Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وجوب اتباع هدي النبي والمرسلين صلى الله عليه وعليهم أجمعين
الحمد لله الذي فطر الخلق على الدين القيم, ملة محمد وإبراهيم, ووفق من شاء برحمته فاستقام على هدي النبيين والمرسلين, وخذل من شاء بحكمته فرغب عن هديهم وسننهم وكان من الخاسرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق طريقة, وأقومهم شريعة, وأقربهم إلى الخير العميم, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله , لقد كان نبيكم ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يقول: ﴿إن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها﴾ ولقد صدق رسول الله ﷺ إن خير الهدي هدي محمد ﷺ .
والهدي: هو الطريق والشريعة التي كان عليها رسول الله ﷺ في العبادات, والمعاملات, والأفكار الظاهرة والباطنة, فتمسكوا -يا أيها المسلمون- بهدي نبيكم فإنه خير لكم في الدنيا والآخرة.
إن التمسك بهديه يورث الوجه نضرة, والقلب سروراً, والصدر انشراحاً, والبصيرة نوراً, إن الحياة الطيبة ونعيم القلب والروح لا يحصلان إلا بالإيمان والعمل الصالح, قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على رسوله فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى علي واحدة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي , وعن سائر أصحابه أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الدين, اللهم عليك بأعداء الإسلام والمسلمين، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر, اللهم اشدد عليهم وطأتك, وارفع عنهم يدك, ومزقهم كل ممزق, اللهم اجعلهم غنيمةً للمسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أنقذهم من تيارات الانجراف والهلاك يا رب العالمين، اللهم اجعلهم سلماً لأوليائك حرباً لأعدائك, اللهم أقر بهم أعين الأباء.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت الغني ونحن الفقراء, أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا يا رب العالمين, اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً, هنيئاً مريئاً, سحاً غدقاً, نافعاً غير ضار، اللهم احيي بلدك الميت, اللهم انشر رحمتك على البلاد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب.
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً, لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والبلاء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين, ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1052
شهادة الزور
شهادة الزور فساد للدين والدنيا والآخرة، فهي ضياع للحقوق، وإسقاط للعدالة، وزعزعة للثقة، وخيانة للأمانة، وإرباك للأحكام، وتشويش على المسئولين والحكام.
ولعظمها ذكرها الله تعالى مقرونة بعبادة الأصنام وشدد ﷺ في التحذير منها بلسانه تكراراً وبفعله حيث جلس بعد أن كان متكئاً.
стр. 1053
مسائل تتعلق بشهادة الزور
стр. 1054
حكم كتمان الشهادة
الحمد لله الملك العظيم العزيز الحكيم, له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الأولى والآخرة, وله الحكم وإليه ترجعون, لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما تخفون وما تعلنون, أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, الذي بين لأمته ما فيه الخير والسعادة, وحذرها من سوء العاقبة والمصير، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وأقيموا الشهادة لله وحده, ولا تقيموها لقريب من أجل قرابته, ولا لصديق من أجل صداقته, ولا لغني من أجل غناه, ولا لفقير من أجل فقره, ولا لأمير من أجل إمارته, ولا لقاضٍ من أجل قضائه, ولا تقيموها على بعيد من أجل بعده, ولا عدو من أجل عداوته, أقيموا الشهادة لله الواحد القهار, أقيموا الشهادة كما أمركم بذلك ربكم وخالقكم، ومدبر أموركم، والحاكم بينكم، والعالم بسركم وعلانيتكم, أقيموها امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:١٣٥].
أيها المسلمون: إن الشهادة أمرها عظيم وخطرها جسيم في تحملها وأدائها, فلا يحل كتمان الشهادة، ومصداق ذلك قول الحق سبحانه وبحمده: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ولا يحل أن يشهد إلا أن يكون عالماً بما يشهد به علماً يقيناً، وأنه مطابق للواقع تماماً، فلا يحل أن يشهد بما لم يعلم, ولا بما يعلم أن الأمر بخلافه، بل لا يحل أن يشهد بما يغلب على ظنه حتى يعلمه علماً يقيناً كما يعلم الشمس في رابعة النهار, إذا اتضح له الأمر مثل الشمس فليشهد أو فليترك.
стр. 1055
شهادة الزور بحسن النية
أيها المسلمون: إن من الناس من يتهاون بالشهادة، لمجرد وعد عند المحكمة أو عند الإمارة أو عند المركز يقول: ائتني بحفيظة النفوس أو ائتني بالهوية، فيجيب: على العين والرأس يا أبا فلان، هل هذا مطابق للشرع أم محاباة أم شهادة الزور؟! فيشهد بمجرد الظن أو بما لا يعلم أو بما يعلم أن الواقع بخلافه, ويتجرأ على هذا الأمر المنكر العظيم؛ مراعاة لقريب أو تودداً لصديق أو محاباة لغني أو عطفاً على فقير، يقول: إنه يريد الإصلاح بذلك، وقد زين له سوء عمله ورآه حسناً -والعياذ بالله- كما زين لغيره من أهل الشر والفساد سوء أعمالهم فرأوه حسناً, فالمنافقون زين في قلوبهم النفاق ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] فقال الله فيهم: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢].
وعباد الأصنام زين في قلوبهم عبادة الأصنام، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وهي في الواقع أي الأصنام والأوثان لا تزيدهم من الله إلا بعداً.
أيها المسلمون: احذروا من كل مفسد يدعي أنه مصلح, أو ربما يظن أنه مصلح بسبب شبهة عرضت له فالتبس عليه الإفساد بالإصلاح, أو بسبب إرادة سيئة زينت له فاتبع هواه, ولكن الصلاح كل الصلاح باتباع شريعة الله وتنفيذ أحكام الله، والعمل بما يرضي الله.
أيها المسلمون: إن من الناس من يشهد لشخص بما لا يعلم أنه يستحقه، بل بما يعلم أنه لا يستحقه, يدعي بذلك أنه عاطف عليه وراحم له، والحق أن هذا الشاهد لم يرحم المشهود له, ولم يرحم نفسه، بل أكسبها إثماً بما شهد به، وأكسب المشهود له إثماً فأدخل عليه ما لا يستحقه, وظلم المشهود عليه فاستخرج منه ما لا يجب عليه.
ومن الناس من يشهد لبعض الموظفين المهملين بمبررات لا حقيقة لها, فيشهد مثلاً أن هذا الموظف مريض أو مشغول شغلاً قاهراً وهو ليس بمريض ولا بمشغول, أو يشهد له أنه استأجر سيارة تتبع عمله، ويزيد في الأجرة حتى يأخذ هذه الزيادة, أو يشتري قطع الغيار ويقول لصاحب المحل: زد في الثمن قليلاً ولا يأخذ هو الزيادة, كل هذه الحيل من الشهادة في الباطل، ومن الناس من يشهد لشخص أنه قام بالوظيفة منذ وقت كذا وهو لم يقم بها, ولم يباشرها, ويزعم الشاهد له بذلك أنه يريد الإصلاح للمشهود له, ولم يدرِ أنه بهذه الشهادة أضر بنفسه وأضر بالمشهود له, وأفسد على نفسه وعلى المشهود له ما أفسد من دينه، وكل ذلك يعد من الشهادة بالزور.
كل ما سمعتم من هذه الحيل تعد من الشهادة بالزور التي حذر منها رسول الهدى ﷺ وجعلها من أكبر الكبائر، فقال ﷺ ثلاث مرات: ﴿ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قالوا: ليته سكت﴾.
وقال أنس بن مالك ﵁: ﴿ذكر النبي ﷺ الكبائر فقال: الشرك بالله, وعقوق الوالدين, وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو قال: شهادة الزور﴾.
