← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37002

سلسلة علو الهمة - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (305 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حرص عبيد بن يعيش وداود الطائي على طلب العلم يقول عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث. وكان داود الطائي يستف الفتيت -وهو بقايا الخبز وفتاته-، فما كان يأكل لقمة الخبز الكبيرة، وإنما كان يستف الفتيت، فيضعه في يده ويتناوله بلسانه، فيقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. يقارن بين الوقت الذي يستغرقه إذا تناول الفتيت، والوقت الذي يستغرقه إذا أكل خبزاً وأراد أن يقطعه ويمضغه جيداً، فوجد أن بينهما قدر قراءة خمسين آية، فيقول: أكسب الخمسين آية وأوفر هذا الوقت. فكان يستف الفتيت.

стр. 177

حرص ابن عقيل على طلب العلم قال الإمام الجليل ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي. وابن عقيل له كتاب مشهور جداً اسمه الفنون، يقول عنه بعضهم: هو في سبعمائة مجلد. يقول ابن عقيل: وأنا أقصر بغاية جهدي وقت أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ. يعني إذا استف الكعك فإن وقت بلعه سريع، بينما الخبز إذا مضغه فإنه يأخذ وقتاً أطول، فيتحسى الكعك ويشرب الماء بعده مباشرة توفيراً للوقت على مطالعة أو تسطير فائدة.

стр. 178

حرص شعبة والشعبي على طلب العلم ذكروا لـ شعبة حديثاً روي عن شيخ، وهذا الشيخ توفي فلم يسمعه منه مباشرة، فلما ذكر له هذا الحديث وهو لم يسمعه من هذا الشيخ جعل شعبة رحمه الله تعالى يتحسر ويقول: واحزناه، واحزناه، واحزناه! يقول شعبة: إني لأذكر الحديث يفوتني فأمرض. أي: يحاول أن يستذكر الحديث، فإذا لم يتذكره يصيبه المرض من شدة الحزن على ذلك. قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟! قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب. وكان من حرصهم على العلم ومجالسه أنك تجدهم يعدون في الطرقات كأنهم مجانين، يقول شعبة رحمه الله تعالى: ما رأيت أحداً قط يعدو إلا قلت: مجنون أو صاحب حديث. يعني: إما مجنون لا يبالي بأن يعدو في الطريق، أو صاحب حديث تأكله الغيرة على الوقت، فيجري بسرعة حتى يوفر الوقت. يقول الحافظ أبو إسماعيل الهروي الأنصاري رحمه الله تعالى: المحدث يجب أن يكون سريع المشي، سريع الكتابة، سريع القراءة. وبعض العلماء قال: يمكن أن يزاد: سريع الأكل. قال سحنون: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع. وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: حدثنا شيخنا الكناني عن أبه صاحب الخطابه أسرع أخا العلم في ثلاث الأكل والمشي والكتابه وعن عبد الرحمن ابن تيمية قال عن أبيه: كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمعك.

стр. 179

حرص محمود شكري الألوسي على طلب العلم العلامة الكبير أبو المعالي محمود شكري الألوسي البغدادي الحكيم رحمه الله تعالى عالم كبير من علماء المنهج السلفي الذين نافحوا عنه أشد المنافحة، وانتصر له أعظم انتصار في كتاب مشهور اسمه: (غاية الأماني في الرد على النبهاني). كان يمتاز بالجد الشديد، والحرص على الوقت، فكان لا يثنيه عن دروسه حمارة القر، ولا يؤخره قرس برد الشتاء، وكثيراً ما تعرض تلاميذه بسبب تأخرهم عن موعد الدرس إلى النقد والتعنيف، يقول عنه تلميذه العلامة الجليل السلفي الشيخ بهجت الأثري رحمه الله تعالى: أذكر أنني انقطعت عن حضور درسه في يوم مزعج شديد الريح غزير المطر كثير الوحل، ظناً مني أن الشيخ لن يحضر إلى الدرس، فلما حضرت في اليوم الثاني إلى الدرس صار ينشد بلهجة غضبان يعاتبه: ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد. يعاتبه بذلك.

стр. 180

حرص الأمين الشنقيطي على طلب العلم العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى من نوادر النابغين والعباقرة في هذا الزمان، قال عنه بعض الإخوة: هذا الرجل قذيفة قذفت من القرون الأولى واستقرت في القرن الرابع عشر الهجري، فقد كان يشبه علماء السلف في أحواله، وفي علمه، وفي ملكته. ذكر العلامة القرآني رحمه الله تعالى عن نفسه أنه قدم على بعض المشايخ ليدرس عليه، وقد كان الشيخ الشنقيطي صبياً صغيراً، ونظام طلب العلم في شنقيط -وهي موريتانيا- أن الشيخ ينزل في مكان في الصحراء ويتخذ خيمة هناك، ثم يأتي الطلبة إليه ويضربون الخيام حول خيمته، ويتفرغون تماماً للعلم الذي سيتلقونه من هذا الشيخ، فإذا فرغوا منه انتقلوا إلى غيره في الصحراء. فذهب وهو طفل صغير إلى الشيخ ليدرس عليه كتاب لامية الأفعال، وأولها: الحمد لله لا أبغي به بدلاً. فلما قدم الشنقيطي وهو طفل صغير على الشيخ ونزل عليه لم يكن الشيخ يعرفه من قبل، فأمام ملأ من التلامذة سأله: من أنت؟ فقال مرتجلاً: هذا فتى من بني جاكان قد نزلا به الصبا عن لسان العرب قد عدلا رمت به همة علياء نحوكم إذ شام برق علو نوره اشتعلا فجاء يرجو ركاماً من سحائبه تكسو لسان الفتى أزهاره حللا إذ ضاق ذرعاًَ بجهل النحو ثم أبى أن لا يميز شكل العين من فعلا وقد أتى اليوم صباً مولعاً كلفًا للحمد لله لا أبغي به بدلا فارتجل هذه الأبيات بمجرد أن سأله الشيخ: من أنت؟! مضى رحمه الله تعالى في طلب العلم قدماً، وقد ألزمه بعض مشايخه بالقران، أي: أن يقرن بين فنين؛ لأنهم كانوا يهتمون جداً بتخصص الطالب وتركيزه على علم واحد حتى يتقنه ثم يتحول إلى علم آخر، لكن الشنقيطي خاصة نصحه بعض مشايخه -لما رأى فيه النجابة والذكاء والعبقرية- أن يقرن بين علمين؛ لأن طاقته وقدرته تؤهله لذلك، كي يسرع في تحصيل العلم، فقد تفرس فيه القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عالية في الدرس والتحصيل رحمه الله تعالى. حتى إن بعض مشايخه لما رأى عليه أمارة النجابة والعبقرية قال له: يا بني! إن العلماء يذهبون إلى أن من أنس من نفسه أمارات الذكاء والنباهة والنبوغ فإنه يتعين عليه طلب الإمامة في الدين. يعني: يجب عليه أن يجتهد في طلب العلم حتى يصير إماماً. قال رحمه الله تعالى في كتابه (رحلة الحج): ومما قلت في شأن طلب العلم، وقد كنت في زمن الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج؛ لأنه ربما عاق عنه، فلما طال اشتغالي بطلب العلم قال لي بعض الأصدقاء: إما أن تتزوج الآن من تصلح لك، وإلا تزوجت عنك ذوات الحسب والجمال، ولن تجد من تصلح لمثلك. يريد أن يثنيني عن طلب العلم، فقلت في ذلك هذه الأبيات: دعاني الناصحون إلى النكاح غداة تزوجت بيض الملاح فقالوا لي تزوج ذات دل خلوب اللحط جائلة الوشاح ضحوكاً عن مبصرة رقاق تمج الراح بالماء القراح كأن لحاظها رشقات نبل تذيق القلب آلام الجراح ولا عجب إذا كانت لحاظ لبيضاء المحاجر كالرماح فكم قتلت كمياً ذابلات ضعيفات الجفون بلا سلاح فقلت لهم دعوني إن قلبي من الغي الصراح اليوم صاح ولي شغل بأبكار عذارى كأن وجوهها غرر الصباح يقصد الكتب والمسائل العلمية. أراها في المهارق لابسات براقع من معانيها الصحاح أبيت مفكراً فيها فتضحى لفهم الفدم خافضة الجناح أبحت حريمها جبراً عليها وما كان الحريم بمستباح فهذه إشارة عابرة إلى مظاهر علو همة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في طلب العلم وشدة حرصهم على طلب العلم.

стр. 181

علو همة السلف في قراءة كتب الحديث في أيام قليلة من علو همة السلف: قراءة كتب الحديث في أيام قليلة. جاء في ترجمة المجد الفيروز أبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيام بدمشق، وأنشد: قرأت بحمد الله جامع مسلم بجوف دمشق الشام جوف الإسلام عن ناصر الدين الإمام ابن جهبل بحضرة حفاظ مشاهير أعلام وتم بتوفيق الإله وفضله قراءة ضبط في ثلاثة أيام وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب وهو يعرض بنسخته. وفي تاريخ الذهبي في ترجمة إسماعيل بن أحمد النيسابوري الضرير ما نصه: وقد سمع عليه الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثالث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر. قال الذهبي: وهذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه. وقال الحافظ السخاوي: وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه المجد اللغوي؛ فإنه قرأ صحيح البخاري في أربعين ساعة رملية. وقرأ ابن حجر صحيح مسلم في أربعة مجالس في يومين، وقرأ سنن ابن ماجة في أربعة مجالس، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس، كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات. ثم قال السخاوي: وأسرع شيء وقع له -أي: لـ ابن حجر - أنه قرأ في رحلته الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، وهو يحتوي على ألف وخمسمائة حديث.

стр. 182

علو همة السلف في الرحلة في طلب العلم ومن مظاهر علو همة السلف في طلب العلم علو همتهم في الرحلة لطلب العلم. فقد ذكر لإمام البخاري رحمه الله تعالى أن جابر بن عبد الله رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن عامر في مصر ليروي عنه حديثاً، وذلك ليتلقاه منه مباشرة بسند عالٍ، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث، وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعاً. ونحن في هذا الزمان نرى الذي يسافر للحج عن طريق البر يقول: لقد صبرت وعانيت! فتخيل أن أبا أيوب يسافر بجمل حتى يأتي عقبة بن عامر ويأخذ منه الحديث، ولا يحل الرحل والأشياء التي تكون على الراحلة، وإنما يسمع الحديث ثم يرجع إلى المدينة. وقال مالك: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. وقال أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري: كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ ونحن في البصرة، فما نرضى حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم. وقال الحافظ ابن كثير في ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى: رحل -أي البخاري - إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ، قال الفربري: سمع الصحيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفاً، لم يبق منهم أحد غيري. وروي عن الرازي ما يدهش اللب من علو الهمة في الرحلة لتحصيل العلم، إذ قال: أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ -والفرسخ ثلاثة أميال-، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة في فلسطين ماشياً، ثم إلى طرسوس ولي عشرون سنة. يقول الشاعر: سأضرب في طول البلاد وعرضها أنال مرادي أو أموت غريبا فإن تلفت نفسي فلله درها وإن سلمت كان الرجوع قريبا ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب والأندلس إلا برجال رحلوا إلى الشرق، ولاقوا في رحلاتهم عناءً ونصباً، مثل أسد بن الفرات، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العربي رحمهم الله تعالى أجمعين.

стр. 183

علو همة السلف في صبرهم على الفقر في سبيل طلب العلم من مظاهر علو همة السلف في طلب العلم صبرهم على الفقر ومعاناة الفقر في سبيل طلب العلم، وقد زخرت كتب الأدب والتراجم والتاريخ والأخلاق بأقوال العلماء في فقرهم وغربتهم وصبرهم على شدائدهم الخانقة، واستهانتهم بها، وعدم اكتراثهم لها، تمسكاً منهم بمثوبة الصبر المحتسب فيه الأجر، والذي كانوا فيه من الفائزين. فهذا قائل منهم يقول سائلاً عن مسكن الفقر ومنزله: قلت للفقر أين أنت مقيم قال لي في عمائم الفقهاء إن بيني وبينهم لإخاء وعزيز علي ترك الإخاء وآخر يجعل الفقه هو الفقر بعينه، إنما استدارت راء الفقر فصارت هاءً، وصار الناس ينطقونها (الفقه)، وأصلها (الفقر)، فيقول مشيراً إلى التلازم بين الفقه والفقر: إن الفقيه هو الفقير وإنما راء الفقير تجمعت أطرافها وهذا الإمام الشافعي ﵀ يستهين بسطوة الفاقة، ويكسر جبروتها بصبره الذي غلبها، فيقول فيما نسب إليه رحمه الله تعالى يخاطب جبال سرنديب -وسرنديب جزيرة كبيرة في أقصى الهند في المشرق- ويخاطب تكرور -وهي مدينة في أقصى المغرب-: أمطري لؤلؤاً جبال سرنديب وفيضي آبار تكرور تبراً أنا إن عشت لست أعدم قوتاً ولئن مت لست أعدم قبراً همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرا والتبر هو الذهب. وقال عمر بن حفص الأشقر: فقدنا البخاري أياماً من كتابة الحديث في البصرة، فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفد ما عنده، ولم يبق معه شيء، فجمعنا له دراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث رحمه الله تعالى. وقال مالك ﵀: لا ينال هذا الأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر. وقال ابن القاسم: أفضى بـ مالك طلب الحديث إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه. باع الإمام مالك كل شيء في سبيل طلب الحديث الشريف. ويحيى بن معين رحمه الله تعالى خلف له أبوه ألف ألف درهم -أي: مليون درهم-، فأنفقها كلها في تحصيل الحديث، حتى لم يبق له نعل يلبسه. وروي عن أبي حاتم أنه قال: ضاقت بنا الحال أيام طلب العلم، فعجزت عن شراء البزر -والبزر نوع من الحب-، فكنت أخرج الليل إلى الدرب الذي أنزله فأرتفق بسراج الحارس، وكان ربما ينام الحارس فكنت أنوب عنه. لأنه ليس عنده ما يشتري به زيتاً يستضيء به، فكان يذهب في الليل ليكتب على مشاعل الحارس.

стр. 184

علو همة السلف في معاناتهم الجوع والشدائد في طلب العلم ومن علو همة السلف معاناتهم الجوع والمرض والشدائد والمخاطرة بالنفس في طلب العلم. قص الإمام أبو حاتم رحمه الله تعالى شيئاً مما لقيه في أثناء رحلته في طلب العلم فقال ﵀: لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار، وركبنا البحر، وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير المروروذي شيخ، وآخر نيسابوري، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد، وبقيت بقية، فخرجنا إلى البر، فجعلنا نمشي أياماً على البر حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء، فمشينا يوماً وليلة لم يأكل أحد منا شيئاً، ولا شربنا، واليوم الثاني كذلك، واليوم الثالث كذلك، كل يوم نمشي إلى الليل، فإذا جاء المساء صلينا وألقينا بأنفسنا حيث كنا، وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ مغشياً عليه، فجئنا نحركه وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا أنا وصاحبي النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين فضعفت وسقطت مغشياً علي، ومضى صاحبي وتركني، فلم يزل يمشي حتى أبصر من بعيد قوماً قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى ﵇، فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم، فجاءوه ومعهم الماء في إداوة، فسقوه وأخذوا بيده، فقال لهم: رفيقين لي قد ألقيا بنفسيهما مغشياً عليهما، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني فقلت: اسقني. فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئاً يسيراً. وأخذ بيدي، فقلت: ورائي شيخ ملقى. قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة، فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي ويسقيني شيئاً بعد شيء. وكان من عادة العرب أن الإنسان عندما يكون في حالة عطش شديد، أو كان في مجاعة ومكث مدة كبيرة جداً حتى كاد يموت من العطش أنهم يأتون بالماء ويضيفون إليه التبن، حتى لا يتمكن من شرب الماء بشكل متواصل؛ لأنه يحتاج إلى إزالة التبن من الماء أثناء شربه، وهذا الأمر كان يفعل منذ القدم. يقول: فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي ويسقيني شيئاً بعد شيء، حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم، وأتوا برفيقي الثالث الشيخ، وأحسنوا إلينا، فبقينا أياماً حتى رجعت إلينا أنفسنا، ثم كتبوا لنا كتاباً إلى مدينة يقال لها: (راية) إلى واليهم، وزودونا من الكعك والسويق والماء، فلم نزل نمشي حتى نفد ما كان معنا من الماء والسويق والكعك، فجعلنا نمشي جياعاً عطاشاً على شط البحر، حتى وقعنا على سلحفاة قد رمى به البحر مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة فانفلق ظهره، وإذا فيها مثل صفرة البيض، فأخذنا بعض الأصداف الملقاة على شط البحر فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر فنتحساه حتى سكن عنا الجوع والعطش. ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم، فأنزلنا في داره وأحسن إلينا، وكان يقدم إلينا كل يوم القرع، وكان يتكلم الفارسية، فكان كل يوم يقول للخادم: هات لهم اليقطين المبارك -أي: كان عنده شيء من البخل، فما كان يعطيهم إلا اليقطين الذي هو القرع-، قال: فقدم إلينا ذلك اليقطين مع الخبز أياماً، فقال واحد منا بالفارسية: ألا تدعو باللحم المشئوم؟! فسمع صاحب الدار، فسأله فقال: أنا أحسن الفارسية؛ فإن جدتي كانت هروية. فأتانا بعد ذلك باللحم، ثم خرجنا من هناك وزودنا إلى أن بلغنا مصر. وكل هذه الرحلة كانت في سبيل طلب العلم. وقال بكر بن حمدان المروزي: سمعت ابن خراش يقول: شربت بولي في طلب هذا الشأن -يعني طلب الحديث- خمس مرات. يعني: وصل به الحال من المجاعة إلى أنه كان ينقذ حياته بأن يشرب بول نفسه خمس مرات في طلب الحديث، وذلك أنه كان يمشي في الفلوات والقفار لتحصيل الحديث وتلقيه عن أهله، فيناله العطش الشديد في طريقه. يقول الشاعر: تلوم علي أن رحت للعلم طالبا أحصّل من عند الرواة فنونه فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه وقال الوخشي أبو علي الحسن: كنت بعسقلان أسمع من ابن مصحح وغيره، فضاقت علي النفقة، وبقيت أياماً بلا أكل، فأخذت لأكتب فعجزت، فذهبت إلى دكان خباز وقعدت بقربه لأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم فتح الله تعالى علي. فانظر إلى شدة الجوع الذي كانوا يلاقونه في سبيل طلب العلم، يرحلون ويبيعون كل ما لديهم في سبيل طلب العلم؛ لأنهم أحصروا في طلب الحديث، ولم يتفرغوا لطلب الرزق. ويقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجوا كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله ﷺ وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه والتابعين. يقول البارودي: ومن تكن العلياء همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محبب

стр. 185

علو همة السلف في معاناتهم السهر في طلب العلم من ملامح علو همة السلف في طلب العلم معاناتهم السهر في طلب العلم. قيل لبعض السلف: بم أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وقيل ذلك لآخر فقال: بالسفر، والسهر، والبكور في السحر. قال الخطيب البغدادي: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل. وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعة منهم يبدءون من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح. وبادر الليل بما تشتهي فإنما الليل نهار الأريب وكان الشيخ أبو علي يكشف عن ظهره في الليلة الباردة يطرد به النوم. وكان محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لا ينام الليل، كان عنده الماء يزيل نومه به، وكان يقول: إن النوم من الحرارة، فلابد من دفعه بالماء البارد. وذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمس عشرة سنة من دراسة، وخمس عشرة سنة من عبادة. يقول الشاعر: يهوى الدياجي إذا المغرور أغفلها كأن شهب الدياجي أعين نجل أي: أعين واسعة. وحكى الربيع عن فاطمة بنت الشافعي قالت: أسرجت لأبي في ليلة سبعين مرة. وأبوها هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ففي ليلة من الليالي أيقظ ابنته ليكتب شيئاً ثم نام ثم استيقظ ثانية، وهذا نوع من الأرق المحمود، فلا يستطيع النوم لشدة شغفه بالعلم. قال الحافظ ابن كثير: كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج فيكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريباً من عشرين مرة. وأسد بن الفرات هو قاضي القيروان، وتلميذ الإمام مالك، ومدون مذهبه، وهو أحد القادة الفاتحين، فتح صقلية واستشهد بها سنة (٢١٣) من الهجرة ﵀، كان قد خرج من القيروان إلى الشرق سنة (١٧٢) من الهجرة، فسمع الموطأ على مالك بالمدينة، ثم رحل إلى العراق فسمع من أصحاب أبي حنيفة وتفقه عليهم، وكان أكثر اختلافه إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولما حضر عنده قال له: إني غريب قليل النفقة، فما حيلتي؟! فقال له محمد بن الحسن: اسمع من العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، تبيت عندي وأسمعك. قال أسد: فكنت أبيت عنده وينزل إلي، ويجعل بين يديه قدحاً فيه الماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ونعست ملأ يده ونفح وجهي بالماء فأنتبه، فكان ذلك دأبه ودأبي، حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه. وكان محمد بن الحسن يتعهده بالنفقة كلما علم أن نفقته نفذت، وأعطاه مرة ثمانين ديناراً حين رآه يشرب من ماء السبيل، وأمده بالنفقة حين أراد الانصراف من العراق. وقال عبد الرحمن بن قاسم العتقي المصري أحد أصحاب مالك والليث وغيرهما: كنت آتي مالكاً غلساً -يعني: في آخر الليل- فأسأله عن مسألتين أو ثلاث أو أربع، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتيه كل سحر، فتوسدت مرة عتبته، فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فركضتني جارية سوداء له برجلها، وقالت لي: إن مولاك قد خرج، ليس يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة. فظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه إليه. قال ابن القاسم: أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة، ما بعت فيها ولا اشتريت شيئاً. قال: فبينما أنا عنده إذ أقبل حاج مصر، فإذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك فقال: أفيكم ابن القاسم؟! فأشير إلي، فأقبل يقبل عيني، ووجدت منه ريحاً طيبة، فإذا هي رائحة الولد وإذا هو ابني. وكان ابن القاسم ترك أمه حاملاً به، وكانت ابنة عمه، وقد أخبرها عند سفره بطول إقامته وخيرها، فاختارت البقاء. قال أبو يعلى الموصلي: اصبر على مضض الإدلاج بالسحر وبالرواح على الحاجات والبكر لا تعجزن ولا يضجرك مطلبها فالنجح يتلف العجز والضجر أي أن النجاح يتبخر ويضيع بين العجز والضجر. إني رأيت وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر فقل من جد في أمر يطالبه واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وحكى شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى عن شيخه الإمام الجليل أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي قال: سمعت الشيخ عبد العظيم ﵀ يقول: كتبت بيدي تسعين مجلداً، وكتبت سبعمائة جزء. كل ذلك من علوم الحديث. قال النووي: قال شيخنا: ولم أر ولم أسمع أحداً أكثر اجتهاداً منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار. قال: وجاورته في المدرسة -يعني: في القاهرة- بيتي فوق بيته اثنتي عشرة سنة، فلم أستيقظ في ليلة من الليالي في ساعة من ساعات الليل إلا وجدت ضوء السراج في بيته وهو مشتغل بالعلم. حتى في حال الأكل تكون الكتب عنده يشتغل فيها، فالنور الذي يعلو أهل العلم إنما هو من أثر الجد والسهر في طلب العلم، يقول بعض العلماء في وصف أبي محمد المقدسي: كأن النور يخرج من وجهه، وضعف بصره من كثرة الكتابة والبكاء. وقال الزمخشري واصفاً تلذذ العلماء بإيقاظ ليلهمن وطول سهرهم: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق وتمايلي طرباً لحل عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساق وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي أأبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي والدوكاء: الحجر الذي يسحق به الطيب. قال النووي رحمه الله تعالى وهو يحكي عن أوائل طلبه للعلم: وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض. بقي سنتين لم يضع جنبه على الإطلاق على الأرض، وإنما كان ينام وهو جالس، ثم لا يلبث أن يستيقظ للاستمرار في طلب العلم. وحكى البدر بن جماعة أنه سأله رحمه الله تعالى عن نومه فقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه. وقال البدر: وكنت إذا أتيته أزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكاناً أجلس فيه. فما كان الزائر يجد مكاناً يجلس فيه من كثرة الكتب التي يطالعها. وهذا الإمام الشيخ مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله تعالى أخذ كتاب الإمام أحمد مرتباً عن المحب الصامت، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي وأجهد نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء مصنفاً ليس له نظير في العالم، وأكمله إلا من بعض مسند أبي هريرة فإنه مات قبل أن يكمله؛ لأنه عوجل بكف بصره، أي أن الإمام ابن كثير قل بصره من كثرة سهره في طلب العلم. يقول الذهبي عن ابن كثير: إنه قال له: ما زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص -يعني: يخفت الضوء ثم يعود مرة ثانية- حتى ذهب بصري معه، ولعل الله يقيض من يكمله. وممن اشتهر بالسهر في طلب العلم الإمام الجليل تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وقد رحل إلى الفسطاط والقاهرة والإسكندرية ودمشق والحجاز، وأخذ العلم عن كبار أساتذة عصره، وتعمق في مذهبي مالك والشافعي، كما تعمق في علوم الحديث والتفسير وعلم الكلام والنحو والأدب، وأتقن وهو شاب المذهبين إتقاناً عظيماً، وبلغ إلى درجة الإفتاء بهما. يقول الإسنوي: حقق المذهبين معاً، يعني مذهب مالك والشافعي، ولذلك مدحه الشيخ ركن الدين بن القوبع المالكي بقصيدة من جملتها: صبا للعلم صباً في صباه يعني: مال وأحب وعشق العلم في فترة الصبا. يقول: صبا للعلم صباً في صباه فأعل بهمة الصب الصبي وأتقن والشباب له لباس أدلة مالك والشافعي كان رحمه الله تعالى منقطعاً للعلم والعبادة، فكان لا ينام من الليل إلا قليلاً، وكانت أوقاته معمورة بالدرس والمطالعة والتحصيل أو الإملاء والتأليف ورواية الحديث، وإذا أراح نفسه من بعض ذلك العناء فلا يرى إلا قائماً يصلي في المحراب، أو جالساً يتلو كلام الله، أو ماشياً يتفكر في خلق الله متدبراً صنعه، مستدلاً بذلك على قدرة الله ووحدانيته، فهو منصرف بجسمه وفكره سواد ليله وبياض نهاره إلى البحث والتحقيق والاستنباط والتدقيق، أو الصلاة والقيام وتقديس الله الملك العلام. وأصدق مرآة لحياته قوله: الجسم يذيبه حقوق الخدمة والقلب عذابه علو الهمة والعمر بذاك ينقضي في تعب والراحة ماتت فعليها الرحمة يقول السبكي في حاله: أما دأبه في الليل علماً وعبادة فأمر عجاب، فربما استوعب الليل فطالع فيه المجلد أو المجلدين، وربما تلا آية واحدة فكررها إلى مطلع الفجر. وقال الأدفوي: حكى لي الشيخ زين الدين عمر الدمشقي المعروف بـ ابن الكتابي رحمه الله تعالى قال: دخلت عليه بكرة يوم فناولني مجلداً وقال: هذا طالعته في هذه الليلة التي مضت. وقال الأدفوي أيضاً: له قدرة على المطالعة، رأيت خزانة المدرسة النجيبية بقوص فيها كتب من جملتها عيون الأدلة لـ ابن القصار في نحو ثلاثين مجلداً، وعليها علامات له. وكذلك رأيت كتب المدرسة السابقية، رأيت على السنن الكبرى للبيهقي له فيها في كل مجلد علامة، وفي تاريخ الخطيب كذلك، وفي معجم الطبراني الكبير والأوسط. وقال: أخبرني شيخ

стр. 186

علو الهمة [١٢] إن رأس مال الإنسان هو عمره، وإن أولى ما يصرف فيه المرء رأس ماله هو طلب العلم وتحصيله، فينبغي لمن وجد في نفسه الهمة للطلب ألا يضيع عمره في غير ذلك، وأن يستغله أحسن استغلال، وأن يكون ذا همة عالية في ذلك، والصبر عليه، مقتدياً في ذلك بجهابذة العلماء الذين بلغوا الذروة في علو الهمة في تحصيل العلم.

стр. 187

حرص السلف الصالح على مجالس العلم والعلماء فحديثنا -بإذن الله تعالى- عن حرص السلف ﵏ على الحضور في مجالس العلم والمثابرة على ذلك، فإن من رحمة الله بهذه الأمة أن ألقى في قلوب سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى الشغف بالعلم، والحرص على مجالسه، ليحفظوا به دينهم، وليكونوا أسوة لمن بعدهم، فمن ثمّ تبوءوا مناصب الإمامة في الدين. وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يزدحمون على مجالس العلم، حتى قال جعفر بن درستويه: كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غد. يعني أن من أراد أن يحجز مكاناً أو موضعاً في مكان الدرس ليوم الجمعة -مثلاً- فإنه يبقى في المسجد من عصر الخميس، ويظل مرابطاً في مكانه إلى اليوم التالي؛ لأن الدرس سيكون في اليوم الثاني بعد العصر؛ لأنه قبل ذلك لا يجد مكاناً، وهذا من شدة حرصهم وتزاحمهم على الحضور في مجالس العلم. يقول: كنا ندخل المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غد، فنقعد طول الليل مخافة أن لا نلحق من الغد موضعاً نسمع فيه. يقول جعفر بن درستويه: ورأيت شيخاً في المجلس يبول في طيلسانه ويدرج الطيلاسان حتى فرغ، مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول. وقال يحيى بن حسان: كنا عند سفيان بن عيينة وهو يحدث، فازدحمت فرقة من الناس على محل شيخ ضعيف فانتهبوه. أي: من شدة حرصهم على طلب العلم، وهم شباب أقوياء وهو رجل ضعيف ظلوا يزيحونه حتى انتهبوا منه مكانه الذي يجلس فيه، ودقوا يد الشيخ، فجعل الشيخ يصيح. وكان طبعاً الإمام سفيان بن عيينة يحدث، والمكان فسيح جداً، والزحام شديد للغاية، فجعل هذا الشيخ يصيح، ويقول لـ سفيان: لا جعلتك مما عملوا بي في حل. يعني: أنا لا أسامحك -يا سفيان - مما عملوا بي؛ لأنه حصل بسبب حرصهم على هذا الدرس، فأنت المسئول عن أن تنصفني من الظلم الذي وقع عليَّ. فجعل هذا الشيخ -ليلفت نظر سفيان بن عيينه إليه- يقول لـ سفيان: لا جعلتك مما عملوا بي في حل. وذلك ليلفت نظر سفيان بن عيينة إليه وتبلغه ظلامته، وكان سفيان لا يسمع، حتى نظر سفيان بن عيينة إلى رجل من أولئك الذين صنعوا بالشيخ ما صنعوا، فقال له: ما يقول الشيخ؟ فقال: يقول: زدنا في السماع. وأظن أنه حصل في الرواية نوع من التأليف؛ لأنه ليس من اللائق بطالب العلم أن يكذب، ولا يمكن لطالب علم -وخاصة طالب علم الحديث- أن يكذب، فالله تعالى أعلم، وكأنه عرَّض على الإمام سفيان، أي: لما قال له: ما يقول الشيخ؟ قال له: زدنا في السماع. ففهم ابن عيينة أن هذه مقولة الشيخ الضعيف؛ ولم يكذب هذا الذي رد عليه، وإنما قال له: زدنا في السماع. ففهم ابن عيينة أنه يبلغه مقولة الشيخ، وهو في الحقيقة لا يبلغه مقولة الشيخ، وإنما يعرَّض بجوابه بأن قال له: زدنا في السماع. والله تعالى أعلم. وكان سبب موت الإمام هشيم رحمه الله تعالى ازدحام طلبة العلم عليه، كما قال الخطابي: ازدحم أصحاب الحديث على هشيم فطرحوه عن حماره، فكان هذا سبب موته. وكان أبو بكر بن الخياط النحوي رحمه الله تعالى يدرس جميع أوقاته، حتى في الطريق، وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة؛ لأنه كان وهو يمشي في الطريق يستذكر الكتب.

