Полный текст (1 664 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الإسلام سبب للسعادة والفلاح
الحمد لله الذي نسخ بالإسلام جميع الأديان، وميزه بالخلود والصلاح لكل زمان ومكان، أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك المنان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي جاء بالنور الصادع والبرهان، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وتمسكوا بتعاليم الدين، فإن سعادتكم في أن تكونوا به عاملين، وشقاؤكم في أن تكونوا عنه منحرفين.
أمة الإسلام: الله الله في التمسك بدين الإسلام، فخليق بكل من له نسبة من عقل أن يعيش في كنف الدين، ويلقي بنفسه بين أحضان هذا الدين، فهو الدين الكامل دين العدالة والمساواة دين من استضاء به اهتدى، ومن تمسك به نجا، ومن عض عليه وصل إلى الدرجات العلا دين من اعتز به فقد عزه، ومن ابتغى العزة من غيره فقد ضل سواء السبيل دين أساسه التوحيد (لا إله إلا الله) وروحه الإخلاص، وشعاره التسامح والإحسان دين ضمن لمعتنقيه السيادة والسيطرة والكرامة دين قام به سلفنا الصالح منذ أن طلع فجر محمد بن عبد الله، وقام به خلفاؤه وأتباعه، وكان لهم ما كان من عز وطيد، ومجد مشيد، وكلمة نافذة؛ فأصبحوا ملوك الدنيا بعد أن كانوا أمة مبعثرة مغلوبة على أمرها ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
دين لا تطلب السعادة إلا وجدت فيه، ولا خير إلا وجد فيه، ولا يكشف عن مخبوء في الكون إلا وجد فيه دين شرع لنا من العبادات والمعاملات ما يهدم النفوس، ويبعث فيها روح التعاون والإخاء إن نحن تمسكنا بدين الإسلام.
أمة الإسلام: والله ثم والله لا دين إلا دين الإسلام، كما قرره ربنا في محكم الكتاب فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] فلا يهودية، ولا نصرانية، ولا مجوسية، ولا وثنية كلها محاها الإسلام، وسوف يظل الإسلام على رغم أنوف أعداء الإسلام، اللهم ارزقنا التمسك بدين الإسلام.
عباد الله: اعلموا أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار وعليكم بجماعة الإسلام والمسلمين، فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذَّ عنه أو ابتغى العزة من غير دين الله وعن نهج رسول الله وعن نهج سلفنا الصالح فقد شذَّ في النار، واعلموا أنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
وصلوا على من أرشدنا إلى نور الهداية، ومن أنار الله به قلوب المسلمين بالإيمان صلوا على سيد البشر محمد بن عبد الله الذي أخرجكم الله بدينه من الظلمات إلى النور، صلوا على من بعثه الله بالحنيفية السمحة، كما صلى الله عليه وملائكته ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد ما أظلم الليل وما أضاء النهار، وما طلعت شمس وما غابت، وما طلع قمر ونجم وأفل، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وزده صلاة وسلاماً إلى قيام الأبدان من القبور، واجعلنا من الواردين على حوضه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم ارضَ عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا رب العالمين، وارزقنا الاقتداء بهم.
اللهم املأ قلوبنا بالإخلاص حتى لا تضرنا شعارات رفعها الدعاة المدعون لأعداء الإسلام، ممثلون وغيرهم، اللهم اكفنا واكف المسلمين شرهم يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها اللهم دمر أعداء الدين اللهم دمر أعداء الدين اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك ومزقهم كل ممزق اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين اللهم انصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أغثنا بعز الإسلام والمسلمين يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين اللهم أصلح أولادنا ونساءنا اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط ومضلات الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن وعن جميع بلاد المسلمين يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم إنا نسألك أنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ أن تملأ قلوبنا من محبتك ومن خشيتك ومن معرفتك، ومن الأنس بقربك، واملأها حكمة وعلماً، اللهم املأ قلوبنا من الإيمان.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 982
حادثة الإفك
المنافقون خطرهم على الإسلام أكبر من خطر اليهود والنصارى، ولقد بلغ جرمهم ووقاحتهم أنهم اتهموا زوج النبي ﷺ العفيفة الطاهرة بما يصان اللسان عن التحدث به.
وعائشة ﵂ في هذه الخطبة تحكي قصتها بنفسها، وكيف هجرها رسول الله ﷺ ، وكيف كان نزول براءتها من السماء في قرآن يتلى إلى يوم القيامة؛ فلذلك وجب الحذر من النفاق والمنافقين.
стр. 983
المنافقون وخطرهم على الإسلام
الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله واحذروا من عقابه.
عباد الله: أحبوا رسول الله ﷺ من صميم قلوبكم, فإن الله أخرجكم بدعوته من الظلمات إلى النور, فكم لاقى في سبيل دعوته من المعارضات والمنازعات من قبل خصومه من المشركين والمنافقين وأضرابهم, فلقد شجوا رسول الله ﷺ وكسروا رباعيته, وتآمروا على قتله ورموه بالحجارة حتى سال الدم من عقبيه, ويأتيه ملك الجبال بأمر الله القوي العزيز الحميد بهلاك أولئك, وهو أن يطبق عليهم الجبال, ويدمرهم تدميراً عن بكرة أبيهم, ولكن ماذا يقول الرءوف بأمته ﷺ ؟ يقول: ﴿لا.
لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً﴾.
هكذا يصمد رسول الله ﷺ أمام تحديات المشركين، حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة , ولكن أعداء الرسالة المحمدية أصناف متعددة, وتبين منهم في المدينة المنافقون الذين يضمرون الكفر ويعلنون الإسلام.
ولكن القرآن فضحهم وبين عداوتهم لله ولرسوله في آيات تتلى؛ ليكون ذلك درساً وعبرة للأمة, لتعرف فيه خطر النفاق والمنافقين وضررهم على الأمة الإسلامية؛ فيحذروهم لا كثرهم الله ولا حياهم ولا بياهم, وزلزلهم الله وأخرجهم عن ديار المسلمين.