أيها المسلمون: إن هذين الحديثين الصحيحين الثابتين عن رسول الله ﷺ الناصح الأمين بيّن بهما ﷺ عظيم شهادة الزور، وحذر منها ﷺ بقوله وفعله، وقد عظمه بفعله حيث كان يتحدث عن الشرك والعقوق متكئاً, فلما ذكر شهادة الزور جلس ليبين فداحتها وعظمها, وبين عظمها بقوله وذلك حين جعل يكرر القول بها حتى تمنى الصحابة أن يسكت.
أمة الإسلام: أيها المؤمنون بالله ورسوله! أيها الراجون لرحمة الله! أيها الخائفون من عذابه! أيها المؤمنون بيوم الحساب، يوم تقفون بين يدي الله لا مال ولا بنون, ولا واسطة, ولا رشوة تؤخذ في ذلك اليوم، تنظرون أيمن منكم فلا ترون إلا ما قدمتم, وتنظرون أشأم منكم فلا ترون إلا ما قدمتم، وتنظرون أمامكم فلا ترون إلا النار تلقاء وجوهكم, إنكم في ذلك اليوم -يوم القيامة- ستسألون عما شهدتم به, وعن من شهدتم عليه أو شهدتم له, فاتقوا الله واحذروا مغبة ذلك اليوم.
أيها المؤمنون: تصوروا رسول الله ﷺ وهو المبلغ عن الله ، القائم بأمر الله تعالى، الناصح لأمته وهو يعرض على أمته بنفسه أن ينبئهم بأكبر الكبائر, ليحذّر الأمة ليبتعدوا عنها.
أمة الإسلام! تصوروا رسول الله ﷺ كأنه أمامكم وكان متكئاً ثم جلس عند ذكر شهادة الزور, تصوروه وهو يكرر ويؤكد أن شهادة الزور من أكبر الكبائر, لو تصورتم ذلك لعرفتم حقيقة شهادة الزور.
فالحذر الحذر من شهادة الزور, والحذر الحذر من أن يزينها الشيطان في قلوبكم, ولا تأخذكم في الله لومة لائم, ولا تصدنكم عن الحق ظنون كاذبة, أو إيرادات آثمة؛ فتشاقَّوا الله ورسوله وتتبعوا غير سبيل المؤمنين.
اللهم وفقنا لإقامة الحق والعدل والبيان, وجنبنا الباطل والجور والبهتان, واحمنا عما يضرنا في ديننا ودنيانا إنك جواد كريم.
وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1056
شهادة الزور وعظم إثمها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله حق تقاته.
عباد الله: لقد تحدث النبي ﷺ عن الشرك وعقوق الوالدين وهو متكئ ولم يجلس؛ لأن الداعي إلى الشرك والعقوق ضعيف في النفوس, ومخالف للفطرة، لكنه ﷺ جلس حينما تحدث عن شهادة الزور؛ لأن الداعي إليها قوي وكبير، فالقرابة والصداقة والغنى والفقر كلها قد تحمل ضعيف العقل والدين على أن يشهد بالزور, لكن المؤمن العاقل الذي يعلم أن النبي ﷺ يحذر من شهادة الزور هذا التحذير البليغ لا يمكنه أن يقدم على شهادة الزور مهما كانت الأسباب والدواعي.
أيها المسلمون: إن شهادة الزور مشكلة في الدين والدنيا، وللفرد والمجتمع، إنها معصية لله ولرسوله، إنها كذب وبهتان, وأكل للمال بالباطل, فالمشهود له يأكل ما لا يستحق, والشاهد يقدم له ما لا حق له فيه, إن شهادة الزور سبب لانتهاك الأعراض، وإزهاق النفوس، فإن الشاهد بالزور إذا شهد مرة هانت عليه الشهادة ثانية, وإذا شهد بالصغير هانت عليه الشهادة بالكبير, لأن النفوس بمقتضى الفطرة تنفر عن المعصية وتهابها, فإذا وقعت فيها هانت عليها وتدرجت من الأصغر إلى ما فوقه.
أيها المسلمون: إن شهادة الزور ضياع للحقوق, وإسقاط للعدالة, وزعزعة للثقة والأمانة, وإرباك للأحكام، وتشويش على المسئولين والحكام, فهي فساد للدين والدنيا والآخرة، وفي الحديث عن النبي ﷺ ما فيه زاجر عن ذلك أنه قال: ﴿لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار﴾ اللهم إنا نعوذ بك من النار.
عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة.
وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله امتثالاً للمولى جل وعلا حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد الناصح الأمين, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحابه أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين عزاً عاجلاً غير آجل، اللهم يا حنان يا منان يا بديع السماوات والأرض, يا ذا الجلال والإكرام, أذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر صرح الشرك والمشركين ,اللهم دمّر الشرك والمشركين عن بلاد المسلمين أجمعين يا رب العالمين.
اللهم ودمّر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمّر من به عداوة للإسلام والمسلمين، وانصر من به نصر للإسلام والمسلمين يا رب العالمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا يا أكرم الأكرمين، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والشر والفساد والعناد، يا رب العالمين.
اللهم انشر رحمتك على العباد, يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب، اللهم إنا نستغيثك لا إله إلا أنت مفرج الكربات ومحيل الشدائد والبليات, لا إله إلا أنت يا سامع الصوت! ويا سابق الفوت ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت! يا حي يا قيوم! يا من بيده مقاليد السماوات والأرض! يا من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون! اللهم أغثنا, اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار, اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق.
اللهم إنّا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون, وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها, واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1057
صفات نار جهنم
إن الواجب على المسلم أن يتقي النار التي أعدها الله لمن عصاه وخالف أمره، وذلك بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، ونار جهنم تزيد على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، فما هو طعام أهل النار يا ترى؟ وما هو شرابهم؟ وما هو لباسهم؟ وما هو طلب أهل النار في النار؟ هذا ما تجدون إجابته في كلام الشيخ.
стр. 1058
صفات جهنم وأهلها
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، خلق جهنم وأعدها للعصاة، وما ربك بظلام للعبيد، فهو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وحكمه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣١ - ١٣٢] اتقوا النار بطاعة الله، اتقوا النار بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، فإنه لا نجاة لكم من النار إلا بهذا، اتقوا النار فإنها دار البوار، دار البؤس والشقاء والخزي والعار، دار من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، دار ساكنوها شرار خلق الله تعالى من الشياطين وأتباعهم، قال الله تعالى مخاطباً إبليس: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ * أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٤ - ٨٥].
دار فرعون وهامان، وقارون وأبي بن خلف، وغيرهم من طغاة الخلق وفجارهم، دار المنافقين وأحزابهم وإخوانهم، هؤلاء سكان جهنم، كفار فجرة، وطغاة ظلمة، ومنافقون خونة، ولئن سألتم عن مكانها، فإنها في أسفل السافلين، وأبعد ما يكون عن رب العالمين، فهي دار عقاب لأعداء الله، فأبعدت عن رحمة الله، وعن دار أولياء الله، يؤتى بها يوم القيامة لها سبعون ألف زمان، مع كل زمان سبعون ألف ملك يجرونها.
стр. 1059
حر جهنم وبُعْد قعرها
ولئن سألتم عن حرها فهو شديد، ولئن سألتم عن قعرها فهو بعيد، ولقد أخبر نبينا محمد ﷺ بقوله: ﴿ناركم هذه -ما يوقد ابن آدم- جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم قالوا: يا رسول الله! إنها لكافية -يعنون نار الدنيا- قال ﷺ : إنها فضلت عليها بتسع وستين جزءاً كلهن مثل حرها﴾ وسمع الصحابة رضوان الله عليهم صوت وجبة -أي: شيء ساقط- فقال النبي ﷺ : ﴿أتدرون ما هذا؟! قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: حجرٌ أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفاً -أي: منذ سبعين سنة- فالآن حين انتهى﴾ أي: إلى قعرها.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم، ألا تردون؟! فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار﴾ قال الله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم:٨٦].
