Полный текст (305 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مقتل أبي بكر النابلسي في سبيل الدعوة إلى الله
يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته لـ أبي بكر النابلسي: قال أبو ذر الحافظ: سجنوا هذا الإمام -يعني أبا بكر النابلسي - وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ويقول: كان يقول وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨].
يعني: عذبوه بأن سلخوا جلده، وبعض الروايات تقول: إنه سلط عليه رجل يهودي، وأمر بأن يسلخ جلده، فأخذ يسلخ الجلد من بدنه، وبدأ من رأسه إلى أن وصل إلى قلبه، فمن شدة الجزع والشفقة من هذا اليهودي الذي كان يسلخه طعنه في قلبه حتى يستعجل موته، من شدة ألمه، وكان وهو يسلخه عند سقوط كل قطعة من جسده يتلو قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، يعزي نفسه بأن هذا قضاء وقدر سبق من الله في اللوح المحفوظ.
فكان يذكره الإمام الدارقطني ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨].
قال أبو الفرج ابن الجوزي: أقام جوهر القائد أي: جوهر الصقلي، وهو شيعي، وكان من القواد في أيام الفاطميين- لـ أبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ، فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة.
فكان حال هذا الإمام كما قال الشاعر: ليس يدنو الخوف منه أبدا ليس غير الله يخشى أحداً لحنه في القلب ناراً أشعلا من قيود الزوج والولد خلا معرض عما سوى الله الأحد يضع السكين في حلق الولد والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 142
علو الهمة [١٠]
إن أهل الباطل يجتهدون في الدعوة إلى باطلهم، فهم في جهد متواصل، وبذل مستمر من أجل نشر باطلهم، فحري بأهل الحق أن يكونوا أعظم وأكثر جهداً وبذلاً وعطاءً في نشر الحق.
стр. 143
البركة في السعي والحركة
انتهينا في الكلام على علو الهمة إلى علو الهمة في الدعوة إلى الله ، وذكرنا أن كبير الهمة من خصائصه أنه يحمل هم الأمة، ولا ينغلق على نفسه، وإنما يشارك المسلمين آلامهم، ويواسي إخوانه، ويقضي حوائجهم، ويشفع لهم.
وتكلمنا عن حركة الداعية، وكيف أن الحركة ولود وأن السكون عقيم، وبينا أن الحركة هي عبارة عن قيامة وبعث للروح، وذكرنا -أيضاً- أن الدعوة إلى الله هي أشرف وظيفة على الإطلاق في هذا الوجود؛ لأنها وراثة النبوة، وذكرنا نماذج من هدي السلف وحركتهم وحرصهم على هداية الخلق وتعليمهم ودعوتهم إلى الحق.
وذكرنا أيضاً نماذج تبين مخاطرتهم بأنفسهم وأرواحهم في سبيل نصرة الدين، وذكرنا أن الفاسق ضالة الداعية، وأن الداعية القوي الإيمان والقوي اليقين لا يهرب من الفاسق؛ لأن الذي يهرب هو الذي يخشى أن يتأثر به، وهذه حيلة الضعيف، أما الداعية الكبير الهمة فلقوة يقينه وإيمانه لا يزحزحه شيء عن منهجه، فلذلك يبحث ويتحرى ويلهث وراء الفاسق؛ لأنه يريد أن يهديه، وأن يغزو قلبه بنور الله ﵎.
والموضوع الذي نبينه الآن -بإذن الله وتوفيقه- هو أن كل البركة تكون في السعي والحركة، والنماذج -في الحقيقة- كثيرة، فقد اقتصرنا فيما مضى على تبيان نماذج من أحوال السلف في الحركة في سبيل الدين، وفي سبيل هداية الناس إلى الحق، ولا نريد أن نفعل كما يفعل الترجمان الذي يقف أمام الآثار، ويحدث الناس عن الماضي، ويظل يحدثهم عن الماضي والتاريخ وكأنه لا صلة له إطلاقاً بهذا الحاضر.
стр. 144
نماذج تبين بقاء الخيرية في هذه الأمة
وحتى لا يتصور أننا مثاليون نعيش على ذكر الماضي، وأن هذا الأمر كان قد قوي عليه السلف لما كان لديهم من علم وإرادة وقوة فاستطاعوا أن يفعلوا هذه النماذج فإننا سنصل ذلك بالحديث عن نماذج حاضرة، حتى يتبين لنا مصداق قول رسول الله ﵌ -وهو الصادق المصدوق-: (مثل أمتي مثل الغيث؛ لا يدرى أوله خير أم آخره) أو كما قال ﷺ .
فهناك نماذج عظيمة جداً تبين أن الخير قائم في هذه الأمة مهما اشتدت الظلمات.
стр. 145
جهود جماعة التبليغ في الدعوة إلى الله
ونبدأ بذكر جماعة من الجماعات في ساحة الدعوة، وهي جماعة التبليغ والدعوة، ولا شك في أن هناك مآخذ كثيرة على فكرها، وعلى منهاجها، وأن في هذه الجماعة بدعاً غليظة، سواء في المنهاج أو في مستوى العقيدة أو في النواحي التطبيقية، كبعض الرسوم والصور والهيئات والقوانين التي وضعوها وقدسوها فلا يخرجون عنها وكأنها دين منزل! وليس هذا الآن موضوعنا، لكننا نصدر الكلام بهذه الجماعة باعتبار تعلقها بما نحن بصدده الآن؛ فإنها -بلا شك- أوفر الجماعات الإسلامية حظاً من علو الهمة في الحركة الواسعة الدءوبة.
وحينما نريد أن ننصف هذه الجماعة ونتحدث عن آثارها فإنه يكفيها الثمار الكبيرة التي لم تضارعها فيها جماعة أخرى، خاصة إسلام كثير من المشركين، وهداية كثير من الفاسقين، وتبليغ دين الله في آفاق المعمورة.
وفيما يتعلق بفكر جماعة التبليغ نذكر هنا كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث يقول: لو أن جماعة مسلمة وهي على شيء كبير من البدع، ومع ذلك تتسبب في دعوة كافر إلى الإسلام، وتدعوه إلى الإسلام وتدخله في الإسلام فهذا أفضل من أن يبقى على كفره، فدخوله في دائرة الإسلام مع البدعة أهون من بقائه في ظلمات الكفر؛ لأنه إذا دخل في الإسلام وفي التوحيد يرجى له النجاة بإذن الله بفضل هذا التوحيد، ويكون قد اقترب أكثر من المنهج الحق.
فجماعة التبليغ لهم مواقف كثيرة، والحقيقة هي أن المآخذ على جماعة التبليغ نسبية، مع وجود قواسم مشتركة بين الجماعة في كل بقاع الأرض، لكن تتفاوت ما بين الأعاجم والعرب؛ ولا شك في أن البدع أغلظ وأظلم وأشد سواداً في الأعاجم منها في العرب؛ لأن العرب قربهم من اللغة العربية وقربهم من العلماء ومن مصادر العلم الشريف جعل البدع فيهم أقل وأخف؛ لأنه يسهل تنظيف مفاهيمهم ومناهجهم، أما الأعاجم فالأمر مؤلم إلى حد بعيد.
ولقد حكى رجل شهد مجلساً من مجالسهم فقال: جلسنا يوماً في المسجد للتعارف، فقام شيخ وقور قد اشتعل رأسه ولحيته شيباً، فوقف في هذه المجموعة يعرف نفسه وقد جاوز السبعين من عمره فقال: اسمي الحاج وحيد الدين، وأعمل في التجارة، وعمري الآن تسع سنوات.
قال: فاستغربنا، وقلنا له في دهشة: تسع سنوات؟! قال: نعم؛ لأني أحفظ عمري من تاريخ دخولي في هذه الدعوة، أما قبل ذلك فإني أعتبر عمري ضائعاً.
وكان هذا الرجل إذا وقف ليلقي موعظته يقول: لا تضيعوا أعماركم مثلي، واشتغلوا بالدعوة إلى الله ﵎.
يقول الحاكي: حدث أن سألنا أميرهم: لماذا تذهبون إلى المقاهي لدعوة الناس؟! ولا شك في أن هذه من أبرز السمات الإيجابية في جماعة التبليغ، وأي إنسان يجحد هذه الخصيصة يعتبر مكابراً للواقع الملموس، فلا شك في أنهم أكثر الناس إيجابية في التعامل مع الباطل، فهم يتحركون إليه، ولا يكتفون بأن يأتيهم الناس إلى المساجد.
فسئل أميرهم مرة: لماذا تذهبون إلى المقاهي لدعوة الناس؟! فقال: أرأيت إن كان عندكم مريض ماذا تفعلون له؟ قلنا: إن كان مرضه ثقيلاً نحضر له الطبيب في المنزل، وإما إذا كان مرضه خفيفاً فإنه يذهب بنفسه إلى الطبيب.
قال: فكذلك الذين لم يعرفوا طريق المسجد مرضهم الإيماني ثقيل، فنحن نذهب إليهم.
يعني: كما يذهب الطبيب إلى المريض الشديد المرض الذي لا يقوى على الحركة إلى منزله.
وحكى بعض مشايخهم نماذج من حركتهم في الدعوة وقال: إنه خرج مرة للدعوة في حانة خمر في مدينة أوروبية، واستهدف رجلاً مسلماً كان يجالس امرأة وهو يشرب الخمر، فوعظه ونصحه وذكره بالله حتى لان قلبه ودمعت عيناه، فأخذ بذراعه ليقوده -مع أنه كان في حالة سكر- إلى المسجد، وأخذت المرأة بذارعه الآخر تنازعه فيه، فهو يجذب من جهة بأحد الذارعين والمرأة تجذبه من جهة أخرى، وكانت الغلبة له بعد تجاذب شديد بين الطرفين، وأتى به إلى المسجد، وعلمه كيف يتطهر ويصلي، ثم تاب وحسنت توبته.
ويلاحظ -أيضاً- أنهم يجتهدون في ابتكار الحيل الخيرية التي تجذب الناس إلى الدين، مثل ذلك التبليغي الذي أراد أن يبلغ الدعوة إلى طبيب مشهور في البلد، فذهب ودفع قيمة الفحص الطبي، ثم انتظر الدور إلى أن جاءت نوبته، فدخل على الطبيب، فتهيأ الطبيب لفحصه فإذا به يخبره أنه ليس بمريض، وإنما رغب أن يذكره بالله وينصحه في الدين، وأخذ ينصحه ويذكره بالله إلى أن رق قلب هذا الطبيب وتأثر بموعظته، وأراد أن يرد إليه ثمن الكشف، فأبى قائلاً: هذه قيمة ما استغرقته من وقتك.
وكأنهم يقتدون في ذلك بمؤسس الجماعة، وبداية دعوة التبليغ كانت في الهند، وإن كان الشيخ إلياس مؤسس جماعة التبليغ عليه مآخذ، لكن كأنهم يقتدون به في هذا؛ لأنه كان في بداية الدعوة يفعل هذا، وبداية دعوته كانت على أساس رؤيا رآها في المنام أن الرسول ﷺ يقول له: افعل كما فعلت أنا، واخرج إلى الناس.
فالمهم أنهم يقولون: إنه بدأ ببعض عمال البناء فجمعهم كي يستمعوا إليه، فقالوا: لا نستطيع؛ لأننا نعمل ونتكسب، وهذا مصدر رزقنا.
فأتى بهم، وكان يبذل لهم من المال مقابل الأجر الذي يفوتهم حينما يجلسون إليه، فكان يفعل ذلك معهم باستمرار، فيعطيهم تعويضاً عن الأجر الذي يفوتهم بالجلوس عنده، إلى أن دخلت الدعوة وتمكنت في قلوبهم، فحينئذٍ تنزهوا عن أخذ هذا المال، وبدأت على أكتافهم هذه الحركة وهذه الدعوة.