стр. 984
حادثة الإفك
نعم! أمة الإسلام! نعم يا أمة القرآن-وأنتم ترتلون كلام الله ، وتقرءون سنة المصطفى ﷺ ، مرّ بكم حادث عظيم حدث في الإسلام, حادث بشع يتناول بيت النبوة الطاهر، وعرض رسول الله ﷺ , أكرم إنسان على الله ، وعرض صديقه الأول أبي بكر الصديق ﵁, وهو أكرم إنسان على رسول الله ﷺ ، وعرض رجل من خيرة الصحابة ﵃ صفوان بن المعطل الذي يشهد له رسول الله ﷺ بأنه لم يعرف عليه إلا خيراً.
إن هذا الحادث حادث الإفك قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية آلاماً لا تطاق, وزرع في بعض النفوس الشك والريبة والقلق، وحدث لرسول الله ﷺ ولـ عائشة ﵂ وصفوان ﵁ ما لا يطاق من الألم والهم, حتى نزل القرآن ببراءة زوج الرسول الطاهرة العفيفة عائشة أم المؤمنين ﵂, وببراءة ذلك المؤمن المجاهد صفوان , وإدانة أهل النفاق وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول بالتآمر على بيت النبوة، وترويج الدعايات المغرضة ضد صاحب الرسالة عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم، واختلاق الإفك والبهتان ضد المحصنات الغافلات المؤمنات.
стр. 985
قصة حادثة الإفك ترويها عائشة
تقول عائشة أم المؤمنين ﵂، وهي الصديقة بنت الصديق: ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه, فأقرع بيننا في غزوة غزاها, فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب, فأُحمل في الهودج وأُنزل فيه, فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقد دنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقدٌ لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت ألتمس عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه, وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام, فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن, فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس به منهم داع ولا مجيب, فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سوف يفقدوني فيرجعون إليّ, فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ من وراء الجيش؛ فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني, وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فخمرت وجهي بجلبابي, ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه إنا لله وإنا إليه راجعون! وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول فهلك فيّ من هلك، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً -أي: مرضت شهراً- والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك, وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي, إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف, فذلك يريبني ولا أشعر بالشر, حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا, وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا﴾.
стр. 986
عائشة لا تعرف الخبر إلا بعد شهر
﴿قالت ﵂: فانطلقت أنا وأم مسطح فأقبلت قبل بيتي حين فرغنا من شأننا, فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلتِ! أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ أي هنتاه , أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك, فازددت مرضاً على مرضي, فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي، وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما, فأذن لي رسول الله ﷺ فقلت لأمي: يا أمتاه! ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية! هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثّرن عليها, فقلت: سبحان الله! أو لقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم, ثم أصبحت أبكي.
قالت ﵂: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله, فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه, فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيراًَ, وأما علي فقال: يا رسول الله! لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك الخبر, قالت: فدعا رسول الله ﷺ الجارية بريرة , فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمراً قط أغمصه، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.
فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول وهو على المنبر, وقال: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي, والله ما علمت على أهلي إلا خيراً, ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً, وما يدخل على أهلي إلا معي, فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل, فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه, وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك, فقام رجل من الخزرج وهو سعد بن عبادة وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية، فقال لـ سعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل, فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد , فقال لـ سعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر -هكذا يدس المنافقون على الإسلام والمسلمين, حتى يفرقوا جمعهم ويشتتوهم ويجعلوهم شذر مذر, ولكن رحمة أرحم الراحمين- فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا, وتقول عائشة ﵂: فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً, حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي.
﴾.
стр. 987
النبي ﷺ يسأل عائشة عن الخبر
قالت ﵂: ﴿فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي, فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ , ودخل الفرج والفتح القريب من رب العالمين, فسلم ثم جلس تقول: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها, وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء, فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: أما بعد: يا عائشة! إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله, وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه, قالت: فما أن قضى رسول الله ﷺ مقالته، حتى قلص دمعي حتى ما أحس منه بقطرة, فقلت لأبي: يا أبي! أجب رسول الله ﷺ عني فيما قال, فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ , فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال؟ قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ , فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ القرآن كثيراً: إنكم والله لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به, فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني, وإن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم أني منه بريئة- لتصدقنيّ، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم حينئذ أني بريئة, وأن الله مظهر براءتي.
﴾
стр. 988
براءة عائشة من فوق سبع سماوات
وتقول: ﴿ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر, ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا فيبرءني الله بها, فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه ﷺ , فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان, وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه, فسري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة! أما الله فقد برأك، فقالت لي أمي: قومي إليه, فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله ، وأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١]﴾ عشر آيات
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 989
احذروا المنافقين
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله الصادق في وعده، القائل جل وعلا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله! لقد تبين لكم من خلال هذه القصة العجيبة, خطر النفاق والمنافقين، وتآمرهم على الإسلام والمسلمين, وكيدهم لصاحب الرسالة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه, حيث استهدفوا عرضه الشريف وكرامته ﷺ , وأرادوا أن يلوثوا سمعته الطاهرة بالطعن في عفاف زوجه الصديقة عائشة ﵂.
ولكن الله جل ثناؤه كشف خبثهم وتآمرهم، وبرأ أم المؤمنين من ذلك البهتان العظيم, وجعل ذلك درساً للأجيال وعبرة لأولي البصائر، وعنوان مجدٍ وفخارٍ لزوجاته الطاهرات, ودليل طهرٍ ونزاهةٍ لبيت النبوة ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦] فصلى الله وسلم على نبينا محمد، ورضي الله عن زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين.
عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وورد في الأثر أنه قال: ﴿يأتي في آخر الزمان أقوامٌ يختِلون الدنيا بالدين، لابسين للناس في اللين جلود الضأن، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب﴾ وما أكثرهم لا كثرهم الله! وما أكثرهم لا حياهم الله ولا بياهم! يختِلون الدنيا بالدين لابسين للناس في اللين جلود الضأن ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب.
صلوا على رسول الله الذي دلكم على كل خير وحذركم من كل شر, اللهم صلِّ على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وارضِ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمر المنافقين وأعوان المنافقين, ومن أراد لهذا الدين وللمسلمين عداءً يا رب العالمين.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين, وارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم ارزق ولاة المسلمين الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم قيض لولاة أمور المسلمين الجلساء الصالحين الناصحين الصادقين الذين يذكرونهم إذا نسوا, ويعينونهم إذا ذكروا, اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، اللهم اهدنا واهد لنا واهد بنا يا رب العالمين, اللهم اجعلنا هداة مهتدين, اللهم اجمعنا ووالدينا ووالدي والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات في جنات الفردوس الأعلى يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] اللهم احفظنا بالإسلام قائمين, واحفظنا بالإسلام قاعدين, واحفظنا بالإسلام راقدين, ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 990
حكم الاحتفال بالمولد
إن الدين الإسلامي منذ أن شع نوره وسطع ضوؤه، والأعداء يكيدون له، مرة بالمحاربة، ومرة بالتلبيس، ومرة بالابتداع وإدخال عليه ما ليس منه، ومن هذه البدع المحدثات: بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، ولم يكتف المحتفلون ببدعة الاحتفال، بل أضافوا إلى ذلك منكرات مختلفة تزيد الطين بلة، وقد تحدث الشيخ عن ذلك، وأتى بفتوى العالم ابن باز في هذه المسألة.
стр. 991
بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ
الحمد لله الذي فتح أبواب الهدى بمن جعله مسك الختام، وجعل أمته خير الأمم، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره من ذوي الإجرام، نحمده على ما أسبغ من جزيل الإنعام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، ونشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله البدر التمام، الذي بعثه الله رحمة للعباد، وفارقاً بين الحلال والحرام، وداعياً إلى القيام بأركان الإسلام، نصح الأمة, وكشف الله به الغمة, وجاهد في الله حق الجهاد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته.
عباد الله: لقد قضى ﷺ حياته المباركة في كفاح وجهاد متواصل، وأرسى الدين الإسلامي في نفوس البشرية إلى أن اختار الله له في الرفيق الأعلى، فوافاه أجله في هذا الشهر الذي ولد فيه، بعد أن قضى ثلاثاً وستين سنة، أولها في تعبد وتقليب لوجهات العرب، وبعد الوحي في تبليغ رسالة ربه حتى أكمل الله به الدين، ما ترك خيراً إلا دل أمته عليه، ولا شراً إلا حذرها إياه، ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
عباد الله: يا أتباع محمد بن عبد الله! يا من يحبونه أعظم من حبهم لأنفسهم وأهليهم! إن حب رسول الله ﷺ وتعظيمه وإجلاله إنما يكون في اتباعه والاقتداء بسنته, والتخلق بأخلاقه، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
стр. 992
حكم الاحتفال بالمولد
أمة الإسلام: ليس حبه ﷺ في الاحتفال بمولده، كما يفعل في هذا الشهر في الأقطار العربية وبعض الدول الإسلامية، وقد سئل فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز عن الاحتفال بالمولد النبوي، فأجاب باختصار ﵀ بما فيه كفاية قال:
والجواب أن يقال: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولم يفعله خلفاؤه الراشدون, ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة وأكمل حباً لرسول الله ﷺ ، ومتابعة لشرعه من بعده، وقد ثبت عن نبيكم ﷺ أنه قال: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ أي: مردود عليه، وقال في حديث آخر: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة﴾.
ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها، وقد قال الله سبحانه وبحمده: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] , هذا كلام الله، وآيات الله في هذا المعنى كثيرة، ومحدثات مثل هذه تدل على أن الله لم يكمل الدين.
يقول فضيلة الشيخ: إن مثل هذه الموالد يفهم منها أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول ﷺ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به، حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به الله، زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله سبحانه، وعلى رسوله ﷺ .
والله جلَّ وعلا قد أكمل الدين لعباده، وأتمَّ عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم﴾ ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغاً ونصحاً.
فلو كان الاحتفال بالمولد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبينه الرسول ﷺ للأمة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه ﵃، فلما لم يفعله ﷺ ، ولم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بالمولد ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ أمته منها، كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين السابقين، فقد جاء في معناهما أحاديث أخرى، مثل قوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة، ﴿أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة﴾ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة.
стр. 993
أدلة تحريم الاحتفال بالمولد
وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار المولد وتحريمه، عملاً بالأدلة المذكورة وغيرها، وقد رددنا هذه المسألة وهي احتفال المولد إلى كتاب الله سبحانه وبحمده، فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا أن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به رسول الله ﷺ ، فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا، وأمرنا باتباع الرسول فيه.
ولقد رددنا ذلك أيضاً إلى سنة رسول الله ﷺ ، فلم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به، ولا سأله أصحابه ﵃، فعلمنا بذلك أن المولد ليس من الدين, بل هو من البدع المحدثة وهو من التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.
وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصافاً في طلبه: أن الاحتفال بالمولد ليس من الدين الإسلامي في شيء، بل هو من البدع والمحدثات التي أمر الله ورسوله بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالمولد مع كونها بدعة لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى، كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف, وشرب المسكرات والمخدرات, وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك وهو الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ ، أو غيره من الأولياء، وما يقع من دعائه ﷺ والاستغاثة به، وجعله نداً لله، والاعتقاد أنه يعلم الغيب ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ ، وغيره ممن يسمونهم الأولياء.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إياكم والغلو في الدين! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين﴾ فمن العجائب والطرائف أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها، ويتخلف عما أوجبه الله عليه من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأساً، ولا يرى أنه أتى منكراً عظيماً، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة وكثرة ما ران القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي.
نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 994
التحذير من البدع
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله, اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم واقتفى آثارهم وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، وتبصروا في دينكم، واحذروا البدع المحدثة التي تبعدكم عن الله وتصدكم عن الصراط المستقيم.
عباد الله: لقد بلغ بالذين يحضرون المولد من الإفك والافتراء أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد، ولهذا يقومون له محيين مرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما أخبرنا بذلك الله جلَّ وعلا فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦] وقال ﷺ : ﴿أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع﴾ عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين، ليس فيه نزاع بينهم.
فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور، والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من الذين يدّعون العلم -نسأل الله العافية- ليحذر أولئك مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 995
فضل الصلاة على النبي ﷺ
أما الصلاة على النبي ﷺ فهي من أفضل القربات, ومن الأعمال الصالحات, كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلّى علي صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إلى الإسلام، واكفنا شر المحدثين في الدين، اللهم اكفنا شر أهل البدع والخرافات، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا رب العالمين، اللهم أنت حسبنا ونعم الوكيل، اللهم إنا نعوذ بك من شر الكفار والمنافقين الذين يصدون عن دينك, ويبدلون دينك, ويريدون بعبادك الضلال، حسبنا الله ونعم الوكيل, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم اجعلهم حرباً لأعدائك سلماً لأوليائك، اللهم انصر بهم دينك يا رب العالمين، واجعلهم قرة أعين والديهم، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الرحمين.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين! ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 996
حياة أبي بكر ﵁
لقد اختار الله تعالى لصحبة رسوله ﷺ خيرة الناس، وخصهم بمزايا عظيمة، وتختلف طبقاتهم وفضلهم بحسب تلك المزايا، وأعظمهم فضلاً ومنزلة أبو بكر الصديق؛ لما اختص به من تقدم إسلامه، وصدق إيمانه، وعظيم تحمله للبلاء، وتضحيته في سبيل هذا الدين، وهو رفيق رسول الله ﷺ في الغار وخليفته من بعده، وأشد الناس متابعة لرسول الله ﵊.
стр. 997
فضل الصحابة ﵃
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله: إن الله جلَّ وعلا اختار لنبيه محمد ﷺ أصحاباً من خيرة الناس، وخصهم بمزايا لم تكن لسواهم من الناس أجمعين حاشا الأنبياء والمرسلين، وأثنى الله عليهم في كتابه المبين؛ تنبيهاً على جلالة قدرهم وعلو منزلتهم، وعظيم فضلهم وشرفهم، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠].
ثم يصف الله الصحابة ﵃ بشدة الرحمة ولين الجانب بعضهم لبعض، ثم هم أشداء على أعداء الله ورسوله من الكفرة والمعاندين، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] نعم -عباد الله- آخذين بقول رسول الله ﷺ : ﴿المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً﴾ أولئك الرجال الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؛ ليلتقوا بإخوانهم الأنصار أولئك الرجال الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، نعم أولئك الرجال الذين صدقوا في نصرة الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم، فيوسعون لهم الدور والصدور ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
عباد الله: لقد كان الصحابة ﵃ أصبر الناس -بعد الرسل- على الأذى في الله، وهم الذين فتحوا القلوب بالقرآن والذكرى والإيمان، وفتحوا القرى بالسيف والسنان، وبذلوا النفوس النفيسة في مرضاة الله جل وعلا، فأي خطة رُشدٍ هم لم يستولوا عليها؟ وأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ لقد وردوا ينبوع الحياة عذباً صافياً زلالاً، ووطَّدوا قواعد الدين والمعروف، فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً.
إذاً يا عباد الله! فلا يشك عاقل أنهم هم الذين حازوا قصب السبق، واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق والعفة، والكرم والإحسان، والقناعة وعلو الهمة، والنزاهة والشجاعة، والتقى والتواضع، وكثير كثير ﵃ أجمعين، أولئك الصحابة ﵃ الذين تخرجوا من مدرسة رسول الله ﷺ ، فالسعيد والله ثم والله من تبع طريقهم المستقيم، واقتفى آثارهم، ونهج منهجهم القويم.
стр. 998
أفضلية أبي بكر على سائر الصحابة
ففي مقدمة هؤلاء الصحابة الخلفاء الراشدون، وفي مقدمتهم: أبو بكر الصديق ﵁، فهو صديق لرسول الله ﷺ قبل الإسلام، ولما نزل الوحي على رسول الله ﷺ ، بادر أبو بكر بالتصديق والإيمان، وأعلن إسلامه بين القوم الكافرين.
стр. 999
تحمله المشاق من أجل نشر الإسلام
اجتمع أصحاب النبي ﷺ في مكة في أول الإسلام وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً، فألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور من الدار، فقال: يا أبو بكر إنا قليل، فلم يزل أبا بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد الحرام، كل رجل في عشيرته.
وقام أبو بكر في الناس خطيباً، ورسول الله ﷺ جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، وثار المشركون على أبي بكر ﵁ وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضرباً شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضرباً شديداً، ودنى منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزل على بطن أبي بكر ﵁ حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تميم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملوه في ثوب حين أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم، فدخلوا المسجد، وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، ورجعوا إلى أبي بكر ﵁، وهو في إغمائه، فجعل أبوه وبنو تميم يكلمون أبا بكر، حتى أجاب فتكلم آخر النهار، فلما أفاق من إغمائه، ماذا قال يا عباد الله؟ قال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ وإذا عنده أولئك الجهلة، فمسُّوه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه.
فلما خلت به -أي: خرج عنه أبوه وبنو تميم- ألحت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما لي علم بصاحبك، فقال ﵁: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب، فاسأليها، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، فجاءت إليه وأخبرته أن محمداً سالم صحيح، قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم، قال: فإن لله عليَّ ألا أذوق طعاماً ولا أشرب حتى آتي رسول الله ﷺ ، قالتا له: فأمهلنا، حتى إذا هدأت الرِجل وسكن الناس، فراحتا به يتكأ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ .
قال: فأكب عليه رسول الله ﷺ فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ليس بي بأس إنما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، قال: فدعا لها رسول الله ﷺ ، ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهراً وهم تسعة وثلاثون رجلاً.
стр. 1000
خروجه قاصداً الحبشة
وكان حمزة ﵁ قد أسلم في اليوم الذي ضرب فيه أبو بكر ﵃ أجمعين.
واشتد الأذى على المسلمين، فأذن لهم رسول الله ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، فخرج أبو بكر ﵁ مهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يُخرج ولا يخرُج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق فأنا لك جارٌ، ارجع واعبد ربك في بلدك.
فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، ثم طاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يُخرج مثله ولا يخرُج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لـ ابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره فليفعل، فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فلبث أبو بكر بذلك، يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره.
ثم بدا لـ أبي بكر ﵁ فابتنى مسجداً في فناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذف عليه نساء المشركين، أي: يزدحمون عليه هم وأبناؤهم ويعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر ﵁ رجلاً بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إن كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فليفعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لـ أبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة ﵂: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على دارك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله .
стр. 1001
مرافقة الرسول في الهجرة
ولما أذن الله لرسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة، خرج هو ورسول الله ﷺ ، وهكذا قدَّم أبو بكر ﵁ النفس والمال والولد لله ورسوله، ويسيران والمشركون في الطلب، واختفيا في الغار ثلاثة أيام، قال أبو بكر ﵁: ﴿قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟﴾.
стр. 1002
خلافته ومسارعته بالخيرات
نعم -يا عباد الله- إنه أبو بكر الصديق ﵁، الذي استخلف بعد رسول الله ﷺ ، وصار خليفة على المسلمين، فكان خير خليفة، جاهد في الله حق جهاده، وسار على نهج رسول الله ﷺ ، وهو الذي قدم جميع ماله لله ولرسوله، وهو الذي ثبت في قتال أهل الردة ثبوتاً منقطع النظير، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وقد قال النبي ﷺ : ﴿إن في الجنة باباً يقال له الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون، وبابٌ للصلاة، وباب للصدقة -وباب لكذا وكذا، يعدد الأعمال الصالحة- فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، وهكذا باقي الثمانية الأبواب، فقال أبو بكر ﵁: وهل على أحد من حرج أن يدعى منها كلها؟ قال: لا، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر﴾ فرضي الله عنك يا خليفة رسول الله! وعن جميع أصحاب رسول الله.
وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1003
من فضائل الصحابة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله تعالى وأطيعوه.
عباد الله: انهجوا سبيل المؤمنين، واقتفوا آثارهم، واعرفوا لصحابة رسول الله ﷺ حقهم وفضلهم، وأحبوهم يحبكم الله ورسوله، فقد روى الترمذي في سننه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله أوشك أن يأخذه﴾ وقال ﷺ : ﴿لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه﴾.
ومناقب الصحابة وفضائلهم أكثر من أن تذكر، وقد أجمعت علماء السنة أن أفضل الصحابة هم العشرة المشهود لهم بالجنة، وأفضل العشرة أبو بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، ولا يشك في ذلك إلا مبتدع منافق خبيث، وقد نص النبي ﷺ في حديث العرباض بن سارية حيث قال: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة﴾.
عباد الله: ترضوا عن أصحاب رسول الله، وأحبوا أصحاب رسول الله، فهم بذلوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله، هم الذين أخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهم الذين فتحوا الدنيا، ومصروا الأمصار، وفتحوا الفتوحات، وفتحوا القلوب بالقرآن والذكر والإيمان، وفتحوا القرى بالسيف والسنان، فرضوان الله عليهم أجمعين، اللهم إني أشهدك أني أحبك وأحب رسولك وأحب أصحاب رسولك أجمعين.
عباد الله صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء! اللهم اجعل بأس أعداء الإسلام والمسلمين بينهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم اشدد عليهم وطأتك وارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين في برك وبحرك يا رب العالمين! اللهم انصرهم بنصرك وأيدهم بتأييدك، اللهم ارفع راية الإسلام والمسلمين، اللهم ارفع كلمة التوحيد يا رب العالمين! اللهم دمر اليهود والنصارى والمبشرين والشيوعيين ومن ناصرهم على الإسلام والمسلمين.
اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم لا تبقِ منهم أحداً، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بك، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، الذين يعينونهم إذا ذكروا ويذكرونهم إذا نسوا، الذين يعينونهم على الحق يا رب العالمي، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أقر أعيينا بصلاحهم يا رب العالمين! اللهم اغفر لنا ولوالدين ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
اللهم آمنا في أوطاننا، ولا تسلط علينا أعداءنا، اللهم آمنا في دورنا، اللهم ارفع عنا الغلاء والبلاء والوباء، والربا والزنا واللواط، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1004
خطر البدع
شرع الله تعالى لنا، شريعة كاملة ومنهجاً شاملاً، وأمرنا بالتزامها والاهتداء بهديها، وحرَّم علينا إحداث زيادة فيها أو نقصان، وأوجب علينا عرض جميع أعمالنا -عبادات ومعاملات وسلوكيات- عليها، فما وافق أخذناه، وما خالف تركناه، وإن مما أُحْدِثَ مخالفاً للشريعة الإسلامية تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة وقراءة قرآن ونحو ذلك، فالواجب علينا إنكار ذلك ومجانبته.
وإن مما نهي المسلمون عن فعله مشابهة المشركين في أفعالهم؛ لأن المشابهة تورث المحبة لهم.
