنسان أن ينتبه يقول له: عليك ليل طويل فارقد، ويعقد ثلاث عقد كما سبق، فالشيطان يمنّيك في الاستمرار في النوم، ويصعب عليك مفارقة الدفء ويثقل عليك مشقة القيام إلى الصلاة وكذا وكذا، فالشيطان عدو لدود ومتربص بك، لكن الخط الرحماني دلنا عليه رسول الله ﷺ ، فإذا انتبه من النوم وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ فتنحل عقده كلها.
وينبغي لمن قام بإيقاظ زوجته أو أخيه أو ابنه أن يذكره بهذا الحديث، فإن انتبه فذكر الله انحلت عقدة، فإن انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت العقدة الأخيرة، قام فتوضأ انحلت العقدة الثانية، فإن قام فصلى انحلت العقدة الثالثة، فقام وهو نشيط النفس.
صحيح أن هناك عبئاً ومشقة عند الاستيقاظ، لكن لا شك أن الإنسان لو كان قلبه يعظم الصلا؛ لهان عليه الاستيقاظ للصلاة.
فهذا عمر لما أغمي عليه حين طعن وأرادوا أن يفيق من إغمائه، قال أحد الصحابة: إذا أردتم أن يصحو ويفيق من إغمائه فاذكروا له الصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين! فأفاق فوراً وقال: آلله إذاً، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
إذاً: أول شيء يعين الإنسان على الاستيقاظ لصلاة الفجر فوراً بدون أي تأجيل هو أن يكون معظماً في قلبه للصلاة، حتى يتنعم ويتلذذ بالصلاة والمناجاة.
стр. 176
السبب السادس: الذكر والوضوء والصلاة عند الاستيقاظ
من الأسباب المعينة على المحافظة على صلاة الفجر: أنه أول ما يستيقظ يذكر الله، فيقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره، إلى آخر الأذكار المعروفة.
ثم يقوم فيتوضأ حتى تنحل العقدة الثانية، فإذا صلى ركعتين سواء سنة الفجر أو ركعتين للوضوء انحلت العقدة الثالثة، ويصبح نشيط النفس، فهذا هو الدواء النبوي الذي يحفزك للاستمرار في الطاعة والانتباه، وإن أصغيت إلى الشيطان فسيبول الشيطان في أذنيك كما جاء في الحديث، وتبوء بالإثم والخسران والويل؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥].
يقول ﵌: (أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى)، فمن كانت عادته القيام إلى الصلاة فغلبته عيناه فنام فإنه يكتب له أجر صلاته، ونومه عليه صدقه، أما الذي ينتبه وقت الصلاة ثم يعود للنوم فهذا مفرط.
وألفت النظر لشيء مهم جداً بالنسبة للالتزام بالإيمان، وهو أن الإيمان يزيد وينقص، فمن أراد أن يزيد إيمانه فلا بد أن يأخذ بأسباب الزيادة، لكن لو كان الهدم دائماً أكثر من البناء فإن البناء من جديد صعب، والهدم سهل، كذلك دخول الجنة يحتاج إلى مجاهدة؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، أما دخول النار فهو سهل جداً؛ لأن النار حفت بالشهوات، فهي تجذبه جذباً إلى الأرض، فلا بد من الخروج من جاذبية الأرض بصاروخ قوي حتى يستطيع أن يتحرك وينطلق، فالذي أريد أن ألفت النظر إليه أن الإنسان الذي عنده كمية كبيرة من شعب الإيمان والالتزام سواء من الهدي الظاهر أم الهدي الباطن كقراءة قرآن أو حفظه أو صلاة الجماعة أو حضور مجالس العلم ومدارسة العلم الشرعي أو صلة الرحم أو بر الوالدين أو أي شيء من الأعمال الخيرية؛ فحافظ عليها وإياك أن تتراجع؛ لأن الالتزام بعد التراجع صعب جداً.
