← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37002

سلسلة علو الهمة - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (305 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

علو همة التابعين في الجهاد لقد كان التابعي الجليل أبو وائل شقيق بن سلمة الأزدي ﵀ من نتاج تربية الأربعة الخلفاء الراشدين وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وغيرهم رضي الله تعالى عنهم. عاف التجارات والبيوت لانشغاله بالجهاد، لم يكن له بيت يدخل فيه، ولم يكن يشتغل في تجارة، وما كان يعرف أي شيء عن هذه الأشياء، بنى له في الكوفة خصاً صغيراً يسعه هو وفرسه وسلاحه فقط، فمساحة الخص الذي اتخذه تسع جسده والفرس والسلاح فقط. وبقي طول عمره متحفزاً للجهاد، يخرج للجهاد ويعود إلى هذا الحصن، حتى لم يعد يعرف موازين السوق التي يتعامل بها الناس؛ لأنه لم يمارس هذه الأشياء أبداً، وإنما عاش كل حياته من الجهاد وإلى الجهاد. وكان إذا خلا ينشج -أي: يبكي بصوت وتوجع- من خشية الله ، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل، وكان له خص يكون فيه هو وفرسه، فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه. هكذا كانوا يمضون نحو غايتهم الكبرى لا يلتفتون إلى الوراء، ويقول أحدهم غير وجل ولا آسف: وأراني أسمو بسعيي ووعيي عن جزاء من معدن الأرض بخس حسب نفسي من الجزاء شعوري أنني في الإله أبذل نفسي يعني: يسمو ويتعالى عن أن يكون هدفه من الجهاد في سبيل الله عن جزاء من معدن الأرض بخس من ذهب أو فضة أو مال. وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى وهو الإمام المجاهد الكبير: بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفس بما ليست له ثمناً إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا وعن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري أن علي بن أسد كان قد قتل وصنع أموراً عظاماً -أي: من الظلم والخطايا- فمر ليلة بالكوفة، فإذا برجل يقرأ من جوف الليل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فلما سمع الآية قال علي: أعد. فأعاد، ثم قال: أعد. فأعاد، ثم قال: أعد، فأعاد، فعمد فاغتسل، ثم غسل ثيابه فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء، وصارت ركبتاه كركبتي بعير، فغزا في البحر فلقي الروم، واقتربت مراكبهم من مراكب العدو، قال علي: لا أطلب الجنة بعد اليوم أبداً -يعني: هذه الفرصة لن أضيعها؛ لأني لا أعيش بعد اليوم، بل أطلب الشهادة الآن وهي توصلني إلى الجنة-. فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فمازال يضربهم وينحازون -أي: ينحازون كلهم إلى جانب واحد- حتى مالوا في شق واحد فانكفأت بهم السفينة فغرق وعليه درع حديد رحمه الله تعالى. ويروى أن عقبة بن نافع وقف على شاطئ المحيط الأطلسي وخاض في مياهه بفرسه قائلاً: والله -أيها البحر- لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتك وفتحتها بإذن الله. فانظر إلى الهمة في بلوغ غاية الإمكان؛ لأن هذا أقصى ما استطاع أن يصل إليه، فلكي يمعن في التعبير عن هذا الإصرار خاض في البحر خطوات، وكان لا يعرف أن هناك أرضاً وراء هذا البحر.

стр. 212

علو همة السلاجقة في الجهاد في عام (٤٦٣) من الهجرة سار ملك الروم أرمنوس إلى بلاد المسلمين بمائتي ألف مقاتل على أقل تقدير للمؤرخين، كان هذا الجيش كثيفاً يضم أخلاطاً من الروم والفرنجة والروس والصرب والأرمن والبوشناق، واتخذ طريقه إلى العراق، وقبل أن ينطلق من أوروبا أقطع بطارقته الأرض حتى بغداد، فالأرض من المكان الذي هو فيه إلى بغداد قسمها كلها على البطارقة، فكان يقول لكل منهم: أنت ستملك كذا، وأنت ستحكم كذا. ونحو ذلك، فجعلها إقطاعات لهم كأنه ضامن أنه سيستولي على هذه الأرض كلها. فأقطع بطارقته الأرض حتى بغداد، وعين له نائباً على بغداد قبل أن يسير، واستوصى نائبه بالخليفة خيراً. وقد عزم أرمنوس أن يبيد الإسلام وأهله، وإذا انتهى من العراق وخراسان مال على الشام ميلة واحدة فأباد المسلمين فيها أيضاً. خرج أرمنوس من القسطنطينية متجهاً نحو الشرق، فوصل إلى ملاذكرت في شرقي تركيا اليوم على مقربة من بحيرة (وان)، وأتى الخبر إلى ألب أرسلان السلطان السلجوقي وهو في أذربيجان وقد عاد من حلب، فلم يتمكن من جمع الجند لبعده عن مقر حكمه، ولقرب العدو منه، فسار بمن معه وهم خمسة عشر ألفاً. أي أن خمسة عشر ألفاً يواجهون مائتي ألف. وسار متوكلاً على الله للقاء هذا العدو، وقال: إنني أقاتل محتسباً صابراً، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ابني ملك شاه ولي عهدي. وجد في السير وأرسل مقدمته أمامه، فالتقت عند مدينة خلاط بمقدمة الروم، وكان عددهم عشرة آلاف، فهزم الروم بإذن الله وأسر قائدهم. واقترب الجمعان بعضهما من بعض، وأرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه الهدنة، فقد خافه لكثرة من معه؛ إذ يفوق جند ملك الروم جند المسلمين بخمسة عشر ضعفاً، غير أن ملك الروم قد أخذته العزة بالإثم فقال: لا هدنة إلا في الري. ومدينة الري هي طهران، ولم يدر أنه يقدم قومه إلى الهاوية، فتأثر السلطان من هذا الرد المتغطرس، فاستشار إمام جنده أبا نصر محمد بن عبد الملك البخاري، فأجابه: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر؛ فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة. وكان يومها يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وجاء يوم الجمعة، وحان وقت الزوال، فصلى أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بالناس، فبكى السلطان وبكى الناس لبكائه ودعوا معه بعد الصلاة، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وإنما الجهاد والرغبة في لقاء الله. ثم ألقى القوس وأخذ السيف، ولبس البياض وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني. وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما اقترب منهم ترجل -أي: نزل عن الفرس- ومرغ وجهه في التراب وبكى، وأكثر من الدعاء وطلب النصر من الله . ثم ركب وحمل على الروم، وحمل المسلمون حتى وصلوا إلى وسط الروم، وحجز الغبار بينهم، وما هي إلا جولة حتى أنزل الله نصره، وهزمت الروم، ومنحوا المسلمين أجسادهم، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً حتى امتلأت الأرض بالجثث، وقدر عدد القتلى بمائة وخمسين ألفاً، أي أن كل مسلم قد قتل عشرة من الروم، ووقع ملك الروم أرمنوس وبطارقته جميعاً أسرى بأيدي المسلمين، وحمل أرمنوس إلى السلطان ألب أرسلان، فلما وقف بين يديه ضربه على رأسه بالعصا ثلاث مرات، وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟ قال: كل قبيح قال: فما ظنك بي؟! قال: إما أن تقتل بعد أن تشهر بي في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني. قال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى نفسه بمليون ونصف من الدنانير، فقام بين يدي السلطان، وسقاه شربة من ماء، وقبل الأرض بين يديه، وقد ترك له السلطان عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة الأسرى.

стр. 213

علو همة يعقوب المراكشي في الجهاد من علو همة السلطان المنصور أبي يوسف يعقوب بن السلطان يوسف بن السلطان عبد المؤمن بن علي المغربي المراكشي الظاهري أنه كتب إليه الأذفونش يهدده، -والأذفونش هو القائد من الكفار في الأندلس- فكتب إليه الأذفونش يهدده ويعنفه، ويطلب منه بعض البلاد، ويقول: ما لك تتباطأ، أنا أتخذ حداً للقتال وأنت تتباطأ، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فما أدري الجبن بطأ بك أو التكذيب بما وعد نبيك؟! يعني: لو كنت تعتقد أن هناك جنة ثواباً، وأنك إذا قتلت ستدخل الجنة فما الذي يمنعك من أن تأتي حتى تقاتلني؟! فلما قرأ الكتاب تنمر وغضب ومزقه، وكتب على رقعة منه بعدما مزقه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧] الجواب ما ترى لا ما تسمع: ولا كُتْب إلا المشرفية عندنا ولا رسُل إلا الخميس العرمرم. أي: الجيش. ثم استنفر سائر الناس، وحشد وجمع، حتى احتوى ديوان جيشه على مائة ألف، ومن المطوعة مثلهم، وذهب إلى الأندلس، فتمت الملحمة الكبرى، ونزل النصر والظفر، فقيل: غنموا ستين ألف درع. وقال ابن الأثير: قُتِل من العدو مائة ألف وستة ألفاً، ومن المسلمين عشرون ألفاً.

стр. 214

علو همة صلاح الدين الأيوبي إننا إذا أردنا أن نتكلم عن حال الأمة عند صدق الهمم لا نحتاج إلى الكلام؛ لأنه واقع نعيشه بكل مرارته، فيكفي أن القدس تضيع رسمياً بهذه الصورة، والناس ليس على بالهم على الإطلاق موضوع القدس التي ضاعت أو كادت بصورة مذلة ومهينة، حتى كأنه لم تعد تتحرك شعرة في بلاد المسلمين لهذه المصيبة ولهذه المذلة ولهذا الهوان. فانظر إلى صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، يقول القاضي ابن شداد: كان ﵀ عنده من أمر القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فهو كالوالدة الثكلى -أي: الأم التي مات ابنها- من الحزن على بيت المقدس، يجول بنفسه من طلب إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد، وينادي: يا للإسلام! وعيناه تذرفان الدموع. ونظر صلاح الدين الأيوبي ﵀ إلى أمواج البحر الهادرة، ثم التفت إلى القاضي ابن شداد وقال: ألا أخبرك شيئاً في نفسي: إنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد ووطيت ووسعت، وركبت هذا البحر إلى جزائله، وأتبعتهم - يعني: الصليبيين - فيها - يعني: في ديارهم في أوروبا - حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت. فهذه هي همة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى. وبعد وقعة حطين التي هزم فيها صلاح الدين الأيوبي ﵀ هؤلاء الصليبيين هزيمة منكرة باع بعض الفقراء من المسلمين أسيراً بنعل، فقيل له في ذلك فقال: أردت هوانهم. يعني أن الأسير الكافر يساوي عندي نعلاً. ويمكن أن يأخذ فيه مالاً أكثر من ذلك إذا بيع عبداً، لكن قال: أردت هوانهم. فتأمل ذلك المشهد المرير الذي حصل أثناء حرب الخليج، حيث وقف الجندي العراقي يقبل حذاء الجندي الأمريكي، والله أعلم بحقيقة هذا الأمر، في كونه تمثيلاً أو غير تمثيل، لكن يكفي هذا الأمر الأليم، حيث يقبل قدم الجندي الأمريكي، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وحكى بعضهم بعد حطين أنه لقي بحوران رجلاً واحداً ومعه صلب خيمة -أي: عمود خيمة- قد ربط فيه نيفاً وثلاثين أسيراً يجرهم وحده، فهو وحده أسر ثلاثين من الصليبيين يجرهم في هذه الخشبة وقد ربطهم بها للخذلان الذي وقع عليهم. وقال عماد الكاتب في حصاد موقعة حطين: فمن شاهد القتلى يومئذ قال: ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل. يعني من كثرة أعداد الأسرى والقتلى.

стр. 215

علو همة السرماري في الجهاد من منازل علو الهمة في الجهاد في سبيل الله ﵎ علو همة فارس الإسلام السرماري وهو الذي قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في وصفه: الإمام الزاهد العابد المجاهد فارس الإسلام أبو إسحاق، يقول الذهبي: وكان أحد الثقاة، وبشجاعته يضرب المثل. وقال أيضاً في موطن آخر: أخبار هذا الغازي تسر قلب المسلم. وقال: قال إبراهيم بن عفان البزاز: كنت عند أبي عبد الله البخاري، فجرى ذكر أبي إسحاق السرماري فقال: ما نعلم في الإسلام مثله. فخرجت فإذا أحمد رئيس المطوعة، فأخبرته بما قاله أبو عبد الله البخاري في السرماري، فلما سمع أحمد بذلك غضب، ودخل على البخاري وسأله، فقال: ما كذا قلت! بل ما بلغنا أنه كان في الإسلام ولا في الجاهلية مثله. يعني: في الشجاعة. وعن أحمد بن إسحاق السرماري قال: ينبغي لقائد الغزاة أن يكون فيه عشر خصال: أن يكون في قلب الأسد لا يجبن، وفي كبر النمر لا يتواضع للأعداء، وفي شجاعة الدب يقتل بجوارحه كلها، وفي حنة الخنزير لا يولي دبره، وفي غارة الذئب إذا أيس من وجه أغار من وجه، وفي حمل السلاح كالنملة تحمل أكثر من وزنها، وفي الثبات كالصخر، وفي الصبر كالحمار، وفي الوقاحة كالكلب لو دخل صيده النار لدخل خلفه، وفي اقتناص الفرصة كالديك. قال إبراهيم بن شماس: كنت أكاتب أحمد بن إسحاق السرماري فكتب إلي: إذا أردت الخروج إلى بلاد الغزية في شراء الأسرى فاكتب إلي. فكتبت إليه، فقدم سمرقند، فخرجنا، فلما علم جعبويه استقبلنا في عدة من جلوسه -وهو قائد جيش الكفار- فأقمنا عنده، فعرض يوماً جيشه -وهو الاستعراض العسكري- فمر رجل، فعظمه وخلع عليه -أي: أن هذا جندي في جيش الكفار أخذ جعبويه يمدحه ويعظمه، وخلع عليه من الهدايا والهبات- فسألني عن السرماري فقلت: هذا رجل مبارز يعد بألف فارس. قال: أنا أبارزه. فسكت، فقال: جعبويه: ما يقول هذا؟ قلت: يقول كذا وكذا. قال: لعله سكران لا يشعر، ولكن غداً نركب. فلما كان الغد ركبوا، فركب السرماري ومعه عمود خبأه في كمه، فقام بإزاء المبارز الذي هو مقدم عندهم، فقصده فهرب أحمد حتى باعده من الجيش، فظل يتراجع ويظهر التراجع أمامه حتى يبعده عن باقي الجيش، ثم كر عليه وضربه بالعمود فقتله، فتبعه إبراهيم بن شماس -لأنه كان سبقه- فلحقه، وعلم زيغويه فجهز في طلبه خمسين فارساً نقاوة فأدركوه، فثبت تحت تل من الرمال مختفياً، حتى مروا كلهم واحداً بعد واحد، وجعل يضربهم بعموده من ورائهم، إلى أن قتل تسعة وأربعين من الوراء، وأمسك واحداً، فقطع أنفه وأذنيه وأطلقه حتى يرجع ويخبر بما حدث؛ لأنه شاهد عيان. ثم بعد عامين توفي أحمد، وذهب ابن شماس في الفداء فقال له جعبويه: من ذاك الذي قتل فرساننا؟! قال: ذلك أحمد السرماري. قال: فلم لم تحمله معك؟ قلت: توفي. فصك في وجهي -أي: ضربه في وجهه- وقال: لو أعلمتني أنه هو لكنت أعطيته خمسمائة برذون وعشرة آلاف شاة. وعن عبيد الله بن واصل قال: سمعت أحمد السرماري يقول وأخرج سيفه: أعلم يقيناً أني قتلت به ألف تركي، وإن عشت قتلت به ألفاً آخر، ولولا خوفي أن يكون بدعة لأمرت أن يدفن معي. فانظر إلى غاية اتباعه وورعه في أدق الأشياء، يعني: لولا خوفه أن يكون بدعة لأوصى أن يدفن سيفه معه في قبره، مع أن هذا السيف استعمله في الجهاد، فيا عجباً ممن يوصي أن يدفن معه العود -آلة الموسيقى- في قبره! وعن محمود بن سهل الكاتب قال: كانوا في بعض الحروب يحاصرون مكاناً، ورئيس العدو قاعد على صفة -يعني: على ظلة وعلى بهو واسع وسقفه عال-، فرمى السرناري سهماً فغرزه في الصفة، فأومأ الرئيس إلى أحد الجند لينزعه، فرماه بسهم آخر فأصاب يده فثبتها في الخشبة، فتطاول الكافر لينزعه من يده فرماه بسهم ثالث في نحره، فانهزم العدو وكان الفتح. وعن عمران بن محمد المطوعي قال: سمعت أبي يقول: كان عمود السرناري ثمانية عشر مناً، والمن رطلان، فلما شاخ جعله اثني عشر مناً، وكان يقاتل بالعمود رحمه الله تعالى.

стр. 216

علو همة اللؤلؤ العادلي في الجهاد من هؤلاء الأبطال اللؤلؤ العادلي، كان يلقب بالحاجب، يقول الذهبي: من أبطال الإسلام، وهو كان المندوب لحرب فرنج الكرك الذين ساروا لأخذ طيبة، وساروا في البحر المالح. فسمع اللؤلؤ العادلي الحاجب رحمه الله تعالى بسرية من الكفار من فرنج الكرك أو عدد منهم يقولون: نحن ذاهبون إلى طيبة -المدينة النبوية- لاستخراج جسد الرسول. فسمع بخبرهم، فلم يسر لؤلؤ إلا ومعه قيود بعدد هؤلاء الذين خرجوا في هذه الحملة، فأدركهم عند الفحلتين، فأحاط بهم، فسلموه نفوسهم وهو لوحده، فقيدهم، وكانوا أكثر من ثلاثمائة مقاتل، وأقبل بهم إلى القاهرة، فكان يوماً مشهوداً.

стр. 217

من علو الهمة في الجهاد هذا مجاهد آخر ينتدب نفسه للمهمة الجسيمة، ويمضي نحو همته، ويلح سائلاً مولاه يقول: فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن قبري بطن نسر مقيله بجو السماء في نسور عواسف وأمسي شهيداً خاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف فوارس من بغداد ألف بينهم تقى الله نزالون عند التزاحف إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف فقوله: فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارف يعني أنه يدعو الله بأن لا يموت موتاً عادياً كما يموت سائر الناس، فلا يحب أن يحمل على نعش، فانظر إلى الهمة العالية بدرجة غريبة جداً، فيدعو الله بأن لا تكون وفاته بحيث يحمل على نعش. فقوله: (يعلى بخضر المطارف) هي أطراف الأيدي، يريد أن علو النعش بجسد وجثته بعد موته يرتفع على أيدي الناس، يقول: هذا دنو همة، فلا أقبل أن أموت على فراشي حتى يرفعني الناس بأيديهم. يقول: ولكن قبري بطن نسر مقيله بجو السماء في نسور عواسف أي: اجعل قبري بطن النسور، حتى تحلق بي إلى أعلى آفاق السماء، ولا أدفن في الأرض. يعني أن يكون شهيداً فتأكله النسور وتتخطفه، فترتفع جثته بأيدي النسور إذا أكلتها لا بأيدي الرجال إذا حملوه في النعش، فهو لا يحلق بروحه السامية في فلك الشموخ فحسب، بل بجسده أيضاً، بحيث إن الكفار لا يستطيعون أن يصلوا إلى جثته؛ لأنه استقر في بطون النسور، فيراغم الكفار ويغيظهم ميتاً كما راغمهم حياً. وهذا بلا شك حري بقول الشاعر: علو في الحياة وفي الممات لحق تلك إحدى المكرمات فهو يبحث عن علو في الحياة وهو حي، وأيضاً إذا مات يبحث عن العلو حتى لا يتمكن الكفار من أن ينالوا جثتة، بل ترتفع إلى آفاق السماء في داخل بطون النسور. ثم يقول: وأمسي شهيداً خاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف يعني: مطمئن منخفض. فوارس من بغداد ألف بينهم تقى الله نزالون عند التزاحف أي: شجعان في مقاتلة الأعداء. إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف وهي الجنة التي بشر بها الشهداء. وعن أحمد بن إبراهيم قال: نظر يونس إلى قدميه عند موته فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟! قال: قدماي لم تغبرا في سبيل الله . وهذا الإمام الجليل عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- يعقد مقارنة بين من تخلى للعبادة ومن آثر الجهاد في سبيل الله ﵎ في قصيدة أرسلها إلى عابد الحرمين الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يجري خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب والسنابك: جمع سنبك، وهو طرف السيوف. ولقد أتانا عن مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب والإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى يعبر عن علو همته في الحياة فيقول: مناي من الدنيا علوم أبثها وأنشرها في كل باد وحاضر دعاء إلى القرآن والسنن التي تناسى رجال ذكرها في المحاضر وألزم أطراف الثغور مجاهداً إذا هيعة سارت فأول نافري لألقى حمامي مقبلاً غير مدبر بسمر العوالي والرقاق البواسل كفاح مع الكفار في حومة الوغى وأكرم موت للفتى قتل كافر فيا رب لا تجعل حبالي بغيرها ولا تجعلني من قتيل المقابر يعني: من سكان المقابر. وهذا الإمام الجليل أبو القاسم محمد بن أحمد المالكي رحمه الله تعالى المتوفي سنة (٧٤١) من الهجرة يقول قبل أن يستشهد مباشرة: قصدي المؤمل في جهري وإسراري ومطلبي من إلهي الواحد الباري شهادة في سبيل الله خالصة تمحو ذنوبي وتنجيني من النار إن المعاصي رجس لا يطهرها إلا الصوارم في أيمان كفار فبعد أن أنشد الأبيات قال: أرجو الله أن يعطيني ما سألته في هذه الأبيات. فأعطاه الله ما تمنى، وقتل في نفس اليوم وهو يقاتل النصارى، بعد أن أبلى في قتالهم بلاء حسناً، ﵀ وأعلى درجته في الشهداء. فهذا ما تيسر من النماذج من جهاد السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في إعزاز هذا الدين وعلو همتهم في الجهاد في سبيل الله ﵎. ولولا هذه الهمة العالية لما ذاع الإسلام وشاع في أقطار الأرض بهذه الطريقة، ولما وصلتنا هذه النعمة، ولما تشرفنا بهذا الشرف العظيم الذي هو شرف الانتماء إلى دين الحق وإلى أمة التوحيد.

