← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله ، واحذروا المعاصي والذنوب! فإنها وخيمة وعاقبتها الآلام، وحرمان البركة، إنها تطفئ نور القلب، وتقتل الغيرة، وتورث ما لا يحمد عقباه في الدنيا والآخرة. أمة الإسلام: امتدحكم الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] هذا امتداح للأمة الإسلامية، ولعن آخرين قبلكم؛ لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال جلَّ وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].

стр. 1017

مجانبة أهل المعاصي قال رسول الهدى ﷺ : ﴿والذي نفسي يبده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم﴾ وروى الترمذي، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً﴾.

стр. 1018

كثرة المنكرات وانتشارها عباد الله: احذروا من العقوبة، فقد كثر في مجتمعنا تضييع الصلوات وترك الجُمع والجماعات، لقد كثر أكل الحرام؛ من الربا والرشوة، والغش في المعاملات، وأكل أموال الناس بالباطل بأنواع الحيل، وشهادة الزور، والأيمان الفاجرة في الخصومات، ولقد ارتفعت أصوات المعازف والمزامير والأغاني بأنواعها في البيوت وكل مكان، ولقد تبرجت النساء في الأسواق، وزاحمت الرجال؛ كاسيات عاريات مائلات مميلات، ولقد ضاع كثيرٌ من الشباب، ونشأوا على الأخلاق الرذيلة والعادات السيئة، والجهل بأمور دينهم، وصار الكثير يجاري أعداء الإسلام بالعادات والتقاليد الشيطانية، وأصبحوا لا صلة لهم بالقرآن ولا بتعاليمه، ولا بأخلاق سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، ولا صلة لهم بالمساجد إلا القليل، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم! عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا، أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، وجنبنا كل شر، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعينٍ لنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط، والتبرج والسفور وجميع المنكرات، ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1019

رجسٌ من عمل الشيطان إن الله أمرنا أن نأكل من طيبات ما رزقنا، وأن نجتنب ما حرم علينا من المأكولات والمشروبات، ومن الأشياء التي حرمها الله علينا شرب الخمر؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). والخمر معلومٌ ضررها على الإنسان؛ فمن أضرارها -وهي أعظمها- أنها تُذهب العقل الذي وهبه الله للإنسان. ويقاس على الخمر أيضاً المخدرات التي أفتى العلماء بقتل من يروجها للناس؛ لأنها أضاعت بكثير من أموال الناس، وأذهبت عقولهم، وجعلتهم ينتهكون حرمات الله التي حرم عليهم.

стр. 1020

الأمر بأكل الطيبات وحفظ نعمة العقل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى. أيها المؤمنون: تمتعوا بما أحل الله لكم من الطيبات، واشكروه عليها بالقيام بطاعته، فإن الشكر سبب للمزيد، واسمعوا إلى الرءوف الرحيم، وهو يحثكم على الأكل من الطيبات: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]. أيها المسلمون: إن الله جلَّ وعلا أنزل القرآن الكريم على نبينا محمد ﷺ نوراً وهدىً فيه آيات بينات، وسبل واضحات، من اتخذه إماماً وقائداً قاده إلى الجنة، وسعد في الدنيا وفاز في الأخرى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. ومن ترك العمل بهذا القرآن، ومن ترك سنة رسول الله ﷺ ضل في الدنيا، وشقي في الآخرة، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢]. أيها المسلمون: هذا العمى المذكور في الآية الكريمة سببه اجتراح السيئات، وفعل المنكرات، وارتكاب المحرمات، فإن المعاصي توجد في القلب ظلمة حقيقية، يشعر بها العاصي -إن كان له ضمير- كما يشعر بظلمة الليل البهيم، وتزداد هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تعلو وتكون سواداً في الوجه، وذلك الران الذي ذكره الله في القرآن، قال جل وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. أيها المسلمون: إن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، سبب لسقوطه من عين الله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]. ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] نعم. الله كرم بني آدم بكرامات كثيرة، وفي مقدمة هذه الكرامة: العقل. إن العقل -يا عبد الله- نعمة كبرى، ثم يجني البعض من بني آدم على هذا العقل ويزيله بما حرم الله عليه من المسكرات، والمخدرات -نسأل الله العفو والعافية- وغيرها من العار والشنار التي ابتلي بها كثير من الناس، وتوعد الله فاعلها بالخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى؛ لأن المسكرات وفي مقدمتها: أم الخبائث: الخمر هي رأس الخطايا، ودليل إلى النار وغضب الجبار. المسكرات التي تيسر للعبد سبيل الفساد وتجعله يشتري الجنون بدل الرشاد. المسكرات يشتري بها الجنون بماله الذي تعب فيه. المسكرات يبيع بها كنزاً ثميناً، بل يجني عليه أكبر جناية، ألا وهو العقل الذي ركبه الله فيه، العقل الذي ميزه الله به عن سائر الحيوان.

стр. 1021

حال شارب الخمر أمة الإسلام: إن شارب الخمر، خاسر لشرفه، ساقطةٌ مروءتُه، مرذولٌ بين المجتمع، شارب الخمر لو يرى نفسه وهو يُقَذِّرْ على نفسه كما يفعل الصبي، السكران يمشي ويقع ويتمايل في الطرق والناس يضحكون عليه ويستهزئون به، لو يرى السكران نفسه في تلك الحالة ما قارب الخمر، ولكنها كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. السكران، لو رأى نفسه وهو يتبع أمه يريد أن يفعل بها جريمة الزنا ما اقترب الخمر، ولا اقترب المسكرات. السكران، لو رأى نفسه وهو يتبع أخته ومحارمه ليفعل بهن الجريمة ما قرب إلى المسكرات: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. يا شارب الخمر! أين كرامتك حين يراك من كان يظن أنك من المكرمين؟! بل أين الإسلام! وأنت لا تخاف رب العالمين؟! إن كان شارب الخمر تاجراً فلا يأمن الإفلاس؛ فإن الله قد توعد شاربَها بالفقر، والجنون، والفضيحة بين الناس. شارب المسكرات، إن كان موظفاً فستكون عاقبة أمره التشريد والعذاب الشديد. وإن كان مروجاً للمخدرات، وقبضت عليه السلطات فإن مآله إلى القتل، كما أفتى بذلك العلماء جزاهم الله خيراً؛ لأن المروج للمسكرات يعيث في الأرض فساداً. وقد أجمع الأطباء على أن شارب الخمر يُصاب بأمراض كثيرة فتَّاكة، منها: السل، والشلل، واحتقان الكبد، وإفساد المعدة، وتغير الخلق، فالسكارى يسرع إليهم التشوه، وتسودُّ وجوههم في الدنيا قبل القيامة، أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. السكارى تسودُّ وجوههم في الدنيا قبل الآخرة، ويكون كالهَرِم جسماً وعقلاً، فالخمر تضر الجسد ضرراً بالغاً، وتفتك به فتكاً ذريعاً، وتؤثر على عقول الذرية، فولد السكِّير لا يكون نجيباً، ولا ذكياً، بل ربما يُصاب بالخبل والجنون، هذا بعض ما يُصاب به شارب الخمر في الدنيا. أما يوم القيامة، أما يوم الحسرة والندامة، فيُجاء بشارب الخمر مسودَّ الوجه، خارجاً لسانه على صدره، يتقذره كل من يراه، ويُصار به إلى جهنم وبئس المصير. ويلك أيها السكير، لقد تجاهرت بالمنكرات، وأذهبتَ عقلك بالمسكرات، وارتكبت بسببها جميع المحرمات. إن السكير إذا وضع كأس الخمر على فمه يقول الإيمان للكأس: انتظر حتى أخرج من القلب، وحُلَّ أنت فيه أيها الخمر. فإن الإيمان لا يجتمع والخمر معاً في قلب مؤمن، ﴿لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن﴾ بهذا أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. وأخبر: ﴿إن الله لعن الخمر، وشاربها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وآكل ثمنها﴾ إلى آخر الحديث، كل هؤلاء ملعونون على لسان رسول الله ﷺ . ويقول أيضاً: ﴿ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدقٌ بالسحر، ومن مات وهو مدمن للخمر سقاه الله من نهر الغُوطة، قيل: وما نهر الغُوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات﴾ أي: الزواني اللواتي يؤذي أهل النار ريح فروجهن، نسأل الله العفو والعافية. فهل يرضى عاقل من العقلاء أن تكون هذه حالته يوم القيامة؟! هل تعلم يا شارب الخمر! أنك بعد شربها لا يقبل الله منك صلاة ولا صياماً أربعين صباحاً، كما ورد في الأثر. وهل سمعتَ يا شارب الخمر! أنك يوم الهول الأكبر تشرب عرق أهل النار، فيقطع أمعاءك، ويشوي لحم وجهك، ويذيب جسمك، وتكون من الخاسرين الذين خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