стр. 188

أهمية إيقاظ الهمم في الاقتداء بالسلف في الحرص على طلب العلم إننا حين نحكي بعض النماذج منهمم السلف لا نقصد بذلك الاقتداء بهم حذو القذة بالقذة، ولكن لإيقاظ الهمم الراقدة في هذا الزمان، فالمقصود تحريك هذه الهمم، فلا نقول: اسهروا الليل كله، وامشوا في الطريق وإن صدمتكم السيارات. وإنما نقول: احضروا مجالس العلم، وفي المساجد، حتى في البيوت، فلابد من أن يكون للإنسان حظ من الاجتهاد في تحصيل هذه المقاصد، وإن لم يصل إلى هذه المرتبة. وحكي عن ثعلب أنه كان لا يفارقه كتاب يدرسه، فإذا دعاه رجل إلى دعوة - أي: دعوة طعام- شرط عليه أن يوسع له مقدار مسورة، والمسورة هي المتكأ من الجلد، يعني: مثل الوسادة من جلد تتسع لشخص. فكان يشترط على بعضهم إذا دعاه إلى طعام أو وليمة أن يوسع له في الوليمة مقدار مسورة يضع فيه كتاباً ويقرأ. أي: في أثناء حضورة في الوليمة يضع في هذا المكان الذي يحجزه له كتاباً ويقرأ فيه، وقد يحتمل أن تكون هذه القراءة أثناء الأكل، ويحتمل أنها قبل الأكل أو بعده. وإننا لنرى اليوم أن الولائم تضيع فيها ساعات طوال، وأهل بعض البلاد نجد أن كرم الضيافة عندهم يقتضي إهدار الوقت بصورة تدمي القلب، فأول شيء أنهم يجلسون ويتجمعون، وقد يستغرق ذلك -مثلاًً- نصف ساعة، والمواعيد ليس فيها دقة، ثم بعد ذلك يبدأ تبخير الحاضرين بالبخور، ثم بعد ذلك يؤتى بنوع معين من القهوة فاتح للشهية، ثم بعد ذلك يقدمون التمر مع هذه القهوة، ثم بعد ذلك يقدم الطعام، ثم بعد ذلك تقدم الفواكه، وهكذا الشاي، وإنه لشيء مؤلم جداً أن يضيع هذا الوقت، ويكون -أيضاً- طلبة علم يجودون بأوقاتهم بهذه الصورة، فهذا شيء لا يكاد يصدق! فالشاهد أن الإمام ثعلب رحمه الله تعالى كان إذا حضر دعوة اشترط خوفاً من ضياع الوقت بهذه الصورة أن يُحجز بجانبه مكان بقدر متكأ من الجلد، حتى يضع عليه كتاباً ويظل يقرأ في أثناء هذه الوليمة، فهل سمعنا حرصاً على العلم أشد من هذا الحرص؟! وكان سبب وفاة ثعلب أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم، فلا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله على تلك الحال، وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم رحمه الله تعالى.

стр. 189

علو همة بقي بن مخلد في الرحلة في طلب العلم أنه يلزمنا بدلاً من أن نحشو أدمغة أبنائنا وشبابنا بقصص مفكري الشرق والغرب والملاحدة والكفرة من اليهود والنصارى أن نلقنهم مثل هذا القصص الرائع، فعندنا ما يغنينا عن زبالة أذهان هؤلاء الناس. فهذا الإمام بقي بن مخلد الأندلسي رحمه الله تعالى رحل إلى بغداد ماشياً على قدميه. فهل تتصور أن رجلاً يرحل من الأندلس إلى بغداد ماشياً على قدميه في طلب العلم؟! لقد رحل هذا الإمام من الأندلس إلى بغداد ماشياً على قدميه، وكان جل بغيته أن يلقى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ليأخذ عنه العلم، حكي عنه أنه قال: لما قربت من بغداد اتصل بي خبر المحنة التي دارت على أحمد بن حنبل. أي: علم أن الإمام أحمد كان في أثناء امتحانه المحنة المعروفة عنه، وكان الإمام أحمد في المرحلة التي هي تحديد الإقامة، والتي كان فيها ممنوعاً من الخروج لمقابلة الناس، ولا يقابله أحد. قال: اتصل بي خبر المحنة التي دارت على الإمام أحمد، وأنه ممنوع من الاستماع إليه والسماع منه، فاغتممت بذلك غماً شديداً، فاحتللت الموضع، فلم أعرج على شيء بعد إنزالي متاعي في بيت اكتريته في بعض الفنادق أن أتيت المسجد الجامع الكبير، وأنا أريد أن أجلس إلى الخلق وأسمع ما يتذاكرونه. فدفعت إلى حلقة نبيلة، فإذا برجل يكشف عن الرجال، فيضعف ويقوي، فقلت لمن كان قربي: من هذا؟ قال: هذا يحيى بن معين ﵀، فرأيت فرجة قد انفرجت قربه، فقمت إليه، فقلت له: أبا زكريا! رحمك الله، رجل غريب نائي الدار -يعني: بعيد الدار- أردت السؤال، فلا تستخفني. فقال لي: قل. فسألته عن بعض من لقيت من أهل الحديث، فبعضاً زكى وبعضاً جرح، فسألته في آخر السؤال عن هشام بن عمار، وكنت قد أكثرت من الأخذ منه، فقال - الإمام يحيى بن معين رحمه الله تعالى-: أبو الوليد هشام بن عمار صاحب صلاة، دمشقي ثقة، وفوق الثقة، لو كان تحت ردائه كبر وتقلد كبراً ما ضره شيئاً لخيره وفضلة. فصاح أهل الحلقة: يكفيك رحمة الله عليك، غيرك له سؤال! فقلت وأنا واقف على قدمي: أكشفك عن رجل واحد. يعني: أعطني فرصة أسألك عن رجل واحد فقط. قال: أكشفك عن رجل واحد أحمد بن حنبل! فنظر إلي يحيى بن معين كالمتعجب، وقال لي: ومثلنا نحن يكشف عن أحمد بن حنبل؟! إن ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم. ثم خرجت استدل على منزل أحمد بن حنبل فدللت عليه، فقرعت بابه، فخرج إلي وفتح الباب، فنظر إلى رجل لم يعرفه، فقلت: يا أبا عبد الله! رجل غريب الدار، هذا أول دخولي هذا البلد، وأنا طالب حديث، ومقيد سنة -يعني: جامع سنة-، ولم تكن رحلتي إلا إليك. فقال لي: ادخل الأسطوان، ولا تقع عليك عين. يعني: راقب الطريق جيداً، فالمهم أن لا يراك أحداً وأنت تدخل. فقال لي: وأين موضعك -يعني: أين بلدك- فقلت: المغرب الأقصى، فقال لي: إفريقية؟ فقلت: أبعد من ذلك، أجوز من بلدي البحر إلى أفريقية. أي: من الأندلس، فقال لي: إن موضعك لبعيد، وما كان شيء أحب إلي من أن أحسن عون مثلك على طلبه، غير أني في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك. فقلت له: بلى، قد بلغني وأنا قريب من بلدك مقبل نحوك، فقلت له: أبا عبد الله! هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم -يعني: أنا لست من أهل البلد، فإذا جئت أزورك فلن يلفت هذا النظر أحد؛ لأني لست معروفاً هنا في هؤلاء الناس. قال: أبا عبد الله! هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، فإن أذنت لي أن آتي في كل يوم في زي السؤال فأكون عند باب الدار وأقول ما يقولون، فتخرج إلى هذا الموضع. والسؤال هم المتسولون، يعني أنه يلبس ملابس المتسولين، ويأتي الإمام أحمد فيقول عند باب الدار ما يقولون، أي: من طلب الصدقة. قال: فتخرج إليَّ إلى هذا الموضع، فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث واحد لكان فيه كفاية. فقال لي: نعم، على شرط أن لا تظهر في الخلق، ولا عند أصحاب الحديث. أي: لأنه لو تردد على مجالس العلم فسيشتهر، فيعرف أنه طالب علم وطالب حديث، وحينئذ لا يصلح أن يزوره، لكن إذا كان في صورة السؤال فلن يعرفه أحد إذا أتقن أداء هذا الدور. قال: فقلت: شرطك. فكنت آخذ عوداً بيدي، وألف رأسي بخرقة، وأجعل كاغدي- يعني الورق- ودواتي في كمي، ثم آتي بابه فأصيح: الأجر رحمكم الله. والسؤال هنالك كذلك. أي أن هذا هو اصطلاح المتسولين، فإنهم كانوا إذا سألوا يقولون: الأجر رحمكم الله. قال: فيخرج إلي، ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر، فالتزمت ذلك حتى مات الممتحن له، وولي بعده من كان على مذهب السنة، فظهر أحمد بن حنبل، وسما ذكره، وعظم في عيون الناس، وعلت إمامته. والإمام أحمد يلقب بإمام أهل السنة، مع أنه آخر الأئمة الأربعة، ولم يقل ذلك في حق الإمام الشافعي أو الإمام مالك أو أبي حنيفة؛ لأنهم لم يدركوا المحنة، فالأئمة الثلاثة ما أدركوا هذه المحنة، وإنما أدركها الإمام أحمد بن حنبل، وثبت فيها، فمن ثمَّ أطبقت الأمة على اعتباره إماماً لأهل السنة؛ لصبره الشديد في هذه المحنة، ومنافحته عن الدين وعن الحق في هذه المحنة الطويلة المعروفة. قال: فظهر أحمد بن حنبل، وسما ذكره -يعني: رفع الله شأنه في الناس- وعظم في عيون الناس، وعلت إمامته، وكان تضرب إليه آباط الإبل، فكان يعرف لي حق صبري -يعني صبره على طلب العلم-، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي، وأدناني من نفسه، ويقول لأصحاب الحديث: هذا يقع عليه اسم طالب علم -أي: هذا يستحق أن يوصف بأنه طالب علم-. ثم يقص عليهم قصتي معه، فكان يناولني الحديث مناولة، ويقرأه علي وأقرأه عليه، فاعتللتُ علة أشفيت منها -يعني: كدت أن أهلك منها- ففقدني من مجلسه، فسأل عني فأُعلم بعلتي، فقام من فوره مقبلاً إلي عائداً لي بمن معه، وأنا مضطجع في البيت الذي كنت اكتريت، ولدي تحتي، وكسائي عليَّ، وكتبي عند رأسي، فسمعت الفندق قد ارتج بأهله، وأنا أسمعهم يقولون: هو ذاك، أبصروه، هذا إمام المسلمين مقبلاً. أي أن الإمام أحمد أخذ تلامذته وأقبل نحو الفندق حتى يزوره لما علم بعلته، فالإمام بقي بن مخلد لما كان في الحجرة على هذه الهيئة التي وصف من المرض سمع ضجة شديدة في الخارج، ويظهر أن الذين كانوا أمام الفندق كانوا يصيحون ويقولون: هو ذاك. يشيرون إلى أن الإمام أحمد قادم من بعيد، قال: فبدر إلي صاحب الفندق مسرعاً، فقال لي: أبا عبد الرحمن! هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مقبلاً إليك عائداً لك. فدخل فجلس عند رأسي، وقد احتشى البيت من أصحابه فلم يسعهم، حتى صارت فرقة منهم في الدار وقوفاً، وأقلامهم بأيديهم، فما زادني على هذه الكلمات، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن! أبشر بثواب الله، أيام الصحة لا سقم فيها، وأيام السقم لا صحة فيها، أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية. فرأيت الأقلام تكتب لفظه، ثم خرج عني، فأتاني أهل الفندق يلطفون بي. أي أن الناس الذين كانوا في الفندق معه عرفوا مقام هذا الرجل الذي أتى إمام المسلمين وإمام أهل السنة يزوره، فصار الناس يعظمونه؛ لأجل زيارة الإمام أحمد له. يقول: فأتاني أهل الفندق يلطفون بي، ويخدمونني ديانة وحسبة، فواحد يأتي بفراش، وآخر بلحاف وبأطايب من الأغذية، وكانوا في تمريضي أكثر من تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم؛ لعيادة الرجل الصالح. يعني الإمام أحمد ﵀. وقد توفي بقي بن مخلد سنة (٢٧٦هـ) بالأندلس، فرحمه الله تعالى. فالشاهد من هذه القصة هذه الرحلة العجيبة، أن يرحل بقي بن مخلد من الأندلس، فيعبر البحر، ثم يمشي على قدميه إلى بغداد، ويصبر هذا الصبر على طلب العلم، فلاشك في أن هذه من النماذج الفذة من علو همة التي لا نظير لها.

стр. 190

حرص الحفاظ والعلماء على لقيا المشايخ وقد اجتهد كثير من الحفاظ في لقيا المشايخ والتلقي عنهم، حتى بلغ عدد شيوخ الإمام أبي سعد عبد الكريم السمعاني المروزي رحمه الله تعالى سبعة آلاف شيخ وأستاذ، ولكثرة البلدان التي رحل إليها في طلب العلم ألف معجم البلدان، ويقصد بها البلدان التي سمع فيها العلم، وصنف معجم شيوخه في عشرة مجلدات، أي أن قاموس أسماء شيوخه استغرق عشرة مجلدات. وقال القاسم بن داود البغدادي: كتبت عن ستة آلاف شيخ. وبلغ عدة شيوخ الإمام الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى ألفاً وثلاثمائة شيخ، ومن النساء بضعاً وثمانين امرأة. ولما مات زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال ابن عباس ﵄: يا هؤلاء! من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم. يعني: أن ذهاب العلم لا يكون بأن يقبض الله العلم من صدور الرجال، وإنما بموت العلماء، كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)، أو كما قال ﷺ ، فلما مات زيد بن ثابت ﵁ قال ابن عباس للناس: يا هؤلاء! من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، وايم الله لقد ذهب اليوم علم كثير، يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه، ويشير إلى قبر زيد ويقول: لقد دفن اليوم علم كثير.

стр. 191

حرص العلماء على أوقاتهم وقال يحيى بن القاسم: كان ابن سكينة عالماً عاملاً لا يضيع شيئاً من وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على (سلام عليكم، مسألة) أي: لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام كان يقول لتلامذته ولإخوانه ومن أراد أن يأتي يستفيته: لا تزيدوا على هذه الكلمات: (سلام عليكم، مسألة) أي: ويدخل في الموضوع. أما الآن فنعجب مما يحصل من بعض الإخوة، حيث نسمع أحياناً في أشرطة مسجلة حوارات مع العلماء ومع الشيوخ: كيف الحال؟! وكيف الأولاد؟! وكيف الصحة؟! وسمعنا كذا. ويظل السائل يقدم مقدمات طويلة، وفي الآخر يجود بأن يسأل سؤاله، فأمثال هؤلاء العلماء وقتهم ليس ملكاً لنا، ولا ملكاً لأنفسهم، إنما هو ملك الدعوة وملك العلم والوظائف الشريفة، فأحب شيء إلى مثل هؤلاء -بلا شك- أنك تختصر مثل هذا الاختصار، ويمكن أن تزيد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وإن كان هذا الإمام يطلب أن يقال: (السلام عليكم) فقط لأجل حرصه على الاختصار في الكلام بقدر المستطاع. والمجتمع الذي يصل إلى هذا المستوى في استيعاب قيمة الوقت وعدم إهدار الوقت هو الأقرب للكتاب والسنة، ولهدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى، أما هذه الزيارات العشوائية التي يعملها الناس فلا، والمشكلة أننا نتصور أن الذي ينبغي هو إطالة الزيارة، وهذا غير صحيح، فكما يحدد موعدٌ في بدء الزيارة لابد من أن يحدد موعد لانتهائها. أما أن يزور امرؤ أخاه في الساعة التاسعة مساء -مثلاً- ويفارقه في الساعة الثانية عشرة أو الواحدة فهذا لا ينبغي، فإن كان الكلام يقضى في أربع جمل فلا تقل خمساً، ولا تزد. فالمفروض هو أن يحصل نوع من التعاون؛ لأن هذا يكشف قيمة الوقت عندنا، فالوقت هو رأس مالك، كما قال النبي ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) فالفراغ هو الزمن والوقت، وأكثر الناس يضيعون أوقاتهم، فلابد من التعاون حتى نرقى إلى ذلك المستوى الراقي الذي بلغه السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

стр. 192

إهدار أوقات الآخرين ومضاره بلغني منذ مدة عن أحد الإخوة أنه كان يحدث أخاً له فيقول له: إن السنة أنك إذا أتيت فاستأذن ثلاث مرات، فإن لم يؤذن لك فارجع. فقال: والله لو عملتها معي فلن أدخل بيتك أبداً! فأين الالتزام؟! وأين التحاكم إلى ما أنزل الله؟! وأين الذي ندعو الناس إليه؟! وأين الحكم بما أنزل الله والرضا بحكم الله القائل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]؟! فإذا كان الوقت ليس له عندك قيمة فراع أحوال الناس، فإذا كنت متأكداً من أنك ما ذهبت إلى فلان إلا لأن الوقت مناسب لك فهل أنت متأكد من أنه مناسب له هو؟! خاصة في هذا الزمان، فأنت ترى كيف أن الناس الآن مشغولون، خاصة الذي يريد أن يلتزم بدينه ويؤدي واجباته في توازن ووسطية، فالإنسان يعيش في صراع في محاولة كسب الحلال، وفي طلب العلم، وفي تربية أولاده، وفي العبادة، وفي تلاوة القرآن، وفي الحفظ، وفي قضاء حاجات الناس، وفي كل هذه الأشياء، فهذا الوقت هو رأس المال الذي يتعامل به، وليس الأموال، بل عنده ما هو أكمل، وهو الوقت، فلابد للإنسان من أن يستوثق من أن وقت الشخص الذي يزوره مناسب لهذه الزيارة، ثم يحدد موعد لابتداء الزيارة وموعد لانتهائها؛ بحيث لا يأتي قبل الموعد ولا بعده، وإذا أتى يلتزم بهذا الموعد، أما هذه الأوضاع التي توجد بيننا فهي من أشد مظاهر عدم الفقه بقيمة الوقت، ونحن نسمع عن الكفار في بلاد الكفار الحرص على الوقت، وللأسف الشديد أنهم مشغولون بالدنيا وبتوافه الأمور، ومع ذلك عندهم تقديس الوقت وتعظيم الوقت شيء مهم، وهذا أقرب -بلا شك- إلى روح الإسلام مما عليه كثير من المسلمين المفرطين في هذا الأمر. فهذا الأمر لولا أن الله يعلم أهميته لما أنزل سورة صدرها بقوله ﵎: ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا))، وكل القرآن أنزل، لكن خص هذه السورة ليلفت أنظارنا إلى خطورة الأحكام التي نزلت في هذه السورة الكريمة، سورة النور، قال : ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]، فنزلت في هذه السورة آيات الاستئذان وآداب الاستئذان لخطورة هذه الطريق، أليس في القرآن الكريم قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] إلى آخر الآيات المذكورة في ذلك؟! ففيها تفاصيل في منتهى الدقة والانضباط في المحافظة على الوقت، ومنها قوله : ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، والذي يقول هذا ليس هو فلان ولا علان، وإنما هو الله . وإنه لمؤلم جداً، وفي غاية الأسف مخالفة هذه الآداب، والحقيقة أن الإنسان يتحسر لهذا الأمر، فأين السلفية؟! وأين احترام الكتاب والسنة؟! وأين الحكم بما أنزل الله في خاصة أنفسنا؟! إن بعض الناس ما زال حتى الآن يجهل أن الاستئذان إنما جعل عبارة عن كون الوقت مناسباً أم غير مناسب. ولكن كثيراً من الإخوة -مع الأسف- يفهمون أن معنى الاستئذان هو كون الشخص الذي يريد أن يزوره موجوداً أو غير موجود، وهذا ليس من الإسلام في شيء، فالإسلام حكم الله ، والاستئذان معناه كون الوقت مناسباً أم لا، وليس معناه أن المرء موجود أو غير موجود. وكنت في مرة من المرات مشغولاً ببعض الأشياء، فأتى إلى أحد الإخوة في وقت غير مناسب على الإطلاق؛ لأنه كان قبل الدرس بساعة أو ساعتين، وكنت مشغولاً بإعداد الدرس، فما فتحت الباب؛ لأن هذا حق شرعاً، فوجدت أن الأخ وجد في نفسه موجدة شديدة، وكتب ورقة كلها حسرة وألم، يقول: لقد سمعت صوتك في الداخل وأنت تقرأ القرآن، ومع ذلك لم تفتح لي! وهذا عدم فقه بهذا الحكم الذي لا يوجد أحد مستغنٍ عن أن يبقى هذا الحكم وينفذه ويحترمه، فكل واحد منا له بيت، والله امتن علينا فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل:٨٠]، فالإنسان بعد انتهاء عمله سيذهب إلى بيته، فربنا جعل حرمة للبيوت، خاصة في حق طالب العلم الذي وقته عنده غالٍ كنفسه وكروحه، فليس المقصود بالاستئذان أن الإنسان يسأل عن كونك موجوداً أم لا، لأنه ممكن أن أكون موجوداً وبصوتي أقول لك: ارجعوا هو أزكى لكم. كما أمرنا الله ؛ لأن البيوت أسرار، فما يدريك كيف أحوال أهل البيت؟! فقد تكون في البيت عورات، وقد يكون عند صاحب البيت مشكلة شخصية لا يحب أن يحضر أحد ويسمعها، ويمكن أن يكون الإنسان مشغولاً بمصلحة في دينه أو في تربية أولاده؛ لأنه إذا انشغل فقط بمشاكل الناس أو مشاغل الناس وترك حصنه من الداخل مخرباً فسوف يسأله الله عن ذلك، فمن الذي يعي المسئولية حتى يوجد هذا التوازن في الواجبات الكثيرة؟! الجواب هو صاحب البيت، فهو أدرى بحاله، وبأي شيء يضحى وبأي شيء لا يضحى، فهو الوحيد الذي يسأل أمام الله عن الموازنة بين واجباته، وأنا لا أقصد شخصاً معيناً، فإن هذا الغيرة موجودة عندنا، وأغلب الناس الآن ليس عندهم الفقه بهذه الحقيقة، فالاستئذان هو عن كون الوقت مناسباً أم لا، فإن قال لك صاحب البيت: ارجع -ولو بصوته- فلا تقل له شيئاً. والحقيقة مريرة جداً في هذا الأمر، ولا أريد أن أخرج عن الموضوع، ولكن لكون المشكلة موجودة، وكثرت شكاوي الإخوة والأخوات في هذا الباب تعرضنا لها. وقد حدث بعض إخواننا في الدعوة أنه هجم بعض الإخوة على بيته بالطرق الشديد على الباب في منتصف الليل أو بعد منتصف الليل، وكان طرقاً شديداً، مع أن الناس العاديين غير الملتزمين قد لا يقعون في مثل هذا، فالطرق الشديد على الباب يفزع أهل البيت، ويظنون الظنوناً، وهذا -بلا شك- أذى، وهذا تفزيع وترويع للمؤمن وللمسلم، فأين هذا من السلف الذين كانوا يطرقون أبواب الشيوخ بالأظافر؟! أين هذا من ذاك؟! وقد تجد إنساناً امتحان في الصباح، فيقول لضيوفه الذين أتوا إلى البيت في الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة: عندي امتحان في الصباح. ومع ذلك لا يبالون بالساعة، ويوقعون الضرر بالأخ حتى يعيد سنة كاملة بسبب هذه الزيارة التي آذته وأثقلته وأرهقته وعطلته عن مصالحه! فهذه أمثلة من الإضرار، والرسول ﵊ يقول: (لا ضرر ولا ضرار). وبعض الإخوة يكونون فتنة لآبائهم، فبعضهم يقول: أبي يقول لي: لا تصل في مساجد الإخوة. أو: لا تخرج إلى المساجد. فما هو السبب؟! إنك تشتكي من أبيك أنه يمنعك عن الصلاة في الجماعة وأنت الذي فتنته، فلو أنك عودته أنك إذا أذن المؤذن خرجت إلى الصلاة، ثم رجعت فوراً بعد الصلاة لأداء واجبك أو استذكار واجبك، أو لعمل أي شيء من واجباتك لما حصل هذا الوضع؛ لأنه يحصل للإخوة مؤتمرات بعد الصلاة، وهذا يوصل هذا، وهذا يذهب مع هذا بطريقة عشوائية، وكأن الوقت لا قيمة له، فلو أن أباك أو صاحب العمل الذي يتخذ معك هذا الموقف رأى منك أنك تخرج إلى الصلاة وتعود فوراً لما ضغط عليك هذا الضغط، ولما حاول أن يفتنك عن صلاة الجماعة، فنحن الذين نتسبب في فتنة الناس، فالذي يعمل عند رجل لو أنه صلى الفرض وعاد إلى المكان ثم صلى هناك النافلة -مثلاً- لما حصل عليه ضغط بترك صلاة الجماعة، ولولا الصلاة لما ترك المرء بيته وذهب إلى المسجد، فلو أنه كلما خرج إلى الصلاة يمكث -مثلاً- نصف ساعة بعد الصلاة بسبب تعطيل أحد الأخوة له، حيث يكون عنده عمل معين، كذهاب إلى طبيب أو لشغل، أو كان عنده موعد من المواعيد المهمة التي يشق تأجيلها، فكل من صرفه عطله، فأي إضرار يكون أشد من هذا الإضرار؟! فلابد من أن تكون متأكداً في البداية من أن الوقت مناسب أم لا، أما أن الإنسان يخرج للصلاة، ثم يُعطل في كل صلاة، أو يعطل الإخوة المصلون بعضهم بعضاً فهذا نوع من الإضرار الذي ينبغي أن نتركه. وصحيح أن كثيراً من النصائح تكون مؤلمة، ولكن لابد من المصارحة بكثير من هذه الأخطاء التي تظهر منا. والذي دفعنا إلى هذا الاستطراد هو قول هذا الإمام الجليل ابن سكينة الذي كان لا يضيع شيئاً من وقته، يقول يحيى بن القاسم: كنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على: (سلام عليكم، مسألة) لحرصه على الوقت. أما أن تخاطب الشيخ الذي تسأله في التلفون قائلاً: كيف الحال؟! وكيف الأولاد؟! وتأتي بمقدمات طويلة ثم بعد ذلك تأتي بالسؤال فلا. وبعض الإخوة يتصلون بي من وراء البحار، والأخ المتصل حينها الظاهر أنه يدفع مبالغ كبيرة في المكالمة، ومع هذا يضيع الوقت فيما لا فائدة فيه. فكأن هذا الشيخ يقول: وقتي أغلى عندي من هذه الدولارات التي يدفعونها في المكالمات. فلا تضيع الوقت في الأسئلة التي لا طائل من ورائها، وركز في سؤالك مكتفياً بقولك: ما حكم كذا. أما كثرة الثرثرة بلا طائل فهي من إنفاق الوقت بما لا يعود على العبد بفائدة.

стр. 193

علو همة السلف في طلب العلم بمبادرتهم الزمن وحرصهم على استغلاله من مظاهر علو همة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في طلب العلم مبادرتهم الأزمان حرصاً على العلم، والحقيقة أن الإنسان قد يستحيي في مثل هذه المواضع من الناس، وهذا لا يسمى حياءً، بل هذا عجز مذموم؛ لأن هناك فرقاً بين العجز والحياء، فالحياء الذي يحبه الله هو الحياء الذي يأتي بخير، أما إذا أتى بشر فليس هو الذي يحبه الله، بل هو عجز ومهانة، فعلى الإنسان أن يكون جريئاً في المحافظة على وقته؛ لأنه لن ينجز علماً إذا لم يفرغ نفسه ووقته، فلو أن العلماء ينصحون طلبة العلم بنصائح في هذا لكان هذا أمراً جيداً، ومن ذلك النصيحة بقطع العلائق إلى أن يفرغ -مثلاً- من حفظ القرآن، فيقطع العلائق بينه وبين الناس، فالإنسان يزرع في قلبه كيفية علو الهمة، وأسباب الارتفاع والارتقاء بالهمة، ومن ذلك الاحتياط والغيرة الشديدة على الوقت أن يهدر، فما المانع من أن الإخوة إذا تزاوروا أتوا بخلاصة الموضوع الذي يريدون أن يتحدثوا فيه، ثم بعد ذلك يسمع بعضهم لبعض القرآن، أو يأتون بشيء من الذكر والعلم، كما قال بعض السلف: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب. وطوله زيادته عما أنت محتاج إليه، فادخل في الموضوع، واتق الله في وقتك ووقت أخيك، فإذا فرغت من الموضوع وما زال لديكما وقت فاقرأ قرآناً، أو ابحث مسألة علمية. أما أن الإخوة يتحدثون عن مباريات كرة القدم، ويخوضون في أخبار السياسة، ويشرعون في ذكر أحوال الناس فعندئذٍ ما الفرق بيننا وبين الآخرين؟! وما الذي يتميز به الملتزم الآن؟! فهذا شعبة بن الحجاج جاء إلى خالد الحذاء فقال: يا أبا منازل! عندك حديث حدثني به. وكان خالد عليلاً، فقال له: أنا وجع -أي: مريض-. فقال: إنما هو واحد -أي: أنا أريد حديثاً واحداً- فحدثه به، فلما فرغ قال: مت إذا شئت. وكان يحيى بن معين شديد الحرص على لقاء الشيوخ والسماع منهم خشية أن يفوتوه. أي أنه يمكن أن يسافر الشيخ، أو يموت، أو يحصل له أي شيء يحول بينه وبينه. قال عبد بن حميد: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إلي فقلت: حدثنا حماد بن سلمة. فقال: لو كان من كتابك. يعني: حتى تكون مدققاً ضابطاً أحضر الورق التي كتبت فيها الحديث أو الكتاب واقرأ منها الحديث، يقول الإمام عبد بن حميد: فقمت لأخرج كتابي فقبض على ثوبي، ثم قال لي: أمله علي؛ فإني أخاف أن لا ألقاك. خشي أنه إذا خرج لإحضار الكتاب قد يموت في الطريق، فيفوته الحديث، فقال: أمله علي من حفظك، ثم بعد ذلك أخرج هذا الكتاب وأقرأه علي مرة ثانية من الكتاب. قال: فأمليته عليه، ثم أخرجت كتابي فقرأته عليه. وعن ابن إسحاق قال: سمحت مكحولاً يقول: طفت الأرض في طلب العلم. وروى أبو وهب عن مكحول قال: أُعتقت بمصر -أي أن مكحولاً كان عبداً- فلم أدع بها علماً إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق، ثم أتيت المدينة، فلم أدع بهما علماً إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها. أي: بعدما جمع كل هذه العلوم وهذه الأحاديث أتى الشام وغربل هذه الأحاديث، وبدأ يميز الصحيح من الضعيف، وهذا هو عين الفطنة، وهذا هو الذي حدا بكثير من علمائنا إلى التفريق بين مرحلة التقميش ومرحلة التفتيش فمرحلة التقميش أن يدون كل ما يستطيعه، فما دام الحديث بإسناد فإنه يدون؛ لأن الشيخ يمكن أن يسافر، أو يمرض، أو تختل ذاكراته، أو يختل حفظه، فتؤثر هذه في الرواية، فلذلك يبادر الفرصة بأن يدون ما يستطيع تدوينه عن المشايخ، ثم بعد ذلك إذا كان معه الحديث والإسناد فالأداة والوسيلة التي يمكن من خلال دراستها التحقق من صحة الحديث موجودة معه، وحينئذٍ يتفرغ بعد ذلك إلى التفتيش، وهذا هو سر وجود الأحاديث الضعيفة في المراجع، فلا نظن -نحن طلبة العلم المساكين- أن هؤلاء العلماء كانوا مقصرين، وأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث الضعيف من الصحيح، وأنه توجد في كتب كثيرة من كتب الحديث المسندة، حتى في الترمذي وفي النسائي، فضلاً عن ابن ماجه أو غير ذلك من الكتب والمسانيد التي توجد فيها أحاديث تحتاج إلى تحقيق، فهل العلماء ما كانوا يعرفون تحقيق هذه الأحاديث في تلك الأعصار الذهبية لعلم الحديث؟! الجواب لا، بل كانوا يعرفون، ولكن كانوا يدونون؛ لأن هذا السند حتى لو كان ضعيفاً فإنه يمكن أن توجد له طرق أخرى مع كثرة التفتيش تقوي هذا السند، وهذا هو عين الفقه؛ لأن الواحد منهم يقيد العلم أولاً، ثم بعد ذلك يفتش وراء الأسانيد، ويجمع الطرق، فيرتقي الضعيف إلى الحسن لغيره، أو الصحيح لغيره، وهكذا، ثم إنه بهذا يكون قد اغتنم الفرصة ولم يفوتها، فالشيخ قد يسافر، وقد يرحل، وقد يموت، وقد يختل حفظه، أو هو نفسه قد يحصل له شيء، فلذلك كانوا أولاً يجمعون، ثم وظيفة التحقيق بعد ذلك تكون أسهل، لوجود الوسيلة إليها، وقد برئت عهدتهم من الأحاديث الضعيفة؛ لأنهم لم يكونوا في وقت في ليل ولا نهار إلا وهم في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى إن الإمام النووي كان يقرأ في ذهابه في الطريق، وقال: إنه بقي على التحصيل على هذا الوجه ست سنين متصلة، وكان النووي -أيضاً- أول طلبه يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين في الوسيط، وثالثاً في المهذب، ودرساً في الجمع بين الصحيحين، وخامساً في صحيح مسلم، ودرساً في اللمع لـ ابن جني في النحو، ودرساً في اصلاح المنطق لـ ابن السكيت في اللغة، ودرساً في التصريف، ودرساً في أصول الفقه، تارة في اللمع لـ أبي إسحاق وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين. أي: التوحيد. قال النووي: وكنت أعلق -أي: أكتب- جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي وأعانني عليه. وطالع الشيخ عبد الله بن محمد بن أبي بكر الحنبلي (المغني) للموفق ابن قدامة ﵀ ثلاثاً وعشرين مرة، حتى كاد يستحضره.

стр. 194

علو همة السلف في حفظ العلم الشريف ومن ذلك -أيضاً- علو همتهم في حفظ العلم الشريف، فقد قال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث -يعني مليون حديث، والمراد بذلك الأسانيد والمتون- فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته، وأخذت عليه الأبواب. وقال سليمان بن شعبة: كتبوا عن أبي داود أربعين ألف حديث وليس معه كتاب. يعني: أملى على تلامذته أربعين ألف حديث بالإسناد والمتن، وليس معه كتاب ينظر فيه. وقال أبو زرعة الرازي: أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث. وقال هشام الكلبي: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت مالم ينسه أحد، كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن، فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، ونظرت في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوقها. ولما قدم البخاري بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا، وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا أسانيدها ومتونها، فجعلوا متن هذا الإسناد لهذا، وإسناد هذا المتن لهذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقيها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فسأله عن حديث فقال: لا أعرفه. وسأله عن حديث آخر فقال: لا أعرفه. حتى فرغ من عشرته، وكل حديث يتلوه على البخاري يقول له البخاري فيه: لا أعرفه. والذين كانوا واقفين يقولون: من هذا البخاري الذي انخدع به الناس، فكل الأحاديث لا يعرفها ولا واحداً منها! فكأن كلما قال: لا أعرفه يقل في نظر العوام ويرتفع في نفس الوقت في عيون العلماء، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز، ثم انتدب آخر ففعل كما فعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم الثالث، إلى تمام عشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على (لا أعرفه)، فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا، والثالث كذا، إلى عشرة أحاديث، بنفس الترتيب وبنفس الأخطاء، أي: تلا العشرة الأحاديث كما رواها، وقد خلطت الأسانيد وقلبت المتون، وبعدما فرغ من سردها أعادها مصححة، وأعاد الإسناد إلى متنه والمتن إلى إسناده، وهكذا، فرد كل متن إلى إسناده، وفعل بالتسعة الآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: ذلك الكبش النطاح. أي: يمدح الإمام البخاري بالكبش النطاح، يعني: الذي يغلب في المصاولة والمحاورة. وقال ابن النجار: سمعت شيخنا عبد الوهاب بن الأمين يقول: كنت يوماً مع الحافظ أبي القاسم ابن عساكر وأبي سعد ابن السمعاني نمشي في طلب الحديث ولقاء الشيوخ، فلقينا شيخاً، فاستوقفه ابن السمعاني ليقرأ عليه شيئاً، وطاف على الجزء الذي هو سماعه في خريطته. أي أنه لما وجد الشيخ قال: أتلو عليك هذه الأحاديث التي عندي عنك. فقرأها عليه من حفظه كأنه يقرؤها من كتاب!

стр. 195

علو همة ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى ويروي الخطيب البغدادي أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه. يعني: أن عنده من العلم في التفسير ما يملأ ثلاثين ألف ورقة، فلما وجد هؤلاء الطلبة أو هؤلاء الأصحاب غير نشطين اختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، فكم الفرق بين ثلاثة آلاف وثلاثين ألف ورقة؟! إنه عشرة أضعاف، وهو الآن يقع في ثلاثين مجلداً، ولو كان هؤلاء الطلاب أو الأصحاب أكثر همة لكان الثلاثون مجلداً ثلاثمائة مجلد! ثم حاول معهم مرة ثانية، فقال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟! أي: هل عندكم همة أملي عليكم تاريخ العالم منذ إهباط آدم الأرض إلى يومنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ما ذكره في التفسير وقال: ثلاثون ألف ورقة. فردوا مثل ذلك، فقال: إنا لله! ماتت الهمم. ثم إنه جعله على نحو قدر التفسير، وهو تاريخ الطبري المعروف. وألف الإمام البيهقي ألف جزء كلها محررة نادرة المثال، كثيرة الفوائد، وأقام يصوم ثلاثين سنة.

стр. 196

علو همة الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي ﵀ الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي المتوفى سنة (٥١٣هـ) هو الذي يقول فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنه من أذكياء العالم. بلغ في محافظته على الزمن مبلغاً أثمر أكبر كتاب عرف في الدنيا لعالم، وهو كتاب (الفنون) في ثمانمائة مجلد، وفيه اختلاف في عدد المجلدات، وبعضهم يجزم بأنه ثمانمائة مجلد، فتخيل عالماً يؤلف كتاباً في ثمانمائة مجلد! وهذا الكتاب جمع فيه التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه وأصول التوحيد والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره. يقول ابن الجوزي: وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى بالفنون مناطاً لخواطره، وواقعاً فيه، ومن تأمل فيه عرف غور الرجل. وقال سبط ابن الجوزي: واختصر منه جدي -أي: ابن الجوزي - عشرة مجلدات، فرقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقت المأمونية نحواً من سبعين، وفيه حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب وأشعار. وقال الشيخ أبو حكيم النهرواني: وقفت على السفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون. وقال الحافظ الذهبي: وعلق كتاب الفنون، وهو أزيد من أربعمائة مجلد، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث. وقال الذهبي أيضاً: لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منهم المجلد الفلاني بعد الأربعمائة. وقال الحافظ ابن رجب: إن بعض مشايخه قال: هو ثمانمائة مجلد. وصنف الحافظ ابن عساكر تاريخ دمشق في ثمانين مجلدة كبيرة. وصنف الإمام أبو حاتم الرازي كتابه المسند في ألف جزء.

стр. 197

علو همة الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى والإمام ابن الجوزي هو تلميذ ابن عقيل، يقول سبطه أبو المظفر عنه: سمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني- وهذا من التحدث بالنعم-، ولو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب، فاستفدت من نظري فيها من ملاحظتي سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعبادتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت استزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد! يعني أنه قرأ وهو يطلب العلم في مرحلة الطلب فقط عشرين ألف مجلد، ولو قلنا: إن المجلد ثلاثمائة صفحة لكان ما قرأه هو ستة ملايين صفحة، قرأها وهو في مرحلة طلب العلم رحمه الله تعالى. فما مقدار ما كتب وما صنف الإمام ابن الجوزي؟! يقول الإمام ابن تيمية: كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي مفتياً كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك له ما لم أر. ويقول الحافظ الذهبي: وما علمت أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل، ولم يدع ابن الجوزي فناً من الفنون إلا وصنف فيه، منها ما هو عشرون مجلداً، ومنها ما هو في رسالة صغيرة. فكيف اجتمع له هذا كله؟ الجواب لا يمكن أن يجتمع له هذا إلا إذا كان بجانب علو الهمة عنده محافظة على الوقت، ومحافظة على رأس المال الذي هو الوقت. يقول الموفق عبد اللطيف: إنه كان لا يضيع من زمانه شيئاً. ويقول ابن الجوزي وهو يحدث عن سياسته في عدم تضييع الوقت، وحماية الوقت ممن يعتدون عليه: لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة -أي أنه خدمة ومحبة لهذا العالم- ويطلبون الجلوس، وينزلون فيه أحاديث الناس وما لا يعنيهم، ويتخلله غيبة، وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوق إليه واستوحش من الوحدة، وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض. فـ ابن الجوزي يحكي عن موضوع الزيارات في الأعياد، وينظر إلى أن هذه الزيارات تضييع للوقت، فالشخص له أن يهنئ إخوانه في العيد، أما كثرة الزيارة مع كثرة الإخوان والأحباب وكذا فلا تنبغي، ونحن الآن ضاعفنا أيام العيد، فعيد الفطر هو يوم واحد، وأما الآن فصار ثلاثة أيام، فمن أين صار عيد الفطر ثلاثة أيام؟! إنه لا بأس بأن يكون عيد الأضحى خمسة أيام: يوم عرفة ويوم الأضحى وأيام التشريق، لكن من أين أتينا لعيد الفطر بهذه الثلاثة أيام؟! وأين الدليل عليها؟! ليس إلا حب البطالة، وتضييع الوقت، والتهريج، والإجازات، فبين كل عيد وعيد إجازة، والناس مع ذلك تتأذى، فلماذا تضييع الوقت؟! وكأن الوقت ليس له قيمة، وللأسف الشديد أن الشعب الياباني في وقت من الأوقات عمل تظاهرات ضد الحكومة لأنها أعطتهم إجازات زائدة، فبسبب أنهم أعطوا إجازات عملوا تظاهرات، فانظر إلى عباد الدنيا من هؤلاء الوثنين الذين يعبدون الدنيا كيف يتظاهرون لأجل إلغاء الإجازات؛ لأنهم يستمتعون بالعمل وبالكدح في طلب الدنيا، فكيف تكون غيرة طالب العلم على وقته ممن لا يقدر هذا الوقت حق قدره؟! يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان. يقول: فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه بفعل الخير كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لمواضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي أي: يهرب بقدر المستطاع من اللقاء، كما حكى بعض العلماء عن السلف فقال: إن العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا، فمن ثمَّ يقول الإمام ابن الجوزي: فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة. أي: ترك وظائف معينة لم يعملها في بيته، فإذا حصلت زيارة من هذه الزيارات التي تضيع الوقت في الكلام الذي لا يفيد فقد خصص هذا الوقت للأفعال التي تحتاج وقتاً ولا تحتاج إلى تركيز ذهني، فلذلك يقول: ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم؛ لئلا يضيع الزمان فارغاً، فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد -أي: تقطيع الأوراق- وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي.

стр. 198

علو همة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وصنف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما يربو على أربعمائة مصنف من كنوز العلم ودقائقه، قال ابن القيم: وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر. وقد كنت قرأت منذ مدة للشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى يحكي عن العناء الذي لقيه في نسخ مخطوطة كتبها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بخطه، فيقول: إن ابن تيمية ما كان يرفع قلمه عن الورق. يعني أن الكلام كله متصل ببعضه، ولا ينقطع إلا في نهاية السطر؛ لحرصه على الوقت، أي أنه عندما يكتب لم يكن يترك مسافات بين الكلمات، أو يرفع يديه حتى يكتب الكلمة الجديدة، بل كان القلم يظل منحدراً كالسيل، والكلام وراء بعضه، ولا يتوقف إلا في نهاية السطر حتى يبدأ سطراً جديداً، فهذا ما رآه محب الدين الخطيب بعينيه من خط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

стр. 199

علو همة الطبيب ابن النفيس ﵀ وعلى سنن من سبق مضى شيخ الطب في زمانه ابن النفيس ﵀، يقول عنه الإمام التاج السبكي: وأما الطب فلم يكن على وجه الأرض مثله، قيل: ولا جاء بعد ابن سيناء مثله. قال: وكان في العلاج أعظم من ابن سيناء. هذا الطبيب الرائد ابن النفيس صنف كتاباً في الطب سماه: (الشامل)، يقول فيه التاج السبكي: لو تم لكان ثلاثمائة مجلد، تم منه ثمانون مجلداً، وكان -فيما يذكر- يملي تصانيفه من ذهنه. فكيف تم له ذلك؟ ومن أين له هذه المنزلة؟! لقد كان -رحمه الله تعالى- إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كل القلم وحفي فليس عنده وقت يبري القلم، وإنما يرمي القلم ويتناول غيره؛ لئلا يضيع زمانه في بري القلم.

стр. 200

علو همة الإمام السيوطي ﵀ وكان السيوطي رحمه الله تعالى يلقب بابن الكتب، طلب أبوه إلى أمه أن تأتيه بكتاب من المكتبة، فذهبت أم الإمام السيوطي إلى المكتبة حتى تحضر الكتاب لأبيه، فأجاءها المخاض في المكتب، فولدته بين الكتب، فلذلك لقب بابن الكتب، ولقد طبق عليه ذلك اللقب حتى صار ﵀ أبا الكتب، ووصلت مصنفات الإمام السيوطي نحو ستمائة، غير ما رجع عنه ومحاه من الكتب.

стр. 201

عالي الهمة لا تعوقه العوائق إن عالي الهمة لا يعوقه عائق عن مقصده وعن مأربه، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم. وعنه عن ابن حماد قال: قيل لـ ابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟! قال: حتى الممات إن شاء الله. وعن ابن معاذ قال: سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟! قال: مادام تحسن به الحياة. ويحدث الإمام ابن عقيل عن همته وهو في عشر الثمانين من عمره فيقول ﵀: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين -أي: في العقد الثامن من عمره- أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين. يقول الشاعر في هذا: ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ولا ولائي ولا ديني ولا كرمي وإنما اعتاض رأسي غير صبغته والشيب في الرأس غير الشيب في الهمم يعني: كل القضية أنها تحولت صبغة رأسه من الأسود إلى الأبيض، لكن هل همته -أيضاً شابت- واعتراها هذا الشيب؟! الجواب كلا، ولذا يقول: إذا كان شاب شعر رأسي ولحيتي فما شابت همتي. وقال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي الفرج بن الجوزي ما نصه: وقد قرأ وهو ابن ثمانين سنة بالعشر. أي: كان الإمام ابن الجوزي له ثمانون سنة، ومع ذلك قرأ القراءات العشر، فقرأ القرآن الكريم بالقراءات العشر كلها على ابن الباقلاني، فتلا معه ولده يوسف، نقل ذلك ابن نقطة عن القاضي محمد بن أحمد بن الحسن. وهذا الإمام ابن الجوزي هو الذي يقول في بعض الأشعار معبراً عن هذه الهمة العالية، وأنه كان يستزيد من الطلب ويدعو أن يزيد الله في عمره حتى يغتنم أقصى ما يستطيع في طلب العلم، يقول: الله أسأل أن يطول مدتي وأنال بالإنعام ما في نيتي لي همة في العلم ما من مثلها وهي التي جنت النحول هي التي كم كان لي من مجلس لو شبهت حالاته لتشبهت بالجنة وذهب الإمام القفال -وقيل له: القفال لأنه كان ماهراً في صناعة الأقفال- يطلب العلم وعمره أربعون سنة -أي: بدأ في طلب العلم وعمره أربعون سنة-، فقال لنفسه: كيف أطلب العلم؟! ومتى أحفظ؟! ومتى أفهم؟! ومتى أعلم الناس؟! فرجع، فمر بصاحب ساقية يسوق على البقر، وكان رشاء هذا الحبل يقطع الصخر من كثرة ما مر، أي أن الحبل الذي يدور به البقر على الساقية يحتك في أثناء دورانه بصخرة، فلطول الوقت أثر الحبل في الصخرة، حتى قطعها، فالحبل اللين أثر في الصخرة بالمثابرة والاستمرار والمداومة، فاتخذ من هذا عبرة ودرساً، فلما رأى الغشاء يقطع الصخر من كثرة ما مر قال: اطلب ولا تضجرن من مطلب فآفة الطالب أن يضجرا أما ترى الحبل بطول المدى في الصخرة الصماء قد أثرا أي: أليس الحبل مع المداومة قد أثر على الصخر الصلب؟ وليس هذا فحسب، بل الماء ألين من الحبل بلا شك، ومع ذلك فإن تساقط الماء قطرة قطرة على صخرة يحدث فيها أثراً بسبب المداومة والمثابرة. واستمر الإمام القفال يطلب العلم، وصار إماماً من كبار الأئمة ومن جهابذة الدنيا. ويروى أن الإمام أبا محمد ابن حزم رحمه الله تعالى طلب العلم وهو في السادسة والعشرين من عمره، قال أبو محمد بن العربي: وأقام أبو محمد في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه ستاً وعشرين سنة، وقال: إنني بلغت إلى هذا السن ولا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات! وقال في رواية أخرى: أخبرني الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من إخوان أبيه، فدخل المسجد قبل صلاة العصر والخلق فيه، فجلس ولم يركع، فقال له أستاذه المربي بإشارة: قم فصل تحية المسجد. فلم يفهم، فقال له بعض المجاورين له: أبلغت هذا السن، ولا تعلم أن تحية المسجد واجبة؟! وهي واجبة في الحقيقة عند أهل الظاهر، أما جمهور العلماء فيقولون: هي سنة. وكان قد بلغ حينئذٍ ستة وعشرين عاماً، قال: فقمت وركعت، وفهمت إشارة الأستاذ لي بذلك، قال: فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد مشاركة للأحباء من أقرباء الميت دخلت المسجد -أي: بعدما انتهوا من الجنازة رجعوا إلى المسجد-، وكان الوقت بعد العصر، وحتى لا يتكرر الموقف المحرج مرة أخرى قال: وانصرفنا إلى المسجد مشاركة للأحباء من أقرباء الميت، ودخلت المسجد، فبادرت في الركوع، فقيل لي: اجلس اجلس؛ ليس هذا وقت وصلاة! فانصرفت عن الميت وقد خزيت، ولحقني ما هانت علي به نفسي، فقلت للأستاذ: دلني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبي عبد الله بن دحون فدلني، فقصدته من ذلك المشهد، وأعلمته بما جرى، وسألته الابتداء بقراءة العلم، واسترشدته، فدلني على كتاب الموطأ لـ مالك بن أنس، فبدأت به عليه قراءة من اليوم التالي لذلك اليوم، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام، وبدأت المناظرة. وكان يحيى النحوي في أول أمره ملاحاً يعبر الناس في سفينته، وكان يحب العلم كثيراً، فلما قويت رويته في العلم فكر في أمره، وقال: لقد بلغت نيفاً وأربعين سنة من العمر، وما ارتضيت بشيء، وما عرفت غير صناعة الملاحة، فكيف يمكنني أن أتعرض لشيء من العلوم؟ وفيما هو يفكر إذ رأى نملة قد حملت نواة تمرة، وهي دائبة تصعد بها. وأظن أن النمل هو المخلوق الوحيد الذي يحمل أضعاف وزنه، ولكن لا أدري هل ذلك حقيقة علمية أم لا؟ فهو لما نشطت همته لطلب العلم وجد عمره قد جاوز الأربعين بعدة سنوات، وأثناء ما كان يفكر رأى نملة قد حملت نواة تمرة، وهي دائبة تصعد بها، فوقعت منها، فعادت وأخذتها، ولم تزل تجاهد مراراً حتى بلغت بالمجاهدة غرضها، فقال: إذا كان هذا الحيوان الضعيف قد بلغ غرضه بالمجاهدة والمراقبة فأولى بي أن أبلغ غرضي بالمجاهدة. فخرج من وقته، وباع سفينته، ولزم دار العلم، وبدأ يتعلم النحو واللغة والمنطق، فبرع في هذه الأمور؛ لأنه أول ما ابتدأ بها، فنسب إليها، واشتهر بها فقيل: يحيى النحوي. ووضع كتباً كثيرة، ويحيى هذا لقي عمرو بن العاص، وأعجب عمرو رضي الله تعالى عنه به. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء الذي ملأ الأرض علماً وعظمة نفس في أول أمره فقيراً ولم يشتغل بطلب العلم إلا على كبر. واشتغل الشيخ أحمد بن إبراهيم بن الحسن القنائي في العلم وهو ابن ثلاثين سنة، وتفقه، وقرأ النحو وغيره، حتى مهر، وأم الناس ببلده، وكان يحفظ أربعمائة سطر في يوم واحد، ثم أقبل على الطاعة، ولازم الطاعة حتى توفي سنة (٧٢٨هـ)، وهذه السنة هي التي مات فيها شيخ الإسلام ابن تيمية. وعُمِّر الشيخ يوسف بن رزق الله طويلاً حتى قارب التسعين، وثقل سمعه، لكن بقيت حواسه كلها سليمة، وهمته همة ابن ثلاثين، ومات وهو يباشر التوقيع، في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة من الهجرة. وطلب الشيخ أحمد بن عبد القادر القيسي الحنفي النحوي العلوم الكثيرة، وبرع فيها، فأقبل على طلب الحديث في آخر عمره، فتكلم بعض الناس عليه، أي أن بعض الناس سخروا منه، وقالوا: إن هذا الرجل الكبير يوشك على الموت، وبينه وبين القبر خطوات قليلة، فكيف يطلب العلم الآن؟! فأنكر عليهم بأبيات جميلة قال فيها: وعاب سماعي للأحاديث بعدما كبرت أناس هم إلى العيب أقرب وقالوا إمام في علوم كثيرة يروح ويغدو سامعاً يتطلب فقلت مجيباً عن مقالتهم وقد غدوت لجهل منهم أتعجب إذا استدرك الإنسان ما فات من علا بالحزم يعزى لا إلى الجهل ينسب وروى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله تعالى قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها، فذكر له دعاء من الأدعية عن جعفر بن محمد، فالإمام ابن جرير وهو يجود بروحه في آخر لحظات حياته رحمه الله تعالى استدعى محبرة وصحيفة، فكتب هذا الدعاء الذي سمعه من أحد العواد، فقيل له: أفي هذه الحال؟! أي: أنت الآن تموت، وتأتي بالورق وتكتب هذا الدعاء؟! فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات، فكانت همته في طلب العلم قوية إلى آخر رمق في الحياة. وعن فرقد إمام مسجد البصرة أنهم دخلوا على سفيان في مرض موته، فحدثه رجل بحديث فأعجبه، فضرب سفيان يده إلى تحت فراشه، فأخرج ألواحاً، فكتب هذا الحديث، فقالوا له: على هذه الحال منك؟! فقال: إنه حسن، إن بقيت فقد سمعت حسناً، وإن مت فقد كتبت حسناً. وعن الفقيه أبي الحسن علي بن عيسى الولوالجي قال: دخلت على أبي الريحان البيروني وهو يجود بنفسه، قد حشرج نفسه، وضاق به صدره، وروحه بلغت إلى الحلقوم، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوماً حساب الجدات الفاسدات؟! يعني: كيف ترث الجدة الفاسدة؟ وهي الجدة التي من قبل الأم؛ فإنها تسمى في اصطلاح علماء الفرائض بالجدة الفاسدة، فقال له: كيف قلت لي يوماً حساب الجدات الفاسدات؟ قال: فقلت له إشفاقاً عليه: أفي هذه الحالة وأنت تموت؟! فقال لي: يا هذا! أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة. ألا يكون خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها؟! فأعدت ذلك عليه -أي: أعدت عليه المسألة- وحفظه، وعلمني ما وعدني أن يعلمني، وخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ. يعني: البكاء؛ لأن روحه كانت قد خرجت، فرحمه الله تعالى. وقال القاضي إبراهيم ابن الجراح الكوفي تلميذ الإمام أبي يوسف القاضي

стр. 202

علو الهمة [١٣] الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الدين، وهو أعظم ما ينبغي لعالي الهمة أن يحرص عليه، وقد قال الله : ((وجاهدوا في الله حق جهاده))، وقال ﵊: ((جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم)). وفي أخبار السلف ومن تبعهم ما يشحذ الهمم للجهاد في سبيل الله.

стр. 203

علو همة السلف في الجهاد في سبيل الله حديثنا -بإذن الله تعالى- سيكون عن أمرين هما من ميادين علو الهمة: الأول: علو همة السلف ومن اتبعهم من الخلف في الجهاد في سبيل الله ﵎. الثاني: علو الهمة في البحث عن الحق. ثم بعد ذلك يأتي الكلام عن حال الأمة عند سقوط الهمة، ثم الكلام على أسباب الارتقاء بالهمة وأسباب انحطاط الهمة. أما ما يتعلق بعلو الهمة في الجهاد سبيل الله ﵎ فنحن نعلم أن الرعيل الأول من صفوة المسلمين قد علموا حينما رباهم رسول الله ﵌ أن في الجهاد فضلاً لا يضاهى، وخيراً لا يتناهى، فأيقنوا أن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الري العظيم في شرب كئوس الحتوف، فشمروا للجهاد عن ساق الاجتهاد، ونفروا إلى ذوي الكفر والعناد من شتى أصناف العباد، وجهزوا الجيوش والسرايا، وبذلوا في سبيل الله العطايا، وأقرضوا الأموال لمن يضاعفها ويزكيها، ودفعوا سلع النفوس من غير مماطلة لمشتريها، وضربوا الكافرين فوق الأعناق، واستعذبوا من المنية مر المذاق، وباعوا الحياة الفانية بالعيش الباق، ونشروا أعلام الإسلام في الآفاق. فمن ثم كان في الإشارة إلى بعض مناقبهم وخبر بلائهم ما عساه يوقظ الهمم الرقد، وينهض العزم المقعد، ومن لم تروه الإشارة فكتب التراجم -خاصة تراجم الصحابة رضي الله تعالى عنهم والفاتحين- مبسوطة فيها أخبار هؤلاء العظماء.

стр. 204

علو همة النبي ﵊ في الجهاد كان إمامهم الأوحد ورائدهم الأول في باب الجهاد -كما هو رائدهم في كل باب من أبواب الخير- خير من وطئ الحصى، رسول الله ﵌، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. ولا شك في أن رسول الله ﵌ كان أعلى البشر همة على الإطلاق؛ لأنه حاز من الكمال البشري أعلى قمة في كل وصف من صفات الكمال البشري. كان أشجع الناس، وأقواهم قلباً، وأثبتهم جناناً، وقد حضر المواقف الصعبة المشهورة، وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، ﷺ . وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة أو فترة، أما هو ﷺ فلم يفر قط، وحاشاه من ذلك ثم حاشاه ﵌، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لـ أبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا) يعني: يطمئنهم أنه بمجرد سماع هذا الصوت كان أسبقهم إلى الخروج ليراه، ثم رجع وهم بعد لم يشرعوا في الخروج ليستكشفوا ويستطلعوا هذا الصوت. وعلي ﵁ من أشجع فرسان العرب على الإطلاق، يحكي شجاعة رسول الله ﷺ في الحروب فيقول: (كنا إذا اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً) ﷺ . وقيل: كان الشجاع هو الذي يقرب منه ﷺ إذا دنا العدو لقربه منه. وقال عمران بن حصين ﵄: ما لقي رسول الله ﷺ كتيبة إلا كان أول من يضرب الأعداء.

стр. 205

علو همة الخلفاء الراشدين في الجهاد الشجعان في أمته ﷺ والأبطال لا يحصون عدة، ولا يحاط بهم كثرة، لاسيما أصحابه المؤيدين، الممدوحين في التنزيل بقول الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كلهم شجعان، فالشجاعة من الكمالات التي تحلى بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فأشجع الصحابة -وكلهم ﵃ شجعان- أفضل البشر جميعاً بعد الأنبياء، خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، هكذا شهد له علي بن أبي طالب ﵁ أنه أشجع الناس، وصدق ﵁، فقد كان أثبتهم قلباً وأقواهم جناناً، وحسبك من ذلك ثبات قلبه يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الخندق، ويوم الحديبية، ويوم حنين، بل ثبات قلبه وتثبيته المسلمين عند الخطب الأعظم والأمر الأفخم بموت رسول الله ﷺ . فلا يرتاب عاقل على الإطلاق في أن أشد مصيبة وقعت بالمسلمين على الإطلاق هي وفاة رسول الله ﷺ ، فهذه أشد قاصمة تعرض لها الإسلام، فإذا ما استحضرت أحداث هذا اليوم العصيب الذي هو أفظع مصيبة عاناها المسلمون -ولن يبتلوا أبداً بأشد منها- كما قال ﵊: (ليعزي المسلمين في مصائبهم المصيبة بي) يعني: إذا مات لأي مسلم بعد رسول الله ﵇ أي إنسان مهما كان عزيزاً عليه فليتذكر موت رسول الله ﷺ حتى يعزي نفسه- فإذا راجعنا أحداث هذا اليوم عرفنا كيف ثبت أبو بكر الصديق ﵁ ثباتاً لا نظير له، حتى عمر الفاروق لم يثبت، بل حصل له ما حصل من الاهتزاز والزلزلة حينما بلغه نبأ وفاة رسول الله ﷺ ، فلا شك في أن هذا من قوة إيمانه وثبات جنانه رضي الله تعالى عنه. وكذلك عزمه في قتال من ارتد حينئذ، فتلك الشريعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم، والهمة التي تنازلت لها أعالي الهمم. ومنهم الفاروق ناصر الدين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، الذي بلغ من الشجاعة والهمة الكبرى أقصى الغايات وأعلى النهايات، والأخبار في قوته في الدين وشدته على المشركين كثيرة مشهورة، ولو أفضنا في الكلام على مواقف عمر رضي الله تعالى عنه وشجاعته لاستوعب ذلك وقتاً كثيراً جداً. وهذا الليث الحفصاص، والغيث المدرار، ومفرق كتائب المشركين، والآتي من أنواع الشجاعة بما أوجب تحير المتحيرين، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كان درعه صدراً لا ظهر له، فقيل له: ألا تخاف أن تؤتى من قبل ظهرك؟! ينصحونه بأن يتخذ درعاً على ظهره، حتى إذا ما جاءه أحد الأعداء من قبل ظهره لا يتمكن أن يطعنه أو يصيبه، فقال علي ﵁: إن أمكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن أبقى علي. يعني أنه لا يمكن عدواً من أن يناله أبداً من ظهره، وفيه إشارة إلى أنه لا يفر أبداً ولا يولي الدبر؛ لأن العدو لن يقابل ظهره إلا إذا ولى الدبر. وذكر ابن عبد البر في صفة علي ﵁ أنه من شدة بأسه وشجاعته كان إذا أمسك بذراع رجل لم يستطع أن يتنفس. أي: يتوقف الرجل عن التنفس من شدة الخوف والبأس وقوة قبضة علي رضي الله تعلى عنه. وأخبار شجاعته وعلو همته ﵁ كثيرة مشهورة.

стр. 206

علو همة الصحابة في الجهاد في عهد رسول الله ﵊ لما استشار النبي ﷺ أصحابه ﵃ في القتال في غزوة بدر الكبرى قال له المقداد بن الأسود ﵁: (يا رسول الله! امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معك مقاتلون). وقال سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه في نفس الموقف: (فامض لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غداً، إننا صبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله). وعن أنس ﵁ قال: (انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، فجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه. فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض. قال عمير بن الحمام: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم. قال: بخ بخ -وهي كلمة تقال عند الرضا وعند الإعجاب والاستحسان للشيء-! فقال له رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك بخ بخ؟! قال: لا -والله- إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طولية -أي: كيف ينتظر في الدنيا حتى يفرغ من أكل تمرة أو تمرتين أو ثلاث؟! - فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل) رضي الله تعالى عنه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون -أي: انهزموا - قال: اللهم! أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه-، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-. ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها دون أحد - يحلف أنه يشم رائحة الجنة من جهة جبل أحد - قال سعد: فما استطعت -يا رسول الله- ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه - أي: مثلوا بجثته ومزقوها، حتى تلاشت جميع ملامح بدنه، فلم يستطع أحد أن يميزه إلا أخته بطرف أصبعه، وعرفت أن هذه هي جثة أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه-، قال أنس: كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه رضي الله تعالى عنه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]). أما في سرية مؤته فقد روي أن جعفر بن أبي طالب ﵁ أخذ اللواء بيمينه فقطعت يمينه، فأخذها بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه بعدما قطعت الذراعان، حتى قتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال: إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربه فقطعه نصفين، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، فتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد. أي: حصل عنده شيء من التردد في منازلة الأعداء، ثم جزم بعد ذلك وهتف بهذه الأبيات: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلنه أو لتكرهنه إن أجلد الناس وشدو الرنة مالي أراك تكرهين الجنة إلى أن قال: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيتي فقد أعطيتي إن تفعلي فعلهما هديت وإن تأخرت فقد شقيتي وقوله: (إن تفعلي فعلهما) يعني فعل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما. ثم نزل، فأتاه ابن عم له بعرق لحم فقال: شد بهذا صلبك؛ فإنك قد لقيت يومك هذا ما لقيت. فأخذه من يده فانتهش منه نهشة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس -أي: سمع صوت القتال في ناحية الناس- فقال: وأنت في الدنيا؟! -يعني: الناس يجاهدون وأنت تأكل هذا اللحم؟! - فألقاه من يديه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. وعن شداد بن الهاد رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك. فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غداة غنم النبي ﷺ شيئاً فقسم فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي ﷺ -أي: هذا نصيبك وحظك من الغنيمة- فأخذه، فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟! قال: قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا -وأشار إلى حلقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي ﷺ يحمل قد أصابه سهم حيث أشار - أي: في حلقه - فقال النبي ﷺ : أهو هو؟! فقالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه. ثم كفنه النبي ﷺ في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته - يعني: من الدعاء- اللهم! هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، أنا شهيد على ذلك)، وهذا الحديث صحيح، رواه النسائي.

стр. 207

علو همة الصحابة في جهاد المرتدين بعد وفاة رسول الله عن جعفر بن عبد الله بن أسلم قال: لما كان يوم اليمامة واصطف الناس كان أول من جرح أبو عقيل، رمي بسهم فوقع بين من منكبيه وفؤاده في غير مقتل، فأخرج السهم، ووهن له شقه الأيسر في أول النهار، وجر إلى الرحل، فلما حمي القتال يوم اليمامة وانهزم المسلمون وولوا رحالهم سمع معد بن عدي يصيح: يا للأنصار! الله الله، والكرة على عدوكم. فقال: عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد؟! ما فيك قتال -يعني: أنت لا تستطيع القتال! - قال: قد نوه المنادي باسمي-! إذ هو من الأنصار، فلما سمع كلمة: (يا للأنصار) قال: المنادي يناديني باسمي -. فقال ابن عمر: فقلت له: إنما يقول: يا للأنصار. ولا يعني الجرحى! قال أبو عقيل: أنا من الأنصار وأنا أجيبه ولو حبواً. قال ابن عمر: فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي: يا للأنصار! كرة كيوم حنين، فاجتمعوا رحمكم الله جميعاً، تقدموا فالمسلمون دريئة دون عدوهم. حتى أقحموا عدوهم الحديقة فاختلطوا واختلطت السيوف بيننا وبينهم، قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب، فوقعت إلى الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جرحاً كلها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة، قال ابن عمر: فوقفت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: يا أبا عقيل. فقال: (لبيك) بلسان ملتاث -يعني: بلسان منكسر، فقد كان ضعيف الكلام لأنه تفيض روحه-، ثم قال: لمن الدبرة؟! يعني: لمن النصر أو على من الهزيمة؟ يريد أن يطمئن على نتيجة القتال، قال: قلت: أبشر قد قتل عدو الله. فرفع أصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله. ومنهم البراء بن مالك أخو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فعن ابن سيرين ﵀ أن المسلمين انتهوا إلى حائط فيه رجال من المشركين، فقعد البراء على ترس وقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم. فألقوه وراء الحائط، قال: فأدركوه وقد قتل منهم عشرة -يعني: دخل على جيش الأعداء داخل الحديقة وقتل منهم عشرة- وجرح البراء يومئذ بضعاً وثمانين جراحة ما بين رمية وضربة، فأقام عليه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه شهراً حتى برئ من جراحته رضي الله تعالى عنه. وعن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري قال: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ . أي: ما أعجبه قتال أصحابه في ذلك اليوم، فماذا فعل؟! فحفر لنفسه حفرة ودخل فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ، فقاتل حتى قتل يوم اليمامة شهيداً سنة اثنتي عشرة. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مررت يوم اليمامة بـ ثابت بن قيس بن شماس وهو يتحنط. يعني: يضع الحنوط الذي هو نوع من الطيب مخصوص للموتى، وكان السلف يفعلون ذلك إذا خرجوا للجهاد من باب حث النفوس على الموت وتصميم العزم على نيل الشهادة في سبيل الله ﵎. قال أنس: فقلت: يا عم! ألا ترى ما يلقى المسلمون وأنت هاهنا؟! يعني: المسلمون في الجهاد والقتال شديد وأنت هنا تتحنط بهذا الطيب؟! قال: فتبسم، ثم قال: الآن يا ابن أخي. فلبس سلاحه وركب فرسه حتى أتى الصف، فقال: أف لهؤلاء وما يصنعون. وقال للعدو: أف لهؤلاء وما يعبدون، خلوا عن سبيله -يعني: افسحوا الطريق عن الفرس- حتى أصلى بحرها. فحمل فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. وعن عبد الله بن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى! أأنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟! قال: نعم. قال: فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام. ثم كسر جفن سيفه -أي: الغمد- ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل رضي الله تعالى عنه.

стр. 208

علو همة خالد بن الوليد في الجهاد وهذا سيف الله تعالى وفارس الإسلام وليث المشاهد قائد المجاهدين أبو سليمان خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما حضرته الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وهأنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. يعني: وما قتلت مع ذلك. فيدعو على الجبناء الذين يجبنون عن الجهاد خوفاً من الموت بأن لا يناموا، وأن يزيد الله من فزعهم من الموت. وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل قال: لما حضرت خالداً الوفاة قال: لقد طلبت القتل مظانه، فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متترس، والسماء تهلني، ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا مت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعاً أو لقلقة. فهذه الأمة حينما بنيت هذا البناء المتين الذي طبق مشارق الأرض ومغاربها، والذي يستعصي على الاقتلاع حتى اليوم إنما هو أثر من آثار وبركة من بركات جهاد الصحابة الأوائل رضي الله تعالى عنهم، فكل ما نحن فيه من نعمة الإسلام في آفاق الأرض إنما هو بسبب جهاد الصحابة، فالصحابة لو قطنوا في جزيرة العرب، ولو اعتزلوا وناموا لما انتشر الإسلام، ولما وصلتنا هذه النعمة العظيمة التي هي أجل النعم على الإطلاق في هذا الوجود، أي: نعمة الإسلام. فتباً لهؤلاء الذين يريدون أن يطفئوا النور الذي أضاء الصحابة به ربوع الأرض كلها، من أعداء الله من العلمانيين الملحدين، وأعداء الدين الذين كل جهدهم الآن أن يطفئوا نور الله، وأن يمحوا ويقتلعوا ويجففوا منابع الإسلام، جفف الله الدم في عروقهم أجمعين. فانظر إلى هذه الشجاعة، إنها شيء لا يكاد يتصور ولا يتخيل من قائد عسكري هو أعظم قواد الإسلام على الإطلاق، فماذا فعل خالد في إحدى المعارك؟ لقد بلغ من شجاعة خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أن جيش الأعداء كان واقفاً يصطف في الصفوف، ويقف قائد الفرس لينظم صفوفهم، وإذا بـ خالد ينطلق كالبرق ليحتضن القائد ويخطفه، ويعود به من وسط جيوشه إلى جيش المسلمين أسيراً! شيء لا يكاد يتخيله إنسان، فهل هناك قلب يكون عنده مثل هذه الشجاعة وهذه السرعة وهذا الإنجاز؟! انطلق إليه بدون حراسة معه، وبدون قوات معه، ولا شك في أن هذا أثار ذهول الأعداء، وما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً أمام هذه الشجاعة النادرة، فرضي الله تعالى عن خالد وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 209

علو همة الصحابة في جهاد الروم روي عن عبد الله بن حذافة رضي الله تعالى عنه أنه أسرته الروم، فحبسه طاغية في بيت، ووضع له في هذا البيت ماءاً ممزوجاً بخمر ولحم خنزير مشوي؛ ليأكل الخنزير ويشرب الخمر، وتركه ثلاثة أيام، فلا هو شرب الماء؛ لأن فيه خمراً، ولا أكل لحم الخنزير المشوي مع جوعه، ثم أخرجوه حين خافوا من موته من الجوع، فقال: والله لقد كان أحله الله لي؛ لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتكم بدين الإسلام. وعبد الله بن حذافة السهمي صحابي توفي بمصر ودفن بمقبرتها في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وله قصة مشهورة حكاها أبو رافع قال: وجه عمر جيشاً إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد ﷺ . فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟! وفي بعض الروايات أنه عرض عليه أن يزوجه ابنته أيضاً. فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. قال: إذن أقتلك. قال: أنت وذاك، فأمر به فصلب، وقال للرماة: ارموه قريباً من بدنه. وأراد إرهابه فقط، وهو يعرض عليه أثناء ذلك النصرانية ويأبى، فأنزله ودعا بقدر فصب فيه ماء يغلي، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما فألقي في القدر وهو يعرض عليه النصرانية يأبى، ثم بكى، فقيل للملك: إنه بكى لما رأى الأسير الذي أدخلوه في ذاك الإناء الذي يغلي فخرج وهو عظام تلوح قد ذاب لحمه وشحمه في هذا الماء المغلي. فظن أنه قد جزع وخاف، فقال: ردوه. ثم سأله: ما أبكاك؟ قال: قلت: هي نفس واحدة، تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله. فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال له عبد الله: عن جميع الأسارى؟ قال: نعم. فقبل رأسه. وعدو الله أراد أن يقبل رأسه ليرضي غروره، فحينما وازن الأمرين وجد أن إنقاذ إخوانه المسلمين أهم، وما قبل أن يفرج عنه وحده، وأقبل بالأسارى على عمر ﵁ فأخبره خبره، فقال عمر ﵁: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل المسلمون رأسه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. يقول الشاعر: أجدر الناس بالكرامة عبد تلفت نفسه ليسلم دينه ولقد استوصى عابدٌ من العباد صاحباً له عمَّا يفعل من العبادات والطاعات فقال: هو بذل الروح، وإلا فلا تشتغل بالترهات. يعني: أعظم ما تتقرب به إلى الله بذل روحك، وما عدا ذلك فترهات، يقول الشاعر: الجود بالمال جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصى غاية الجود وعن العلاء بن سفيان الحضرمي قال: غزا بسر بن أبي أرطأة الروم، فجعلت ساقه لا تزال تصاب -والمراد ساقة الجيش- فيكمن لهم الكمين فيصاب الكمين فلما رأى ذلك تخلف في مائة من جيشه، فانفرد يوماً في بعض أودية الروم، فإذا براذين مربوطة -جمع برذون، والبرذون يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، وهو عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحافر- فإذا براذين مربوطة نحو ثلاثين، والكنيسة إلى جانبهم -يعني: هؤلاء الفرسان هم الذين كانوا دائماً يصيبون ساقته في الكمائن- فنزل عن فرسه فربطه، وقد انفرد عن إخوانه المائة الذين كانوا معه، فلما رأى ثلاثين برذوناً عرف أن في الكنيسة ثلاثين فارساً، فدخل الكنيسة فأغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه -أي: كيف تصل به الشجاعة إلى أن يغلق الباب عليهم أجمعين، مع أنه واحد- فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع منهم ثلاثة، وفقده أصحابه في ذلك الوقت، فطلبوه، فوجدوا الفرس الخاص به مربوطاً إلى جوار تلك البراذين، فعرفوه، وسمعوا الجلبة والأصوات من داخل الكنيسة، فأتوها فإذا بابها مغلق، فقلعوا بعض الخشب من السقف ونزلوا عليهم، وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده قد أصابه هؤلاء الفرسان، وقد قتل منهم ثلاثة وبقي سبعة وعشرون، وظل يقاتل سبعة وعشرين وهو وحده، فجرحوا منه بطنه فانزلقت أمعاؤه، فأخذ يقاتلهم وهو ممسك الأمعاء بيده حتى لا تسقط، ونزلوا عليهم وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده، والسيف بيده اليمنى، فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشياً عليه، فأقبلوا على أولئك فأسروا وقتلوا، فأقبلت الأسارى فقالوا: ننشدكم الله، من هذا؟ قالوا: بسر بن أبي أرطأة. فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله. فعمدوا إلى أمعائه فردوها إلى جوفه، ولم ينخرط منها شيء، ثم ربطوه بعمائمهم وحملوه، ثم خاطوه فسلم وعوفي رحمه الله تعالى.

стр. 210

علو همة الصحابة في جهاد الفرس إن كبيري الهمم من المجاهدين يهوون رفع الثقيل من الأمور، وخوض المخاطر، واقتحام العقبات، فأولئك النخعيون الذين تسابقوا على الاستشهاد في معركة القادسية قال واحد منهم: أتينا القادسية، فقتل منا كثير من النخعيين ومن سائر الناس قليل، فسئل عمر ﵁ عن ذلك فقالوا: إن النخع ولو أعظم الأمر وحدهم. يعني: هم الذين تجردوا للجهاد في هذه الوقعة. ورفع الله الحرج عن المعذورين، فقال عز من قائل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، فعذر الحق أصحاب الأعذار، لكن ما صبرت القلوب، فالأبدان معذورة لكن القلوب لا تصبر ولا تتعاطى الرخصة، فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد، وطلب أن يعطى اللواء، مع أنه أعمى، فأخذه مصعب بن عمير، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها، فأمسكه بيده الأخرى، فضرب اليد الأخرى، فأمسكه بصدره وقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤] فهذه عزائم القوم، والحق يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، وهو من هؤلاء المعذورين. وعمرو بن الجموح من كبار الأنصار كان أعرج، وكان في أول الجيش، قال له الرسول ﷺ : (إن الله قد عذرك) فقال: والله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة. وكر الفرس كرة على غرة، فرجع المسلمون متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة؛ لأنه يجوز الفرار إذا كان لأجل الكر والفر أثناء القتال، فيفر المجاهد من أمام العدو حتى يأتيهم من جهة أخرى، أو يعود إلى كتيبة المسلمين يتزود منها ثم يعود، فالمسلمون لما بوغتوا وفوجئوا بهذه الحملة من الكفار رجعوا حتى يرتبوا أنفسهم ويعودوا للقتال، فطاردهم هؤلاء المشركون الفرس، فلم يستطيعوا أن يأسروا منهم أحداً إلا أضعف الناس سيراً وقت الانسحاب أو التقهقر، فاختطفوه أسيراً وعادوا به. فتصور الآن أضعف واحد في الجيش الإسلامي كيف كان مفهوم الجهاد في سبيل الله في حسه، هذا هو الأضعف الذي لم يستطع الجري ومن ثم أسر، فانظر إلى مستوى الوعي والفهم لحقيقة رسالته في هذه الحياة. قال له رستم قائد جيش الفرس: ما جاء بكم، وما تطلبون؟! فقال له هذا المسلم: جئنا نطلب موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: أرضكم ودياركم وأبناؤكم إن أبيتم أن تسلموا، ومن قتل منا أدخله الله الجنة، وأنجز لمن بقي منا وعده، فنحن على يقين. قال: قد وضعنا إذاً في أيديكم! فقال له المسلم: ويحك يا رستم! إن أعمالكم وضعتكم، فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى من حولك؛ فإنك لست تحارب الإنس، وإنما تحارب قضاء الله وقدره، ونحن قضاء الله وقدره. فهذا الرجل هو أضعف مجاهد في جيش المسلمين، فانظر إلى فهمه لغايته في الجهاد. ولقد أوجز خالد بن الوليد وأبلغ حين وصف جنود الإسلام وهو يخاطب الفرس بقوله: قد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة. فهذا وصف صادق باختصار شديد، وهذا ما يعرفه كل أعداء الإسلام في شتى الأعصار والأزمان.

стр. 211

علو همة التابعين في الجهاد لقد كان التابعي الجليل أبو وائل شقيق بن سلمة الأزدي ﵀ من نتاج تربية الأربعة الخلفاء الراشدين وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وغيرهم رضي الله تعالى عنهم. عاف التجارات والبيوت لانشغاله بالجهاد، لم يكن له بيت يدخل فيه، ولم يكن يشتغل في تجارة، وما كان يعرف أي شيء عن هذه الأشياء، بنى له في الكوفة خصاً صغيراً يسعه هو وفرسه وسلاحه فقط، فمساحة الخص الذي اتخذه تسع جسده والفرس والسلاح فقط. وبقي طول عمره متحفزاً للجهاد، يخرج للجهاد ويعود إلى هذا الحصن، حتى لم يعد يعرف موازين السوق التي يتعامل بها الناس؛ لأنه لم يمارس هذه الأشياء أبداً، وإنما عاش كل حياته من الجهاد وإلى الجهاد. وكان إذا خلا ينشج -أي: يبكي بصوت وتوجع- من خشية الله ، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل، وكان له خص يكون فيه هو وفرسه، فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه. هكذا كانوا يمضون نحو غايتهم الكبرى لا يلتفتون إلى الوراء، ويقول أحدهم غير وجل ولا آسف: وأراني أسمو بسعيي ووعيي عن جزاء من معدن الأرض بخس حسب نفسي من الجزاء شعوري أنني في الإله أبذل نفسي يعني: يسمو ويتعالى عن أن يكون هدفه من الجهاد في سبيل الله عن جزاء من معدن الأرض بخس من ذهب أو فضة أو مال. وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى وهو الإمام المجاهد الكبير: بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفس بما ليست له ثمناً إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا وعن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري أن علي بن أسد كان قد قتل وصنع أموراً عظاماً -أي: من الظلم والخطايا- فمر ليلة بالكوفة، فإذا برجل يقرأ من جوف الليل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فلما سمع الآية قال علي: أعد. فأعاد، ثم قال: أعد. فأعاد، ثم قال: أعد، فأعاد، فعمد فاغتسل، ثم غسل ثيابه فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء، وصارت ركبتاه كركبتي بعير، فغزا في البحر فلقي الروم، واقتربت مراكبهم من مراكب العدو، قال علي: لا أطلب الجنة بعد اليوم أبداً -يعني: هذه الفرصة لن أضيعها؛ لأني لا أعيش بعد اليوم، بل أطلب الشهادة الآن وهي توصلني إلى الجنة-. فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فمازال يضربهم وينحازون -أي: ينحازون كلهم إلى جانب واحد- حتى مالوا في شق واحد فانكفأت بهم السفينة فغرق وعليه درع حديد رحمه الله تعالى. ويروى أن عقبة بن نافع وقف على شاطئ المحيط الأطلسي وخاض في مياهه بفرسه قائلاً: والله -أيها البحر- لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتك وفتحتها بإذن الله. فانظر إلى الهمة في بلوغ غاية الإمكان؛ لأن هذا أقصى ما استطاع أن يصل إليه، فلكي يمعن في التعبير عن هذا الإصرار خاض في البحر خطوات، وكان لا يعرف أن هناك أرضاً وراء هذا البحر.

стр. 212

علو همة السلاجقة في الجهاد في عام (٤٦٣) من الهجرة سار ملك الروم أرمنوس إلى بلاد المسلمين بمائتي ألف مقاتل على أقل تقدير للمؤرخين، كان هذا الجيش كثيفاً يضم أخلاطاً من الروم والفرنجة والروس والصرب والأرمن والبوشناق، واتخذ طريقه إلى العراق، وقبل أن ينطلق من أوروبا أقطع بطارقته الأرض حتى بغداد، فالأرض من المكان الذي هو فيه إلى بغداد قسمها كلها على البطارقة، فكان يقول لكل منهم: أنت ستملك كذا، وأنت ستحكم كذا. ونحو ذلك، فجعلها إقطاعات لهم كأنه ضامن أنه سيستولي على هذه الأرض كلها. فأقطع بطارقته الأرض حتى بغداد، وعين له نائباً على بغداد قبل أن يسير، واستوصى نائبه بالخليفة خيراً. وقد عزم أرمنوس أن يبيد الإسلام وأهله، وإذا انتهى من العراق وخراسان مال على الشام ميلة واحدة فأباد المسلمين فيها أيضاً. خرج أرمنوس من القسطنطينية متجهاً نحو الشرق، فوصل إلى ملاذكرت في شرقي تركيا اليوم على مقربة من بحيرة (وان)، وأتى الخبر إلى ألب أرسلان السلطان السلجوقي وهو في أذربيجان وقد عاد من حلب، فلم يتمكن من جمع الجند لبعده عن مقر حكمه، ولقرب العدو منه، فسار بمن معه وهم خمسة عشر ألفاً. أي أن خمسة عشر ألفاً يواجهون مائتي ألف. وسار متوكلاً على الله للقاء هذا العدو، وقال: إنني أقاتل محتسباً صابراً، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ابني ملك شاه ولي عهدي. وجد في السير وأرسل مقدمته أمامه، فالتقت عند مدينة خلاط بمقدمة الروم، وكان عددهم عشرة آلاف، فهزم الروم بإذن الله وأسر قائدهم. واقترب الجمعان بعضهما من بعض، وأرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه الهدنة، فقد خافه لكثرة من معه؛ إذ يفوق جند ملك الروم جند المسلمين بخمسة عشر ضعفاً، غير أن ملك الروم قد أخذته العزة بالإثم فقال: لا هدنة إلا في الري. ومدينة الري هي طهران، ولم يدر أنه يقدم قومه إلى الهاوية، فتأثر السلطان من هذا الرد المتغطرس، فاستشار إمام جنده أبا نصر محمد بن عبد الملك البخاري، فأجابه: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر؛ فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة. وكان يومها يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وجاء يوم الجمعة، وحان وقت الزوال، فصلى أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بالناس، فبكى السلطان وبكى الناس لبكائه ودعوا معه بعد الصلاة، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وإنما الجهاد والرغبة في لقاء الله. ثم ألقى القوس وأخذ السيف، ولبس البياض وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني. وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما اقترب منهم ترجل -أي: نزل عن الفرس- ومرغ وجهه في التراب وبكى، وأكثر من الدعاء وطلب النصر من الله . ثم ركب وحمل على الروم، وحمل المسلمون حتى وصلوا إلى وسط الروم، وحجز الغبار بينهم، وما هي إلا جولة حتى أنزل الله نصره، وهزمت الروم، ومنحوا المسلمين أجسادهم، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً حتى امتلأت الأرض بالجثث، وقدر عدد القتلى بمائة وخمسين ألفاً، أي أن كل مسلم قد قتل عشرة من الروم، ووقع ملك الروم أرمنوس وبطارقته جميعاً أسرى بأيدي المسلمين، وحمل أرمنوس إلى السلطان ألب أرسلان، فلما وقف بين يديه ضربه على رأسه بالعصا ثلاث مرات، وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟ قال: كل قبيح قال: فما ظنك بي؟! قال: إما أن تقتل بعد أن تشهر بي في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني. قال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى نفسه بمليون ونصف من الدنانير، فقام بين يدي السلطان، وسقاه شربة من ماء، وقبل الأرض بين يديه، وقد ترك له السلطان عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة الأسرى.

стр. 213

علو همة يعقوب المراكشي في الجهاد من علو همة السلطان المنصور أبي يوسف يعقوب بن السلطان يوسف بن السلطان عبد المؤمن بن علي المغربي المراكشي الظاهري أنه كتب إليه الأذفونش يهدده، -والأذفونش هو القائد من الكفار في الأندلس- فكتب إليه الأذفونش يهدده ويعنفه، ويطلب منه بعض البلاد، ويقول: ما لك تتباطأ، أنا أتخذ حداً للقتال وأنت تتباطأ، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فما أدري الجبن بطأ بك أو التكذيب بما وعد نبيك؟! يعني: لو كنت تعتقد أن هناك جنة ثواباً، وأنك إذا قتلت ستدخل الجنة فما الذي يمنعك من أن تأتي حتى تقاتلني؟! فلما قرأ الكتاب تنمر وغضب ومزقه، وكتب على رقعة منه بعدما مزقه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧] الجواب ما ترى لا ما تسمع: ولا كُتْب إلا المشرفية عندنا ولا رسُل إلا الخميس العرمرم. أي: الجيش. ثم استنفر سائر الناس، وحشد وجمع، حتى احتوى ديوان جيشه على مائة ألف، ومن المطوعة مثلهم، وذهب إلى الأندلس، فتمت الملحمة الكبرى، ونزل النصر والظفر، فقيل: غنموا ستين ألف درع. وقال ابن الأثير: قُتِل من العدو مائة ألف وستة ألفاً، ومن المسلمين عشرون ألفاً.

стр. 214

علو همة صلاح الدين الأيوبي إننا إذا أردنا أن نتكلم عن حال الأمة عند صدق الهمم لا نحتاج إلى الكلام؛ لأنه واقع نعيشه بكل مرارته، فيكفي أن القدس تضيع رسمياً بهذه الصورة، والناس ليس على بالهم على الإطلاق موضوع القدس التي ضاعت أو كادت بصورة مذلة ومهينة، حتى كأنه لم تعد تتحرك شعرة في بلاد المسلمين لهذه المصيبة ولهذه المذلة ولهذا الهوان. فانظر إلى صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، يقول القاضي ابن شداد: كان ﵀ عنده من أمر القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فهو كالوالدة الثكلى -أي: الأم التي مات ابنها- من الحزن على بيت المقدس، يجول بنفسه من طلب إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد، وينادي: يا للإسلام! وعيناه تذرفان الدموع. ونظر صلاح الدين الأيوبي ﵀ إلى أمواج البحر الهادرة، ثم التفت إلى القاضي ابن شداد وقال: ألا أخبرك شيئاً في نفسي: إنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد ووطيت ووسعت، وركبت هذا البحر إلى جزائله، وأتبعتهم - يعني: الصليبيين - فيها - يعني: في ديارهم في أوروبا - حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت. فهذه هي همة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى. وبعد وقعة حطين التي هزم فيها صلاح الدين الأيوبي ﵀ هؤلاء الصليبيين هزيمة منكرة باع بعض الفقراء من المسلمين أسيراً بنعل، فقيل له في ذلك فقال: أردت هوانهم. يعني أن الأسير الكافر يساوي عندي نعلاً. ويمكن أن يأخذ فيه مالاً أكثر من ذلك إذا بيع عبداً، لكن قال: أردت هوانهم. فتأمل ذلك المشهد المرير الذي حصل أثناء حرب الخليج، حيث وقف الجندي العراقي يقبل حذاء الجندي الأمريكي، والله أعلم بحقيقة هذا الأمر، في كونه تمثيلاً أو غير تمثيل، لكن يكفي هذا الأمر الأليم، حيث يقبل قدم الجندي الأمريكي، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وحكى بعضهم بعد حطين أنه لقي بحوران رجلاً واحداً ومعه صلب خيمة -أي: عمود خيمة- قد ربط فيه نيفاً وثلاثين أسيراً يجرهم وحده، فهو وحده أسر ثلاثين من الصليبيين يجرهم في هذه الخشبة وقد ربطهم بها للخذلان الذي وقع عليهم. وقال عماد الكاتب في حصاد موقعة حطين: فمن شاهد القتلى يومئذ قال: ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل. يعني من كثرة أعداد الأسرى والقتلى.

стр. 215

علو همة السرماري في الجهاد من منازل علو الهمة في الجهاد في سبيل الله ﵎ علو همة فارس الإسلام السرماري وهو الذي قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في وصفه: الإمام الزاهد العابد المجاهد فارس الإسلام أبو إسحاق، يقول الذهبي: وكان أحد الثقاة، وبشجاعته يضرب المثل. وقال أيضاً في موطن آخر: أخبار هذا الغازي تسر قلب المسلم. وقال: قال إبراهيم بن عفان البزاز: كنت عند أبي عبد الله البخاري، فجرى ذكر أبي إسحاق السرماري فقال: ما نعلم في الإسلام مثله. فخرجت فإذا أحمد رئيس المطوعة، فأخبرته بما قاله أبو عبد الله البخاري في السرماري، فلما سمع أحمد بذلك غضب، ودخل على البخاري وسأله، فقال: ما كذا قلت! بل ما بلغنا أنه كان في الإسلام ولا في الجاهلية مثله. يعني: في الشجاعة. وعن أحمد بن إسحاق السرماري قال: ينبغي لقائد الغزاة أن يكون فيه عشر خصال: أن يكون في قلب الأسد لا يجبن، وفي كبر النمر لا يتواضع للأعداء، وفي شجاعة الدب يقتل بجوارحه كلها، وفي حنة الخنزير لا يولي دبره، وفي غارة الذئب إذا أيس من وجه أغار من وجه، وفي حمل السلاح كالنملة تحمل أكثر من وزنها، وفي الثبات كالصخر، وفي الصبر كالحمار، وفي الوقاحة كالكلب لو دخل صيده النار لدخل خلفه، وفي اقتناص الفرصة كالديك. قال إبراهيم بن شماس: كنت أكاتب أحمد بن إسحاق السرماري فكتب إلي: إذا أردت الخروج إلى بلاد الغزية في شراء الأسرى فاكتب إلي. فكتبت إليه، فقدم سمرقند، فخرجنا، فلما علم جعبويه استقبلنا في عدة من جلوسه -وهو قائد جيش الكفار- فأقمنا عنده، فعرض يوماً جيشه -وهو الاستعراض العسكري- فمر رجل، فعظمه وخلع عليه -أي: أن هذا جندي في جيش الكفار أخذ جعبويه يمدحه ويعظمه، وخلع عليه من الهدايا والهبات- فسألني عن السرماري فقلت: هذا رجل مبارز يعد بألف فارس. قال: أنا أبارزه. فسكت، فقال: جعبويه: ما يقول هذا؟ قلت: يقول كذا وكذا. قال: لعله سكران لا يشعر، ولكن غداً نركب. فلما كان الغد ركبوا، فركب السرماري ومعه عمود خبأه في كمه، فقام بإزاء المبارز الذي هو مقدم عندهم، فقصده فهرب أحمد حتى باعده من الجيش، فظل يتراجع ويظهر التراجع أمامه حتى يبعده عن باقي الجيش، ثم كر عليه وضربه بالعمود فقتله، فتبعه إبراهيم بن شماس -لأنه كان سبقه- فلحقه، وعلم زيغويه فجهز في طلبه خمسين فارساً نقاوة فأدركوه، فثبت تحت تل من الرمال مختفياً، حتى مروا كلهم واحداً بعد واحد، وجعل يضربهم بعموده من ورائهم، إلى أن قتل تسعة وأربعين من الوراء، وأمسك واحداً، فقطع أنفه وأذنيه وأطلقه حتى يرجع ويخبر بما حدث؛ لأنه شاهد عيان. ثم بعد عامين توفي أحمد، وذهب ابن شماس في الفداء فقال له جعبويه: من ذاك الذي قتل فرساننا؟! قال: ذلك أحمد السرماري. قال: فلم لم تحمله معك؟ قلت: توفي. فصك في وجهي -أي: ضربه في وجهه- وقال: لو أعلمتني أنه هو لكنت أعطيته خمسمائة برذون وعشرة آلاف شاة. وعن عبيد الله بن واصل قال: سمعت أحمد السرماري يقول وأخرج سيفه: أعلم يقيناً أني قتلت به ألف تركي، وإن عشت قتلت به ألفاً آخر، ولولا خوفي أن يكون بدعة لأمرت أن يدفن معي. فانظر إلى غاية اتباعه وورعه في أدق الأشياء، يعني: لولا خوفه أن يكون بدعة لأوصى أن يدفن سيفه معه في قبره، مع أن هذا السيف استعمله في الجهاد، فيا عجباً ممن يوصي أن يدفن معه العود -آلة الموسيقى- في قبره! وعن محمود بن سهل الكاتب قال: كانوا في بعض الحروب يحاصرون مكاناً، ورئيس العدو قاعد على صفة -يعني: على ظلة وعلى بهو واسع وسقفه عال-، فرمى السرناري سهماً فغرزه في الصفة، فأومأ الرئيس إلى أحد الجند لينزعه، فرماه بسهم آخر فأصاب يده فثبتها في الخشبة، فتطاول الكافر لينزعه من يده فرماه بسهم ثالث في نحره، فانهزم العدو وكان الفتح. وعن عمران بن محمد المطوعي قال: سمعت أبي يقول: كان عمود السرناري ثمانية عشر مناً، والمن رطلان، فلما شاخ جعله اثني عشر مناً، وكان يقاتل بالعمود رحمه الله تعالى.
следующие страницы →