ولما صعد الإنسان إلى القمر في أوائل الستينات وكثر الكلام والافتراضات في ذلك الوقت أن الناس يمكنهم أن يقيموا في القمر وأن يسكنوا هناك قالوا: لو صعدوا إلى القمر واتخذوا مساكن هناك لنرسلن وراءهم قافلة تخرج في سبيل الله وتصعد إلى القمر لتدعوهم.
وأحد الدعاة الأفاضل يخالف جماعة التبليغ في منهجهم، لكنه مع ذلك لم يعدمهم إنصافاً، وهو الأستاذ محمد أحمد الراشد حفظه الله، حيث يقول عن هذه الجماعة: أجادت غرس الثقة في دعاتها، وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق، ويواجهون المجتمع.
وهذا من التأثيرات الملاحظة، حيث إن الواحد أول ما ينتمي إلى الجماعة يكسر الحاجز النفسي الذي يمنع الإنسان من مواجهة الناس والخطابة فيهم بحماس، كما يفعل الذي يعلم الشخص السباحة، حيث يلقيه في البحر ويقول له: تصرف.
فيخرج كل طاقته، ومن ثم يتعلم رغم أنفه؛ لأنه يبذل طاقته وإلا غرق، فكذلك هؤلاء، فمن أول ما يتعرفون على الشخص يبرزونه، فينكسر الحاجز النفسي في مواجهة الناس، ويعلمونه كيف يخاطبهم.
يقول: وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق، ويواجهون المجتمع، وآخرون -يعني: من جماعات أخرى- يأمرون إخوانهم بضم الرءوس، ويقولون لفتى الصحوة: أنت في خندق، احترس وأتقن الاختباء.
وكأنهم ينظرون إلى قوله ﵎: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] فحسب فيظل الواحد منهم مجتهداً في تطبيق ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١]، وينسى ما بعد، وهو قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١]، أما الذي ينظر إلى قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] فحسب ويظل يعيش في أوهام وهذيانات ووساوس فإنه ينسى أن كل نفس يحصى عليه، وأن كل سكنة وحركة تكتب عليه، وأنه مرصود بها، فلا يتحرك مثل هذا في سبيل الدين.
стр. 146
نماذج من علو همة بعض الدعاة
ومن نماذج الحرص على الدعوة وعلو الهمة أن أخاً مؤذناً أصابه حزن شديد حين أذيع أو أشيع في بعض الأوقات أن برج الساعة المشهور في لندن والملحق بمبنى البرلمان بدأ يميل وأنه مهدد بالانهيار، فهذا الأخ المؤذن لما سمع بذلك حزن حزناً شديداً، وعلته الكآبة، فسأله إخوانه: ما سبب حزنك وكآبتك؟ فقال: ما زلت أؤمل أن يعز الله المسلمين ويفتحوا بريطانيا، وأصعد على هذا البرج كي أؤذن فوقه.
فبدأ يقلق لما بدأ الكلام يكثر في أن البرج قد ينهار، فخشي أن هذا الأمل الذي يراوده قد ينهار مع انهيار هذا المبنى.
وأنا أعرف أخاً أمريكياً من أصل أسباني أسلم لله وحسن إسلامه، ويعيش في مدينة نيويورك، وزوجته أمريكية أسلمت أيضاً، وهي منقبة، فانتدب هذا الشخص نفسه للدعوة إلى الله ، فكان يخرج للدعوة أسبوعياً، وكان كل أسبوع يخرج هو وزوجته يوم الأحد، ويقفان أمام الكنيسة في البرد وفي الثلج، فهو يلتقط ويصطاد الرجال ويدعوهم إلى التوحيد، سواء من الخارجين أو من الداخلين إلى الكنيسة، وهي تلتقط النساء وتخاطبهن أيضاً وتدعوهن إلى التوحيد.
وهناك أخ آخر يعيش في ألمانيا ممن يجتهدون في الدعوة إلى الله ، حتى ما يكاد يذوق طعماً للراحة؛ لأن الدعوة استحوذت على كل كيانه، حتى أرهق نفسه وشغل عن بيته وأهله وولده، فأشفق عليه إخوانه، ورأوا أن يجبروه على قبول عطلة أو إجازة كي يستريح فيها قليلاً من العناء الذي يعيش فيه، فأخذوه في صحبة أسرته إلى منتجع بعيد لا يعرفه فيه أحد، ولا يعرف هو فيه أحد كي يهنأ ببعض الراحة، ووعدوه أنهم بعد عدة أيام سيعودون لإرجاعه من هذا المكان، ولما رجعوا إليه وجدوه قد أسس جمعية إسلامية في هذا المكان قوامها بعض العمال المغاربة وغيرهم ممن انقطعت صلته بالدين.
وكان يبحث في المقاهي التي عمالها من المغاربة الذين انقطعت صلتهم بالدين وذابوا في المجتمع الكافر، ففتش عنهم في مظان وجودهم، ودعاهم إلى الله ، وألف بينهم، فأقاموا هذه الجمعية، وأقاموا مسجداً انطلقت منه فيما بعد الدعوة إلى الله في تلك البلدة.
стр. 147
الحركة سر دعوة الإسلام المباركة
إن الحركة هي سر دعوة الإسلام المباركة في أرجاء الدنيا، ينطلق بها جنود لا يعلمهم إلا الله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فليست هيئات رسمية، ولا وزارات في حكومات، ولا هيئات تنفق عليها الأموال، بل إن النشاط الذي يبذل في سبيل الدعوة الإسلامية في كل أرجاء الدنيا لا يبلغ عشر معشار ما ينفق على الأنشطة التبشيرية التي تبشر الناس بالنار، ومع ذلك نجد هذه البركة.
والإسلام قطعاً هو أعلى الأديان من حيث معدل الانتشار وغزو القلوب في كل أرجاء الدنيا، حتى إن الغرب الآن يجتهد في أن يواجه الإسلام؛ لأن الغربيين يعانون من الجفاف الروحي، فيبحثون عن تعويض لهذا الجفاف، فأصبح هناك تركيز كبير على أن يتجه الغربيون إلى الديانات المنتشرة في شرق آسيا، وهناك توجيه للقائمين على الثقافة الغربية أن يحاولوا أن يجتهدوا في إبعادهم عن الإسلام، فالذين يعانون من الجفاف الروحي يبحثون عن الأديان، فيوجهونهم دائماً إلى شرق آسيا، حيث البوذية والبرهمية والمجوسية ونحو هذه الأديان التي فيها إغراق في الجانب الروحي القائم على الضلال والشرك والوثنية وعبادة الأنداد من دون الله ؛ لأنهم يخافون أن يتوجهوا إلى الإسلام فيتأثروا به، لذلك جعلوا كل تركيزهم على ترويج التوجه ناحية الديانات الشرقية، خوفاً من المد الإسلامي الذي لا يجدون تفسيراً لانتشاره حتى في عقر دارهم.
فالإسلام ينتشر بنفسه؛ لأنه دين كثير الحركة، ويحمل في طياته جاذبية كاملة تجذب كل من اطلع عليه وكان في قلبه خير حتى يستحوذ على كل كيانه.
ويلفتنا الأستاذ محمد أحمد الراشد -حفظه الله تعالى- إلى ميزان غريب من الموازين التي اعتبرها معياراً أو مقياساً يقيس به هذه الحركة الحياتية المتفجرة في الداعية، فيحكي في كتابه (صناعة الحياة) ويقول: وقد كنت في الأيام الخوالي -يعني أيام الشباب- ألاطف إخواني، فأعمل تفتيشاً على أحذيتهم.
وإذا سمعنا كلمة التفتيش على الأحذية -كما هو في المدارس- نفهم منه أن التفتيش على الأحذية هو التفتيش عن اللمعان والنظافة والبريق.
فكان يعمل من وقت إلى آخر التفتيش على أحذية إخوانه، يقول: ليس على نظافتها وصبغها ورونقها كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها وتقطعها والغبار الذي عليها! فكان يجعل إخوانه يخلعون النعال، فيقلب النعل، يقول: فأرى النعل، فمن كان أسفل حذائه مهترئاً تالفاً فهو الناجح، وأقول له: شاهدك معك، حذاؤك يشهد لك أنك تعمل وتغدو في مصالح الدعوة، وتطبق قاعدة: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠]، ولكثرة حركتك تلف حذاؤك، فأنت المجتاز المرضي عندي.
يقول أحدهم: قد -والله- مكثت عشرين سنة يأخذني تأنيب الضمير كلما رأيت حذائي لا غبار عليه، وأتذكر ذلك التفتيش.
стр. 148
الفاسق ضالة الداعية كبير الهمة
والفاسق هو ضالة الداعية، فالداعية الكبير الهمة لا يخاف من الفاسق؛ لأن الذي يخاف هو الضعيف الذي يخشى أن يتأثر به، وأن تسري عدوى فسقه إليه، أما الكبير الهمة فإنه يتميز بأن عنده عنصر المبادرة وعنصر المبادأة وعنصر الحركة إلى مواقع يندر من يتأهل لاقتحامها بحثاً عن الضالة المنشودة التي هي الفاسق.
فالفاسق هدف للداعية كبير الهمة، فهدفه متركز في الفاسق غير المهتدي، كي يهديه ويأخذ بزمامه إلى طريق الله .
стр. 149
قصة شيخ وعظ في مرقص
يحكي الشيخ علي الطنطاوي قصة توبة حدثت في مكان غريب جداً، وهو مكان للرقص والعياذ بالله! يقول الشيخ علي الطنطاوي وفقه الله: دخلت أحد مساجد مدينة حلب فوجدت شاباً يصلي، فقلت: سبحان الله! إن هذا الشاب من أكثر الناس فساداً؛ يشرب الخمر، ويفعل الزنا، ويأكل الربا، وهو عاق لوالديه، وقد طرداه من البيت، فما الذي جاء به إلى المسجد؟! فاقتربت منه وسألته: أنت فلان؟! قال: نعم.
قلت: الحمد لله على هدايتك، أخبرني: كيف هداك الله؟! قال: هدايتي كانت على يد شيخ وعظنا في مرقص.
قلت مستغرباً: في مرقص؟! قال: نعم، في مرقص.
قلت: كيف ذلك؟! قال: هذه هي القصة.
فأخذ يرويها فقال: كان في حارتنا مسجد صغير يؤم الناس فيه شيخ كبير السن، وذات يوم التفت الشيخ إلى المصلين وقال لهم: أين الناس؟! ما بال أكثر الناس -خاصة الشباب- لا يقربون المسجد ولا يعرفونه؟! فأجابه المصلون: إنهم في المراقص والملاهي.
قال الشيخ: وما هي المراقص والملاهي؟! فرد عليه أحد المصلين: المرقص صالة كبيرة، فيها خشبة مرتفعة، تصعد عليها الفتيات كاسيات عاريات أو شبه ذلك، يرقصن والناس حولهن ينظرون إليهن.
فقال الشيخ: والذين ينظرون إليهن من المسلمين؟! قالوا: نعم.
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، هيا بنا إلى تلك المراقص ننصح الناس.
قالوا له: يا شيخ! أين أنت؟! تعظ الناس وتنصحهم في المرقص! قال: نعم.
فحاولوا أن يثنوه عن عزمه، وأخبروه أنهم سيواجهون بالسخرية والاستهزاء، وسينالهم الأذى، فقال لهم الشيخ: وهل نحن خير من محمد ﷺ ؟! وأمسك الشيخ بأحد المصلين ليدله على المرقص، ولما وصلوا إليه سألهم صاحب المرقص: ماذا تريدون؟! قال الشيخ: نريد أن ننصح من في المرقص.
فتعجب صاحب المرقص، وأخذ يمعن النظر فيهم، ورفض السماح لهم، فأخذوا يساومونه ليأذن لهم، حتى دفعوا له مبلغاً من المال يعادل دخله اليومي مقابل أن يأذن لهم بالجلوس للموعظة، فوافق صاحب المرقص، وطلب منهم أن يحضروا في الغد عند بدء العرض اليومي.