стр. 218

علو الهمة في البحث عن الحق بقي الكلام في ميدان آخر من ميادين علو الهمة، وهو علو الهمة في البحث عن الحق، وفيه شيء من الطول، ونقتصر في هذه الكلمات على قصة واحدة من قصص علو الهمة في البحث عن الحق، ونكمل بقية ذلك فيما سيأتي بإذن الله. حفل التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه بنماذج رائعة من المهتدين الذين ارتفعت همتهم في البحث عن الدين الحق، وبذلوا في سبيل ذلك النفس والنفيس، فصاروا مضرب الأمثال، وحجة لله على خلقه أن من انطلق باحثاً عن الحق مخلصاً لله تعالى فإن الله يهديه إليه، ويمن عليه بأعظم نعمة في الوجود، وهي نعمة الإسلام. ومن هذه النماذج -بل أشهرها- قصة سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، فقد جلس يوماً تحت داره المتواضعة في المدائن، وأحاط به جلساؤه ينصتون لحديثه ولقصته في البحث عن الحقيقة، وروى لهم كيف ترك دين قومه -الفرس- إلى النصرانية ثم إلى الإسلام، وكيف ضحى في سبيل البحث عن الحقيقة الكبرى بثراء أبيه الباذخ، ورمى نفسه في أحضان الفاقة بحثاً عن خلاص عقله وروحه. كيف بيع في سوق الرقيق في طريق بحثه عن الحقيقة، كيف التقى برسول الله ﷺ وكيف آمن به، إنه سلمان الفارسي أو سلمان الخير صاحب رسول الله ﵌، يقول وهو يحكي قصته: كنت رجلاً من أهل أصفهان من قرية يقال لها جي، وكان أبي دهقان أرضها -أي: رئيس القرية-، وكنت من أحب عباد الله إليه، وقد اجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها ولا يتركها تخمد. والمجوس الذين يعبدون النار يتركونها مشتعلة باستمرار في مكان العبادة، بحيث لا تنطفئ أبداً، فكان سلمان الفارسي قاطن النار، أي: كان هو القيم على النار، وكان هو موقدها. يقول: وكان لأبي ضيعة أرسلني إليها يوماً، فخرجت فمررت بكنيسة للنصارى، فسمعتهم يصلون، فدخلت عليهم لأنظر ما يصنعون، فأعجبني ما رأيت من صلاتهم، وقلت لنفسي: هذا خير من ديننا الذي نحن عليه. فما برحتهم حتى غربت الشمس، ولا ذهبت إلى ضيعة أبي ولا رجعت إليه حتى بعث في أثري. وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم وصلاتهم عن أصل دينهم، فقالوا: في الشام. وقلت لأبي حين عدت إليه: إني مررت على قوم يصلون في كنيسة لهم فأعجبتني صلاتهم، ورأيت أن دينهم خير من ديننا، فحاورني وحاورته، ثم جعل في رجلي حديداً وحبسني. وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني دخلت دينهم، وسألتهم إذا قدم عليهم ركب من الشام أن يخبروني قبل عودتهم إليها لأرحل إلى الشام معهم، ففعلوا، فحطمت الحديد، وخرجت وانطلقت معهم إلى الشام، وهناك سألت عن عالمهم، فقيل لي: هو الأسقف صاحب الكنيسة. فأتيته وأخبرته خبري، فأقمت معه أخدمه وأصلي وأتعلم، وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه، إذ كان يجمع الصدقات من الناس ليوزعها، ثم يكتنزها لنفسه، ثم مات. وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلاً على دينه خير منه، ولا أعظم رغبة في الآخرة وزهداً في الدنيا، ودأباً على العبادة، وأحببته حباً ما علمت أني أحببت أحداً مثله قبله، فلما حضره قدره -يعني أجله- قلت له: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، فبم تأمرني؟ وإلى من توصي بي؟ قال: أي بني! ما أعرف أحداً من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجل من الموصل، فلما توفي أتيت صاحب الموصل، فأخبرته الخبر، وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم، ثم حضرته الوفاة فسألته، فدلني على عابد في نصيبين، فأتيته فأخبرته خبري، ثم أقمت معه ما شاء الله أن أقيم، فلما حضرته الوفاة سألته، فأمرني أن ألحق برجل في عمورية من بلاد الروم، فرحلت إليه، وأقمت معه، واصطنعت لمعاشي بقرة وغنيمة، ثم حضرته الوفاة. فانظر إلى الدأب، فكلما يموت واحد يسأله عن غيره ممن يعرفون الحق، كما جاء في الحديث: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم كلهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب). قال: ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إلى من توصي بي؟ فقال لي: يا بني! ما أعرف أحداً على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفاً ﵊، مهاجره إلى أرض ذات نخل بين حرتين - والحرة: الجبال ذات الحجارة السوداء - فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل، وإن له آيات - علامات - لا تخفى، فهو لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، إذا رأيته عرفته. ومر بي ركب ذات يوم فسألتهم عن بلادهم، فعلمت أنهم من جزيرة العرب، فقلت لهم: أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم؟ قالوا: نعم. واصطحبوني معهم، حتى قدموا بي وادي القرى، وهناك ظلموني وباعوني إلى رجل من اليهود، وظفرت بنخل كثير بوادي القرى، فطمعت أن تكون هي البلدة التي وصفت لي، والتي ستكون مهاجر النبي ﷺ ، ولكنها لم تكنها، وأقمت عند الرجل الذي اشتراني، حتى قدم عليه يوماً رجل من يهود بني قريظة، فابتاعني منه، ثم خرج بي حتى قدمت المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وصفت لي. وأقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة، حتى بعث الله رسوله ﷺ ، وحتى قدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف، وإني لفي رأس نخلة يوماً وصاحبي جالس تحتها إذ أقبل رجل من يهود من بني عمه فقال يخاطبه: قاتل الله بني قيلة -يقصد الأنصار-! إنهم ليتخاطفون. يعني: يتتابعون ويجتمعون ويتزاحمون استعداداً لحدث خطير جداً وهو استقبال الرسول ﷺ ، قال: قاتل الله بني قيلة! إنهم ليتخاطفون على رجل بقباء قادم من مكة يزعمون أنه نبي. فوالله ما هو إلا أن قالها حتى أخذتني العرواء -رعشة الحمى- فرجفت النخلة -أي: من الارتعاش الذي أصابه- حتى كدت أسقط فوق صاحبي. ثم نزلت سريعاً وقلت: ما الخبر؟! فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة، ثم قال لي: مالك ولهذا، أقبل على عملك. فأقبلت على عملي، ولما انتهيت جمعت ما كان عندي من التمر، ثم خرجت حتى جئت رسول الله ﷺ بقباء، فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه، فقلت له: إنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به، فجئتكم به. ثم وضعته، فقال الرسول ﷺ لأصحابه: كلوا باسم الله، وأمسك هو فلم يبسط إليه يده. فقلت في نفسي: هذه -والله واحدة-، إنه لا يأكل الصدقة. ثم رجعت وعدت إلى الرسول ﷺ في اليوم التالي أحمل طعاماً، فقلت للرسول ﷺ : إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية، ووضعته بين يديه، فقال لأصحابه: كلوا باسم الله. وأكل معهم، فقلت لنفسي: هذه -والله- الثانية، إنه يأكل الهدية. ثم رجعت، فمكثت ما شاء الله، ثم أتيته، فوجدته في البقيع قد تبع جنازة وحوله أصحابه، وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة، ومرتدياً الأخرى -كان يلبس إزاراً ورداء على كتفه كلبس الحجاج في الإحرام- فسلمت عليه، ثم استدرت لأنظر أعلى ظهره، فعرف أني أريد ذلك -أي: عرف الرسول ﵇ أن سلمان يبحث عن خاتم النبوة بين كتفيه- فألقى بردائه عن كاهله، وكشف له ظهره ﵌، قال: فإذا العلامة بين كتفيه خاتم النبوة كما وصفه لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي. ثم دعاني ﷺ فجلست بين يديه، وحدثته حديثي كما أحدثكم الآن. فمن أين عرف ذلك الأسقف؟! عرف ذلك من كتبهم، ومازالت علامة خاتم النبوة مذكورة في التوراة وفي الإنجيل إلى اليوم رغم التحريف الذي وقع، والنص موجود في كتاب النصارى المقدس فيه إخبار عن شخص يأتي بالنبوة علامته بين كتفيه، فربما تكون هذه النسخ حذفت فيها العلامات المفصلة؛ لأن فيه تفصيلات أخرى، مثل كونه كبيض الحجلة وعليه شعيرات قليلة. ثم يقول سلمان: ثم أسلمت، وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد، وفي ذات يوم قال الرسول ﷺ : (كاتب سيدك حتى يعتقك، فكاتبته)، وأمر الرسول ﷺ الصحابة أن يعاونوني، وحرر الله رقبتي، وعشت حراً مسلماً، وشهدت مع رسول الله ﷺ غزة الخندق والمشاهد كلها. فبهذه الكلمات تحدث سلمان الفارسي عن رحلته الزكية النبيلة العظيمة في سبيل بحثه عن الحقيقة العظمى التي تصله بالله وترسم له دوره في الحياة، فأي إنسان شامخ كان هذا الإنسان! أي تفوق عظيم أحرزته روحه الطيبة، وفرضته إرادته الغلابة على المصاعب، فقهرت المستحيل فجعلته ذلولاً! أي تمثل للحقيقة وأي ولاء لها هذا الذي أخرج صاحبه طائعاً مختاراً من متاع أبيه وثرائه ونعمائه إلى المجهول بكل أعبائه ومشاقه، ينتقل من أرض إلى أرض، ومن بلد إلى بلد، ناصباً كادحاً عابداًَ! تفحص بصيرته الناقدة الناسَ والمذاهبَ والحياةَ، ويظل في إصراره العظيم وراء الحق، وتضحياته النبيلة من أجل الهدى حتى يباع رقيقاً، ثم يثيبه الله ثوابه الأوفى فيجمعه بالحق، ويلاقيه برسوله ﷺ ، ثم يعطيه من طول العمر ما يشهد معه بكلتا عينيه رايات الله تخفق في كل مكان من الأرض، وعباده المسلمين يملئون أركانها وأنحاءها هدى ورحمة وعدلاً.

стр. 219

الأسئلة

стр. 220

حكم قول: (واسطتي الله تعالى) السؤال بعض الناس يقول عند تقديم معاملة: أنا واسطتي الله تعالى فما حكم هذا؟ الجواب هذا التعبير لا يجوز؛ لأن الله يتوسل إليه ولا يتوسل به، والله ليس وكيلاً إلى غيره، فالله تعالى لا يكون واسطة، ولا يستشفع بالله على أحد، لكن يستشفع إلى الله ، وقد روي أن النبي ﵌ قال له بعض الصحابة: يا رسول الله! إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فغضب من ذلك وقال: إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه). فالشاهد أن هذا التعبير غير صحيح، ولا يجوز إذا قيل لك: (من واسطتك)، أن تقول: الله؛ لأن الله ليس واسطة، وليس وسيلة، إنما الله يتوسط إليه ويتوسل إليه، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧].

стр. 221

علو الهمة [١٤] لقد جعل الله هداية الدلالة بيد الأنبياء والعلماء والدعاة، وأما هداية الإلهام والتوفيق فهي بيده سبحانه، فيضل الله من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، وهناك نماذج من أولئك الرجال الذين هداهم الله حين قطعوا حياتهم في البحث عن الحق والنور، فمن أراد شيئاً واجتهد وأخلص في طلبه بلغه الله إياه، ومن أولئك الرجال بعض القساوسة النصارى الذين كانوا يوماً ما رءوساً في أقوامهم، فتركوا هذه الحياة الدنيا، وأقبلوا على الله وآثروا ما عنده.

стр. 222

علو همة الشيخ أبي محمد الترجمان في البحث عن الحق القصص في علو الهمة في عصر الصحابة أو من بعدهم كثيرة جداً، ونحن لا نقصد الاستقصاء، وإنما نريد ذكر نماذج من كل عصر من العصور، وسننقل في حديثنا إلى أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع، ونذكر علو همة الشيخ: أبي محمد الترجمان الذي توفي سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة من الهجرة. فهذا الرجل كان يدعى القسيس إنسلم ترميدا، وكان من أكبر علماء النصارى في القرن الثامن الهجري. وفي الوقت الذي كان الصليبيون يكرسون جهودهم -بعد طرد المسلمين من ربوع الأندلس- في نشر النصرانية المحرفة في ربوع بلاد الأندلس، بعدما نفي المسلمون من هذا الفردوس المفقود وفي نفس ذلك الوقت شرح الله صدر رجل من أكبر علماء النصرانية في ذلك الزمان إلى الإسلام، فأسلم وجهه لله، واستقام على طاعة الله ، وجاهد بيده ولسانه وقلمه في سبيل الله ، أنه الشيخ: أبو محمد عبد الله بن عبد الله الترجمان، كان قسيساً -كما ذكرنا- يدعى إنسلم ترميدا، اشتهر بـ: الترجمان؛ لأنه لما مضت خمسة أشهر على إسلامه قدمه السلطان في الديوان لقيادة البحر، وكان يقصد من ذلك أن يتعلم اللغة العربية بالتردد على علم الترجمة هناك، أي: في البحر والمناوشات العسكرية الحربية أو التجارية، حتى العلاقات التجارية بين الأسبان وبين العرب كانت تحتاج إلى الترجمة من إحدى اللغتين إلى الأخرى، وكانت تكثر الاحتكاكات بين النصارى والمسلمين. فأرسله السلطان ليكون مسئولاً في قيادة البحر لأجل أن يتعلم اللغة العربية هناك من خلال هذه الترجمة، فأتقن اللغة العربية في سنة واحدة، وعينه السلطان رئيساً لشئون الترجمة، وكان من ألقابه عند عوام الناس في بلاد المغرب: (سيدي تحفة)، وذلك نسبة إلى كتابه الشهير الذي ألفه بعد إسلامه، وهو الآن مطبوع وموجود، ويسمى (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب) فالعوام اختصروا هذا الموضوع ونسبوا المؤلف إلى هذا الكتاب، فقالوا: سيدي تحفة. نسبة إلى كتابه (تحفة الأريب)، وأعتقد أن هذه التسمية عند العوام فيها إصابة، فقد أصابوا فيها الحق، بخلاف ما يحصل أحياناً من العوام من انفعالات غريبة جداً، أو أنها تعكس أكثر الألقاب التي يلقونها، ففي أثناء الحرب العالمية كان هتلر يعد أهل مصر خيراً لو تعاونوا معه ضد الإنجليز، فبمجرد أن بدأ هتلر يغازل الشعب المصري ببعض العبارات اللطيفة صار له لقب عند العوام في مصر، حيث سموه (الحاج محمد هتلر) تعبيراً عن أنهم تفاعلوا مع هذه العاطفة التي أبداها تجاههم، فالناس يتحولون بين يوم وليلة! فالسفاح الذي كان بالأمس يقتل ويده ملوثة بالدماء، وتاريخه أسود، وإلى آخر لحظات من عمره وهو في محاربة لله ورسوله وللمؤمنين أصبح يدعى (الحاج محمد هتلر)، ومع ذلك نجد بعض من انحطت هممهم وسفلت نفسيتهم ينقادون ويقادون إلى مثل هذه المهازل التاريخية في الحقيقة، والله المستعان! فالشاهد أن العوام في بلاد المغرب الإسلامي قد أصابوا حينما سموه سيدي تحفة؛ لأنه كان أعظم ما أنجزه هذا الرجل الجليل هو هذا الكتاب الرائع: (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب)، وكان ذلك الكتاب يمثل ضربة قوية لبنيان النصرانية، كتبه عالم من أكبر علماء النصرانية في عصره باعتراف أهلها وشهادتهم، وافتتح هذا الكتاب بذكر قصة إسلامه، وسوف أتلو عليكم هذه القصة كما حكاها هو بنفسه رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه.

стр. 223

أبو محمد الترجمان في بداية طلبه لعلم النصرانية قال رحمه الله تعالى: اعلموا -رحمكم الله- أن أصلي من مدينة ميورقا وهي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط جنوب شرق أسبانيا اليوم، فتحها المسلمون سنة تسعين ومائتين للهجرة، إلى أن تغلب عليها العدو البرشلوني وخربها سنة (٥٠٨) للهجرة. يقول: اعلموا -رحمكم الله- أن أصلي من مدينة ميورقا أعادها الله للإسلام، وهي مدينة كبيرة تقع على البحر بين جبلين، يشقها واد صغير، وهي مدينة لها مرساتان عجيبتان ترسو بهما السفن الكبيرة للمتاجر الجليلة، والمدينة في جزيرة تسمى باسم المدينة ميورقا، وأكثر غاباتها زيتون وتين، وكان والدي محسوباً من أهل حاضرة (ميورقا)، ولم يكن له ولد غيري، ولما بلغت ست سنين من عمري أسلمني إلى معلم من القسيسين قرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثر من شطره في مدة سنتين، ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين، ثم ارتحلت من بلدي (ميورقا) إلى مدينة لاردا من أرض القصطلان. وهذه المدينة تسمى الآن كستلون، و (قصطلة) مدينة بالأندلس، فهذه المدينة -مدينة القصطلان- مدينة العلم عند النصارى في ذلك القطر، وفي هذه المدينة يجتمع طلبة العلم من النصارى، وينتهون إلى ألف وخمسمائة، ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرءون عليه، فقرأت فيها علم الطبيعيات والفلك مدة تسع سنين، ثم تصدرت فيها أقرأ الإنجيل ولغته ملازماً لذلك مدة أربع سنين، ثم ارتحلت إلى مدينة جلونيا من أرض الأندلس، وهي مدينة كبيرة جداً، وهي مدينة علم عند جميع أهل ذلك القطر، ويجتمع بها كل عام من الآفاق أكثر من ألفي رجل يطلبون العلوم ولا يلبسون إلا الملف، وهو لحاف يلتحف به، ويسمي هذا الملف -كما يقول- صباغ الله. ولعلهم يقصدون بذلك أنهم يلبسون لباساً معيناً يصبغ بصبغة -في زعمهم- مقدسة، كما يفعلون في التعميد، ولو كان طالب العلم منهم سلطاناً أو ابن سلطان فلا يلبس إلا ذلك؛ ليمتاز الطلبة عن غيرهم، ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرءون عليه.

стр. 224

أبو محمد الترجمان في بداية بحثه عن الدين الحق قال: فسكنت في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم، وكبير القدر اسمه نقلاو مرتيل، وكانت منزلته فيهم بالعلم والدين والزهد رفيعة جداً، انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية، فكانت الأسئلة في دينهم ترد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم، ويصحب الأسئلة من الهدايا الضخمة ما هو الغاية -يعني النهاية- في بابه، ويرغبون في التبرك به وفي قبوله لهداياهم، ويتشرفون بذلك، فقرأت على هذا القسيس علم أصول النصرانية وأحكامه. ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني من أخص خواصه، وانتهيت في خدمتي له وتقربي إليه إلى أن دفع إلي مفاتيح مسكنه وخزائن ملكه ومأكله ومشربه، وصير جميع ذلك كله على يدي، ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخل مسكنه كان يخلو فيه بنفسه، والظاهر أنه بيت خزانة أمواله التي كانت تهدى إليه، والله أعلم. فلازمته على ما ذكرت من القراءة عليه، والخدمة له عشر سنين، ثم أصابه مرض يوماً من الدهر، فتخلف عن حضور مجلس طلابه، وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم، إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله على لسان نبيه عيسى ﵇ في الإنجيل: إنه يأتي من بعده نبي اسمه (الفارقليط). وهو -أعني أبا محمد الترجمان - هنا ليس مخطئاً عندما قال: (قول الله على لسان نبيه عيسى في الإنجيل)؛ لأن هذا قد علمنا قطعاً ما يؤيد صحته، وأنه مما لم تتناوله أيدي التحريف، فكلمة (الفارقليط) الترجمة الحرفية لها بالضبط هي (أحمد) صيغة أفعل التفضيل من (حمد)، ونحن نعلم أن المسيح ﵇ بشر بالرسول ﵊، قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فلذلك ما جاوز الصواب في قوله: (قول الله على لسان نبيه عيسى ﵇ في الإنجيل: إنه يأتي من بعده نبي اسمه: (الفارقليط)). وهذه الكلمة -في الحقيقة- تستحق بحثاً مفرداً، لكن باختصار شديد نقول: إن هذه الكلمة أزعجت النصارى جداً، حتى إنهم انتهى الأمر بهم في التراجم المتأخرة في العصور الأخيرة إلى أن يحرفوها تماماً إلى معانٍ أخرى مثل (المعزي) أو (المخلص) أو غير ذلك من هذه العبارات المعروفة عندهم الآن؛ لأنهم يعرفون تماماً أن كلمة الفارقليط يستدل بها المسلمون على أن معناها في اللغة اليونانية القديمة (أحمد) بنفس الحرف الذي في اسمه، فأرهقتهم الكلمة كثيراً، وكما هي عادتهم في التحريف في الطبعات الجديدة نزعوا كلمة (الفارقليط) ووضعوا مكانها لفظاً آخر يزعمون أن معناه (المعزي) أو (المخلص) إلى غير ذلك، ومعروف أن كلمة (الفارقليط) قالها المسيح ﵇ في اللحظات الأخيرة قبل أن يرفع إلى السماء؛ لأنه قال: (لابد أن أمضي؛ لأني إذا لم أمض لم يأتكم الفارقليط) ووصف الرسول الذي سيأتي بعده بصفات دقيقة لا تنطبق إلا على رسول الله ﷺ . فحرفت هذه الكلمة إلى لفظ (فيركليتوس)، وقد حصل نقاش بين الأستاذ عبد الوهاب النجار والدكتور: كلرون بينو حول هذه الكلمة، فيحكي الدكتور: عبد الوهاب النجار في كتابه (قصص الأنبياء) فيقول: ثم قلت له وأنا أعلم أنه حاصل على شهادة الدكتوراة في آداب اللغة اليونانية القديمة ما معنى (فير كليتوس)؟! فأجابني بقوله: إن القسس يقولون: إن هذه الكلمة معناها (المعزي). فقلت: إني أسأل الدكتور: كلرون بينو الحاصل على الدكتوراة في الآداب اليونانية القديمة ولست أسأل قسيساً. يعني: أنا أسألك بصفتك خبيراً باللغة اليونانية القديمة، ولست أسأل عن رأي القساوسة في ترجمة هذه الكلمة. فقال: إن معناها: الذي له حمد كثير. فقلت: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟! فقال: نعم. فقلت: إن رسول الله ﷺ من أسمائه أحمد! فقال: يا أخي! أنت تحفظ كثيراً. يعني أنه اكتسب هذا التعليم.

