Полный текст (305 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قصص تبين أثر التشجيع في شحذ الهمم
فيما يتعلق بالتشجيع وأهميته في دفع النابغين إلى الأمام يحكي الأستاذ علي الطنطاوي حفظه الله قائلاً: قرأت مرة أن مجلة إنجليزية سألت الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الأداء، وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة قالت: إنه التشجيع، وقالت: إنها في تلك السن وبعد تلك الشهرة والمكانة تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير.
والتثبيط وكسر الهمم واحتقار النفس له أثر سيء جداً في تحطيم المواهب، وحرمان الأمة من عبقرية أصحابها، وإبداعهم.
وضرب الطنطاوي مثالاً لذلك بالشيخ محمد أمين بن عابدين العلامة الحنفي الجليل صاحب أشهر وأعظم كتاب في الفقه الحنفي المعروف بحاشية ابن عابدين، قال الشيخ الطنطاوي: كان في الشام هؤلاء المثبطون من أبناء عائلات معينة احتكرت الوظائف العلمية، وكانت كلما أحست برجل خارج هذه العائلات عليه آثار النباهة والحرص على التعلم يذهبون إلى هذا الشخص ويحاولون تثبيطه حتى لا ينافسهم في هذه الوظائف التي احتكروها سنين طويلة، فرأى المثبطون من محمد أمين بن عابدين الميل إلى العلم، وعرفوا فيه الذكاء المتوقد والعقل الراجح، فخافوا منه فذهبوا يكلمون أباه -وكان أبوه تاجراً- ليسلك به سبيل التجارة، ويتنكب به عن طريق العلم، وجعلوا يكلمونه ويرسلون إليه الرسل، ويكتبون إليه الكتب، ويستعينون عليه بأصحابه وخلصائه، ولكن الله أراد بالمسلمين خيراً، فسكت الوالد فكان منه هذا الولد المبارك ابن عابدين صاحب الحاشية وهي أوسع كتاب في فروع الفقه الحنفي.
وهكذا أرادوا أن يصرفوا أستاذنا العلامة السلفي الكبير محمد كرد علي عن العلم، فبعثوا إلى والده بشقيقين من آل كذا، وهما قد ماتا فلست أسميهما على رغم أنهما قطعا عن العلم أكثر من أربعين طالباً، فما زالا بأبيه ينصحانه أن يقطعه عن العلم، ويعلمه مهنة يتكسب منها، فما في العلم نفع، ولا منه فائدة، ويلحان عليه ويلازمانه حتى ضجر فتركهما، فكان منه ولده الأستاذ كرد علي أبو النهضة الفكرية في الشام وقائدها، ومدير معارف سوريا الأسبق، ومن مصنفاته خطط الشام، وغرائب الغرب، والقديم والحديث، والمحاضرات، وغابر الأندلس وحاضرها، والإمارة الإسلامية، والإسلام والحضارة الغربية، والمقتبس، ومن مصنفاته أيضاً: المجمع العلمي العربي بدمشق، والشعراء والكتاب من الشباب.
стр. 107
خطورة التثبيط
وذكر الشيخ علي الطنطاوي حفظه الله مثالاً على خطورة التثبيط في إطفاء شعلة الهمة في قلب طالب العلم النابه فقال: إن الأمة حرمت كثيراً من الناس العباقرة بسبب التثبيط، وتثبيطهم يكون بسبب والد جاهل أو أم جاهلة، أو بأسباب كثيرة، وكان ينبغي لهم عدم الالتفات إلى المثبطين، ورعايتهم رعاية خاصة، يقول: ها هو ذا العلامة الشيخ سليم البخاري ﵀ مات وما له مصنف رسالة فما فوقها، على جلالة قدره، وكثرة علمه، وقوة قلمه، وشدة بيانه، وسبب ذلك أنه صنف أول عهده بالطلب رسالة صغيرة في المنطق، كتبها بلغة سهلة عذبة، تنفي عن هذا العلم تعقيد العبارة، وصعوبة الفهم، وعرضها على شيخه، فسخر منه وأنبه، وقال له شيخه: أيها المغرور! أبلغ من قدرك أن تصنف؟! وأنت وأنت، وظل يثبطه، ثم أخذ الشيخ الرسالة فسجر بها المدفأة، فكانت هي أول مصنفات العلامة سليم البخاري وآخرها بسبب التثبيط.
قال: وأول من سن سنة التشجيع في بلدنا هو العلامة مربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى، الفيلسوف المؤرخ الجبلي، الذي من آثاره المدارس الابتدائية النظامية في الشام، والمكتبة الظاهرية.
وهو من نوادر الشخصيات في الزمن المتأخر، ومن أشهر تلامذته: الأستاذ محمد كرد علي بك، وخالي الأستاذ محب الدين الخطيب.
والشيخ محب الدين الخطيب هو خال الشيخ علي الطنطاوي، والشيخ علي الطنطاوي هو سوري لكن أباه من طنطا في مصر.
ومما كتب الشيخ طاهر الجزائري في ذم التثبيط: وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم في هذا الوقت الذي يتنبه فيه الغافل، وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم، ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع، ولن يرى أحد من المثبطين قديماً أو حديثاً أتى بأمر مهم، فالذي ينبغي للجرائد الكبيرة أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة، والتحذير منها؛ ليخلص منها من لم تستحكم فيه، وينتبه الناس لأربابها، ليخلصوا من ضررهم.
وكان الشيخ في حياته يشجع كل عامل، ولا يثني أحداً عن غاية صالحة، حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له: إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا تقل له: إن هذا غير ممكن، فتفل عزيمته، وتكسر همته، لكن أقرئه، وحبب إليه النحو، فلعله إذا أنس به واظب على قراءته.
стр. 108
عالي الهمة يجعل التثبيط له تحدياً
قال الطنطاوي: إن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة، حتى تظهر وتثمر ثمرها، وتؤتي أكلها، ورب ولد من أولاد الصناع أو التجار يكون إذا شجع وأخذ بيده عالماً من أكابر العلماء، أو أديباً من أعاظم الأدباء، وفي علماء القرن الماضي في الشام من ارتقى بالجد والدأب والشجيع من حرفة الحياكة إلى منصب الإفتاء، وكرسي التدريس حتى القبة، نشأ الشيخ محمد إسماعيل الحائك خياطاً عامياً، ولكنه كان محباً للعلم، محباً للعلماء، فكان يحضر مجالسهم، ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس، ولا يفوته الجلوس في الصف الأول، فجعل الشيخ يؤنسه، ويلطف به لما يرى من دوامه وتبكيره، ويسأل عنه إذا غاب، فشد ذلك من عزمه، فاشترى الكتب، وصار يحيي ليله في مطالعة الدرس، ويستعين على ذلك بالنابهين من الطلبة، واستمر على ذلك دهراً حتى أتقن علوم الآلة، وصار واحد زمانه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها، وصار الناس يأتونه في محله يسألونه عن مشكلات المسائل، وعويصات الوقائع، فيجيبهم بما يعجز عنه فحول العلماء، وانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي، وانصرفوا عن المفتي الرسمي العمادي إلى هذا الحائك الذي كان أعلم أهل بلده، فساء ذلك العماديين وآلمهم، فتربصوا بالشيخ وأضمروا له الشر، ولكنهم لم يجدوا إليه سبيلاً، فقد كان يحيا من عمله، ويحيا الناس بعلمه، وكان يمر كل يوم بدار العماديين في القيمرية، وهو على أتان له بيضاء، فيسلم فيردون ﵇، فمر يوماً كما كان يمر، فوجد على الباب أخاً للمفتي، فرد ﵇ فقال له ساخراً: إلى أين يا شيخ؟ أذاهبٌ أنت إلى إستانبول لتأتي بولاية الإفتاء؟! -يعني: أنه أراد أن يعيره بأنه ليس هو المفتي، وأن المفتي هو أخوه، وإنما هو متطفل على مقام الإفتاء-وضحك وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال: إن شاء الله.
وهنا وقفة، ربما كانت السخرية أحياناً سبباً عظيماً من أسباب التحدي، فأنا أعرف مدرساً للغة الفرنسية كان يثبط طالباً دائماً، ويقول له: أنت غير نافع، وغير فالح إلى آخر هذه العبارات المشهورة من المدرسين المقصرين في هذا الجانب، فإنهم يفعلون هذه الأفاعيل، ولا يفطنون إلى خطر عواقبها، فهذا الطالب عزم على أن يتقن اللغة الفرنسية أشد الإتقان، وبالفعل تفوق وأتى بدرجات عالية، ودخل كلية الآداب، وتخصص في اللغة الفرنسية، وصار مدرساً للغة الفرنسية بعد أن كان ضعيفاً جداً فيها.
الشاهد: أن السخرية والتثبيط إذا أخذ بنوع من التحدي قد تصعد به الهمة، وممكن أن هذا الكلام يثبط، وذلك حسب نفسية الطفل، وحسب البيئة التي حوله، وحسب التشجيع، فيمكن أن يتحول الأمر من سخرية إلى تحدي، حتى يثبت لنفسه ولهذا الشخص الذي يحتقره أنه جدير بالاحترام، وجدير بألا يكون كما يصفه.
ونعود إلى القصة الأولى: لما سخر منه العماديون، وقال له أخو المفتي: إلى أين يا شيخ! أذاهب أنت لتأتي بوالية الإفتاء؟! وضحك وضحك من حوله، الشيخ لم يزد على أن قال: إن شاء الله، فماذا فعل؟ استمر في طريقه وهو راكب الأتان، حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله وأعطاهم نفقته وسافر متجهاً إلى إستانبول، وما زال يفارق بلداً ويستقبل بلداً حتى دخل القسطنطينية، فنزل في خان قريب من دار المشيخة العثمانية، وكان يجلس على الباب يطالع في كتاب أو يكتب في صحيفة، فيعرف من زيه أنه عربي، ويحترمونه ويجلونه، ولم يكن الترك قد جنوا الجناية الكبرى بالحركة الكمالية، فكانوا يعظمون العربي؛ لأنه من أمة الرسول الأعظم الذي اهتدوا به، وصاروا به وبقومه ناساً، واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم، فكانوا يجلسون إليه يحدثونه، فقال له يوماً رجل منهم: إن السلطان سأل دار المشيخة عن قضية حيرت علماءها، ولم يجدوا لها جواباً، والسلطان يستحثهم وهم حائرون ما عندهم جواب على السؤال، فهل لك أن تراها؛ لعل الله يفتح عليك بالجواب؟ قال: نعم، قال: سر معي إلى المشيخة، قال: باسم الله، ودخلوا على ناموس المشيخة -يعني: السكرتير- فسأله الشيخ محمد إسماعيل عن المسألة، فالسكرتير أو الناموس رفع رأسه فقلب بصره فيه بازدراء؛ لأن هيئة الشيخ وملابسه لم تكن على هيئة مرضية، فقد كان رجلاً لا يهتم بالمظهر، ولم تكن هيئة الشيخ بالتي ترضي، فألقاها إليه -يعني: رمى له بالمسألة وانصرف إلى عمله- فأخرج الشيخ نظارته، فوضعها على عينه فقرأ المسألة، ثم أخرج من منطقته -أي: الحزام- دواة، وهذه الدواة النحاسية الطويلة هي التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة، والدفاع عن النفس، فاستخرج منها قصبة فبراها، وأخذ المقطع فقطعها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل، حتى سود عشر صفحات، وما رجع في كلمة منها إلى كتاب، ودفعها إلى الناموس، ودفع إليه عنوان منزله وذهب، فلما حملها الناموس إلى شيخ الإسلام العثماني وقرأها كاد يقضي دهشة وسروراً من هذا العلم الذي وجده في هذه الأوراق، فقال للناموس: ويحك! من كتب هذا الجواب؟! قال: شيخ شامي من صفته كيت وكيت، قال: علي به، فجاء، فجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام، وأن عليه أن يشير بالتحية واضعاً يده على صدره منحنياً، ثم يمشي متباطئاً حتى يقوم بين يديه، إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة التي نسيها الشيخ ولم يحفط منها شيئاً.
ودخل على شيخ الإسلام فقال له: السلام عليكم ورحمة الله، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه، وعجب الحاضرون من عمله، ولكن شيخ الإسلام سُرَّ بهذه التحية الإسلامية، وأقبل عليه يسأله حتى قال له: سلني حاجتك.
فقال: إفتاء الشام وتدريس القبة.
قال: هما لك، فاغد عليّ غداً.
فلما كان من الغد ذهب إليه، فأعطاه فرمان التولية، وكيساً فيه ألف دينار.
وعاد الشيخ إلى دمشق فركب أتانه، ودار حتى مر بدار العماديين، فإذا صاحبنا على الباب، فسخر منه وقال: من أين يا شيخ؟! فقال الشيخ: من هنا من إستانبول؛ أتيت بتولية الإفتاء كما أمرتني.
ثم ذهب إلى القصر فقابل الوالي بالفرمان، وسلّم الشيخ عمله في حفلة حافلة.
همم الرجال إذا مضت لم يثنها خدع الثناي ولا عوادي الذأم
стр. 109
علو الهمة [٨]
فضّل الله بعض البشر على بعض في القدرات والطاقات والنباهة وعلو الهمة، ومن ثَم فإنه ينبغي على كل المربين الاهتمام بأصحاب هذه القدرات، وتوفير المناخ المناسب لهم؛ لأنهم يوفرون على الأمة الكثير من الجهد، ويتقدمون بها مراحل طويلة، فالمسئولية ملقاة على عاتق الجميع، وأهم من يُعنى بذلك هما الوالدان، ومثلهما سائر المربين.
стр. 110
خصائص كبيري الهمة
اجتهد علماء المسلمين منذ فجر الإسلام في الكشف عن النابغين وكبيري الهمة، خاصة من الناشئين، وذلك لأنهم كانوا يدركون أنهم سبقوا كل المناهج العصرية أو الحديثة بمئات السنين، وما نشأ اهتمام السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من الخلف بهذه القضية إلا لأن كبار الهمة أو النابغين يختصرون الطريق على الأمة؛ لأن هؤلاء بما لهم من خصائص وميزات يختصهم الله بها إذا صلح واحد منهم فإنه يَصلحُ به خلق كثير، فلذلك ركز العلماء على اختصار الطريق إلى المجد وإلى عزة المسلمين عن طريق البحث عن هؤلاء الفائقين أو النابغين من كبيري الهمة؛ لأن الله يميز هؤلاء بمواهب واستعدادات فطرية، وخصائص ذاتية متميزة، فهم ليسوا مجرد أشخاص ماهرين في أداء اختبارات معينة أو مهارات من نوع خاص، لكن هؤلاء يخلقهم الله ويرزقهم خصائص شخصية واجتماعية وبدنية تفوق ما عند أقرانهم العاديين، ومن أهم هذه الخصائص -وإن كان هذا ليس من صلب بحثنا، وإنما هو إشارة عابرة- سلامة البدن من العاهات أو الآفات، وقوة الذاكرة، وسرعة التعلم، والتفوق في التحصيل الدراسي، وحب الاستطلاع، والدافعية للإنجاز، فالواحد منهم عنده قوة وهمة لأن ينجز ما يظنه غيره مستحيلاً، فيكون عنده عزيمة وتصميم وهمة، بحيث يكون -في الغالب- مستعداً لأن يتحدى العالم أجمع في سبيل أن يفرض عليه ما يعتنقه من أفكار.
وكذلك من خصائصهم الثقة بالنفس، فلا يكون مصلحاً من هو عاجز أو متواكل أو هياب يخاف من تحمل المسئولية ويهابها.
ومن خصائصهم الاستقلالية، وذلك لأنه يكون عندهم النزعة الاستقلالية، فلا ينقادون بسهولة، ولا يقلدون، ولا يكون إمعات.
ومن خصائصهم المثابرة والتفوق في القيم النظرية، وفي الميول العلمية، والنضوج الاجتماعي، والنشأة في ظروف اجتماعية كبيرة، وبهذا الاختصار أشرنا إلى بعض الخصائص التي يتميز بها كبيرو الهمة.
стр. 111
أهمية النضوج الاجتماعي في تنشئة علو الهمة
والأمر المهم الذي يهمنا ضمن هذه الخصائص هو عامل النضوج الاجتماعي، والنشأة في ظروف اجتماعية طيبة؛ لأننا إذا تصفحنا صفحات التاريخ سنجد أن كثيراً من الناس رزقوا الكثير من هذه المواهب، ولكن البيئة من حولهم إما أنها لم تكتشفهم، وإما أنها وجهتهم توجيهاً بعيداً عن مواهبهم، وإما أنها حطمتهم، فكانت هذه البيئة أباً أو أماً جاهلة، أو أن الواحد من هؤلاء نشأ في ظروف اجتماعية كالفقر، أو ظروف ضاغطة، أو مع صديق هابط الهمة، أو غير ذلك، ففي نفس الوقت حينما نريد أن نسلط الضوء على هذا الموضوع لا يمكن أن نجد واحداً من أعلام التاريخ الإسلامي إلا وهو عالي الهمة، فأعلام التاريخ من العلماء والمصلحين لو لم يكونوا كبيري الهمة ما كانوا أبداً ليجدوا مكاناً في صفوف عظماء الإسلام.
فعلو الهمة هو قاسم مشترك بين كل من يترك بصمة في تاريخ هذه الأمة فيما يتعلق بتأثير البيئة المحيطة، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، فالإنسان لا يولد عالماً، وإنما الإنسان بجانب المواهب التي يهبه الله إياها لابد من أن تربيه وتوجهه البيئة المحيطة به، والجماعة التي تتولى رعايته وتتعهده، حتى يمتلك ناصية العلم الذي يطلبه، فلا شك أن الأمة التي تهتم بالنابغين تصنع بهم مستقبلها المشرق؛ لأنهم هم الذين يقدرون على إصلاح أمرها، ويسهمون في ازدهارها، والأمة التي تهمل رعاية نابغيها أو توجههم بعيداً عن الدين وبعيداً عن الإسلام سوف تشقى، وذلك حين يتولى أمورها جهلة قاصرون يوردونها المهالك، أو مرضى نفسيون معقدون يسومونها سوء العذاب، أو فشلة أصحاب نفوس دنيئة وهمم خسيسة يبيعونها لأعدائها بثمن بخس، فكل هذا حصاد إهمال أن يلي الأمر أو أن يوكل الأمر إلى غير أهله، فيوفر لأمثال هؤلاء، ثم يسومون الناس سوء العذاب.
ومع كون المواهب استعدادات فطرية يولد هذا النابغة أو هذا المتفوق أو كبير الهمة، فهو في الأصل عنده استعدادات، لكن لابد مع الاستعداد من البيئة، وهناك نماذج كثيرة في الحقيقة في هذا، من ذلك طفل كان يدعى سيد جلال الأفغاني، التحق بجامعة البترول في الظهران وعمره عشر سنوات في العام الجامعي ١٩٨٠ - ١٩٨١م، حيث دخل الجامعة وعمره عشر سنوات، وكان قد حصل على الثانوية العامة وعمره ثماني سنوات، وتعلم الأردية والإنجليزية والروسية وعمره تسع سنوات، فهذا واضح جداً أن فيه مواهب ميزه الله بها.
فأقول: هذه مسئولية المدرسين والمربيين والموجهين، فعليهم أن يبحثوا عن هذه الشخصيات ويتولوها بالرعاية، فمن كان موسراً فلينفق على مثل هذا ويساعده، وإن كان عالماً لا يملك إلا النصيحة فلينصحه، وكل يبذل أي وسيلة من وسائل التشجيع، فإن العلماء كانوا ينقبون عن هؤلاء النابغين من كبيري الهمة؛ حتى يوفر الوقت ويختصر الطريق لإصلاح الأمة، فمع كون هؤلاء أصحاب استعدادات فطرية، لكنها لا تؤدي إلى النبوغ إلا إذا توافرت لأصحابها الظروف البيئية المناسبة والتربة الصالحة اللازمة لتنميتها وصقلها.
وتعد الأسرة -خاصة الوالدين- أو من يقوم مقامهما أهم عناصر البيئة تأثيراً في إظهار النبوغ، فأخطر مؤسسة تربوية على الإطلاق هي الأسرة، والوالدان خاصة.