стр. 1060
تغيظ جهنم عند إلقاء أهلها
عباد الله: ما ظنكم بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف عام، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، قد تقطعت أكبادهم جوعاً، واحترقت أجوافهم عطشاً، ثم سحبوا إلى النار، وهم يطمعون في الشراب، فلا يجدون إلا النار يلقون فيها: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك:٧] تشهق كما يشهق الحمار أو البغلة إذا رأى الشعير، قد ملأها الله غيظاً وحنقاً عليهم ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨] يلقون فيها أفواجاً يقابلون بالتقريع والتوبيخ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٨ - ١٠].
هذا ما يقابلون به عند دخولهم النار، توبيخ وتقريع، وإهانة وتنديم، فتتقطع قلوبهم أسفاً، وتذوب أكبادهم كمداً وحزناً، ولكن لا ينفعهم ذلك.
فإذا دخلوها فما أعظم عذابهم، وما أشد عقابهم، يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم يقول تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦].
стр. 1061
طعام أهل جهنم وشرابهم
ولئن سألتم عن طعامهم وشرابهم، فهو الزقوم وهو شجر خبيث مر الطعم، نتن الريح، كريه المنظر، يتزقمونه تزقماً لكراهته وقبحه، ولكن يلجئون إلى ذلك لشدة جوعهم، فلا يسمنهم ولا يغني من جوع، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ﴿اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا؛ لأفسدت على أهل الأرض معيشتهم﴾.
فإذا ملئوا بطونهم من هذا الطعام الخبيث الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، التهبت أكبادهم عطشاً، فلا يهيأ لهم الشراب، وإنهم ليستغيثون: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩].
ما هو الماء الذي كالمهل؟
إنه الرصاص المذاب الذي يَشْوِي الْوُجُوهَ حتى يتساقط لحمها، بئس الشراب الذي يشربونه على كره واضطرار، شرب الهيم وهي: الإبل العطاش التي لا تروى من الماء، فإذا سقط في أجوافهم قطع أمعاءهم، فهو كالمهل في حرارته، وكالصديد في نتنه وخبثه، قال الله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧].
стр. 1062
لباس أهل جهنم
ولئن سألتم عن لباس أهل النار فهو الشر والعار: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] على قدر أبدانهم تلك الثياب لا تقيهم حر جهنم، بل تزيدها حرارة واشتعالاً.
стр. 1063
عذاب جهنم مستمر
ولئن سألتم عن المدة فمدتهم مستمرة دائماً: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] *: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
وكلما خبت النار زادها الله سعيراً، يرتفع بهم اللهب إلى أعلى، ثم يهوون إلى قعرها: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠].
стр. 1064
ما يتمناه أهل جهنم
ثم يطلبون الراحة مما هم فيه، فيقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] يوم من العذاب، وهم فيها سنين طويلة، ثم تجيبهم الملائكة: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي بالأدلة الواضحات، فيقولون: ﴿بَلَى﴾ فتقول الملائكة: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠].
فلا يستجاب لهم، ولا يسمع لهم دعاء؛ لأنهم ما استجابوا للرسل حين دعوهم إلى الله، وإلى عبادته في الدنيا، فإذ لم يستجيبوا ولم يطيعوا الله، كان ذلك جزاءهم، يتعاوون ويصطرخون ويدعون بالويل والثبور، ثم يتمنون الموت حينئذٍ فقالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فيرد عليهم خازن النار: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ثم يتوجهون إلى رب العالمين، ذي العظمة والجلال والعدل في الحكم والفعال، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] فيقول لهم أحكم الحاكمين: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
لا حجة لهم، بعث الله الرسل، وأنزل الكتب، والآن لا حجة لهم في جهنم: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
стр. 1065
حال أهون أهل النار عذاباً
لقد أخبرنا نبينا ﷺ فيما يروى عنه: ﴿أن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار، يغلي بهما دماغه كما يغلي القدر، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهون أهل النار عذاباً﴾ ويقول ﷺ : ﴿يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار﴾ من الذين أذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا واستمتعوا بها، من الذين عصوا الله في هذه الحياة الدنيا: ﴿فيصبغ في النار صبغة﴾ أي يغمس فيها ﴿ثم يقال: يابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب!﴾ أين الترف؟ أين المرح؟ أين الفساد في الدنيا؟
أجل -يا عباد الله- إنه نسي كل نعيم مر به في الدنيا، وقد غمس في النار غمسة واحدة، فكيف به وهو خالد فيها أبداً، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء:١٦٨ - ١٦٩] ويقول تعالى: ﴿ومَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣] ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٦] ولن يجدي ولن يفيد ذلك.
يقولون في الدركات في جهنم: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] أجل من أطعتم؟ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] هذه خاتمة قرناء السوء والأشرار: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨].
اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أنجنا من النار، اللهم أنجنا من النار، اللهم لا طاقة لنا بجهنم، اللهم لا صبر لنا على النار، اللهم أنجنا من النار، وأدخلنا الجنة دار المتقين الأبرار برحمتك يا رب الراحمين، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1066
الإكثار من الأعمال الصالحة قبل فوات الفرصة
الحمد لله الذي حذرنا من النار في محكم التنزيل فقال: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا رب سواه، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، وأفضل المرسلين، المبلغ عن ربه شرعه المبين، والناصح لأمته، حيث يقول حتى سمعه من في السوق: ﴿أنذرتكم النار، أنذرتكم النار﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واحذروا من أسباب سخطه وعذابه، واعلموا أنكم لم تخلقوا عبثاً.
عباد الله: تيقظوا من هذه الرقدات، واصحوا من هذه النومة، واعلموا أنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين العباد، ويميز فيه بين المطيعين والعصاة، فالمطيعون سوف يساقون إلى جنة عرضها السماوات والأرض، والعصاة سوف يسحبون إلى النار وبئس المصير.
فاتقوا الله -يا عباد الله- قبل نزول الموت وانقضاء الأجل، ثم تندمون حينئذٍ ولات حين مندم، فبادروا بالتوبة عباد الله، ألقوا أسماعكم إلى المواعظ، بحضور قلب ورغبة، أقلعوا من الذنوب، توبوا إلى علام الغيوب، تزودوا من الأعمال الصالحات، فإنكم غداً يوم القيامة سوف توقفون بين يدي الله، ثم تسألون عن أعمالكم وتحاسبون، ثم تجزون عليها الجزاء الأوفى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
وصلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين اقتداء لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة؛ صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، اللهم وفقنا للتزود من الأعمال الصالحات، واجعلها خالصة لوجهك الكريم، وتقبل منا يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين، واجمعنا وإياهم ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين في جنات النعيم، ونجنا من نار الجحيم، اللهم نجنا من نار الجحيم، اللهم لا طاقة لنا بجهنم، اللهم لا صبر لنا على النار، اللهم رحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم واقض الدين عن المدينين من المسلمين يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1067
صفة الوضوء والغسل
الصلاة عمود الدين وثاني أركانه بعد الشهادتين، ولا يتم إسلام المرء إلا بتأديتها، وقد جعل الشارع الوضوء والغسل شرطاً لصحتها، وأمر الله تعالى عباده إذا أرادوا الصلاة أن يأتوا إليها متطهرين من الحدثين الأصغر والأكبر، وقد صح عن النبي ﷺ بيان الصفة الكاملة لهاتين الطهارتين كما في حديث عائشة وعثمان، وفيهما بيان فضيلة هذه الأمة بالغرة والتحجيل.
فالواجب علينا تعلم أحكام الشرع والتفقه في الدين.