قال الشاب: فلما كان الغد كنت موجوداً في المرقص، فبدأ الرقص من إحدى الفتيات، ولما انتهت أسدل الستار، ثم فتح، فإذا بشيخ وقور يجلس على كرسي، فبدأ بالبسملة.
والحقيقة أن صاحب المرقص أفضل بكثير من مخلوقات غريبة موجودة في بلادنا الآن، ففي إحدى الكليات العربية اجتمع الشباب -مدرسو المستقبل ومدرسات المستقبل- في حلقة في فناء الكلية، فكان الشبان يعزفون على المعازف والطبول، والفتيات يرقصن أمامهم، فأتى أحد الإخوة كي يعظهم ويزجرهم، فصاحوا به وشوشوا عليه حتى لا يسمع كلامه، فأخذ الأخ يتلو آيات من القرآن الكريم، فسكتوا جميعاً كأن على رءوسهم الطير، ثم بعدما فرغ من قراءة القرآن عاد ليعظهم، فثاروا من جديد وشوشوا عليه، حتى تكرر ذلك، كلما يقرأ القرآن يسكتون، فإذا ما وعظهم ونصحهم بغير القرآن الكريم صاحوا وعادوا للرقص والغناء.
فالشاهد في القصة أن أحدهم هرع إلى العميد، فأتى العميد مسرعاً، فالشاب المتدين حينما رآه فر هارباً من العميد؛ لأنه أتى ليحمي هؤلاء الشباب في هذا الفعل، فلما رأوا العميد ظلوا يرقصون ويغنون ويفعلون هذه الأشياء.
فلا شك في أن صاحب المرقص أفضل من مثل هذا الشخص الذي نزل من مكتبه متخصصاً ليحمي الفساد.
يقول: فطلب منهم صاحب المرقص أن يحضروا في الغد عند بدء العرض اليومي، فلما انتهى الرقص أسدل الستار، ثم فتح، فإذا بشيخ وقور يجلس على كرسي، فبدأ بالبسملة، وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول الله ﷺ ، ثم بدأ في وعظ الناس الذين أخذتهم الدهشة، وتملكهم العجب، وظنوا أنما يرونه جزء من فقرة فكاهية، لكن بدأت هذه البداية الجادة، فلما عرفوا أن أمامهم شيخاً يعظهم أخذوا يسخرون منه ويرفعون أصواتهم بالضحك والاستهزاء، وهو لا يبالي بهم، واستمر في نصحه ووعظه، حتى قام أحد الحضور وأمرهم بالسكوت والإنصات حتى يسمعوا ما يقوله الشيخ.
قال: فبدأ السكون والهدوء يخيم على أنحاء المرقص، حتى أصبحنا لا نسمع إلا صوت الشيخ، فقال كلاماً ما سمعناه من قبل، تلا علينا آيات من القرآن الكريم، وأحاديث نبوية، وقصصاً لتوبة بعض الصالحين، وكان مما قاله: أيها الناس! إنكم عشتم طويلاً، وعصيتم الله كثيراً، فأين ذهبت لذة المعصية؟! لقد ذهبت اللذة، وبقيت الصحائف سوداء، ستسألون عنها يوم القيامة، وسيأتي يوم يهلك فيه كل شيء إلا الله .
أيها الناس! هل نظرتم إلى أعمالكم إلى أين ستؤدي بكم؟! إنكم لا تتحملون نار الدنيا وهي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، فكيف بنار جهنم؟! بادروا بالتوبة قبل فوات الأوان.
فبكى الناس جميعاً، وخرج الشيخ من المرقص، وخرج الجميع وراءه، وكانت توبتهم على يده، حتى صاحب المرقص تاب وندم على ما كان منه.
стр. 150
حركة أهل الباطل
إن النماذج -بلا شك- كثيرة، وإذا حاولنا أن نستوفيها فهذا مما يحتاج إلى وقت طويل، ونحن نذكر نماذج فقط، فإذا كنا قد اطلعنا على هذه النماذج -سواءٌ أكانت من سيرة السلف الصالح رحمهم الله تعالى أم من مواقف الخلف والمتأخرين- وإذا كان سعي الدعاة إلى الله وحركتهم في نصرة الدين هي ثمرة أو أثر من آثار علو همتهم، ولئن كان نشر مناقبهم وإذاعة أخبارهم من أسباب إيقاظ الغافلين، فإنه قد ينضم إلى هذه الأسباب تقريع النائمين والسادرين في الغفلة، وذلك بأن نذكر لهم شيئاً من التوبيخ كي تتحرك الهمم، ليس بأن نذكر نماذج أهل الحق من السلف والخلف فحسب، وإنما ربما يثير هممهم وينشطها ويوقظها من رقدتها أن نذكر نماذج لا من علو همة أهل الباطل، لكن من حركة أهل الباطل في الانتصار لباطلهم، وكيف أنهم يبذلون ويصبرون ويضحون في سبيل إطفاء نور الإسلام، وهيهات هيهات! قال : ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
فالكافر لا يصح أن يوصف بعلو همة، ولا يمكن أن يوصف بعلو الهمة، وإنما نذكر أنفسنا كي نستحيي من الله .
ألم تسمع قوله تعالى في وصف حركة أهل الباطل: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:٦]؟! وقص الله عن قوم إبراهيم ﵇ أنهم قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨].
وقال في شأن الكافر: ((وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى)) أي: تحرك ﴿فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].
وقال أيضاً: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ﴾ [المائدة:٦٢].
وقال أيضاً: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران:١٧٦].
فهي حركة، لكنها حركة مذمومة مشئومة، تعود عليهم بالوبال والنكال وحبوط الأعمال.
ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
وقال أيضاً: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٢ - ٣] يعني: كانت في الدنيا عاملة ناصبة، تتعب وتدأب في سبيل التقرب إلى الشركاء من دون الله ﵎.
وقال أيضاً: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٥].
وقال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
إن حبوط أعمال الكافرين راجع إلى فقدانهم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩].
فكما أن حركتهم كانت وبالاً عليهم فحركة الكافر -أيضاً- تصير وبالاً عليه في الآخرة؛ لأن هذه الحركة إما أنها تكون في طلب الدنيا، وإما في سبيل دين باطل لا يؤدي الإيمان به إلا إلى جهنم والعياذ بالله، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وإما أن هذه الحركة كانت في سبيل الصد عن سبيل الله ، قال : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] أي: الذين كفروا في أنفسهم وفي ذواتهم وصدوا غيرهم عن سبيل الله أضل أعمالهم.
وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥] فكما أن الدال على الخير كفاعله، وكما أن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فكذلك في الجانب الآخر يحمل المبطل الداعي إلى الباطل وزره ووزر من يضلهم بغير علم.
ومع هذا كله فإن الله واسى أهل الإيمان وعزاهم فيما يلقون من الألم فقال : ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، وهذا أعظم عزاء ومواساة لما يلقاه المؤمن في زمن غربة الدين حين يكون القبض عليه أشد من قبضه على الجمر.
فلا شك في هذا أعظم عزاء؛ لأن كل إنسان في دار الدنيا مبتلى، وكل إنسان يبتلى، ولا أحد أبداً يخرج من ابتلاء الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
إذاً: الابتلاء عام في كل الخلق، لكن كلما اقترب الإنسان من منهج الأنبياء ﵈ كلما زاد حظه من البلاء بسبب قوة دينه وقوة إيمانه، كما بين ذلك الصادق المصدوق ﵌.
فلا يظنن أي واحد من المسلمين الموحدين المستقيمين على طاعة الله حينما يحترق دمه وتحترق أعصابه من الظلم والقهر ومحاربة الدين صباح مساء من السخرية ومن الحملات والاضطهاد بكل أنواع الاضطهاد في مثل هذا الزمان، لا يظن أن هذا التعب ضائع سدى، بل هذا الانفعال في حد ذاته هو عبادة يثاب عليها، فانفعالك وغضبك لله وتمعر وجهك بسبب انتهاك الفجار لحرمات الله عبادة تثاب عليها، والله مطلع عليك، ويعرف من قلبك أنك تكره هذا، وأنك تألم له، وأنت تثاب على مجرد هذا الشعور.
ومع ذلك ليس هذا فحسب، فلست فقط الذي تتعب، بل أهل الباطل يتعبون، ويسهرون الليالي، لكن ليس في قيام الليل، ولا في تلاوة القرآن، وإنما في الكيد لهذا الدين وأهله، ويبذلون الأموال، ويوظفون الموظفين، وكثير من الجهود يُبذل في سبيل إطفاء نور الإسلام وهدم ما بناه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، واقتلاع الإسلام من جذوره، ومع ذلك يكون مصيرهم هو ما قال عنه : ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء:١٠٤]، أي: لا تضعفوا ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، لكن مع فارق، وهو أنكم ترجون بصبركم من الله ما لا يرجون، فأنت إذا صبرت على الأذى ترجو الثواب من الله ، وأما الظالم الذي يحارب الإسلام فليس معه أحد، قال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]، فلا يمكن أبداً أن يكون لهم ناصر، بل كلهم أعداء لبعضهم في الدنيا وفي الآخرة، كما قال : ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥].
فليس المؤمنون وحدهم الذين يحتملون الألم والقرح، بل إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء، ولكن شتان بين المؤمنين الذين يتوجهون إلى الله بجهادهم ويرتقبون عنده جزاءهم، وبين الكافرين الذين هم حيارى تائهون ضائعون مضيعون لا يتجهون إلى الله، فأنت في الشدة وفي العناء تتجه إلى الله ، وتستنصره، وتقول: رب! إني مغلوب فانتصر.
أما الكافر فإلى من يتجه؟! هل يستطيع أن يتجه إلى الله ويدعوه أن ينصره ويعينه على إطفاء نوره والقضاء على دينه؟! فالكافر لا ناصر له ولا ولي له، قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
ولذلك كان الصحابة يرفعون هذا الشعار في مواجهة المشركين حينما يلتقون، وقد أخذ أبو سفيان قبل إسلامه يقول لهم في أحد يوم كانت لهم الجولة: اعل هبل، اعل هبل.
ينادي بالعلو لهبل، فأمر النبي ﷺ الصحابة أن يردوا عليه ويقولوا: الله أعلى وأجل.
فرد الصحابة: الله أعلى وأجل.
وحينما قال الكفار لهم: لنا العزى ولا عزى لكم.
أمرهم النبي ﷺ أن يردوا عليهم قائلين: الله مولانا ولا مولى لكم.
فهؤلاء الكافرون ضائعون مضيعون، لا يتجهون إلى الله ولا يرتقبون عنده شيئاً في الحياة ولا بعد الحياة، فإذا كانوا مع ذلك يصرون ويدأبون في محاربة الحق فمن الأولى بالإصرار والمثابرة والصبر؟! فما أجدر المؤمنين بأن لا يكفوا عن ابتغاء القوم وتطلبهم وتعقب آثارهم حتى لا تبقى للباطل قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وهذا المعنى هو عين ما نقصده مما سنذكره -إن شاء الله تعالى- من سعي الكافرين ودأبهم في تحصيل الدنيا أو في الصد عن سبيل الله تعالى.
وبجانب هذا معنىً ثان أشار إليه ﵌ فيما روي عنه من قوله: (ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نا
стр. 151
قصة هوستن وولاية تكساس
هذا أنموذج حصل في حدود سنة (١٨٣٠م)، أي: في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي.
رجل يدعى هيوستن وقف أمام الكونجرس الأمريكي وخطب خطبة بليغة لم يستعمل فيها كلمة مرتين، فسحر ألباب الرجال الذين أمامه، وكان قد نجح لتوه في تسكين ثائرة الهنود الحمر، وجلبهم إلى توقيع اتفاقات مع الحكومة الأمريكية، استدعاه الرئيس الأمريكي آنذاك وقال له: إن تكساس تتبع المكسيك، ومستقبل أمريكا متعلق بها، ولابد من ضمها، وأريد منك ضمها.