стр. 1022

سبب الكلام عن الخمر وأدلة تحريمها أيها المؤمنون بالله: لعل البعض من المستمعين الذين عصمهم الله من هذا الشراب الخبيث ومن هذه المسكرات يقول: ما الداعي لهذا أن يتكلم به بين المسلمين؟ فنقول: يا عبد الله! هل راجعتَ مراكز الشرطة؟ هل راجعت محلات الأحداث؟ هل راجعت دار الرعاية؟ حتى تجد أناساً فقدوا العقول، وأصبحوا بصفة المجانين، بسبب استعمال المسكرات والمخدرات، كانوا رجالاً، كانوا من أعقل الرجال، ولكن لما جنوا على هذا العقل على هذه الكرامة صاروا بصفة المجانين، نسأل الله العفو والعافية. اللهم لا شماتة. لو راجعت أخي المسلم مراكز الشرطة رأيتَ بعض الشباب الذين ضاعوا في سبيل الشيطان، وقد أُتي بهم وهم سُكارى والعياذ بالله، إلى أين يرجع هذا؟ يرجع إلى إهمال الآباء، نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً. أيها المسلمون: أولادكم أمانة في أعناقكم، حتى بدأت النساء تتناول هذه المسكرات والمخدرات، فإنا لله وإنا إليه راجعون. أيها المؤمنون بالله حقاً: حافظوا على هذه الأمانات التي علقها في أعناقكم، فإنكم سوف تسألون عنها يوم القيامة. لقد أجمع علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وقديم الزمان وحديثه على أن الخمر حرام، إجماعاً قطعياً لا ريب فيه، فمن قال: إنها حلال فهو كافر، يُستتاب، فإن تاب وأقر بتحريمها تُرك، وإلا قُتل كافراً مرتداً، لا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وإنما يُرمس في ثيابه، في حفرة بعيدة؛ لئلا يتأذى المسلمون برائحته، وأقاربُه بمشاهدته، ولا يرث أقاربُه من ماله، وإنما يُصرف مالُه في مصالح المسلمين، لا يُدعى له بالرحمة، ولا النجاة من النار؛ لأن من مات وهو يُدمن الخمر، فإن حقاً على الله أن يُسْقِيَه من طينة الخبال، وطينة الخبال: عُصارة أهل النار. من استحل الخمر، وقال: إنها حلال، فإنه كافر، يقتل مرتداً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥]. نعم، أيها المسلمون! إن من اعتقد أن الخمر حلال، فهو مضاد لله، مكذب لرسول الله ﷺ ، خارج عن إجماع المسلمين. أما من شرب الخمر، وهو يؤمن ويعتقد بأنها حرام؛ ولكن سولت له نفسه بها، فشربها، فهو عاص لله، ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، فاسق عن طاعة الله، مستحق للعقوبة، وعقوبته في الدنيا أن يجلد ردعاً له ولغيره، فإذا تكرر من الشارب الشرب، وهو يُعاقَب ولا يرتدع، فإن ابن حزم رحمه الله تعالى قال: يُقتل في الرابعة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يقتل في الرابعة عند الحاجة إذا لم ينتهِ الناس بدون القتل. فاتقوا الله -أيها المسلمون- واجتنبوا الخمر لعلكم تفلحون، فلقد وصفت الخمر بأقبح الصفات في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وصفها الله بأنها ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] وقرنها بالميسر، والأزلام، وعبادة الأوثان، وقال ﷺ : ﴿اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر﴾ وصدق رسول الله ﷺ فإن الخمر مفتاح كل شر، وجماع الإثم كله. إن شارب الخمر يفقد عقله، ويلتحق بالمجانين، إنه ربما يقتل نفسه وهو لا يشعر، وربما يزني بأمه وأخته، وقد حصل أن كثيراً من السكارى زنوا بأمهاتهم ومحارمهم، وبعضهم باع شرفه وعرضه، وبعضهم ينبطح كما تنبطح الدابة وتُفعل به الجريمة حتى يحصل على قطعة من الحشيش، وحتى يحصل على قليل من الحبوب المسكرة. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].

стр. 1023

حكم أكل القات يا عباد الله: لا ننسى المصيبة التي ابتلي بها الكثير، وهي الجريمة الخفية التي تفتك بالأموال، وتفتك بكثير من الناس، ألا وهي (القات) -وإن لم يرضَ البعض من الناس- القات الذي أذهب حياة كثير من الناس، وذهبت بسببه الأموال، وبعضهم صار عالة على المجتمع بسبب أكل هذا القات؛ لأنه إذا حصَّل قليلاً من المال ذهب سريعاً حتى يجعله في هذا القات، ووالله ثم والله إن بعضهم حضر عندي يبكي، يقول: أريد أن أقتني مسكناً لأولادي، وعجزت أن أقتني لي مسكناً، وقد حصلتُ على كثير من الأموال، ولكني أذهبها بالقات، أذهب الله القات، وقطعه الله عن أراضي المسلمين. القات -يا عباد الله- الذي يصد الكثير عن الصلوات، فكان بعضهم إذا خَزَّن وأكل القات يترك خمس صلوات والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. والله إن كل منصف إذا تحدث عن القات، فبعضهم ولله الحمد عرفه، وعرف مضاره وتركه، فهو يتحدث بصدق. فمن أراد أن يستنصح، فليسأل الذين كانوا يستعملون القات وتركوه، ليعرف ما فيه من المضرة، ومن انتهاك الأموال التي جعلت من يأكله عالة بين المجتمع -نسأل الله العفو والعافية- جعلته يتسول، ويستعمل المسألة التي نهى الله عنها ورسوله ﷺ حيث قال: ﴿لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم﴾ وإذا سألت بعضهم وقلت: لماذا، أنت رجل جَلْد ونشيط وقوي؟ قال: القات أذهبه الله أكل أموالنا، فنسألك اللهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة. عباد الله: أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، وأسأله بمنه وكرمه أن يحسن لنا الختام، وأن يتوفانا على الإسلام. اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.