стр. 1068
صفة الوضوء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل وهو الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿الطهور شطر الإيمان﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهديهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله ؛ وأطيعوا الله فيما أمركم به، وانتهوا عما ينهاكم عنه، فإنه ما أمر بشيءٍ إلا وفيه مصلحة ومنفعة، ولا نهى عن شيء إلا وفيه مضرة ومفسدة.
عباد الله: يقول الله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] هذا أمرٌ من الله لعبده المؤمن، إذا أراد أن يؤدي الصلاة التي فرض الله عليه، أو أراد أن يؤدي نافلة سنها له رسول الله ﷺ أن يقف بين يدي الله طاهراً متطهراً.
стр. 1069
الطهارة شرط لصحة الصلاة
والطهارة شرطٌ لصحة الصلاة، فمن صلَّى بغير وضوءٍ والماء عنده وهو قادرٌ على استعمال الماء وصلى بدون طهارة فصلاته باطلة لقول رسول الله ﷺ : ﴿لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ﴾ والحدث نوعان: حدث أكبر، وحدث أصغر.
فالأكبر: يرتفع بالغسل.
والأصغر: يرتفع بالوضوء.
стр. 1070
الفرق بين الوضوء والاستجمار
قبل أن نبدأ بصفة الوضوء، يجب علينا أن نفرق بين الوضوء والاستجمار.
أما الاستجمار: فهو: قطع الأذى بالحجارة أو بشيءٍ طاهر من الورق والخرق، أو هو غسل القبل والدبر، يعني: تنقيتهما من الغائط والبول، إما بالحجارة أو بالخرق أو بالأوراق النظيفة أو بالماء، أو يجمع بينهما وهو أفضل.
ثم بعد ذلك الوضوء؛ وبعض الناس يجمع بين الاستجمار والوضوء ويقول: أتجدد، ويريد بذلك الوضوء، والتجدد هو: إذا كنت على وضوء ثم أردت أن تجدد وضوءك وأنت على وضوء، وقد ورد في ذلك ترغيب.
هذا هو (الجدود) الذي نسمعه كثيراً من إخواننا، أما الوضوء فهو غسل الأطراف الأربعة والصلاة لا تصح بدونه.
стр. 1071
صفة الوضوء الكامل
وصفة الوضوء عند الحدث الأصغر هي كما وصفه عثمان بن عفان ﵁: فإنه دعا بالماء الذي يتوضأ به، فأفرغ على يديه من الإناء فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الإناء ثم تمضمض واستنشق واستنثر -أي: نثر الماء من فمه ومن خياشيمه- ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح رأسه مرة واحدة، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: ﴿رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلىَّ ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه﴾ حديث صحيح متفقٌ على صحته.
فهذا يسميه العلماء الوضوء الكامل؛ لأنه غسل كل عضو ثلاث مرات، أما الوضوء الواجب فهو أن يغسل كل عضو مرةً واحدة، يفرغ على يديه مرةً واحدة، ويتمضمض ويستنشق مرةً واحدة، ويغسل وجهه مرة واحدة ويديه إلى المرفقين مرة واحدة، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه مرة واحدة، هذا هو الوضوء الواجب أما الثنتين والثلاث فهو سنة، والزيادة على الثلاث بدعة وإسراف، إلا إذا أحتاج إلى إزالة نجس أو غيره حتى لو زاد على سبعٍ أو على خمسٍ فلا بأس.
عباد الله: اشتمل هذا الحديث الذي ذكره الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ على الصفة الكاملة لوضوء النبي ﷺ ، وعثمان ﵁ من حسن تعليمه وتفهيمه؛ ولأنهم تعلموا في مدرسة رسول الله ﷺ وحقٌ عليهم أن يبلغوا هذا العلم إلى الناس فهو ﵁ وصف وضوء النبي ﷺ بطريقٍ عملي؛ ليكون أبلغ تفهماً وأتم تصوراً في أذهان الحاضرين، فإنه ﵁ دعا بإناء فيه ماء وصب على يديه منه ثلاث مرات، وذلك قبل إدخالهما في الإناء؛ لأن الرسول ﷺ أخبرنا أن الإنسان لا يدري أين تبيت يده إذا نام، فأمرنا ﷺ إذا انتبهنا من النوم أن نغسل أيدينا ثلاث مرات قبل أن ندخلهما في الإناء، وكذلك أمر النبي ﷺ بالتسمية عند الوضوء يقول: (بسم الله) ومن ترك التسمية عناداً فلا وضوء له، أما إذا تركها ناسياً أو سهواً فلا إثم عليه ووضوؤه صحيح إن شاء الله، ثم بعد ذلك يأخذ ماء ويتمضمض ويستنشق ثلاث مرات، ثم يغسل وجهه ثلاث مرات، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم يمسح جميع رأسه مرة واحدة يدبر بيديه ويقبل بهما، ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاث مرات، هكذا صفة الوضوء الكامل.
стр. 1072
الغُرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة
وقد بشر النبي ﷺ أمته بأن الله يخصهم بعلامة فضلٍ وشرفٍ يوم القيامة من بين الأمم، حيث ينادون فيأتون على رءوس الخلائق تتلألأ وجوههم وأيديهم وأرجلهم بالنور، وذلك من آثار هذه العبادة العظيمة.
عباد الله: لا تفوتنا هذه البشارة التي بشر بها النبي ﷺ أمته بأن الله يخصهم بعلامة فضل وشرفٍ يوم القيامة من بين الأمم حيث ينادون فيأتون على رءوس الخلائق تتلألأ وجوههم وأيدهم وأرجلهم بالنور، وذلك من آثار الوضوء، هذه العبادة العظيمة وهي الوضوء الذي كرره على هذه الأعضاء الشريفة ابتغاء مرضاة الله وطلباً لثوابه، فكان جزاؤهم هذه المحمدة العظيمة الخاصة، ومصداق ذلك من قوله ﷺ في حديث صحيح ﴿إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل﴾.
عباد الله: احذروا أن تتركوا من أعضاء الوضوء شيئاً، فإنه ورد التحذير من رسول الله ﷺ فقال: ﴿ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار﴾ والأعقاب: هي العراقيب في مؤخرة الرِجل، والمراد بذلك أصحابها فإنهم المتوعدون بالويل، وكثيرٌ من الناس لا يبالون بذلك فلو وقفت عند دورة المياه لرأيت العجب العجاب من الكثير من الناس، وكأنهم لم يتربوا في البلاد الإسلامية، وكأنهم لم يطرق أسماعهم قول الله وقول رسوله؛ لابتعادهم عن حِلق الذِّكر، وابتعادهم عن مجالس العلم ويا للأسف الشديد!
عباد الله: المتوعد بالويل أصحاب الأعقاب من الناس؛ لأنهم لا يبالون في ذلك، فإنه يغسل اليدين ولا يصل الماء إلى المرفقين، وبعضهم يغسل الرجل ولا يغسل العراقيب، فليحذروا من هذا الوعيد ﴿ويلٌ للأعقاب من النار﴾.
стр. 1073
صفة الغسل الكامل
عباد الله: لقد سمعتم صفة الوضوء أما صفة الغسل من الحدث الأكبر مثل الجنابة للرجال والنساء، ومثل الحيض والنفاس للنساء، فعن عائشة ﵂ تصف لنا الغسل قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه﴾.
هكذا تصف أم المؤمنين عائشة ﵂ صفة الغسل من الجنابة، للمرأة والرجال، والمرأة كذلك إذا كان رأسها مظفر فلا يجب أن تنقضه، بل يكفيها أن ترويه من الماء وهذا هو الغسل الذي وصفته عائشة ﵂؛ لأنها كانت تغتسل هي ورسول الله ﷺ في إناء واحد.
وفي رواية ميمونة بنت الحارث ﵂: ﴿أن الرسول ﷺ إذا فرغ من الغسل تنحى فغسل رجليه﴾ أي: أبعد عن مكان الغسل وغسل رجليه لأنه كان متوضأ قبل الغسل ولم يبقِ إلا رجليه، هكذا الغسل يا عباد الله.