стр. 1005
كمال الشريعة الإسلامية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، اللهم إنا نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، واعلموا أن الله قد أكمل لنا الدين، وأمرنا باتباعه والتمسك به، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ويقول جل وعلا ناهياً عن الطرق التي تحيد بنا عن صراطه المستقيم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
стр. 1006
خطورة الابتداع في دين الله
أجل يا عباد الله أجل يا أمة الإسلام! كل عمل ليس له أصل في الشرع ولم يقم عليه دليل من السنة فهو من ابتداع المبتدعين المضلين، وهو من السبل المتفرقة التي تضر بمن اتبعها وأعرض عن صراط الله المستقيم، يقول ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ وفي رواية: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾.
أمة الإسلام: ما أكثر البدع التي حدثت ودخلت على الناس فاستحسنها البعض وأحبها ونبذ السنن لأجلها.
أمة الإسلام: يروي لنا الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسنده عن الناصح الأمين نبينا محمد ﷺ أنه قال: ﴿ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها﴾.
عباد الله: احذروا من البدع فإن فيها مفاسد عظيمة، فإن الشيطان يزينها للإنسان حتى يحرص عليها أكثر مما يحرص على السنة، والبدعة -يا عباد الله- هي السلاح الفتاك لأعداء هذا الدين، يستخدمون بدعهم وخرافاتهم، ليشوهوا بها الدين الإسلامي الحنيف، ويغطون بها وجه هذا الدين الصحيح، حتى يظن من لا يعرف حقيقة الإسلام أنه مجموعة من الخرافات والطقوس الفارغة فينصرف عنه من يريد الدخول فيه، فكم لأهل الأهواء والبدع من منكرات ما أنزل الله بها من سلطان؟!
стр. 1007
وجوب عرض الأعمال على الشرع
فعليك أخي المسلم أن تتحرى الصواب في عباداتك، وأن تعرض أعمالك وأقوالك على الكتاب والسنة، فإن وافقهما فاحمد الله على ذلك واسأله الثبات، وإن كنت تلبست بالبدعة فانخلع منها وابتعد عنها قبل أن يأتيك أجلك المحتوم، وإن أشكل عليك شيء من أمور دينك فاسأل؛ حتى تكون ذا عمل وبصيرة قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
عباد الله: إن المسلم الواعي الرشيد لا يعتمد في دينه إلا ما صح النقل به عن المصطفى ﷺ ، وخاصة فيما يكثر فيه الخلاف بين العلماء رحمة الله تعالى عليهم أجمعين، فقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى النبي ﷺ .
стр. 1008
بدعة ليلة النصف من شعبان
عباد الله: لقد اشتغلت بعض المجتمعات الإسلامية بما ورد من الآثار عن ليلة النصف من شعبان، واعتمدت ما سطر في بعض الكتب من تخصيص ليلة النصف من شعبان بدعاء يقرأ فرادى وجماعات، يتخلله قراءة سورة يس، مرة يقرءون وينوون به طول العمر، ومرة ينوون به دفع البلاء، ومرة ينوون به الاستغناء عن الناس.
فمع الأسف الشديد -يا أمة الإسلام- اجتهد العلماء الجهابذة المحققون فلم يجدوا ذلك في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولم يفعله أبو بكر الصديق، ولا عمر الفاروق، ولا عثمان بن عفان، ولا علي بن أبي طالب، والخلفاء الراشدون ﵃ أجمعين، ولا فعله سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
إذا علم أنه من وضع المبتدعين في الدين فكل بدعة ضلالة؛ كما أخبرنا بذلك سيد المرسلين وإمام المتقين صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك -يا عباد الله- لم يرد في الحديث الصحيح ما يدل على إفراد ليلة النصف من شعبان بقيام من بين سائر الليالي، ولا بصوم يومها من بين سائر الأيام، إنما ورد الحث على صيام أيام البيض من كل شهر الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، والذين يزعمون أن ليلة النصف من شعبان نزل فيها قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] فإن جمهور العلماء على خلاف ذلك، بل هذه الآية نزلت في ليلة القدر، وليلة القدر إنما أمرنا أن نتحراها في العشر الأواخر من رمضان، كما أمرنا بذلك المصطفى ﷺ .
فانتبهوا لذلك يا عباد الله! واحرصوا على الاقتداء برسول الله ﷺ امتثالاً لأمر الله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فمن اهتدى بهديه وأطاعه فيما أمر به، وانتهى عما نهى عنه والتزم اتباعه أعظم الله له الأجر، وبلَّغه أمنيته في أمور دينه ودنياه.
اللهمَّ وفقنا جميعاً لاتباع المصطفى ﷺ ، وأوردنا حوضه، واسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، وجنبنا جميعاً ما تبغضه وتأباه، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1009
التمسك بالشريعة الإسلامية سبيل السعادة الحقيقية
الحمد لله الذي أمرنا باتباع شرعه القويم، ونهانا عن الابتداع في الدين، أحمده وأشكره الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر ألا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ البلاغ المبين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، عباد الله! اعتزوا بدينكم، وافخروا بدينكم دين الإسلام فإن الله قد أغنى المسلمين وأنعم عليهم بشريعة كاملة شاملة لكل مصالح الدين والدنيا، وعلق السعادة في الدنيا والآخرة على العمل بها والتمسك بهديها، قال ربنا جل وعلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣].
стр. 1010
من التمسك بالشريعة حرمة التشبه بالكفار
وهذه الشريعة هي الصراط المستقيم الذي هو طريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وما خالفها فهو طريق المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى والمشركين، وأنت -أيها المسلم- في كل ركعة من صلاتك تدعو ربك أن يهديك الصراط المستقيم، وأن يجنبك طريق المغضوب عليهم والضالين، حينما تقرأ سورة الفاتحة التي قراءتها ركن من أركان الصلاة في كل ركعة، فتأمل هذا الدعاء ومقاصده وثماره، إنه يعني أول ما يعني: الاقتداء بالرسول ﷺ ، والتمسك بشريعته في العبادات والمعاملات، وفي الآداب والأخلاق العامة والخاصة، وأنه يعني مخالفة الكفار فيما هو من خصائصهم في العبادات والمعاملات، وفي الآداب والأخلاق؛ لأن التشبه بهم في الظاهر يورث محبتهم في الباطن ﴿ومن تشبه بقوم فهو منهم﴾.