فالبيئة إذا اهتمت بالكشف المبكر عن النبوغ، وإذا اكتشفت أن فيها ولداً نابغاً فلا شك في أن أبناءها إذا كانوا على وعي سيهتمون جداً بزراعة أو بذر بذور الهمة العالية في قلوب هؤلاء الأطفال منذ نعومة أظفارهم، وهذا هو السر الذي يفسر لنا سر اتصال سلسلة النابغين من كبيري الهمة من أبناء أسر معينة في التاريخ الإسلامي، حيث نجد أسراً معينة وجد أن فيها علماء كثيرين؛ لأن البيئة تكون بيئة على قدر كبير من العلم والوعي والحماس لرسالة الدين وخدمة الإسلام، فمن أجل ذلك كان أحدهم منذ صغر الولد -وربما قبل أن يولد الولد- كان يدعو الله أن يرزقه أو يخرج من صلبه من يجدد الدين، أو من يكون إماماً من أئمة الهدى، فكان الاهتمام موجوداً قبل أن يولد الطفل، بل إن الاهتمام بالأطفال يبدأ قبل الزواج، بأن يتحرى المرأة الصالحة ذات الدين، وقد وجدنا هذا في عدة أسر، كآل تيمية، وآل السيوطي، وآل الألوسي، وغير ذلك من الأسر التي ظهر منها كثير من العلماء؛ لأنها جمعت عدة استعدادات فطرية، ولا شك أن هذه يدخل فيه عنصر الوراثة، فيدخل عنصر الاستعدادات الفطرية الموروثة، وكذلك تدخل القدرات الإبداعية مع البيئة المساعدة، والبيئة أهميتها أنها تكتشف مبكراً هذه المواهب، ثم إنها تنميها، ثم توجهها إلى الطريق الأمثل.
وللأسف الشديد -وهذا مما يبكى عليه بدم العين، وليس بالدموع- أنَّه الآن يكاد يكون معظم المسلمين -حتى في البيئات المتدينة- إذا وجد فيهم الولد النابه كان جل اهتمامهم وتركيزهم على أن يخرج طبيباً، أو يخرج وزيراً، أو نحو ذلك من مناصب أو أغراض الدنيا، ولا نكاد نسمع عن أحد -إلا ما ندر- أن يوجه ابنه من أجل التخصص في علوم الدين، والتوجه إلى مقام الاجتهاد في الدين حتى يسد هذه الثغرة.
فالناس الآن كلهم انصرفت همتهم إلى طلب الدنيا، وإلى المناصب البراقة، وإلى المال، وإلى غير ذلك من المظاهر، لكننا لا نكاد نجد أحداً يكون هدفه أن يكون ابنه إماماً من أئمة المسلمين، أو أن يوجهه إلى طلب العلم الشريف، إلا ما ندر، والله تعالى أعلم.
стр. 112
دور البيئة في إخراج كثير من أصحاب علو الهمة
كانت العادة عند السلف أن العلماء يفتشون، فإذا وجدوا من أمثال هؤلاء يولونهم اهتماماً خاصاً، وقد فعل هذا الشيخ عبد الله القرعاوي رحمه الله تعالى مع تلميذه النابغة العبقري الشيخ حافظ أحمد حكمي رحمه الله تعالى، الشيخ المشهور صاحب كتاب (معارج القبول) وغيره من الكتب النافعة التي ألفها مع صغر سنه، فإنه مات وعمره قرابة خمس وثلاثين سنة، لكنه ترك من الآثار العلمية ما يبهر ويدهش من يطالعها، وقد كان والد الشيخ حكمي ﵀ مصراً على أن يعينه ابنه في رعي الأغنام ونحو ذلك، وكان قد اكتشفت موهبته مبكراً، فأطاع أباه، ورفض أن يذهب إلى الشيخ ليطيع ويبر أباه، فمما سمعته يوم كنت في منطقة عسير أن الشيخ نفسه كان هو الذي يذهب إليه ويتتبعه حيث ما حل بغنمه ليلقنه العلم وهو يرعى الغنم، وذلك من شدة عظم الأمل الذي توقعه من هذا الطفل النابغة، ولما توفي والده رحمه الله تعالى تجرد لطلب العلم وتفرغ للشيخ، فكان منه هذا الإمام الفذ النابغ، مع حداثة سنه رحمه الله تعالى، ومع أنه توفي في ريعان شبابه رحمه الله تعالى.
стр. 113
دور الوالدين في تنشئة الولد عالي الهمة
ورب أم ذكية محبة للعلم أو أب عالم مشهور بعلمه كان سبباً في تيسير السبيل إلى العلم ومجالسة العلماء، ولا شك في أن هذا يكون له أثر بليغ في تنمية نبوغ الأبناء.
فهذا الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه فارس رسول الله ﷺ كان عمر يعدل به ألفاً من الرجال، ولما أرسله لنجدة عمرو بن العاص قال: (أرسلت إليك أربعة آلاف جندي، ومعهم أربعة كل منهم بألف) وذكر منهم: الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه.
وإذا تأملنا البيئة التي نشأ فيها الزبير بن العوام نجد أن أمه هي صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﵌، وهي أخت أسد الله حمزة بن عبد المطلب، وهؤلاء الكملة العظماء عبد الله والمنذر وعروة أبناء الزبير كلهم ثمرات أمهم ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه تربى على يد أمه فاطمة بنت أسد وخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنهما.
وهذا عبد الله بن جعفر سيد أجواد العرب تعاهدته أمه أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها.
وهذا أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما أريب عربي وألمعي، ورث عن أمه هند بنت عتبة همة تجاوزت الثريا، فإن أمة هنداً لما ولد معاوية وكان وليداً بين يديها قال لها بعض الحاضرين: إني أظن أن هذا الغلام سيسود قومه.
فأجابت غاضبة: ثكلته إذاً إن لم يسد إلا قومه.
أي أن الطفل كان وليداً في المهد حديث الولادة، وبدت عليه علامات النجابة، فقال هذا الشخص: إني أظن أن هذا الغلام سيسود قومه.
فقالت: ثكلته إذاً.
أي: موته أحسن إذا كان لا يسود إلا قومه، فإذا كان كذلك فأنا لا أريده ولداً لي.
فتخيل لو كانت أم تعيش بهذا الأمل وتعيش بهذه الطريقة من التفكير كيف سيكون سلوكها مع ولدها؟! لا شك في أنها سترضعه مع اللبن هذه القيم حتى تكبر همته، وتصعد به إلى أرقى ما يمكن الوصول إليه من الهمم، وهذا لا شك فيه.
وإذا نظرنا إلى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما نجد أن معاوية كان من أسود العرب، ومن أعظم الناس قدرة على سياسة الأمم، وإمارته في الشام خير شاهد على ذلك.
وهذه الأم نفسها لما نعي إليها ولدها يزيد بن أبي سفيان قال لها بعض المعزين: إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه.
قالت: أو مثل معاوية يكون خلفاً من أحد؟! والله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها لخرج من أيها شاء.
وكان معاوية ﵁ إذا نوزع بالفخر وجوذب بالمباهاة بالرأي انتسب إلى أمه، وكان يفاخر الناس إذا احتاج أن يفتخر فيصدع أسماع خصومه بقوله: (أنا ابن هند) فخراً بأمه رضي الله تعالى عنها.
وهذا سفيان الثوري الإمام الجليل والعلم الشامخ كان ثمرة أم صالحة غذته بلبانها، وحاطته بكنفها، حتى صار إمام المسلمين وأمير المؤمنين في الحديث، وسفيان الثوري هو الذي قالت له أمه وهو طفل صغير: يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
مع أنه كان يتيماً، فكانت تشتغل بالغزل وتنفق عليه حتى يتفرغ لطلب العلم.
وهذا الإمام الثقة الثبت أبو عمرو الأوزاعي نشأ يتيماً في حجر أمه، فتنقلت أمه به من بلد إلى بلد، وربته تربية عجزت الملوك وأبناؤها عنها، حتى استفتي في الفقه وله ثلاث عشرة سنة.
وكذلك فعلت أم الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن الشهير بـ ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك رحمه الله تعالى، فكان ربيعة ثمرة تربية أم فاضلة، حيث أنفقت عليه أمه ثلاثين ألف دينار خلفها زوجها عندها وهي حامل به؛ لأن أمه لما كانت حاملاً به ترك أبوه معها ثلاثين ألف دينار، وخرج للغزو، فغاب في الغزو مدة كبيرة، فلما رجع كان ابنه قد أنفقت أمه عليه كل هذا المال في سبيل أن يطلب العلم الشريف، فلما رجع أبوه من الغزو بعد سنوات طويلة كان ابنه قد استكمل الرجولة، واستكمل -أيضاً- المشيخة، فأتى إلى بيته، فدفع الباب ودخل، فواجهه ابنه وكان قد صار شيخاً عالماً جليلاً وشاباً يافعاً، فقال له: أتدخل على حرمي يا عدو الله؟! لأنه لما رآه ظنه رجلاً أجنبياً دخل الباب واقتحمه، فتشاجر الابن مع أبيه دون أن يعرف أحدهما الآخر، إلى أن اجتمع الناس وازدحموا عليهما، ثم جاء الإمام مالك رحمه الله تعالى وقال له: أيها الشيخ! لك سعة في غير هذه الدار.
أي: إذا كنت محتاجاً لدار فابحث عن دار أخرى، فلك سعة في غير هذه الدار، فقال: هذه داري.
فسمعت أم ربيعة من وراء الحجاب هذا الصوت فقالت: إن هذا هو فروخ زوجي أبو عبد الرحمن.
فتعانق الولد مع أبيه، ثم بعد ذلك لما أتى وقت الصلاة خرج أبوه إلى المسجد، فوجد حلقة كبيرة جداً في المسجد قد تصدرها ابنه الذي رآه آنفاً، فتعجب جداً، واستحيا منه ابنه فأطرق برأسه وأظهر أنه لم يره، فلما رجع إلى البيت قال لها: لقد رفع الله ابني.
فلما سألها عن الدنانير قالت: أيهما أفضل عندك: ثلاثون ألف دينار أم ما صار إليه ولدك من الإمامة والمشيخة في الدين؟ فقال: بل ما صار إليه.
فقالت: فقد أنفقتها كلها عليه.
فالشاهد من هذه القصة أن الذي تولى تربيته هي أمه، حيث انفردت بتربيته، ووجهته إلى طلب العلم.
وكذلك الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى كانت أم تأخذه وهو صبي صغير، وتلبسه العمامة الصغيرة على رأسه، وتلبسه ملابس طلبة العلم، وتحرضه على الذهاب إلى العلماء، وتقول له: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
ومات والد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وأشرفت عليه بحكمتها، وتنقلت به من غزة إلى مكة مستقر أخواله، فربته بينهم هنالك، ونشأ الإمام الشافعي يتيماً فقيراً، ولم تستطع أمه دفع أجر معلمه، إلا أن المعلم قبل أن يعلمه بدون أجر، فتعهده بالرعاية، وجعل له منزلة خاصة بين التلاميذ؛ لما لمسه فيه من نباهة وسرعة في الحفظ.
يقول الشافعي رحمه الله تعالى: كنت يتيماً في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي أن يعلمني بدون أجر، وأن أخلفه في الدرس إذا غاب.
وهذا إمام المحدثين على الإطلاق الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى مات أبوه إسماعيل وهو صغير، فنشأ يتيماً في حجر أمه، وكانت امرأة عابدة صاحبة كرامات.
والحقيقة أننا لو أردنا التفصيل لوجدنا أن النماذج كثيرة جداً في التاريخ الإسلامي، وهذه النماذج -بلا شك- تبرز لنا دور البيئة في صناعة هؤلاء الأماجد.
стр. 114
علو همة عمر بن عبد العزيز ﵀ وأثر البيئة في ذلك
هناك خطأ -في الحقيقة- نقع فيه كثيراً، وهو أننا دائماً نسلط الضوء على الشخصية التي هي عبارة عن ثمرة، ونغفل النظر إلى البيئة التي أثمرت هذه الثمرة، أو الشجرة التي أثمرت هذه الثمرة، فهل يمكن أن نغفل أثر البيئة ونركز فقط على ثمرة هذه البيئة في رجل مثل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى؟! ولماذا نركز على عمر بن عبد العزيز دون أن نلفت النظر إلى البيئة؟ فـ عمر بن عبد العزيز أو غيره أو أي واحد من المجددين أو من أئمة الدين يرزق استعدادات فطرية ومواهب وقدرات إبداعية، لكن لابد من وجود البيئة، فالبيئة إما أنها تحطم وتعوق، وإما أنها تنهض بهذه الثمرة وتسقيها، فهل كان يمكن لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن يمارس دوره في تجديد الدين ويتهيأ له هذا الأمر لولا البيئة الصالحة التي وجهته إلى المعالي، وبذرت بذور الهمة العالية في قلبه منذ طفولته؟! فنحن كثيراً ما نتكلم عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى على أنه هو مجدد القرن الأول، ولا شك في أننا نسلم بأن عمر بن عبد العزيز مجدد القرن الأول، لكننا نقول: إن عمر بن عبد العزيز ما كان له أن يقوم بهذه الحركة التجديدية الواسعة الجوانب لولا وجود عدد كبير من أجلاء التابعين وساداتهم الذين كانوا بالفعل ساعده الأيمن في تنفيذ مشاريعه التجديدية العظيمة، وعلى رأسهم رجاء بن حيوة الذي كان له فضل على الأمة الإسلامية في موقف غير مجرى التاريخ كله؛ لأن رجاء بن حيوة هو الذي أشار على سليمان بن عبد الملك وعند وفاته باستخلاف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وكان لهذه الشورى ولهذه النصيحة الأثر العظيم الذي نشأ عنه تمكين عمر بن عبد العزيز من القيام بدوره التجديدي الفذ.
وحين نتأمل بعض المواقف من طفولة عمر بن عبد العزيز نجد أنه لم ينشأ إلا ببيئة، وأننا مسئولون عن توفير هذه البيئة لأبنائنا، فعن سعيد بن عفير قال: حدثنا يعقوب عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان -وهو والد عمر بن عبد العزيز - بعث ابنه عمر إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده، فكان صالح بن كيسان يلزمه الصلوات، ويراقبه في الصلوات، ويحثه على حضور الصلوات، ويشرف عليه في ذلك، فأبطأ يوماً عن الصلاة -أي: في يوم من الأيام أتى متأخراً عن الصلاة- فقال له صالح بن كيسان ﵀: ما حبسك؟ قال: كانت مرجلتي - أي: الخادمة المتخصصة في تصفيف شعره- تسكن شعري.
وبعض الناس أحياناً يرون أن عمر بن عبد العزيز نشأ في بيئة مترفة، فنقول: نعم هي مترفة، لكنها بيئة دينة، وعمر بن عبد العزيز طلب العلم، وعمر بن عبد العزيز لم يصل إلى الإمامة بانقلاب سياسي أو بمجرد القفز إلى مقعد السلطة، وإنما عمر بن عبد العزيز إمام من أئمة الاجتهاد، وصل إلى أعلى مراتب العلم، فمع أنه كان يعيش هذه المعيشة المترفة لكن أمر الدين ما كان عنده فيه مساومة، وقوله: (كانت مرجلتي تسكن شعري) قاله وهو صبي صغير، فقال له صالح بن كيسان: بلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة! أي: أنت مهتم بتسكين شعرك إلى حد أنه أخرك عن حضور الصلاة! وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبد العزيز رسولاً إليه، فما كلمه حتى حلق شعره، أي أن أباه أرسل رسولاً وقال له: لا تكلمه كلمة واحدة حتى تحلق شعره كله، عقوبة له على أنه آثر تسكين شعره على حضور الصلاة في أولها.
فـ عبد العزيز ألقى ولده إلى المدينة لا لكي يتعلم فقط، ولكن لكي يتأدب، ثم كلف واحداً من العلماء الأتقياء أن يشرف عليه وعلى تربيته ويتعهده، ويراقب حضوره في الصلوات، فإذا تخلف مرة ضبطه، وقال: ما حبسك؟ ويرسل إلى أبيه شكوى أنه تأخر عن صلاة بسبب هذا الأمر التافه، فيرسل أبوه هذا الرسول، فما كلمه حتى حلق شعره.
وعن أبي قبيل أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بكى وهو غلام صغير، فأرسلت إليه أمه وقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، وكان يومئذٍ قد جمع القرآن، فبكت أمه حين بلغها ذلك.
ونقل الزبير بن بكار عن العتبي قال: إن أول ما استبين من عمر بن عبد العزيز أن أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه.
يعني أن أول العلامات التي أظهرت أن هذا الشخص غير عادي، وأن عمر بن عبد العزيز شخص ينتظره مستقبل عظيم أنه لما ولي أبوه كان حديث السن يشك في كونه قد بلغ، قال: فأراد إخراجه، فقال: يا أبت! أو غير ذلك لعله أن يكون أنفع لي ولك؟! ترحلني إلى المدينة، فأقعد إلى فقهاء أهلها، وأتأدب بآدابهم.
فوجهه إلى المدينة، فاشتهر بها بالعلم والعقل مع حداثة سنه.
стр. 115
أهمية النضوج الاجتماعي المبكر في تنمية الهمة
ونقفز قفزة أخرى لنتكلم على خصيصة أخرى من الخصائص التي أشرنا إليها في مقدمة الكلام، والتي يتميز بها النابغون أو الفائقون أو كبار الهمة، وقد أشرنا إليها ضمناً، وهي قضية النضوج الاجتماعي المبكر بجانب النشأة في بيئة اجتماعية طيبة تساعد على الازدهار، فكما أن الطفل ينمو فإنه ينمو في عدة اتجاهات، فكما أن جسمه ينمو باستمرار وله ملامح معينة وعلامات في نموه في كل مراحله العمرية فكذلك نفسه تنمو، وروحه تنمو، وشخصيته تنمو، وهناك نوع من النمو الاجتماعي في تعامله مع المجتمع من حوله، والنضج الاجتماعي المبكر الذي يؤهله إلى أن يتحمل المسؤوليات منذ حداثة سنه، ونحن إذا تأملنا أعمار كثير من العلماء الذين رحلوا في طلب العلم في آفاق الأرض نجد أن بعضهم كان عمره ثلاث عشرة سنة، أو عشر سنوات، أو ما بين العشر والعشرين، فكان الشاب الذي عمره ثلاث عشرة سنة -كالإمام ابن جرير الطبري وغيره من الأئمة- يرحل إلى أقطار الأرض في طلب العلم، وما كانت وسائل العلم المرفهة موجودة في ذاك الزمان، فكون أبيه أو أمه أو وليه أو شيخه يتركه يرحل في الأرض لطلب العلم فيه إشارة عظيمة جداً إلى النضوج الاجتماعي الذي كان يبلغه هؤلاء العلماء، بمعنى أنه يستطيع أن يواجه الناس وحده، ويسافر وحده، ويتحمل مسئولية نفسه، ويغترب، ويصارع الفقر، ويصارع المرض، ويصارع الوحدة، ويستطيع أن يتعامل مع الناس، وكل هذا من أمارات النضوج الاجتماعي المبكر، ولكن بعض الآباء أحياناً يرتكب خطيئة الحماية الزائدة للولد، حتى إن كان قد وصل إلى الثانوية يريده أن لا يقطع الشارع إلا إذا أمسك بيده، فيطيل فترة الطفولة في عمر هذا الشاب، وكثير من الآباء من خوفه على ابنه والحماية الزائدة له لا يحمله أي مسئولية.
стр. 116
نموذج في النضج الاجتماعي المبكر في الشيخ محمد بن عبد الوهاب
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هو صاحب أعظم حركة تجديدية منذ القرن الثاني عشر إلى الآن؛ فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لا ينكر دوره التجديدي العظيم إلا جاحد، فاكتشف والده فيه النضج الاجتماعي المبكر، فذهب أبوه ينمي ثقته بنفسه، ويصقل مواهبه، ويعده لتحمل المسئوليات.
كتب أبوه يوماً إلى صاحب له فقال له وهو يتكلم عن ولده محمد بن عبد الوهاب: تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال سن اثنتي عشرة سنة على التمام، ورأيته أهلاً للصلاة بالجماعة والائتمام.
أي أنه بلغ في هذه السن، ورأى أن عنده الأهلية في أن يصلي الجماعة ويصلي إماماً بالناس، قال: فقدمته إماماً لمعرفته بالأحكام.
لأنه كان ربي على الفقه، وربي رحمه الله تعالى على العلم، فقدمه أبوه ليكون إماماً تنمية للثقة بالنفس، وتنمية لهذه الشخصية والنضوج الاجتماعي المبكر، يقول أبوه: وزوجته بعد البلوغ مباشرة.
وفي ذاك الزمان كثيراً ما نجد أن الشاب يتزوج في مثل هذا السن، وقد يكون وصل إلى مرحلة البلوغ، لكن النضج الجسدي لا يتوافق مع النضج الاجتماعي، وهذه لا تكون قاعدة، أي أن واحداً يتزوج وله اثنتا عشرة سنة مثلاً؛ لأننا نتكلم عن حالة استثنائية، ونشير إلى خاصية النضج الاجتماعي المبكر، حيث يكون صاحبه قادراً على تحمل المسئولية، وإلا فلو أن فتىً من فتيان هذا الزمان عمره اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة أو سبع عشرة حُمِّل مسئولية فكم من المشاكل ستنجم نتيجة التخلف في النضوج الاجتماعي، فنحن نتكلم الآن على حالة شاذة تميزت بظهور النضج الاجتماعي مبكراً.