стр. 225

أبو محمد الترجمان يسأل سيده عن معنى الفارقليط فكانت هدايته للحق فلما تخلف القسيس بسبب مرضه في ذلك اليوم عن حضور مجلس أقرانه وانتظره الناس، ولم يحضر أقرانه من القساوسة اضطروا إلى أن يتناقشوا في مسائل من العلوم، إلى أن أفضى بهم الكلام في مناقشة قول الله حكاية عن المسيح ﵇: (إنه يأتي من بعدي نبي اسمه الفارقليط)، وقد ترجموا هذه الكلمة، ومن المعلوم أن الأعلام لا تترجم، فلو أن شخصاً اسمه سعيد ففي أي لغة يبقى اسمه كما هو، سواءٌ أكانت الكتابة بالعربي، أم بالإنجليزي، أم بالفرنسي، فهم ترجموا كلمة (الفارقليط) إلى معنى آخر غير ما دلت عليه، وفي بداية الأمر ترجموا معناها إلى اللغة اليونانية وجعلوها كلمة (فارقليط) التي تساوي (أحمد)، فهي أفعل تفضيل من صيغة (حمد). فناقشوا هذه المسألة فيما ناقشوه لما تخلف كبيرهم القسيس، فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء، وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه، فعظم بينهم في ذلك مقالهم، وكثر جدالهم، ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة ومن غير الاتفاق على معنى معين لهذه الكلمة، ثم لما رجع إلى القسيس الكبير الذي كان مريضاً قال له: ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم، فأخبرته باختلاف القوم في اسم (الفارقليط) وأن فلاناً قد أجاب بكذا، وأجاب فلان بكذا، وسردت له أجوبتهم، فقال لي: وبماذا أجبت أنت؟! فقلت: بجواب القاضي فلان في تفسيره للإنجيل. فقال: قصرت وقربت! وفلان أخطأ، وكاد فلان أن يقارب، ولكن الحق خلاف هذا كله؛ لأن تفسير هذا الاسم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراسخون في العلم، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل. فبادرت إلى قدميه أقبلهما، وقلت له: يا سيدي! قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد، ولي في خدمتك عشر سنين، حصلت عنك فيها من العلوم جملة لا أحصيها، فلعل من جميل إحسانكم أن تمنو علي بمعرفة هذا الاسم، فبكى الشيخ وقال لي: يا ولدي! والله لأنت تعز علي كثيراً من أجل خدمتك لي وانقطاعك إلي، وفي معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة، لكني أخاف أن يظهر ذلك عليك، فتقتلك عامة النصارى في الحين -فوراً سوف يقتلونك- فقلت له: يا سيدي! والله العظيم وحق الإنجيل ومن جاء به لا أتكلم بشيء مما تسره إلي إلا عن أمرك، فقال لي: يا ولدي! إني سألتك في أول قدومك علي عن بلدك، وهل هو قريب من المسلمين، وهل يغزونكم أو تغزونهم، لأختبر ما عندك من المنافرة للإسلام، يعني: حتى أكتشف حساسيتك وعداءك ونفورك من دين الإسلام. فاعلم يا ولدي أن (الفارقليط) هو اسم من أسماء نبيهم محمد ﷺ ، وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال ﵇، وأخبر أنه سينزل هذا الكتاب عليه، وأن دينه هو دين الحق، وملته هي الملة البيضاء المذكورة في الإنجيل، فطبعاً واضح جداً من هذا الكلام أن هذا القسيس يؤمن برسالة النبي ﷺ ، ويعرف أوصافه الموجودة في التوراة والإنجيل. وهذه من الحقائق المعروفة أن علماء أهل الكتاب يعرفون جيداً الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ولذلك قال ﵎: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، وأشار الإمام الجويني رحمه الله تعالى حينما تكلم على هذه الآية الكريمة إلى قول صاحب الكشاف الذي قال: والمعنى أن الله تعالى قدم ذكر بني إسرائيل وهم قراء الكتاب، ووصفهم بأن العلم قد جاءهم؛ لأن أمر رسول الله ﷺ مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم إلى آخر القول. فالغرض: وصف الأحباب بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله ﷺ ، المهم قال هذا الرجل: اعلم يا ولدي أن (الفار قليط) هو اسم من أسماء نبيهم محمد ﷺ ، وعليه نزل الكتاب الرابع، المذكور على لسان دانيال ﵇. ورؤية دانيال هذه من الرؤى المشهورة جداً، ولها شأن عظيم، الكلام فيها يطول لكن باختصار شديد فيها أوصاف تنطبق في منتهى الدقة على شخص رسول الله ﷺ . وأخبر أنه سينزل هذا الكتاب عليه، وأن دينه هو دين الحق، وملته هي الملة البيضاء المذكورة في الإنجيل، قلت له: يا سيدي! وما تقول في دين هؤلاء النصارى؟! فقال لي: يا ولدي! لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول لكانوا على دين الله؛ لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله ، ولكنهم بدلوا وكفروا، فقلت له: يا سيدي! وكيف الخلاص من هذا الأمر؟! فقال: يا ولدي! بالدخول في دين الإسلام، فقلت له: وهل ينجو الداخل فيه؟ قال لي: نعم ينجو في الدنيا والآخرة، فقلت: يا سيدي! إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم، فإذا علمت فضل دين الإسلام فما يمنعك منه؟! فقال لي: يا ولدي! إن الله تعالى لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به من فضل الإسلام وشرف نبي أهل الإسلام إلا بعد كبر سني، ووهن جسمي، ولا عذر لنا فيه بل هو حجة الله علينا قائمة، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى من رفعة الجاه والعز، والترف، وكثرة عرض الدنيا، ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين الإسلام لقتلتني العامة في أسرع وقت، وهب أني نجوت منهم وخلصت إلى المسلمين فأقول لهم: إني جئتكم مسلماً فيقولون: قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت به نفسك من عذاب الله، فأبقى بينهم شيخاً كبيراً فقيراً ابن تسعين سنة لا أفقه لسانهم، ولا يعرفون حقي، فأموت بينهم جوعاً، انظر كيف ثقلت همته بسبب هذا التلبيس من الشيطان الرجيم؟! لاشك أن ما قاله وما فكر فيه هو خيال فاسد وسوء ظن بخير أمة أخرجت للناس، وجهل أيضاً بسماحة الإسلام ونظامه الاجتماعي الرائع المبني على التكافل والرحمة والإحسان إلى الخلق. ولو كان كان هؤلاء الخلق باقون على دينهم فيكونون أهل ذمة فلهم من الحقوق ما هو معلوم، فكيف إذا تحول الكافر عن دينه إلى دين الإسلام، هل يظن أن المسلمين يظلمونه أو يحقرونه أو لا يوفونه حقه؟! تأمل ما حكاه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى حينما كتب إلى عدي بن أرطأة بالبصرة قال له: وانظر من عندك من أهل الذمة من قد كبر سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب -يعني: لا يستطيع التكسب- فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوده حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس يتسول فقال: ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك يعني: وهو شاب ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه. وأقوى رد على هذا الظن الفاسد الذين ظنه هذا القسيس هو ما لقيه الترجمان نفسه حينما أسلم من حفاوة ومن تقدير، ومن تكريم من المسلمين، فهذا من تلبيس إبليس على هذا الرجل حينما قال: إذا خلصت من النصارى من محاولتهم قتلي واستطعت أن أصل إلى المسلمين سيقول لي المسلمون: قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق، فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت به نفسك من عذاب الله، فأبقى بينهم شيخاً كبيراً فقيراً ابن تسعين سنة، لا أفقه لسانهم، ولا يعرفون حقي فأموت بينهم جوعاً، وأنا والحمد لله على دين عيسى، وعلى ما جاء به يعلم الله ذلك مني. يعني: أن عيسى رسول وليس هو الله. فقلت له: يا سيدي! أفتدلني على أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل في دينهم؟ فقال لي: إن كنت عاقلاً طالباً للنجاة فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة، ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا الآن، فاكتمه بغاية جهدك، وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة لحينك، ولا أقدر على نفعك إذا قتلوك أو حاولوا أن يؤذوك، أنا لا أستطيع أن أدفع عنك، ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني. يعني: إذا قلت لهم حينئذ إن الذي دلني على هذا هو القسيس فلان فإنك لن ينفعك أن تنقل ذلك عني، فإني أجحده إذا ذكرت ذلك عني وقولي مصدق عليك، وقولك غير مصدق علي، طبعاً سيقبل الناس قولي أنا ويرفضون قولك، وأنا بريء من ذلك إن فهت بشيء من هذا.

стр. 226

بداية رحلة محمد الترجمان إلى بلاد المسلمين فقلت: يا سيدي! أعوذ بالله من سريان الوهم لهذا. وعاهدته بما يرضيه. ثم أخذت في أسباب الرحلة وودعته، فدعا لي عند الوداع بخير، وزودني خمسين ديناراً ذهباً، وركبت البحر منصرفاً إلى بلدي مدينة ميورقا، فأقمت بها مع والدي ستة أشهر، ثم سافرت منها إلى جزيرة صقلية، وأقمت بها خمسة أشهر وأنا أنتظر مركباً يتوجه لأرض المسلمين، فحضر مركب يسافر إلى تونس، فسافرت فيه من صقلية، وأقلعنا عنها قرب مغيب الشفق، فوردنا مرسى تونس قرب الزوال، فلما نزلت بجوار تونس، وسمع بي الذين بها من أحبار النصارى في تونس -يعني: سمعوا بمقدمه، وأنه حاضر عندهم، وقد كان هو أكبر علماء النصارى في ذلك الوقت- أتوا بمركب وحملوني عليه معهم إلى ديارهم، وصحبت بعض التجار الساكنين -أيضاً- بتونس، فأقمت عندهم في ضيافتهم على أرغد عيش مدة أربعة أشهر.

стр. 227

إعلان أبي محمد الترجمان إسلامه أمام سلطان تونس ثم بعد ذلك سألتهم: هل بدار السلطان أحد يحفظ لسان النصارى؟ وكان السلطان آنذاك مولانا أبو العباس أحمد ﵀، فذكر لي النصارى أن بدار السلطان المذكور رجلاً فاضلاً من أكبر خدامه اسمه يوسف، وكان طبيبه ومن خواصه، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وسألت عن مسكن هذا الرجل الطبيب، فدخلت عليه واجتمعت به، وذكرت له شرح حالي وسبب قدومي للدخول في الإسلام، فسر الرجل بذلك سروراً عظيماً بأن يكون تمام هذا الخير على يديه. ثم ركب فرسه وحملني معه إلى دار السلطان، ودخل عليه فأخبره بحديثي واستأذنه لي، فأذن له، فمثلت بين يديه، فأول ما سألني السلطان عن عمري، فقلت له: خمسة وثلاثون عاماً. ثم سألني عما قرأت من العلوم فأخبرته، فقال لي: قدمت قدوم خير، فأسلم على بركة الله. فقلت للترجمان -وهو الطبيب المذكور-: قل لمولانا السلطان: إنه لا يخرج أحد من دينه إلا ويكثر أهله القول فيه، يعني: أهل الدين الذي كان عليه سيطعنون فيه ويشنعون عليه. يقول: فقلت للترجمان: قل لمولانا السلطان: إنه لا يخرج أحد من دينه إلا ويكثر أهله القول فيه والطعن فيه، فأرغب من إحسانكم أن تبعثوا إلى الذين بحضرتكم من تجار النصارى وأحبارهم وتسألوهم عني، وتسمعوا ما يقولون في جنابي، وحينئذ أسلم إن شاء الله تعالى. فقال لي بواسطة الترجمان: أنت طلبت ما طلب عبد الله بن سلام ﵁ من النبي ﷺ حين أسلم. فقصة إسلام الترجمان تتشابه مع إسلام الصحابي الجليل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، فكون يهودي يسلم شيء نادر؛ إذ قليل من اليهود الذين أسلموا في عصور كثيرة، فاليهود من أقسى خلق الله قلوباً، والعياذ بالله! فكون يهودي يسلم علامة اصطفاء من الله ، فـ عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه من بني إسرائيل، ومن ولد يوسف بن يعقوب نبي الله عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة، ولما جاء قالوا: جاء نبي الله، فاستشرفوا ينظرون إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يختلس منها بعض البلح، فعجل أن يضع التي يختلس لهم فيها. يعني: حين سمع أن الرسول ﵇ أقبل إلى المدينة وهو يجمع البلح لأهله في طبق ليأكلوا منه ما شعر بنفسه، وانصرف إلى الرسول ﵇ فوراً وهو يحمل هذا الطبق من شدة اهتمامه برؤية الرسول ﵊، ولم يجد وقتاً لأن يوصل الطبق إلى أهله أو يضعه في مكان معين، لكن انصرف بسرعة وهو يحمله إلى النبي ﷺ ، فسمع من نبي الله ﷺ ، ثم رجع إلى أهله. قال: فلما خلا نبي الله جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً، وأنك جئت بحق، ولقد علمت اليهود أني سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فأسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في فأرسل نبي الله ﷺ إليهم فدخلوا عليه، فقال لهم نبي الله ﷺ : (يا معشر اليهود! ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً، وأني جئتكم بحق، أسلموا. قالوا: ما نعلمه) أي: هذا الكلام الذي تقوله ما نعلمه (فأعادها عليهم ثلاثاً وهم يجيبونه كذلك، قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا! قال: أفرأيتم إن أسلم؟! قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم! فقال: يا ابن سلام! اخرج عليهم. فخرج إليهم فقال: يا معشر اليهود! ويلكم! اتقوا الله، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله حقاً، وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبت! فأخرجهم النبي ﷺ . فلأجل هذا قال له السلطان: أنت طلبت ما طلب عبد الله بن سلام من النبي ﷺ حين أسلم. ثم قال: أرسل إلى أحبار النصارى وبعض تجارهم، وأدخلني في بيت قريب من مجلسه، فلما دخل النصارى عليه، قال لهم: ما تقولون في هذا القسيس الجديد الذي قدم في هذا المركب؟ قالوا له: يا مولانا! هذا عالم كبير في ديننا، وقالت شيوخنا: إنهم ما رأوا أعلى من درجته في العلم والدين في ديننا. فقال لهم: وما تقولون فيه إذا أسلم؟! قالوا: نعوذ بالله من ذلك! ما يفعل ذلك أبداً. فلما سمع ما عند النصارى بعث إلي فحضرت بين يديه وشهدت شهادة الحق بمحضر النصارى، فصلبوا على وجوههم. وهذا معروف -والعياذ بالله- عند النصارى، فإنهم إذا أرادوا التعوذ من شيء رفعوا أصابعهم مضمومة على جباههم ثم أشاروا بعلامة في الصليب مروراً بالكتف الأيمن فالأيسر فالوسط. وقد تتعدى هذه الإشارة من التعوذ إلى التبرك؛ حيث إن من يسمى (البابا) يطلب ذلك، ويطنون أنه بذلك يلقي عليهم البركات بإشارة التصليب والعياذ بالله! فالمهم أنهم لما سمعوا ذلك صلبوا على وجوههم، وقالوا: ما حمله على هذا إلا حب التزويج؛ فإن القسيس عندنا لا يتزوج. وخرجوا مكروبين محزونين. وتحريم الزواج هو في الكنيسة الكاثوليكية؛ لأن الكاثوليكية حرمت على القسس والرهبان والراهبات الزواج، وهذا أدى إلى الفساد الشديد في أوساط هؤلاء القوم، حتى إنهم كانوا يأتون الفواحش ويقولون: هذا نوع من المساكنة الروحية. وكان هذا أحد أسباب قيام مرتن لوثر بثورته على الكنيسة في القرن السادس عشر، وكان ضمن آرائه فيما يسمى بالإصلاح الكنسي أن جزءاً من فساد الدين يرجع إلى عدم الزواج، ورأى أن المنع منه لم يكن في النصرانية في عصورها الأولى، فقرر حقهم في الزواج، وتزوج هو فعلاً من راهبة مع أنه من رجال الدين. المهم أنهم قالوا: ما حمله على أن يدخل في الإسلام إلا أنه يريد أن يتزوج، والقسس عندنا لا يتزوجون. وخرجوا مكروبين محزونين. قال: فرتب لي السلطان ﵀ ربع دينار في كل يوم في دار مختص، وزوجني ابنة الحاج محمد الصفار، فلما عزمت على البناء بها أعطاني مائة دينار ذهباً، وكسوة جيدة كاملة، فبنيت بها وولد لي منها ولد سميته محمداً على وجه التبرك باسم نبينا ﷺ .

стр. 228

خدمة أبي محمد الترجمان للإسلام في بيان بطلان دين النصرانية ثم شرع الشيخ الترجمان في ذكر طرف من أخبار الدولة الحفصية التي خدم في ديوانها، ثم أردفها بأبواب تسعة في الكتاب تكلم فيها عن كتب الأناجيل الأربعة متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، وأكد فيها أنهم ليسوا من حواري المسيح ﵇ بأدلة علمية دقيقة، ثم ناقش قضايا التعميد الذي هو التغطيس، والأقانيم، والخطيئة الأولى، والعشاء الرباني، وصك الغفران، وقانون الإيمان، وفندها كلها بنصوص الأناجيل وبأدلة العقل والمنطق. ثم أثبت بشرية المسيح ﵇، ونفى إلاهيته المزعومة، ثم عرض التناقضات في نصوص الأناجيل المحرفة، ثم تعرض لما يعيبه النصارى على المسلمين، كزواج العلماء والصالحين، والختان، والنعيم الحسي في الجنة، ثم ختم كتابه بإثبات نبوة رسول الله محمد ﷺ ، وبيان فضله ومنزلته بنصوص من التوراة والإنجيل. فهذا باختصار مرور عابر على سيرة هذا الشيخ، وجهاده بقلمه ولسانه في سبيل الله ، أما جهاده بيده فقد اشترك رحمه الله تعالى في جهاد بني جلدته من الكافرين في حملة الصور الحفصي على جزيرة صقلية سنة ست وتسعين من الهجرة، فقد كان يتولى منصب القائد البحري، حتى إنه روي أنه استشهد أثناء الغارة الصليبية على تونس، فإن صحت هذه الرواية فهذا شرف عظيم يضاف إلى سجله الناصع في خدمة دين الحق والجهاد في سبيله، ولا شك في أن سيرة الشيخ الترجمان منار ينير الدرب للتائهين في لجج الظلام ودياجير الجهل، ويحرر عقولهم من أسر التقليد الأعمى لمن لا يملكون لهم رزقاً ولا أجلاً. فرحم الله الشيخ الترجمان وأعلى درجته في المهديين.

стр. 229

علو همة القسيس رحمة برلومو في البحث عن الحق وننطلق الآن إلى العصور المتأخرة من هذا الزمان لنتعرض لنموذج من نماذج علو الهمة في البحث عن الدين الحق، وصاحب هذه القصة هو الأخ: رحمة برلومو، وهو رجل ينتسب إلى أب هولندي وأم أندونيسية من مدينة أنبول الواقعة في جزيرة صغيرة في أقصى الشرق من جزر إندونيسيا، والنصرانية هي الدين الموروث لأسرته أباً عن جد، كان جده قسيساً ينتمي إلى مذهب البروتستانت، وكان أبوه أيضاً قسيساً، وكانت والدته معلمة الإنجيل للنساء، أما هو نفسه فقد كان قساً ورئيساً للتبشير في كنيسة بيجن إنجلتلوا.

стр. 230

شدة عداوة النصارى لمحمد ودينه قال وهو يحكي سبب إسلامه: لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن أكون من المسلمين؛ إذ إنني منذ نعومة أظفاري تلقيت التعليم من والدي الذي كان يقول لي دائماً: إن محمداً رجل بدوي صحراوي، ليس له علم ولا دراية، ولا يقرأ، وإنه أمي. وهذا من جهلهم الفاحش وعدوانهم؛ لأن الكتابة لا تتعين سبيلاً لتحصيل العلم، فهناك سبل أخرى خاصة، كالوحي من الله ، فهذا أعظم منبع يستقى منه العلم. يقول: هكذا علمني أبي، بل أكثر من ذلك، فقد قرأت للبروفيسور الدكتور: ريكونجي النصراني الفرنسي قوله في كتاب له -وهي عبارة شنيعة جداً -والعياذ بالله- من كذب وافتراء هؤلاء المجرمين وعدوانهم على الله وعلى رسول الله ﷺ يزعم فيه أن محمداً رجل كذاب والعياذ بالله! يعني: ينسبونه إلى الكذب حاشاه ﵊، ويزعم هذا الكافر أنه يسكن في الدرك السابع من النار، فلعنة الله على قائل ذلك. هكذا كانت تساق المفتريات الكثيرة لتشويه شخصية النبي ﷺ ، ولا شك في أن التضليل الإعلامي اليهودي خاصة على مستوى العالم يعتبر سبباً كبيراً جداً في صد الناس عن دين الإسلام، وإلا فهناك ملايين من البشر -والله تعالى أعلم- لو أزيلت عنهم الحجب والحواجز والتشويه والتشنيع على الإسلام ووصلت إليهم الصورة الحقيقية لأسلم منهم عدد هائل، لكن الحقائق مغيبة ومزيفة في نظرهم بفعل اليهود -لعنهم الله- وإخوانهم من النصارى، وهذا ما أشار إليه النبي ﵊ في حديث عن الميت: (إذا وضع في قبره أنه يسأل عن ثلاثة أمور: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟). أما المؤمن فيشهد شهادة الحق، وأما الكافر فعندما يقال له: وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم فلا يهتدي لاسمه، ولا يدري من هو هذا الرجل، فيقال له: محمد. يذكر باسم محمد ﵊، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فهذا غاية ما عند هؤلاء الكفار، أي: أنهم يرددون ما يقوله الآخرون دون تمحيص ودون تحرٍ أو تحقق وتثبت من صدق هذا الكلام، وهو متعلق بأخطر قضية في الوجود، وهي علاقة المرء بربه ودينه الإسلام ونبيه محمد ﷺ . فنحن -بلا شك- نقطع ونجزم بأن كل إنسان بلغته دعوة الإسلام، وسمع عن الإسلام أو عن القرآن أو عن محمد ﵊ ثم لم يسلم فلن يدخل الجنة، فمن بعد بعثة الرسول ﵊ سدت كل الطرق المؤدية إلى الجنة، وبقي طريق واحد فقط يدخل الناس منه الجنة هو طريق محمد ﷺ ، فلا يتصور أبداً أن أي كافر من أي دين سمع عن الإسلام أو عن الرسول والقرآن ثم لم يسلم أن تكون له نجاة، والعجب كل العجب مما يفعله السفهاء والزنادقة من قولهم: إسحاق رابين ﵀! وإسحاق رابين صانع السلام. فماذا حصل في عقول الناس؟! بل إنه لما قتل كان الملك حسين يتمنى موتة مثل موتته، فقد قال: أتمنى أن أموت بنفس الميتة، وربنا كريم! والله إن الإنسان ليعجب من هذه الرقة والعذوبة واللين والحب والبكاء، إن زوجة الملك حسين بقيت قرابة أربع ساعات تبكي بكاء متصلاً، وقيل: بل شهرين أو ثلاثة! فهل العلاقات الودية وصلت إلى هذا الحد! وهذا الخبيث الهالك لما عقد معاهدة السلام مع الأردن قال الملك حسين: أما آن اليوم لعلاقاتنا أن تصبح علانية؟! فالشاهد أن هؤلاء رضوا بأن ينحازوا إلى معسكر أعداء الله وأعداء رسول الله ﷺ ، ونحن نجزم ونقطع قطعاً كما أننا نقطع بأن الشمس -إن شاء الله- ستشرق من المشرق غداً أن هذا الرجل مات على الكفر، فهو هالك، ونسأل الله إن كان كذلك أن يملأ قبره عليه ناراً، وأن يلحق به كل من يحبونه ويعتبرونه صانعاً للسلام، فهذه في الحقيقة كانت جنازاتهم وليست جنازته هو، فالإنسان يعجب مما يحصل في هذه العقول من الافتتان بهذه الصورة! والرجل هو الذي كان يقول: إن إسرائيل عليها أن تستعد لحرب ضد مصر أو ضد العرب. وأيام ذلك حصلت أزمة كبيرة معروفة. فما زالوا حتى الآن يسنون لنا السكين، ونحن نقول عن إسحاق رابين: إنه صانع السلام. ويده هي التي تلوثت بقتل فتحي الشقاقي في جزيرة مالطا، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وبيد خبيث من خبثائهم أيضاً، والشخص الذي قتله تجد الكلام عليه في منتهى الاحترام، فإنه لم يوصف هذا اليهودي القاتل -على زعمهم- بأنه إرهابي متطرف، فما هو السر؟ إن السر هو أنه متدين، وقد قال: أنا فعلت ذلك عن عقيدة، فهذا رجل خان إسرائيل، وفرط في أرض إسرائيل. ومع ذلك ما جرؤ أحد أبداً أن يقول عنه: إنه إرهابي. لم يشتم بالشتائم، ولو أن مسلماً فل أهون من ذلك بكثير لرموه بالإرهاب والتطرف، أن كل يهودي متطرف، وكل نصراني متطرف، وكل من حاد عن الإسلام وعن منهج أهل السنة هو المتطرف في الحقيقة، لكن المسألة عبارة عن أدوار تتوزع بينهم، فمن رحمة الله أنه يسلط بعض الظالمين على بعض، ويخرج المؤمنين الموحدين من بينهم سالمين، فلاشك في أن هذه من آيات الله . ونسأل الله أن يلحق بـ إسحاق رابين كل من يترحم عليه، وكل من يحبه، والمرء يحشر مع من أحب. وكلنتون يمدحه بالزهد في الدنيا، وأنه كان رجلاً زاهداً مكث طول عمره لا يعرف ربطة العنق (الكرفته). ومن الغرائب العجيبة أن هذا الخبيث الهالك قبل موته بفترة قليلة أصدر أمراً بمنع ياسر عرفات من دخول القدس، فلذلك منع من حضور الجنازة، وإلا فقد كان أول الناس الذين سيقومون بما يرونه واجباً بالنسبة لهم، لكن هذا الخبيث الهالك كان قد أصدر أمراً بمنع عرفات من دخول مدينة القدس، فقد كان في بيئة شديدة التعصب لهذه الملة المحرفة. فالمهم: أن رحمة برلومو كان قسيساً، بل رئيساً للتبشير في كنيسة بيجن إنجلتلوا، قال وهو يحكي سبب إسلامه: لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن أكون من المسلمين. ويقول: وهكذا كانت تساق المفتريات الكثيرة لتشويه شخصية الرسول ﷺ ، ومنذ ذلك الحين تولدت لدي فكرة مغلوطة راسخة تدفعني إلى رفض الإسلام وعدم اتخاذه ديناً لي. ثم يقول: والواقع أنه لم يكن من أهدافي بحال من الأحوال أن أبحث عن دين الإسلام، ولكني قررت بأن أهتدي إلى الحق، ولكن لما كنت أبحث عن الحق المجهول كنت أتساءل: لماذا كنت أبحث عن الحق المجهول؟! ولماذا تركت ديني رغم أنني كنت أتمتع فيه بمكانة مرموقة بين قومي؟! حيث كنت رئيس التبشير المسيحي في الكنيسة، وكنت أحيا حياة كلها رفاهية ويسر، إذاً: لماذا اخترت الإسلام؟!

стр. 231

مدرس تحفيظ يشكك القسيس رحمة برلومو في عقيدته يقول: في يوم من الأيام أرسلتني قيادة الكنيسة للقيام بأعمال تبشيرية لمدة ثلاثة أيام ولياليها في منطقة دايدي التي تبعد عن العاصمة الواقعة في شمال جزيرة سومطرة بضع مئات من الكيلومترات، يقول: ولما انتهيت من أعمال التبشير والدعوة، وآويت إلى دار مسئول الكنسية في تلك المنطقة، وكنت في انتظار وصول سيارة تقلني إلى موقع عملي، وإذا برجل يطلع علينا فجأة، لقد كان معلماً للقرآن، وهو ما يسمى في إندونيسيا مطوِّع في الكُتّاب، وهو بهذه الهيئة المتواضعة، لقد كان الرجل ملفتاً للأنظار، كان نحيف الجسم، دقيق العود، يرتدي كوفية بيضاء بالية خَلِقة، ولباساً قد تبدل لونه من كثرة الاستعمال، حتى إن نعله كان مربوطاً بأسلاك ليصد قدمه، اقترب الرجل مني، وبعد أن بدأني بالتحية بادرني بالسؤال التالي، وكان سؤالاً غريباً من نوعه، قال: لقد ذكرت في حديثك أن عيسى المسيح إله، فأين دليلك على إلاهيته؟! فقلت له: سواء أكان هناك دليل أم لا فالأمر لا يهمك، إن شئت فلتؤمن وإن شئت فلتكفر. وهنا أدار الرجل ظهره لي وانصرف. يقول: ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد أخذت أفكر في قرارة نفسي وأقول: هيهات هيهات أن يدخل هذا الرجل الجنة؛ لأنها مخصصة فقط لمن يؤمن بإلاهية المسيح فحسب، هكذا كنت أعتقد جازماً آنذاك! ولكن عندما عدت إلى بيتي وجدت أن سؤال الرجل يزلزل فروعي، ويدق بقوة في أسماعي، مما دفعني إلى الرجوع إلى كتب الإنجيل بحثاً عن الجواب الصحيح على سؤاله، ومعلوم أن هناك أربعة أناجيل مختلفة: أحدها: متى، والثاني: مرقس، والثالث: لوقا، والرابع: إنجيل يوحنا، وهذه أسماء من ألف كل إنجيل منها، أي أن الأناجيل الأربعة المشهورة هي من صنع البشر، وهذا غريب جداً! ثم سألت نفسي: هل هناك قرآن بنسخ مختلفة من صنع البشر؟! وجاءني الجواب الذي لا مفر منه: لا يوجد. فهذه الكتب وبعض الرسائل الأخرى هي فقط مصدر تعليم الديانة المسيحية المعتمدة. وأخذت أدرس الأناجيل الأربعة، فماذا وجدت؟! هذا إنجيل متى نقرأ فيه ما يلي: إن عيسى المسيح ينتسب إلى إبراهيم وإلى داود إلى آخره. إذاً: من هو عيسى؟! أليس من بني البشر؟ نعم. إذاً: فهو إنسان. وهذا إنجيل لوقا يقول: ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية. وهذا إنجيل مرقس يقول: هذه سلسلة من نسب عيسى المسيح إلى آخر الكلام البشع الذي يزعمون فيه أنه ابن الله. وأخيراً: ماذا يقول إنجيل يوحنا عن عيسى المسيح ﵇؟! إنه يقول: في البدء كان الكلمة عند الله، وكانت كلمة الله. ومعنى هذا النص أنه في البدء كان المسيح عند الله، والمسيح هو الله. فقلت لنفسي: إذاً: هناك خلاف بين هذه الكتب الأربعة حول ذات المسيح ﵇، أهو إنسان، أم ابن الله، أم ملك، أم هو الله؟ لقد أشكل علي ذلك، ولم أعثر له على جواب، وهنا أحب أن أسأل إخواني النصارى: هل يوجد في القرآن الكريم تناقض بين آية وأخرى؟! لا، لماذا؟! لأن القرآن من عند الله ، أما هذه الأناجيل فهي من تأليف البشر، إنكم تعرفون -ولاشك- أن عيسى ﵇ كان طيلة حياته يقوم بأعمال الدعوة إلى الله هنا وهناك، ولنا أن نتساءل: ترى ما هو المبدأ الأساسي الذي كان يدعو إليه المسيح ﵇؟ هذا إنجيل مرقس يقول: فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه -يعني المسيح- أجابهم حسناً سأله: أية وصية هي الأولى؟ أي أن هذا الرجل سأل المسيح: ما هي أهم وصية؟ فأجابه اليسوع قائلاً: إن أولى الوصايا هي: (اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، فهذا اعتراف صريح من عيسى ﵇. إذاً: لو كان عيسى قد اعترف أن الله هو الإله الواحد الأحد فمن هو عيسى إذاً؟ ولو كان عيسى هو الله أيضاً فلن تكون هناك وحدانية لله، أليس كذلك؟! ثم واصلت البحث فوجدت في إنجيل يوحنا نصوصاً تشير إلى دعاء المسيح ﵇ وتضرعه إلى الله ، فقلت لنفسي: لو كان عيسى هو الله فهل يحتاج إلى هذا التضرع والدعاء؟! إذاً: عيسى ليس إلهاً، بل هو مخلوق، استمع معي إلى الدعاء الذي ورد في إنجيل يوحنا، وهذا هو نص الدعاء، يقول المسيح في نهايته: (أيها الرب البار! إن العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتك، وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني وعرفتهم اسمك، وسأعرفهم ليكون فيه الحب الذي أحببتني به). هذا الدعاء يمثل اعترافاً من عيسى ﵇ بأن الله هو الواحد الأحد، وأن عيسى هو رسول الله المبعوث إلى قوم معينين، وليس إلى جميع الناس، وأن هذه الحقيقة ظاهرة مثل الشمس أن المسيح نفسه لم يدع غير بني إسرائيل، حتى منع الحواريين من أن يبلغوا غير بني إسرائيل رسالته، فمن زعم بأن النصرانية دين عالمي تكذبه التوراة، ويكذبه الإنجيل نفسه؛ لأن عيسى نفسه قال: (لم أبعث إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة). وكما قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل﴾ [آل عمران:٤٩]، فالمسيح ما دعا إلى عالمية دعوته؛ لأنه لا توجد رسالة عالمية إلا الإسلام، فهذه من خصائص رسولنا ﷺ ، فقد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث رسولنا ﷺ إلى الناس عامة. فموضوع التبشير أصله الخروج عن حقيقة النصرانية؛ لأنها دين لقوم معينين، وهم بنو إسرائيل. يقول: إن عيسى هو رسول الله المبعوث إلى قوم معينين، وليس إلى جميع الناس، فأي قوم هم هؤلاء يا ترى؟! نقرأ جواب ذلك في إنجيل متى حيث يقول: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) إذاً: لو ضممنا هذه الاعترافات إلى بعضها لأمكننا أن نقول: إن الله هو الواحد الأحد، وأن عيسى ﵇ هو رسول الله إلى بني إسرائيل. يقول: ثم واصلت البحث. وانظر إلى كل هذا الحوار بينه وبين نفسه نتيجة سؤال واحد سأله رجل احتقره وازدراه، وقال: هذا لا يمكن أن يدخل الجنة بسبب هيئته ومنظره، ولكونه مسلماً. لكن لما عاد إلى البيت وتفكر في الكلمة أحس أن الإنسان حينما يدعو الناس إلى الهداية لا يملك شيئاً، فاستحضر أنك أنت لا تملك شيئاً، فالقلب لا يملكه إلا الله ، عليك أن تضع البذرة في التربة بكلمة، أو بنصيحة، أو بموقف، أو بمجرد أن تصلي أمام الكافر. فلا تجهل أبداً في أن تضع البذرة في أماكن النماء، قال تعالى ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٤]، الله هو الذي يزرع شجرة الإيمان في القلب، لكن في البداية لابد من أن يكون هناك بذرة توضع في القلب، ثم إذا كانت أرض هذا القلب تربة صالحة وطويلة فإنها تثمر وتنمو وتترعرع إلى أن تنبت فيها شجرة الإيمان. أما إذا كانت أرضاً غير صالحة فقد قامت حجة الله على هذا الكافر، وقلبه حينئذ كأرض لا تنبت ولا تمسك الماء ولا تنبت فيها هذه البذرة، فهذا أمره إلى الله . يقول: ثم واصلت البحث فتذكرت أنني حين أكون في صلاتي أقرأ دائماً العبارات الآتية التالية: الله الأب! الله الابن! الله روح القدس! ثلاثة في شخص واحد، قلت لنفسي: أمر غريب حقاً، فلو سألنا طالباً في الصف الأول الابتدائي: هل واحد مع واحد مع واحد يساوي ثلاثة لقال: نعم. ثم إذا قلنا له: ولكن هل الثلاثة تساوي الواحد لما وافق على ذلك، إذ إن هناك تناقضاً صريحاً فيما نقول؛ لأن عيسى ﵇ يقول في الإنجيل: إن الله واحد لا شريك له. ولذلك فالنصارى دائماً يحاولون أن يلبسوا على الناس، ويتكلمون باعتبار أنهم من أهل الديانات التوحيدية، ويقولون: نحن وسائر الديانات التوحيدية. فهم يعرفون أن هذه عورة، بل أقبح عورة في ديانتهم تدل على أنهم -في الحقيقة- مدلسون مشركون، ثم يتظاهر أحدهم بأنه موحد، وإذا حاولت أن تناقش أحدهم وتسأله: كيف يتم الجمع بين هذا التناقض فإنه يهرب من هذه الحقيقة دائماً، كما حصل مع هذا الرجل أيضاً، وهذا فيه إشارة إلى أن الديانات الإبراهيمية بريئة من هؤلاء وهؤلاء، وإبراهيم كان حنيفاً مسلماً ولم يك من المشركين، وكذلك المسيح بريء منهم، وكذلك موسى بريء منهم، فلا اليهودية ديانة توحيدية، ولا النصرانية ديانة توحيدية، صحيح أن اليهود يدعون إلى عبادة رب واحد، لكنهم يصفون هذا الإله بأوصاف تجعلهم كافرين به وغير موحدين، ثم أنهم كفروا برسالة محمد ﵊، وكفروا بعيسى، فهم لذلك -أيضاً- كفار، وكذلك الأمر بالنسبة للنصارى. يقول: لقد حدث تناقض صريح بين العقيدة التي كانت راسخة في نفسي منذ أن كنت طفلاً صغيراً -وهي: ثلاثة في واحد- وبين ما يعترف به المسيح عيسى بنفسه في كتب الإنجيل الموجودة أن الله واحد أحد لا شريك له، فأيهم هو الحق؟! لم يكن بوسعي أن أقرر آنذاك، والحق يقال بأن الله واحد أحد، فأخذت أبحث في الإنجيل مرة أخرى لعلي أقع على ما أريد، فوجدت فيه النص التالي: (اذكروا الأوليات منذ القديم؛ لأني أنا الله الإله، وليس آخر، وليس مثلي). ولقد كانت دهشتي عظيمة حين اعتنقت الإسلام فوجدت في سورة الإخلاص قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. نعم، ما دام أن الكلام كلام الله فهو لا يختلف حيثما وجد، فهذا هو التعليم الأول أو البدهية الأولى في ديانة المسيحية السابقة، فعقيدة أن الثلاثة في واحد لم يعد لها وجود في نفسي.

стр. 232

القضية الهامة التي حولت القسيس من النصرانية إلى الإسلام ثم ينتقل الأخ رحمة برلومو الأندونيسي إلى نقطة جوهرية أخرى جعلته يختار الإسلام ديناً، فهو يقول: أما البدهية الثانية في الديانة المسيحية فتقول بأن هناك ما يسمى بالخطيئة الأولى التي هي الخطيئة الأصلية، وهذه من أعمدة الديانة النصرانية، ويقصد بهذا أن الذنب الذي اقترفه آدم ﵇ عندما أكل الثمرة المحرمة عليه من الشجرة في الجنة، فهذا الذنب سوف يرثه جميع بني البشر حتى الجنين في رحم أمه، فيتحمل هذا الإثم ويولد آثماً، فهذه هي الخطيئة الأصلية، وهي من أساسيات العقيدة النصرانية. فالخطيئة الأصلية هي التي ارتكبها آدم حينما عصى الله في الجنة، يقولون: إن الله طرده من الجنة، وإن هذه الشجرة كانت شجرة المعرفة. فيقولون: إن الله كان يخشى أن آدم لو أكل منها ستصبح عنده بصيرة، فلما أكل منها وأصبحت عنده بصيرة غضب الله عليه. لأن هذا المفهوم الذي عندهم من التناقض بين العلم والدين انعكس في هذا الافتراء الذي افتروه فقالوا: إن الله كان حريصاً على أن لا يكون عند آدم علم أو معرفة، ولذلك حرم عليه هذه الشجرة، والعياذ بالله، فهذا كله من كذبهم! ومن ثم حصلت المعاداة بينهم وبين العلم والدين، أما نحن فعندنا أن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ورفع شأن العلم والدليل والحجة والبرهان في الإسلام أمر غني عن التعريف. فهم يعتقدون أن كل بني آدم صاروا ملوثين بهذه الخطيئة، فكل من يولد يولد ملوثاً بالخطيئة الأصلية! أما نحن فنؤمن قطعاً بأن الله قد تاب على آدم ﵇ لما تاب وأناب إلى الله، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧] ثم تم اهباطه إلى الأرض، وهذه المصيبة كتبت على بني البشر، فهي قدر قدره الله ، أي: قدر أن يهبط إلى الأرض لحكمة يعلمها الله ، فأما آدم فحينما أهبط إلى الأرض كان قد تاب الله عليه. فهكذا كانت كل الأجيال السابقة للمسيح -بزعمهم- ملوثة بخطيئة آدم، فيجعلون الحقد والأيام السوداء يوم خروج الجنين من بطن أمه؛ لأنه خرج ملوثاً، ونحن -ولله الحمد- في الإسلام حينما نريد ضرب المثل بالنقاء والطهارة من الآثام نقول كما قال النبي ﵊: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، فكلمة (كيوم ولدته أمه) تعني: أنه صفحة بيضاء لا خطيئة عليها ولا ذنب، بل على الفطرة التي هي فطرة الإسلام. وعندهم أن من أشد الأيام سواداً أول حياة المولود؛ لأنه ولد من أول يوم وهو ملوث بخطيئة لم يرتكبها ولا عنده خبر بها. فالشاهد أنهم يزعمون أنه لا توجد طريقة أبداً لمحو هذا الأمر عن البشرية إلا بأن ينزل ابن الله في زعمهم ويتجسد ويصلب كي يفدي البشرية! وقبل هذا الأمر أين كانت البشرية؟! كان يوجد أنبياء، كآدم ﵇، ونوح، وصالح، وهود، وكل هؤلاء الأنبياء -حتى موسى ﵇ وأنبياء بني إسرائيل قبل المسيح ﵇ وكل المؤمنين وعامة البشر قبل المسيح -والعياذ بالله- كانوا محبوسين في سجن جهنم بسبب خطيئة آدم، وما خرجوا إلا بعملية الفداء هذه! أما بالنسبة لموضوع التعميد والتغطيس فهذا -أيضاً- من أصول دينهم، وهذا هو التناقض، فإذا كانوا يزعمون أن المسيح -والعياذ بالله- بصلبه المزعوم طهر البشرية من الخطيئة الأصلية فلماذا يقولون: إن كل مولود يولد ملوثاً بالخطيئة الأصلية، فلذلك يحتاج إلى التعميد والتغطيس من أجل أن يزول عنه أثر هذه الخطيئة؟! ما فالمفروض أن تكون البشرية كلها قد تطهرت، وهذا من التناقض أيضاً، فإذا كان كل طفل محتاجاً إلى أن يغسل من الخطيئة بهذا التعميد وهذا التغطيس، وهذا الذنب سوف يرثه جميع بني البشر حتى الجنين في رحم أمه يتحمل هذا الإثم ويولد آثماً، فهل هذا صحيح أم لا؟! لقد أخذت أبحث عن حقيقة ذلك، فلجأت إلى العهد القديم الذي هو التوراة. والعهد القديم لا توجد فيه أدنى إشارة إلى التثليث، فكيف بحقيقة الإله -في زعمكم- يخلو منها كتابكم المقدس أو الجزء الأول من الكتاب المقدس الذي هو العهد القديم أو التوراة؟! كيف تكون هذه الأمور مخفية؟! فالرسل بهذا كانت تأتي لتضل الناس وتكتم عنهم الحقائق! فهذا يدل على أن هذه عقيدة مخترعة وعقيدة طارئة من تحريفاتهم كما هو معلوم. يقول: فلجأت إلى العهد القديم فوجدت في حزقيل ما يلي: (الابن لا يحمل من اسم الأب، والأب لا يحمل من اسم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون، فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحصل كل فرائضي، وفعل حقاً وعدلاً فحياة يحيا لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه). وهذا موجود في القرآن بصورة واضحة، قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٨ - ٤١]. ولعل من المناسب هنا أن نذكر ما يقوله القرآن الكريم في هذا المقام: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨]. ويقول الرسول ﷺ : (يولد ابن آدم على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فهذه هي القاعدة في الإسلام، ويوافقها ما جاء في الإنجيل، فكيف يقال: إن خطيئة آدم تنتقل من جيل إلى جيل وأن الإنسان يولد آثماً؟! يقول الأخ رحمة برلومو الأندونيسي: إذاً: هذه التعاليم المسيحية قد اتضح بطلانها وافتراؤها بنص صحيح من الكتاب الموصوف بالمقدس نفسه. وهناك البدهية الثالثة في التعاليم النصرانية التي تقول: إن ذنوب بني البشر لا تغفر حتى يصلب عيسى ﵇، ولقد أخذت أفكر في هذه البدهية وأتساءل: هل هذا صحيح؟! وكان الجواب الذي لا مفر منه: لا؛ لأن النص الآنف الذكر من العهد القديم ينفي مثل هذا الاعتقاد بقوله: (فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحصل كل فرائضه، وفعل حقاً وعدلاً فحياة يحيا لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه). أي أن الله يغفر ذنوبه دون حاجة إلى أية وساطة من أحد، ويمضي الأخ الأندونيسي الذي كان قساً في يوم من الأيام ضمن رحلته الطويلة من الكفر إلى الإسلام فيقول: لقد واصلت البحث في عدد من القضايا الاعتقادية الأخرى، لقد وضعت يوماً من الأيام كلاً من الإنجيل والقرآن أمامي على المنضدة، ووجهت السؤال التالي إلى الإنجيل، قلت له: يا إنجيل! ماذا تعرف عن محمد ﵊؟! فقال: لا شيء؛ لأن اسم محمد غير مذكور في الإنجيل. ثم وجهت السؤال التالي إلى عيسى كما تحدث عنه القرآن، فقلت: يا عيسى بن مريم! ماذا تعرف عن محمد ﵊؟ فقال: لقد ذكر القرآن بما لا يدع مجالاً للشك أن رسولاً لا بد من أن يأتي من بعدي اسمه أحمد، يقول تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦] فأي ذلك حق يا ترى؟! ثم يقول: هناك إنجيل واحد هو إنجيل برنابا، وهو غير الأناجيل الأربعة التي ذكرناها من قبل، وهذا الإنجيل -للأسف- حرم رجال الدين النصارى على أتباعهم الاطلاع عليه، أتدري لماذا؟! الأرجح هو أن هذا الإنجيل هو الوحيد الذي يتضمن البشرى بسيدنا محمد ﷺ ، وتحل فيه الإضافات والتحريفات حداً أدنى، كما أن فيه حقائق تطابق ما جاء في القرآن الكريم، فقد جاء إنجيل برنابا: (وقتئذٍ يسأل فيه التلاميذ المسيح: يا معلم! من يأتي بعدك؟ فقال المسيح بكل سرور وفرح: محمد رسول الله، سوف يأتي من بعدي كالسحاب يظل المؤمنين جميعاً). يقول الأخ رحمة برلومو: ثم قرأت جملة أخرى في إنجيل برنابا، وهي قوله: (وقتئذٍ يسأل التلميذ المسيح: يا معلم! حين يأتي محمد ما هي علامته حتى نعرفه؟ فقال المسيح: محمد لا يأتي في عقدنا هذا، وإنما يأتي بعد مئات السنين حين يحرف الإنجيل، والمؤمنون حينئذ لا يبلغ عددهم ثلاثين نفراً، فحينئذٍ يرسل الله خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً ﷺ . لقد تردد ذكر ذلك في إنجيل برنابا عدة مرات، أحصيتها فوجدت أن فيه خمسة وأربعين جملة تذكر محمداً ﷺ ، وقد اكتفيت بالجملتين السابقتين على سبيل الاستشهاد. ثم قال الأخ رحمة برلومو: ومن التعاليم البدهية في الديانة المسيحية أن عيسى ﵇ هو المنقذ المخلص للعالم، أي أنك إذا آمنت بإلهية عيسى سوف تنجو، وهذا يعني أنه يمكنك أن تفعل ما تشاء غير العمل بالذنوب والمعاصي، ما دمت تؤمن بعيسى كمنقذ لك، شريطة أن تكون على يقين بأنك من التابعين، فقلت لنفسي: لا بد من أن أبحث في الإنجيل وأعرف الحق من الباطل في ذلك، في أعمال الرسل رسالة بولس الأولى إلى أهل بولنتس يقول: (الله قد أقام الرب، وسيقيمنا نحن أيضاً بقوته). ثم يقول: إنه جاء في القصة أيضاً في كتبهم أنهم لما قبضوا على المسيح عرضوه أمام العدالة، فحكم عليه بالصلب، ثم دفن، فهنا تأتي الآية المناسبة لتلك القصة، فيقول: لقد تأملت هذا طويلاً ثم قلت: إذا لم يتدخل الله في إقامة المسيح من القبر لبقي مدفوناً تحت التراب إلى يوم القيامة، إذاً: ما دام المسيح لم يستطع إنقاذ نفسه فكيف يكون بوسعه إنقاذ الآخرين؟ هل يليق بإله -كما يزعمون- أن ي

стр. 233

تنقل القسيس رحمة برلومو بين الكنائس النصرانية ثم يقول عند ذلك عزمت على الخروج من الكنيسة وعدم الذهاب إليها، وكان ذلك سنة ألف وتسعمائة وتسعة وستين، حيث خرجت فعلاً ولم أعد أتردد على الكنيسة، وليس معنى ذلك أنني خرجت ذلك الحين من الديانة النصرانية نفسها؛ لأنه -كما هو معلوم- هناك كنائس ومذاهب شتى في الديانة النصرانية، فهناك الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكس، وغيرها كثير، حتى إنني أستطيع أن أقول: هناك أكثر من ستين وثلاثمائة مذهب في الديانة النصرانية، فصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. ثم قال: وقد يقول قائل: إن في الإسلام أيضاً توجد مذاهب وطوائف عدة، فهناك المذاهب الأربعة المعروفة: الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية وغيرها؟! و الجواب إن أتباع هذه المذاهب لا يختلفون في أصول الدين، بل يتفقون جميعاً على أن الله واحد لا شريك له، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، كما يتفقون في أركان الإسلام الخمسة، وجوانب الخلاف بينهم في الفروع فقط لا في الأصول، وخلافهم رحمة، كما ورد في الأثر. أما في الديانة المسيحية فالأمر مختلف تماماً، فالخلاف في صلب العقيدة، وهذا هو الفارق بين الإسلام والنصرانية، ومهما اختلفت المذاهب في الإسلام فإنك لن تجد مسجداً يخص مذهباً معيناً دون سائر المساجد، بل على العكس من ذلك، فإذا نادى المنادي للصلاة تجد كل مسلم يدخل أقرب مسجد ليصلي فيه، ولكن الأمر مختلف تماماً في الديانة النصرانية، فكل كنيسة تتبع مذهباً معيناً، ولا يدخلها إلا أتباع ذلك المذهب فحسب. فالكاثوليكي لا يصلي في كنيسة الأرثوذكس، والبروتستانتي لا يصلي هو الآخر في كنيسة كاثوليكية، وهكذا. ثم قال: وذات يوم لقيت صديقاً لي، فدعاني إلى الكاثوليكية، وأخذ يعدد مميزات هذا المذهب، ولم أجد مثلها في المذهب الفلاني، فقال صديقي: عندنا في الكاثوليكية توجد حجرة الغفران، وهي عبارة عن غرفة في الكنيسة يجلس فيها قس ذو لحية كثيفة يرتدي لباساً أسود، ويقعد على كرسي عالٍ، ومن طلب العفو والغفران ذهب إليه وردد بعض الألفاظ غير المفهومة، وما إن يكاد يفرغ من قراءتها حتى يقال له بأنه بريء من ذنوبه ويرجع كيوم ولدته أمه، وهكذا قال لي صديقي: ويرجع كيوم ولدته أمه. وأضاف قائلاً: كل ما تقترف يداك من الذنوب خلال أيام الأسبوع كفيلة بأن يغفر لك عند ذهابك إلى الكنيسة يوم الأحد، وحصولك على الغفران. فأنت لا تحتاج إلى الصلاة ولا إلى العبادة، ولكن إذا تركت ذلك كله وذهبت إلى القس واعترفت أمامه غفرت ذنوبك. يقول الأخ رحمة برلومو: لقد تذكرت ما يفترضه الإسلام في ذلك، وهو أن البشر مهما علت رتبة أحدهم لا يمكن أن يوكل إليه غفران ذنوب العباد، كما أن التوبة والمغفرة لا تسقط التكاليف والفرائض، بل لا بد للتائب من أن يؤدي الصلوات الخمس اليومية في أوقاتها، فإذا تركها فلا قيمة لتوبته، وعليه إثم كبير، ولا يمكن أن يتحمله عنه غيره من الناس، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨]. ثم يقول: لقد رأيت الداخلين إلى حجرة الغفران في الكنيسة عليهم أمارات الحزن والكآبة لثقل الذنوب، بينما رأيت من يخرج منها وقد علت وجهه ابتسامة الفرح؛ لاعتقاده بأن ذنوبه قد غفرت له، أما أنا فحين جربت تلك الغرفة دخلتها حزيناً وخرجت منها حزيناً؛ لأنني كنت أفكر وأتساءل: هذه ذنوبنا يتحملها القس، ولكن من يتحمل ذنوبه هو؟! وهكذا لم أقتنع بالكاثوليكية فتركتها، وبحثت عن دين آخر. يقول: بعد ذلك تعرفت على طائفة نصرانية أخرى تسمى (شهود ياهوه) وهي مذهب آخر من مذاهب النصرانية، رأيت أحد رجالها، وسألته عن تعاليم مذهبه فقلت له: من تعبدون؟ قال: الله. قلت: ومن هو المسيح؟ فقال: عيسى هو رسول الله. فصادف ذلك موافقة لما كنت أؤمن به وأميل إليه، ودخلت كنيستهم فلم أجد فيها صليباً واحداً، فسألته عن سر ذلك فقال: الصليب علامة الكفر، لذلك لا نعلقه في كنائسنا. فاقتنع بأن يبحث عن المزيد في ملة هؤلاء المسمين (شهود ياهوه). يقول: لقد أمضيت ثلاثة أشهر كاملة أتلقى تعاليم ذلك المذهب، وفي نهايتها كان لي الحوار التالي مع رئيس الكنيسة، وكان هولندياً: قلت له: يا سيدي! إذا توفيت على هذا المذهب فإلى أين مصيري؟! قال: كالدخان الذي يزول في الهواء. فقلت متعجباً: ولكني لست سيجارة، بل أنا إنسان ذو عقل وضمير. ثم سألته: وأين أتجه بعد الممات؟! فقال: توضع في ميدان واسع. قلت: وأين ذلك الميدان؟! قال: لا أعلم. قلت: سيدي! إذا كنت عبداً مطيعاً ملتزماً بهذا المذهب فهل أدخل الجنة؟! قال: لا. قلت: فإلى أين إذاً؟! قال: الذين يدخلون الجنة عددهم مائة وأربعة وأربعون ألف شخص فقط، أما أنت فسوف تدخل الأرض مرة أخرى. وهنا قاطعته قائلاً: ولكن -يا سيدي- قد وقعت الواقعة، فالدنيا خربت. يعني أن القيامة قامت والدنيا خربت. قال: أنت لا تفهم حقيقة القيامة، لو كان لديك كرسي وفوقه حشرات مؤذية هل ستحرق الكرسي لتتخلص من الحشرات؟! قلت: لا. قال: بل تقتل الحشرات ويبقى الكرسي سليماً، وهكذا تبقى الأرض سليمة بعد تطهيرها من الدنس والخطايا، وعندها ينتقل إليها الناس من ذلك الميدان، فليس هناك ما يسمى بالنار. وهنا أعملت فكري جيداً، ودرست الأمر وقلبته، حتى اتخذت القرار الأخير لترك النصرانية بجميع مذاهبها رسمياً، وكان ذلك في عام ألف وتسعمائة وسبعين.

стр. 234

قصة إسلام القسيس رحمة برلومو وفي أحد الأيام بينما كنت أسير في طريقي بحثاً عن الحق رأيت معبداً بوذياً جميلاً ضخماً، فاقتربت منه فوجدت فيه عدة تماثيل وصور في السقف تمثل التنين، وعلى الجدران مثل ذلك، كما شاهدت أمام البوابة تمثالين على شكل أسد صامت، وما إن دخلت من البوابة حتى جاءني رجل فأوقفني وسأل: إلى أين؟ قلت: أريد أن أدخل. قال: اخلع نعليك قبل أن تدخل، هذا معبد لنا، فاحترم مكان عبادتنا. قلت في نفسي: حتى البوذية تعرف النظافة، أما الديانات السابقة فلا نظافة فيها، فأذكر أنني عندما كنت أدخل الكنيسة لم أكن أخلع نعلي عند الدخول. وهذا الكلام خطأ، فإذا كان يقصد بالقذارة النجاسة فإن الإنسان لا يجوز أن يصلي بنعل فيه نجاسة، لكن إن كان طاهراً فإنه يجوز أن يصلي في النعل ويدخل المسجد، بشرط أن لا يكون المسجد مفروشاً، وإنما إذا كان من رمل أو حصى، فهو قرأ المعلومات المحدودة فلذلك قال هذه العبارة. ثم يقول: لقد جربت الديانة البوذية فترة من الزمن، ولكن سرعان ما تركتها؛ لإحساسي بأني لم أجد الحق الذي أنشده، ثم اتصلت بالديانة الهندوسية التي بدأت ونشأت في الهند، والتي انتشرت تعاليمها حتى وصلت إلى بعض الجزر الأندونيسية، فأخذت أتنقل بين تلك الجزر التي يوجد فيها نشاط لاتباع هذا الدين، ومكثت فترة من الزمن تعلمت فيها الكثير، وقد نجحت في المرحلة الأولى إلى درجة أنني أخذت الخوارق كالعبور في النار، والمشي على المسامير الحادة، فهو دين معهم فيه الجن والشياطين تساعدهم على هذه الأشياء، والخوارق ليست دليلاً على أن هذا دين حق. فوصل إلى مرحلة من المهارة في هذه الديانة الهندوسية إلى حد العبور في النار، والمشي على المسامير الحادة، وإدخال المسامير إلى أعضاء الجسم، إلى غير ذلك. يقول: ولكن ليس هذا هو ما كنت أبحث عنه. ثم يضيف الأخ رحمة برلومو: وذات يوم سألت رئيس المعهد الهندوسي: ماذا تعبدون؟ قال: نعبد برهما، ويسلو، وشيوا، برهما إله الخلق، ويسلو إله الخير، وشيوا إله الشر، ثلاثة آلهة تجلت في جسد إنسان واحد اسمه كرسنان الذي هو المنقذ للعالم عند الهندوس. قلت لنفسي: إذاً: فلا فرق في أمر الألوهية بين الهندوسية والنصرانية، ولو اختلفت الأسماء، فهما يناديان ثلاثة في واحد، فقلت للكاهن الهندوسي: اشرح لي نشأة هذا الدين. فقال: كان في الهند سنة ألفين قبل الميلاد ملك جبار ظالم لا يرحم حتى أبناءه، فيقتل مولوده الذكر خوفاً من أن يحتل عرشه غصباً، وفي إحدى الليالي الظلماء كان الملك جالساً أمام قصره، وإذا بكوكب مضيء يطلع في السماء فوق رأسه، وكان يطير بسرعة مذهلة، ثم توقف في الفضاء وأرسل نوره الباهر على حظيرة الأبقار، فلما سأل الملك رجال العلم والدين راجعوا كتبه المقدسة فقالوا: إن ذلك دليل على تجلي الآلهة في جسم إنسان اسمه كرسنان. فقلت في نفسي: والذي يعرف قصة النصرانية يجد نفس القصة موجودة يزعمونها في قصة ميلاد المسيح، فهذه القصة مع تغيير الأشخاص موجودة في الديانة النصرانية، وكنت أحدث الناس بها وأناقش، والفرق أن القرية المشار إليها هي بيت لحم والإنسان عندنا هو المسيح، فلا فرق إذاً بين القصتين، ولا بين العقيدتين في قضية أساسية هي قضية الإلهية، وقضية هوية المنقذ للعالم. لقد واصلت حواري مع الكاهن الهندوسي فقلت له: يا سيدي! إذا توفيت وأنا على دينكم فإلى أين مصيري؟! قال: لا أعلم، لا أعلم، لكن عليك أن تمتنع عن قتل الحشرات من أمثال النمل والبعوض وغيرهما، فقد تكون هذه الحشرات آباءك وأجدادك الموتى، وبعض المسلمين يعتقدون هذا، فبعض الناس عندما تدخل إليهم فراشة ذهبية يقول لك أحدهم: (احذر من أن تقتلها) فهذه روح أبيك أتت البيت أو نحو ذلك. وهذا هو نفس الاعتقاد، فالروح هي التي يقول الله تعالى عنها: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢]، وما يمسك الله فلا منقذ له، فإذا كان الله يمسكها فكيف تهرب وتأتي إلى الدنيا في صورة فراشة؟! فهذه عقائد لا تليق بأي إنسان مسلم، ولا ينبغي أن يصدقها، فهذه خرافات ما لها من أصل في دين الإسلام. فالشاهد أن هذا الكاهن الهندوسي قال له: لا أعلم. يعني: لا أعرف مصيرك إذا مت إلى أين تذهب، لكن احذر من أن تقتل الحشرات كالنمل والبعوض وغيرهما. وقال: قد تكون هذه الحشرات أباءك وأجدادك الموتى. ثم يقول في النهاية: قررت أن أترك كل تلك الديانات، ولم يكن أمامي إلا الإسلام الذي لم أكن أريد اعتناقه لما أعرف في نفسي منذ طفولتي من نفور وكراهية لهذا الدين الذي لم أكن أعرف عنه إلا الشبهات، كنت أريد البحث عن الحق المجهول، وهذا البحث يلزم الجهد والصبر، وذات يوم قلت لزوجتي: ابتداءً من هذه الليلة لا أريد أن يزعجني أحد، أريد أن أصلي وأتضرع إلى الله. وهكذا أقفلت باب حجرتي ورفعت يدي إلى الله خاشعاً متضرعاً قائلاً: يا رب! إذا كنت موجوداً حقاً فخذ بناصيتي إلى الهدى والنور، واهدني إلى دينك الحق الذي ارتضيته للناس. ثم يقول: والدعاء إلى الله ليس كأي طلب من الطلبات، كما أن دعائي إلى الله لم يكن خلال فترة وجيزة فحسب، بل استمر ذلك زمناً طويلاً قرابة ثمانية أشهر. لقد كان يخلو بنفسه ولا يختلط بأحد، ولا يكلم أحداً، بل يسأل الله أن يهديه إلى الحق. يقول: وفي ليلة الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر عام واحد وسبعين في اليوم العاشر من رمضان من نفس العام، وبعد أن فرغت من دعائي المعتاد ذهبت في نوم عميق، وعندها جاءني نور الهدى من الله ، وإذا بجسم شخص يظهر أمامي، فأمعنت النظر فيه فإذا أنا بنور حديث يشع منه يبدد الظلمة من حولي، لقد تقدم الرجل المبارك نحوي فرأيته يلبس ثوباً أبيض وعمامة بيضاء، له لحية جعدة الشعر، ووجه باك، لم أر قط مثله من قبل جمالاً وإشراقاً، لقد خاطبني الرجل بصوت مفهوم قائلاً: ردد الشهادتين، ردد الشهادتين. وما كنت حينئذ أعلم شيئاً اسمه الشهادتان، فقلت مستفسراً: وما الشهادتان؟ فقال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فكررتهما وراءه ثلاث مرات، ثم ذهب الرجل عني، ولما استيقظت من نومي وجدت جسمي مبللاً بالعرق، وسألت أول مسلم قابلته: ما هي الشهادتان؟! وما قيمتهما في الإسلام؟! فقال: الشهادتان هما الركن الأول في الإسلام، ما إن ينطقهما الرجل حتى يصبح مسلماً، فاستفسرت منه عن معناهما، فشرح لي المعنى، وفكرت ملياً وتساءلت: من يكون الرجل الذي رأيته في منامي؟! وكانت ملامحه واضحة المعالم بالنسبة لي، فلما وصفته لصديقي المسلم هتف على الفور قائلاً: لقد رأيت الرسول محمداً ﷺ ! ثم يختم قصته بقوله: وبعد عشرين يوماً من ذلك الحادث -وكانت ليلة عيد الفطر- سمعت صيحات التكبير يرددها المسلمون من المساجد القريبة من دارنا، فاقشعر بدني، واهتز قلبي، ودمعت عيناي، لا حزناً على شيء، بل شكراً لله على هذه النعمة، الحمد لله الذي هداني أخيراً إلى ما كنت أبحث عنه منذ سنين، لقد تم ذلك في عام واحد وسبعين وتسعمائة وألف. وقد خيرت زوجتي بين الإسلام والمسيحية فاختارت الإسلام، وكانت في طفولتها مسلمة ومن عائلة مسلمة، تنصرت بسبب إغراءات المبشرين، ولجهلها بأمور دينها الحنيف، كما تبعنا أبناؤنا فاعتنقوا الإسلام، ومنذ الثاني من فبراير سنة اثنين وسبعين ونحن مسلمون والحمد لله. فهذا أنموذج من نماذج البحث عن الحقيقة، وها أنت ترى أن الإنسان إذا أخلص في البحث عن الحق فإن الله يهديه ويأخذ بناصيته. فكون الإسلام هو دين الحق الوحيد أمر لا يرتاب فيه أي إنسان عاقل، ومن ثم لا يعذر الشخص إذا قال: بحثت عن الحق فوجدته في غير الإسلام. بل يقال له: لقد قصرت في الجهد؛ لأن الأدلة والبراهين قاطعة على أحقية دين الإسلام بما لا يمكن أن يرتاب فيه أي إنسان عاقل، ولهذا لم يعذر الله من سمع عن دين الإسلام، أو سمع بالرسول، أو سمع عن القرآن ثم لم يبذل كل وسعه في التحري عن هذا الدين. ونرى -أيضاً- أنه يمكن أن تكون بذرة توضع في قلب إنسان، ثم إن هذه البذرة تنمو وتترعرع إلى أن تصبح هي شجرة الإيمان القوية الراسخة في قلبه. وهناك نماذج كثيرة أيضاً تأتي فيها الهداية منة واصطفاء واختياراً من الله ، وقد سمعت عن رجل أندونيسي أتى إلى الإخوة الباكستانيين في المسجد فقال لهم: أريد أن أكون مسلماً. فلما سألوه عن السبب في ذلك قال: لقد جاءني المسيح ﵇ في المنام وقال لي: كن مسلماً. فما كان من الرجل إلا أن شهد الشهادتين وعلمه الناس الصلاة، ثم بعد حوالى ثلاثة أيام قبض ومات ودفن مع إخوانه المسلمين، وقد زرت قبره في المقابر هناك في لندن. وهناك قصص كثيرة لا نستطيع استيعابها، وقد ألفت فيها كتب كثيرة تتكلم عن قصص الهداية، وبداية التحاق كثير من الناس بها، والمقصود الإشارة إلى أن الإنسان إذا بحث عن الحق بإخلاص وبصدق فإن الله يأخذ بناصيته إليه، وهذه سنة الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وبذلك نكون قد مررنا على كل الأبواب المتعلقة بمجالات علو الهمة، حيث تكلمنا عن علو الهمة في طلب العلم عموماً، وعلو الهمة في العبادة، وعلو الهمة في الجهاد في سبيل الله ﵎، وعلو الهمة في الدعوة إلى الله ، ثم علو الهمة في البحث عن الحق وعن دين الحق، وتبقى خواتيم هذا البحث وخلاصة الكلام في هذا الموضوع، كأسباب انحطاط الهمة، وأسباب الارتقاء بالهمة، وعلاج ضعف الهمة، والمنهج الصحيح إلى ذلك، وأثر ذلك في إصلاح حال الأفراد وحال الأمة أجمعين. سبحانك -اللهم! - ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 235

علو الهمة [١٥] ما أحوج المسلم -وخاصة في هذا الزمن- إلى أن تكون همته عالية! حتى يستطيع أن يرفع ما حل به وبأمته من الذل والهوان، ولذا فإن على المسلم أن يبذل وسعه في فعل الأسباب التي تعلو بهمته، وتقوي عزيمته، كما أن عليه أيضاً أن يبتعد عن الأسباب التي تحط من همته وتدمرها وما أكثرها! لذا فيجب عليه معرفتها، والبعد عنها، والتحذير منها.

стр. 236

مرض سقوط الهمة أعراضه وصوره حديثنا هو عن حال الأمة عند سقوط الهمة، وعن أسباب الارتقاء بالهمة، وأسباب انخفاضها. لا شك أن سقوط الهمة مرض، وكل مرض له أعراض تشير إلى حدوثه وتمكنه من هذا الإنسان، فأصل الأمراض التي تفشت في أمتنا هو سقوط الهمة، وضعف الإرادة؛ فدائماً ما يتحالف سقوط الهمة مع الهوان والذل والصغار، كما قال ﵌: (وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري) سواء كانت مخالفة الأمر من المسلم العاصي أو من الكافر الذي لا يؤمن برسول الله ﷺ ؛ فكل من حاد عن منهج الله ومنهج رسوله ﷺ فلابد له من الذل، كما قال ﵎ أيضاً: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]. وقال ﵎ أيضاً: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. وقال ﷺ : (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا). إذاً: الذل ثمرة طبيعية وعرض من أعراض مرض سقوط الهمة؛ فسقوط الهمة وضعف الإرادة هو أصل الأمراض التي تفشت في أمتنا، فنحن نجد كثيراً من الناس يريد أن يتوب -سواء على المستوى الفردي أو الجماعي- ويريد أن يستقم، ومع ذلك لا يحصل تغير في حاله؛ لضعف الهمة عنده. ونرى رجلاً يسقط صريعاً بالتدخين أو بالإدمان أو الخمر أو غيرها من المعاصي فنفسه تؤنبه وتلومه، ويريد أن يخرج من هذا الوحل، فما الذي يمنعه من أن يخرج وهو يعرف أضرار التدخين، ويرى ضحاياه، ويرى السرطان الذي يحصل بسبب التدخين، ومع ذلك لا يتحرر من هذا الأسر، وليس هذا بسبب ضعف العلم؛ فعنده علم كاف بضرر هذه الأشياء، وعنده علم بحكمها الشرعي، ولكن ليست هناك همة، وليس هناك يقين وإرادة كافية ينهض بها من هذه الوحلة أو من هذه الحفرة. فهذا المرض هو الذي أورث أمتنا في هذا الزمان قحطاً في الرجال، وجفافاً في القرائح، وتقليداً أعمى، وتواكلاً وكسلاً واستسلاماً لما يسمى بالأمر الواقع، فالمسلم لا يعترف بشيء اسمه الأمر الواقع، فالأمر الواقع هو شرع الله ، أما ما يسمى بالأمر الواقع فكما أن الباطل جعله واقعاً فالحق قادر على أن يصلح هذا الأمر ويعالجه ويجعل الحق هو الأمر الواقع.

стр. 237

صور من سقوط الهمة في التاريخ الماضي لقد رأينا في التاريخ الماضي حلقاً كثيرة جداً تثبت وتجسد لنا أعراض هذا المرض الخطير، فمثلاً: كان الجندي التتري يأمر المسلم الذي سقطت همته أن يبقى في مكانه؛ حتى يعود فيقتله! فسقوط الهمة أعظم وأخطر ما يظهر في حالات الحروب والجهاد في سبيل الله ﵎. كما رأينا نماذج في علو الهمة في جهاد الصحابة والسلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، وكيف أناروا الدنيا مشارقها ومغاربها بجهادهم في سبيل الله، لكن لما ترك المسلمون الجهاد ذلوا، حتى حكي في كتب التاريخ أن الجندي التتري كان يأمر المسلم الذي سقطت همته أن يقعد في مكانه، ثم يغيب التتري، ويظل المسلم جالساً مكانه لا يتحرك ولا يفكر حتى في مجرد الهروب من شدة ضعف الهمة؛ حتى يذهب هذا التتري ليحضر حجراً، ثم يعود فيشدخ به رأس المسلم، ويقتله بهذا الحجر، وهو جالس منتظراً الموت! فإن كنت ميتاً ومقتولاً فإذاً قاوم، أو حتى حاول أن تفر أو تهرب، لكن وصل الحد إلى أن يجلس منتظراً التتري إلى أن يذهب ويحضر الحجر -لأنه ليس معه سلاح- ويعود ليشدخ به رأس المسلم ويقتله بذلك، وهو لا يحرك ساكناً. إلى أن ينجز التتري ما أوعده! وحين نقفز إلى عصرنا الحاضر ونبحث أين سقوط الهمة فسنرى سقوط الهمة في هذا الزمان، والجراح كثيرة جداً سواء في حرب (١٩٤٨م) مع اليهود في فلسطين، والخيانات التي حصلت فيها، أو في حرب (١٩٦٧م) لما حصلت مسابقة في اختراق الضاحية في أرض سيناء، والجنود هربوا وولوا بالصورة المخزية التي عرفناها. وهكذا في حرب الخليج الثانية رأينا ذلك المشهد التمثيلي المخزي حينما ركع الجندي العراقي أمام نعلي الجندي الأمريكي، وجعل يقبلهما ويتمسح بهما، ويطلب من الجندي الأمريكي العفو والصفح، لكن الجندي الأمريكي وحتى يعطي العالم درساً في التسامح ظل يمسح على كتفه وعلى رأسه، ويقول له: لا بأس! أنت بخير، فلا تقلق، ولا تجزع! ونشروها في كل العالم على أنه هذا نموذج من نماذج التسامح والأخلاق الأمريكية، ولا شك أن هذا أيضاً من أعراض مرض سقوط الهمة.