стр. 1024

الابتعاد عن المسكرات والمخدرات الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، الحمد لله الذي أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، واسمعوا وأطيعوا. عباد الله: الله الله بالابتعاد عن المسكرات والمخدرات، فقد سمعتم مما تقدم من الآيات والأحاديث أن الخمر من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم، وعلمتم أن عذاب شاربها أليم، وأنها أم الخبائث، ورأس الخطايا، ومفتاح الشرور، ودليل إلى النار، ودليل إلى غضب الجبار. فالحذر الحذر يا عباد الله. فليتق الله شارب الخمر، وليفكر في الموت وسكراته، والقبر وظلماته، وليتب إلى الله، وليعمل صالحاً، وليقل لنفسه ويناجيها: نفسي نفسي ذهب الصبا وولى، وجاء المشيب وقد قضيتُ عمري في اللهو، فهل ترجعين، نفسي إن كان قد غرك الشباب، فالعمر يمشي كلمح البصر، وإن كان غرك المال، فما أنتِ من قارون أغنى وقد خسف الله به الأرض، وإن كان غرك نضرة الوجه، فالدود منتظر أن يشبع لحم الخدود. فكر يا شارب الخمر فيما سمعتَ! وعِظْ نفسك لعلها تَرِقَّ، وتَلِيْنَ، وافتح آذان قلبك لعلك ترجع عن غيِّك، واذكر يوماً يقوم الناس فيه لرب العالمين: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ:٤٠] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] ندماً على ما جناه ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]. فاتقوا الله -يا عباد الله- وأحسنوا سيرتكم وأفعالكم، وتجنبوا ما يخجلكم ويخزيكم عند الوقوف بين يدي الله رب العالمين. يا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واحذروا المعاصي، فإن أجسامكم على النار لا تقوى.

стр. 1025

بعض الأحاديث والآثار التي تحذر من الخمر عباد الله: يقول رسول الله ﷺ : ﴿كل مسكر خمر، وكل خمر حرام﴾. وقد روى عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله لعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه﴾. وقال ﷺ : ﴿من شرب الخمر في الدنيا، ومات ولم يتب منها، وهو مدمن لها، لم يشربها في الآخرة﴾. وقال ﷺ : ﴿إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه الله من طِينة الخَبال، قيل: يا رسول الله! وما طِينة الخَبال؟ قال: عَرَق أهل النار﴾. وأيضاً -يا عباد الله- يقول أبو موسى الأشعري ﵁: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم، ومن مات وهو يشرب الخمر سقاه الله من نهر الغُوطة؛ وهو ماءٌ يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن﴾ والمومسات: الزانيات. وروي عن عثمان ﵁ أنه كان يقول: [[اجتنبوا الخمر، فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم يتعبد، ويعتزل الناس، فعلقته امرأة، فأرسلت إليه جاريتها تدعوه للشهادة -غرته هذه المرأة تدعوه للشهادة- فدخل معها فطفقت تغلق الأبواب، حتى أفضى إلى امرأة عندها غلام وراوية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتُك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليَّ، أو تقتل الغلام هذا، أو تشرب هذا الخمر، فكأنه تساهل الخمر، فشرب الخمر، فقال: زيدوني، فلم يزل حتى وقع على المرأة وفعل جريمة الزنا، وقتل الغلام]] قتل نفساً بغير حق. ألا يا عباد الله: اجتنبوا الخمر، فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبداً، وإن سميت لكم بغير اسمها، وإن سميت بالمشروبات الروحية، وإن سميت جَرَس، فإنها خمر، وحشيش، ومخدرات، ومسكرات، قضت على حياة الكثير، وعلى أعراضهم، وعلى أموالهم، وعلى شرفهم، وأصبحوا رهائن في السجون، نسأل الله العفو والعافية. عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، صلوا على نبي الرحمة محمد بن عبد الله، الذي جاء بها بيضاء نقية، امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم اهد ضال المسلمين، وثبت مهتديهم على الحق، يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقنا وإياهم الجلساء الصالحين الناصحين، الذين يذكروننا إذا نسينا، ويعيوننا إذا ذكرنا. اللهم اجمعنا جميعاً ووالدينا ووالد والدِينا، وجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، في جنات النعيم، يا رب العالمين. عباد الله: حافظوا على أولادكم، حافظوا على فلذات أكبادكم، فإنهم أمانة في أعناقكم، فإنكم سوف تُسألون عنهم يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨] فأعدوا للسؤال جواباً، وللجواب صواباً. اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، واللواط، والمخدرات، والمسكرات، والأفلام، والتمثيليات، اللهم ارفعها عنا وعن بلدان المسلمين حتى نعود إليك، ونرجع إليك يا رب العالمين، اللهم أبدلنا بها إيماناً دائماً كاملاً يباشر قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وأبدلها يا رب العالمين في بيوت المسلمين بقراءة القرآن، وأحاديث النبي ﷺ . ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:٤٥].

стр. 1026

رسالة إلى الدعاة المجتمع اليوم يشكو الجهل والفساد بجميع أشكاله وأنواعه؛ فلذلك أرسل الشيخ رسالة إلى العلماء عبر هذه الخطبة ينبههم على خطر الشيوعية واليهودية والنصرانية، ثم تحدث عن أخلاق الدعاة وما يجب عليهم في الدعوة إلى الله، كما تعرض لذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ظهور الفساد في الأرض إنما هو بسبب تركنا لهذه الفريضة (فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

стр. 1027

ثلاثة أخطار تحيط بالأمة الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى صراط الله المستقيم، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، اتقوا الله وأطيعوه. أمة الإسلام! إنه لا يخفى عليكم في هذه الأزمان المتأخرة ما يحل بالمجتمع البشري من إحداث البدع ونشر الشر والفساد الذي سار في الأبدان والقلوب والأفكار، إنها مصائب تتلوها مصائب، موجات إلحاد تتجاذبها عواصف تبشير تزيد تدميرها مع ما يفتح أمامها من المغريات الخبيثة التي يرسلها أعداء الإسلام وأعداء المسلمين في كل مكان بواسطة أحزاب الشيطان وجنوده من الجن والإنس من الشرور والفساد، وفتح سبل جائرة ومنحازة عن الحق ومجانبة للصواب، المجتمع البشري في الأزمنة المتأخرة يتخبط في ظلمات حالكة مدلهمة يحتاج فيها إلى الدعوة إلى الله وإلى سبيله العادل وصراطه المستقيم.