فقال هوستن: أنا لها! زودني بمال ورجال.
فقال الرئيس الأمريكي: لو كان عندي مال ورجال ما دعوتك، بل تذهب منفرداً، وبلا دولار واحد، وأبعث معك حارساً حتى تعبر نهر المسيسبي ويعود.
يعني أن الحارس سيوصلك إلى حد نهر المسيسبي ويرجع هو، وتدخل أنت وحدك كي تحقق لي هذا الهدف.
ومع ذلك قبل المهمة، وودعه الحارس على ضفة النهر، واندفع نحو تكساس، فلما دخل أول مدينة بها فتح له مكتب محاماة، فكان المدعي في المحكمة يخرج متهماً، والمتهم يخرج بريئاً بسبب بلاغة وقوة لسانه، حتى انبهر به الناس، فوثقوا به، واجتمعوا حوله، فتلاعب بمفاهيمهم وأخيلتهم، وغرس فيهم معنى ضرورة الاستقلال عن المكسيك.
وكان قد أخذهم على مراحل، فهو لما أراد أن يضم تكساس إلى أمريكا دعاهم أولاً إلى الاستقلال عن المكسيك، وبين لهم أنه لابد من أن نقيم دولة مستقلة بنا عن المكسيك هي تكساس، فأنشأ حركة قوية أتمت الاستقلال، فاستقلت تكساس عن المكسيك.
ثم غرس معنىً جديداً، وهو وجوب الانضمام إلى الولايات المتحدة، فانضمت تكساس طواعية بإقناع هوستن.
وجاء بعد سنوات قليلة إلى الرئيس الأمريكي، وسلمه مفتاح تكساس، ولم تطلق طلقة أمريكية، ولم يصرف دولار واحد، فشكره الرئيس الأمريكي، وخلدوا عمله بإطلاق اسمه على مدينة هوستن التي هي الآن من أهم مدن أمريكا وعاصمة النفط فيها.
ونحن لا نذكر هذا للإعجاب بهؤلاء الكفرة، فإن هذا إذا كان مات على الكفر فهو إلى جهنم والعياذ بالله، لكن المقصود من ذكر هذه النماذج هو النظر إلى حال أهل الباطل؛ حيث إن أحدهم إذا أصر على أن يحقق هدفاً يجند كل طاقاته من أجل إنجاز ذلك.
стр. 152
الحرب بين العرب والأتراك العثمانيين
إننا لنذكر في العهد القريب لورنت براون الجاسوس البريطاني المعروف، فقد أقام حرباً ضارية بين المسلمين والمسلمين، بين العرب والأتراك، وظل يغذي نزعة القومية العربية في الجيوش العربية، خاصة التي كان يقودها الشريف حسين الخائن المعروف، أقام حرباً ضارية بين المسلمين والمسلمين، بين العرب والأتراك، على أساس القومية والانفصال عن الخلافة العثمانية، وأريقت فيها دماء الآلاف من المسلمين بأيدي المسلمين في سبيل التاج البريطاني! ولم ترق قطرة دم واحدة من جسم رجل إنجليزي في سبيل بريطانيا، بل تقاتل المسلمون فيما بينهم.
стр. 153
حركة أبناء اليابان في النهوض ببلادهم
وهذا مثال آخر من الأمثلة على إصرار أهل الباطل في سبيل تحقيق مآربهم حتى لو كان في سبيل الدنيا، وهو أنموذج من اليابان: فقد أرسلت الدولة اليابانية في بدء حضارتها بعوثاً دراسية إلى ألمانيا كما بعثت الأمة العربية بعوثاً، فرجعت بعوث اليابان لتحضر أمتها، ورجعت بعوثنا خاوية الوفاق، فما هو السر؟! السر نحكيه في هذه القصة التي يحكيها الذي قام بهذا الأمر، وهو الطالب الياباني أوساهير: بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا، يقول: لو أنني اتبعت نصائح أساتذتي الألمان الذين ذهبت لأدرس عليهم في جامعة هامبورج لما وصلت إلى شيء، وكانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركاً صغيراً؟ كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية، أو ما يسمى بالموديل الذي هو أساس الصناعة كلها، فإذا عرفت كيف تصنع فقد وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها.
وبدلاً من أن يأخذني الأساتذة إلى معمل أو مركز تدريب عملي أخذوا يعطونني كتباً لأقرأها، وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها، ولكنني ظللت أمام المحرك -أياً كانت قوته- وكأني أقف أمام لغز لا يحل، وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، وكان ذلك أول الشهر، وكان معي راتبي، ووجدت في المعرض محركاً بقوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله، فأخرجت الراتب ودفعته، وحملت المحرك، وكان ثقيلاً جداً، وذهبت إلى حجرتي، ووضعته على المنضدة، وجعلت أنظر إليه كأنني أنظر إلى تاج من الجوهر، وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوروبا، لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا لغيرت تاريخ اليابان.
وطاف بذهني خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال شتى، مغناطيس كحذوة الحصان، وأسلاك، وأذرع ذات سعة، وعجلات وتروس، وما إلى ذلك.
فلو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها ثم شغلته فاشتغل أكون قد خطوت خطوة نحو سر موديل الصناعة الأوروبية.
وبحثت في رفوف الكتب التي عندي حتى عثرت على الرسوم الخاصة للمحركات، وأخذت ورقاً كثيراً، وأتيت بصندوق أدوات العمل، ومضيت أعمل: رسمت المحرك بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمل أجزاءه، ثم جعلت أفككه قطعة قطعة، وكلما فككت قطعة رسمتها على الورقة بغاية الدقة، وأعطيتها رقماً، وشيئاً فشيئاً فككته كله، ثم أعدت تركيبه وشغلته فاشتغل، فكاد قلبي أن يقف من الفرح! استغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أنال من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل.
وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال: حسناً ما فعلت! الآن لابد من أن أختبرك، سآتيك بمحرك متعطل وعليك أن تفككه وتكشف موضع الخطأ وتصححه وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل.
كلفتني هذه العملية عشرة أيام، عرفت أثناءها مواضع الخلل، فقد كانت ثلاث من قطع المحرك بالية متآكلة، صنعت غيرها بيدي، صنعتها بالمطرقة والمبرد.
بعد ذلك قال رئيس البعثة الذي كان يتولى قيادتي روحياً: عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركاً، ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد وصهر النحاس والألمنيوم، وبدلاً من أن أعد رسالة الدكتوراة -كما أراد مني أساتذتي الألمان- تحولت إلى عامل ألبس بدلة زرقاء، وأقف صاغراً إلى جانب عامل صهر المعادن، كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل، مع أنني من أسرة سامرائي -ويظهر أنها أسرة من النبلاء في اليابان-، ولكنني كنت أخدم اليابان، وفي سبيل اليابان يهون كل شيء.
قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم، وبعد انتهاء يوم العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة.
وعلم الميكادو بأمري -وهو الحاكم الياباني، ومعلوم أنهم كانوا يعبدون إمبراطورهم- فأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي من الذهب، فاشتريت بها أدوات مصنع محركات كاملة، وأدوات وآلات، وعندما أردت شحنها إلى اليابان كانت النقود قد فرغت، فبذلت راتبي وكل ما ادخرت، وعندما وصلت إلى ناجازاكي قيل لي: إن الميكادو يريد أن يراك.
فقلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كاملاً، واستغرق ذلك تسع سنوات، وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة محركات صنعت في اليابان قطعة قطعة، حملناها إلى القصر، ودخل الميكادو، وانحنينا نحييه، وابتسم، فقال: هذه أعذب موسيقا سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة.
هكذا ملكنا الموديل، وهو سر قوة الغرب، ونقلناه إلى اليابان، نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان، ونقلنا اليابان إلى الغرب.
فهذا أنموذج من الدأب والحركة والإصرار في سبيل الهدف الذي يصر عليه الإنسان.
نحن ننزه كلمة الهمة من أن نصف بها مثل هذا المشرك، لكن نقول للاعتبارات التي صدرنا بها الكلام: إن المسلمين أولى بأن يكونوا كذلك.
стр. 154
حب اليابانيين للعمل والكد والتعلم
حدث من عايش الطلاب اليابانيين الذين يبتعثون إلى أمريكا عن أحوالهم فقال: ربما يلبثون في مكتبة الجامعة إلى نصف الليل، وربما نام أحدهم وهو جالس على كرسيه، ويواصل الدراسة في اليوم الثاني من غير ذهاب إلى البيت.
وكل من خالط اليابانيين يعرف هذه الطبيعة الغريبة فيهم.
حدثني أحد الإخوة منذ سنوات أنه كان هناك رجل ياباني يأتي في الإجازة الأسبوعية يوم الخميس إلى الإسكندرية، والإجازة تمتد إلى الجمعة، ويمكن إلى أيام تالية، فكان الرجل بالليل لا يطيق أن ينام، فيأمر السائق بأن يحمله من الإسكندرية إلى القاهرة، فيلقي نظرة على العمل، ثم يعود في نفس الليلة إلى الإسكندرية! وهذا سبب ولوعهم بالعمل والكدح في سبيل الدنيا، فكل هذا في سبيل الدنيا، فانظر كيف صارت حركة القوم، حتى إنهم كانوا يثورون على الحكومة إذا أعطتهم إجازات، قيريدون أن يعملوا ويكدحوا، وهذا كما قال النبي ﵌: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب في الأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار) أي: حمار بالنهار في سبيل الدنيا.
فأولى بنا أن نطلب الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن نكون أشد إصراراً في سبيل هذا المطلب العظيم.
ويحكي الأستاذ الراشد حفظه الله فيقول: شفعت مرة لداعية أن يقبله الأستاذ فؤاد سزكين طالباً بمعهده في فرانكفورت معهد تاريخ العلوم الإسلامية، فاشترط الأستاذ سزكين أن يشتغل الطالب ست عشرة ساعة يومياً، فرفض، ثم أراني الأستاذ سزكين من بعد عدداً من الطلاب اليابانيين في معهده وقد انكبوا على المخطوطات العربية يدرسونها ويبعثونها إلى الحياة، وقد رضوا بهذا الشرط، فتأمل!
стр. 155
حركة دعاة التنصير
يحكي الدكتور عبد الودود شلبي في كتابه (في محكمة التاريخ) فيقول: أذكر أنني ترددت كثيراً جداً على مركز من مراكز إعداد المبشرين في مدريد، وفي فناء المبنى الواسع وضعوا لوحة كبيرة كتبوا عليها: هذا مركز لتدريب المبشرين -أي: المنصرين-، أيها المبشر الشاب! نحن لا نعدك بوظيفة أو عمل أو سكن أو فراش وثير، إننا ننذرك بأنك لن تجد في عملك التبشيري إلا التعب والمرض في سبيل المسيح ﵇.
أي: في سبيل الباطل، ومع ذلك يقابلونهم بهذه الصراحة! وأذكر أن في أحدى البلاد العربية أو الخليجية عمل أحد الشباب خطة لتحفيظ القرآن للشباب في المساجد، وجعل لها جدولاً بأسماء المدرسين المقترحين.
فالمسئول عنهم الذي هو من المواطنين في هذه البلدة عرض عليه هذا الموضوع ففرح جداً بخطة تحفيظ القرآن وهذا النشاط الجيد، وقال لهذا الشاب: احضر الإخوة هؤلاء ليعملوا في التحفيظ بعد الظهر.
يعني: في وقت الفراغ بالنسبة إليه.
فمن الناس من تجهم حينما علم أنه ليس هناك مرتب، ومنهم من فرح؛ لأنه يريد أن يتعبد بتحفيظ الشباب والأطفال القرآن الكريم، فانقسموا فريقين، وحصل كلام وقيل وقال يعبر عن التذمر والتضجر من هذا الأمر.