стр. 1011
الأدلة حول التشبه بالكافرين
ولهذا تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على الأمر بمخالفة أعداء الله وأعداء شرعه ودينه، وعن التشبه بهم؛ إبعاداً للمسلم عما فيه مضرته؛ لأن أعمال الكفار باطلة ومساعيهم ضالة، ونهايتهم إلى الهلاك، فجميع أعمال الكفار وأمورهم باطلة.
فالحذر يا عباد الله! واسمعوا لرسول الله وهو يحذركم بهذا الحديث الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لتتبعن سُنَن من كان قبلكم﴾ وفي رواية: ﴿لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن﴾ أي: من أي القوم إلا هؤلاء رواه البخاري ومسلم.
فيخشى علينا من اتباعهم ومن التشبه بهم.
فاحذروا -يا عباد الله- من البدع والمخالفات! وتمسكوا بدينكم القويم الصحيح الكامل الشامل الذي جاء به محمد ﷺ ، واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على نبيكم محمد امتثالاً لأمره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آله وأزواجه وذريته؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن أصحاب رسولك أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع يدك عنهم وعافيتك ومزقهم كل ممزق يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أصلح أئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين.
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اكتب الصحة والسلامة لنا ولجميع المسمين في برك وبحرك يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنَّا الغلاء والبلاء، والربا والزنا واللواط، والزلازل والمحن وسوء الفتن؛ ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1012
خطر المعاصي
إن عواقب الذنوب والمعاصي وخيمة في الدنيا والآخرة، فهي تحرم البركة وتطفئ نور القلب، وتقتل الغيرة، وتستنزل غضب الله جل وعلا وعذابه؛ ولقد ذكر الله تعالى لنا ما حلَّ بالأمم السابقة من العذاب والنكال والخسف والحرق والإغراق بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعاصي، وقد ذكره عبرة لنا؛ حتى لا يحلَّ بنا ما حلَّ بهم.
стр. 1013
عواقب المعاصي
الحمد لله رب العالمين، حذَّر من الذنوب والمعاصي، وأرشد إلى الطاعات وعمل الصالحات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، حذَّر من المعاصي، وحثَّ على التزود من الطاعات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا ، وتدبَّروا كتاب الله تجدوا فيه ما حلَّ بالأمم السالفة من العقوبات والنكبات؛ لأنهم ارتكبوا المعاصي، وأسخطوا جبار الأرض والسموات، حين عصوه سراً وعلانيةً، فمنهم من ردَّ رسالة نبيه، ومنهم من قتل الأنبياء، ومنهم من قتل الناس الذين يدعون إلى الله.
стр. 1014
المعاصي سبب هلاك الأمم
إن المعاصي -يا عباد الله- لها عقوبات عاجلةٍ وآجلة، ولها آثار سيئة على العباد والبلاد، فكم أهلكت من أمة! وكم دمُرت من بلاد! فما في الدنيا والآخرة من شرور وداء وبلاءٍ إلا بسبب الذنوب والمعاصي.
فمن الذي أخبرنا إلا الله ، أخبرنا بالكتاب العزيز أنه أخرج الأبوين من الجنة آدم وحواء، أخرجهما من دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور؛ إلى دار الآلام والأحزان والمصائب، لما عصوا الله بذنب واحد، نهاهم عن الشجرة فأكلا.
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجُعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وبُدِّل بالقرب بعداً وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالإيمان كفراً، وحلَّ عليه غضب الربِّ ومقته؟
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق الجبال؟
وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض؛ كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم، وحروثهم وزروعهم ودوابهم؛ حتى صاروا عبرةً للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى قوم لوط حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعاً، ثم أتبعهم حجارة من سجيل أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أمة غيرهم؟
ولمن يعمل أمثالها ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣].
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحائب العذاب كالظلل، فلمَّا صار فوق رءوسهم، أمطر عليهم ناراً تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنَّم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمَّرها تدميراً؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قوماً أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار؟
قتَّلوا الرجال، وسبوا الذراري والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية، فأهلكوا ما قدروا عليه، وتبروا ما علوا تتبيرا.
وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بالقتل والسبي، وخراب الديار، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردةً وخنازير؟
وأقسم الرب ﷻ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧].
إنها الذنوب والمعاصي يا عباد الله! وكل ذلك ذكره الله لنا في كتابه المبين؛ حتى نحذر ذلك ونبتعد عنه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
عباد الله: هذه عقوبات المعاصي، وما تجره على أهلها في العاجلة قبل الآخرة، من غرقٍ وحريق، وريح عقيم ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤٢] وصيحة واحدة تجعل العصاة كالهشيم، وخسف مروع يجعل عالي الأرض سافلها، ومطرٌ بالحجارة من السماء، وسحابٌ يمطر ناراً تلظى ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧] وصدق الله حين يقول: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٦ - ١٩].
стр. 1015
وجوب أخذ العبرة من السابقين
عباد الله هل من أذنٌ تسمع؟ هل من قلبٍ حاضرٍ يخشع ويتذكر؟
لقد سمعتم أخبار القوم وما حل بهم من النقم والعقوبات والدمار والهلاك.
عباد الله: إن سنة الله في خلقه واحدة، وأنتم -يا عباد الله- تسمعون بما يحل في أرجاء العالم من الزلازل والفيضانات، والأعاصير المدمرة التي تجتاح الألوف من السكان، وتهلك المبالغ الطائلة من الأموال، وتدمر الكثير والكثير من المساكن، فكل ذلك -يا عباد الله- من آثار المعاصي والذنوب، وما يحل بالعالم من الأمراض والأوجاع الفتاكة والحوادث المروعة، وما يحدث في العالم من الفوضى، ومن تسليط الظلمة، وكثرة القتل والانقسام إلى شيعٍ وأحزاب، يموج بعضها ببعض، كل ذلك من آثار المعاصي والذنوب، فالحذر الحذر يا عباد الله! الحذر الحذر يا عباد الله من الذنوب والمعاصي! وارجعوا إلى ربكم، وجدَّدوا توبةً نصوحاً قبل أن يحل بكم ما حل بالأمم الذين من قبلكم، واسمعوا إلى قول الله جل وعلا لعلكم تذكرون:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ٩٩].