стр. 1028

خطر الشيوعية على الأمة يا أمة الإسلام! إن المجتمع البشري اليوم يحيط به شواظ ثلاث وكل شاظية أشر من أختها، قد كشروا بأنيابهم وفتحوا أفواههم ليلتقموا المسلمين لقمة واحدة ويزيلوهم عن الأرض التي يرثها الله ومن عليها. إن أعداء المسلمين وفي مقدمتهم الشيوعية الحمراء التي شردت المجتمعات وفرقتهم وأسالت دماءهم في كل مكان من العالم، على أي شيء يدل هذا يا عباد الله؟ يدل على أن المسلمين ابتعدوا عن دينهم ولعب بهم الأعداء كما يلعب الصبية بالكرة.

стр. 1029

خطر اليهودية على الأمة ومن وراء الشيوعية الحمراء: اليهود الخبثاء الذين لعنهم الله في محكم البيان -الشرذمة القليلة- وعلى نهجهم تسير الماسونية التي اتخذها الكثير الآن منهاجاً لهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

стр. 1030

خطر النصرانية على الأمة ثم بعد ذلك يأتي دور النصرانية التي تبث التبشير في العالم، ومع الأسف الشديد كثر منهم الأطباء وكثر منهم الممرضون والممرضات، وكثر منهم الخدم والخادمات، كل هذا يوجد في بلاد المسلمين، نصرانية تدعو إلى النصرانية تبشر بـ النصرانية ما المخرج منها يا عباد الله؟ المخرج هو تحقيق كلمة لا إله إلا الله والرجوع إلى كتاب الله والدعوة إلى الله ، الدعوة إلى سبيله العادل وإلى صراطه المستقيم.

стр. 1031

حاجة المجتمع إلى الدعوة والدعاة إن المجتمع الإسلامي اليوم أحوج ما يكون إلى الدعوة إلى الله ، فقد تفرق الكثير: فمن جائر لا يعرف لمَ خلقه الله ، ومن حائر لا يعرف الله لو قلت له: من ربك؟ لتلجلج ودارت عيناه ينظر إليك لا يعرف من ربه، هذا أمر عظيم وخطر جسيم، لا يعرف الذي خلقه وأوجده من العدم إلى الوجود، ولا يعرف لأي شيء خلق، وهو يعد في عداد المسلمين!

стр. 1032

من واجبات الدعاة تعليم الجاهل عليكم يا من حملتم العلم بالبيان والتبصير بما يجب على المخلوق بحق الخالق جلَّ وعلا، البعض من المسلمين وهو يؤدي الصلوات الخمس في المساجد ومع المسلمين لو أوقفته قليلاً وقلت: اقرأ عليَّ من كتاب الله لم يعرف ولا حتى أمِّ الكتاب، التي ﴿لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ الكتاب﴾. البعض من المسلمين لا يعرف كيف يتوضأ، البعض من المسلمين يمكث السنين ولا يعرف الغسل من الجنابة، هذا أمر عظيم حل بالمسلمين، بماذا؟ بالبعد عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فعلى من نعلق هذه الأمانة؟ نعلقها على عاتق العلماء، إنها أمانة يا علماء المسلمين! فإن العلماء ورثة الأنبياء. كذلك يوجد في المسلمين من هو غافلٌ عن الله وعن أوامره ونواهيه، لا يعرف الحلال والحرام إنما هو كالأنعام. فهذا يحتاج إلى تنبيه، ومن المسلمين من هو معاند يحتاج إلى المجادلة بالتي هي أحسن، فعلى من نعلق هذا؟ نعلقه على العلماء الذين تعلموا العلوم، الذين ورثوا ميراث محمد ﷺ ؛ فإن العالم يحتاج إلى الدعوة إلى الله ، والدعوة إلى الله أفضل وسيلة لإنقاذ البشرية. مع الأسف الشديد! البعض من طلبة العلم إذا تخرج وتعلم العلوم وأُريد أن يجعل في مكان ليعلم أو يقضي أو ليكون كاتب عدل اعتذر وقال: إنما أكون في وسط المدينة، وإلا فلا حاجة لي في ذلك؛ فإنه مسئول عن علمه هذا. أما علمت -يا أخي- أن في أطراف البلاد أناس لا يعرفون الله جهلاً منهم بذلك، لا يعرفون أحكام الإسلام، لا يعرفون أمور دينهم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أخي المسلم: بادر إلى الدعوة إلى الله ، فالدعوة إلى الله أفضل وسيلة لإنقاذ البشرية، إن الدعوة إلى الله تلحق الداعي إلى الله بركب الأنبياء وتحله مكانة عالية في عالم السعداء، فالبدار البدار يا علماء الإسلام! البدار البدار يا علماء الإسلام!

стр. 1033

الدعوة إلى الله أمانة في أعناق العلماء يقول رسول الهدى ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ماذا تقولون أمام رب العالمين إذا سألكم عن كتاب الله الذي حملتموه، وعن السنة المطهرة التي تعلمتموها، وعن الأحكام التي تعلمتموها ولم تخرجوها لعباد الله؟! البدار البدار يا عباد الله! أناس يدعون أنهم مسلمون ولكن مع الأسف الشديد يعبدون الأوثان ويستغيثون بالجن والشياطين ويستعينون بالكهان والسحرة، ومع ذلك يدعون أنهم مسلمون من أين أتاهم التقصير؟ أتاهم من العلماء! يا علماء الإسلام: اتقوا الله، اتقوا الله وبثوا هذه الدعوة قبل أن تسألوا عنها أمام رب العالمين، ليس العلم أن تبرز الشهادة وتعلقها على الحائط تباهي بها الأقران، إنها مسئولية عظيمة أمام رب العالمين، بماذا عملت فيما علمت؟ أعد لهذا السؤال جواباً أمام رب العالمين.