стр. 238

حكاية ابن خلدون لانحطاط الهمم في زمنه شكا ابن خلدون رحمه الله تعالى تشبه المسلمين في عصره بأعدائهم الكفار، واعتبر أسباب التشبه بالكفار مظهراً من مظاهر سقوط الهمة، وأمارة من أمارات ضياع الأندلس من أيدي المسلمين قبل أن تضيع؛ حيث قال رحمه الله تعالى في مقدمته المشهورة: ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب. أي: أن المغلوب دائماً يميل إلى التشبه بمن يغلبه ومن يقهره، وهذا هو نفس الظاهرة الموجودة الآن من الوقوع في هوى تقليد الغرب، والتبعية لهم على جميع المستويات، ولا نستثني مستوىً واحداً منها؛ ففي اللغة نتكلم بلغة الغرب، وفي العادات والتقاليد نستخدم أساليب وعادات ومناهج الغرب؛ حتى في مناهج التفكير صرنا نمشي بلا أي هوية. وأصبح الحال كما قيل: ويل للمغلوب من الغالب. يقول ابن خلدون: ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه؛ في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله، وانظر ذلك في الأبناء مع أبنائهم كيف تجد المتشبهين بهم دائماً؛ وما ذلك إلا اعتقادهم الكمال فيهم. فدائماً الابن يحاكي أباه؛ لأنه يرى أن أباه أفضل أنموذج أمامه في الدنيا، فمهما يفعل الأب فإنك تجد الولد يتشبه به؛ لأنه يعتقد الكمال في أبيه، فكذلك إذا كانت أمة تجاور أمة أخرى، ولها الغلب عليها، فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، ونحن رأينا كيف كان في زمن نهضة المسلمين في الأندلس يفد إلى الأندلس من جميع أوروبا الشباب الأوروبي، من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكل هذه البلاد كانوا يأتون إلى الأندلس؛ ليتلقوا العلم على أيدي العلماء المسلمين، ولا نقول: العرب، بل على أيدي العلماء المسلمين، وكانت لغة العلم هي اللغة العربية، فكان لزاماً على كل طالب يريد أن يتلقى العلم الحديث وأحدث ما وصل إليه العلم أن يتعلم أولاً اللغة العربية، فكان الشاب الغربي إذا رجع إلى بلاده يفتخر أمام أقرانه بأنه درس في بلاد المسلمين، ويعتبر هذا من مظاهر المفاخرة العظيمة، فكان يخلط كلامه أحياناً بألفاظ عربية، ثم يعود يتكلم بلغته القومية، الأمر الذي حدا بالكنيسة إلى أن أصدرت قراراً بالتهديد وبالحرمان من الجنة لهؤلاء! وقالت لهم: إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين يذهبون إلى بلاد المسلمين ثم يعودون إلى بلادهم فيبدءون كلامهم باللغة العربية، ثم يتكلمون بلغتهم القومية -يعني: أنهم يفعلون ذلك كي يعرف الناس أنهم تعلموا في بلاد المسلمين- هؤلاء الشبان الرقعاء إن لم يكفوا عن ذلك فسوف تصدر الكنيسة ضدهم قرارات حرمان من الجنة! وهذا لا شك أنه مظهر من مظاهر علو همة المسلمين، وكيف أنهم لما كانت لهم الغلبة كان الجميع يتشبهون بهم. ومن البلاد التي انتشرت فيها اللغة العربية بسرعة غير متوقعة ولله الحمد هي مصر، وربما يكون هناك سبب ثانوي هو: أن المصريين -كما يقال- عندهم موهبة في تعلم اللغات، ولكن هناك سبب أساسي، وهو أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح مصراً كان ذكياً إلى درجة عالية جداً. قال عمرو بن العاص: إن أي موظف يعين في الهيئات أو الوظائف الحكومية التابعة لولايته لابد أن يعرف اللغة العربية. فتنافس أهل مصر في تعلم اللغة العربية كي يحوزوا المناصب والوظائف؛ حيث كان تعلمها شرطاً في تقلد الوظائف، ولذلك انتشرت اللغة العربية انتشاراً سريعاً جداً في مصر ولله الحمد. يقول ابن خلدون: إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلبة عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة -أي: الأسبان- فإنك تجد أنه لما بدأ يضعف نفوذ المسلمين أمام الجلالقة الأسبان تجد أن بعض المسلمين يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم؛ حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت. والإنسان إذا رأى صور القصور في الندلس مثل قصر الحمراء وغرناطة وقرطبة يجد أن في ساحات هذه القصور كساحة السباع، وهي عبارة عن تماثيل للأسود تخرج من فمها النوافير، مع أن هذا في قصر كان يملكه حكام مسلمون! فإذا كان هذا شأن الحكام في تخليد التماثيل وقد عرف تحريمها الأكيد في الشريعة الإسلامية فإن هذا يعكس مدى ما حصل بسبب الاقتداء بالكفار في هذا الأمر. يقول الإمام ابن خلدون: حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، فالأمر لله. وكلامه هذا معناه: أن هذه الأمة ستنهار أمام أعدائها، ولا يبقى لها قوة، وحدث ما توقعه ابن خلدون رحمه الله تعالى، واستولى الفرنج على الأندلس الإسلامية، وأخرج المسلمون منها بعد مائتي سنة من كتابته لهذه السطور.

стр. 239

صور من انحطاط الهمم في الزمن الحاضر عن عصرنا حدث ولا حرج من مظاهر تسفل الهمم وانحطاطها؛ فانظروا إلى حال الشباب فقط، فلا أقول أكثر من هذا، انظروا إلى حال الشباب الذين ينتسبون إلى الإسلام كيف تصاغرت همهم، فلم تنشغل إلا بسفاسف الأمور ومحقراتها، فهم شباب الكرة والغناء إلا من ﵀، بل حتى في مذاكرتهم؛ فغالبهم يريد أن ينجح بدون جهد يذكر، بخلاف أجيال سابقة كانت أكثر جدية، فنحن نجد هؤلاء الشباب كل ما يشغلهم هي الأمور التافهة والساذجة، كما قال أحد الكتاب المسلمين: لقيت اليوم صديقنا فلاناً، وكان زعيماً سياسياً قديماً، فإذا هو على غير عادته؛ منشرح الصدر، ضاحك الأسارير، فقلت له: أراك اليوم على غير عادتك طلقاً نشيطاً بادي السرور، قال: وما لي لا أكون كذلك وقد أحرزت في هذا اليوم ثلاثة انتصارات؟ قلت: لك الحق إذاً في تهللك وفرحك؛ فنحن في زمان لا نكاد نظفر فيه بانتصار واحد بين مئات الهزائم، فما هي الانتصارات إن لم تكن سراً من الأسرار؟ قال: أما الانتصار الأول فقد دخلت غرفة نومي منذ ثلاثة أيام ذبابة أزعجت نهاري، وأرقت ليلي، وقد حاولت جهدي طردها أو قتلها فلم أفلح، إلى أن ظفرت بها اليوم، فقتلتها شر قتلة، وألقيتها حيث لا يمكن أن تعود حتى لو عادت إليها الحياة! قلت: والانتصار الثاني؟ قال: والانتصار الثاني شعرت به وأنا أزن نفسي في الحمام؛ إذ هبط وزني من تسعة وتسعين كيلو إلى ثمانية وتسعين وسبعمائة وخمسين جراماً! قلت: والانتصار الثالث؟ قال: لعبت اليوم بالنرد مع صديقنا فلان، فغلبته مرتين متواليتين، وهو الذي كان يغلبني باستمرار! أفتراني بعد ذلك كله حقيقاً بما أنا عليه من السعادة والطلاقة والمرح؟! قلت: بلى! بلى! بلى! وتابعت طريقي بأسىً بالغ وألم عميق وحزن غامر عليه وعلى أنفسنا معه؛ لقد تحقق عزلنا عن ميادين الحياة الجادة من قبل الطغيان الداخلي والخارجي، المحلي والدولي، وفاتتنا الانتصارات الحقيقية الكبرى. وهكذا الآن أصبح الذي يطلق عليه البطل هو إما الممثل في الفيلم، أو المسرحية، أو لاعب كرة القدم، هذا هو البطل، وصار يقال: الأبطال، وهذه البطولة، والانتصار، والنجوم، إلى آخر نحو هذه الألفاظ الفخمة؛ كي يتلهى بها الناس، وتطلق على أخس خلق الله وأخبثهم. يقول: تشاغلنا بأنفسنا ومطامعنا، والتمسنا الراحة والمتعة والرضا، ومثل انتصارات هذا السياسي الكبير القديم أظن أنه لا يختلف عنها بالجوهر، وإن اختلف بالشكل والعنوان؛ أليس هذا ضرباً من ضروب الجنون أو الموت المعنوي الذي يصنعه الطغيان؟! أليس الموت المادي الحقيقي أفضل من مثل هذه الحياة؟! إن الشباب يمعنون في التشبه بالكفار، بل يعلقون صور الممثلين على صدورهم! فأخس الصور وأحط الصور الآن أصبحت تعلق على صدور أولاد المسلمين من أجل الدعاية للفواحش! وحينما أرى شاباً من هؤلاء الرقعاء الذين يعلقون صور الممثلين هذه على ملابسهم أقول: أليس هذا يعود إلى بيته؟! أكيد أنه سوق يعود، وأكيد أن والدته تغسل له هذه الثياب، وأكيد أن أباه يراه، وإخوته يرون هذه الصور القبيحة، فأين هؤلاء جميعاً مما يصنع هذا؟! إن معنى ذلك أن هناك نوعاً من التخدير أو موت الغيرة في قلوب الناس، إلى حد أن يمشي إنسان بهذه الصور القبيحة، ويظهر بها متحدياً حتى الأخلاق العامة، ومع ذلك لا يخدش ولا يمس بأي سوء؛ فهو عبارة عن رقيق، وهو عبد فخور جداً بهذا الرق! هذا هو باختصار إيضاح الصورة التي نحن عليها. فهو عبد ذليل فخور بالذل وبهذا الرق؛ حتى أن السيارات الآن تعلق عليها الأعلام الأمريكية، وتزين بالأعلام الأمريكية، ويعلقون عليها الآن شتى الصور، ونجد سيارات أخرى عليها أعلام بريطانيا الذي فيه صليب قائم وصليب نائم؛ فإن علم بريطانيا فيه صليبان، وهكذا غيرها من الأعلام!! وهذا يقول: أنا أحب ألمانيا! والآخر يقول: أنا أحب أمريكا! إلى آخر هذه التفاهات المعروفة؛ فهاهم يعلقون على صدورهم وسياراتهم أعلام الدول التي أذلت كبرياءهم وعزهم، وطأطأت أعناقهم، وأهدرت كرامتهم، واستعبدت أمتهم! وعلى صعيد آخر رأينا من يسوغ تعبيد الأمة وإذلالها وتبعيتها لأعدائنا؛ بحجة أننا لم نفكر برأسنا ما دمنا لا نأكل بفأسنا، وجعلوا نظرية الفأس والرأس تسويغاً وتبريراً للتبعية والذل الذي نحن فيه، ويرددون: لا نفكر برأسنا إلا إذا أكلنا بفأسنا، ومن هذا القمح الذي يأتينا من الميناء إلى الأفواه مباشرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ونحن هنا نتكلم على أعراض هذا المرض، فمثل هذه التصريحات هي من مظاهر وأعراض هذا المرض. وهكذا يقول بعض الناس: إن ما نحن فيه من الانحدار تسبب فيه من قبلنا، وسيصلحه من بعدنا، وكل جيل يأتي يردد هذه العبارة، بل عشنا حتى أدركنا زمناً لم تعد الخيانة فيه عاراً يذكر، لكنها شرف يظهر، ويتباهى به، ووظيفة مرموقة، ومفخرة يتهافت عليها!

стр. 240

بعض ملامح محنة المسلمين في عصر انحطاط الهمم يبين الشيخ محمد أحمد الراشد حفظه الله ملمحاً خطيراً من ملامح محنة المسلمين في عصر انحطاط الهمم، فيقول حفظه الله: إن محنة المسلمين اليوم لا تقتصر على تسلط أئمة الضلالة فحسب، بل تعدت ذلك إلى تربية سخرت المناهج الدراسية وكراسي الجامعات والصحف والإذاعات لمسخ الأفكار والقيم، حتى غدا صيد المخططات في سرور -والمقصود: المصيد الذي وقع في الفخ- يحسب نفسه في انعتاق من أسر القديم أي قديم كان، فهو تحرر من التقلد أو التمسك بالقديم، أو صار الآن رجلاً حراً متحرراً. لقد وقع المسلمون اليوم ضحية لتربية أخلدتهم إلى الأرض، فأرادت لهم الفسوق ابتداءً؛ لتستخف بهم الطواغيت انتهاءً، وإنها خطة قديمة يأخذها الطاغوت اللاحق عن الطاغوت السابق، حتى وصلت وصولها إلى فرعون، وذلك كما يقول الله : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]. هذا هو التفسير الصحيح للتاريخ، وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله؛ فالمؤمن بالله لا يستجيب للطاغوت، ولا يمكن أن يطيع له أمراً. فبلا شك أن الناس أنفسهم ليسوا معفيين عن المسئولية عن الأمر الواضح الذي وصلت إليه الأمة والدين، بل هم السبب في ذلك، وهم سبب أقوى من الحكام في تضييع الإسلام بسبب سفل الهمم، ولولا أنهم كانوا قوماً فاسقين لما سمحوا أن يسب دينهم على الملأ، وأن تكتب المقالات في أن القرآن فيه أخطاء نحوية! وأنه ليس بالضبط كلام الله ! وغير ذلك من الفظائع التي حصلت والناس لا يبالون، وهؤلاء الناس أنفسهم لو أن السجائر ارتفعت أسعارها أو حصلت هزيمة في مباراة كرة قدم أو مات مطرب أو مغنٍ فإنهم يثورون! فلا شك أن هؤلاء الناس ممن انطبقت عليهم هذه الأوصاف من الفسق والخروج عن طاعة الله هم أيضاً ضلع كبير في الصد عن سبيل الله ﵎، وضلع في هذا الاستخفاف. فهؤلاء أدركوا المقتل الذي عرفه فرعون، فتواصوا به، وأخذوا يحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الفاحشة والفجور، مشغول بلقمة العيش، ولا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد؛ كيلا يفيق بعد اللقمة وبعد الشهوات ليستمع إلى هدى، أو يفيء إلى دين، وصارت تلك سياستهم: سياسة محاربة المساجد بالمراقص، ومحاربة الزوجات بالنساء ذوات الفواحش، ومحاربة العقائد بأساتذة حرية الفكر، ومحاربة فنون القوة بفنون اللذة، وهكذا تحول بهذه التربية ذلك الصقر الإسلامي إلى مثل طائر الحجل. والحجل: نوع من الطيور، واحده حجلة، وهو طائر أكبر من الحمام يصاد. فالصقر تحول إلى طائر الحجل مشهور بالوداعة، كما يقول إقبال: إنه الأدب والترويض الذي استعمله أدب الضلال، كما يفعل بالضبط مع الوحش الكاسر المروض في السيرك؛ فإنه يروضه بحيث يصبح في الآخر مقلم الأظفار هادئاً وديعاً لا يزمجر ولا ينفعل، ولا يحرك أي شيء من هذا. يقول إقبال وهو يصف هذا الأدب: يسلب السرو جميل الميل ويرد الصقر مثل الحجل يسخر الركبان باللحن المبين ولقاع البحر يهوي بالسفين نومة ألحانه يقظتنا أطفأت أنفاسه وقدتنا فهو يصف هذا الأدب بأنه يسلب السرو -والسرو: شجر معروف، وواحدته سروة- جميل الميل، ويرد الصقر مثل الحجل، ويسخر الركبان باللحن، يعني: حتى أجهزة تلفزيونه وأفلامه ونحوها تروض الرجل فعلاً، فالرجل أصبح مثل الجمل الذي استنوق، كما نسمع ونرى الرجل في الفيلم أو المسرحية أو التمثيلية تصفعه المرأة! فيضع يديه على الصفعة، ويضع وجهه في التراب؛ لأنه رجل مروض، قد قلمت أظفاره حتى صار كالجمل الذي استنوق، فهي عملية ترويض، فالمرأة تريه هذه الإهانة، وهو يقبلها صاغراً ذليلاً مهيناً! ولقاع البحر يهوي بالسفين، والسفين جمع: سفينة. نومت ألحانه يقظتنا وهذا كما قال الخميني -وصدق وهو كذوب-: الموسيقى أفيون الشباب. أي: تستعمل الموسيقى والأغاني في التخدير كالأفيون. وقدتنا والوقدة هي: أشد الحر. ثم قال: وأشرب الناس الذل بهذا الأذى فطرة وفي نفور من الذل ينفر من الذل، فيأبى على الحيف، ولكن تحيط بالناس أحوال، وتتوالى عليهم حادثات، فيراضون على الخضوع حيناً بعد حين، ويسكنون إلى الخنوع حالاً بعد حال؛ حتى يدربوا عليه، كما يستأنس السبع ويؤلف الوحش، ولكن يبقى في الناس ثمرات من الكرامة، ويبقى في الدماء شذرات من الجمر، فإذا دعى الداعي إلى العزة، وأذن بالحرية، وأيقظ الوجدان النائم، وحرك الشعور الهاجد، نبضت الكرامة في النفس، وبصت الجمرة في الرماد -يعني: لمعت- وأعادت للإنسان إنسانيته، فأبى وجاهد، ورأى كل ما يلقى أهون من العبودية، وأحسن من هذه البهيمية. ذل من يربط الذليل بعيش رب عيش أخس منه الحمام وكل ذل يصيب الإنسان من غيره ويناله من ظاهره قريب شفاؤه ويسير إزالته. وهذا أمر في غاية الأهمية، فإذا كان الذل والاستهزاء ناشئ عن عامل خارجي كقهر وكبت أو أي عوامل خارجية فهذا خفيف، وإنما المشكلة هي الأمر الذي يعبر عنه مالك بن نبي ﵀ حيث قال: ليست المشكلة في الاستعمار، فكون أمة تقهر أمة وتستعمرها ليست هي المشكلة، المشكلة هي قابلية الشعب أن يستعمر، وأن يستذل، فهو في داخل نفسه قابل له، وهو راضٍ به وسعيد جداً أنه يذل، حتى كان الناس في بعض الأوقات يقارنون: أيهما أفضل: الاستعمار الروسي أم الاستعمار الأمريكي؟! وأيهما أفضل: اليهود أم كذا؟! وهذا يعكس هذه النفسية التي سقطت فيها الهمة، وسفلت إلى هذا المنحدر، حيث الرضا والخنوع، وأصبح الذل ينبع من الداخل، وليس فقط شيء يفرض على الإنسان من خارجه، فكل ذل يصيب الإنسان من غيره ويناله من ظاهره قريب شفاؤه، ويسير إزالته، فإذا نبع الذل من النفس وانبثق من القلب فهو الداء الدوي، والموت الخفي، ولذلك عمد الطغاة المستعبدون إلى أن يشربوا الناس الذل بالتعليم الذليل، وبالتأديب المهين، وتنشئة الناشئة عليه بوسائل شتى؛ ليميتوا الهمة، ويخمدوا الحمية؛ لأن بيدهم العصا والزمام. ومن تمام لوازم عملية الترويض أن يضيقوا على دعاة الإسلام؛ ليستبد بالتوجيه التربوي والإذاعي والصحفي أدعياء العلم والشعر والحكمة الذين مضى أمرهم بأسماء منظمات تبدو في ظاهرها مختلفة تزين للجيل الجديد نسل المجاهدين وشبل الأسود أن يكون رقيقاً للشهوات والفواحش والعيش البغيض. وبدءوا يمحون تراث الأمة التي نهضت به، ويطمسون قصص العلماء؛ حذراً من أن تكون نبراساً للجيل يستدل بها على طريق العمل. فذلك قول شاعر الإسلام إقبال ﵀: ليس يخلو زمان شعب ذليل من عليم وشائع وحكيم فرقتهم مذاهب القول لكن جميع الرأي مقصد في الصميم علموا الليث جفلة الضبي وامحوا قصص الأسد في الحديث القديم همهم لقطة الرقيق برق كل تأوليهم خزاع عليم أي: أن كل همهم من هذه السياسات أن الرقيق يسخر، ويفرح بالذل الذي هو فيه، ويفتخر بأنه رقيق، وبأنه عبد مستذل ومهين، وقد كان لهم ما أرادوا، فهذا هو عنوان خطة الكيد اليهودي والصليبي: تعليم الليث الإسلامي جفلة الضبي، يعني: أنه يكون وديعاً هادئاً مستسلماً لما يملى عليه! وأيضاً: محو قصص أسود الإسلام من العلماء والزهاد والمجاهدين من تاريخ القرون الفاضلة الأولى لهذه الأمة المجاهدة، وأنتجت خطط التربية ذلك الضبي الجفول الذي لم يعد يقتحم، واستبدل العزم بالهوان والمسارعة بالهرب؛ إنهم هذا الجيل من أبناء المسلمين، شبل أسد تحول إلى ضبي وديع، وحر استرقوه ففرح بهذا الرق. هذه إشارة عابرة لمظاهر هذا المرض الخطير: انحطاط الهمم وتسفلها.

стр. 241

علو الهمة [١٦] بالهمم العالية يرتفع الذكر بين الناس، وبانحطاطها يذوق الإنسان الويلات، وغالباً ما تكون أسباب انحطاط الهمم أسباب يسهل التغلب عليها، خصوصاً إذا أمعن المرء النظر في سير من سلف من أصحاب الهمم العالية.

стр. 242

أسباب انحطاط الهمم ما كان لنا أن نذكر أسباب انحطاط الهمم، إلا لأنه من الطبيعي قبل أن نذكر أسباب الارتقاء بالهمة أن نتكلم على أسباب انحطاط الهمم؛ لما بينهما من التقابل، وبضدها تتبين الأشياء، وبجانب أن الإنسان يعلم الشر كي يتقيه ويجتنبه.