стр. 1074
الحذر من الإسراف بالماء في الطهارة
واحذروا -يا عباد الله- من الإسراف الذي وقع فيه الكثير من الناس، فقد كان الرسول ﷺ يتوضأ بالمُدِّ ويغتسل بالصاع، ونحن لا يكفينا إلا خزان كامل -والعياذ بالله- من الإسراف، والبعض من الناس يفتح الصنبور ويجلس تحته، وهذا إسرافٌ وتبذيرٌ من الشيطان، وقد ورد أن في آخر الزمان يأتي أناس يغالون في الوضوء -أي يسرفون- وقد ورد أن للوضوء شيطان اسمه: (الولهان) فكلما كان الإنسان مسرفاً في وضوئه، فإن الشيطان عنده والعياذ بالله يقول: إنك لم تبالغ في ذلك، ولم يصل الماء إلى ذلك ولمْ ولمْ، حتى ينتهي أجرك وأنت في دورة المياه، نعوذ بالله من شر الوسواس الخناس.
عباد الله! احذروا من الوسواس في الوضوء، احذروا من الإسراف، حذروا أهليكم، علموهم طريقة الوضوء.
стр. 1075
استحباب الدعاء عقب الوضوء
يا عباد الله: إذا انتهى المتوضأ وخرج من محل الوضوء ومن دورة المياه يسن له أن يستقبل القبلة، ويقول كما ورد في الحديث الذي رواه لنا عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعاً، قال: ﴿ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء﴾ حديث رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي، وزاد الترمذي أن يقول بعد هذا التشهد: ﴿اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين﴾.
وبعض الناس يقول: وهل للوضوء دعاء؟
نقوله له: اتقِ الله يا أخي! الدعاء عبادة، والعبادة لا تنبغي في دورة المياه، فلا تدعو وأنت في دورة المياه، وادعو الله وأنت واقف بين يديه خاشعاً متخشعاً، أما الوضوء فلم يذكر له إلا أن تقول: (بسم الله) عند بداية الوضوء، وتمسك عن الكلام حتى تخرج من دورة المياه، اللهم اجعلنا هداةً مهتدين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب، وأسأله بمنه وكرمه أن يرزقنا التفقه في الدين، اللهم ارزقنا التفقه في الدين، واجعلنا على منهج رسول الله سائرين، ولا تجعلنا من المبتدعين، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1076
شروط التيمم وصاحب الجبيرة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله واعرفوا ما أوجبه الله عليكم من أحكام دينكم، فإنه لا قوام للآخرة، بل ولا للدنيا إلا بالتمسك بدين الله والاقتداء برسول الله ﷺ .
البعض من الناس لبعدهم عن تعاليم الدين -نسأل الله العفو والعافية- تجده في الأسواق العامة، فإذا حان وقت الصلاة تيمم ودخل إلى المسجد وقال: هذا يكفيني، فمن أين له هذه الفتوى؟! ومن أين له هذا الوحي الشيطاني الذي جرأه على ذلك؟ والله لا تقبل له صلاة حتى يتوضأ، حتى حراج ابن القاسم إذا حان وقت الصلاة، وقال رجال الهيئة الصلاة، ضرب البعض الأرض بيده ومسح بهما وجهه ودخل المسجد، وهو في داخل البلد، والماء موجود ولا عذر له في ذلك، فأخبروا من رأيتم يفعل ذلك أن صلاته باطلة، وأن صلاته مردودة عليه.
فإنه لا يعدل إلى التيمم إلا إذا عدم الماء، وكيف يعدل إلى التيمم وهو في بلاد واسعة الأرجاء والماء موجودٌ ولله الحمد، وكذلك الذين يذهبون إلى الرحلات في البر، تجد الماء معهم كثير، ويعدلون إلى التيمم وهذا لا ينبغي، فلا يعدل إلى التيمم إلا من كان في حاجةٍ ماسة إلى الماء، أو كان الماء لا يكفيه إلا لطعامه وشرابه، أما إذا كان معه (وايت) من الماء ثم يعدل إلى التيمم وإذا انتهى من رحلته فتح الماء وأضاعه في الأرض، فهذا من التهاون في الدين وعدم المبالاة في أمر الله، فاحذروا -يا عباد الله- أن تتهاونوا في أمر الله فتسقطوا من عين الله، تعلموا أحكام دينكم، تفقهوا في دين الله، اقتربوا من حِلق الذكر، اقتربوا من مجالس العلماء، حتى تكونوا على بصيرة كما قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قيل وما رياض الجنة؟ قال: حِلق الذِّكر﴾.
أوجب الله عليكم الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، إذا أردتم القيام إلى الصلاة فمن أراد منكم أن يصلي فليتوضأ كما أمره الله، وصفة ذلك: أن ينوي، ثم يذكر اسم الله، ثم يغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات، ثم يغسل وجهه كله من منابت شعر الرأس إلى الذقن، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم يمسح رأسه كله من مقدمه إلى قفاه، ومنه الأذنان، ثم يغسل رجليه ثلاثاً مع الكعبين -انتبهوا إلى هذه العبارة - ومن كان لديه في عضوٌ من أعضاء الوضوء جرح يضره الغسل فلا يغسله، فإن وضع عليه رباطٌ أو غيره فيجب أن يكون بقدر الحاجة لا يتعدى موضع الجرح، ثم يمسح على المحل المربوط عند الوضوء، ولا يحتاج إلى تيمم بعد ذلك.
اللهم ارزقنا التفقه في ديننا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعلنا هداةً مهتدين.
عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين آجلاً غير عاجل، اللهم يا واحدٌ أحد! يا فرد يا صمد! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء! حسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم انصر من نصر الإسلام، اللهم انصر من نصر الإسلام، في كل مكان يا رب العالمين! اللهم انصر من نصر الإسلام في كل مكان واجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءً عافية، ويسر أمره حيث ما كان يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم وفقهم إلى الجلساء الصالحين الناصحين الذين يذكِّرونهم إذا نسوا ويعينونهم إذا ذكروا.
اللهم أصلحنا وأصلح لنا، وأصلح بنا واجعلنا هداةً مهتدين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعينٌ لنا يا رب العالمين.
اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في مستقر رحمتك يا رب العالمين! وأظلنا تحت ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم اسقنا من حوض نبيك ﷺ شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1077
عاقبة الزنا
إن الله اختار هذه الأمة واصطفاها لتكون تابعة للمصطفى ﷺ ، وجعلها أمة وسطاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لكن قد أخبر المصطفى أنها في آخر الزمان ستترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وستنتشر على إثر ذلك المنكرات ويعم الفساد.
ومن أعظم ما عم في زماننا هذا: الزنا ومقدماته ودواعيه، وقد تطرق الشيخ في هذا الدرس لهذا المنكر العظيم، وذكر أسباب انتشاره، وآثاره السلبية على الأمة جميعاً، وذكر حرمته من الكتاب والسنة.
стр. 1078
التحذير من الزنا
الحمد لله الذي أحل الحلال، وأمر به في محكم البيان، وحرم الحرام وصوره في أبشع صوره؛ حتى ينتهي عنه أولو العقول والأفهام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفعل ما يشاء ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله، المتمم لمكارم الأخلاق، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه على التمام وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله ، واعلموا أن من واجب كل مؤمن أن يسعى دائماً في تقوية إيمانه, وبأي شيء يسعى في تقوية إيمانه؟
يقوي عمله بعمل الطاعات، واجتناب المعاصي والسيئات، فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
عباد الله! لقد جاء القرآن مصرحاً، وبأسلوب في غاية الشدّة، وبعبارة تقشعر منها جلود الذين يخشون ربهم ويخافون عذابه الأليم، محذراً من الزنا ومقدماته, ومعللاً ذلك ومخبراً بأنه عملٌ إجراميٌ فاحش في غاية القبح والفحش والشناعة، فقال جلَّ وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ويشمل هذا الإنذار فعل الفاحشة الشنعاء حقيقة.
стр. 1079
التحذير من مقدمات الزنا
أمة الإسلام! لقد جاءت الشريعة الإسلامية محذرةٌ أشد تحذير من الزنا ومقدماته، ومن مقدمات الزنا: مغازلة النساء والتعرض لهن بالطرقات والخلوة بهن بدون محرم، وإن كانت خادمة، أو مربية.
أمة الإسلام: لقد جاءت الشريعة الغراء بتحريم لمس المرأة ممن لا تحل له, كذلك حرمت النظر إلى من ليست له بمحرم وبالعكس.
وكذلك حرمت الشريعة الإسلامية استماع ما فيه فتنة، ويشمل ذلك تليين الكلام من المرأة، وكذلك يحرم استماع الأغاني التي تدعو إلى الافتتان بالنساء، وقد جاء في الأثر: [[الغناء بريد الزنا]] وورد في الأثر أيضاً: [[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل]] كل هذا من مقدمات الزنا، زيادةً على ذلك: التبرج، وهو: خروج المرأة متعطرة ومتجملة بأحسن الملابس، تتجول في أسواق المسلمين بدون وازع ولا رادع.
стр. 1080
حكم الله في الزناة
ولقد ورد حكم الله في من اقترف الزنا إذا كان أعزب؛ فإنه يجلد مائة جلدة، ويُغرَّب عام، هذا شاملٌ في الرجل والمرأة إذا لم يكونا متزوجين، أما إذا كانا متزوجين ولو في العمر مرة، فإن الشريعة الإسلامية أمرت برجمهما بالحجارة حتى يموتا، وهكذا جاءت السنة النبوية عن نبينا ﷺ أنه قال: ﴿فإن لم يستوف فالقصاص منهما في الدنيا، وما جاء من غير توبة، فإنهما يعذبان في النار بسياطٍ من نار﴾.
ثبت عن رسولكم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى أنه قال: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن﴾ وقال -أيضاً٠ ﷺ : ﴿من زنا أو شرب الخمر، نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه﴾ ويقول ﷺ : ﴿ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم، وذكر منهم: شيخٌ زان﴾ أي: شيخُ كبيرٌ في السن، نسأل الله حسن الخاتمة.
وفي صحيح البخاري من حديث سمرة بن جندب ﵁ وأرضاه، وفيه: أنه ﷺ جاءه جبريل وميكائيل، قال: ﴿فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع, فيه لغطٌ وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراة، فإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب، ضوضوا - أي: صاحوا من شدة حره- فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني -أي: من الرجال والنساء- فهذا عذابهم إلى يوم القيامة﴾.
قال عطاء ﵀ في تفسير قوله الله تعالى عن جهنم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر:٤٤] قال: [[أشد تلك الأبواب غماً وحراً وبرداً وأنتنها ريحاً للزناة, الذين ارتكبوا الزنا بعد العلم]]-أي: بعد العلم بتحريمه- وجاء عن نبيكم ﷺ ، قال: ﴿يا معشر المسلمين! اتقوا الزنا؛ فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة، فأما التي في الدنيا: فذهاب بهاء الوجه، وقصر العمر، ودوام الفقر﴾ كيف لا! إنه لا ينطق عن الهوى، ودوام الفقر الأربعين الألف، والثلاثين الألف، والستين الألف، ليس لها واقفٌ في فرنسا، ولندن، وفي غيرها من دول أوروبا الفاسدة! إنها تذهب هباءً منثوراً، ولذلك يخبرنا ﷺ : ﴿وأما التي في الآخرة: فسخط الله ﵎، وسوء الحساب، والعذاب بالنار﴾ هكذا يحذرنا رسول الله ﷺ عن عاقبة الزنا ينادي: ﴿يا معشر المسلمين! اتقوا الزنا, فإن فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة، فأما التي في الدنيا: فذهاب بهاء الوجه، وقصر العمر، ودوام الفقر، وأما التي في الآخرة: فسخط الله ﵎، وسوء الحساب، والعذاب بالنار﴾.
ويقول ﷺ : ﴿ما من ذنبٍ بعد الشرك بالله أعظم عند الله من نطفةٍ وضعها رجل في فرج لا يحل له﴾ وورد أيضاً: ﴿أن من وضع يده على امرأة لا تحل له بشهوة، جاء يوم القيامة مغلولةً يده إلى عنقه﴾.
فيا عباد الله! هذه العناية بقطع الطرق والأسباب التي قد توقع في الزنا رحمةً بالإنسانية، وحفظاً للمجتمعات والأفراد من مغبة الزنا ووخامته وشر عقباه.
في الزنا من الأمراض الخلقية والاجتماعية والصحية والأضرار ما يكفي أقلها لتحريمه, والابتعاد عنه, إذ أنه مدعاةٌ لضياع الأنساب واشتباهها، فربما أدَّى- عياذاً بالله- إلى أن يتزوج الرجل بذات محرمٍ له في باطن الأمر.
стр. 1081
آثار الزنا السلبية على الفرد والمجتمع
والزنا مدعاة لغرس الأحقاد، والتباغض، والتنازع، وسفك الدماء، ومدعاة لاختلال نظام الأسرة، ولا سيما بين الزوجين الذين أراد الله منهما أن يتعاشرا بالحسنى والمعروف.
الزنا مدعاةٌ لهتك الأعراض، وتلويث الأسر، وفساد النساء.
الزنا مدعاةٌ لخلط الأمراض المستعصية المتنوعة، فكم من مروءةٍ وفضيلة دفنها، وعفافٍ واحتشامٍ قضى عليه الزنا, لذا فغيره جاءت الحكمة الإلهية بتحريمه -كما تقدم- ومحاربته بالشرائع السماوية منذ القدم.
لقد جعلت شرائع لمرتكبيه أقسى العقوبات الدنيوية من قتل وجلد وتشريد بحسب الزاني من إحصانٍ وغيره، كما أن الشريعة الإسلامية توعدت الزناة بألوان العذاب المضاعف في الآخرة، فقال جلَّ وعلا بعد أن ذكر معاصي آخرها الزنا، قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]-لا إله إلا الله رحمة ربنا واسعة، أرحم الراحمين اللطيف بعباده يستثني- ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٧٠].
стр. 1082
دعوة إلى التوبة وغض البصر
اتقوا الله -أيها المسلمون- وابتعدوا عن هذه الجريمة العظمى، واحذروا من مقارفة الزنا، فإنه عارٌ في الدنيا، ونارٌ في الآخرة، احذروا فإن لكم عواطف ومحارم، يروى في الأثر: [[عفوا تعف نساءكم]] ولا عجب فإن الجزاء من جنس العمل! ربما يزني في أوروبا ويُزنى بزوجته في بلاده، ربما يزني في أوروبا ويزنى ببناته في بلاده، ربما يزني بالخادمة بعرض الطريق، ويزني بابنته المتحصنة بين الجدران، ربما يزني بالخادمة وقد وضع الستار في السيارة أمام أعين الخلق، وابن الجيران يزني بابنته وتحصنه الجدر في فراشه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
يا عباد الله! لعل من يخفى عليه هذا الوعيد الشديد، والتهديد الأكيد أن يقلع عن هذه المعصية، ويتوب إلى الله ، ويرجع ويندم على ما فات، فإن الله يتوب على من تاب، وباب التوبة مفتوح، والتوبة تجبُّ ما قبلها و ﴿التائب من الذنب كمن لا ذنب له﴾.
اللهم إنا نسألك توبةً نصوحاً, تُطِّهر بها قلوبنا، وتمحِّص بها ذنوبنا، اللهم اغفر ذنوبنا, وطهِّر قلوبنا, وحصّن فروجنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1083
أسباب الزنا ودواعيه
الحمد لله وكفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله وأطيعوه, واحذروا أسباب سخطه, فإن الله يغار على محارمه: ومن محارمه أن يزني العبد أو تزني الأمة، وكلنا -عباد الله- يعلم بشاعة هذه الفاحشة، ولا يرضاها لأهله ولا لمحارمه، فعلينا -جميعاً- بمحاربة هذه الجرثومة الفتَّاكة، والداء الخطير، الذي ما حدث في شعب من الشعوب إلا دهورها ورداها إلى الهاوية.
عباد الله! إن من أسباب الزنا ودواعيه: تبرج النساء في الأسواق، وخروجهن متعطرات فاتنات مفتونات.
وكذلك اختلاط الرجال بالنساء من غير محرم.
ومن أسباب الزنا ودواعيه، الخلوة بالنساء، فالرسول ﷺ يُحذِّر أصحابه من الخلوة بالنساء، وهم أنظف منا قلوباً، وأتقى لله، أما نحن، فنقول: قلوبنا نظيفة، والله إنها ليست بأنظف من قلب رسول الله، ولا من قلوب صحابة رسول الله، كيف بنا نقف أمام الناصح ونقول: قلوبنا نظيفة؟ ألا نتقي الله ونبتعد عن العادات الفاسدة التي تؤدي بنا إلى الشر والعار والفساد وهذا الوعيد الشديد؟ إن الزناة معلقون بفروجهم في النار يُضربون بسياطٍ من حديد، فإذا استغاث من الضرب، نادته الزبانية: أين كان هذا الصوت وأنت تضحك وتفرح وتمرح؟ أين هذا الصوت؟ ألا تراقب الله وتستحي منه.
فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] وصلوا على رسول الله كما أمركم الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا, واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم زلزل أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمّر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمّر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك، اللهم مزّقهم كل ممزق، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم حبّب إليهم الحكم بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، اللهم اهدهم لتطبيق الشريعة بحذافيرها، اللهم اهدهم لتطبيق الشرعية بحذافيرها، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا وإياهم اجتنابه يا رب العالمين.
اللهم تُب على التائبين، واغفر ذنوب المذنبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين يا رب العالمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط وسوء الفتن ما ظهر منا وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن جميع بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1084
عَدَاوَتهم لنا قديمة
منذ أن أرسل الله رسوله محمداً ﷺ وُجِد له من يعاديه ويعادي دعوته، وما نعيشه نحن الآن من عداء من الكفر وأهله إنما هو امتداد لذلك العداء القديم المستمر إلى أن ينتصر الحق وأهلُه.
وقد تحدث الشيخ عن هذا العداء في القديم وضرب له أمثلة في السابق من صحابة رسول الله ﷺ وما لاقوه من عذاب.
ومن أساليبهم الحديثة في عداوتنا اكتساحهم لمجتمعاتنا بالمخدرات والمسكرات والمجلات الخليعة والأفلام الماجنة.
стр. 1085
من مميزات دين الإسلام
فيا أيها الإخوة في الله! اتقوا الله ، وأكثروا من حمد الله وشكره على أن أنعم عليكم بنعمة الإسلام، إن نعمة الإسلام نعمةٌ كبيرة، أخرجنا الله بها من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضيق إلى السعة، ومن الجور إلى العدل، ومن أحكام الطواغيت من الكهان والسحرة والمشعوذين إلى أحكام القرآن والسنة، ومن الجفاء والغلظة إلى الحلم والرحمة، ومن عبادة المخلوق والجمادات إلى عبادة الواحد القهار.
فأنعِم به من دينٍ يدعو إلى كل خير، ويُحذِّر من كل شر، دين يدعو إلى التراحم والتودد والتعاطف، يدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وينهى عن مساوئ الأخلاق وسفاسفها، دينٌ حث على أداء الأمانة، ونهى عن الخيانة، حث على الصدق، ونهى عن الكذب والغش والخداع، دينٌ أمر بحفظ الجوار، وإكرام الضيف، وإغاثة الملهوث، دينٌ أمر بإنظار المعسر والتيسير عليه حتى لا ينتشر الربا، ووعد أن من يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، دين التكافل والتضامن، دين من أوعاده الجميلة أن من نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة.
ومن توجيهاته السامية: أنه حث على طلب العلم الشرعي الذي فيه حياة القلوب، الذي هو ميراث الأنبياء والمرسلين، فقال ﷺ : ﴿ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ دين يوجه الأمة ويذكرها الحال التي مضت، وما فيها من الشقاء والبؤس والعناء والتردي والانحطاط والتفرق والشتات وعبادة الأوثان والأصنام.
فإذا ذكروا تلك الحال، ازدادوا تمسكاً بهذا الدين وحباً له؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
نعم، هذا دين الإسلام الذي ختم الله به جميع الأديان، وأَتَمَّ به النعمة على الأمة الإسلامية، حيث قال جلَّ من قائلٍ عليماً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فهنيئاً للأمة الإسلامية بهذا الدين الذي لا يقبل الله يوم القيامة ديناً سواه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
стр. 1086
دور الشباب في بناء الإسلام
فيا أمة الإسلام! ويا أمة التوحيد! ويا خير أمة أخرجت للناس! اعرفوا قدر هذا الدين، وخاصةً شباب الإسلام، فإن رسول الله ﷺ حَرِصَ كل الحرصِ على تكوين الشباب وإعدادهم لحمل المسئولية، وتهيئتهم لأداء الأمانة، وحثهم على اغتنام الفرص، فقال ﷺ : ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك﴾ فإذا اغتنم هذه الخمس في هذا التوجيه النبوي، سهَّل عليه الجواب عند السؤال، ما هو هذا السؤال؟ إنه كما قال ﷺ : ﴿يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به﴾ فإذا أخذ الشباب بهذه التوجيهات النبوية، وبهذه الإرشادات، يتكون المؤمن -وخاصةً الشباب- التكوين الذي يتحمل معه المسئولية ويقدر على حمل الأمانة وأداء المسئولية، ثابتاً راسخاً مؤمناً مجاهداً، فلا يستكين، ولا يضعف، ولا يتقهقر، ولا يميل مع رياح الفتنة، ولا يستسلم لإغراء الفساد، وخاصةً في هذه الأزمنة، ولعلَّ هذه الأزمنة هي التي قال فيها رسول الله ﷺ : ﴿بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويسمي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا﴾.
هذه الأزمنة التي كثرت فيها الدعوات إلى المخططات الشريرة الحنقة الحاقدة على الإسلام وأهله، إنها المخططات الصهيونية والماسونية والصليبية والشيوعية والنصرانية والاستعمار، وكل هذه الأسماء توجد في هذه المجلات التي تنشر في أسواق المسلمين، وتباع مع المواد الغذائية في البقالات وغيرها.
ولا شك ولا ريب يا أمة الإسلام! أن هذه المخططات كلها تستهدف إفساد الأمة الإسلامية عن طريق الخمر، والمخدرات، والمسكرات التي ذهب ضحيتها أناسٌ كثيرٌ، وكذلك الجنس، من انتشار الزنا واللواط وإطلاق عنان الغرائز والشهوات، وما يكمن في الأفلام والمسرحيات، والأغاني الماجنات، وما يبث في المجلات كلها -والله ثم والله- تستهدف إفساد الأمة الإسلامية والسيطرة على بلاد الإسلام، وصرف الشباب المسلم عن مهام أمور دينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وما حل بـ الأندلس ما حل؛ إلا لما دخل عليها النصارى واستعبدوا أهلها وباعوا المسلمين بالحبال في الأسواق.
يا شباب الإسلام! الحذر الحذر من أعداء الإسلام، فعداوتهم قديمة وليست حديثة، فهذا إمام المرسلين وخاتم النبيين محمد ﷺ كم لقي في سبيل الدعوة إلى الله من أذىً وأساليب متباينة؛ كل هذا ليثنوا من عزمه ﷺ ، ويصدوه عن أداء رسالته، فما ضعف وما استكان، بل بقي ﷺ يكافح ويناضل في سبيل الله، ويجاهد لإعلاء كلمة الله، وصبر على الأذى وعلى المؤامرات التي حيكت له حتى حبس في الشعب ثلاث سنوات ﷺ ، وما ثنى عزمه ذلك، رجم بالحجارة حتى سالت كعبيه وما ثنى عزمه ذلك، كسرت رباعيته، وشج رأسه، وما ثنى عزمه ذلك عن الدعوة إلى الله.
فصلوات الله وسلامه عليه، جاهد في الله حق جهاده، حتى جاء نصر الله والفتح، وقامت دولة الإسلام عزيزة كريمة، فما مضت الأيام والليالي إلا وقد تخرَّج من مدرسة رسول الله ﷺ شباباً يُحبِّون التفاني، ويبذلون الجهد حتى بلغ هذا الدين مبلغه، فرسول الله ﷺ حينما أُوحي إليه بتبليغ الرسالة كان في سن الأربعين صلوات الله وسلامه عليه، وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه أصغر من النبي ﷺ بثلاث سنوات.
وكان عمر بن الخطاب الفاروق ﵁ وأرضاه عمره حين أسلم سبعاً وعشرين عاماً، وعثمان ﵁ وأرضاه كان أصغر من رسول الله ﷺ ، وعلي ﵁ وأرضاه كان أصغر من الجميع، وهكذا بقية الصحابة ﵃ كانوا شباباً مثل: عبد الله بن مسعود، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وبلال بن رباح، ومصعب بن عمير، وكثيرٌ وكثير من أولئك الشباب الذين حقق الله على أيديهم النصر؛ ففتحوا الفتوحات، ومصَّروا الأمصار أولئك الشباب، فطريقهم واضح يا شباب الإسلام! يا من هجرتم بيت الله! يا من ودعتم المساجد؛ إلا القليل.
أسأل الله الذي رد القليل أن يرد الكثير إنه على ذلك قادر.
стр. 1087
نماذج ممن أقاموا الإسلام
يا شباب الإسلام! انهجوا نهج السلف الصالح، فإن طريقهم واضح كما أخبر الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] متأسين برسول الله ﷺ ؛ امتثالاً لأمر الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فهنيئاً لأولئك الذين مدحهم الله في محكم البيان: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢].
فيا شباب الإسلام! ارجعوا إلى سيرة السلف الصالح، لتجدوا فيها العزة والشرف وهم الذين أعدوا للصبر والابتلاء والثبات على المبدأ نفوساً مؤمنةً صامدة، لا تجزع أمام أحداث الليالي، ولا تتزعزع أمام نوازل الأيام.
стр. 1088
صمود بلال بن رباح أمام التعذيب
هذا بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ كم لقي في سبيل الدعوة من أصناف العذاب والبلاء! فكلما اشتدت عليه وطأة الألم، ونزلت به المحن، ووضعت على بطنه الحجارة الثقيلة في وهج الظهيرة المحرق، ازداد إيماناً وتَثَبُتاً، ونادى من الأعماق: [[أحدٌ أحد فردٌ صمد]] الله أكبر يا شباب الإسلام! ولكن بعضها في هذه الأزمنة بمجرد سماعه الكلمة يقول: أنت موسوس، أو متزمت، أو رجعي، ينبذ الإسلام ويعاديه وأهله.
стр. 1089
ابتلاء وصبر أسرة آل ياسر
الله أكبر يا شباب الإسلام! إليكم هذا النموذج أيضاً، هذا عمار وأمه سمية وأبوه ياسر ﵃، تحملوا في سبيل إسلامهم ما لم يتحمله إنسان، وما إن علم بنو مخزوم بإسلامهم حتى انقضوا عليهم يذيقونهم أشدَّ العذاب؛ ليفتنوهم عن دينهم، ويرجعوهم كفاراً بعد أن هداهم الله إلى الإسلام، وفي بطحاء مكة حيث ترسل الشمس بحرارتها الملتهبة، يُقضى على ياسر أياماً في عذاب مقيم، ويمر عليهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون وسمع ياسراً وهو يئن في قيوده وهو يقول له: الدهر هكذا يا رسول الله، الدهر هكذا يا رسول الله، فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء ونادى: ﴿أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة﴾ فعندما سمع آل ياسر النداء، هدأت نفوسهم، وسكنت قلوبهم.
لقد استُشهِدَت سمية ﵂ على إثر طعنةٍ من فرعون هذه الأمة أبي جهل لعنه الله، وكانت أول شهيدةً في الإسلام، ثم تبعها ياسر وكان أول من استشهد من الرجال، وبقي عمار ﵁ وأرضاه يغالب العذاب ويصابر الألم حتى بلغ به الجهد مبلغه.
الله أكبر يا أمة الإسلام! الله أكبر يا شباب الإسلام! أين الاقتداء؟! أين الاهتداء؟! أين النهوض؟! أين التشمير إلى تلك السير الحميدة؟!
أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يوفقنا جميعاً للاقتداء برسول الله ﷺ ، والاهتداء بهديه، إنه على كل شيء قدير، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1090
مصعب بن عمير يترك نعيم الدنيا
الحمد لله معزِّ من أطاعه واتقاه، ومذلِّ من خالف أمره وعصاه، الناصر لمن ينصره من أهل طاعته وأوليائه -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- لك الحمد يا ربنا كما تُحب وترضى، وشكراً لك على صوابغ نعمك وآلاءك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً.
وأشهد أن محمداًَ رسول الله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين ويا أجود الأجودين.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله ، لقد سمعتم من أخبار السلف الصالح وإليكم هذا الخبر نكمل به ما تقدم، هذا مصعب بن عمير ﵁، أسلم مع الأوائل في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه، وهو شاب في عنفوان الشباب، ولما كشفوا أمره وأخذوه؛ حبسوه وعذبوه، فلم يزل محبوساً معذباً حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، وهاجر مع من هاجر إلى المدينة، بل بعثه رسول الله ﷺ معلماً للأنصار يعلمهم القرآن، ويعلمهم الدين، وفي غزوةٍ من الغزوات قُتل هذا الشاب ﵁ وأرضاه، خرَّ صريعاً شهيداً.
وكان في مكة مدللاً عند والديه، يلبس أحسن الثياب، ويتطيب بأحسن الطيب، ولكنه ترك زينة الحياة الدنيا، وأقبل على الله ﵁ وأرضاه، ولما قتل، لم يجدوا شيئاً يكفنونه فيه سوى بردة، فكانوا إذا وضعوها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعوها على رجليه خرج رأسه، فقال لهم رسول الله ﷺ : ﴿اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر﴾ ثم يقف رسول الله ﷺ على هذا الشاب وهو مقتولٌ مسجىً في بردته، فيقول والدموع تنزل من عينيه: ﴿لقد رأيتك بـ مكة وما بها أحدٌ أرَقَّ حُلةً، ولا أحسن لمةً منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة، وقرأ عليه ﷺ عليه هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]﴾.
إنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها أعمالاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ .
فاقتدوا بهم يا أمة الإسلام، وأكثروا من ذكرهم في المجالس، كم تتلى هذه الآيات! " رجال" يمدحهم الله في محكم البيان، فأنتم لا تنسوهم في مجالسكم، أكثروا من ذكرهم، وعلموا أولادكم أولئك الرجال.
следующие страницы →