стр. 1034

الدعوة إلى الله تكون على بصيرة يا عباد الله: على العلماء عبءٌ ثقيل وأمانة ومسئولية عظيمة سوف يسألون عنها أمام رب العالمين، أين حلق الذكر يا علماء المسلمين؟! أين رياض الجنة يا علماء المسلمين؟! أين الدعوة إلى الله يا علماء المسلمين؟! الدعوة إلى الله هي ميراث الأنبياء يقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ويقول الله عن رسوله وهو أمر من الله لرسوله ﷺ ؛ لتقتدي به الأمة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] أدعو إلى الله، يا عباد الله! الدعوة نسيت الآن، الدعوة نسيت يا عباد الله! ولم يعرفها إلا النادر من المسلمين، على من نعلق المسئولية؟ أكرر وأعيد، نعلقها على العلماء الذين هم ورثة الأنبياء. فالبدار البدار يا علماء المسلمين! إلى دعوة الناس إلى الخير على هدىً وبصيرة، لمن تتركون هذا المجال، تتركونه للضلال أو تتركونه للجهال؟! فهذا ليس عذراً لكم يا علماء المسلمين، بل الدعوة تحتاج إلى بصيرة، وإلى علمٍ وإلى ثقةٍ وأمانة، من الذي أتى بكثير من المسلمين في طرق الغواية؟! من الذي أتاهم بالطرق والسبل التي نشرها أعداء الإسلام وأعداء المسلمين إلا علماء الضلال، علماء الجهال الذين نشروا سمومهم في تلك البلدان فصار المسلمون فرقاً شتى هذا يأخذ بالطريقة كذا، وهذا يأخذ بمذهب كذا، وهذا يأخذ بدين كذا، حتى افترقت الأمة الإسلامية وصار هذا يعير هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! الدعوة على نور وبصيرة يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] فيا ورثة الأنبياء وخلفاء الله في أرضه وأمنائه على تبليغ رسالة نبيه ﷺ إلى الإنسانية! إن داعي الخير قد دعاكم إلى إنقاذ البشرية بدعوتها إلى الفضيلة، إلى العقيدة الصحيحة، إلى البر والتقوى، إلى الخير والهدى، إلى الخير والهدى امتثالاً لأمر الله تعالى إن كنتم تريدون الخير: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. قوموا -عباد الله- بدعوة الناس والهداية بيد الله، قوموا -عباد الله- بالدعوة إلى الله والهداية بيده: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥].

стр. 1035

الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء علماء الإسلام: قوموا بالدعوة إلى الله؛ فإنها وظيفة المرسلين وقد أمرتم بالتأسي بنبيكم محمد ﷺ ، فاتقوا الله عباد الله، وقوموا بهذه الدعوة بعزم وجدٍ وحماس لعلكم تحضون بالفضل العظيم من الله ، وتكونوا من المصلحين الذين ذكرهم رسول الهدى ﷺ حيث قال: ﴿بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء﴾ من الغرباء؟ سئل رسول الله ﷺ من الغرباء؟ قال: ﴿الذين يصلحون إذا فسد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس﴾ وإنه -يا عباد الله- ليسر القلب ويبهجه ما نراه من يقظة الكثير من المسلمين ورجوعهم إلى دينهم، ولكن لا يكفي أن تكون صالحاً في نفسك بل كن مصلحاً لغيرك، يا من اهتديت يا من عرفت هذا الدين، ورجعت إلى ربك! كن مصلحاً كما صلحت، أسأل الله لك التوفيق والسداد، وأسأل الله لك الثبات على دينه. أيها العلماء: استجيبوا لداعي الله وقوموا بدعوة الناس إلى الخير كلُّ بحسبه، فما قبل الدين سلفاً ولا ظهر إلا بالدعوة إليه وإظهاره للأمة في أبهى صورة، أما تسمعون ماذا يقول أعداء الإسلام وأعداء المسلمين عن هذا الدين؟! أما تسمعون؟! أما ترونهم يصورونه في أبشع صورة؟! ولكن عليك -يا عبد الله- أن تقوم لله داعياً وتظهر الإسلام بالمظهر اللائق. فلقد كان سلفنا الصالح أمثل ذكرٍ خالد قاموا على قدمٍ وساق فتحوا الفتوحات ومصروا الأمصار، قاموا بحق لا إله إلا الله، فعليكم بالاقتداء بهم بالدعوة إلى الله وبالتمسك بتعاليم الإسلام والتخلق بأخلاق سيد المرسلين، دعوة ملؤها الإخلاص وحب الهداية للآخرين.

стр. 1036

على الداعية البلاغ والهداية بيد الله لا تيئسوا -يا عباد الله- ولا تستبعدوا فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا تقل: هذا حالق لحيته، لا. إنه حالق لحيته، ولكنه يصلي ومسلم. أخبره أن حلق اللحية حرام، وأن رسول الله ﷺ أمر بإعفائها. ثم أخبره -يا أخي- أن ترك الشارب معصية لله ولرسوله، وقد ورد في الحديث: ﴿من لم يأخذ من شاربه فليس منا﴾. أخبره -يا عبد الله- أن حلق اللحية حرام حتى يعرف ويعلم ذلك، البعض من المسلمين لا يدري أن حلق اللحية حرام، اسأل الله أن يهديه إلى الطريق المستقيم؛ حتى يعرف أن حلق اللحية حرام ويتصل بالعلماء الناصحين ليخبروه عنها وعن دلائل ذلك في كتاب الله وسنة رسوله. البعض من المسلمين لا يدري أن الإسبال حرام، فأخبره -أيها الداعي إلى الله- أن الإسبال حرام، وإن قال: أنا لا أسبل إلا زينة، فأخبره أن ما أسفل الكعبين ففي النار، هكذا يقول رسول الهدى ﷺ : ﴿ما أسفل الكعبين ففي النار﴾. أخبر أخاك المسلم أن الغناء حرام، واستماعه حرام، وثمنه حرام، واستئجار المحل له حرام، وثمن الأجرة حرام، أخبر أخاك -أيها الداعية- أن هذا حرام، البعض من الناس لا يعلم ذلك. أخبر يا عبد الله، أيها الداعي إلى الله، أخبر أهل الموائد إذا خلصوا من مائدتهم وهم يضعونها في برميل الزبالة أن هذا كفران لنعمة الله تعالى، وما أكثر هذا ولكن أين الدعاة الذين يبصِّرون عباد الله ويخبرونهم أن وضع النعم في الزبائل أنه كفران لنعمة الله ، أو لا يعلمون أن أناساً من المجاورين لو حصلت لهم لأكلوها، وهي مختلطة مع الزبائل؟ ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أيها الداعي إلى الله: قم بواجبك، قم بوظيفة المرسلين واسمع قول الرسول ﷺ وهو يقدم لـ علي ﵁: ﴿فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾. يا عبد الله: انظر إلى جارك الذي لا يحضر المسجد وأعلمه أن تارك الصلاة كافر، وأخبره أنه لو مات على كفره أن المسلمين لا يصلون عليه ولا يدفنونه في مقابر المسلمين. أخبر جارك -أيها الداعية إلى الله- أخبره أن تارك الصلاة كافر، وأن امرأته إن كانت مسلمة، فهي حرام عليه، ولو طلبت طلاقها لطلقت منه، بل لا يحل لها أن تمكث معه وهو كافر لا يصلي. عبد الله أيها الداعي إلى الله: أخبر تارك الصلاة أنه لا يرث ولا يورث ولا يدفن في مقابر المسلمين، أخبره أنه لا يغسل ولا يكفن، بل يوارى بعيداً عن بلدان المسلمين، إذا مات هذا تاركاً الصلاة. عبد الله أيها الداعية: أخبر المرأة المتبرجة أنها بتبرجها عاصية لله ولرسوله، وأخبرها بقول رسول الله ﷺ : ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما -وذكر من هذا الصنف-: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، وإنهن لا يجدن ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ أو كما قال ﷺ .