فما كان من هذا الرجل المسئول هناك إلا أن جمعهم وتكلم فيهم، وقال: لقد اخترناكم لأنكم حملة كتاب الله.
وقال نحو ذلك من الكلام الطيب، وأردف: إنه كان يمكننا أن نحضر أضعافكم أربع مرات من بلاد أخرى بنفس الراتب الذي يأخذه الواحد منكم، لكننا آثرناكم لأنكم عرب وأهل علم.
ثم ضرب لهم هذا المثل، فقال لهم: لا تكونوا مثل آلة البيبسي؛ إن أعطيتها ريالات أخرجت لك البيبسي، وإن لم تبذل فإنها لا تعطيك شيئاً، فالإنسان إذا عمل في الدعوة لا ينبغي أن تكون الفلوس هي التي تحركه؛ فإن طالب الآخرة همة الآخرة هي التي تحركه، وثواب الله هو الأبقى والأعظم والأوفر.
فهؤلاء المنصرون في مركز إعداد المبشرين في مدريد -وهي مدينة من مدن الفردوس المفقود- يعلقون هذه اللوحة أمام وجوه الداخلين: أيها المبشر الشاب! نحن لا نعدك بوظيفة أو عمل أو سكن أو فراش وثير، إننا ننذرك بأنك لن تجد في عملك التبشيري إلا التعب والمرض، وكل ما نقدمه إليك هو العلم والخبز وفراش خشن في كوخ صغير، أجرك كله ستجده عند الله، إذا أدركك الموت وأنت في طريق المسيح كنت من السعداء.
هذه الكلمات حركت كثيراً من جند الشيطان المبشرين بالنيران، حركت حملة الشهادات في الطب والجراحة والصيدلة وغيرها من التخصصات للذهاب إلى الصحاري القاحلة التي لا توجد فيها إلا الخيام والمستنقعات المليئة بالنتن والميكروبات، والمكوث هناك السنين الطوال دون راتب ودون منصب، ولو أراد أحدهم العمل بمؤهله لربح مئات الآلاف من الدولارات، ولكنه ضحى بكل هذا من أجل الباطل الذي يعتقد صحته.
حكى بعض الشباب المسلمين في ألمانيا فقالوا: منذ السادسة صباحاً ينتشر دعاة فرقة (شهود يهوه) الذين هم فرقة من اليهود ضحكوا على النصارى، وعملوا لهم تغييراً في العقيدة النصرانية، وهذه الفرقة من أشد الفرق تعصباً للنصرانية المحرفة هذه، فالنصرانية محرفة، وهؤلاء حرفوها -أيضاً- تحريفاً جديداً.
فينتشر هؤلاء الدعاة من السادسة صباحاً في الشوارع، وينطلقون إلى البيوت، ويطرقون الأبواب للدعوة إلى عقيدتهم.
وحكى أحد الشباب المسلمين أن فتاة ألمانية منهم طرقت بابه في السادسة صباحاً، فلما علم أن غرضها دعوته إلى عقيدتها بين لها أنه مسلم، وأنه ليس في حاجة إلى أن يستمع منها، فظلت تجادله وتلح عليه أن يمنحها ولو دقائق من أجل المسيح، فلما رأى إصرارها أوصد الباب في وجهها، ولكنها أصرت على تبليغ عقيدتها ووقفت تخطب أمام الباب المغلق قرابة نصف ساعة تشرح له عقيدتها وتغريه باعتناق دينها! فما بالنا -معشر المسلمين- يجلس الواحد منا شبعان متكئاً على أريكته إذا طلب منه نصرة دين الحق، أو كلف بأيسر المهام، أو عوتب لاستغراقه في اللهو والترفيه انطلق كالصاروخ مردداً قوله ﷺ : (يا حنظلة! ساعة وساعة) وكأنه لا يحفظ من القرآن ولا من السنة غير قول النبي ﷺ : (ساعة وساعة)؟!
стр. 156
واقع المسلمين وتقصيرهم المؤلم في الدعوة إلى الله تعالى
يقول الأستاذ الراشد حفظه الله تعالى: يقف الداعية يؤذن في الناس، ولكن أكثر الناس نيام، ويرى جلد أصحاب الباطل وأهل الريبة وتفانيهم لإمرار خطتهم، فإذا التفت رأى الأمين المسلم سادراً غافلاً إلا الذين رحمهم ربهم، وقليل ما هم، ويعود ليفرغ حزنه في خطاب مع نفسه: تبلد في الناس حس الكفاح ومالوا لكسب وعيش رتيب يكاد يزعزع من همتي سدور الأمين وعزم المريب ويتهم نفسه أنه لم يكن بليغاً في ندائه، ويقول: لعلي كنت مقصراً في كلامي، ما حزت نواصي البلاغة، وكنت عيياً لا أفصح عن الأفكار، فيتهم نفسه أنه لم يكن بليغاً في ندائه، ولكن سرعان ما يحس أنه قد حاز البلاغة من أقطارها، فيعود يسلي نفسه ويجمل عزاءه: ومن حر شدوي يرى في الخريف طروباً بصحبتي العندليب ولكن خلقت بأرض بها نفوس العبيد برق تطيب يعني: أنا أتقن البلاغة جداً، وأنا آخذ بناصيتها، وإن شدوي وصوتي في النداء والدعوة صوت حر عذب يرى في الخريف، ومن شدة تمكني من عذوبة الصوت والبلاغة والفصاحة أجد حينما أشدو أنه يصحبني العندليب كي يستمع إلى صوتي.
فهذا معنى قوله: ومن حر شدوي يرى في الخريف طروباً بصحبتي العندليب وقوله: ولكن خلقت بأرض بها نفوس العبيد برق تطيب يعني أنه يعود فيلوم الناس، ولا يلوم نفسه، ولا شك في أن نفسية الأمم وتركيبها النفسي يؤثر في مواقفهم من الدعوة؛ لأن الأمر كما قال الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله تعالى: ليست المشكلة في الاستعمار، لكن المشكلة في القابلية للاستعمار.
أي: القابلية للذل والرضا والقناعة بالذل والهوان.
فبعض الشباب يكون عنده استعداد أصلاً، وحينئذٍ فلا ينبغي أن يلقي باللائمة على الأعداء الذين يتربصون بالدين ويحاربونه ويشنون حملات عليه؛ إذ لا شك في أن الجماهير والشعوب هي نفسها شريكة في محاولة إطفاء نور الله ، كما قال : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، فلو لم يكن عندهم نفس القابلية للباطل بهذه الصورة لما استجابوا هذه الاستجابة المذهلة، وكأنهم لم يصيروا مسلمين ولم يبقوا بعد مسلمين من شدة الاستجابة للباطل الذي يصب في رءوسهم صباح مساء.
فلا شك في أن الناس مسئولون، ولا ينبغي أبداً أن يلقى باللائمة فقط على الكبراء، وإنما الناس لديهم الاستعداد والرضا بالتشنيع على الدين، حتى على المظاهر الدينية الصرفة التي لا تعلق لها بما يذكرون! فتبدلت الآن موازين البلاغة، وافتقد الجيل الأعمال الكبيرة التي يتمجد بها، فصار كما يقول الرافعي: تخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها، ورغم الفساد فإن الداعية المسلم لم يتخل عن محاولة انتشال العباد، وإن كل وساوس اليأس من الإصلاح لن تلبث أن تتبدد أمام لحظة انتباه إيماني تريه مكانته المتوسطة لموكب الإيمان السائر، أخذاً عن السلف، وما دمت آخذاً عن السلف فلابد أن يسوق لك قدر الله خلفاً يستلم الأمانة منك، ذلك وعد الله، وإنه لموكب لن ينقطع أبداً.
فلابد من أن تكون واثقاً، فكما أخذت عمن سلف لابد من أن يقيض الله لك الخلف الذي يحمل الراية منك ويحملها بعدك، والدليل على ذلك أن هذا وعد بأن الموكب لن ينقطع أبداً، مهما تكالبت قوى الشر والكفر.
وقد مضى بهذا الوعد قول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، وأمر الله هو الريح التي تقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان.
فهذا فيما يتعلق بالنماذج وبعض التنبيهات المتعلقة بعلو همة السلف الصالح رحمهم الله تعالى ومن تبعهم من الخلف في الدعوة إلى الله .
стр. 157
علو الهمة في العبادة والاستقامة عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى
وندلف الآن إلى مجال آخر من مجالات علو الهمة، وهو علو الهمة في العبادة والاستقامة، وخاصة علو همة السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
فقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا ومصيرهم إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم عن السفاسف، فلا تراهم إلا صوامين قوامين باكين والهين.
وقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشي بعلو همتهم في التوبة والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفاً من عباراتهم وعباداتهم.
قال الحسن رحمه الله تعالى: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره.
أي: من نافسك في دينك فنافسه؛ لأن هذا النوع من التنافس أمر الله به فقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فأمرنا بالتنافس في أعمال الخير.
أما في الدنيا فقد نهانا الرسول ﷺ عن التنافس في الدنيا فقال: (ولا تنافسوا).
وهناك مشكلة، هي أن الدنيا أحياناً تلتبس بالدين، بمعنى أن بعض أغراض الدنيا تأخذ صورة الدين، وهي في الحقيقة دنيا، فينبغي للإنسان أن يتفطن لذلك.
مثلاً: حب الزعامة والرياسة والشهرة والجاه، فهذا في الحقيقة من أغراض الدنيا ومن مقاصد الدنيا، فمن نافسك فيها فألقها في نحره، ولا تحرص على الظهور والرياسة والزعامة، وإنما ينبغي أن يميز الإنسان غضبه وحركته وسكنته هل ذلك لله ولدينه أم لنفسه.
لأن بعض الناس قد يدعو إلى الله ، ثم يطرأ عليه هذا النوع من التلبيس، فتتحول الدعوة إلى الله إلى دعوة إلى النفس وليس إلى الله .
فهذه خطورتها أنها تحبط العمل، والشرك يستوجب العقوبة، كما في حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار.
وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل.
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان التركستاني -وهذه عبارة عجيبة جداً منه-: ما بلغني عن أحد من الناس أنه تعبد عبادة إلا تعبدت نظيرها وزدت عليه.
فانظر كيف يطبق التنافس في الآخرة! وانظر إلى علو همته! وقال أحد العباد: لو أن رجلاً سمع برجل هو أطوع لله منه فمات ذلك الرجل غماً ما كان ذلك بكثير.
أي: لأن الآخر يطيع الله أكثر منه، فيحس بالحسرة على تقصيره بالنسبة إليه، ولهذا يحق له أن يموت من الحسرة والغم! وأما الآن فنحن نتحاسد على الدنيا، وعلى المال، وعلى أعراض الدنيا وزينتها، وهذا هو الذي يثير حفيظة المسلمين إزاء إخوانهم اليوم، ولا يكاد يوجد فينا شعور بأن إنساناً يكاد يموت من الغم لأنه بلغه أن هناك رجلاً أطوع لله منه.
وقيل لـ نافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما.
وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة الجماعة صام يوماً، وأحيا ليله، وأعتق رقبة.
واجتهد أبو موسى الأشعري ﵁ قبل موته اجتهاداً شديداً، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك.
فلم يزل على ذلك حتى مات رضي الله تعالى عنه.
وعن قتادة قال: قال مورق العجلي: ما وجدت للمؤمن في الدنيا مثلاً إلا مثل رجل على خشبة في البحر، وهو يقول: يا رب يا رب لعل الله أن ينجيه.
فهذا هو شأن المؤمن في بحر الفتن الذي يغرق فيه الناس.
فالشخص الذي وجد خشبة فتعلق بها ولجأ إلى الله أن ينجيه ليصل إلى الشاطئ، أو يبعث إليه من ينقذه كيف تكون حالته وخوفه من الهلكة؟! وهكذا تكون حال المؤمن في مثل هذه الفتن.
وعن أسامة قال: كان من يرى سفيان الثوري يراه كأنه في سفينة يخاف الغرق، أكثر ما تسمعه يقول: يا رب! سلم سلم.
وعن جعفر قال: دخلنا على أبي التياح نعوده، فقال: والله إنه لينبغي للرجل المسلم أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله أن يزيده ذلك جداً واجتهاداً.
ثم بكى! وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رحمها الله ورحمه- قالت: ما رأيت أحداً أكثر صلاة ولا صياماً منه، ولا أحداً أشد فرقاً من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاء.
وعن المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك: يا مغيرة! قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاةً وصياماً من عمر بن عبد العزيز، ولكني لم أر من الناس أحداً قط كان أشد خوفاً من ربه من عمر، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده، فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ، ويفعل مثل ذلك ليلته أجمع! وعن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك فقال: ألا تخبريني عن عمر؟! قالت: ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استخلف.
وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة، ويصوم في الحر حتى يخضر جسده ويصفر، فكان علقمة بن قيس يقول له: لمَ تعذب نفسك؟ فيقول: كرامتها أريد.
وكان يصوم حتى يخضر جسده، ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا: إن الله لم يأمرك بكل هذا! فقال: إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئاً إلا جئت به.
وقيل لـ عامر بن عبد الله: كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر؟! فقال: هل هو إلا أني تركت طعام النهار إلى الليل ونوم الليل إلى النهار، وليس في ذلك خطير أمر.
وكان إذا جاء الليل يقول: أذهب حر النار النوم، أذهب حر النار النوم.
فما ينام حتى يصبح.
وعن الحسن قال: قال عامر بن قيس لقوم ذكروا الدنيا: أئنكم لتهتمون؟! أما والله لئن استطعت لأجعلنهما هماً واحداً.
قال: ففعل -والله- ذلك حتى لحق بالله.
وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطاً في مسجد بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي، فوالله لأزحفن بك زحفاً حتى يكون الكلل منك لا مني.
فإذا دخلت الفترة -الكسل أو التعب- تناول سوطه وضرب به ساقه، وقال: أنت أولى بالضرب من دابتي.
وكان يقول: أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يستأثروا به دوننا؟! كلا، والله لنزاحمنهم عليه زحاماً؛ حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالاً! وكان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجل أصيب بمصيبة -أي: من خشيته لله- منكسر الطرف، منخفض الصوت، رطب العين، إن حركته جاءت عيناه بأربع -أي: بأربع قطرات من دموع-، ولقد قالت له أمه: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟! تبكي الليل عامته لا تسكت! لعلك -يا بني- قتلت نفساً! لعلك قتلت قتيلاً! فيقول: يا أماه! أنا أعلم بما صنعت نفسي.
وقال هشيم -وهو تلميذ منصور بن زاذان -: كان منصور لو قيل له: إن ملك الموت على الباب ما كان عنده زيادة في العمل.
أي: لأنه أتى بأقصى ما يستطيع في العبادة.
وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له: القيامة غداً ما وجد مزيداً، وكان يقول: اللهم! إني أحب لقاءك فأحب لقائي.
وقال أنس بن عياض: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غداً القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لـ حماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً.
وعن موسى بن إسماعيل قال: لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً قط لصدقتكم! أي: كان مشغولاً بنفسه، إما أن يحدث، وإما أن يقرأ، وإما أن يسبح، وإما أن يصلي، فكان قد قسم النهار على هذه الأعمال.
وكانت ابنة الربيع بن خثيم تقول له: يا أبت! ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟! فيقول: يا ابنتاه! إن أباك يخاف البيات.
وعن إبراهيم قال: قال فلان: ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد.
يعني أن الذين عاشوا معه لم يروه تكلم بكلمة مدة عشرين سنة عاشروه فيها إلا بكلمة تصعد إلى الله ؛ لأنها من الكلم الطيب.
وعن بعضهم قال: صحبت الربيع عشرين عاماً ما سمعت منه كلمة تعاب.
وقال مالك: رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين، فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعداً في فناء زمزم، فكان إذا ذكر النبي ﷺ عنده يبكي حتى أرحمه.
أي: كان كلما أتى ذكر النبي ﵊ يبكي من شدة حبه وشوقه إلى رسول الله ﷺ .
قال: فكان إذا ذكر النبي ﷺ عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأيت ذلك كتبت عنه.
وقال سلمة بن علقمة: جالست يونس بن عبيد فما استطعت أن آخذ عليه كلمة.
يعني: يخطئ فيها.
وعن أبي هارون موسى قال: كان عون يحدثنا ولحيته ترتعش بالدموع.
وقال أبو علي بن شهاب: سمعت أبا عبد الله بن بطة -الإمام الشهير المعروف- يقول: أستعمل عند منامي أربعين حديثاً رويت عن رسول الله ﷺ .
يعني: أوظف عند المنام أربعين حديثاً ما بين أدب وذكر.
وعن القاسم بن راشد الشيباني قال: كان زمعة نازلاً عندنا بالمحصب، وكان له أهل و
стр. 158
نموذج في علو الهمة في الإيثار والإنفاق في سبيل الله
وهذا أنموذج من نماذج علو الهمة في النفقة في سبيل الله وفي الإيثار: فقد جاء إلى عبد الله بن طالب رجل يشكو إليه أنه لا يجد لابنته جهازاً يجهزها به لزواجها، وكان لـ ابن طالب ابنة تخرج إليه من وقت إلى آخر تزوره، فقال لأمها: أحب أن تزيني ابنتي وتلبسيها ثيابها وحليها.
ففعلت، وأخرجتها إليه، فرحب بها واستبشر، ثم قال لها ولأمها: إن فلاناً شكا إلي كذا -يعني: شكا إلي أنه لا يجد جهازاً لابنته التي ستتزوج- وأنا أحب أن أدفع له جميع ما على ابنتي من حلي وثياب يجهز به ابنته، وعلي أن أعوض ابنتي منه بما هو أكثر.
يعني: أدفع لهذا الرجل الآن كل ما تحمله ابنتي من الحلي والذهب، وألتزم بأن أعوضها بما هو أكثر من ذلك فيما بعد، فدفعها له.
واحسرتاه! تقضى العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل وقال الآخر: هم الرجال وعيب أن يقال لمن لم يتصف بمعاني وصفهم رجل أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 159
علو الهمة [١١]
لا ينال العلم براحة الجسد، فمن أراد العلم فليبذل له وقته وجهده وهمته حتى ينال بعضه، وفي أخبار السلف من علو همتهم في طلب العلم، وصبرهم على شدائد تحصيله ما يحث كل طالب علم على الاقتداء بهم، والسير على طريقهم.
стр. 160
علو الهمة في طلب العلم
стр. 161
العلم أشرف من المال
فحديثنا -بإذن الله تعالى- سيكون عن علو همة السلف الصالح في طلب العلم.
فالعلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأنفع ما كتبه واقتناه الكاتب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لـ كميل بن زياد: احفظ ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.
العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل -يعني أن العمل يزيده وينميه، والمال تنقصه النفقة- ومحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته وفنائه.
وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
اهـ.
والحديث عن فضل العلم وما يناله طالبه من مزية وكرامة من الله هو حديث لا يكشف عن غامض، ولا يطرق السمع بجديد، وليس مقصودنا هنا أن نتكلم في فضائل العلم أو في الحث على العلم، فذاك حديث كثر فيه الكلام والتصوير، إنما مقصودنا لفت الأنظار إلى القوة العملية، وهي الوسيلة التي صعدت بعلمائنا فخدموا الدين ونشروا العلم.
стр. 162
كلام ابن الجوزي في الحث على طلب العلم
يقول الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: تأملت عجباً، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله.
يعني أن الراحة لا تنال بالراحة، وإنما الراحة تنال على جسر من التعب، فكلما ازداد خطر الشيء وقيمته ووزنه كلما صعب الحصول عليه وتناوله.
يقول: فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة.
ولا شك في أن العلم أشرف ما يحصل عليه الإنسان، وأشرف مأرب يتطلع إلى تحصيله، ومن ثم فلا يمكن أن ينال إلا بأشد التعب والجهد والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر؛ لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس.
والهريسة في اصطلاح السلف كانت عبارة عن أكل فيه توابل كثيرة جداً، هذا معنى الهريسة عندهم، فهي بخلاف معنى الهريسة اليوم.
فما استطاع هذا الطالب أبداً خلال سنوات طويلة أن يضحي بلحظة أو ساعة أو وقت من الدرس في سبيل أن يحصل هذه الشهوة! وقد حدث مرة أنني رأيت الشوارع خاوية، وكأنه فرض حظر التجول في المدينة، ثم دخلت المسجد لإلقاء درس تفسير القرآن فوجدت المسجد يكاد يكون خاوياً إلا من عدد قليل جداً من الأخوة، فظننت أنه حصل أمر خطير حتى تغيب طلبة العلم عن مجلس القرآن ومجلس الذكر، ثم علمت أن سبب ذلك مباراة كرة قدم دولية! فحينما نقارن أحوالنا بأحوال السلف نعرف خطورة الوضع الذي نحن فيه، وبعدنا عن منهج السلف الذي ندعيه ونزعم الانتساب إليه.
стр. 163
كلام ابن القيم في الحث على طلب العلم
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما سعادته فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية، وقد أحسن القائل في ذلك: فقل لمرجي معالي الأمور بغير اجتهاد رجوت المحالا فما دام طلبك نفيساً فلابد من أن تبذل ثمناً نفيساً.
ومن أحب أن يخطب الحسناء فلابد من أن يدفع لها المهر الذي تستحقه، فالحور لا تخطب بالنوم ولا بالكسل ولا بالتراخي، وإنما تخطب بمهر هو الكد والجد والتعب والسهر.
يقول الشاعر: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال ومن طمحت همته إلى الأمور العالية فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية وهي السعادة، وإن كان في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وأنها متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها أفضت منها إلى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك، فحينئذ حال صاحبها -يعني: الإنسان الذي يكد ويتعب في الدنيا في سبيل تحصيل مراتب ومنازل الآخرة كما قيل: وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب فلما تلاقينا وعاينت حسنها فأيقنت أني إنما كنت ألعب فحينما يرى الثمن العظيم والجزاء الوفير الذي يلقاه في الآخرة ينظر إلى عبادته وجهاده في الدنيا على أنه كان لعباً، على حد قول النبي ﵌: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة).
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر عليها إلا على جسر من المشقة، فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد.
قال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.
وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
فيا واصل الحبيب ألا إليه بغير مشقة أبداً تروح ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف.
أي: لولا أن أغلب الناس في جهل بلذة العلم ولذة السعادة التي ينالها الإنسان في الحياة الدنيا لتقاتلوا عليها.
فمالنا يشقى أحدنا ويكدح ويتعب في سبيل تحصيل هذه البواطل العالية ولا نفعل ذلك للجنة؟! السبب أنها حفت وأحيطت بحجاب من المكاره، فغفل عنها أغلب الناس، وحرموا منها بحجاب من الجهل، ليخص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 164
كلام الشافعي وابن هشام في الحث على طلب العلم
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه.
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا وقد كان أهل العلم رحمهم الله تعالى يلاقون المصاعب والشدائد في تحصيلهم للعلم.