فاحذروا من مكر الله! فهذا تحذيرٌ لكم أن تسلكوا طريق من سبق من الأمم؛ من الخلاف والعناد والشقاق، وارتكاب المحرمات واجتراح السيئات.
اللهم اهدنا ولا تضلنا، اللهم اهدنا ولا تضلنا، اللهم وفقنا لسلوك الصراط المستقيم، اللهم وفقنا لسلوك الصراط المستقيم، وثبتنا على الحق يا كريم! اللهم أصلحنا وأصلح لنا، وأصلح بنا واجعلنا هداةً مهتدين يا رب العالمين.
وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1016
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله ، واحذروا المعاصي والذنوب! فإنها وخيمة وعاقبتها الآلام، وحرمان البركة، إنها تطفئ نور القلب، وتقتل الغيرة، وتورث ما لا يحمد عقباه في الدنيا والآخرة.
أمة الإسلام: امتدحكم الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] هذا امتداح للأمة الإسلامية، ولعن آخرين قبلكم؛ لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال جلَّ وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
стр. 1017
مجانبة أهل المعاصي
قال رسول الهدى ﷺ : ﴿والذي نفسي يبده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم﴾ وروى الترمذي، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً﴾.
стр. 1018
كثرة المنكرات وانتشارها
عباد الله: احذروا من العقوبة، فقد كثر في مجتمعنا تضييع الصلوات وترك الجُمع والجماعات، لقد كثر أكل الحرام؛ من الربا والرشوة، والغش في المعاملات، وأكل أموال الناس بالباطل بأنواع الحيل، وشهادة الزور، والأيمان الفاجرة في الخصومات، ولقد ارتفعت أصوات المعازف والمزامير والأغاني بأنواعها في البيوت وكل مكان، ولقد تبرجت النساء في الأسواق، وزاحمت الرجال؛ كاسيات عاريات مائلات مميلات، ولقد ضاع كثيرٌ من الشباب، ونشأوا على الأخلاق الرذيلة والعادات السيئة، والجهل بأمور دينهم، وصار الكثير يجاري أعداء الإسلام بالعادات والتقاليد الشيطانية، وأصبحوا لا صلة لهم بالقرآن ولا بتعاليمه، ولا بأخلاق سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، ولا صلة لهم بالمساجد إلا القليل، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!
عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا، أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، وجنبنا كل شر، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعينٍ لنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط، والتبرج والسفور وجميع المنكرات، ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1019
رجسٌ من عمل الشيطان
إن الله أمرنا أن نأكل من طيبات ما رزقنا، وأن نجتنب ما حرم علينا من المأكولات والمشروبات، ومن الأشياء التي حرمها الله علينا شرب الخمر؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
والخمر معلومٌ ضررها على الإنسان؛ فمن أضرارها -وهي أعظمها- أنها تُذهب العقل الذي وهبه الله للإنسان.
ويقاس على الخمر أيضاً المخدرات التي أفتى العلماء بقتل من يروجها للناس؛ لأنها أضاعت بكثير من أموال الناس، وأذهبت عقولهم، وجعلتهم ينتهكون حرمات الله التي حرم عليهم.
стр. 1020
الأمر بأكل الطيبات وحفظ نعمة العقل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى.
أيها المؤمنون: تمتعوا بما أحل الله لكم من الطيبات، واشكروه عليها بالقيام بطاعته، فإن الشكر سبب للمزيد، واسمعوا إلى الرءوف الرحيم، وهو يحثكم على الأكل من الطيبات: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢].
أيها المسلمون: إن الله جلَّ وعلا أنزل القرآن الكريم على نبينا محمد ﷺ نوراً وهدىً فيه آيات بينات، وسبل واضحات، من اتخذه إماماً وقائداً قاده إلى الجنة، وسعد في الدنيا وفاز في الأخرى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
ومن ترك العمل بهذا القرآن، ومن ترك سنة رسول الله ﷺ ضل في الدنيا، وشقي في الآخرة، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢].
أيها المسلمون: هذا العمى المذكور في الآية الكريمة سببه اجتراح السيئات، وفعل المنكرات، وارتكاب المحرمات، فإن المعاصي توجد في القلب ظلمة حقيقية، يشعر بها العاصي -إن كان له ضمير- كما يشعر بظلمة الليل البهيم، وتزداد هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تعلو وتكون سواداً في الوجه، وذلك الران الذي ذكره الله في القرآن، قال جل وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
أيها المسلمون: إن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، سبب لسقوطه من عين الله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] نعم.
الله كرم بني آدم بكرامات كثيرة، وفي مقدمة هذه الكرامة: العقل.
إن العقل -يا عبد الله- نعمة كبرى، ثم يجني البعض من بني آدم على هذا العقل ويزيله بما حرم الله عليه من المسكرات، والمخدرات -نسأل الله العفو والعافية- وغيرها من العار والشنار التي ابتلي بها كثير من الناس، وتوعد الله فاعلها بالخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى؛ لأن المسكرات وفي مقدمتها: أم الخبائث: الخمر هي رأس الخطايا، ودليل إلى النار وغضب الجبار.
المسكرات التي تيسر للعبد سبيل الفساد وتجعله يشتري الجنون بدل الرشاد.
المسكرات يشتري بها الجنون بماله الذي تعب فيه.
المسكرات يبيع بها كنزاً ثميناً، بل يجني عليه أكبر جناية، ألا وهو العقل الذي ركبه الله فيه، العقل الذي ميزه الله به عن سائر الحيوان.
следующие страницы →