стр. 1037

أخلاق الدعاة إلى الله أيها الداعي إلى الله: تخلق بالحلم والآداب والسمت، وتروي من الأحاديث التي فيها دلائل تدحض بها شبه الجاهلين، وتروي من كتاب الله ، وادع إلى الله على بصيرة وأمر بالمعروف وانهى عن المنكر. اللهم اجعلنا من الدعاة إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة على بصيرة وعلى علم بإخلاص لك يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغفلة، اللهم أيقظنا من رقدة الغفلة، اللهم إننا نعوذ بك من شرور أعدائنا، اللهم إننا ندرأ بك في نحور أعدائنا من اليهود والنصارى والشيوعيين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، اللهم إنا نشهدك على بغضهم وعلى منابذتهم، اللهم إنا نشهدك على بغضهم وعلى منابذتهم فاكفنا اللهم شرهم وأبعدهم عن ديار المسلمين عامة يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1038

واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بما يصلح الخلق في الدنيا والدين وفي الآخرة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بهديهم القويم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واعلموا -يا عباد الله- أنه إنما ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] لعلهم يرجعون، لعلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لعلهم يصلحون ما أفسد الناس. عباد الله: اعلموا أن ما أصابكم من المصائب فبما كسبت أيديكم، وعفو الله عظيم، فهو يعفو عن كثير، ففساد الأرض ومصائب الخلق هي حصائد الأعمال الخبيثة والمحرمات، وعواقب أفعالهم التي ملأت البر والبحر. أيها المسلمون: إن الواجب على المسلمين أن يأخذ حلماؤهم على أيدي سفهائهم فيأطروهم على الحق أطراً قبل أن يهلكوا جميعاً فقد قال ﷺ : ﴿إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده﴾. أيها المسلمون: إن الناس بالنسبة إلى تغيير المنكر، منهم من يستطيع تغييره بيده، ومنهم من لا يستطيع إلا بلسانه، ومنهم من لا يستطيع إلا بقلبه، وقد بين ﷺ ما يجب على كل واحد من هؤلاء، فقال ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾. أيها المسلمون: إننا إذا قمنا بتغيير المنكر حسب الاستطاعة أفلحنا بأنفسنا وأصلحنا مجتمعنا، وحصلت لنا الرفعة في الدارين: الأولى والأخرى، أما إذا ضيعنا الواجب الذي علينا في ذلك فستكون النتيجة وخيمة تكثر المعاصي ويظهر الفسوق وتحل العقوبات وتحل اللعنة كما حلت على بني إسرائيل نعوذ بالله من ذلك. فاتقوا الله -يا عباد الله- وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين من اليهود والنصارى والشيوعيين والملحدين والكفرة والمنافقين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين يا رب العالمين.

стр. 1039

سنن الفطرة وفَّقَ الإسلامُ المسلمين لما يصلح دينهم ودنياهم، ومن هذا التوفيق: العمل بسنن الفطرة العشرة، وقد أكَّد الشيخ على هذه السنن، وبيَّن فوائدها وأهمية العمل بها، ووضَّح وجوب اتباع المسلمين للرسول ﷺ .

стр. 1040

وجوب الالتزام بسنن الفطرة الحمد لله الذي فطر الخلق على ما تستحسنه العقول, وأيد ذلك بما أنزله على الرسول, ففطرة الله التي جبل الناس عليها أمرهم بها تعبداً وثواباً, وما ربك خالقٌ خلقَه عبثاً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالحنيفية السمحة ملة إبراهيم الخليل, الذي اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم, صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى من سار على نهجهم القويم وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله , وأقيموا وجوهكم للدين حنيفاً متمسكين بالفطرة التي فطر الناس عليها, وهي الطهارة الباطنة, والطهارة الظاهرة. فأما الطهارة الباطنة فهي: تطهير القلب من الإجرام وإخلاص العبادة لله وحده والقيام بالأعمال الصالحات. وأما طهارة الظاهر: فمنها ما حث عليه ﷺ بقوله: ﴿عشر من الفطرة: الأولى: قص الشارب, والثانية: إعفاء اللحية, والثالثة: السواك, والرابعة: الاستنشاق بالماء, والخامسة: قص الأظافر، والسادسة: غسل البراجم, والسابعة: نتف الإبط, والثامنة: حلق العانة, والتاسعة: انتقاض بالماء -يعني: الاستنجاء-، قال الراوي: ونَسِيْتُ العاشرة إلا أن تكون المضمضمة﴾. في الحديث بيان لكمال الشريعة الإسلامية, واهتمامها بما يعود على المسلم من المصالح الكبيرة في الدين والدنيا والآخرة؛ فهذه الأشياء العشرة كلها طهارة وتنظيف يقضي بها العقل السليم, ويحث عليها, فمنها:

стр. 1041

من سنن الفطرة: قص الشارب وإحفائه, لأن في بقاء الشارب تجميع للأوساخ التي تمر من الأنف, فإذا شرب الإنسان تلوث شرابه بها, وكذلك هي مخالفة لزي المسلمين, لأنها من التشبه بالجاهلية والأعاجم, فإن الإسلام جاء ليهدم ويمحو آثار الجاهلية, وجاء لينهى عن التشبه بالأعاجم وغيرهم من الكفار, وغيرهم من أعداء الإسلام.

стр. 1042

من سنن الفطرة: إعفاء اللحى وأما إعفاء اللحية فلأن الله خلقها تمييزاً بين الذكور والإناث, وإظهاراً للرجولية والقوة ولذلك -ولله في ذلك حكمة- اللحية لا تظهر إلى عند الحاجة إليها في وقت قوة الإنسان وجلده, وتثبيته لمهمات الأمور. أما في حالة الصغر فلا تظهر اللحية ولله في ذلك حكمة, فلما كانت اللحية من المكملات للرجولة، الفارقة بين الرجال والنساء، جاء الشرع والقدر والفطرة لوجودها وإبقائها, وقد أمر النبي ﷺ بإعفائها وإرخائها وتوفيرها, وقال عليه من الله أفضل الصلاة والسلام: ﴿خالفوا المشركين وفروا اللحاء وحفوا الشوارب﴾ فهذه سنة رسول الله ﷺ والصحابة الكرام قد هدوا إلى الفطرة, فكانوا يوفرون لحاهم, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وأصحابه الكرام؛ فإنهم على النور المبين والصراط المستقيم، وليس بقاء اللحية من الأمور العادية كما يظنه البعض من الناس, وإنما بقاء اللحية من الأمور التعبدية الواجبة، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] ما هي الفتنة؟ الفتنة في الدين هي: رد الحق, ورد قول المصطفى ﷺ , وقد يرد المرء أمر النبي ﷺ فيذيب قلبه فيهلك والعياذ بالله! والنبي ﷺ أمر بإعفاء اللحية, وأمر بمخالفة المشركين, فإذاً هو فرض وليس كما يظنه ويحتج به بعض الجهال, أن من المشركين الآن من يعفي اللحية, فإننا نترك اللحية, ونترك أمر النبي ﷺ بإعفائها من أجل أن بعض المشركين يعفيها, وهذا فهم خاطئ؛ لأن المشرك هو الذي يتشبه بنا ولسنا نحن المتشبهين به.