стр. 243

الوهن وحب الدنيا من أسباب انحطاط الهمم إن أعظم أسباب هذا المرض الخطير: الوهن، والوهن كما فسره رسول الله ﵌ في الحديث: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قلنا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت)، أو كما قال ﷺ . أي: أن الأمم تجعل أمة الإسلام وليمة يأكلونها، ويأخذون ثرواتها، ويذبحون أبناءها، فهذه الوليمة صار يتداعى إليها أعداء الإسلام، سواء كان في حرب الخليج الأولى أو الثانية، أو في البوسنة والهرسك، أو فلسطين، أو غيرها من المواقع، ففي حرب الخليج قال وزير خارجية بريطانيا: نريد نصيبنا من الكيكة أو من الترتة! بلا استحياء! وهذا تجسيد لما أخبر به الصادق المصدوق ﵌. وقد بين ﵊ أن الأمر ليس بسبب قلة العدد؛ فأنتم يومئذ كثير، لكنكم كالغثاء، وهو: الزبد الذي يكون فوق السيل، ويدفعه السيل أمامه في مجراه من الغثاء والرغاوة والكناسة وهذه الأشياء. قال ﵊: (وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، هذا هو السبب في الحقيقة، أما حب الدنيا فأنت إذا تأملت أي خطيئة ترتكب في الوجود فستجد أن سببها هو حب الدنيا بكل ما تحتمله كلمة دنيا من معانٍ؛ لأن الإنسان إذا أحب الدنيا فإن ذلك يؤدي به إلى أن يتثاقل إلى الأرض، ولا يستطيع أن يرتقي إلى السماء؛ فيكون ثقيلاً منجذباً إلى الأرض، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٨]، أي: خفوا إلى الجهاد ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨]. إذاً: حب الدنيا هو سبب التثاقل إلى الأرض، وكذلك ما من عبد تأسره الشهوات إلا والسبب في هذه الشهوات هي الدنيا أيضاً، وكذلك الانغماس في الترف، فإذا الإنسان عمر في الدنيا، وأغرق في الترف بهذه الصورة فهل سيفكر بعد ذلك في الموت؟! وهل سيفكر في الآخرة؟! فهو يعمر الدنيا، ويخرب الآخرة، فمن الطبيعي أن يكره الانتقال من العمار إلى الخراب؛ لأنه خرب الآخرة، فبذلك يميل إلى حب الدنيا، ويتشبث بها. وكذلك حب الدنيا هو الذي يؤدي بالناس إلى التنافس في دار الغرور، فهم يتنافسون على أمور الدنيا بما يوجد الحسد والحقد والبغضاء والحروب والصراعات. يقول الشاعر مبيناً أن الرجال يقتل بعضهم بعضاً في سبيل حب الدنيا: تفانى الرجال على حبها وما يحصلون على طائل قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: واعلم أن زمن الابتلاء ضيف ِقراه الصبر. يعني: أن البلاء الذي تعيشه في الدنيا مهما طال فهو فترة مؤقتة، فزمن البلاء هذا ضيف طارئ سيمكث عندك فترة قليلة جداً؛ لأن العمر مهما طال فسيمضي، وسينتهي، وستصبح أنت في خبر كان، وسوف تفضي إلى ما قدمت بين يديك، فلو فرضنا أن إنساناً عمره مائة سنة -وقل من يعيش مائة سنة الآن- فإن مصيره الموت، كما قال موسى لملك الموت ﵉: (ثم ماذا؟ قال: الموت، قال: فالآن). فالإنسان حينما يكون موجوداً في عمق الصورة لا يحسن التفكير المتجرد، لكن إذا تدبر نفسه وتصور أنه منفصل عن تأثير هذه الصورة فإنه يعطي الحكم بدقة، نحن الآن يعرف بعضنا بعضاً، ويعرف الإنسان جيرانه وأصدقاءه وإخوانه وكذا وكذا، فنحن منشغلون ومنهمكون في هذا المحيط الذي يحيط بنا، وما هي إلا سنوات أو عقود قليلة من الزمان وإذا بك أنت وكل هؤلاء الذين تعرفهم ستكونون تحت التراب، وهكذا كل من على وجه الأرض؛ ليأتي جيل جديد، إلى أن يأذن الله بخراب الدنيا كلها، فكما نحن نجلس الآن في هذا المصر من الأرض فسيأتي غيرنا بعدنا، وهذه الأرض نفسها التي نعيش عليها كم من الناس قد عاشوا عليها منذ آلاف السنين! لقد عاش عليها أمم فأين هم الآن؟ قال : ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨]. وكما مضى من قبلنا، فنحن أيضاً سيأتي من بعدنا في نفس هذه الأراضي وهذه البلاد فيعيشون، قال : ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥]. فقوم يجيئون، وقوم يذهبون، ولا ينفع الإنسان ولا يبقى معه إلا عمله الصالح. يقول ابن الجوزي: زمان البلاء والتكليف والمشقة والصبر على الأذى والصبر على فتن الدنيا هو ضيف سريع الزوال، قراه الصبر. أي: إذا أتاك ضيف البلاء في سبيل الدين فأقره الصبر، والقرى هو: ما يقدم للضيف من الكرم، فأكرم هذا البلاء بأن تصبر عليه إلى أن يرحل؛ فإنه لن يبقى معك طويلاً. ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (تعوذوا بالله من شر جار المقام؛ فإن جار الضعن إذا شاء أن يزايل زايل). يقول: واعلم أن زمان الابتلاء ضيف قراه الصبر، كما كان الإمام أحمد بن حنبل يعزي على زهده في الدنيا بأن يقول: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، فلا تنظر إلى لذة المترفين، وتلمح عواقبهم، ولا تضق صدراً بضيق العيش، وعلل الناقة بالحدو تسر: طاول بها الليل مال النجم أن جنح وماطل النوم ظن الجفن أن سمح فإن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى وهذه هي سياسة المؤمن الحاذق الفطن في تعامله مع الدنيا، فإذا كان هناك عمل من أعمال الدنيا فسوِّف ما شئت، وليس هناك مشكلة، كما يقول الحسن: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً. فحين يتعارض عملان: عمل ستحاسب عليه ربما غداً أو بعد ساعة، وعمل أنت تعمله كأنك تعيش للأبد، فانظر أيهما يقدم على الآخر. وهذا عكس ما يستعمل الناس هذه العبارة فإنهم يقولون: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، ويفهمونها على أنك تخدم الدنيا تماماً، وكأنك تعيش أبداً، والأمر بالعكس؛ لأن الذي يعيش أبداً إذا فاته شيء من الدنيا الآن يعوضه غداً أو السنة القادمة أو التي بعدها؛ لأن الدنيا تعوض، أما الدين فلا يعوض، فكل شيء إذا ضيعته منه عوض، وليس في الله إن ضيعت من عوض، فإذا كسبت الله كسبت كل شيء، وإذا خسرت الله فاتك كل شيء. فالإمام أحمد يبين لنا في هذه الكلمة الطيبة السياسة التي ينبغي أن يتعامل بها الإنسان مع الدنيا. يقول الشاعر: طاول بها الليل مال النجم أن جنح يعني: استغرق الليل في طاعة الله وفي ذكر الله وفي العبادة، ولا تمل من ذلك، وكلما تقول لك نفسك: أريد أن أنام، فقل لها: بعد قليل، وهذا هو التسويف في العمل الصالح، وهذا بخلاف التسويف في شهوات النفوس، وبعكس ما يفعل أكثر الناس، فكن كلما اشتكت لك نفسك أنها تريد أن تنام وتريد أن تستريح، فقل لها: سأريحك بعد هاتين الركعتين، وإذا أتيت بركعتين فقل لها: سأريحك بعد أن أقرأ هذا الجزء من القرآن، فإذا انتهيت فقل لها: استريحي بعد هذا الورد من الدعاء، وهكذا سوفها في فعل الخير، كالإنسان المسوف الذي يماطل شريكه، ويتهرب منه بالوعود في المستقبل. يقول: طاول بها الليل مال النجم أن جنح وماطل النوم ظن الجفن أن سمح فإن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى فكلما تأتي بعبادة فقل لنفسك إن تشكت في الليل: حينما تطلع مجرة الصباح سأريحك، ثم إذا طلع وقت الصبح عللها بوقت الضحى، وقل لها: سأريحك في الضحى. هذا هو المقصود من الكلام. وقد كان أهدي إلى أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى هدية من الخليفة المنصور، فردها للمنصور، ثم قال لأولاده بعد ما مرت سنة -أي: في الذكرى السنوية الأولى لهذه الهدية-: لو كنا قبلناها كنا قد استهلكناها وذهبت، أما الآن فقد استرحنا من هديته. ومر بشر على بئر فقال له صاحبه: أنا عطشان، فقال: البئر الأخرى. أي: انتظر حتى نصل إلى البئر التي بعدها، فمر عليها فقال له: الأخرى، أراد بذلك أن يعلمه درساً، فقال له: كذا تقطع الدنيا. فكلما لاحت لك شهوة أو حاجة من حاجات الدنيا فلا تبادر بإنجازها وتحصيلها، ولكن سوف لنفسك في الدنيا، أما في الدين فلا تسوف؛ إنما في الدنيا قل لها: سوف أفعل كذا فيما يأتي. ودخلوا على بشر الحافي وليس في داره حصير، فقيل له: ألا بذا تؤذى؟ فقال: هذا أمر ينقضي.

стр. 244

دور كراهية الموت في انحطاط الهمم هذا فيما يتعلق بالجزء الأول من الوهن الذي سبب انحطاط الهمم، وهو حب الدنيا، أما القسم الثاني فهو كما وصفه النبي ﵊ فقال: (وكراهية الموت)، فإذا أحب عبد الدنيا فلابد أن يكره الموت؛ لأنه إذا أحب الدنيا عمرها، وإذا عمرها خرب الآخرة، لأنهما ضرتان؛ إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، فإذا أحب الدنيا واثاقل إليها ورضي بها دون الآخرة فسيخرب الآخرة، وبالتالي يكره الموت الذي سينقله إلى الدار الآخرة. فثمرة حب الدنيا كراهية الموت، وكراهية الموت أيضاً ثمرة الحرص على متاع الدنيا مع تخريب الآخرة، فيكره أن ينتقل من العمران إلى الخراب. قال الطبراني مبيناً أثر حب السلامة في الانحطاط بالهمة: حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي، ويغري المرء بالكسل، إن حب الدنيا وكراهية الموت صنوان لا يفترقان، وإن الهمة العالية لا تسكن القلب الجبان، وتأمل حال خفيف الهمة الذي أورثته التربية الفاسدة حرصاً على حياة، كما قال تعالى في شأن اليهود لعنهم الله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]. ولذلك تحداهم القرآن الكريم، وهذه من آيات إعجاز القرآن الكريم؛ لأنهم ما قبلوا التحدي حينما تحداهم أن: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤]؛ لأن الإنسان إذا كان صادقاً ومع الحق فكيف يخاف من الموت؟ قال : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥]، فالكفار وسائر اليهود لا يمكن أن يتمنوا الموت أبداً؛ ولذلك قال الله : ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]. ونحن لا ننسى خط برليف، وكيف أنهم صنعوا هذا الخط ليجسد معنى هذه الآية: ((لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ))، فنحن نجد دائماً أن المسلم إذا هجم بنفسه على يهودي لا يثبت أمامه اليهودي حتى لو كانت معه أسلحة أقوى منه، فالمسلم مستعد أن يلتهمه حتى بأسنانه وأظافره، ولذلك لا يقوون أبداً على المواجهة بدون هذه الأسلحة وهذه الجدر. فخفيف الهمة هو الذي أورثته التربية الفاسدة حرصاً على أي حياة ولو كانت ذليلة، قال عن هذا وعن أمثاله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، ونكر كلمة ((حَيَاةٍ)) إشارة إلى أنهم يرضون بالحياة ولو كانت أي حياة، فيريد أن يعيش ولو ذليلاً، المهم أن يكون حياً؛ لأنه قد غرست فيه تربية حب السلامة في مواطن الجرأة والإقدام والمخاطرة. انظر إلى هذا الرجل من خسيسي الهمة كيف يخبر أن زوجته هنداً تشجعه على الخروج إلى الجهاد أو للقتال أو للدفاع عن العرض والقبيلة والعشيرة أو الدين أو غير ذلك؛ حيث كانت زوجته أشجع منه؛ لأنها هي التي تشجعه وتحرضه على الخروج، وهو يرد عليها فيقول: أضحت تشجعني هند فقلت لها إن الشجاعة مقرون بها العطب أي: أن الشجاعة هذه تؤدي إلى المهلكة؛ فإن الشجاعة معناها: أنني قد أموت، قال: أضحت تشجعني هند فقلت لها إن الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي حجت الأنصار كعبته ما يشتهي الموت عندي من له أرب للحرب قوم أضل الله سعيهم إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا ولست منهم ولا أهوى فعالهم لا القتل يعجبني منهم ولا السلب ويقول آخر: يقول لي الأمير بغير جرم تقدم حين حل بنا المراس فما لي إن أطعتك في حياة ولا لي غير هذا الرأس راس أي: ليس عندي رأس ثانية، فإذا طارت هذه في الحرب فبماذا أعيش؟! فأين هذان الجبانان من قول الشاعر: إذا أراد الغزو لم تثن عزمه حصان عليها نظم در يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه بكت فبكى مما شجاها قطينها يصور موقف آخر بالعكس من رجل خرج خارج للجهاد فزوجته ظلت تثنيه عن الخروج وتقول له: إلى من تتركنا؟ فإذا أراد الغزو لم تثن عزمه حصان عليها نظم در يزينها أي: متزينة بالدر. نهته فلما لم ترى النهي عاقه أي: ما أثر فيه النهي. بكت فبكى مما شجاها قطينها أي: من حولها من الحشم والخدم والأتباع بكوا لبكائها. بل أين هذا الجبان من قول زهير بن أبي سلمى -وهو شاعر جاهلي-: وليس لمن لم يركب الهول بغية وليس لرحل حطه الله حامل بل نقول: أين هذا الذي يقول هذا الكلام من ذلك العبد الصالح الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه كلما سمع هيعة استوى على متنه، يطلب الموت والقتل مظانة)، إلى آخر الحديث، رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. هذا فيما يتعلق بالسبب الأول من أسباب انحطاط الهمة وهو الوهن، والوهن لا يفسر بغير ما فسره به رسول الله ﷺ بقوله: (حب الدنيا وكراهية الموت).

стр. 245

دور الفتور في انحطاط الهمم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك). وقوله: (إن لكل عمل شرة)، يعني: نشاط وقوة، وقوله: (ولكل شرة فترة)، أي: ضعف وفتور، يعني: أن هذه هي طبيعة النفس البشرية، فهي تبدأ بهمة وبحمية، ثم بعد وقت يصيبها نوع من الفتور والملل. ومن الطبيعي أن الإنسان لا يستطيع أن يلزم نفسه الجد بصورة مستمرة، والفترة والفتور أمر لابد منه، لكن على أن يكون إلى سنة النبي ﷺ ، فمثلاً: يقف الإنسان بالسيارة في محطة البنزين لبضع دقائق، وهذا نوع من الفتور والضعف أو الراحة أو التوقف من أجل أن يزودها بوقود، ومثل هذه الاستراحة تزود الإنسان بطاقة؛ حتى يستطيع أن يستمر بعد ذلك، فمعنى ذلك: أنه لا يتخذ محطة البنزين مستقراً، ولا يذهب ليأتي بالعفش والسرير والمطبخ والأكل والأواني ويضعها في محطة البنزين ليتخذها مقراً ومسكناً له؛ لأن هذا الشيء لا يعقل، لكن هذا ما نفعله نحن بالفعل، فمحطة الراحة لأجل التزود -كمحطة البنزين بالضبط- نتخذها وطناً، وما يكون في حياتنا إلا اللهو واللعب والكرة، ولا يكاد يوجد مظهر من مظاهر الجد في حياتنا. يقول النبي ﷺ : (إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة)، يعني: فترة قليلة، وبعد ذلك يعاود الجهد، (فمن كانت فترته إلى سنتي)، أي: تبعني في الفترة كما تبعني في الشرة فقد اهتدى، (ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك). وليس هذا مثل من يقول: ساعة لربك، وساعة لقلبك، ويقصد: القلب المريض، يقولها لك إذا نهيته عن المعاصي والمحرمات، وإطلاق البصر، والأغاني، أو أي شيء من المنكرات، حيث يقول: ساعة لربك، وساعة لقلبك! يعني: ساعة لقلبك المريض أو ساعة لشيطانك، وهذه قسمة كما قال : ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢]. فالمسلم مطالب بطاعة الله في كل أحواله، ومطالب باحترام شرع الله في جميع عاداته، ومطالب باحترام الشرع في حالة الهزل والجد. عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الناس! خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل) متفق عليه، ويقول الشاعر: لكل إلى شأو العلى حركات ولكن عزيز في الرجال ثبات ومعنى هذا: أن الواحد ممكن أن يفهم ويسمع مثل هذا الكلام على ذوي الهمة في عبادة الله تعالى، ويسمع الأسباب في النهوض بالهمة فتتحرك همته إلى أنه يفعل مثل هؤلاء الخيرين الأخيار، وتقريباً أن كل من يسمع عن هذا تتحرك همته إلى الاقتداء بهم، لكن ليس كل الناس يثبتون، بل ترتفع الهمة عند هذا ثم لا تلبث أن تعود من جديد، وتأملوا ذلك في مناسبات كثيرة، فمثلاً: شهر رمضان، تجد في أول يوم من رمضان المساجد مكتظة في الصلوات الخمس؛ لأن رمضان أتى، وكل إنسان يريد أن يتوب ويستقيم ويصلح حاله مع الله ، فالهمة موجودة، حتى في عوام الناس، فيقبلون إقبالاً شديداً جداً، ثم انظر إلى الانحدار الذي يحصل في أيامه البواقي، فمع مضي أيام الشهر يبدأ الناس يتقلصون رويداً رويداً، حتى يعود أهل المسجد العاديون هم الذين يعمرون المسجد من قبل كما كانوا عليه، وقس على ذلك أحوالاً كثيرة جداً. وهكذا في طلب العلم وحفظ القرآن؛ حيث إن الطالب يبدأ في حفظ القرآن بنشاط، ثم لا يلبث أن يتراخى، فمن رأى أن الله وفقه إلى الثبات في طاعة بدأها واستمر فيها فهذا من فضل الله عليه الذي حرم منه الكثيرون، فلذلك عبر الشاعر عن هذا المعنى أدق تعبير، فالعبرة بأن تثبت، وإلا فأغلب الناس يفترون ويملون، ولا يواصلون، ومن ثمَّ قال النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: (لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل)، يعني: أنه فتر عن قيام الليل، فانظر إلى طاقتك الجسمية وظروف العمل والوقت وغير ذلك، وانظر ما هو الذي يدخل في طاقتك من الأوراد ومن قراءة القرآن ومن التعبد واجعله على قدر طاقتك بلا مبالغة، واستمر عليه، فمثلاً: لا تقم كل الليل ثم بعد ذلك تترك قيام الليل تماماً؛ لأن مثل هذا لن يؤثر في القلب ولن يعالج قسوة القلب، بل الذي يعالج القلب هو العمل المداوم عليه حتى ولو كان قليلاً، فمثلاً: لو أن معك برميلاً من الماء، وصببته مرة واحدة على صخرة، فإنه لن يؤثر فيها على الإطلاق، لكن لو أن نفس الكمية من الماء سقطت على هذه الصخرة الصماء قطرة قطرة فإنها ستحدث فيها حفيرة، وهكذا نفس الشيء المقصود من العبادة: علاج القلب وترقيقه وإحياؤه، وهذا لا يحصل إلا بالمداومة، حتى لو كانت جرعات قليلة في علاج أي مرض فإنها تؤثر. فالإنسان لو أراد أن يتعاطى -مثلاً- مضاداً حيوياً فإنه لا يأخذ الشريط كله، ولا يقول: حتى أستعجل الشفاء فسأبلع الشريط كله؛ لأن هذا يسبب تسمماً، فسنة الله في العلاج أنه يكون رويداً رويداً، فعلى العبد أن يراعي سنن الله بالمداومة في كل الأمور، حتى في أذكار النوم، فلا يأت من يقول: أنا سأقول كل أذكار النوم كل ليلة، ثم إذا به لا يواظب عليها، وينام بعد ذلك ويهجرها. لكن لو أنه قسم أذكار النوم إذا كانت خمسة عشر أو ثمانية عشر ذكراً وقال: اليوم الأول أقول ثلاثة أو أربعة، واليوم الثاني أقول أربعة، والذي يليه أربعة، وهكذا بطريقة دورية، فإنه مع الوقت يأتي بها كلها، وفي نفس الوقت لا يهجرها كلها، وإنما يهجر بعضها إلى حين، ثم يعود، والثواب الأكثر يكون للأكثر، لكن الأوسط أبسط وأجدر أن يداوم عليه صاحبه ويستمر، وقد كان أحب العمل إلى النبي ﷺ ما داوم عليه صاحبه، وكان إذا عمل عملاً أثبته وداوم عليه ﷺ . وتجد في بعض الأحاديث إشارة إلى هذا، كقوله ﵊: (من صلى في يومه وليلته اثنتي عشرة ركعة دخل الجنة)، يعني: من واظب ولم ينقطع، ولم يصبه الفتور والملل.

стр. 246

إهدار الوقت سبب من أسباب انحطاط الهمة من أسباب انحطاط الهمم: إهدار الوقت الثمين في الزيارات والسمر وفضول المباحات، قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ). فالإنسان قد يعطى الصحة لكن لا يعطى الفراغ بسبب شغله في الدنيا، وهذا كحال أغلب الناس الذين وصفهم النبي ﵊ بقوله: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة). والشاهد منه قوله: (جيفة بالليل، حمار بالنهار)، وكلمة (حمار) المقصود منها: بيان أنه يكدح كما يكدح الحمار، ويتحمل المشقة والتعب، وأصبح يضرب به المثل فيقال: فلان يعمل مثل الحمار. يعني: أنه يعمل عملاً شاقاً جداً، ويداوم ويصبر عليه، فإذا أتى الليل لا يذكر الله ، فهو جثة ملقاة بالليل، حمار بالنهار في طلب الدنيا؛ لأن عنده نعمة الصحة، فبعض الناس يؤتى الصحة التي يقتحم بها أسوار الدنيا، لكن ليس عنده وقت للآخرة؛ فهو مشغول دائماً في الدنيا. وهناك أناس آخرين حرموا نعمة الصحة وعندهم وقت، مثل: إنسان مريض؛ فالمريض مرضاً مزمناً أو شديداً لا يمكنه من فعل أي شيء مفيد عنده الوقت؛ إذ لا شيء يشغله، لأنه مريض ملازم للفراش، لكنه فقد الصحة. فأتم وأكمل ما يكون الأمر للإنسان إذا منَّ الله عليه بهذين الأمرين: صحة مع فراغ، فإذا استثمرهما في طاعة الله ، وسخر الصحة والفراغ في طاعة الله وفي المقاصد الخيرية فهذا أعظم نعمة على العبد. لكن المؤلم أن أكثر الناس في غفلة عن نعمة الله العظيمة، بل بعضهم حينما يجمع الله له هاتين النعمتين -الصحة والفراغ- يدمر الصحة بالمخدرات وبالسجائر والتدخين وبغير ذلك، ويقتل الوقت أو يقتل نفسه على الأحرى بالجلوس في المقاهي. وتقريباً ظاهرة المقاهي غير موجودة إلا في بعض البلاد، كما في بلادنا حيث ترى الناس في المقاهي، وكأنه ما بقي أحد جالس في بيته، فالمقاهي عامرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والمساجد حالها كما تعلمون شيء مؤلم، وإذا قلت له: ماذا تفعل؟ يقول لك: أقتل الوقت! أنت تقتل نفسك، وتنتحر، فالنعمة هذه وكل لحظة محسوبة عليك؛ فالله أبلغ في الإعذار، وأعطاك كل فرصة ممكنة، وأنت الذي كفرت بها وضيعتها، فمعك العقل، ومعك الوحي الإلهي من القرآن والسنة يرشدك إلى كيفية استثمار الوقت، والرسول ﵊ يقول: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة - النخلة الصغيرة - فإذا استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها). فهذا الحديث يعلمنا كيف نغتنم ونستثمر الوقت، فإذا منَّ الله عليك بنعمة الصحة مع نعمة الفراغ فلا تكن من أكثر الناس الذين هم محرومون من استثمار هذه النعمة، ولذلك يقول ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، والغبن: يحدث عندما تملك سلعة وتريد أن تبيعها، فتبيعها بأقل من سعرها، أو إذا كنت ستشتري تشتري بأكثر من سعرها، هذا هو الغبن؛ فأنت تغبن نفسك عندما تأتي الفرصة وتضيعها، ولذلك كان النبي ﷺ إذا استيقظ من النوم حمد الله على هذه النعمة، أي: نعمة أن الروح ترد إلى صاحبها عند الاستيقاظ، ولذلك شبه النبي ﷺ ذلك بالنشور فقال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)، فهذه النعمة العظيمة هي أن الله مد في عمرك، وأعطاك فرصة جديدة اليوم؛ لعلك تتوب لعلك تستقيم على طاعته لعلك تنوي المزيد من أفعال الخير، وكان ﵊ يقول: (الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره)، أي: أعطاني فرصة أن أذكر الله. ولذلك جاء أن ثلاثة شبان من بني عذرة أتوا النبي ﷺ ، فاستضافهم أبو طلحة، فدعا داعي الجهاد، فخرج واحد منهم إلى الجهاد، فقتل في سبيل الله، ثم بعد فترة دعا داعي الجهاد، فخرج الثاني وقتل في سبيل الله، إلا الثالث مات على فراشه ولم يخرج إلى الجهاد كصاحبيه، ثم رآهم أبو طلحة في المنام، فرأى ترتيبهم فرأى أن آخر واحد مات على فراشه هو أعلاهم درجة، يليه الثاني، ويليه الأول الذي مات أولاً في الجهاد، فتعجب من ذلك، وحكا الرؤيا للنبي ﷺ ، فقال له النبي ﵊: (وما يعجبك من ذلك؟ إنه ليس أحد أفضل من مؤمن يعمر في الإسلام بالتسبيح والتهليل والتكبير)، أي: كيف تستغرب هذا؟ فهذا شيء طبيعي؛ إنه ليس أحد أفضل من مسلم يعمر في الإسلام؛ لأن عمره يزيد والطاعات تزيد، أما من كان عمره يزيد ويزيد شقاه ومعاصيه فمعناه: أن طول عمره مصيبة عليه، لكن العبرة حين يطول العمر وتكثر الأعمال الصالحة؛ لأن هذا يستكمل هذه النعمة؛ فلذلك قال ﵊: (إنه ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن أو مسلم يعمر في الإسلام بالتسبيح والتكبير والتهليل). فكأن رسول الله ﷺ شرح له الموقف، وقال له: إن الشهيد الثاني عاش وبقى فترة بعد الأول عمرها بالصلاة والذكر والتسبيح وقراءة القرآن وكذا، وبعد ذلك عاش الثالث؛ رغم أنه مات على فراشه، لكنه استطاع بالذكر وبقراءة القرآن وبالصلاة وبالعبادة أن يسبق الشهيدين مع أنه مات على فراشه، فهذه نعمة عظيمة جداً. والظاهر أن هذا هو مضمون رسالة إبراهيم ﵇ من السماء؛ فإن إبراهيم ﵇ أرسل لنا لكنا وكل مسلم على وجه الأرض منذ زمن النبي ﵊ إلى أن تقوم الساعة، فكل واحد منا يتذكر ذلك، وكأنما جاءته رسالة باسمه من إبراهيم ﵊، وذلك حينما قال للرسول ﷺ في رحلة المعراج: (يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، أو كما قال ﵊، والحديث صحيح. فهذه الرسالة من إبراهيم ﵇ يبين فيها أن الجنة قيعان، وأنه كلما قال العبد: سبحان الله وبحمده، تغرس له نخلة في الجنة، وإذا قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات يبنى له قصر في الجنة، فأي حسرة يتحسرها الإنسان بعد الموت على هذه الفرص التي ضيعها وجعلها هباءً منثوراً؛ لذلك قال ﵊: (لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها)، يعني: أن الجنة دار منزهة عن النصب والتحسر والألم إلا من شيء واحد فقط يتحسر عليه أهل الجنة، وهو أنهم حينما يرون النعيم الذي هم فيه يتحسرون على لحظة من الزمن مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله فيها. فلاشك أنه لا يضيع هذه النعمة إلا مغبون، والإنسان إذا كان عنده رأس مال ويتجر به فإذا ربح فهذا هو الفوز، وإذا استرد رأس المال فهذه فائدة أيضاً، وإذا رأس المال نفسه هلك وضاع، فلا ربح ولا رأس مال وإنما خسران مبين، فعلى هذه الخسارة يتحسر هذا الإنسان. وبعض العلماء قال: تعلمت تفسير سورة العصر من بائع ثلج. وسورة العصر فيها قسم بالعصر والوقت والدهر والزمن، قال : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، يعني: أن كل الناس في خسر، ثم استثنى قلة قليلة فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]، فهؤلاء فقط هم الذين ينزهون من الخسران، ولماذا الإنسان في خسر؟ الجواب لأنه إذا لم يستثمر نعمة الوقت والصحة في هذه الأشياء الأربعة: ((آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ))، فإنه يخسر رأس ماله. وهي خسارة ما بعدها خسارة. قال: رأيت هذا الرجل بائع الثلج -وقبل لم تكن هناك ثلاجات ولا مجمدات بحيث يحفظ فيها الثلج- فالسوق انفض، وصلى الناس صلاة العصر، فبقيت عنده بعض ألواح من الثلج التي هي رأس ماله لم يبعها، وقارب العصر على الخروج، فالرجل كان يسير في الطرقات كالمجنون، يحمل الثلج ويقول للناس: ارحموا من يذوب رأس ماله! ارحموا من يذوب رأس ماله! لأن رأس ماله ماء متجمد، فإذا ذاب لم يبق معه رأس مال، فكذلك نفس الشيء؛ رأس مالك أنت هو الوقت، فإذا ضيعت الوقت فأنت تخسر رأس المال، فمن ثمَّ وصف الله الإنسان المضيع وقته بالخسران فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]. بين ﵎ في هذه الإشارة العظيمة في الحلف والقسم بالعصر أن العصر -الذي هو الزمن والوقت- نعمة عظيمة فلا تضيعوها؛ فهي نعمة شريفة، ولذلك أنا أقسم بها وأقول: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، أقسم بها أنها نعمة شريفة، والسيئ ليس الزمان، إنما السيئ أفعالكم أنتم، كما قال الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ونهجوا ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا فليس هناك حاجة اسمها زمن أسود، وإنما أعمالنا نحن هي التي تسيئ إلينا. الشاهد من الكلام: أن هذا الحديث يشير إلى هاتين النعمتين: الصحة والفراغ، فإذا أعطيت قدراً من الصحة والفراغ فاستثمر هاتين النعمتين بأقصى ما تستطيع. يقول الشاعر: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع

стр. 247

حفاظ السلف على أوقاتهم تعالوا نتحسر على أنفسنا حينما نرى أحوال السلف الصالح رحمهم الله تعالى، يقول الفضيل بن عياض: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة. يعني: يقدر يعد كم كلمة تكلمها من الجمعة إلى الجمعة التي تليها! أي: أنه حارس على لسانه حتى على عدد الكلمات التي يتكلمها. ودخلوا على رجل من السلف فقالوا له: لعلنا شغلناك؟ قال: أصدقكم؛ كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم. يعني: أنتم عطلتموني عن الخير. وجاء عابد إلى السري السقطي فرأى عنده جماعة فقال: صرت مناخ البطالين؟! ثم مضى ولم يجلس. أي: صرت المستظل الذي يجلس عنده أهل اللهو والغفلة، فرفض أن يجلس معه. وقعد جماعة عند معروف الكرخي فأطالوا القعود، فقال لهم: إن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها، فمتى تريدون القيام؟ وقال بعض السلف: من فاتته ركعات الفجر فليلعن الثقلاء. يعني: الذين يزورون الإنسان بعد العشاء، ويسهرون معه حتى يعطلوه عن ركعتي الفجر. وقال بعض السلف: إذا طال المجلس صار للشيطان فيه نصيب. يعني: أن المجلس يكون بقدر الحاجة، فإذا كنت في صلة رحم أو عيادة مريض أو غير ذلك من الأسباب فعليك أن تقضي حاجتك وتنصرف، أو تجتمع معه على طاعة كقراءة كتاب أو مسألة علمية أو حفظ قرآن أو تسميع قرآن أو ذكر لله ، أما ما سوى ذلك وقد قضيت حاجتك فالجلوس إذا طال صار للشيطان فيه نصيب؛ لأنه سوف ينشغل الإنسان بعد ذلك بالغيبة وبالنميمة وبالكلام فيما لا ينفع ولا يجدي. ولذلك قال الحسن أيضاً: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. وكان عثمان الباقلوي دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج؛ لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا؛ لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم. فهذه نصيحة ذهبية للإخوة نرجو أن يلتزموا بها، فإذا كنت أيها الأخ! في المسجد فصليت وقضيت حاجتك أو حضرت درس العلم فامش وحدك؛ لأنك إن كنت وحدك فممكن أن تسمع القرآن وأنت تمشي، وأن تذكر الله . أما إذا مشى معك أحد فإنه يعطل بعضكم بعضاً، فإن كنتم تمشون جماعة لكن كل واحد ينشغل بذكر فلا بأس، أما أن جماعة يمشون ويتكلمون في كلام لا يفيد فالوحدة أفضل من هذه الجماعة. وجليس الخير خير من قعود المرء وحده، ووحدة الإنسان خير من جليس السوء.

стр. 248

العجز والكسل من عوامل انحطاط الهمة من أسباب انحطاط الهمة: العجز والكسل، فالعجز والكسل هما العائقان اللذان أكثر رسول الله ﷺ من التعوذ بالله منهما، فمما كان يقول: (وأعوذ بك من العجز والكسل)، فالعجز بأن يكون يريد أن يفعل لكنه غير قادر، والكسل: أن تكون قادراً لكن ليس هناك همة، وعندك فتور. وقد يعذر العاجز لعدم قدرته بخلاف الكسول، فالعاجز قد يعذر؛ لأنه يحاول ولا يستطيع، فتخلف العمل نتيجة عجز، لكن الكسول عنده القدرة، لكنه همته ضعيفة، فلذلك لا يعذر الكسول، وقد يعذر العاجز؛ فالكسول يتثاقل ويتراخى مع القدرة على أداء ما ينبغي. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. فالإنسان مطالب بين وقت وآخر أن يجدد التوبة مع كل نفس جديد أو ثانية تمر بعمرك، فهذه فرصة جديدة، فكيف تسوف وتقول: سأتوب الأسبوع القادم أو الشهر القادم، فلا تقل: بعدما أعتمر أو بعدما أحج سوف أتوب، كما يضحك الشيطان على كثير من الناس. والمرأة يقال لها: متى تتحجبين؟ فتقول: بعدما أحج وأرجع! فهل تضمنين عمرك؟ وهل تظنين أنك غير مسئولة عن الحجاب في هذه الفترة؟ بل أنت آثمة، وتحملين هذا الوزر، وكذلك في كل طاعة تؤجل بلا مبرر أو بلا مسوغ. فاتقوا الله، وتوبوا إليه، واستقيموا؛ فإن الصادق يأخذ بالأسباب، كما قال تعالى: ((وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً))، فإذا أردت أن تنهض من وحل التدخين وحل المخدرات وحل الغفلة وحل اللهو فلابد أن تعد عدة، وابذل من الأسباب ما يثبت جديتك في هذا الأمر، قال : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. روي أن رجلاً قال لـ خالد بن صفوان: ما لي إذا رأيتكم تذاكرون الأخبار، وتدارسون الآثار، وتناشدون الأشعار وقع علي النوم؟ قال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان. وقد ترى الرجل موهوباً ونابغة فيأتي الكسل فيخذل همته، ويمحق موهبته، ويطفئ نور بصيرته، ويشل طاقته؛ ولذلك قلنا: الكسول لا يعذر؛ لأن الكسول قادر على أن يفعل، بخلاف العاجز، فممكن أن الإنسان يكون موهوباً فعلاً وذكياً وقادراً على العمل، لكن تنحط همته، فتشل طاقته. قال الفراء رحمه الله تعالى: لا أرحم أحداً كرحمتي لرجلين: رجل يطلب العلم ولا فهم له، ورجل يفهم ولا يطلبه؛ وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم. قال المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام فأنت قادر لكن الكسل هو الذي يعجزك؛ لذلك لا تعذر بالكسل.

стр. 249

الغفلة سبب من أسباب انحطاط الهمم من أسباب ضعف الهمة: الغفلة، وشجرة الغفلة تسقى بماء الجهل، وكلما زاد الجهل كلما زادت الغفلة في الإنسان، فالجهل عدو الفضائل كلها، فهل علمتم أمة في جهلها ظهرت في المجد حسناء الرداء؟! قال عمر ﵁: الراحة للرجال غفلة. وقال شعبة بن الحجاج: لا تقعدوا فراغاً؛ فإن الموت يطلبكم. أي: لا تقعد فارغاً من العمل الصالح؛ لأنه ليس هناك شيء اسمه فراغ؛ فإن الموت يطلبك، ويجري وراءك، وكل لحظة تمر أنت تقترب بها خطوة إلى السطح، وهو موعد أنت لا تعرف متى يحل، فقد يكون بعد ساعة، أو بعد لحظة أو بعد دقيقة أو بعد سنة، فلا تدري متى يحضر، فكن متأهباً لملاقاة الموت، ولذلك يقول: لا تقعدوا فراغاً؛ فإن الموت يطلبكم. يقول أبو الدرداء: (عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه)، أي: هو يجري وراء الدنيا، والموت يجري وراءه، قال: (عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه، ولغافل وليس بمغفول عنه)، أي: هو غافل، لكن هل الله غافل عنه؟ الجواب لا، ليس بغافل عنه، قال : ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]. قال: (وضاحك ملء فيه ولا يدري أرضي الله عنه أم سخط عليه؟)، فلاحظ قوله: (ملء فيه)، كما نرى الذين يضحكون من المسرحيات الكوميدية، ويضحكون على الذين في التمثيليات، والمتطرفين والإرهابيين، وكل هذا مما توحيه الشياطين إلى هؤلاء الناس، فيضحك أحدهم ويفرح ويمرح وهو لا يدري هل الله فوق السماء راضٍ عنه أم ساخط عليه! قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١]، فهم ينكتون على هؤلاء الملتزمين، والله المستعان. وسئل ابن الجوزي: أيجوز أن أفتح لنفسي في مباح الملاهي؟ فقال: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها. يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد: وكلامه طيب جداً في هذه المسألة-: فإن اعترض معترض أتيناه بمثل كلام ابن القيم ﵀؛ حيث يقول: لابد من سنة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم لا يدمن شيئاً من الغفلة. وكما قدمنا في الكلام على الفترة، وذكرنا أن الإنسان لا يجعل الفترة هذه هي المستقر والوطن، بل هي فترة مؤقتة يستريح فيها، ثم يعود من جديد للعمل والاجتهاد. فلذلك يقول ابن القيم: كل إنسان لابد له من سنة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم، لا تجعل نومك ثقيلاً، وتستمر في الغفلة، وتبقى هي الأصل في حياتك. يقول الشيخ الراشد: والمراد: تقليل الراحة إلى أدنى ما يكفي الجسم كل حسب صحته وظروفه، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية؛ لأننا في زمان حتى الهواء الذي نتنفسه مسموم، لا أعني: العوادم وتلوث البيئة الذي يتحدثون عنه، نعم هي تلوث، لكن أعني تلوث البيئة الأخلاقية تلوث البيئة الثقافية تلوث البيئة الفكرية تلوث البيئة الاجتماعية تلوث في كل مكان. وقد ضرب بعض الناس لهذا مثالاً فقال: لو أن أناساً كانوا يعيشون في الريف، فأغلقوا الحجرات، وأتوا بالفحم وأحرقوه، وأقفلوا الشبابيك؛ لأجل أن الجو بارد، فيريدون أن يدفعوا هذا البرد، فماذا سيحصل؟ سيحصل الاختناق بسبب وجود غاز ثاني أكسيد الكربون بسبب الاحتراق، فيخنقهم الغاز ويقتلهم، مع أنهم يتلذذون بهذا الهواء الذي يستنشقون، فهؤلاء يختنقون دون أن يشعروا، يختنقون رويداً رويداً دون أن يحسوا بهذا السم. فلو أتى رجل وفتح عليهم النافذة فحينئذٍ فقط يفرقون بين الهواء النقي وهذا الذي يتنفسونه. وهكذا الوضع بالنسبة إلينا، فلا توجد نافذة نلقي منها الهواء المسموم الذي نحن فيه، ونصحح ما نتعاطاه من الهواء الفاسد إلا السير على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فحينما نرى أحوال السلف نحس بالسم الذي نعيش فيه، وقد حصل منا نوع من التكيف مع هذا الباطل، بل التأثر به، شئنا أم أبينا، فلا يمكن أن تنطلق قوتنا إلا بالمقارنة باستمرار مع أحوال السلف الصالح رحمهم الله تعالى، لأنهم هم الذين عاشوا في بيئة نقية مائة في المائة، وكانت الغلبة للإسلام، فما كان عندهم أي سموم في المعرفة التي يغص بها المسلمون الآن، فكل الأعراض مسممة إلا ما شاء الله من البقايا الذين يدعون إلى منهج السلف الصالح يرحمهم الله تعالى، ويذكرون الناس بأحوالهم، فهذا هو المنبع الوحيد الذي نستطيع أن نقوم به اعوجاجنا، وأن نطلع بين وقت وآخر على أحوال السلف؛ حتى نراجع أنفسنا، وإلا فسوق نسقط صرعى للتضليل وللآبار المسمومة، ولهذا الغاز المسموم. يقول الشيخ الراشد حفظه الله: وإن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعاجلة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية؛ ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء وسيوط الأمراء، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعاً مبصراً بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف -طبعاً والدش والفيديو- وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلاً عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها، فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف. وما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي ﵀ لهذه الحقيقة حيث يقول: إن هذه المدنية السفيهة المصيرة للأرض كبلدة واحدة يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم. يعنى: بالجرائد صباح ومساء، والنورسي في زمانه كانت وسيلة الاتصال بين أقطار العالم هي الجرائد، أما الآن فليست الجرائد فحسب، ولكن بالريموت كنترول، فبضغطة زر وهو جالس على الفراش ممكن أن يطوف كل أنحاء العالم، ويطلع ويعرض على قلبه لكل أنواع الكفر وكل أنواع المعاصي والفواحش بكل ما تعنيه من معنى، حيث تغزوه وتغزوا أهله، وأولاده في كل مكان، فضلاً عن مناهج التعليم، فضلاً عن رفقاء الشوارع. فأقول: إن التناجي بالإثم الآن أصبح أعظم بكثير مما كان يتكلم عنه النورسي ﵀. يقول: إن هذه المدنية السفيهة المصيرة للأرض كبلدة واحدة يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم وما لا يليق في الجرائد صباحاً ومساءً، غلظ بسببها وتكاتف بملاهيها حجاب الغفلة؛ بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة. يعني: لا يستطيع الإنسان أن ينجو من هذه الفتن كلها إلا بهمة قوية جداً؛ لأن الهوى يدفعه إلى هذه الأشياء، والشيطان يسول له، وصحبة السوء تحرضه، والنفس الأمارة بالسوء تأمره، فبالتالي لا يستطيع المقاومة إلا إذا كانت له همة يستعلي بها ويصعد ويرتقي أعلى من هذه المغريات كلها. هذا فيما يتعلق بكون الغفلة سبباً من أسباب انحطاط الهمة.

стр. 250

دور التسويف والتمني في انحطاط الهمة التسويف والتمني هما صفة بليد الحس عديم المبالاة، الذي كلما همت نفسه بخير إما أنه يعيقها بكلمة (سوف) حتى يفجأه الموت، وأكثر ما يصيح أهل النار من كلمة (سوف)، يقولون: واحزناه من سوف! فإذا أكثر الإنسان من قوله: سوف أصوم، وسوف أصلي، وسوف أتوب، وسوف أفعل كذا فلن ينجز شيئاً. فإذا همت نفسه بخير يقول: سوف أفعل فيما بعد، ويؤجل، فإذا حضره الموت قال: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١٠ - ١١]. ألم تعط الفرصة؟ كما قال : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] يعني: ألم نمد في أعماركم فترة كافية، فمن أراد أن يتوب فقد كانت عنده فرصة يتوب فيها. وقوله: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قيل في تفسيرها أشياء كثيرة، لكن من ضمنها: أن النذير هو الشيب في الرأس، يعني: أن هذا الشيب إنذار بقرب الموت، ولذلك يقول النبي ﷺ : (لقد أعذر الله إلى رجل أخره حتى بلغ ستين سنة)، يعني: إذا وصل ستين سنة ومع ذلك ما تاب ولا أناب بل تمادى في المعاصي والمخالفات فبعد ستين سنة ماذا ينتظر؟! هذا فيما يتعلق بمن يقول: سوف، وهناك من لا يقول: سوف، ولكنه يركب بحر التمني، وأحلام اليقظة، والإنسان إذا كان يعيش في حلم فإن هذا الحلم يكون حلماً لذيذاً، ويود ألا يستيقظ عند وقت الصلاة أو عند أي شيء؛ حتى لا يفسد عليه أحد هذه اللعبة وهذا الحلم الزائف، وهي وهمية عبارة عن أحلام في أحلام، كما قال الشاعر: أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع لكن هذا يريد أن يستمر دائماً في الأحلام؛ حتى يتمتع بها، فيحلم أنه يطير، وأنه يأكل أو يشرب أو كذا أو كذا مما يعوقه ويسره من هذه الأحلام. فالإنسان إما أن يسوف ويقول: سوف أصوم سوف أتوب سوف أصلي سوف أفعل، والعمر يمضي ويجري، وإما أن يركب بحر التمني، والتمني يطلق على ما لا يكون وما لا يقع، وهو بحر لا ساحل له، فيبقى الحالم في هذا البحر إلى ما لا نهاية، ويدمن ركوبه مفاليس العالم، كما قيل: إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً إن المنى رأس أموال المفاليس فالمفلس رأس ماله التمني؛ ويظل يحلم بأنه سيفعل كذا ولو أنه كذا! كما سنبين في المسائل القريبة إن شاء الله. أما بضاعة ركاب السفينة التي تخوض في بحر التمني الذي لا ساحل له فهي: مواعيد الشيطان، وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليس لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الدنية، فيتمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصلها، والتذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير في التراب! يعني: لم يحصل شيئاً؛ لأنه لا يحصل على شيء في عالم الحقيقة، بل كل إنجازاته في عالم الخيال. وأحلام اليقظة بحد ذاتها ليست ضارة إذا كان يترتب عليها عملاً، فإذا كان الإنسان وهو مستيقظ يفكر أن يفعل كذا وكذا من أعمال الخير أو يخطط لشيء نافع له، ومادام هذا التخطيط ينقلب بعد ذلك إلى واقع فلا حرج في ذلك، لكن المشكلة في أن تكون كل حياته أحلام يقظة، ولا يفعل شيئاً على الإطلاق، فأنى ترتفع همة مثل هذا الشخص؟! يقول ابن القيم في مدارج السالكين: وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليس لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الدنية، فيتمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه، وقد فاز بوصلها، والتذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير. وقد جاء في بعض الكتب قصة فيها: أن ناسكاً كان له عسل وسمن في جرة، ففكر يوماً على طريقة الأماني الكاذبة فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم، وأشتري بالعشرة دراهم خمسة أعنز، فأولدهن في كل سنة مرتين، وحتى يبلغ النتاج مبلغاً، وأشتري بكل أربع -أي: أعنز- بقرة، وأشتري البذور، فأزرع، وينمو المال في يدي، فأتخذ المساكن والعبيد والإماء والأهل، ويولد لي ولد، فأسميه كذا، وآخذه بالأدب -وكان معه العصا- فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه، ورفع العصا التي كانت في يده حاكياً للضرب فأصابت الجرة، فانكسرت، وانصب العسل والسمن على رأسه! فانتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل وقال رجل لـ ابن سيرين: إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء، وأطير بغير جناح، فما تفسير هذه الرؤيا؟ فقال له: أنت رجل كثير الأماني والأحلام. وما أحسن ما قال أبو تمام: من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولاً يعني: أنه يشبه العزيمة والهمة بالمرعى، وأن الأرض التي ترعى فيها العزيمة أرض قاحلة، فيها أمانٍ كاذبة فقط، فستبقى عزيمته دائماً هزيلة لا تسمن؛ لأنها لا تأكل شيئاً. وعن الحسن قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً، وأشد الناس خوفاً، لو أنفق جبلاً من ماله في سبيل الله لا يأمن عذاب الله ولا سوء الخاتمة إلا بعد أن ينجيه الله، ويرى الجنة بعينيه. أي: وأما قبل ذلك فلا يأمن. ولا يزداد الإنسان صلاحاً وبراً وعبادةً إلا ازداد خوفاً من الله. فكلما ازداد في العبادة كلما ازداد خوفه من الله. وأما المنافق فيقول: سواد الناس كثير، وعدد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، ويسيئ العمل، ويتمنى على الله تعالى. وأما السلف الصالح فكانوا يحسنون ويخافون، أما نحن فنسيئ ونرجو ونطمع ونؤمل. قال المتنبي منزهاً ممدوحه عن الاستغراق في أحلام اليقظة، ومبيناً كيف أجفى الحقائق واعتاد ركوب المخاطر: وما كنت ممن أدرك الملك بالمنى ولكن بأيام أشبن النواصيا لبست لها كدر العجاج كأنما ترى غير صافٍ أن ترى الجو صافيا يعني: هذه حالة استثنائية؛ فإذا كان الجو صافياً فإنه يبقى غير صافٍ؛ لأنك تعودت على المحن، وتعودت على الشدائد وخوض الأهوال.
следующие страницы →