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فالشاهد أن الإنسان إذا حباه الله كمية كبيرة من شعب الإيمان فهي تجعل إيمانه في ازدياد.
والذي ينتبه وقت الصلاة ثم يعود للنوم حتى يضيع وقتها قد يتمادى في ذلك التفريط حتى يصبح ديدنه وعادته، ولا يأخذ بأسباب الاستيقاظ في صلاة الفجر، فهو متعرض لما ثبت في البخاري: (أن النبي ﷺ رأى في رؤياه رجلاًَ مستلقياً على قفاه، وآخر قائماً عليه بصخرة يهوي بها على رأسه، فيشدخ رأسه فيتدحرج الحجر، فإذا ذهب ليأخذه لا يرجع إليه حتى يعود رأسه كما كان) يعني: يلتئم من جديد، فيفعل به مثل ما فعل به في المرة الأولى، وقد ذكر له جبريل وميكائيل ﵉ ما رآه بأنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.
قال الإمام ابن العربي ﵀: جعلت العقوبة في رأس هذا النائم عن الصلاة؛ لأن النوم موضعه الرأس، فالعقوبة في نفس المحل.
стр. 177
السبب السابع: الإيمان بالغيب وبما عند الله من الأجر والثواب
هناك أسباب كثيرة لمن أراد أن يحافظ على الموعد، وذلك إذا كان يحب الموعد أو يحترمه أو يخاف من فواته، فالدوافع لإنجاز المواعيد كثيرة، فالحب دافع، والرجاء والطمع في شيء له قيمه دافع أيضاً، فلو ضمن أحد المنافقين أنه يجد عظماً سميناً في المسجد لبادر إلى الذهاب إلى المسجد، ولو قيل: سيوزع لكل واحد يجيء إلى المسجد كذا وكذا جرامات من الذهب مثلاً؛ سنرى الناس يجرون إلى المساجد؛ لأن الدافع موجود، لكن المؤمن الدافع عنده الإيمان بالغيب، وأن هناك شيئاً خير من الدنيا وما فيها وهو ثواب الله والدرجات في الجنة، وإرضاء الله ، فالمؤمن عنده يقين بذلك، فلذلك هو يبادر إلى الطاعات.
إذاً: الحب هو الذي يدفع الإنسان إلى احترام هذا الموعد، أو رجاء ما يؤمله من الثواب أو المكسب من جراء الالتزام بهذا الموعد، أو الخوف من العقاب الذي يتعرض له إذا هو أخلفه، وكلها مجتمعة في الصلاة، فلذلك تجد أن الإنسان لا يعمل عملاً إلا بسبب واحد من هذه الأشياء أو بها مجتمعة، حب أو خوف أو رجاء، فالطالب مثلاً في الامتحان يذاكر ويجتهد في المذاكرة ولا يتخلف عن الحضور؛ لأنه يحب أن ينجح، ويخاف إذا تخلف أن يرسب أو يحصل له كذا وكذا وكذا، وهذا لا يقاس بالصلاة، فالصلاة أعظم أجراً، وعقابها أشد إذا فرط فيها، فالذي ينبغي على الإنسان أن يستحضر هذه المعاني.
стр. 178
السبب الثامن: استعمال الأمور المنبهة لصلاة الفجر
هناك أسباب كثيرة تعين الإنسان على المحافظة على صلاة الفجر، وبعض إخواني الأفاضل لكي يحافظ على صلاة الفجر كان يشرب سوائل كثيرة جداً؛ حتى يحتاج إلى قضاء الحاجة بسبب هذه الكمية من السوائل، فيستيقظ فينتبه لصلاة الفجر، وكان نفس الأخ ينام ويدلي حبل من الشباك إلى خارج المنزل، حتى يمر أحد إخوانه فيحرك الحبل حتى يستيقظ، فهذه مجاهدة، يقول : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
وأعرف شاباً قابلته قبل سنة (١٩٧٥م) في أحد المساجد، وكان المسجد بعيداً جداً عن بيته، فحتى يضمن صلاة الفجر في المسجد، كان يبيت في المسجد من أجل المحافظة على صلاة الفجر! فالشاهد أن الأسباب كثيرة، مثل أن يتخذ الإنسان منبهاً كالهاتف، ويوصي من يتصل به، فهذا من تعاون المسلمين فيما بينهم، وأنا أعتقد أن وزر أصحاب العمارات التي يكون فيها إخوة متجاورون مضاعف إذا لم يتعاونوا على البر والتقوى، فعليهم أن يوقظ بعضهم بعضاً، والوسائل الآن كثيرة جداً، وممكن يكون هناك اشتراك في (السنترال) من أجل أن يوقظهم في موعد معين مثل وقت صلاة الفجر أو غيرها من المواعيد، فهناك مائة وسيلة، هناك ساعات للأذان توقظ لصلاة الفجر، فالأسباب كثيرة جداً، وليس شرطاً أن تكون مكلفة من الناحية المالية، لكن من كان جاداً وحريصاً فإنه يستطيع أن يتغلب ولا يتعلل بالأعذار، ولذلك قال الرسول ﵊ في ركعتي الفجر: (لا تدعوهما ولو طردتكم الخيل) فإذا كان ثواب ركعتي سنة الفجر خيراً من الدنيا وما فيها، فكيف بثواب الفريضة؟! والله يقول في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، ومن أجل ذلك كله، ومن أجل أن المؤمن تمس حاجته إلى مزيد من التنبيه للاستيقاظ لصلاة الفجر ليتغلب على وسوسة الشيطان وتسويل النفس الأمارة بالسوء؛ شرع الأذان الأول قبل دخول وقت الفجر، وهذه خصيصة من خصائص صلاة الفجر، فقد شرع الأذان الأول من أجل إعانة الناس على تحصيل الثواب العظيم لصلاة الفجر، ومن أجل التغلب على وسوسة الشيطان وتسويل النفس الأمارة بالسوء، ثم زيد في الأذان الأول للفجر هذه العبارة الوجيزة الحاسمة التي تسري في قلب المؤمن سريان الكهرباء، فتطرد عنه النوم، فيهب للصلاة، ألا وهي عبارة (الصلاة خير من النوم).
فلا شك أن الإنسان لو وعى هذه الكلمة، (الصلاة خير من النوم) لعرف ولعلم أن لذة الصلاة خير عند أرباب الذوق وأصحاب الشوق من لذة النوم، أما من سمعها ولم تعمل في قلبه، فآثر لذة الدنيا على نعيم الآخرة، فإنه يعاقب بأن يبول الشيطان في أذنيه ويصبح خبيث النفس كسلان.
стр. 179
السبب التاسع: المسارعة إلى النوم أول الليل
من أسباب القيام لصلاة الفجر والمحافظة عليها: المسارعة إلى النوم أول الليل بعد أن يصلي العشاء وسنته البعدية، ثم الوتر أخذاً بالعزيمة، ويتجنب السمر؛ لأن الرسول ﷺ (كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها) رواه البخاري.
له أن يسمر في مذاكرة علم أو محادثة ضيف أو مؤانسة أهل إذا كان عنده من يوقظه للصلاة، أو عرف من عادة نفسه أنه يستيقظ، ولا يسمر إذا غلب على ظنه أنه يضيع الصلاة، بل لا يسهر في قيام الليل سهراً يضر بشهود صلاة الفجر، وفي الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) رواه البخاري.
وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: (أن عمر بن الخطاب ﵁ فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأن عمر بن الخطاب ﵁ غدا إلى السوق، وبيت سليمان بين السوق والمسجد النبوي، فمر على الشفا أم سليمان فقال لها: لم أر سليمان في الصباح).
وهذا تفقد للرعية، ولإخوانه المسلمين، لماذا ما حضر الصلاة؟! وهذا موجود حتى الآن في بعض مناطق نجد، وبالذات في القصيم، فمن غاب من الناس في صلاة الفجر، قالوا له: لماذا لم تأت للصلاة؟ وحققوا في الأمر إلى آخره.
الشاهد: أن على الناس أن يتعاونوا على أداء صلاة الفجر، وأن يتعهد الناس بعضهم بعضاً.
كذلك صلاة الجماعة هي علاج من الانعزال الاجتماعي، أو الخوف من المواقف الاجتماعية، فأفضل علاج لها صلاة الجماعة؛ لأنه يعتقد أن صلاة الجماعة أمر واجب عليه، وغير مستعد بأن يرتكب إثماً فيفرط في صلاة الجماعة أو صلاة الجمعة، والمسلم مع إخوانه كالجسد الواحد، فالناس عندما يغيب الإنسان بسبب مرض أو سفر أو حصل له أي شيء يفتقدونه ويسألون عنه عندما لا يجدونه في الجماعة، بخلاف ما لو كان الناس منعزلين ولا يتقابلون في المسجد، فإنه يغيب الواحد أو يموت دون أن يحس به أحد! قال لها: (لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه، فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة كاملة) يعني: عند التعارض بين النافلة والفريضة تقدم الفريضة على النافلة، وهذا من فقه الإنسان أنه لا يشتغل بالنوافل ويضيع الفرائض، فإن من سهر سهراً شديداً وصلى الفجر مرهقاً؛ فإنه يتعرض لمشابهة المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى.
كذلك يتجنب الإنسان استقبال الضيوف الذين لا يبالون بتضييع صلاة الفجر، ويؤثمونه بالإفراط في السهر والسمر.
قال الشعبي ﵀: من فاتته ركعتي الفجر فليلعن الدخلاء.
والدخلاء هم الضيوف الذين يأتون بعد العشاء، ويسهرون سهراً طويلاً إلى أن يشق ذلك على هذا الإنسان، فبالتالي يتأخر وتفوته ركعتي الفجر.
إن موضوع تنظيم الوقت مهم جداً، فمن ثم لابد للإنسان ألا يجالس إلا من يفيده أو من يستفيد منه، ويترك ما عدا ذلك هو من فضول الزيارات وتضييع الأوقات، ولذلك الإنسان العاقل يجعل محبس الوقت في يديه، ولا يجعل محبس الوقت في أيدي الفوضويين الذين لا يبالون بظروف الناس.
إذاً: على الإنسان ألا يترك نفسه ووقته نهباً لكل طارق؛ لأنه لو فعل ذلك فلن ينجز شيئاً لا في دين ولا في دنيا، لكن ينبغي لكل إنسان أن يكون محبس الوقت في يديه، وهو الذي يتحكم في وقته، ويحدد الشيء المناسب لظروفه، ويفرض على الناس ذلك، ويجبرهم على احترام النظام، بخلاف ما لو عاش في فوضى فإنه تمر عليه السنوات تلو السنوات، وهو لا يتقدم لا في دين ولا في دنيا، وتضيع أوقاته هدراً.
стр. 180
السبب العاشر: الإتيان بأذكار النوم
من الأسباب التي تعين على المحافظة على صلاة الفجر: أن يحافظ المسلم على الإتيان بآداب النوم وأذكاره، خصوصاً قراءة آية الكرسي والمعوذات عند النوم.
وكذلك عند الاستيقاظ يوقظ امرأته أو هي توقظه، ولا بأس أن ينضح الماء في وجهها أو تنضح الماء في وجهه، لكن هناك أناس عصبيون فيجب مراعاة أحوالهم؛ لأنه لو نضحت زوجته الماء عليه لانقلبت الدنيا، لكن لها أن تستبدل الماء بطيب مثلاً فتدهن يدها بطيب وتدلك وجهه برائحة طيبة وبهدوء؛ فإن بعض الناس قد يكون عصبياً جداً، فتصدر منه أشياء يندم عليها بعد ذلك.
следующие страницы →