стр. 1043

من سنن الفطرة: السواك أمة الإسلام! نعود إلى خصائص الفطرة, فمنها السواك لأن فيه تنظيفاً للأسنان, ويتأكد السواك عند المضمضة في الوضوء, وعند الصلاة, وعند القيام من النوم, فهو مطهرة للفم مرضاة للرب, مفرحة للملائكة. وكذلك الإنسان إذا دخل بيته؛ لأن النبي ﷺ إذا دخل بيته كان أول ما يبدأ به: السواك.

стр. 1044

من سنن الفطرة: الاستنشاق وكذلك من فوائد الفطرة الاستنشاق بالماء لأنه ينظف الأنف من الأوساخ.

стр. 1045

من سنن الفطرة: قص الأظافر من سنن الفطرة: قص الأظفار، لأن الأظفار إذا طالت اجتمع فيها من الأوساخ ما يكون ضرراً على الإنسان, فلله در تلك الفطرة الإسلامية, وما تهدي إليه من المنافع. فيا عباد الله! إن بقاء الأظفار تشبهاً بالمخنفسين, وتشبهاً بأعداء الدين, ومخالفة للفطرة.

стр. 1046

من سنن الفطرة: غسل البراجم وكذلك يا عباد الله! من سنن الفطرة: غسل البراجم, وهي مفاصل اللحم, التي تكون في الإنسان فإنها تجتمع فيها الأوساخ.

стр. 1047

من سنن الفطرة: نتف الآباط كذلك من سنن الفطرة: نتف الآباط؛ لأن الشعر إذا كثر فيها أحدث أوساخاً وروائح كريهة تضر بالإنسان، فلذلك يقول محمد بن عبد الله ﷺ : ﴿انتفوا الآباط﴾. أما إذا قال المخنفسون وأهل الموضات الإبليسية, وأهل التفنن الشيطانية: نترك الآباط ونترك الشعور ونترك الأظفار, فنقول: لا سمعاً ولا طاعة؛ لأننا نرد كلام المصطفى ﷺ ونحن نعمل على نتف الآباط أو حلقها أو إزالتها بشيء ليس فيه ضرر على الإنسان.

стр. 1048

من سنن الفطرة: حلق شعر العانة كذلك يا عباد الله! من سنن الفطرة: حلق شعر العانة, وهو الشعر النابت حول القُبُل, لأن في حلق العانة تقوية للمثانة, ولأن بقاء الشعر يجمع الأوساخ، وفيه ضرر على المثانة التي هي مجمع البول, وقد وقَّت نبيكم ﷺ وقت في قص الشوارب وتقليم الأظفار ونتف الآباط وحلق العانات في ألا تترك أكثر من أربعين ليلة.

стр. 1049

من سنن الفطرة: الاستنجاء أمة الإسلام! كذلك من سنن الفطرة: الاستنجاء؛ لأنه تطهير للمحل الذي يخرج منه البول والغائط.

стр. 1050

من سنن الفطرة: الختان وكذلك من سنن الفطرة: الختان، وهو تكميل لآداب الإنسان, لأنه يكمل الطهارة وفعله في زمن الصغر أفضل؛ فهذه آداب الشرع جاءت لتهذب البشرية, وتهديها, وتدلها إلى ما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة. اللهم اهدنا ووفقنا للتمسك بشرعك القويم يا رب العالمين: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا من أهل القرآن, اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين. وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1051

وجوب اتباع هدي النبي والمرسلين صلى الله عليه وعليهم أجمعين الحمد لله الذي فطر الخلق على الدين القيم, ملة محمد وإبراهيم, ووفق من شاء برحمته فاستقام على هدي النبيين والمرسلين, وخذل من شاء بحكمته فرغب عن هديهم وسننهم وكان من الخاسرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق طريقة, وأقومهم شريعة, وأقربهم إلى الخير العميم, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله , لقد كان نبيكم ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يقول: ﴿إن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها﴾ ولقد صدق رسول الله ﷺ إن خير الهدي هدي محمد ﷺ . والهدي: هو الطريق والشريعة التي كان عليها رسول الله ﷺ في العبادات, والمعاملات, والأفكار الظاهرة والباطنة, فتمسكوا -يا أيها المسلمون- بهدي نبيكم فإنه خير لكم في الدنيا والآخرة. إن التمسك بهديه يورث الوجه نضرة, والقلب سروراً, والصدر انشراحاً, والبصيرة نوراً, إن الحياة الطيبة ونعيم القلب والروح لا يحصلان إلا بالإيمان والعمل الصالح, قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على رسوله فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى علي واحدة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي , وعن سائر أصحابه أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الدين, اللهم عليك بأعداء الإسلام والمسلمين، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر, اللهم اشدد عليهم وطأتك, وارفع عنهم يدك, ومزقهم كل ممزق, اللهم اجعلهم غنيمةً للمسلمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أنقذهم من تيارات الانجراف والهلاك يا رب العالمين، اللهم اجعلهم سلماً لأوليائك حرباً لأعدائك, اللهم أقر بهم أعين الأباء. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت الغني ونحن الفقراء, أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا يا رب العالمين, اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً, هنيئاً مريئاً, سحاً غدقاً, نافعاً غير ضار، اللهم احيي بلدك الميت, اللهم انشر رحمتك على البلاد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً, لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والبلاء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين, ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1052

شهادة الزور شهادة الزور فساد للدين والدنيا والآخرة، فهي ضياع للحقوق، وإسقاط للعدالة، وزعزعة للثقة، وخيانة للأمانة، وإرباك للأحكام، وتشويش على المسئولين والحكام. ولعظمها ذكرها الله تعالى مقرونة بعبادة الأصنام وشدد ﷺ في التحذير منها بلسانه تكراراً وبفعله حيث جلس بعد أن كان متكئاً.