والإمام ابن هشام النحوي صاحب كتاب (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) و (قطر الندى وبل الصدى) نصح طلبة العلم بالصبر على مشاق العلم والتحصيل؛ إذ هو شرط في نيل المراد العزيز الغالي، فيقول ﵀: ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل ومن لم يذل النفس في طلب العلا يسيراً يعش دهراً طويلاً أخا ذل فعلى المسافر أن يقطع السفر ويصل إلى البلد الذي يسافر إليه بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله فمتى يصل إلى مقصده؟! الجد بالجد والحرمان في الكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل فعليك -يا طالب العلم- أن تجد في التحصيل؛ فإن الأمر كما قال ابن الجنيد: ما طلب أحد شيئاً بجد وصدق إلا ناله، فإن لم ينله كله نال بعضه.
فعلى طالب العلم أن يحرص على علو الهمة في طلب العلم.
стр. 165
الغيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة
من خصائص طالب العلم العالي الهمة الغيرة على الوقت، فإنه يغار على الوقت، ويمكن أن يضحي بالمال لكن لا يضحي بوقته، ولا يجلس إلا إلى من يستفيد منه، أما جلسات الأنس والسمر والمزاح واللعب واللهو فلا يعرفها طالب العلم الكبير الهمة.
فأبرز خصائص طالب العلم الجاد في طلبه أن يغار على وقته من أن يضيع في غير ما يقربه إلى الله ويحصل فيه العلم، وعنده بجانب الغيرة على الوقت عزم يبلى الجديدان وهو صارم صقيل، أي: تمر الأيام ومع ذلك عزمه لا تنال منه الأيام ضعفاً أو فتوراً إنما يظل كالصارم القاطع الصقيل.
وعنده حرص لا يشفي غليله إلا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طائحة، فطالب العلم شره ونهم، وشهيته منتبهة جداً وحريصة على أن يغترف من العلم، يشرب من بحور العلم ولا يروى؛ لأنه يشتاق إلى المزيد، فلا يقنع بحد محدود، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك، ولا طول مسافة الطريق، وألسنة مهذبة لا تقع في لغو ولا مهاترة، كيف لا وقد شغلت نفسه بالحق فأشغلها عن الباطل؟! فأعظم ما يعصم الإنسان من آفات اللسان واللغو والباطل أن يشتغل بالأمور الجادة؛ لأن الإنسان لا يقع في الغيبة والنميمة والجدل والمراء والرياء وغير ذلك إلا من الفراغ؛ فإن هذه أعراض مرض الفراغ والبطالة، أما إذا بادر بشغل نفسه بالحق فإنها بذلك تنشغل عن الباطل.
وقد كان حال سلف الأمة في طلب العلم ونشره والتصنيف فيه حالاً عجيباً، استثمروا فيه أوقاتهم، وأفنوا شبابهم، فحصلوا ما يدهش العقول ويبهر الألباب ويستنهض الهمم، فهيا نطالع أحوالهم لنقتدي بهديهم ونسير على سننهم.
يقول الشاعر: وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني جنوناً فزدني من حديثك يا سعد ويقول الآخر في نفس هذا المعنى -وهو التشوق إلى مطالعة أحوال وسير السلف الصالح حتى تستنهض الهمم الراقدة-: كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي
стр. 166
حرص السلف على طلب العلم
العلم الشريف هو صناعة القلب، وهو شغل القلب، فالعلم وظيفة تؤدى أساساً بالقلب، والقلب إذا حمل هم رفع رذيلة الجهل والتحلي بالعلم الشريف فإن القلب ينشغل بذلك، ويكون هذا جل همه.
فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها، فلابد من أن يتفرغ طالب العلم، ويوحد همه، ويجعل له وجهة واحدة، فالقلب لا ينشغل إلا بشيء واحد فقط، كما قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤].
فالقلب لا يمكن أن يصرف همه إلى أكثر من وجهة، فإذا وجهت همة القلب إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم، فلم تجد فيه همة تقوده إلى طلب العلم، ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوة العلم على لذة جسمه وشهوة نفسه لن ينال درجة العلم أبداً.
فإذا صارت شهوته في العلم ولذته في إدراكه رجي له أن يكون من جملة أهله، وقد كان علماؤنا رحمهم الله تعالى يحرصون على العلم وطلب العلم حرصاً ليس له نظير، ونذكر أمثلة على ذلك:
стр. 167
حرص عمر بن الخطاب على طلب العلم
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين يقول: كنت أنا وجار لي من الأنصار -وهو أوس بن خولي الأنصاري - في بني أمية بن زيد -وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
يعني: اتفقا على نوبات بالتبادل، يذهب هذا يوماً ليحصل العلم ثم يعود فيعلم أخاه، ثم يذهب الآخر وهكذا، وهذا من أجل أن يفوتهما شيء من العلم.
стр. 168
حرص ابن عباس على طلب العلم
عن ابن عباس ﵄ قال: لما مات رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن العلم؛ فإنهم اليوم كثير.
فقال: واعجباً لك يـ ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟! قال: فتركت ذاك.
يعني: لم يفت في عزمه ولم يبال بتثبيطه، فانصرف عنه ابن عباس مع صغر سنه رضي الله تعالى عنه، يقول: فتركت ذاك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل -يعني: في وقت القيلولة قبل صلاة الظهر، فيكره أن يوقظه من القيلولة- فأتوسد ردائي على بابه، فتسف الريح علي من التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ! ما جاء بك؟! هلا أرسلت إلي فآتيك؟! فأقول: لا؛ أنا أحق أن آتيك.
فأسأله عن الحديث.
فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني.
ولما فتحت البلاد آثر ابن عباس من أجل العلم ظمأ الهواجر في دروب المدينة ومسالكها على الظلال الوارفة في بساتين الشام وسواد العراق وشطآن النيل ودجلة والفرات.
قال ﵁: لما فتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا، وأقبلت على عمر ﵁.
يعني: كي يتعلم منه ويستفيد من صحبته.
يقول الشاعر: لكل بني الدنيا مراد ومقصد وإن مرادي صحة وفراغ لأبلغ في علم الشريعة مبلغا يكون به لي للجنان بلاغ وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ فما الفوز إلا في نعيم مؤبد به العيش رغد والشراب يساغ ويقول -أيضاً- ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن دأبه في طلب العلم: كنت آتي باب أبي بن كعب ﵁ وهو نائم، فأقبل على بابه، ولو علم بمكاني لأحب أن يوقظ لي لمكاني من رسول الله ﷺ ، لكني أكره أن أمله.
وقال -أيضاً- ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل في القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحداً إلا سر بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ ، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوماً -وكان من الراسخين في العلم- عما نزل من القرآن في المدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة.
стр. 169
حرص الشافعي على طلب العلم
قال الشافعي رحمه الله تعالى: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين.
وقال أيضاً: لما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس -يعني الأوراق-، فكنت إذا رأيت عظماً يلوح آخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديماً.
فكان يجمع فيها هذه العظام التي كتب فيها العلم.
والإمام الشافعي نشأ يتيماً فقيراً ﵀، يقول عن نفسه: لم يكن لي مال، وكنت أطلب العلم في الحداثة -يعني: في مستهل العمر، وكانت سن الإمام أقل من ثلاث عشرة سنة-، وكنت أذهب إلى الديوان استوهب الظهور -يعني: أسألهم أن يهبوني ظهور الأوراق المكتوب عليه؛ لأن ظهورها تكون خالية- فأكتب فيها! وقال ابن أبي حاتم: سمعت المزني يقول: قيل للشافعي: كيف شهوتك في العلم؟ قال: أسمع بالحرف -يعني الكلمة- مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم بما تنعمت به الأذنان.
وقيل له: كيف حرصك على العلم؟! قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال.
والجموع الممنوع هو الذي يجتهد في جمع المال من كل حدب وصوب ثم يبخل به، فتكون شدة حب هذا الرجل للمال وشدة حرصه عليه كبيرة جداً، فلما سئل عن حرصه على العلم قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال.
فقيل له: فكيف طلبك له؟! قال الشافعي: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.
فتخيل امرأة ليس لها سوى ولد واحد، فضل ولدها، فكيف ستجتهد في البحث عنه ونشدان هذه الضالة؟! يقول: هذا هو طلبي للعلم.
стр. 170
حرص محمد بن سلام على طلب العلم
محمد بن سلام شيخ من شيوخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى، كان في حال الطلب جالساً في مجلس الإملاء، فانكسر قلمه، فأمر أن ينادى: قلم بدينار.
فتطايرت إليه الأقلام.
فهو لا يريد أن يضحي بلحظة واحدة، حتى لا يفوته فيها سماع حرف من الحديث أو كلمة أو جملة، ويعتبر هذه مصيبة لا يعوضها مال الدنيا، فأراد أن يغري الذين يسمعونه فرفع سعر القلم إلى ثمن كبير جداً، فقال: قلم بدينار.
فتطايرت إليه الأقلام من كل صوب، وذلك كي لا يفوته شيء من مما يمليه الشيخ.
стр. 171
حرص أحمد بن حنبل على طلب العلم
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف.
تلقى الإمام أحمد الحديث ببغداد من سنة تسع وسبعين ومائة إلى ست وثمانين ومائة، ولزم عالماً كبيراً من علماء الحديث والآثار ببغداد لمدة أربع سنوات، وهو هشيم بن بشير بن أبي حازم الواسطي المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة.
وسمع الإمام أحمد -أيضاً- من عبد الرحمن بن مهدي وأبي بكر بن عياش، وكان في طلبه للعلم مثال الجد والحرص والنشاط.
يحكي الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن طلبه العلم وهو طفل صغير جداً فيقول: ربما أردت البكور في الحديث.
أي: كان أحياناً يريد التبكير في الخروج في طلب العلم؛ لأن المعلوم أن البركة في البكور، فقد دعا النبي ﷺ فقال: (اللهم! بارك لأمتي في بكورها)، وهو الوقت الذي بعد صلاة الفجر، فكان يخرج قبل أذان الفجر حتى يلتمس الحديث، يقول: ربما أردت البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثيابي حتى يصبح الناس.
وقال: لو كان عندي خمسون درهماً لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد.
стр. 172
حرص الثوري على طلب العلم
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: لما أردت أن أطلب العلم قلت: يا رب! إنه لابد لي من معيشة.
ورأيت العلم يدرس -أي: ينسى ويهجر-، فكنت أفرغ نفسي لطلبه، وسألت ربي الكفاية.
وعزم على طلب العلم فتكفلت والدته بالإنفاق عليه، وقالت: اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
فأخذ يتلقى العلم عن شيوخه المتعددين، وعن كل من يحمل علماً أو خبراً، وكان سفيان الثوري كثير الاهتمام بطلب العلم، وذكر أبو نعيم أن سفيان الثوري كان إذا لقي شيخاً كبير السن سأله: هل سمعت من العلم شيئاً؟ فإن قال: لا رد عليه وقال: لا جزاك الله عن الإسلام خيراً.
ومن مظاهر اهتمامه بالعلم أنه كان يقول: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث؛ فإنه مسئول عن تعليم ولده.
ولم يكن اهتمام سفيان بالعلم مقصوراً على طلبه، بل كان يعمل به، ويحرص على إشاعته بين الناس، والدعوة إليه، روى ابن معين عنه أنه كان يقول: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وكان يقول: لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا.
وقال ثعلب: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة ولا نحو خمسين سنة!
стр. 173
حرص ابن أبي حاتم على طلب العلم
ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حاتم الرازي محمد بن إدريس المتوفى سنة سبع وسبعين ومائتين أن أبا حاتم قال: قال لي أبو زرعة الرازي: ما رأيت أحرص على طلب الحديث منك.
فقلت له: إن ابني عبد الرحمن لحريص، فقال: من أشبه أباه فما ظلم.
قال الرقام -وهو أحمد بن علي أحد رجال إسناد الخبر-: فسألت عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته لأبيه، فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه -كان يغتنم اقترابه من أبيه في البيت، فكان يأكل أبوه ويقرأ عليه-، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه.
يعني كان يغتنم الفرصة إلى أقصى حد ممكن، فكانت ثمرة تلك المحافظ على الزمن والحرص على طلب العلم نتاجاً علمياً كبيراً، هو كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات، وهو من الكتب النفيسة الحافلة الرائدة في هذا العلم، ومنها أيضاً كتاب التفسير في عدة مجلدات، وكتاب المسند في ألف جزء.
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: قال علي بن أحمد الخوارزمي: قال ابن أبي حاتم: كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة -يعني: ما ذاقوا طبيخاً-، نهارنا ندور على الشيوخ، وفي الليل ننسخ ونقابل، فذهبت أنا ورفيق لي إلى شيخ فقالوا: هو عليل.
فرجعنا فرأينا سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت أن تنتن، فأكلناها نيئة ولم نتفرغ لشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.
يقول الشاعر: لولا ثلاث قد شغفت بحبها ما عفت في حوض المنية موردي وهي الرواية للحديث وكتبه والفقه فيه وذاك حسب المهتدي
стр. 174
حرص سليم بن أيوب على طلب العلم
الإمام سليم بن أيوب الرازي أحد كبار أئمة المذهب الشافعي المتوفى سنة سبع وأربعين وأربعمائة، كان يحاسب نفسه على الأنفاس أن تضيع دون إفادة أو استفادة، قال أبو الفرج غيث بن علي التنوخي الصوري: وحدثت عنه أنه كان يحاسب نفسه على الأنفاس.
أي: يحاسب نفسه على اللحظة التي يستهلكها النفس، فقد كان يضن بها ويبخل ويحاسب نفسه على هذه الأنفاس، قال: ولا يدع وقتاً يمضي عليه بغير فائدة، إما ينسخ، أو يدرس، أو يقرأ وينسخ شيئاً كثيراً.
ولقد حدثني عنه شيخنا أبو الفرج الإسفراييني -وهو من تلامذته- أنه نزل يوماً إلى داره ورجع، فقال: قد قرأت جزءاً في طريقي.
يعني: فرغ من كتاب أو جزء منه أثناء ذهابه إلى البيت ورجوعه.
قال: وحدثني المؤمل بن الحسن أنه رأى سليماً حفي عليه القلم -يعني: رق ولم يعد صالحاً للكتابة- فإلى أن قطه جعل يحرك شفتيه.
أي: يذكر الله في هذه اللحظات، فحركة اليد حركة ميكانيكية يمكن أن يجتمع معها النشاط الذهني، فكان يقرأ وقت إصلاح القلم لئلا يمضي عليه وقت بلا فائدة.
стр. 175
حرص أبي الطاهر السلفي والخليل بن أحمد والباقلاني على طلب العلم
وصف ابن ناصر الحافظ أبا طاهر السلفي رحمه الله تعالى في طلب العلم وفي تحصيل العلم بكلمة واحدة فقط، فقال في وصفه: كأنه شعلة نار في التحصيل.
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى يقول: أثقل الساعات علي ساعة آكل فيها.
وذلك لأنه يضطر إلى هجر العلم.
وكان عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله ﵎، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر، فكان يجلس يكتب الحديث وتأتي أخته تلقمه إلى فمه؛ لأنه ليس عنده وقت ليتناول الطعام بيديه.
فهل كان عندهم وقت مثلنا للجلوس أمام التلفزيون حتى لو كان ما يشاهد مباحاً بغض النظر عن الفساد الذي فيه والتبرج والموسيقى وغير ذلك؟!
стр. 176
حرص عبيد بن يعيش وداود الطائي على طلب العلم
يقول عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث.
وكان داود الطائي يستف الفتيت -وهو بقايا الخبز وفتاته-، فما كان يأكل لقمة الخبز الكبيرة، وإنما كان يستف الفتيت، فيضعه في يده ويتناوله بلسانه، فيقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية.
يقارن بين الوقت الذي يستغرقه إذا تناول الفتيت، والوقت الذي يستغرقه إذا أكل خبزاً وأراد أن يقطعه ويمضغه جيداً، فوجد أن بينهما قدر قراءة خمسين آية، فيقول: أكسب الخمسين آية وأوفر هذا الوقت.
فكان يستف الفتيت.
стр. 177
حرص ابن عقيل على طلب العلم
قال الإمام الجليل ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي.
وابن عقيل له كتاب مشهور جداً اسمه الفنون، يقول عنه بعضهم: هو في سبعمائة مجلد.
يقول ابن عقيل: وأنا أقصر بغاية جهدي وقت أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ.
يعني إذا استف الكعك فإن وقت بلعه سريع، بينما الخبز إذا مضغه فإنه يأخذ وقتاً أطول، فيتحسى الكعك ويشرب الماء بعده مباشرة توفيراً للوقت على مطالعة أو تسطير فائدة.
стр. 178
حرص شعبة والشعبي على طلب العلم
ذكروا لـ شعبة حديثاً روي عن شيخ، وهذا الشيخ توفي فلم يسمعه منه مباشرة، فلما ذكر له هذا الحديث وهو لم يسمعه من هذا الشيخ جعل شعبة رحمه الله تعالى يتحسر ويقول: واحزناه، واحزناه، واحزناه! يقول شعبة: إني لأذكر الحديث يفوتني فأمرض.
أي: يحاول أن يستذكر الحديث، فإذا لم يتذكره يصيبه المرض من شدة الحزن على ذلك.
قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟! قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب.
وكان من حرصهم على العلم ومجالسه أنك تجدهم يعدون في الطرقات كأنهم مجانين، يقول شعبة رحمه الله تعالى: ما رأيت أحداً قط يعدو إلا قلت: مجنون أو صاحب حديث.
يعني: إما مجنون لا يبالي بأن يعدو في الطريق، أو صاحب حديث تأكله الغيرة على الوقت، فيجري بسرعة حتى يوفر الوقت.
يقول الحافظ أبو إسماعيل الهروي الأنصاري رحمه الله تعالى: المحدث يجب أن يكون سريع المشي، سريع الكتابة، سريع القراءة.
وبعض العلماء قال: يمكن أن يزاد: سريع الأكل.
قال سحنون: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع.
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: حدثنا شيخنا الكناني عن أبه صاحب الخطابه أسرع أخا العلم في ثلاث الأكل والمشي والكتابه وعن عبد الرحمن ابن تيمية قال عن أبيه: كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمعك.
стр. 179
حرص محمود شكري الألوسي على طلب العلم
العلامة الكبير أبو المعالي محمود شكري الألوسي البغدادي الحكيم رحمه الله تعالى عالم كبير من علماء المنهج السلفي الذين نافحوا عنه أشد المنافحة، وانتصر له أعظم انتصار في كتاب مشهور اسمه: (غاية الأماني في الرد على النبهاني).
كان يمتاز بالجد الشديد، والحرص على الوقت، فكان لا يثنيه عن دروسه حمارة القر، ولا يؤخره قرس برد الشتاء، وكثيراً ما تعرض تلاميذه بسبب تأخرهم عن موعد الدرس إلى النقد والتعنيف، يقول عنه تلميذه العلامة الجليل السلفي الشيخ بهجت الأثري رحمه الله تعالى: أذكر أنني انقطعت عن حضور درسه في يوم مزعج شديد الريح غزير المطر كثير الوحل، ظناً مني أن الشيخ لن يحضر إلى الدرس، فلما حضرت في اليوم الثاني إلى الدرس صار ينشد بلهجة غضبان يعاتبه: ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد.
يعاتبه بذلك.
стр. 180
حرص الأمين الشنقيطي على طلب العلم
العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى من نوادر النابغين والعباقرة في هذا الزمان، قال عنه بعض الإخوة: هذا الرجل قذيفة قذفت من القرون الأولى واستقرت في القرن الرابع عشر الهجري، فقد كان يشبه علماء السلف في أحواله، وفي علمه، وفي ملكته.
ذكر العلامة القرآني رحمه الله تعالى عن نفسه أنه قدم على بعض المشايخ ليدرس عليه، وقد كان الشيخ الشنقيطي صبياً صغيراً، ونظام طلب العلم في شنقيط -وهي موريتانيا- أن الشيخ ينزل في مكان في الصحراء ويتخذ خيمة هناك، ثم يأتي الطلبة إليه ويضربون الخيام حول خيمته، ويتفرغون تماماً للعلم الذي سيتلقونه من هذا الشيخ، فإذا فرغوا منه انتقلوا إلى غيره في الصحراء.
فذهب وهو طفل صغير إلى الشيخ ليدرس عليه كتاب لامية الأفعال، وأولها: الحمد لله لا أبغي به بدلاً.
فلما قدم الشنقيطي وهو طفل صغير على الشيخ ونزل عليه لم يكن الشيخ يعرفه من قبل، فأمام ملأ من التلامذة سأله: من أنت؟ فقال مرتجلاً: هذا فتى من بني جاكان قد نزلا به الصبا عن لسان العرب قد عدلا رمت به همة علياء نحوكم إذ شام برق علو نوره اشتعلا فجاء يرجو ركاماً من سحائبه تكسو لسان الفتى أزهاره حللا إذ ضاق ذرعاًَ بجهل النحو ثم أبى أن لا يميز شكل العين من فعلا وقد أتى اليوم صباً مولعاً كلفًا للحمد لله لا أبغي به بدلا فارتجل هذه الأبيات بمجرد أن سأله الشيخ: من أنت؟! مضى رحمه الله تعالى في طلب العلم قدماً، وقد ألزمه بعض مشايخه بالقران، أي: أن يقرن بين فنين؛ لأنهم كانوا يهتمون جداً بتخصص الطالب وتركيزه على علم واحد حتى يتقنه ثم يتحول إلى علم آخر، لكن الشنقيطي خاصة نصحه بعض مشايخه -لما رأى فيه النجابة والذكاء والعبقرية- أن يقرن بين علمين؛ لأن طاقته وقدرته تؤهله لذلك، كي يسرع في تحصيل العلم، فقد تفرس فيه القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عالية في الدرس والتحصيل رحمه الله تعالى.
حتى إن بعض مشايخه لما رأى عليه أمارة النجابة والعبقرية قال له: يا بني! إن العلماء يذهبون إلى أن من أنس من نفسه أمارات الذكاء والنباهة والنبوغ فإنه يتعين عليه طلب الإمامة في الدين.
يعني: يجب عليه أن يجتهد في طلب العلم حتى يصير إماماً.
قال رحمه الله تعالى في كتابه (رحلة الحج): ومما قلت في شأن طلب العلم، وقد كنت في زمن الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج؛ لأنه ربما عاق عنه، فلما طال اشتغالي بطلب العلم قال لي بعض الأصدقاء: إما أن تتزوج الآن من تصلح لك، وإلا تزوجت عنك ذوات الحسب والجمال، ولن تجد من تصلح لمثلك.
يريد أن يثنيني عن طلب العلم، فقلت في ذلك هذه الأبيات: دعاني الناصحون إلى النكاح غداة تزوجت بيض الملاح فقالوا لي تزوج ذات دل خلوب اللحط جائلة الوشاح ضحوكاً عن مبصرة رقاق تمج الراح بالماء القراح كأن لحاظها رشقات نبل تذيق القلب آلام الجراح ولا عجب إذا كانت لحاظ لبيضاء المحاجر كالرماح فكم قتلت كمياً ذابلات ضعيفات الجفون بلا سلاح فقلت لهم دعوني إن قلبي من الغي الصراح اليوم صاح ولي شغل بأبكار عذارى كأن وجوهها غرر الصباح يقصد الكتب والمسائل العلمية.
أراها في المهارق لابسات براقع من معانيها الصحاح أبيت مفكراً فيها فتضحى لفهم الفدم خافضة الجناح أبحت حريمها جبراً عليها وما كان الحريم بمستباح فهذه إشارة عابرة إلى مظاهر علو همة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في طلب العلم وشدة حرصهم على طلب العلم.
следующие страницы →