يقول أبوه: وزوجته بعد البلوغ مباشرة، ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف إلى ذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام.
فهذا كلام والده عنه، وهذا هو النضوج الاجتماعي المبكر، وهذه هي التربية الواعية؛ لأنها تنمي الملكات، وتغرس الثقة في النفس، لا كالآباء الذين يحطمون في أولادهم كل موهبة، كأن يقول له: أنت غير فالح، وأنت غير نافع، وأنت وأنت.
ويحقره في ذاته دون أن يدري.
فهذه التربية هي التي تنمي الملكات، وتغرس الثقة بالنفس، وتحررها من التواكل والتبعية والطفولية لغير هذا النضج المبكر، وبهذا نستطيع أن نفسر ظاهرة ارتحال العلماء في سن الصبا والشباب المبكر في أقطار الدنيا طلباً للعلم، وقد فارقوا الأهل والأوطان، وكابدوا المخاطر والمشاق دون كلل ولا ملل ولا تبرم.
وعلى الجهة الأخرى إن كنا نقول: إن البيئة قد تكون سبباً في النضج فإن البيئة المعدمة -كأن يكون الأب فقيراً جداً أو غير ذلك من الأسباب- قد تكون سبباً في الإعاقة عن نمو هذا الملكات.
стр. 117
علو همة أبي محمد بن حزم وترف البيئة التي نشأ فيها
وفي الجهة الأخرى نجد الترف قد يكون دليل الإعاقة عن ذلك، ومع ذلك يترفع صاحب الهمة العالية على الحياة المترفة ورغد العيش، بل يسخر هذه الحياة لإنجاز المطالب الجسيمة، كحال الإمام أبي محمد علي بن حزم رحمه الله تعالى الذي نشأ نشأة مترفة، فالإمام ابن حزم الأندلسي الفارسي الأصل نشأ في الأندلس نشأة في غاية الترف، ولكنه انصرف عن مطامح الدنيا ومطامعها في سبيل طلب العلم.
ومما أذكر أن الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى لما وقعت المناظرة بينه وبين الإمام الجليل أبي الوليد الباجي المالكي شارح الموطأ ففي نهاية المناظرة قال له الإمام الباجي رحمه الله تعالى يعتذر له: إن كان حصل خلل أو تقصير مني في المناظرة فاعذرني؛ فإني كنت أطلب العلم على سرج الحراس.
أي: لم يكن هناك كهرباء، فكان الحارس -مثل الشرطي- يحرس الطرقات أو المدينة أو القرية بمشاعل من نيران، ويقف في نوبة الحراسة، وهذا رأيناه في كثير من العلماء الذين كانوا في شدة الفقر لا يجدون ما يسرجون به، فكان هو لا يستطيع أن ينام من شدة شوقه إلى طلب العلم، وما عنده شيء يستضيء به، فيخرج إلى الشارع أو إلى الطريق عند الحرس، ويسهر في طلب العلم على ضوء مشاعله، فقال له الإمام أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى: اعذرني؛ فإني كنت أطلب العلم على سرج الحراس.
فقال له الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: واعذرني أيضاً؛ فإني كنت أطلب العلم على منائر الذهب والفضة.
يعني أن الإمام أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى كان يرى أن الفقر الذي كان فيه معيق عن طلب العلم، وأنه طلب العلم بالمكابدة وبالسهر على مشاعل الحراس، فالإمام ابن حزم رد عليه وقال له: بل الترف هو الذي يعيق عن طلب العلم؛ لأن الإنسان المترف يكون متيسر الوسائل والمادة والمال وغير ذلك، وحينئذٍ يسهل عليه سبيل اللهو والخوض في زينة الدنيا، فيعيقه الترف عن العلم، وكأنه يرى أن الترف أشد في إعاقة طلب العلم من الفقر؛ ولذلك قال له: واعذرني؛ فإني كنت أطلب العلم على منائر الذهب والفضة.
يعني المنائر المصنوعة من الذهب والفضة.
وربما نشأ كبير الهمة في بيئة معدمة قاسية تكون كفيلة بإطفاء همته والقضاء على نبوغه، لكن الله ييسر له من الأسباب ما يأخذ بيده، أو يقيض له من ينمي مواهبه ويتكفل بأمره.
стр. 118
علو همة أبي الطيب المتنبي
نشأ المتنبي شاعر العرب الفحل في أسرة فقيرة غير متعلمة، والمتنبي شخصية عليها بعض الملحوظات، لكن لا شك في أن المتنبي من أعظم الناس في علو همتهم، وهذا بين لمن يعرف ترجمته، فقد نشأ في بيئة غير معينة له على ذلك، لكن الله قيض له فرصة التعليم المجاني في الكتّاب الخاص بأبناء الأشراف في الكوفة، وشجعه أصحاب المكتبات، فكان أصحاب المكتبات يشجعونه على أن يقرأ الكتب بدون مقابل.
ومما يروى أن وراقاً كان يلازمه المتنبي حكى هذا الوراق عن المتنبي فقال: كان يوماً عندي وقد أحضر رجل كتاباً في نحو ثلاثين ورقة لبيعه، فأخذه أبو الطيب المتنبي ونظر فيه طويلاً، فقلت له: ما هذا؟ أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك! أي: لأنك ممسك بالكتاب تتأمل فيه قطعتني عن بيعه، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون في شهر إن شاء الله.
فقال المتنبي: إن كنت حفظته في هذه المدة؟! قال: أهب لك الكتاب.
قال: اسمعه مني.
فأخذت الدفتر من يده، وأقبل يتلوه حتى انتهى إلى آخره! ولذلك كان أصحاب المكتبات يسمحون له بالقراءة دون أجرة.
стр. 119
حرص الإمام أبي حنيفة على التفتيش عن النابغين
إن هذا الكلام لا نقوله للتسلية، وإنما نقوله لنطبقه، وأخص بذلك الإخوة المدرسين، فلا شك في أن مسئوليتهم عظيمة وجسيمة في هذا الباب، فمهم جداً التفتيش عن هؤلاء الناس وإعانتهم.
والنابغون هم ندرة، وكبيرو الهمة ليسوا هم القاعدة في الناس، لكن إذا سلطنا الضوء على واحد فقط فممكن أن هذا الواحد يكون سبباً في إصلاح الأمة بسائرها، وذلك إذا أُحسن توجيهه وتنميته وتربيته نحو الهدف الأسمى.
ومن أشهر من كان يعنى بالتفتيش عن النابغين ويستنقذهم من ظروفهم القاسية ويأخذ بأيديهم إلى طلب العلم الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، فقد حرص الإمام أبو حنيفة عندما تولى حلقة الدرس بعد شيخه حماد على رعاية تلاميذه النابغين، فقد كان يواسيهم من ماله الخاص، ويعينهم على نوائب الدهر، حتى إنه كان يزوج من تلاميذه من كان في حاجة إلى الزواج وليست عنده مئونته، ويرسل لكل تلميذ حاجته.
قال شريك أحد تلامذته: كان يغني من يعلمه أي: كان ينفق على من يعلمه، وعلى عياله، فإذا تعلم قال له: لقد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال من الحرام.
أي: الآن صرت أغنى الناس، وعندك ثروة لا تضاهى ولا تقدر بثمن، وهي العلم والفقه الذي تميز به بين الحلال والحرام.
وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى ينظر إلى نفوس تلاميذه، ويتعهدها بالرعاية والنصيحة، فإذا وجد من أحدهم إحساساً بالعلم يمازجه الغرور أزال عنه درن الغرور ببعض الاختبارات التي تثبت له أنه ما زال في حاجة إلى مزيد من العلم.
وذكر الكردري في مناقبه بسنده إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى قال: قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة الإمام الجليل المشهور: كنت أطلب الحديث وأنا مقل المال، فجاء إلي أبي وأنا عند الإمام -يعني: عند الإمام أبي حنيفة - فقال لي: يا بني! لا تمدن رجلك معه؛ فإن خبزه مشوي وأنت محتاج.
فالإمام أبو حنيفة كان تاجراً، فوالد أبي يوسف ﵀ قال: يا بني! نحن ليست حالنا كحال هذا الإمام، فلا تمدن رجلك معه، فنحن نحتاج إلى أكل العيش وإلى الكسب، أما هو فإن خبزه مشوي، وأما نحن فإننا محتاجون.
قال: فقعدت عن كثير من الطلب.
أي: كانت كلمة أبيه سبباً في أنه قعد عن كثير من طلب العلم.
قال: واخترت طاعة والدي، فسأل عني الإمام وتفقدني، قال حين رآني: ما خلفك عنا؟ قلت: طلب المعاش.
فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إلي صرة فيها مائة درهم، فقال: أنفق هذا، فإذا تم أعلمني، والزم الحلقة.
فلما مضت مدة دفع إلي مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام - يعني: بدون أن يخبره - كأنه كان يخبر بنفادها، حتى بلغت حاجتي من العلم، أحسن الله مكافأته، وغفر له.
وكان أبوه يقول له: لنا بنات وليس لنا ابن غيرك، فاشتغل بهن.
فلما بلغ الخبر الإمام أجرى عليه رزقاً، وقال: الزم الفقه؛ فإني ما رأيت فقيهاً معسراً قط.
وربما لمح شخصاً عالي الهمة تلوح من محياه أمارات النبوغ فضن بموهبته أن تنفق في طلب الدنيا، وشجعه على طلب العلم.
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: مررت يوماً على الشعبي وهو جالس، فدعاني وقال: إلى من تختلف؟ فقلت: اختلف إلى فلان.
قال: لم أعن إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء.
فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم.
فقال الشعبي لـ أبي حنيفة: لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة.
قال: فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف - يعني: إلى السوق - وأخذت في العلم، فنفعني الله تعالى بقوله.
فنرجو أن يكون في هذه المواقف التي نحكيها تجسيد لأحد المعاني التي نظن أنها تندرج تحت قول النبي ﵌: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه).
فقد تكون كلمة يسيرة خرجت من إنسان بصدق مع وجازتها لكنها كانت عميقة الأثر؛ إذ إنها غيرت حياة واحد من هؤلاء كبيري الهمة، ومن ثم تركت أثراً عظيماً جداً في إصلاح الأمة المحمدية، فلا شك في أن النصيحة لأمثال هؤلاء إذا صادفت محلاً قابلاً -بإذن الله- تحدث هذا التغيير، وتكون نقطة تحول، فهذا الشخص الذي نصح هذه النصيحة لا شك في أنه يكون ساعياً في الخير، وأنه داخل في قوله ﵊: (الدال على الخير كفاعله)، ونرجو أن يدخل في قوله: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت) أي: لا يظن أن هذه الكلمة كبيرة إلى هذا الحد، وأن ثوابها جزيل إلى هذا الحد، ولكن: (يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه)، أو كما قال ﵌.
وعن مكي بن إبراهيم -وهو أحد شيوخ البخاري - قال: كنت أتجر، فقدمت على أبي حنيفة قدماً، فقال لي: يا مكي! أراك تتجر، فالتجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير، فلمَ لا تتعلم العلم؟! ولِمَ لا تكتب؟! فانظر إليه حين وجد نابغة يوجهه إلى طلب العلم الشرعي؛ فمع أنه منشغل بالدنيا لم يقل له: إن المسلمين محتاجون لرأس المال وللمشاريع الاقتصادية.
ونحن لا نحقر هذا، لكن الملاحظ الآن أن كل الناس يتجهون إلى العلوم الدنيوية، ويندر من يرحل من أجل الدين أو يقول: ولدي هذا سأتعهده حتى يخرج إماماً للمسلمين، وحتى يؤدى به فرض الكفاية من تعليم الناس والوصول إلى مقام الاجتهاد.
وإنما نجد أغلب الناس أنهم يدفعون أبناءهم دفعاً للانهماك والفناء في طلب علوم الدنيا، ولذلك فالأمل كبير في المسلمين أن يفطنوا لهذه الحقيقة، وأن يحققوا ولاءهم للإسلام في تجريد أبنائهم من أجل نصرة الإسلام، لعل الجيل القادم يكون أسعد حظاً منا، وينجز ما نقصر نحن في عمله.
يقول الإمام مكي بن إبراهيم: فلم يزل بي -يعني: إلحاحاً وإقناعاً ومحاروة- حتى نبغت في العلم وكتابته وتعلمه، فرزقني الله منه شيئاً كثيراً، فلا أزال أدعو لـ أبي حنيفة في دبر كل صلاة وكلما ذكرته؛ لأن الله ببركته فتح لي باب العلم.
وربما كانت لتجربة الإمام أبي حنيفة مع شيخه الإمام حماد أثر عظيم في مسلكه هذا، فقد كان أبو حنيفة بمسلكه مع هؤلاء النوابغ يتمثل بتربية إمامه حماد رحمه الله تعالى له، فقد اكتشف حماد نبوغ أبي حنيفة وعلو همته، فخصه برعايته وقربه من مجلسه، مؤملاً أن يكون حسنة من حسناته يهديها إلى الأمة، فقد انخرط أبو حنيفة النعمان في التعليم على يد شيخه حماد بالمسجد الجامع بالكوفة، وعندما لمس فيه النجابة وسرعة الحفظ وسلامة التفكير أجلسه بإزائه، واحترم رأيه، وشجعه على الاجتهاد والاستقلال بالرأي، ولم يتبرم من كثرة أسئلته واستفساراته؛ لما فيها من عمق ودقة.
ومما يروى أن أبا حنيفة انصرف من مجلس حماد بعد أن سأله عدة أسئلة، وألح في الجدل حتى احمر وجه شيخه حماد من النقاش ومن الأسئلة، وبعد أن خرج أبو حنيفة قال حماد لجاره واصفاً صلاح تلميذه: هذا على ما ترى منه يقوم الليل كله ويحييه.
فهذا تلميذ يكثر الأسئلة إلى درجة أنه يحرج الشيخ، ويلح في الأسئلة، ويجادله حتى يحمر وجه الشيخ، ومع ذلك فمن إنصاف شيخه أنه قال: هذا على ما ترى منه -يعني انهماكه في المناقشات وفي الرأي وفي الأخذ والمجادلة إلى هذا الحد- يقوم الليل كله ويحييه.
واستمر أبو حنيفة ملازماً أستاذه ثماني عشرة سنة، ولم يستقل بالدرس والتمحيص إلا بعد وفاة شيخه حماد، وربما كانت نصيحة عابرة من عامل مخلص بداية نقطة تحول في حياة أحد النابغين إلى انتفاع عموم الأمة به.
وأحد العلماء لقي نابغة كبير الهمة قد ترك الدعوة والتعليم والتعلم في بلده، وجاور في الحرم المكي الشريف، وخلى مكانه في بلاده الذي كان يشغله في الدعوة والتعليم، فأرشده إلى تصحيح مساره وقال له: ليس هذا مكانك.
стр. 120
سبب طلب الإمام الشافعي للعلم
كان سبب أخذ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى العلم ما حكاه مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كان الشافعي ﵀ في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام العرب والأدب، ثم رشد في الفقه بعد.
والإمام الشافعي حجة في اللغة بلا شك، والإمام الشافعي يقول في بيت من الأبيات: ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد فالإمام الشافعي لو ترك نفسه على سجيته في الشعر لقال الناس: إنه أشعر من لبيد الشاعر المعروف.
وكذلك العلامة الجليل الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى، كان على مقدرة عجيبة جداً في الشعر، وترك -أيضاً- طلب الشعر؛ لأنه رأى أن التوغل في الشعر ينافي المروءة، ولذلك فإنك إذا قرأت شعر الشنقيطي فكأنك تقرأ شيئاً من المعلقات، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.
والمهم أن الإمام الشافعي بدأ في طلب الشعر وأيام العرب والأدب، وأخذ في الفقه بعد ذلك، وكان سبب أخذه في العلم أنه كان يوماً يسير على دابة له وخلفه كاتب لـ أبي عبد الله الزبيري، فتمثل الشافعي ببيت شعر، فقرعه كاتب أبي عبد الله الزبيري من خلفه بالسوط، ثم قال له: مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا، أين أنت من الفقه؟! فهزت هذه الكلمة الإمام الشافعي، فقصد مجلس مسلم بن خالد الزنجي، وكان مفتي مكة، ثم قدم المدينة فلزم مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
وعن الشافعي رحمه الله تعالى قال: كنت أنظر في الشعر، فارتقيت عقبة بمنى فإذا صوت من خلفي: عليك بالفقه.
فانظر كيف كانت البيئة من حوله؟! كان يجد كلمة التشجيع والنصيحة المخلصة التي توجهه إلى هذا المسار الصحيح الذي يفيد به الأمة، فهل كانت الأمة ستستفيد من الشافعي إذا خرج شاعراً فحلاً كما استفادت منه بعد أن صار إماماً جليلاً من أئمة الإسلام؟! فانظر كيف كانت النصيحة تأتي من كل جهة، وكيف كان يأتي التوجيه.
يقول الحميدي: قال الشافعي: خرجت أطلب النحو والأدب، فلقيني مسلم بن خالد الزنجي، فقال: يا فتى! من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة.
قال: أين منزلك؟ قلت: شعب.
قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من عبد مناف.
قال: بخ بخ -وهي هنا اسم فعل مضارع بمعنى: أستحسن -لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلت فهمك في هذا الفقه فكان أحسن بك؟! ثم رحل الشافعي من مكة إلى المدينة قاصداً الأخذ عن أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وفي رحلته مصنف مشهور مسموع، فلما قدم عليه قرأ عليه الموطأ حفظاً، فأعجبته قراءته ولازمه، وقال له مالك: اتق الله، واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن.
وهذه نصيحة قريبة من نصيحة وكيع بن الجراح لما شكى إليه سوء حفظه، حيث قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي فانظر -أيضاً- كيف أنه في كل مرحلة توجد النصيحة والتوجيه ممن حوله، فالبيئة كلها بيئة واعية بأهمية الالتقاط والتفتيش والتنقيب عن هؤلاء النابغين.
وفي رواية أخرى أن الإمام مالكاً قال له: إن الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بالمعاصي.
وكان للشافعي رحمه الله تعالى حين أتى مالكاً ثلاث عشرة سنة، وقد أمره بالإفتاء شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي إمام أهل مكة ومفتيها، ولما بلغ الشافعي خمس عشرة سنة قال له شيخه الإمام الجليل مسلم بن خالد الزنجي: أفت يا أبا عبد الله، فقد -والله- آن لك أن تفتي.
وأقاويل أهل عصره فيه كثيرة مشهورة، وأخذ عن الشافعي العلم في سن الحداثة، مع توافر العلماء في ذلك العصر، وهذا من الدلائل الصريحة على عظم جلالته وعلو مرتبته.
وسيرة الشافعي معروفة في الكتب التي ألفت في مناقبه رحمه الله تعالى.
стр. 121
علو همة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
نقفز هنا إلى العصر الحديث، ونذكر هذا المثال عن العلامة القرآني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى.
فقد حكى ابنه أن أمارات النبوغ وعلو الهمة لما لاحت على والده في طفولته قال له شيخه: يا بني! إن العلماء يقولون: إن من وجد من نفسه استعداداً وموهبة تؤهله للإمامة تعين عليه طلبها، وإن طلب الإمامة في الدين متعين عليك، فلا تضيع نفسك.
فانظر كيف نصحه بهذه النصيحة، وحمله المسئولية، قائلاً له: إن هذا متعين عليك؛ لأنك شخص موهوب، ويرجى أن يأتي منك خير كثير للأمة، فيتعين عليك طلب الإمامة والاجتهاد في طلب العلم.
стр. 122
علو همة السلطان محمد الفاتح العثماني ﵀
ومن عجيب النماذج الناجحة في زراعة الهمة العالية في الأطفال ما يقال من أن الشيخ مصطفى آغا شمس الدين كان أحد مشايخ السلطان محمد الفاتح العثماني ﵀، وقد كان شيخه هذا يأخذ بيده، ويمر به على الساحل، ويشير إلى أسوار القسطنطينية التي تلوح من بعد شاهقة حصينة، وأسوار القسطنطينية أسوار عظيمة، بل إن الإنسان حين يتخيلها لا يكاد يتصورها؛ لأن أول طبقة من طبقات السور ارتفاعها أربعون متراً.
فكان يقول له: يا بني! أترى هذه المدينة التي تلوح في الأفق؟! إنها مدينة القسطنطينية، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ أن رجلاً من أمته سيفتحها بجيشه، ويضمها إلى أمة التوحيد، فقال فيما روي عنه ﷺ : (لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)، وإن كان العلماء يضعفون هذا الحديث، لكن الشيخ حينما كان يقول له ذلك يبدو أنه كان يعتقد صحته.
وما زال الشيخ يكرر هذه الإشارة على مسمع الأمير الصبي إلى أن نمت شجرة الهمة في نفسه العبقرية، وترعرعت في قلبه، فعقد العزم على أن يجتهد ليكون هو ذلك الفاتح الذي بشر به الصادق المصدوق ﷺ ، وقد كان، فقد كان والده السلطان مراد الثاني يستصحب ابنه منذ الصغر بين حين وآخر إلى بعض المعارك؛ ليعتاد مشاهدة الحرب والطعان ومناظر الجنود في تحركاتهم ونزالهم، وليتعلم قيادة الجيش وفنون القتال عملياً، حتى إذا ما ولي السلطنة وخاض غمار المعارك خاضها عن دراية وخبرة.
والسلطان محمد الفاتح العثماني كان له بعد الله الفضل في إسلام كثير من شعوب أوروبا، خاصة أهل البوسنة والهرسك؛ لأنَّه في ذلك الوقت الذي فتح فيه البوسنة والهرسك كان قد بدأ يظهر في بلاد البوشناق أو البوسنة مذهب شباب متمرد على النصرانية، مذهب يحن إلى أصول النصرانية، وأحدثوا مذهباً نصرانياً جديداً، فيه التبرؤ من كثير من مظاهر الوثنية والشرك والتثليث وعبادة المسيح ﵇، فكانوا يُحاربون من الكاثوليك ومن الأرثوذكس، والأرثوذكس هم الصرب لعنهم الله، وكذلك الكروات الكاثوليك لعنهم الله، فكان الصراع على أشده في هذا الوقت بين هذه الطوائف، فلما دخل محمد الفاتح العثماني رحمه الله تعالى وأشرق عليهم نور الإسلام انقادوا للإسلام، ودخلت الأمة البوسنية تقريباً بكاملها في دين الإسلام.
فالشاهد أن شيخه لما ربى وزرع الهمة العالية في نفسه منذ طفولته تحقق الوعد المرجو، ولما جاء اليوم الموعود شرع السلطان محمد الفاتح في مفاوضة الإمبراطور قسطنطين ليسلمه القسطنطينية، فلما بلغه رفض الإمبراطور تسليم المدينة قال ﵀: حسناً! عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر! إنه التصميم على إحدى الحسنيين.
وحاصر السلطان محمد الفاتح -وأنعم به من فاتح- القسطنطينية واحداً وخمسين يوماً، تعددت خلالها المعارك العنيفة، وبعدها سقطت المدينة الحصينة التي استعصت على الفاتحين قبله، سقطت على يد بطل شاب له من العمر يومئذٍ ثلاث وعشرون سنة، فقد كان عمر محمد الفاتح يوم فتح القسطنطينية ثلاث وعشرون سنة.
وننتقل الآن إلى تربية أبنائنا وتربية الشباب الآن، فتخيل واحداً منهم في سن ثلاث وعشرين سنة، فهل يمكن أن يقود الجيوش، ويفتح البلاد والأمصار، ويدير أمة بكاملها؟! والفاتح كان قد ولي السلطنة قبل ذلك بسنوات، وفي سن ثلاث وعشرين سنة فتح القسطنطينية، فرحمه الله تعالى.
стр. 123
أهمية اغتنام فرصة الشباب
وبقي مسألة أخرى وثيقة الصلة بموضوعنا، وإن كنا نتكلم على مرحلة الطفولة والتنقيب عن النابغين ورعايتهم والاهتمام المبكر بهم، وزراعة الهمة العالية في قلوبهم، ولكن لا ننس حظ الشباب، ولذا نذكر أنفسنا جميعاً بأهمية اغتنام فرصة الشباب؛ لأن الشباب ضيف عابر، وصيف زائر، سرعان ما سيولي، فلا ينخدع الإنسان بشبابه، لكن ينبغي أن يغتنمه؛ لأن الكثير من الناس الآن يسوغون لأنفسهم الانهماك في الطرب وفي اللعب وفي اللهو وفي الشهوات وغير ذلك من قتل الفراغ -كما يقولون- فيما لا طائل من ورائه، بل فيما هو ضار محض بحجة أن الواحد منهم ما زال شاباً، وكأن الإنسان لا يتمتع بشبابه إلا إذا عاث في الأرض فساداً! وحين تتحجب المرأة وهي شابة يقال لها: ما زلت شابة، وحين تكبرين تذهبين لتحجي أو لتعتمري، وبعد هذا تتحجبين! مع أن الشرع نظر بعكس هذا، فالشابة هي التي تتحجب، والعجوز القاعد التي لا فتنة من ورائها لا بأس بأن تكشف الوجه والكفين، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]، فإذا كان الإنسان لا يقبل على الله وهو شاب فمتى سيقبل على الله ؟! لأن العمل الحقيقي هو في الشباب؛ لأن فترة الشباب فترة متميزة في حياة كل منا بسبب يسير جداً، وهو أن الشباب فترة قوة بين ضعفين، والذي يقدر على الإنجاز هو الشاب، وليس الطفل أو العجوز، فلا شك في أن فترة العمل والإنجاز وخدمة الإسلام هي فترة الشباب، فالشباب هو زمن العمل، وهو فترة قوة بين ضعف الشيوخه وضعف الطفولة، فمن ثمَّ قال رسول الله ﷺ : (اغتنم)، وتأمل جيداً كلمة (اغتنم) أي أن الفرصة سانحة، وسرعان ما تفر منك، قال: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).
وتأمل -أيضاً- هذه الكلمة للإمام أحمد، يقول الإمام أحمد: ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط.
والكم هو الذي نسميه جيباً، فيبدو إنه يمثل الشباب بوضع شيء في جيب مثقوب، فحين وضعه في كمه سقط فوراً من أسفل الكم، فكذلك الشباب يمكث معك مثل هذه الفترة الوجيزة.
فالشباب هو وقت القدرة على الطاعة، وهو ضيف سريع الرحيل، فإن لم يغتنمه العاقل تقطعت نفسه بعد حسرات، كما يقول الشاعر: أماني كانت في الشباب لأهلها عِذاب فصارت في المشيب عذابا أي أنها كانت عذبة في أيام الشباب، فإذا أتى المشيب فإنه يذوق مرارتها.
ويقول آخر: ألم أقل للشباب في كنف الله وفي ستره غداة استقلا ضيف زارنا أقام إلى أن سود الصحف بالذنوب وولى يعني أنه يتحسر على الشباب ويقول: حينما غادرني شبابي وبدأ الشيب يزحف إلى رأسي ولحيتي مقت هذا الشباب، فلما ودعني الشباب لم أسلك معه المسلك الذي أسلكه مع الضيف الكريم أو الضيف الحبيب حينما يغادرني، فإنه لما غادرني لم أقل له: في كنف الله، ولا: في رعاية الله، ولا: في حفظ الله، كما تقول للضيف الحبيب إليك، لم أقل له ذلك نقمة عليه.
فمن ثمّ يسأل الله كل عبد من عباده عن نعمة الشباب، فإن هناك أربعة أسئلة إجبارية يوم القيامة، ولا يمكن أن تزول قدما عبد من أمام ربه يوم القيامة حتى يمتحن هذا الامتحان الصعب العسير، ولابد من أن يسأل هذه الأسئلة الأربعة، كما قال النبي ﵌: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه).
ومع أن العمر يشمل الشباب، لكن خص الشباب بالذكر لأن له هذه الخصيصة التي ذكرناها، قال ﵊: (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وماذا عمل فيما علم).
وعد ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الشاب العابد، فقال ﵊: (وشاب نشأ في عبادة الله).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (ما آتى الله علماً إلا شاباً، والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله : ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]).
وقال تعالى في أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣].
وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢].
قالت حفصة بنت سيرين: يا معشر الشباب! اعملوا؛ فإنما العمل في الشباب.
وقال الأحنف بن قيس: السؤدد مع السواد.
وكلمة السواد هنا يحتمل بها عدة معانٍ، لكن المعنى المناسب لموضوعنا أنها تحمل على سواد الشعر، والسؤدد: السيادة، يعني أن السؤدد مع الشباب قبل أن يبيض الشعر، وكأنه يقول: من لم يسد مع الحداثة لم يسد مع الشيخوخة.
وهذه قاعدة، ولها استثناءات، لكن القاعدة أن من لم يسد وهو شاب يفوته القطار، ولا تكون هناك فرصة في الشيخوخة؛ لأن الإنسان تتغير نفسيته، وتتغير قدراته البدنية، حتى النواحي العاطفية والوجدانية تتغير فيه، وتبدأ تميل كما تميل الشمس للغروب، فحين يتجاوز الإنسان مرحلة الشباب لم يبق له إلا أن ينتظر الموت، كما قال بعض السلف لصاحب له: كنا نطفة في أرحام أمهاتنا، فسقط منا من سقط، وبقينا فيمن بقي، ثم صرنا بعد ذلك أطفالاً، فمات منا من مات، وبقينا فيمن بقي، ثم صرنا بعد ذلك صبية، فمات منا من مات، وبقينا نحن فيمن بقي، ثم صرنا بعد ذلك شباباً، فمات منا من مات، وبقينا نحن فيمن بقي، ثم صرنا بعد ذلك كهولاً، فمات منا من مات، وبقينا فيمن بقي، ثم صرنا بعد ذلك شيوخاً، فأي شيء بقى بعد ذلك حتى ننتظره؟! أو كما قال ﵀.
أي: إذا كان الواحد قد وصل إلى هذه السن وما تاب وما أناب إلى الله فماذا ينتظر؟! فمن المقطوع به أنه سيأتيه الموت، كما أتى من عداه.
وقد كان صحابة رسول الله ﷺ الذين آمنوا به وعزروه ونصوره واتبعوا النور الذي أنزل معه شباباً.
стр. 124
نماذج من علو همة الشباب
وقد كان صحابة رسول الله ﷺ الذين آمنوا به وعزروه ونصوره واتبعوا النور الذي أنزل معه شباباً.
هذا أسامه بن زيد رضي الله تعالى عنهما أمّره رسول الله ﷺ على الجيش وكان عمره ثماني عشرة سنة.
وهذا عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه استعمله النبي ﷺ على مكة لما صار إلى حنين وعمره نيف وعشرون سنة.
وهناك نماذج أخرى لشباب الصحابة الذين أبلوا أحسن البلاء في حمل رسالة الإسلام ونشر نوره في العالمين.
فالشباب -كما ذكرنا- هو القوة الروحية والقوة البدنية، وهو فترة القدرة على إنجاز جسام المهام، فينبغي للإنسان أن يغتنمها كما نصحنا النبي ﵌؛ لأن هذه القدرات تضمحل بعد ذلك بمرور الوقت.
والصحابة ﵃ حينما تطالع سيرتهم في الجهاد تشعر بمدى القوة التي كانوا عليها رضي الله تعالى عنهم.
وبعض الناس يتصورون أن الصحابة كانوا ناساً عباداً يذكرون الله ويخلون في الخلوات ويصلون ويصومون ويتصدقون فقط، وأنهم كانوا ينصرون فقط بالمدد الرباني، ولا شك في أن هذا من أهم أسباب النصر، لكن الصحابة كانوا يأخذون بأسباب القوة، فالصحابة ﵃ ما كانوا بالصورة التي تريد الصوفية أن تزرعها في قلوبنا لنتصور بها السلف الصالح.
وقد حصلت مناقشة في موضوع الفتور البدني الموجود عند بعض الشباب، إذ أن بعض الشباب لا يهتم أبداً بقضية تنمية بدنه، فأنت -أيها الشاب- إذا لم تغتنم فرصة النمو الكبير في صحتك وفي عضلاتك في فترة الشباب فسيفوتك القطار، وبعد ذلك تعجز عن أن تنجز نفس هذه الأشياء، فينبغي الاهتمام بالصحة، والاهتمام بالرياضة البدنية، والاهتمام بقوة البدن، فنحن الآن في عصر كله يعين على الكسل والتراخي والترهل، فنحتاج إلى أن يكون في جدول كل منا نوع من الإنجاز بالجهد العضلي، حتى يستطيع الواحد منا أن يحافظ على صحته، ويكون قوياً يدافع عن نفسه على الأقل، وينهى عن المنكر إذا احتاج، والرسول ﵊ يقول: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير).
فبعض الأخوة كنت في مناقشة معهم حول هذا، فقال لي أحدهم: هل الصحابة كانوا يجرون أو يمارسون شيئاً من هذه الرياضات؟ فقلت له: هل أنت غافل عن أن حياة الصحابة كلها عبارة عن حركة وركض وجهاد؟! فالصحابة رضي الله تعالى عنهم والأجيال التي فتحت الدنيا فتحتها بالأخذ بالأسباب التي منها الاهتمام بهذا الجانب، إن الصحابة ما عرفوا جلسة المكاتب، وما عرفوا قيادة السيارات، وما كانوا يجلسون على المكاتب حتى تنتفخ منهم الكروش، إن الصحابة ما عرفوا هذا، والسلف ما عرفوا هذا، وإنما عرفوا الجوع، وعرفوا السهر، وعرفوا الجد، وقد قال لي بعض الأخوة الأفاضل ممن كان يجيد ركوب الخيول في معرض هذا الكلام: إن ركوب الفرس يحتاج إلى قوة عضلية غير عادية.
ولعل من عنده خبرة بذلك يعرف ذلك؛ لأنه يكون غير جالس على ظهر الفرس، وإنما يكون واقفاً على قدميه، فيحتاج إلى قوة عضلية شديدة جداً.
فالصحابة لما خرجوا وجاهدوا في أقطار الأرض على الخيول كانوا أقوياء، ومنهم محمد بن مسلمة وعلي بن أبي طالب، بل إن بعض الناس حكى أنه رأى سيف خالد بن الوليد في بعض المتاحف في تركيا، وأن هذا السيف يحتاج إلى ستة أفراد أو عشرة أفراد حتى يستطيعوا أن يحملوا هذا السيف للضرب به والطعن.
فـ خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب كانا من فرسان الإسلام، وما كانوا على التصور الصوفي الآن الموجود عن السلف ﵃، بل السلف كانوا يأخذون بالقوة في كل جانب، سواء القوة البدنية أو القوة الإيمانية، وما كانوا يسلكون هذه المسالك التي نعاني منها نحن الآن من الجلوس على المكاتب والترفيه، وغير ذلك من هذه الصور.
قال يحيى بن معين رحمه الله تعالى للإمام أحمد بن حنبل ﵀ وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي: يا أبا عبد الله! تركت حديث سفيان بعلوه وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه؟! فقال له الإمام أحمد: لو عرفت لكنت تمشي من الجانب الآخر؛ إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول، وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لن أدركه بعلو ولا نزول.
وقدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر إلى شاب منهم يريد الكلام، فقال عمر: كبر كبر.
فقال الفتى: يا أمير المؤمنين! إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسن منك.
قال: صدقت، فتكلم.
ويقول الشاعر في خلاف هذا المعنى: إنما الظلم أن يساسوا بغر لم تعره الأيام رأياً وثيقا وحكى المسعودي في شرح المقامات أن المهدي لما دخل البصرة رأى إياس بن معاوية وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة، أي: لما دخل البصرة رأى إياس بن معاوية مع أنه كان صبياً، لكن كان خلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة وإياس أمامهم، فقال المهدي: أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث؟! أي: ألم يجدوا غير هذا الشاب الحدث السن ليتقدم المشايخ وهؤلاء الناس الكبار؟! ثم إن المهدي التفت إليه وقال -أي: لـ إياس بن معاوية بن قرة بن شريك القاضي المعروف-: كم سنك يا فتى؟! فقال: سني -أطال الله بقاء الأمير- سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله ﷺ جيشاً فيهم أبو بكر وعمر.
فقال له: تقدم بارك الله فيك.
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو نحوها، فاستصغروه -أي أن الحاضرين استصغروه لصغر سنه حين ولي قضاء البصرة- فقالوا -ازدراء له-: كم سن القاضي؟ فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به رسول الله ﷺ قاضياً على أهل مكة يوم الفتح -وكان سن عتاب خمساً وعشرين سنة-، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به رسول الله ﷺ قاضياً على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجه به عمر بن الخطاب قاضياً على البصرة.
فجعل جوابه احتجاجاً له.
وقال أبو اليقظان: ولى الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي قتال الأكراد بفارس، فأباد منهم، ثم ولاه السند فافتتح السند والهند، وكان عمره سبع عشرة سنة.
فيا حسرتاه على شباب المسلمين الآن الذين نراهم في الشوارع يعزفون ويسمعون الموسيقى الأمريكية، ويعلقون الأعلام الأمريكية على أعناقهم وفي سياراتهم! إنه خزي وعار لم يسبق له مثيل، وهو كذلك نوع من خفة الهمة إلى أسوأ الصور، ومعناه الضياع، والله المستعان.
فعلم أمريكا يعلقه أولاد المسلمين في سياراتهم الآن، وما بقي إلا علم إسرائيل! فـ محمد بن القاسم رحمه الله تعالى قاد الجيوش، وفتح السند والهند، وهو ابن سبع عشرة سنة، والسند والهند يراد بهما باكستان وبنجلاديش والهند وكشمير، كل هذه المنطقة يقال لها: الهند والسند، فقال فيه الشاعر: إن السماحة والمروءة والندى لمحمد بن قاسم بن محمد قاد الجيوش لسبع عشرة حجة يا قرب ذلك سؤدداً من مولد يعني أن السيادة والعلو والشرف ناله وهو قريب العهد بسن ميلاده.
ويروى: يا قرب ذا سورة من مولد.
والسورة هي المنزلة الرفيعة.
وكان حطيط الزيات مشهوراً جداً بموقفه العظيم مع الحجاج، فلما قبض عليه وذهبوا به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي قال له الحجاج: أنت حطيط؟ قال: نعم، سل ما بدا لك؛ فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال: إن سئلت لأصدقن، وإن ابتليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن.
فقال الحجاج: فما تقول فيِّ؟ قال حطيط: أقول: إنك من أعداء الله في الأرض؛ تنتهك المحارم، وتقتل بالظنة.
قال الحجاج: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟ قال: أقول: إنه أعظم جرماً منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه.
فأمر الحجاج بتعذيبه، حتى انتهى به العذاب إلى أن يشقق له القصب، ثم جعلوه على لحمه، وشدوه بالحبال، ثم جعلوا يستلون قصبة قصبة، حتى انتزعوا لحمه - أي أن القصب نزع اللحم من جسده - فما سمعوه يقول شيئاً، ولا بدا عليه جزع أو ضعف، فأخبر الحجاج بأمره وأنه في الرمق الأخير، فقال: أخرجوه فاقتلوه في السوق.
ووقف عليه رجل وهو بين الحياة والموت يسأله: ألك حاجة؟ فما كان من حطيط إلا أن قال: مالي من حاجة في دنياكم إلا شربة ماء، فأتوه بشربة شربها، ثم مات، وكان رحمه الله تعالى ابن ثماني عشرة سنة.
وولي عبيد الله بن زياد خراسان وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وليها لـ معاوية رضي الله تعالى عنه، وولي معاذ بن جبل اليمن وهو ابن أقل من ثلاثين سنة، وحمل أبو مسلم أمر الدعوة والدولة وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وحمل الناس عن إبراهيم النخعي وهو ابن ثماني عشرة سنة، ومات سيبويه إمام النحو وحجة العرب وله من العمر اثنتان وثلاثون سنة.
قال البحتري في هذا المعنى وهو يمدح شخصاً اسمه العباس؛ لأنه أدرك المجد مع أنه صغير: لا تنظرن إلى العباس من صغر في السن وانظر إلى المجد الذي شادا إن النجوم نجوم الأفق أصغرها في العين أذهبها في الجو إصعادا فقوله: (لا تنظرن إلى العباس من صغر في السن) يعني: لا تحتقره لصغر س
стр. 125
علو الهمة [٩]
الدعوة إلى الله هي أشرف وظيفة في هذا الوجود على الإطلاق؛ لأنها ميراث النبوة، فالداعية إلى الله عالي الهمة، يحمل همَّ الأمة كلها ولا ينغلق على نفسه، فيشارك المسلمين آلامهم، ويواسي إخوانه المحتاجين، ويقضي حوائجهم، ويشفع لهم، ويسعى في مصالحهم، ويبذل كل ما في وسعه من أجل خدمتهم ودعوتهم إلى الله .
стр. 126
حمل الداعية عالي الهمة لهم الأمة
فحديثنا -بإذن الله تعالى- سيكون عن أبرز المجالات التي طبق بها السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان ذلك الوصف العظيم، أعني علو الهمة، ونبدأ بعلو همتهم في الدعوة إلى الله .
فأبرز ما يتميز به كبير الهمة من الدعاة إلى الله أنه يحمل هم الأمة، ولا يتمركز ولا يتمحور حول نفسه، ولا حول ذاته، وإنما كل همه هو أن يصلح حال الأمة من حوله، فأعظم ما يهتم به الداعية الكبير الهمة هداية قومه، وبلوغ الجهد في النصح لهم، وإذا أردنا أن نفصل ذلك فلا شك في أنه سيطول فيه الكلام، وحينما نراجع سير الأنبياء -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- نرى ذلك جلياً، فلو رجعنا -مثلاً- إلى سورة نوح لرأينا دأب نوح ﵇، وكبر همته، وعظم الجهد الذي بذله في سبيل هداية قومه إلى الله ، كما قال الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح:٥ - ٦] إلى آخر الآيات في سورة نوح كما هو معلوم، وكلها تعكس إصرار نوح ﵇ على الدعوة إلى الله ، ولا شك في أن نوحاً من أولي العزم من الرسل، ولذا كان منه الإصرار على دعوة قومه، واستخدام كل ما أمكن من الأساليب لأجل هدايتهم، وهذا أمر مطرد في قصص سائر الأنبياء والمرسلين، حتى خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وكذلك لو رجعنا إلى سير أتباع الرسل لرأينا أنهم كانوا قدوة في ذلك، فمثلاً: نرى كيف كان مؤمن آل فرعون، وكيف أنه اجتهد في اللحظة المناسبة وجهر بإيمانه، وجاء لينصر موسى ﵇، ومن ذلك قوله -كما حكى الله عنه-: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩].
ومن أتباع الرسل أيضاً الذين كانوا كبيري الهمة: حبيب النجار الذي حمل هم دعوة قومه، وليس فقط في حال حياته، بل حتى بعدما انتقل إلى الآخرة، حيث أبلغ لهم في النصح بعد الاستشهاد، حتى إنه بعد استشهاده وبعدما قتلوه يقول وهو في الجنة: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، فحينما قتلوه وأفضى إلى الجنة وإلى رضوان الله تمنى لو أنهم اطلعوا على عاقبته، ولا شك في أن حسن العاقبة دليل على استقامة المنهج الذي كان يدعوهم إليه، وأنه كان على الحق، فحينما انتقل إلى دار اليقين ورأى وعاين ما كان يؤمن به غيباً حينئذٍ تمنى، وامتدت أمنيته إلى هداية قومه حتى بعد استشهاده، فقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦] أي: لو يعلمون الآن بما أنا فيه لعرفوا أني كنت على الحق، ولاتبعوني.
وإذا تأملت قوائم عظماء رجالات الإسلام من الرعيل الأول فمن بعدهم لرأيت أن علو الهمة هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء الذين اعتزوا بالإسلام واعتز بهم الإسلام، ووقفوا حياتهم لحراسة الملة وخدمة الأمة، سواءٌ أكانوا علماء، أم دعاة، أم مجددين، أم مجاهدين، أم مربيين، أم عباداً صالحين؛ لأنهم لو لم يتحلوا بعلو الهمة لما كان لهم أي موضع في قوائم العظماء، ولما تربعوا في قلوب أبناء ملتهم، ولا تزينت بذكرهم صحائف التاريخ، ولا جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين، وأسوتهم في حمل هم الأمة، بل أسوتهم في كل باب من أبواب الخير هو الصادق المصدوق ﷺ الذي شارك المسلمين آلامهم، وكان في حاجتهم، حتى حطمه ﵌ الناس.
فأسوتنا -بلا شك- في كل خير هو رسول الله ﷺ ، كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] أي: في كل ميادين الخير، وقال ﵎: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، فكان ﷺ يحمل هم من حوله، وليس في الدعوة فحسب، بل في قضاء حاجاتهم والاستجابة لمطالبهم كذلك.
فعن عبد الله بن شقيق قال: (قلت لـ عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان نبي الله ﷺ يصلي جالساً؟ قالت: بعدما حطمه الناس) أي: كان يصلي جالساً بعدما حطمه الناس.
والحقيقة أن هذه الكلمة في قمة التعبير مع وجازتها! يقال: حطم فلاناً أهله.
إذا كبر فيهم، وكأنهم بما حملوه من أثقالهم صيروه شيخاً محطوماً، وكأنه من كثرة مسئوليات أهله وأولاده وذريته قد حطم لكثرة تحمله أعباءهم وأثقالهم، حيث أفنى كل قوته وكل شبابه في خدمتهم وأداء واجبهم حتى صار شيخاً محطوماً، فقولها: (بعدما حطمه الناس) يعني: صلى جالساً من شدة الإعياء والجهد؛ لأنه بذل كل صحته وكل عافيته وكل قوته في قضاء حاجات الناس والصبر على مشقتهم.
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما.
стр. 127
عموم نفع الداعية من ذوي الهمم العالية
ومن خصائص حمل هم الأمة أن لا يكون الإنسان أنانياً أو متمركزاً ومتمحوراً حول نفسه فقط، بل يمتد نفعه وبركته إلى من حوله حيث كان، وهذا معنى قوله تعالى في وصف المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم:٣١] أي: حيثما كان ينتفع الناس به، وينتفع المحيطون به.
ومن ذلك قول حذيفة رضي الله تعالى عنه: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه سلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) إلى آخر الحديث، رواه البخاري.
فلو أنك راجعت سياق حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه لرأيت أن سياق الحديث يشير إلى حرص حذيفة رضي الله تعالى عنه على تعميم الانتفاع بالإرشاد النبوي في زمن الفتنة إلى جميع المسلمين من بعده؛ لأن الظاهر من سياق الحديث أن الرسول ﵊ يخبره عن أشياء ستحصل في المستقبل، حتى إنه لا يبقى للمسلمين لا جماعة ولا إمام، وهذا الأمر لم يحصل حتى الآن؛ لأننا لم نصل إلى مرحلة لا جماعة فيها ولا إمام، وإنما توجد الجماعة، وهي جماعة أهل السنة والجماعة الذين يلتزمون المنهج الصحيح والعقيدة الصحيحة، وهم متفرقون في شتى بقاع الأرض، لكن لا توجد الإمامة، فالكيان السياسي أو الخلافة الإسلامية غير قائمة الآن، لكن توجد الجماعة، فالنبي ﷺ يحدثه عن عصر أسوأ مما نحن عليه الآن؛ لأنه لا جماعة فيه ولا إمام، وتتحقق فيه الغربة بكل معانيها.
فالشاهد أن حذيفة في سؤاله الرسول ﵊ تجد أنه يحمل همنا نحن وهم كل من يأتي بعده، ولهذا جعل يسأل ويستفصل ويحاور الرسول ﵊ من أجل أن ينفعنا نحن، فهذا من علو همته في نفع الأمة ودعوتها؛ لأنه قال: (يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.
قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم.
وفيه دخن.
قلت: وما دخنه -وانظر إلى الاستفصال؟ - قال: قوم يهدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر.
قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جنهم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.
قلت: صفهم لنا.
فقال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.
قلت: فما تأمرني أن أفعل إن أدركني ذلك -يعني: ذلك الزمان-؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).
والشاهد من الحوار أن حذيفة كان يحمل هم المسلمين من بعده، وإن كان الظاهر أنه يسأل لنفسه، لكن هذا الاستفصال والمراجعة إنما هو من أجل أن يهدي من بعده إلى كيفية المخرج من الفتن التي تأتي.
стр. 128
حال الداعية كبير الهمة مع قومه ومن يدعوهم
تأمل كيف تعامل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ذلك الرجل الأعرابي الذي أتى وبال في المسجد، فأراد الصحابة أن يقعوا به ويفتكوا به، فقال لهم النبي ﷺ : (لا تزرموه -يعني: لا تقطعوا عليه بوله-.
فتركه حتى فرغ، ثم أمر بذنوب من ماء -أو سجل من ماء- فأريق على بول الأعرابي، ثم قال للصحابة رضي الله تعالى عنهم: إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)، فأعجب ذلك الأعرابي بمسلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معه، وعبر عن ذلك الإعجاب بأن دعا الله ، فقال: اللهم! ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً! فأنكر عليه النبي ﷺ وقال له: (لقد حجرت واسعاً)، ولا شك في أن هذا من الاهتمام بأمر الأمة.
ومن مظاهر هذا الاهتمام الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)، وهذا في الحقيقة من المطالب العالية التي لا يفطن لها كثير من الناس، فأحدهم يظن أنه يدعو لنفسه ولمن هم من خاصته، كإخوانه أو أحبابه، ويغفل عن الاهتمام بالدعاء لعموم المسلمين، فهذا من التقصير، وهذا من ضعف الهمة؛ لأنك إذا دعوت لعموم المسلمين تنال هذا الثواب العظيم الذي قال عنه ﵊: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)، فلا يزهد في هذا الثواب العظيم إلا من لم تصعد همته إلى نيل حسنات بعدد ملايين المسلمين المأسورين في أقطار الأرض.
وقد ذكر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعض صفات أهل الجنة، كما في الحديث الذي رواه مسلم، وكان مما قال: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)، فمن صفات أهل الجنة أن الواحد منهم رحيم رقيق القلب، فقلبه رقيق، وممتلئ بالرحمة لمن يحبهم ويحبونه، وليس لإخوانه والمقربين إليه فحسب، وإنما يرحم الناس كافة، ولذلك قال النبي ﵌: (لا يضع الله رحمته إلا على رحيم.
قالوا: كلنا يرحم يا رسول الله! قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكن يرحم الناس كافة)، فقلبه كبير يتسع لكل إخوانه في الإيمان.
فكل هذه المعاني -بلا شك- تغنينا عن الحديث الضعيف الذي يلهج به كثير من الناس، وهو ما ينسبونه إلى النبي ﷺ (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) والمعنى صحيح، وترشد إليه هذه النصوص التي نذكرها، لكن من حيث السند لم يصح هذا الحديث، وتأمل هذا المعنى الذي عبر عنه الشاعر أيضاً بقوله: فلا هطلت عليّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلاد فيدعو الله بأنه إذا كانت السحابة تنزل الماء فقط على أرضه، ويحرم منها سائر إخوانه المسلمين أن لا تأتي هذه السحابة، فيسأل الله أن ينزل المطر على أرضه، ويعم إخوانه المسلمين، وإن كان سينزل عليه هو وحده فهو لا يريده.
فالداعية إلى الله الكبير الهمة يقدر تبعات هذا المقام الرفيع، فهو يظمأ حيث يروى الناس، ويسهر حيث ينامون، ويجوع حيث يشبعون، ويتعب حيث يستريحون، ويقدم حيث يحجمون.
عن علي رضي الله تعالى عنه قال: (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم -يعني: في القتال- اتقينا برسول الله ﷺ يعني: حينما يشتد القتال ويشتد الصدام مع الكفار إلى أصعب ما يكون وأشد ما يكون كان الصحابة ﵃ من أراد منهم أن يتقي يحتمي برسول الله ﷺ ؛ لشدة بأسه على الكفار، وشدة شجاعته في الجهاد، وإقدامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذا قال: (فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه)، أي: لا يكون أحد من الصحابة أقرب إلى الأعداء يبارزهم من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وعن البراء رضي الله تعالى عنه قال: (كنا -والله! - إذا احمر البأس نتقي به ﷺ ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ﷺ .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة -يعني: سمعوا صوتاً في الليل فخافوا أن يكون العدو سيهجم عليهم في المدينة- فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ ، يعني أنهم ما إن سمعوا الصوت حتى تجمعوا، وأرادوا أن يتجهوا قبل الصوت، ففوجئوا بأن النبي ﵊ كان أسرع الناس خروجاً ليبحث عن سر هذا الفزع وهذا الصوت الذي صدر، فإلى أن تحركوا هم وجدوه قد ذهب بسرعة ورجع قبلهم، وذلك قبل أن يتحركوا هم، فطمأنهم أنه لم يجد شيئاً ولم يجد بأساً، ولذا يقول أنس ﵁: (كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﵌ وهو يقول: لن تراعوا.
-وهذه كلمة تقال عند تسكين الروع تأنيساً، وإظهاراً للرفق بالمخاطب-، وهو على فرس لـ أبي طلحة عري ما عليه سرج - أي أنه قاد فرس أبي طلحة ولم يكن عليه سرج ولا شيء- في عنقه سيف، فقال: لقد وجدته بحراً.
أو: إنه لبحر) يعني: أن هذا الفرس أسعفني حينما خرجت.
وقال ﵌: (ولأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته -وأشار بأصبعيه- أفضل من أن يعتكف في مسجدي -أي: مسجد المدينة- هذا شهرين)، فلأن تمشي مع أخيك في قضاء حاجة له أفضل من أن تعتكف في مسجد المدينة شهرين، وهذا -بلا شك- تعظيم لقضاء حاجات المسلم.
وقال ﵌: (من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) فهذه الأحاديث كلها بجملتها تنبهنا إلى أن يحمل الإنسان هم إخوانه المسلمين من حوله دون تمييز.
стр. 129
حمل السلف الصالح لهم الأمة وبذلهم في ذلك
وقد طبق السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم هذه المعاني التي تعلموها منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعن عبد الكريم بن أبي أمية قال: لأن أرد رجلاً عن رأي سيئ أحب إليّ من اعتكاف شهر.
فقوله: (لأن أرد رجلاً عن رأي سيئ) يعني: بأن أجلس معه، وأناقشه، وأبين له الحق، وأدفع عنه الشبهات.
فهذه عبادة في نظره أعظم من أن يعتكف شهراً كاملاً ويتقرب إلى الله بالاعتكاف، وهذا هو الفقه الدقيق بعينه؛ لأن هذا نفع متعدٍ إلى الآخرين.
وهذه فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تصف زوجها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فتقول: كان قد فرغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه وصل يومه بليلته.
أي أنه كان إذا دخل عليه الليل ولم يكف النهار لقضاء حاجات الناس يصل الليل بالنهار سهراً في قضاء حاجات المسلمين.
وقال أبو عثمان شيخ البخاري رحمه الله تعالى: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي.
فانظر كيف طبق المسلمون هذه القيم وهذه المفاهيم، ومما يؤسف له الآن أن أغلب الناس الذين يكون لهم نوع من الوجاهة في المرافق والمصالح والهيئات ونحو هذه الأشياء إذا جاء إليهم شخص يريد أن يقضي حاجة، يسأله الذي سيقضيها: عمّا سيدفع من الرشوة أو الهدايا أو المال السحت! فيأخذه ظلماً وعدواناً؛ لأن واجبه أن يفرج كربة المسلم ابتغاء ثواب الله، وابتغاء ما عند الله حتى يفرج الله كربته يوم القيامة، لكن لا تكاد تجد إنساناً في محنة ويبحث عن صاحب وجاهة أو صاحب سلطة كي يفرج كربته إلا ويكون السؤال أولاً عن المبلغ الذي سيدفعه أو الرشوة التي سيدفعها ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد عمت الرشا بشكل لا يتصور الإنسان معه أن هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام يؤمنون بقول النبي ﷺ : (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) واللعن: الطرد من رحمة الله ، ومع ذلك صارت كأنها حق مقنن.
والذي يأتي بالواسطة أو يأتي بالرشوة أو بالهدية هو الذي تقضى حاجته، أما من لا يبذل فإنه يحرم من قضاء حاجته، وقد يكون أشد حاجة من غيره، ولذلك يقول بعض الشعراء في مثل هذا المعنى في معترك رجل رفض أن يدفع الرشا فعزلوه: عزلوك لما قلت ما أعطي وولوا من بذل أو ما علمت بأن (ما) حرف يكف عن العمل فـ (ما) إذا التحقت بإن وأخواتها فإنها تكفها عن العمل، هذا كلام أصحاب النحو والإعراب، فهو يلغز بهذا المعنى في هذا الموطن، ويقول: إن كلمة (ما) هي السبب في تعطيلك، كما تعطل (ما) إن وأخواتها.
وبالمناسبة لا أنصح أحداً أبداً حينما يقال له: من واسطتك؟ أن يقول: الله .
لأن الله يتوسل إليه ولا يتوسل به كواسطة، فهؤلاء الذين يسألون هذه الأسئلة أو يأخذون الرشا ولا يتقون الله إذا قلت لأحدهم: (الله) فإنه ينطق أحياناً بكلمة يكفر بها، فأنت مطالب إذا كنت ستذكر إنساناً بالله وغلب على ظنك أنك إذا ذكرته بالله يسب أو يصدر منه ما يكفر به فحينئذٍ لا تذكره بالله، وإذا كان هو في حالة من الغضب وهو معروف بالسفاهة وضعف الدين ورقة العقل فلا تقل له: اتق الله.
وإذا كنت تعلم أن من خلقه أنه يسب الله أو يسب الدين فلا تذكره بالله في هذه الحالة؛ لأن هذا من باب سد الذرائع إلى هذا الكفر العظيم، فلذلك إذا كنت تعلم أو يغلب على ظنك أن هذا الرجل لا يتقي الله فإذا قال لك: من واسطتك؟ فلا تقل: الله.
لأنك تعرف الجواب الذي يصدر عن كثير من الناس -والعياذ بالله- ويخرجون به من الإسلام، فلا لا تفتح له ذريعة إلى الكفر.
كي لا ينطق بالكلام الخطير الذي ينطق به هؤلاء السفهاء.
فالشاهد أن هذه هي أخلاق الإسلام، وهذا هو روح الإسلام الذي يربط جميع المسلمين، فالإنسان أحياناً إذا كان له وجاهة أو يستطيع أن يعين أخاه -سواءٌ أكان مديراً أم صاحب هيئة، أم صاحب مال، أم نحو ذلك- فعليه أن يزكي عن هذه الوجاهة وعن هذا المال وعن هذه النعمة التي خوله الله إياها بأن يقضي حاجات الناس ما دامت ليست في معصية، ولا في ظلم لأحد، ولا في تضييع فرص يستحقها من هو أولى منه، فيجب عليه أن يقضي حاجات الناس، فمثلاً: إذا جاء رجل يبحث عن عمل، فمعناه أنه يتحرى الحلال، ويريد فرصة عمل لكي يكسب من حلال، فإذا أتاك كي تعينه على البحث عن فرصة عمل فواجبك وحق أخيك المسلم عليك أن تبذل كل ما تستطيع من إمكانياتك حتى تقضي حاجته.
فالشاهد أننا مطالبون بأن نذكر كل من ينتسب للإسلام بهذا الكلام؛ كي تخف هذه المحنة التي شاعت وعمت وطمت، حتى صار أولئك المرتشون مثل مكينة البيبسي التي إن أعطيت لها المال عملت وأخرجت لك ما تريده وإذا لم تعطها لا تخرج شيئاً والله المستعان.
فعلى أي الأحوال يجب أن يتواصى الناس بقضاء حاجات بعضهم بدون مقابل؛ فإن الرسول ﵊ حذرنا من قبول أمثال هذه الهدايا، فإنه ﵊ قال: (من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا)، فإذا كنت قد شفعت لرجل وأراد بعد ذلك أن يعطيك هدية فإذا قبلتها فقد أتيت باباً عظيماً من أبواب الربا، مع أنك لم تطلب منه، لكن إذا كان بينكما أخوة سابقة، والعادة جرت بينكما بالتهادي فلا حرج في قبول الهدية؛ لأنها عادة جارية، لكن إذا لم تحصل على الهدية إلا بعدما سعيت له في هذا الأمر، ولم تكن تجري العادة بالتهادي بينكما فهذا سحت وربا لا يجوز لك أن تأخذه.
يقول شيخ البخاري أبو عثمان رحمه الله تعالى: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي، فإن تم وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت بالسلطان.
стр. 130
سماح نفس الإنسان بالبذل والعطاء دليل على الخير
ومن علامات السعادة وعلامات إرادة الله الخير بالإنسان وتيسيره اليسر أن يجد نفسه تسمح بالبذل، فإذا وجد نفسه تسمح بالبذل ليطمئن لهذه العلامة، وليعلم أن الله سوف يفتح له أبواب الخير؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، وقال أيضاً: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
فالإنسان إذا بذل إما أن نفسه تشح بالبذل وبالمساعدة، وإما أن يسلط عليه الشيطان جنوده ونوابه من زاوية أو صديق أو إنسان بخيل، ووقتها يقول له: أولادك! وكيف تنفق؟! فأنت أولى، وأنت أحوج إلى هذا المال.
فإذا وسوس لك أحد بمثل هذا الكلام إذا أرادت يدك أن تبذل في سبيل الله وسبيل قضاء حاجات الناس، فتذكر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، فهؤلاء الذين يعظونك هذه الموعظة المشئومة لم ينعم الله عليهم بوقايتهم شح أنفسهم، فإذا أكرمك الله بهذه الخصلة فلتطاوعك يدك في الإنفاق، وتذكر أنك إذا وقيت شح نفسك فأنت من المفلحين.
стр. 131
نماذج من الذين سعوا في قضاء حوائج المحتاجين
كان الليث بن سعد رحمه الله تعالى يجلس للمسائل، فيغشاه الناس ويسألونه، ويجلس لحوائج الناس، ولا يسأله أحد من الناس فيرده، كبرت حاجته أو صغرت.
واعتادت أم الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى أن تراه مهتماً لأحوال المسلمين إذا ألمت بهم أو بأحدهم نائبة، فرأته ذات يوم على هذه الحال مغموماً مهموماً، فقالت له: ما لك؟! هل مات مسلم في الصين؟ لأنها تعودت على أنها لا تراه حزيناً إلا لأنه يحمل هم المسلمين.
وهذا شاعر الدعوة الإسلامية المعاصرة عمر بهاء الدين الأميري كان في جناح طب القلب، وكان صدره موصولاً إلى جهاز المراقبة الإلكتروني بأسلاك تشل من حركته، وكان يحقن في البطن كل يوم مرات بإبر لمناعة الدم، وقد جاء الطبيب يسأل القائم على التمريض عن استراحة شاعرنا، ويسأله: كيف حاله الآن؟ هل استراح؟ فرد عليه باستغراب وبفهم يختلف عن فهمه قائلاً: كلا رويدك يا طبيب وقد سألت أما استراح هل يستريح الحر يوقد صدره العبء الرزاح فهل العبد الحر أو الإنسان الحر إذا كان يشعل ويوقد صدره العبء الثقيل من حمل هموم المسلمين، هل هذا يمكن أن يستريح؟
стр. 132
الحركة في حياة الداعية إلى الله
إن الداعية من أخص ما يختص به أنه يمكن أن يكون داعية ولا يكون على درجة عالية من العلم، فالداعية إنسان يغار على الدين، خاصة في مثل هذا الزمان الذي أصبحت الأمور الأساسية التي هي معلومة من الدين بالضرورة يجهلها الناس، والمعاصي التي ترتكب هي في الغالب مخالفات صريحة للدين، وليست أموراً خفية، ولا يجهلها أحد، وحينئذٍ من علم هذه الحدود من حدود الله فواجب عليه أن ينصح ويعظ الناس، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فالداعية من أخص خصائصه أنه متحرك الحركة المنافية للخمول والسكون، فالحركة ولود، والسكون عقيم، والحركة هي الحياة، والسكون هو الموت.
يقول الجيلاني: الحركة بداية، والسكون نهاية.
فالأشياء لا تسكن إلا إذا وصلت إلى نهايتها وخمدت وماتت، لكن الحركة تكون بداية لما بعدها، فهي تلد ما بعدها، والحركة هي الحد الفاصل بين عهد الرقابة وبين عهد حمل الأمانة بعزم وحزم ووفاء، فبالحركة انتشر المسلمون الأوائل مثل شعاع الشمس في أقطار الأرض يفتحون البلاد، ويفتحون قلوب العباد، ويدعون إلى التوحيد، ويحطمون الطواغيت، ويقودون الناس إلى الجنة، وبالحركة صاروا في ظلمات الحياة سراجاً وهاجاً، فإذا بالباطل قد صار رماداً بعد التهاب وخامداً بعد حركة.
يقول الشاعر معبراً عن أن الحركة هي الشيء الأصل فيمن يحقق معنى كلمة التوحيد؛ إذ التوحيد عبارة عن نفي وإثبات، وإيجاب وسلب، فـ (لا إله) نفي وسلب و (إلا الله) إيجاب وإثبات، أي أنه لا يستحق أن يفرد بالعبادة إلا الله ، فهو يريد أن يعبر عن أنه لا يمكن أن أحداً يقول: (لا إله إلا الله)، ويفهمها حق فهمها إلا فعلت فيه هذه الكلمة فعل الكهرباء في الآلة حين تحركها وترفعها وتعطيها الطاقة، يقول هذا الشاعر: إنما التوحيد إيجاب وسلب يعني: لا إله إلا الله.
لا وإلا قوة قاهرة ولها في النفس فعل الكهرباء يعني: كما أن الكهرباء تأتي من الموجب والسالب، فالموجب والسالب هما اللذان يولدان الطاقة الكهربائية، فتحرك الآلة، فكذلك كلمة التوحيد عبارة عن موجب وسالب، وهما (لا)، و (إلا)، فـ (لا) السالب، و (إلا) هي الإثبات الموجب، فهما اللذان يحركان القلب حينما يجتمعان فيه، ويخرجان هذه الطاقة.
وهذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يصور عشقه الحركة وبعده عن الجمود والكسل، فيمثل السكون بالماء الذي يتوقف عن الجريان فيفسد؛ لأن الماء إذا توقف عن الجري فسد، ولذلك نهى الرسول الله ﷺ عن البول في الماء الراكد، أما الذي يجري فإنه يتجدد.
ويجزم الإمام الشافعي بأن الأسد قد تتعرض للهلاك لولم تتحرك باحثة عن فريستها، وكذلك السهام لولا تحركها من الكنانة إلى القسي ومن القسي إلى الهدف لما أصابت.
يقول الشافعي رحمه الله تعالى: إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب والأسد لولا فراق الأرض ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يُصب والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لملها الناس من عجم ومن عرب وهذا الشاعر الإسلامي وليد الأعظمي يهيب بالداعية أن يتحرك ويحرك الآخرين مبتدأً بعشيرته الأقربين فيقول: كن مشعلاً في جنح ليل حالك يهدي الأنام إلى الهدى ويبيِّنُ وانشط لدينك لا تكن متكاسلاً واعمل على تحريك ما هو ساكنُ وابدأ بأهلك إن دعوت فإنهم أولى الورى بالنصح منك وأقمنُ والله يأمر بالعشيرة أولاً والأمر من بعد العشيرة هينُ وهذا القرضاوي يجادل الخاملين ويحاج الخامدين، ويوبخ الهامدين فيقول: قالوا السعادة في السكون وفي الخمول وفي الخمود في العيش بين الأهل لا عيش المهاجر والطريد في المشي خلف الركب في دعة وفي خطو وئيد في أن تكون كما يقال فلا اعتراض ولا ردود في أن تسير مع القطيع وأن تقاد ولا تقود في أن تصيح لكل وال عاش عهدكم المجيد قلت الحياة هي التحرك لا السكون ولا الهمود وهي الجهاد وهل يجا هد من تعلق بالقعود وهي التلذذ بالمتاعب لا التلذذ بالرقود هي أن تذود عن الحيا ض وأي حر لا يذود هي أن تحس بأن كأ س الذل من ماء صديد هي أن تعيش خليفة في الـ أرض شأنك أن تسود وتقول لا ونعم إذا ما شئت في بصر حديد هذه الحركة التي نتكلم عنها هي في الحقيقة عبارة عن عملية قيامة وبعث لروح الإنسان ولنفس الإنسان، فكما أن القيامة والبعث والنشور فيها إحياء للموات وبعث للحياة والحركة من جديد فكذلك حركة الداعية هي عبارة عن قيامة وبعث في الروح.
وهذا المصطلح ليس من كيسنا، وإنما هو من القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى أرسل النبي ﷺ إلى الأمة، ونبأه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]، وأرسله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فهذه الآية هي التي انتقل بها النبي ﷺ من النبوة إلى الرسالة، وهي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، وتأمل كلمة ((قُمْ)) فإنها تفيد القيام والحركة.
ونفس هذا المعنى موجود في مثل قوله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦]، ففي هذه الآية إشارة -أيضاً- إلى هذا القيامة، ونفس المعنى ذكره الله في شأن أصحاب الكهف، فقال سبحانه: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤] فهي حركة.
هذه القيامة الروحية واليقظة القلبية من أول منازل الطريق تستدعي الحركة في سبيل الدعوة، فليست هي أول منازل طريق التوبة؛ لأن الإنسان لا يتوب إلا بعدما يفيق ويستيقظ قلبه أولاً، فهو يستيقظ من النوم، ثم بعد ذلك يفكر في التوبة.
فالقيامة دائماً هي التي تسبق التوبة، يقول ﵎: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] يعني: ومن اتبعني أيضاً يدعو إلى الله ، قال الكلبي: حق على كل من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ﵌.
وهذه الخاصية من خصائص الدعوة الإسلامية هي التي حيرت أعداء الإسلام في القديم وفي الحديث؛ لأن كل مسلم مهتم بالإسلام، كما قالها من قبل آرنولد تويمبي وغيره من المستشرقين وأعداء الإسلام، أبدوا الذهول من أن كل مسلم يعتبر نفسه مسئولاً عن الإسلام، وأينما ذهب يعتبر نفسه سفيراً للإسلام، وهو متحدث باسم الإسلام، وحريص على أن يبادر الناس بدعوتهم إلى الإسلام في كل مكان، فكان هذا التفسير تفسيراً مقبولاً لدخول أمم بكاملها في الإسلام بدون سيف، فكثير من بلاد العالم الإسلامي -بل أكبر بلاد العالم الإسلامي، وهي إندونيسيا وكل المنطقة التي في شرق آسيا من بعد الهند والفلبين، وكل هذه المناطق التي فيها ملايين المسلمين- ما أريقت فيها قطرة واحدة في الجهاد في سبيل الله، وما فتحت بسيوف أبداً، وإنما فتحت بالتجار المسلمين الذين كانوا يذهبون إلى تلك البلاد، كما قال بعضهم: كان الداعية يذهب في زي تاجر، أي أنه داعية متقمص ثياب التجار، فكان بمجرد وجود التاجر المسلم بأخلاقه وآدابه وسمته وتعظيمه للصلاة وصدقه وقيامه بسائر الأخلاق في وسط هذه المجتمعات، كان الناس ينقادون إليه انقياداً كاملاً، ويتبعون دينه، فيدعوهم بلحظه قبل لفظه، وبسلوكه وخلقه قبل أن يتكلم.
فالشاهد أن هذه الخطوة هي التي ما زالت تحير أعداء الإسلام إلى اليوم، فمهما اجتهدوا في حربه فهذه الخاصية هي السبب الحقيقي في صمود الإسلام؛ لأنه لا توجد هيئة رسمية في أي دولة إسلامية يمكن أن نقول عنها: هي التي تحرك الدعوة الإسلامية في العالم.
بل العكس، فأغلب الهيئات الرسمية إما أن تريد أن تسخر الإسلام لمصالحها السياسية، وتجعله قابلاً لها، وإما أنها منحرفة بدعوتها إلى الإسلام، وهي جادة فعلاً في الدعوة، مثل الشيعة في إيران، فهم من أشد الناس حركة في الدعوة إلى باطلهم في كل العالم، ويضحون بالنفس والنفيس، ومع ذلك هم على باطل وعلى دين مخالف لدين الإسلام كما نعلم.
فهذه الهيئات إما أن أصحابها مبتدعون ضالون، وإما أنها تعادي الإسلام صراحة وتريد أن تجفف منابعه، وأما أنها هيئات رسمية تتظاهر بخدمة الإسلام لكي تسخره خادماً لمآربها ولمقاصدها، فما الذي يقوم بالدور الفعلي للدعوة إلى الإسلام في كل أرجاء الأرض؟! هي جهود هؤلاء الدعاة الذين لا أقول عنهم: هم أسماء مشهورة وشخصيات معينة.
بل كل مسلم يتحرك، حتى إننا نجد أحياناً الشخص قد يكون فاسقاً ومقصراً في دينه، ومع ذلك تجده يفرح جداً إذا رأى كافراً يدخل في الإسلام، ويضحي من أجل ذلك بما يستطيع، فمثلاً: لو أن رجلاً نصرانياً أسلم فإن أشد الناس حماساً في مساعدته هم عوام الناس، وهذا فيه تعبير عن هذه الإيجابية والرغبة في انتشار الإسلام وهدي قلوب الخلق والابتهاج بنشر هذا الدين.
стр. 133
نماذج من المتحركين في الدعوة إلى الله
تلا الحسن البصري ﵀ قوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ثم قال: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، فهذا حبيب الله، هذا ولي الله.
وقال الوزير بن هبيرة في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠]، وقوله : ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص:٢٠]: تأملت ذكر أقصى المدينة، فإذا الرجلان جاءا من بعد في الأمر بالمعروف، ولم يتقاعدا لبعد الطريق.
وهذا من علو الهمة، فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] هو في قصة حبيب النجار، والآية الأخرى في قصة ناصح موسى ﵇، وهي: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص:٢٠].
وانظر إلى كلمة ((مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ))، أي: من آخر طرف في المدينة، جاء يسعى ويجري لكي ينصح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
стр. 134
نفاسة معدن المتحرك في الدعوة إلى الله
والشخص الذي يتحرك للدعوة ويقبل أن يضحي في سبيل الدين، خاصة إذا كانت الدعوة تتعرض لمحن تحركه -في الغالب- يدل على نفاسة معدنه وأصالة جوهره، فمثلاً: المرأة التي تتنقب في وسط الظروف التي نعيشها الآن لا شك في أنها صاحبة همة غير عادية؛ لأنها ترى المنقبات كيف يحاربن، وكيف يشنع بهن، وهكذا لو أن الإنسان أعفي لحيته أو تاب في مثل هذا الجو الصعب الذي نعيش فيه في مثل هذا الزمان، فلا شك في أن هذه النوعية تكون موفقة من عند الله ، وإلا فالغالب أن الناس تصد عن سبيل الله بشتى الحيل.
أما هذا الذي يتباطأ عن الاستجابة لدعوة الله، أو الاستجابة لداعي الإيمان، ويتباطأ مؤجلاً إلى أن تظهر بوادر النجاح، فحينما يكون المسلمون أصحاب اليد العليا، وحينما تكون الدعوة لها ثقل أكثر فما يتمناه هو وعد الضعاف، فوعد الضعاف أن يقول أحدهم: اشتغل في الدعوة حتى ترجع الموجة مرة أخرى، وحتى تنحسر هذه الشدة التي نحن فيها.
إن المؤمن الذي يعمر قلبه بالإيمان لا يتصور أن يكون إلا متحركاً ومحركاً، أما المتباطئ الذي يعد بالالتحاق بعدما تظهر بوادر النجاح فإنما يعد وعد الضعاف، كما يقول الشاعر: صاح ما الحر من يثور على الـ ظلم وقد ثارت لحقها الأقوام إنما الحر من يسير إلى الـ ظلم فيصميه والأنام نيام فلا ينبغي أن يؤجل الإنسان الانضواء تحت لواء الحق، وإلا فإنه يعض إصبع الندم، وقد دعا رسول الله ﷺ ذا الجوشن الضبابي إلى الإسلام بعد بدر، فقال له: (هل لك إلى أن تكون من أوائل هذا الأمر -أي: أقبل وكن من السابقين إلى الإسلام-؟ قال: لا.
قال: فما يمنعك منه؟ قال: رأيت قومك كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، فأنظر: فإن ظهرت عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك.
فكان ذو الجوشن يتوجع على تركه الإسلام حين دعاه إليه رسول الله ﵌.
فينبغي أن يحرص الإنسان دائماً على عنصر الريادة، وأن يكون في أوائل الناس، خاصة في وقت المحنة ووقت الشدة، ويجيب داعي الله بلا تلكؤ ولا تلعثم ولا تردد، فهذا هو شأن المؤمنين، لكن الإنسان الذي يتردد في قبول الدعوة يكشف عن ضعف في همته، والشخص عالي الهمة لا يبالي أن ينضوي إلى لواء الحق، حتى ولو كان أهله مبتلين، ومطاردين ومستضعفين، ولكن بعض الناس لا يكاد يتحرك قلبه تعاطفاً مع أهل الدين ومع أهل ولاية الله ورسوله ﵌، فكيف نزهد في مثل هذا العمل الذي هو تبليغ الدين ودعوة الناس إلى الحق والنبي ﵌ يقول: (نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)؟ ّ! فمن يفعل ذلك يدخل تحت دعوة النبي ﷺ : (نضر الله أمراً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع).
وروي أنه ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم! زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)، يعني: مهتدين في أنفسنا هداة لغيرنا، أي: اجعل نفعنا متعدياً.
стр. 135
وجوب الدعوة إلى الله وبيان فضلها
وقد أثنى الله على عباد الرحمن الذين كان من دعائهم إياه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] أي: نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا.
ولذلك لما سئل وهب بن منبه عن صفة المسلم قال ﵀: يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده.
يعني: يهدي من بعده.
يقول الشاعر: نحن في ذي الحياة ركب صفاء يصل اللاحقين بالماضينا قد هدانا السبيل من سبقونا وعلينا هداية الآتينا يقول الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر.
يعني أن الذي يقعد في بيته ولا يخرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يسلم من العقوبة، ولن يسلم من الإثم.
يقول: من حيث التقاعد عن إرشاد الناس، وتعليمهم، وحملهم على المعروف، فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد، فكيف في القرى والبوادي؟! يعني أن الذين في المدن هم أهل الحواضر، ومع هذا تجد عندهم الجهل بالصلاة، فكيف بأهل البوادي والصحراء والقرى؟! ومنهم الأعراب والأكراد والترك وسائر أصناف الخلق.
يقول الغزالي ﵀: وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم، وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه فرغ من فرض عينه، وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى ما يجاور بلده من أهل الوادي ومن العرب والأكراد وغيرهم، ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يفسر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فيقول ﵀: فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه، وينذروا كما أنذر.
يعني: أن هذا الخطاب للرسول ﵊ ولأمته من بعده؛ لأن الأمة تقوم مقامه في إنذار الناس، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، والجن بمجرد أن سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين.
وهذا تلميذه الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى يقول: وتبليغ سنته ﷺ إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه.
وأما الآن في هذا الزمان فلا يوجد تبليغ السهام إلى نحور العدو، ولا تبليغ سنن رسول الله ﵌، والله المستعان.
فعالي الهمة دائماً يطلب ويبذل أقصى وسعه لنيل الكمال الممكن، أي: أقصى ما تصل إليه طاقته من الكمال، فمن أراد المنزلة العليا من الجنة فعليه أن يكون في المنزلة القصوى في هذه الحياة الدنيا، واحدة بواحدة، ولكل سلعة ثمن.
قال الشاعر: إذا ما علا المرء رام العلاء ويطمع بالدون من كان دونا يعني: ما دمت تريد منزلة عليا في الآخرة فلابد من أن تتبوأ منزلة عليا في الدنيا، والمنزلة التي في الدنيا ليس أن تكون وزيراً، ولا أن تكون تاجراً، ولا أن تكون مليونيراً، بل أعلى منزلة وأشرف وظيفة على الإطلاق يمكن أن يرثها إنسان في هذه الدنيا هي وظيفة الدعوة إلى الله ؛ لأن هذه وظيفة الأنبياء، فلا شك في أنها أشرف وظيفة يقوم بها الإنسان على وجه الأرض؛ لأنها وراثة وظائف النبوة التي لا أشرف منها إلا منزلة النبوة نفسها.
وهذا الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى ينادي كل مسلم من بعده فيقول رحمه الله تعالى: ألست تبغي القرب منه -أي: من الله ؟! فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد؛ لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم ؟! ثم قال: وهل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق وحثهم على الخير ونهيهم عن الشر؟! ثم يقارن الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى بين الشجعان الذين يخالطون الناس ويدعونهم إلى الخير ويصبرون على أذيتهم، وبين المتخاذلين المعتذرين القاعدين عن الدعوة إلى الله ، فيقول الإمام ابن الجوزي: الزهاد -يعني المعتزلين- في مقام الخفافيش -أي: اعتزلوا في المكان المظلم كالخفافيش-، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، من جماعة، واتباع جنازة، وعيادة مريض، إلا أنها حالة الجبناء، فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعملون، وهذه مقامات الأنبياء ﵈.
وكم يتفطر قلب المرء إذا رأى الإخوة ينزوون، خاصة من كان منهم من حفاظ القرآن الذين فتح الله عليهم، فحين نريد أن نحفظ القرآن نجد الانزواء والسلبية والهروب من المسئولية في خدمة القرآن الذي هو أشرف العبادات، كما قال النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فإذا كان كل واحد عنده طاقة في خدمة كتاب الله فعليه أن يبذلها، فهل كانت تنتشر الأمية بالقرآن الكريم والتقصير في حقه على هذا النحو الموجود؟!
الجواب
لا، لهذا نحن نحتاج إلى مراجعة أنفسنا، فنحن محتاجون إلى التزام من جديد، والساحة محتاجة الآن إلى صحوة، والتزامنا يحتاج إلى التزام، وتوبتنا تحتاج إلى توبة؛ لأن أوضاعنا لا ترضي الله في كثير منها، فالله المستعان.
يقول: الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة، بشرط أنها لا تمنع من الخير، وذلك بأن يحضر الجماعة، ويتبع الجنائز، ويعود المرضى، لكن حالة العزلة -حتى مع هذه العبادات- حياة الجبناء، أما الشجعان فهم يتعلمون ويعملون، وهذه مقامات الأنبياء ﵈.
وهذا الشيخ الداعية القدوة عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى كان رجلاً قد تكلم كثيراً، وصاح بأهل العراق صيحات بليغة رفيعة المعنى والمبنى، ويلتقط لنا أحد تلامذته من تلك الصيحات كلمات ندونها سريعاً، وكان الإمام الكيلاني يخطب خطبه الأسبوعية سنة (٥٤٥هـ)، فأودع هذه النصائح في كتابه (الفتح الرباني والفيض الرحماني).
يقول الشيخ عبد القادر ﵀: المتزهد المبتدئ في زهده يهرب من الخلق، والزاهد الكامل في زهده لا يبالي بهم، ولا يهرب منهم، بل يطلبهم.
أي أن الشخص الذي كمل في زهده وحقق معنى الزهد الصحيح لا يهرب من الخلق، بل هو الذي يطارد الخلق ويجري وراءهم كي ينتشلهم، وكي ينقذهم، وكي يدعوهم إلى الله .
يقول: بل يطلبهم؛ لأنه يصير إذا حقق الزهد عارفاً بالله ، ومن عرف الله لا يهرب من شيء، ولا يخاف من شيء سواه.
فالمبتدئ يهرب من الفساق والعصاة؛ لأنه ضعيف يخشى أن يتأثر بهم، والمنتهي يطلبهم؛ لأن الفاسق ضالة الداعية؛ لأن الداعية إذا ظل يدعو بين جماعات الصالحين فهذا تحصيل الحاصل، لكن الداعية إلى الحق تكون ضالته هي الفاسق غير المستقيم؛ لأنه يريد أن يضمه إلى عباد الله ، وكيف لا يطلبهم وكل دوائهم عنده؟! ولهذا قال بعضهم رحمة الله عليه: لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف.
يعني: لا يضحك في وجه الفاسق تألفاً وتأليفاً له في أثناء دعوته إلى الله إلا العارف الذي كمل في عرفانه.
فمن كملت معرفته بالله صار دالاً عليه، أي أن هذا الشخص الذي كملت معرفته يصبح مثل الشبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا، ويعطى القوة حتى يهزم إبليس وجنده ويأخذ الخلق من أيدهم.
يقول: يا من اعتزل بزهده مع جهله! تقدم واسمع ما أقول، يا زهاد الأرض! تقدموا، خربوا صوامعكم، واقربوا مني، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل، ما وقعتم بشيء، تقدموا.
هذه صيحة من صيحات الشيخ: عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى، وكان يقول هذا الكلام وهو في سن الشيخوخة ﵀.
وبعض المعاصرين من الدعاة -وهو الأستاذ: محمد أحمد الراشد حفظه الله- يقول: لا ينبغي للداعية أن يبتئس إذا لم يجد فضل وقت لقيام الليل يومياً.
يعني: إن كان بسبب اشتغاله بالدعوة لا يستطيع المواظبة يومياً على قيام الليل، أو أنه بسبب اشتغاله بالدعوة يقل عدد ختماته للقرآن الكريم فإن ما هو فيه من الدعوة وتعليم الناس وتربية الشباب خير وأجزل أجراً، وقدوته في ذلك ورائده أئمة الدعاة من السلف الصالح الذين كانوا يسيحون لنشر الدعوة وتبليغها، ويبادئون الناس بالكلام، ويحتكون بهم احتكاكاً هادفاً، ولا ينتظرون مجيء الناس إليهم ليسألوهم.
وانظر إلى خالد بن الوليد ﵁ لما أمَّ الناس يوماً، فانتقى في الصلاة من مواضع متفرقة من القرآن الكريم، ثم اعتذر بعدما صلى بهم وقال: لقد شغلني الجهاد عن كثير من قراءة القرآن.
لأنه اشتغل بفتح البلاد وتمصير الأمصار والدعوة إلى الإسلام، فأبواب الخير متعددة.
وكانت رسل رسول الله ﷺ تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام، وتبشر به، ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة، أي: لم يكونوا ينتظرون أن يأتوا إلى المدينة، وإنما كانوا يخرجون إليهم، وذلك الأعرابي الذي سأل الرسول صلى الله عليه وآله سلم عن أركان الإسلام، فلما أخبره بها قال: (لا أزيد عليهن ولا أنقص) هذا الأعرابي بدأ حواره مع النبي ﷺ بأن قال له: (يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا: أنك تزعم أن الله أرسلك...) فإذاً: هناك حائط، وهناك إيجابية، فمن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية؛ فإن الناس يؤتون وينتقل إليهم، ولو فصلت كلمة هذا الأعرابي لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي ﷺ لقوم هذا الرجل، فارق أهله وبيته وأولاده، واجتاز المفاوز والصحراء، وتعرض للمخاطر والحر والبرد ليصل إلى قوم هذا الرجل ويبلغهم دعوة الإسلام، فلا بد من أن نكو
стр. 136
نماذج من بذل السلف في الدعوة إلى الله
يروي لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي رحمه الله تعالى أن رجالاً خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريباً يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: (ما حملكم على ما صنعتم؟) قالوا: أحببنا أن نخرج من جوار الناس نتعبد.
مع أن تلك المرحلة كان المجتمع فيها مجتمعاً إسلامياً صرفاً، ومع ذلك آثروا الخروج إلى الخلوة للتعبد، فقالوا: أحببنا أن نخرج من جوار الناس نتعبد.
فقال عبد الله بن مسعود ﵁: (لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟! وما أنا ببارح حتى ترجعوا) أي: حتى يرجعوا معه ﵁.
وكان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، والإمام أحمد لم يكن بالمنعزل المتواري الهارب من الناس.
فالداعية يفتش عن الناس، ويبحث عنهم، ويسأل عن أخبارهم، ويرحل للقائهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجيء الناس إليه في مسجده أو بيته فإن الأيام تبقيه وحيداً، ويتعلم فن التثاؤب.
وقد قيل في التعريف بشيخ من شيوخ البخاري والترمذي وهو موسى بن حزام ﵀: إنه كان ثقة صالحاً، لكنه كان في أول أمره ينتحل الإرجاء -أي: بدعة الإرجاء- ثم أعانه الله تعالى بـ أحمد بن حنبل فانتحل السنة، وذب عنها، وقمع من خالفها، مع لزوم الدين حتى مات.
ولو مرت هذه العبارة دون أن نحللها فلن نستفيد منها الفائدة المرجوة، لكن إذا تأملنا في هذه العبارة فسنجد أن هذا الانتقال لا يكون وليد عشية وضحاها؛ لأن مثل هذا الرجل كان متعمقاً في بدعة الإرجاء منتحلاً إياها ذاباً عنها، ولا شك في أنه حصلت له جلسات متعددة من الإمام أحمد ليحاوره ويهديه، ويبين له، ويزيل عنه الشبه، ويناقشه إلحاحاً في دعوته، فكان أن خرج هذا الرجل الإمام الذي لم يكتف بانتحال السنة وتصحيح عقيدته، ولكن أصبح يدافع عن السنة، وكان سيفاً يقمع البدع وأهلها.
стр. 137
نماذج من حرص السلف على هداية الخلق وعلو همتهم في ذلك
أما صور ونماذج حركة السلف وحرصهم على هداية الخلق إلى الله فهي كثيرة نكتفي منها بهذه النماذج: فعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: لو استطعت أن لا أنام لم أنم، مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعواناً لفرقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها: يا أيها الناس! النار النار: أي: لو وجدت أعواناً يطيعونني لنشرتهم في كل أقطار الأرض وكل شارع وكل مدينة وكل حي يصرفون في الناس يقولون: النار النار.
أي: احذروا النار، واتقوا النار، واعملوا للنجاة من النار.
وعن إبراهيم بن أشعث قال: كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكي حتى لكأنه يودع أصحابه ذاهباً إلى الآخرة، حتى يبلغ المقابر، فيجلس فكأنه بين الموتى من الحزن والبكاء حتى يقوم، ولكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها.
وعن الشجاع بن الوليد قال: كنت أخرج مع سفيان الثوري، فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً.
وهذا الإمام الزهري -والزهري لا نقول في تعريفه أكثر من أنه الإمام الزهري رحمه الله تعالى- لم يكتف بتربية أجيال وتخريج أئمة في فن الحديث، بل كان بجانب روايته في الحديث وفي العلم ينزل بنفسه إلى الأعراب يعلمهم، وكان يذهب إلى البوادي ليعلم الأعراب أمر دينهم.
وكان الفقيه الواعظ أحمد الغزالي شقيق أبي حامد الغزالي رحمهما الله يدخل القرى والضياع، ويعظ لأهل البوادي تقرباً إلى الله .
فالإنسان يمكن أن يستحضر مثل هذه النية ويخرج في سبيل الله، كما جاء الحديث في فضل من يغدو من بيته في الصباح لأجل الله ، فما يمنعك من أن تخرج من بيتك -مثلاً- بنية أنك تذهب لا لشراء الخبز والفاكهة والخضروات، ولا للذهاب إلى العمل أو الطبيب أو غير ذلك من مصالحك أو حاجاتك، وإنما بنية أن تهدي ضالاً إلى الله ؟! ما الذي يمنعك من هذا؟! فهل لا يوجد ضالون في بلادنا أو في مدينتنا؟!
الجواب
بلى، بل هم كثيرون، فالشباب التائه الضائع الضال الآن يملأ المرافق والطرقات، فما الذي يمنعك من أن تخرج من البيت بهذه النية؟ افعل هذا، وتقرب إلى الله بهذا، فهذا أعظم بكثير جداً من قيام الليل وصيام النهار، فإذا أخذت بناصية أحد إلى الله فإن كل ما سيعمله من الأعمال الصالحة بسبب دعوتك إياه سيكون في ميزانك أنت، وأي واحد منا لو رجع بذاكرته إلى الوراء لوجد أن الله إنما منّ عليه بنعمة الهداية على يد واحد من هؤلاء الذين كان عندهم هذه الهمة، حيث تحرك ليدعوك أنت إلى الحق، فكان منه هذا الخير الذي تعيش فيه الآن، فلماذا لا ترد الجميل إلى غيرك وتنال -أيضاً- ثوابه؟! وما الذي يمنع كل واحد منا الآن؟! فليحاول أحدنا أن لا يمر الأسبوع القادم -مثلاً- دون أن ينزل من البيت بنية أنه خارج ليبحث عن شاب ينصحه، سواء رآه واقفاً في الطريق أو في أي مكان، فيستوقفه وينصحه برفق، أو يهديه شريطاً أو كتاباً، أو يهديه نصيحة.
فإذا فعلنا هذا فإننا -بلا شك- نذوق طعم هذه العبادات إذا كان هذا خروجاً في سبيل الله بمعنى صحيح، أي: أن تخرج من بيتك بنية دعوة ضال، أو هداية فاسق، فالمقاهي عامرة بهؤلاء الفارغين، والنوادي مكتظة بالشباب التافه الضال الضائع، وقد يكون فيهم كثير من الشباب الذين فيهم خير، لكن لم تطرق أسماعهم بعد كلمة أو موعظة، فلماذا لا تكون أنت الذي يجري على يدك هذا الخير؟! وهذا الإمام أبو إسحاق الفزاري رحمه الله تعالى كان رجل عامة، وهو الذي أدب أهل الثغور الإسلامية الذين في أعالي بلاد الشام والجزيرة تجاه الروم، وعلمهم سنن النبي ﷺ ، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، أي أن المدينة التي كان يمكث فيها إذا دخلها رجل مبتدع طرده من البلد، ولا يسمح لمبتدع أن يعيش معه ببلدة واحدة.
وأما الشيخ الزاهد الفقيه محمد بن أحمد الدباهي فقد لازم العبادة والعمل الدائب والجد، واستغرق أوقاته في الخير صلباً في الدين، ينصح الإخوان، وإذا رآه إنسان عرف الجد في وجهه.
وعلى الفتى لطباعه سمة تلوح على جبينه أما الإمام الجليل الخرقي صاحب كتاب المختصر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فقد قال الإمام ابن قدامة في أثناء ترجمته في مقدمة المغني: وسمعت من يذكر أن سبب موته -أي: سبب موت هذا الإمام الفقيه الجليل الإمام أبي القاسم الخرقي رحمه الله تعالى- أنه أنكر منكراً بدمشق، فضرب، فكان موته بذلك.
وكان من ضمن سيرته أنه لما ظهر سب الصحابة في مدينة بغداد تركها، وقال: لا أعيش في بلد يسب فيها الصحابة.
ومن مناهج حرصهم -أيضاً- على تعليم الناس العلم الشريف ما رواه جعفر بن بطال قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز وقال في كتابه: ومر أهل الفقه من جندك فلينشروا ما علمهم الله في مساجدهم ومجالسهم، والسلام.
وهذا أحد أسرار الحركة التجديدية التي قادها عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
وعن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إن أوسط عملي في نفسي نشري العلم.
أي أن أفضل عمل أرجو أو أطمع أن يثيبني الله عليه هو أن أنشر العلم.
وعطاء بن أبي رباح مفتي مكة هو القائل: لأن أرى في بيتي شيطاناً خير من أن أرى فيه وسادة.
أي: لأنها تدعو إلى النوم.
فيا حسرتاه على أحوالنا وأوضاعنا! ونحن لا نقول: لنصل إلى هذا المستوى، أي: كون الإنسان يفضل أن يرى في بيته شيطاناً على أن يرى فيه وسادة، وإنما نقول: ساعة لربك وساعة لنفسك.
مع أن جل همنا متجه إلى تعمير الدنيا والانشغال للفناء في حب الدنيا، فليس لنا هم إلا الدنيا، فانظر إلى عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى يقول: لأن أرى في بيتي شيطاناً خير من أن أرى فيه وسادة.
أي: لأنها تدعو إلى النوم.
وقال الإمام ربيعة الرأي رحمه الله تعالى: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه.
وقد اختلف العلماء في معنى هذه العبارة، فبعضهم قال: يعني: لا ينبغي أن يعرض نفسه لموضع لا يليق به، كموضع فيه إهانة أو احتقار لقدره.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ومراده أن من كان فيه فهم وتربية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال بطلب العلم.
أي أن الذي يحس من نفسه إمكان أن يتفوق في طلب العلم وأن يصير إماماً ففي هذه الحالة لا ينبغي له أن يضيع نفسه ويشتغل ويوجه الهمة وهذه الطاقة إلى الدنيا، فلا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، فيترك الاشتغال بطلب العلم، وإنما يركز على طلب العلم؛ لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم.
أو مراده: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم -يعني: حصل قدراً من العلم- أن يضيع نفسه.
أي أن المراد الحث على نشر العلم في أهله؛ لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، فينشر العلم في الناس أو فيمن حوله في أهله؛ لأنه إذا مات قبل أن ينشره فقد ضيع نفسه، ويرفع العلم بذلك.
أو مراده: أن يضيع نفسه بأن يكون خاملاً غير ظاهر للناس؛ لأنه إذا لم يشهر نفسه ويتصدى لتعليم الناس فإن علمه سيضيع، فيضيع ما عنده من العلم، ولا ينتفع به أحد.
ووصى ابن القاسم عيسى بن دينار فقال له: عليك بأعظم مدائن الأندلس فانزلها، ولا تنزل منزلاً يضيع ما حملت من العلم.
أي: اجعل المدينة أو المكان الذي تعيش فيه مكاناً واسعاً تنشر فيه دعوتك وعلمك، وكن بؤرة نور وهداية للناس، ولا تأوي إلى مكان يضيع فيه ما عندك من العلم.
стр. 138
مخاطرة السلف ﵏ بأنفسهم في نصرة الدين
الخصلة الأخيرة من الخصال التي تميز بها السلف الصالح رحمهم الله تعالى هي مخاطرتهم بأنفسهم في نصرة الدين، فكان السلف رحمهم الله تعالى يفاصلون الباطل مفاصلة حاسمة، ويرفضون الالتقاء به في منتصف الطريق، ولسان حال كل واحد منهم كأنه يقول: كان العيش المتصالح والمهادنة مع الباطل ممكناً لي ولكنهم ركبوا مسلكاً يحيد عن الجدد المشرق وقد ملك الأمر منهم رجال يخالف منطقهم منطقي نأوا عن هدى الله في نهجهم وساروا وسرت فلم نلتق فعالي الهمة على بصيرة من دينه، واثق من منهجه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام:٥٧] يعني: أنا واثق، وأعرف عقيدتي، وأعرف دليل كل عقيدة أعتقدها، وأعرف كيف أدفع كل شبهة ترد عليَّ ومن كان كذلك فهو واثق من المنهج، وواثق من الحق، فهو موقن برسالته وعقيدته ولو خالفه أهل الأرض قاطبة.
يقول أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي.
فكأنه يفترض أنه خلق وحده، وكلف بالحق وحده، وسيحاسب على الحق وحده، فمثل هذا لم يتعلل ولم يعتذر بأن كل الناس يفعلون الباطل، وأن كل الناس سيذهبون إلى النار، كما يقول من لا يفقه، فحينما تنصحه يجيبك بقوله: كل الناس يفعلون ما أفعل.
وهل كل الناس سيذهبون إلى النار؟! وعن حزم بن أبي حزم رحمه الله تعالى قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀ -في كلام له-: (فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيراً) يعني: لو كان مقابل كل بدعة أميتها وكل سنة أحييها أن تقطع قطعة من جسمي لكان ذلك في الله يسيراً.
وهذا المتكلم هو عمر بن عبد العزيز، وهو لا يتكلم كلام الشعراء الذين قال الله فيهم: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٦]، بل يتكلم كلام إمام من أئمة الهدى، فهو خليفة راشد مهدي رحمه الله تعالى، فكلامه يعكس ما يجده في قلبه من اليقين الجازم بكل كلمة وكل حرف ينطق به.
يقول ﵀: (فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيراً) أي: كان في الله شيئاً يسيراً ورخيصاً في سبيل إعزاز هذا الدين.
فهو يعلم أن طريق الدعوة طويل وشاق، مملوء بالأشواك والصعاب، لا تتحمله إلا نفوس الرجال، ولا تقوم به إلا همم الصادقين الأبطال، ولا تقدر على مواصلة السير فيه النفوس المريضة المترهلة التي أصابها وهن العزيمة، ونضب وقود الإيمان فيها، هذا الطريق هو طريق الأنبياء، فيه تعب آدم، وناح لأجله نوح، ورمي الخليل في النار، وقدم للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، وقاسى المرض أيوب، وكذا كانت سيرة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ﵌.
فالداعية الكبير الهمة لا يستسلم أمام قوة أهل الفجور وهواهم؛ لأنا نرى أن الترخص شأن العامة، وشأن المستضعفين، أما الدعاة والقادة والعلماء فيتمسكون بالعزيمة، ويصدعون بالحق، وإن لحقهم الأذى والعذاب والموت.
стр. 139
صبر الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وعلو همته في ذلك
وقد تجسد ذلك الموقف جلياً في موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى، وذلك في محنة القول بخلق القرآن، كما يحكي ابنه صالح هذه المواقف التي تجسد هذه المعاني، يقول صالح: قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إليّ المعتصم وقال: ائتوني بغيرها.
ثم قال للجلادين: تقدموا.
أي أنه أتي بفريق من الجلادين ليجلدوا الإمام أحمد ﵀؛ لأنه لو كان الجلاد واحداً فقط فمع كثرة الضرب يصيبه الكلل والتعب، فكان الواحد منهم يضرب ويتأخر، ويأتي بديله، وهكذا كان فريق من الجلادين يتناوبون على تعذيب الإمام كي يجدد الواحد منهم نشاطه وهمته حينما يضربه في النوبة الجديدة.
يقول: ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شدّ قطع الله يدك -يعني: أضرب بأقصى قوة-.
ثم يتنحى، ويقوم الآخر، فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شد قطع الله يدك.
فلما ضربت تسعة عشر صوتاً قام إليّ -يعني المعتصم - وقال: يا أحمد! علامَ تقتل نفسك؟ إني -والله- عليك لشفيق! قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه -أي: يضربه بقائمة السيف- ويقول: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟! أي: هل تريد أن تغلب المعتصم، وتغلب الجلادين، وتغلب كل من يخالفونك من هؤلاء الذين أمامك؟! وجعل بعضهم يقول: ويلك؛ الخليفة على رأسك قائم! أي: الخليفة واقف يحثك على أن ترجع عن مذهبك.
وقال بعض هؤلاء المنافقين الدجالين: يا أمير المؤمنين! دمه في عنقي، اقتله.
والواحد منا إذا أهين بسبب التزامه الآن في هذه الغربة التي نعيشها يرى ذلك عظيماً، وقد يوجد في بعض البلاد احترام شديد جداً للمتدين، فالمتدين في بعض البلاد ما زال -خارج مصر المحروسة- يحترم؛ لأنه متدين، وإذا كان طالب علم يعامل بمنتهى الاحترام، أما في كثير من الأماكن فإن التدين هو سبب محنة في الغالب لمن يلتزم بطاعة الله ، فلا تنتظر أن تفرش لك الأرض بالورود، ولا تنتظر أن تعطى حقك؛ لأنك مستقيم على طاعة الله ، بل انتظر العكس، وإذا وقعت في شيء من ذلك وسخر منك الأطفال في الطرقات، ولقبوك بأسماء الذين يأتون في المسلسلات التي تحارب الدين فقالوا: فلان الإرهابي، وفلان القاتل، وفلان الذي يفعل كذا فاثبت، وهكذا إذا كانت الأخت محجبة، فإنها تنال نفس هذا الأذى، فإذا وجدت ذلك فقارن نفسك بالإمام أحمد ﵀، وانظر كيف أهين، وكيف أوذي، لكن كانت العاقبة -كما وعد الله- للتقوى، حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
فالإمام أحمد -وهو الإمام أحمد - انظر كيف اجتمع عليه هؤلاء المبتدعون والمنافقون! فبعضهم يقول: ويلك؛ الخليفة على رأسك قائم! والآخر يقول: يا أمير المؤمنين! دمه في عنقي اقتله! وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين! أنت صائم، وأنت في الشمس قائم.
قال الإمام أحمد: فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أقول به! فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم، وأوجع قطع الله يدك.
ثم قام الثانية، فجعل يقول: ويحك يا أحمد، أجبني.
فجعلوا يقبلون عليّ ويقولون: يا أحمد! إمامك على رأسك قائم! وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟! وجعل المعتصم يقول: ويحك! أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج، حتى أطلق عنك بيدي.
يعني: اذكر كلاماً تعريضاً حتى أفرج عنك بيدي.
فقلت: يا أمير المؤمنين! أعطوني شيئاً من كتاب الله.
فيرجع ويقول للجلادين: تقدموا.
فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك.
وأذكر أنه حصل في أحد المعتقلات مثل هذا، حيث كان في هذا المعتقل رجل إما لبناني أو سوري، فكان أحد الجلادين يعذب أحد الشباب تعذيباً شديداً، وكان هذا الرجل من نفس هذه الزمرة، فجعل يقول للجلاد وهو يضرب الأخ بأشد ما يمكن: الله يعطيك العافية.
يعني: حتى تضرب أكثر! فهم يتكررون في كل زمان.
يقول الإمام أحمد: فجعل المعتصم يقول: ويحك! أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي.
فقلت: يا أمير المؤمنين! أعطوني شيئاً من كتاب الله.
فيرجع ويقول للجلادين: تقدموا.
فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك.
قال صالح: قال أبي: فذهب عقلي -أي: أغمي عليَّ- فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك لما أغمي عليك، وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك.
أي أنهم ظلوا يدوسون بأرجلهم على جسد الإمام أحمد وهو ملقى على وجهه ﵀.
قال صالح: قال أبي: فما شعرت بذلك، وأتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيأ.
أي: من شدة الإعياء والجهد الذي حصل بالإمام رحمه الله تعالى أتوه بهذا السويق، وهو نوع من الحساء، وقالوا له: اشرب وتقيأ.
فقلت: لا أفطر.
أي أنه كان كل هذا العذاب والإمام ﵀ صائم.
قال: فقلت: لا أفطر.
ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟! فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً، قال صالح: ثم خلي عنه، فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهراً، ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه.
فقال: يا ابن أخي! رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحداً يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله! أنت صائم، وأنت في موضع تقية.
أي أن هذا الرجل كان يحث الإمام أحمد على أن يأخذ بالتقية وأن له رخصة، قال ﵀: ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولني.
فناوله قدحاً فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه هنية، ثم رده ولم يشرب، عزّ عليه أن يقطع صومه، ويفوت عليه ثواب الصيام، فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول.
وعلق الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى على موقف الإمام أحمد ﵀ قائلاً: هذا رجل هانت عليه نفسه في الله تعالى، فبذلها، كما هانت على بلال نفسه.
وقد روينا عن سعيد بن المسيب أنه كانت نفسه عليه في الله تعالى أهون من نفس ذباب.
وهل الذباب حياته لها قيمة؟! ليس لها قيمة، فالذبابة هينة، فكذلك سعيد بن المسيب كان ينظر إلى روحه إذا بذلها في سبيل الله أنها أهون عليه من الذباب، وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب؛ لأنهم يعرفون الثمرة التي سيجنونها بعدما يضحون بأنفسهم في سبيل الله، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه؛ لأنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (يبتلى المرء على حسب دينه) فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره! وهنا تعليق رائع للإمام المعاصر العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى يعلق على عدم ترخص الإمام أحمد ﵀ في الأخذ بالتقية، فيقول: التقية إنما تجوز للمستضعفين الذين يخشون أن لا يثبتوا على الحق، والذين ليسوا بموضع القدوة للناس -أي: هؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة-، وأما أولوا العزم من الأئمة الهداة فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى، ويثبتون، وفي سبيل الله ما يلقون، ولو أنهم أخذوا بالتقية واستساغوا الرخصة لضل الناس من ورائهم -لأنهم يقتدون بهم، ولا يعلمون أن هذه تقية- وقد أتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق.
أي: لأنهم لا يصدعون بما يؤمرون، وإنما يجاملون في دينهم وفي الحق، ولا يجاملون الملوك والحكام فقط، بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعاً أو خافوا منه ضراً في الحقير والجليل من أمر الدنيا، وكل أمر الدنيا حقير.
يقول: فكان من ضعف المسلمين بضعف علمائهم ما نرى، ولقد قال رجل من أئمة هذا العصر المهتدين فيما كتب إلى أبي ﵀ -وهو العلامة الكبير الشيخ محمد شاكر ﵀ الذي كان وكيل الأزهر- كتب له في جماد الأولى سنة (١٣٣٧هـ) قال: كأن المسلمين لم يبلغهم من بداية كتابهم فيما يغشاهم من ظلمات الحوادث غير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨]، ثم أصيبوا بجنون التأويل فيما سوى ذلك، ولست أدري -وقد فهموا منها ما فهموا- كيف يقولون بوجوب الجهاد، وهو إتلاف للنفس والمال، وكيف يفهمون تعرضه ﷺ لصنوف البلاء والإيذاء، ولماذا يؤمنون بكرامة الشهداء والصابرين في البأساء والضراء على الله.
يعني أن الله وصف المتقين بأنهم: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة:١٧٧] أي: لابد من أن تمر بهم الضراء ويعانوا -أيضاً- البلاء.
стр. 140
ابتلاء الإمام أبي إسماعيل الهروي في سبيل الدعوة إلى الله
قال الإمام ابن طاهر المقدسي الحافظ: سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراء يقول: عرضت على السيف خمس مرات -أي: هدد بالقتل خمس مرات بالسيف- لا يقال لي: ارجع عن مذهب، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك.
فأقول: لا أسكت.
стр. 141
مقتل أبي بكر النابلسي في سبيل الدعوة إلى الله
يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته لـ أبي بكر النابلسي: قال أبو ذر الحافظ: سجنوا هذا الإمام -يعني أبا بكر النابلسي - وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ويقول: كان يقول وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨].
يعني: عذبوه بأن سلخوا جلده، وبعض الروايات تقول: إنه سلط عليه رجل يهودي، وأمر بأن يسلخ جلده، فأخذ يسلخ الجلد من بدنه، وبدأ من رأسه إلى أن وصل إلى قلبه، فمن شدة الجزع والشفقة من هذا اليهودي الذي كان يسلخه طعنه في قلبه حتى يستعجل موته، من شدة ألمه، وكان وهو يسلخه عند سقوط كل قطعة من جسده يتلو قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، يعزي نفسه بأن هذا قضاء وقدر سبق من الله في اللوح المحفوظ.
فكان يذكره الإمام الدارقطني ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨].
قال أبو الفرج ابن الجوزي: أقام جوهر القائد أي: جوهر الصقلي، وهو شيعي، وكان من القواد في أيام الفاطميين- لـ أبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ، فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة.
فكان حال هذا الإمام كما قال الشاعر: ليس يدنو الخوف منه أبدا ليس غير الله يخشى أحداً لحنه في القلب ناراً أشعلا من قيود الزوج والولد خلا معرض عما سوى الله الأحد يضع السكين في حلق الولد والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 142
علو الهمة [١٠]
إن أهل الباطل يجتهدون في الدعوة إلى باطلهم، فهم في جهد متواصل، وبذل مستمر من أجل نشر باطلهم، فحري بأهل الحق أن يكونوا أعظم وأكثر جهداً وبذلاً وعطاءً في نشر الحق.
стр. 143
البركة في السعي والحركة
انتهينا في الكلام على علو الهمة إلى علو الهمة في الدعوة إلى الله ، وذكرنا أن كبير الهمة من خصائصه أنه يحمل هم الأمة، ولا ينغلق على نفسه، وإنما يشارك المسلمين آلامهم، ويواسي إخوانه، ويقضي حوائجهم، ويشفع لهم.
وتكلمنا عن حركة الداعية، وكيف أن الحركة ولود وأن السكون عقيم، وبينا أن الحركة هي عبارة عن قيامة وبعث للروح، وذكرنا -أيضاً- أن الدعوة إلى الله هي أشرف وظيفة على الإطلاق في هذا الوجود؛ لأنها وراثة النبوة، وذكرنا نماذج من هدي السلف وحركتهم وحرصهم على هداية الخلق وتعليمهم ودعوتهم إلى الحق.
وذكرنا أيضاً نماذج تبين مخاطرتهم بأنفسهم وأرواحهم في سبيل نصرة الدين، وذكرنا أن الفاسق ضالة الداعية، وأن الداعية القوي الإيمان والقوي اليقين لا يهرب من الفاسق؛ لأن الذي يهرب هو الذي يخشى أن يتأثر به، وهذه حيلة الضعيف، أما الداعية الكبير الهمة فلقوة يقينه وإيمانه لا يزحزحه شيء عن منهجه، فلذلك يبحث ويتحرى ويلهث وراء الفاسق؛ لأنه يريد أن يهديه، وأن يغزو قلبه بنور الله ﵎.
والموضوع الذي نبينه الآن -بإذن الله وتوفيقه- هو أن كل البركة تكون في السعي والحركة، والنماذج -في الحقيقة- كثيرة، فقد اقتصرنا فيما مضى على تبيان نماذج من أحوال السلف في الحركة في سبيل الدين، وفي سبيل هداية الناس إلى الحق، ولا نريد أن نفعل كما يفعل الترجمان الذي يقف أمام الآثار، ويحدث الناس عن الماضي، ويظل يحدثهم عن الماضي والتاريخ وكأنه لا صلة له إطلاقاً بهذا الحاضر.
стр. 144
نماذج تبين بقاء الخيرية في هذه الأمة
وحتى لا يتصور أننا مثاليون نعيش على ذكر الماضي، وأن هذا الأمر كان قد قوي عليه السلف لما كان لديهم من علم وإرادة وقوة فاستطاعوا أن يفعلوا هذه النماذج فإننا سنصل ذلك بالحديث عن نماذج حاضرة، حتى يتبين لنا مصداق قول رسول الله ﵌ -وهو الصادق المصدوق-: (مثل أمتي مثل الغيث؛ لا يدرى أوله خير أم آخره) أو كما قال ﷺ .
فهناك نماذج عظيمة جداً تبين أن الخير قائم في هذه الأمة مهما اشتدت الظلمات.
стр. 145
جهود جماعة التبليغ في الدعوة إلى الله
ونبدأ بذكر جماعة من الجماعات في ساحة الدعوة، وهي جماعة التبليغ والدعوة، ولا شك في أن هناك مآخذ كثيرة على فكرها، وعلى منهاجها، وأن في هذه الجماعة بدعاً غليظة، سواء في المنهاج أو في مستوى العقيدة أو في النواحي التطبيقية، كبعض الرسوم والصور والهيئات والقوانين التي وضعوها وقدسوها فلا يخرجون عنها وكأنها دين منزل! وليس هذا الآن موضوعنا، لكننا نصدر الكلام بهذه الجماعة باعتبار تعلقها بما نحن بصدده الآن؛ فإنها -بلا شك- أوفر الجماعات الإسلامية حظاً من علو الهمة في الحركة الواسعة الدءوبة.
وحينما نريد أن ننصف هذه الجماعة ونتحدث عن آثارها فإنه يكفيها الثمار الكبيرة التي لم تضارعها فيها جماعة أخرى، خاصة إسلام كثير من المشركين، وهداية كثير من الفاسقين، وتبليغ دين الله في آفاق المعمورة.
وفيما يتعلق بفكر جماعة التبليغ نذكر هنا كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث يقول: لو أن جماعة مسلمة وهي على شيء كبير من البدع، ومع ذلك تتسبب في دعوة كافر إلى الإسلام، وتدعوه إلى الإسلام وتدخله في الإسلام فهذا أفضل من أن يبقى على كفره، فدخوله في دائرة الإسلام مع البدعة أهون من بقائه في ظلمات الكفر؛ لأنه إذا دخل في الإسلام وفي التوحيد يرجى له النجاة بإذن الله بفضل هذا التوحيد، ويكون قد اقترب أكثر من المنهج الحق.
فجماعة التبليغ لهم مواقف كثيرة، والحقيقة هي أن المآخذ على جماعة التبليغ نسبية، مع وجود قواسم مشتركة بين الجماعة في كل بقاع الأرض، لكن تتفاوت ما بين الأعاجم والعرب؛ ولا شك في أن البدع أغلظ وأظلم وأشد سواداً في الأعاجم منها في العرب؛ لأن العرب قربهم من اللغة العربية وقربهم من العلماء ومن مصادر العلم الشريف جعل البدع فيهم أقل وأخف؛ لأنه يسهل تنظيف مفاهيمهم ومناهجهم، أما الأعاجم فالأمر مؤلم إلى حد بعيد.
ولقد حكى رجل شهد مجلساً من مجالسهم فقال: جلسنا يوماً في المسجد للتعارف، فقام شيخ وقور قد اشتعل رأسه ولحيته شيباً، فوقف في هذه المجموعة يعرف نفسه وقد جاوز السبعين من عمره فقال: اسمي الحاج وحيد الدين، وأعمل في التجارة، وعمري الآن تسع سنوات.
قال: فاستغربنا، وقلنا له في دهشة: تسع سنوات؟! قال: نعم؛ لأني أحفظ عمري من تاريخ دخولي في هذه الدعوة، أما قبل ذلك فإني أعتبر عمري ضائعاً.
وكان هذا الرجل إذا وقف ليلقي موعظته يقول: لا تضيعوا أعماركم مثلي، واشتغلوا بالدعوة إلى الله ﵎.
يقول الحاكي: حدث أن سألنا أميرهم: لماذا تذهبون إلى المقاهي لدعوة الناس؟! ولا شك في أن هذه من أبرز السمات الإيجابية في جماعة التبليغ، وأي إنسان يجحد هذه الخصيصة يعتبر مكابراً للواقع الملموس، فلا شك في أنهم أكثر الناس إيجابية في التعامل مع الباطل، فهم يتحركون إليه، ولا يكتفون بأن يأتيهم الناس إلى المساجد.
فسئل أميرهم مرة: لماذا تذهبون إلى المقاهي لدعوة الناس؟! فقال: أرأيت إن كان عندكم مريض ماذا تفعلون له؟ قلنا: إن كان مرضه ثقيلاً نحضر له الطبيب في المنزل، وإما إذا كان مرضه خفيفاً فإنه يذهب بنفسه إلى الطبيب.
قال: فكذلك الذين لم يعرفوا طريق المسجد مرضهم الإيماني ثقيل، فنحن نذهب إليهم.
يعني: كما يذهب الطبيب إلى المريض الشديد المرض الذي لا يقوى على الحركة إلى منزله.
وحكى بعض مشايخهم نماذج من حركتهم في الدعوة وقال: إنه خرج مرة للدعوة في حانة خمر في مدينة أوروبية، واستهدف رجلاً مسلماً كان يجالس امرأة وهو يشرب الخمر، فوعظه ونصحه وذكره بالله حتى لان قلبه ودمعت عيناه، فأخذ بذراعه ليقوده -مع أنه كان في حالة سكر- إلى المسجد، وأخذت المرأة بذارعه الآخر تنازعه فيه، فهو يجذب من جهة بأحد الذارعين والمرأة تجذبه من جهة أخرى، وكانت الغلبة له بعد تجاذب شديد بين الطرفين، وأتى به إلى المسجد، وعلمه كيف يتطهر ويصلي، ثم تاب وحسنت توبته.
ويلاحظ -أيضاً- أنهم يجتهدون في ابتكار الحيل الخيرية التي تجذب الناس إلى الدين، مثل ذلك التبليغي الذي أراد أن يبلغ الدعوة إلى طبيب مشهور في البلد، فذهب ودفع قيمة الفحص الطبي، ثم انتظر الدور إلى أن جاءت نوبته، فدخل على الطبيب، فتهيأ الطبيب لفحصه فإذا به يخبره أنه ليس بمريض، وإنما رغب أن يذكره بالله وينصحه في الدين، وأخذ ينصحه ويذكره بالله إلى أن رق قلب هذا الطبيب وتأثر بموعظته، وأراد أن يرد إليه ثمن الكشف، فأبى قائلاً: هذه قيمة ما استغرقته من وقتك.
وكأنهم يقتدون في ذلك بمؤسس الجماعة، وبداية دعوة التبليغ كانت في الهند، وإن كان الشيخ إلياس مؤسس جماعة التبليغ عليه مآخذ، لكن كأنهم يقتدون به في هذا؛ لأنه كان في بداية الدعوة يفعل هذا، وبداية دعوته كانت على أساس رؤيا رآها في المنام أن الرسول ﷺ يقول له: افعل كما فعلت أنا، واخرج إلى الناس.
فالمهم أنهم يقولون: إنه بدأ ببعض عمال البناء فجمعهم كي يستمعوا إليه، فقالوا: لا نستطيع؛ لأننا نعمل ونتكسب، وهذا مصدر رزقنا.
فأتى بهم، وكان يبذل لهم من المال مقابل الأجر الذي يفوتهم حينما يجلسون إليه، فكان يفعل ذلك معهم باستمرار، فيعطيهم تعويضاً عن الأجر الذي يفوتهم بالجلوس عنده، إلى أن دخلت الدعوة وتمكنت في قلوبهم، فحينئذٍ تنزهوا عن أخذ هذا المال، وبدأت على أكتافهم هذه الحركة وهذه الدعوة.
ولما صعد الإنسان إلى القمر في أوائل الستينات وكثر الكلام والافتراضات في ذلك الوقت أن الناس يمكنهم أن يقيموا في القمر وأن يسكنوا هناك قالوا: لو صعدوا إلى القمر واتخذوا مساكن هناك لنرسلن وراءهم قافلة تخرج في سبيل الله وتصعد إلى القمر لتدعوهم.
وأحد الدعاة الأفاضل يخالف جماعة التبليغ في منهجهم، لكنه مع ذلك لم يعدمهم إنصافاً، وهو الأستاذ محمد أحمد الراشد حفظه الله، حيث يقول عن هذه الجماعة: أجادت غرس الثقة في دعاتها، وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق، ويواجهون المجتمع.
وهذا من التأثيرات الملاحظة، حيث إن الواحد أول ما ينتمي إلى الجماعة يكسر الحاجز النفسي الذي يمنع الإنسان من مواجهة الناس والخطابة فيهم بحماس، كما يفعل الذي يعلم الشخص السباحة، حيث يلقيه في البحر ويقول له: تصرف.
فيخرج كل طاقته، ومن ثم يتعلم رغم أنفه؛ لأنه يبذل طاقته وإلا غرق، فكذلك هؤلاء، فمن أول ما يتعرفون على الشخص يبرزونه، فينكسر الحاجز النفسي في مواجهة الناس، ويعلمونه كيف يخاطبهم.
يقول: وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق، ويواجهون المجتمع، وآخرون -يعني: من جماعات أخرى- يأمرون إخوانهم بضم الرءوس، ويقولون لفتى الصحوة: أنت في خندق، احترس وأتقن الاختباء.
وكأنهم ينظرون إلى قوله ﵎: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] فحسب فيظل الواحد منهم مجتهداً في تطبيق ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١]، وينسى ما بعد، وهو قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١]، أما الذي ينظر إلى قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] فحسب ويظل يعيش في أوهام وهذيانات ووساوس فإنه ينسى أن كل نفس يحصى عليه، وأن كل سكنة وحركة تكتب عليه، وأنه مرصود بها، فلا يتحرك مثل هذا في سبيل الدين.
следующие страницы →