стр. 1053

مسائل تتعلق بشهادة الزور

стр. 1054

حكم كتمان الشهادة الحمد لله الملك العظيم العزيز الحكيم, له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الأولى والآخرة, وله الحكم وإليه ترجعون, لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما تخفون وما تعلنون, أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, الذي بين لأمته ما فيه الخير والسعادة, وحذرها من سوء العاقبة والمصير، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وأقيموا الشهادة لله وحده, ولا تقيموها لقريب من أجل قرابته, ولا لصديق من أجل صداقته, ولا لغني من أجل غناه, ولا لفقير من أجل فقره, ولا لأمير من أجل إمارته, ولا لقاضٍ من أجل قضائه, ولا تقيموها على بعيد من أجل بعده, ولا عدو من أجل عداوته, أقيموا الشهادة لله الواحد القهار, أقيموا الشهادة كما أمركم بذلك ربكم وخالقكم، ومدبر أموركم، والحاكم بينكم، والعالم بسركم وعلانيتكم, أقيموها امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:١٣٥]. أيها المسلمون: إن الشهادة أمرها عظيم وخطرها جسيم في تحملها وأدائها, فلا يحل كتمان الشهادة، ومصداق ذلك قول الحق سبحانه وبحمده: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ولا يحل أن يشهد إلا أن يكون عالماً بما يشهد به علماً يقيناً، وأنه مطابق للواقع تماماً، فلا يحل أن يشهد بما لم يعلم, ولا بما يعلم أن الأمر بخلافه، بل لا يحل أن يشهد بما يغلب على ظنه حتى يعلمه علماً يقيناً كما يعلم الشمس في رابعة النهار, إذا اتضح له الأمر مثل الشمس فليشهد أو فليترك.

стр. 1055

شهادة الزور بحسن النية أيها المسلمون: إن من الناس من يتهاون بالشهادة، لمجرد وعد عند المحكمة أو عند الإمارة أو عند المركز يقول: ائتني بحفيظة النفوس أو ائتني بالهوية، فيجيب: على العين والرأس يا أبا فلان، هل هذا مطابق للشرع أم محاباة أم شهادة الزور؟! فيشهد بمجرد الظن أو بما لا يعلم أو بما يعلم أن الواقع بخلافه, ويتجرأ على هذا الأمر المنكر العظيم؛ مراعاة لقريب أو تودداً لصديق أو محاباة لغني أو عطفاً على فقير، يقول: إنه يريد الإصلاح بذلك، وقد زين له سوء عمله ورآه حسناً -والعياذ بالله- كما زين لغيره من أهل الشر والفساد سوء أعمالهم فرأوه حسناً, فالمنافقون زين في قلوبهم النفاق ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] فقال الله فيهم: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢]. وعباد الأصنام زين في قلوبهم عبادة الأصنام، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وهي في الواقع أي الأصنام والأوثان لا تزيدهم من الله إلا بعداً. أيها المسلمون: احذروا من كل مفسد يدعي أنه مصلح, أو ربما يظن أنه مصلح بسبب شبهة عرضت له فالتبس عليه الإفساد بالإصلاح, أو بسبب إرادة سيئة زينت له فاتبع هواه, ولكن الصلاح كل الصلاح باتباع شريعة الله وتنفيذ أحكام الله، والعمل بما يرضي الله. أيها المسلمون: إن من الناس من يشهد لشخص بما لا يعلم أنه يستحقه، بل بما يعلم أنه لا يستحقه, يدعي بذلك أنه عاطف عليه وراحم له، والحق أن هذا الشاهد لم يرحم المشهود له, ولم يرحم نفسه، بل أكسبها إثماً بما شهد به، وأكسب المشهود له إثماً فأدخل عليه ما لا يستحقه, وظلم المشهود عليه فاستخرج منه ما لا يجب عليه. ومن الناس من يشهد لبعض الموظفين المهملين بمبررات لا حقيقة لها, فيشهد مثلاً أن هذا الموظف مريض أو مشغول شغلاً قاهراً وهو ليس بمريض ولا بمشغول, أو يشهد له أنه استأجر سيارة تتبع عمله، ويزيد في الأجرة حتى يأخذ هذه الزيادة, أو يشتري قطع الغيار ويقول لصاحب المحل: زد في الثمن قليلاً ولا يأخذ هو الزيادة, كل هذه الحيل من الشهادة في الباطل، ومن الناس من يشهد لشخص أنه قام بالوظيفة منذ وقت كذا وهو لم يقم بها, ولم يباشرها, ويزعم الشاهد له بذلك أنه يريد الإصلاح للمشهود له, ولم يدرِ أنه بهذه الشهادة أضر بنفسه وأضر بالمشهود له, وأفسد على نفسه وعلى المشهود له ما أفسد من دينه، وكل ذلك يعد من الشهادة بالزور. كل ما سمعتم من هذه الحيل تعد من الشهادة بالزور التي حذر منها رسول الهدى ﷺ وجعلها من أكبر الكبائر، فقال ﷺ ثلاث مرات: ﴿ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قالوا: ليته سكت﴾. وقال أنس بن مالك ﵁: ﴿ذكر النبي ﷺ الكبائر فقال: الشرك بالله, وعقوق الوالدين, وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو قال: شهادة الزور﴾. أيها المسلمون: إن هذين الحديثين الصحيحين الثابتين عن رسول الله ﷺ الناصح الأمين بيّن بهما ﷺ عظيم شهادة الزور، وحذر منها ﷺ بقوله وفعله، وقد عظمه بفعله حيث كان يتحدث عن الشرك والعقوق متكئاً, فلما ذكر شهادة الزور جلس ليبين فداحتها وعظمها, وبين عظمها بقوله وذلك حين جعل يكرر القول بها حتى تمنى الصحابة أن يسكت. أمة الإسلام: أيها المؤمنون بالله ورسوله! أيها الراجون لرحمة الله! أيها الخائفون من عذابه! أيها المؤمنون بيوم الحساب، يوم تقفون بين يدي الله لا مال ولا بنون, ولا واسطة, ولا رشوة تؤخذ في ذلك اليوم، تنظرون أيمن منكم فلا ترون إلا ما قدمتم, وتنظرون أشأم منكم فلا ترون إلا ما قدمتم، وتنظرون أمامكم فلا ترون إلا النار تلقاء وجوهكم, إنكم في ذلك اليوم -يوم القيامة- ستسألون عما شهدتم به, وعن من شهدتم عليه أو شهدتم له, فاتقوا الله واحذروا مغبة ذلك اليوم. أيها المؤمنون: تصوروا رسول الله ﷺ وهو المبلغ عن الله ، القائم بأمر الله تعالى، الناصح لأمته وهو يعرض على أمته بنفسه أن ينبئهم بأكبر الكبائر, ليحذّر الأمة ليبتعدوا عنها. أمة الإسلام! تصوروا رسول الله ﷺ كأنه أمامكم وكان متكئاً ثم جلس عند ذكر شهادة الزور, تصوروه وهو يكرر ويؤكد أن شهادة الزور من أكبر الكبائر, لو تصورتم ذلك لعرفتم حقيقة شهادة الزور. فالحذر الحذر من شهادة الزور, والحذر الحذر من أن يزينها الشيطان في قلوبكم, ولا تأخذكم في الله لومة لائم, ولا تصدنكم عن الحق ظنون كاذبة, أو إيرادات آثمة؛ فتشاقَّوا الله ورسوله وتتبعوا غير سبيل المؤمنين. اللهم وفقنا لإقامة الحق والعدل والبيان, وجنبنا الباطل والجور والبهتان, واحمنا عما يضرنا في ديننا ودنيانا إنك جواد كريم. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →