Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
دور الشباب في بناء الإسلام
فيا أمة الإسلام! ويا أمة التوحيد! ويا خير أمة أخرجت للناس! اعرفوا قدر هذا الدين، وخاصةً شباب الإسلام، فإن رسول الله ﷺ حَرِصَ كل الحرصِ على تكوين الشباب وإعدادهم لحمل المسئولية، وتهيئتهم لأداء الأمانة، وحثهم على اغتنام الفرص، فقال ﷺ : ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك﴾ فإذا اغتنم هذه الخمس في هذا التوجيه النبوي، سهَّل عليه الجواب عند السؤال، ما هو هذا السؤال؟ إنه كما قال ﷺ : ﴿يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به﴾ فإذا أخذ الشباب بهذه التوجيهات النبوية، وبهذه الإرشادات، يتكون المؤمن -وخاصةً الشباب- التكوين الذي يتحمل معه المسئولية ويقدر على حمل الأمانة وأداء المسئولية، ثابتاً راسخاً مؤمناً مجاهداً، فلا يستكين، ولا يضعف، ولا يتقهقر، ولا يميل مع رياح الفتنة، ولا يستسلم لإغراء الفساد، وخاصةً في هذه الأزمنة، ولعلَّ هذه الأزمنة هي التي قال فيها رسول الله ﷺ : ﴿بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويسمي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا﴾.
هذه الأزمنة التي كثرت فيها الدعوات إلى المخططات الشريرة الحنقة الحاقدة على الإسلام وأهله، إنها المخططات الصهيونية والماسونية والصليبية والشيوعية والنصرانية والاستعمار، وكل هذه الأسماء توجد في هذه المجلات التي تنشر في أسواق المسلمين، وتباع مع المواد الغذائية في البقالات وغيرها.
ولا شك ولا ريب يا أمة الإسلام! أن هذه المخططات كلها تستهدف إفساد الأمة الإسلامية عن طريق الخمر، والمخدرات، والمسكرات التي ذهب ضحيتها أناسٌ كثيرٌ، وكذلك الجنس، من انتشار الزنا واللواط وإطلاق عنان الغرائز والشهوات، وما يكمن في الأفلام والمسرحيات، والأغاني الماجنات، وما يبث في المجلات كلها -والله ثم والله- تستهدف إفساد الأمة الإسلامية والسيطرة على بلاد الإسلام، وصرف الشباب المسلم عن مهام أمور دينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وما حل بـ الأندلس ما حل؛ إلا لما دخل عليها النصارى واستعبدوا أهلها وباعوا المسلمين بالحبال في الأسواق.
يا شباب الإسلام! الحذر الحذر من أعداء الإسلام، فعداوتهم قديمة وليست حديثة، فهذا إمام المرسلين وخاتم النبيين محمد ﷺ كم لقي في سبيل الدعوة إلى الله من أذىً وأساليب متباينة؛ كل هذا ليثنوا من عزمه ﷺ ، ويصدوه عن أداء رسالته، فما ضعف وما استكان، بل بقي ﷺ يكافح ويناضل في سبيل الله، ويجاهد لإعلاء كلمة الله، وصبر على الأذى وعلى المؤامرات التي حيكت له حتى حبس في الشعب ثلاث سنوات ﷺ ، وما ثنى عزمه ذلك، رجم بالحجارة حتى سالت كعبيه وما ثنى عزمه ذلك، كسرت رباعيته، وشج رأسه، وما ثنى عزمه ذلك عن الدعوة إلى الله.
فصلوات الله وسلامه عليه، جاهد في الله حق جهاده، حتى جاء نصر الله والفتح، وقامت دولة الإسلام عزيزة كريمة، فما مضت الأيام والليالي إلا وقد تخرَّج من مدرسة رسول الله ﷺ شباباً يُحبِّون التفاني، ويبذلون الجهد حتى بلغ هذا الدين مبلغه، فرسول الله ﷺ حينما أُوحي إليه بتبليغ الرسالة كان في سن الأربعين صلوات الله وسلامه عليه، وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه أصغر من النبي ﷺ بثلاث سنوات.
وكان عمر بن الخطاب الفاروق ﵁ وأرضاه عمره حين أسلم سبعاً وعشرين عاماً، وعثمان ﵁ وأرضاه كان أصغر من رسول الله ﷺ ، وعلي ﵁ وأرضاه كان أصغر من الجميع، وهكذا بقية الصحابة ﵃ كانوا شباباً مثل: عبد الله بن مسعود، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وبلال بن رباح، ومصعب بن عمير، وكثيرٌ وكثير من أولئك الشباب الذين حقق الله على أيديهم النصر؛ ففتحوا الفتوحات، ومصَّروا الأمصار أولئك الشباب، فطريقهم واضح يا شباب الإسلام! يا من هجرتم بيت الله! يا من ودعتم المساجد؛ إلا القليل.
أسأل الله الذي رد القليل أن يرد الكثير إنه على ذلك قادر.
стр. 1087
نماذج ممن أقاموا الإسلام
يا شباب الإسلام! انهجوا نهج السلف الصالح، فإن طريقهم واضح كما أخبر الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] متأسين برسول الله ﷺ ؛ امتثالاً لأمر الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فهنيئاً لأولئك الذين مدحهم الله في محكم البيان: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢].
فيا شباب الإسلام! ارجعوا إلى سيرة السلف الصالح، لتجدوا فيها العزة والشرف وهم الذين أعدوا للصبر والابتلاء والثبات على المبدأ نفوساً مؤمنةً صامدة، لا تجزع أمام أحداث الليالي، ولا تتزعزع أمام نوازل الأيام.
стр. 1088
صمود بلال بن رباح أمام التعذيب
هذا بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ كم لقي في سبيل الدعوة من أصناف العذاب والبلاء! فكلما اشتدت عليه وطأة الألم، ونزلت به المحن، ووضعت على بطنه الحجارة الثقيلة في وهج الظهيرة المحرق، ازداد إيماناً وتَثَبُتاً، ونادى من الأعماق: [[أحدٌ أحد فردٌ صمد]] الله أكبر يا شباب الإسلام! ولكن بعضها في هذه الأزمنة بمجرد سماعه الكلمة يقول: أنت موسوس، أو متزمت، أو رجعي، ينبذ الإسلام ويعاديه وأهله.
стр. 1089
ابتلاء وصبر أسرة آل ياسر
الله أكبر يا شباب الإسلام! إليكم هذا النموذج أيضاً، هذا عمار وأمه سمية وأبوه ياسر ﵃، تحملوا في سبيل إسلامهم ما لم يتحمله إنسان، وما إن علم بنو مخزوم بإسلامهم حتى انقضوا عليهم يذيقونهم أشدَّ العذاب؛ ليفتنوهم عن دينهم، ويرجعوهم كفاراً بعد أن هداهم الله إلى الإسلام، وفي بطحاء مكة حيث ترسل الشمس بحرارتها الملتهبة، يُقضى على ياسر أياماً في عذاب مقيم، ويمر عليهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون وسمع ياسراً وهو يئن في قيوده وهو يقول له: الدهر هكذا يا رسول الله، الدهر هكذا يا رسول الله، فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء ونادى: ﴿أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة﴾ فعندما سمع آل ياسر النداء، هدأت نفوسهم، وسكنت قلوبهم.
لقد استُشهِدَت سمية ﵂ على إثر طعنةٍ من فرعون هذه الأمة أبي جهل لعنه الله، وكانت أول شهيدةً في الإسلام، ثم تبعها ياسر وكان أول من استشهد من الرجال، وبقي عمار ﵁ وأرضاه يغالب العذاب ويصابر الألم حتى بلغ به الجهد مبلغه.
الله أكبر يا أمة الإسلام! الله أكبر يا شباب الإسلام! أين الاقتداء؟! أين الاهتداء؟! أين النهوض؟! أين التشمير إلى تلك السير الحميدة؟!
أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يوفقنا جميعاً للاقتداء برسول الله ﷺ ، والاهتداء بهديه، إنه على كل شيء قدير، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1090
مصعب بن عمير يترك نعيم الدنيا
الحمد لله معزِّ من أطاعه واتقاه، ومذلِّ من خالف أمره وعصاه، الناصر لمن ينصره من أهل طاعته وأوليائه -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- لك الحمد يا ربنا كما تُحب وترضى، وشكراً لك على صوابغ نعمك وآلاءك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً.
وأشهد أن محمداًَ رسول الله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين ويا أجود الأجودين.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله ، لقد سمعتم من أخبار السلف الصالح وإليكم هذا الخبر نكمل به ما تقدم، هذا مصعب بن عمير ﵁، أسلم مع الأوائل في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه، وهو شاب في عنفوان الشباب، ولما كشفوا أمره وأخذوه؛ حبسوه وعذبوه، فلم يزل محبوساً معذباً حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، وهاجر مع من هاجر إلى المدينة، بل بعثه رسول الله ﷺ معلماً للأنصار يعلمهم القرآن، ويعلمهم الدين، وفي غزوةٍ من الغزوات قُتل هذا الشاب ﵁ وأرضاه، خرَّ صريعاً شهيداً.
وكان في مكة مدللاً عند والديه، يلبس أحسن الثياب، ويتطيب بأحسن الطيب، ولكنه ترك زينة الحياة الدنيا، وأقبل على الله ﵁ وأرضاه، ولما قتل، لم يجدوا شيئاً يكفنونه فيه سوى بردة، فكانوا إذا وضعوها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعوها على رجليه خرج رأسه، فقال لهم رسول الله ﷺ : ﴿اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر﴾ ثم يقف رسول الله ﷺ على هذا الشاب وهو مقتولٌ مسجىً في بردته، فيقول والدموع تنزل من عينيه: ﴿لقد رأيتك بـ مكة وما بها أحدٌ أرَقَّ حُلةً، ولا أحسن لمةً منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة، وقرأ عليه ﷺ عليه هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]﴾.
إنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها أعمالاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ .
فاقتدوا بهم يا أمة الإسلام، وأكثروا من ذكرهم في المجالس، كم تتلى هذه الآيات! " رجال" يمدحهم الله في محكم البيان، فأنتم لا تنسوهم في مجالسكم، أكثروا من ذكرهم، وعلموا أولادكم أولئك الرجال.
стр. 1091
صور من عداوة أعداء الله للإسلام
يا شباب الإسلام! أين الاقتداء برسول الله ﷺ وبصحابته الكرام؟!
البعض يتساءل: لماذا حصل البعد وحصلت الجفوة عن تعاليم الإسلام؟!
فأقول لك أيها الأخ المسلم: أحضر القلم والورقة في قلبك بكل صدقٍ وصراحة، حصل هذا لما حصلت الأسباب الآتية: الغش، والخداع، والكذب، والخيانة، والغدر، والنميمة، والغيبة، والظلم، والنفاق، والرشوة، والسخرية، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وانتشار الأفلام.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم الذي وفق خادم الحرمين لإصدار ذلك الأمر بالقضاء على مروجي المخدرات، أن يصدر أمراً حاسماً على القضاء على من يروج الأفلام الخبيثة التي تنشر الدعارة بين المسلمين، ووالله ثم والله؛ إنها لا تقل خطراً عن المخدرات إن كان المخدر يضر ببعض العائلة، لكن هذه الأفلام تضر بكل العائلة إذا كان عندهم هذا الجهاز.
قولوا: آمين، أن الله يقيض ولاة أمورنا لمحاربة هذه الأفلام كما حاربوا تلك المخدرات والمسكرات، نعم يا شباب الإسلام! الذي حصل: هو انتشار الأفلام التي ميَّعت الأخلاق والآداب، وسببت السرقة والمغازلة والمعاكسة، إذا كان شريط الجنس يُهدى إلى المرأة عن طريق الخياط، فإلى الله المشتكى، إذا كان الفيلم في هذا الشريط الخبيث يُهدى بين الطالبات عن طريق الطالبات وتجدون ذلك في حقائب بعض الفتيات، فالله المستعان.
يا أمة الإسلام! استيقظوا وفقني الله وإياكم! لماذا تركنا الحبل على الغارب للأولاد والبنات؟ إنكم والله مسئولون عنهم يوم القيامة، زيادةً على ذلك انتشار المخدرات والمسكرات.
ومن الغش للمسلمين بيع الدخان علانية بين أظهر المسلمين مع المواد الغذائية، بيع الدخان الذي نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير لسهولة تناوله بين أيدي الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يا ليتنا نقاطع تلك المحلات التي تبيع الدخان وتتجر فيه حتى تستقيل، وتبتعد عن هذا الخطر الذي داهم البيوت صغيرها وكبيرها.
ومن الغش -أيضاً- لأمة الإسلام الذي فيه من المحاربة لله ولرسوله وللآداب والأخلاق هو: بيع المجلات السافلة الهابطة الخبيثة لما فيها من الصور لبعض النساء شبه العاريات التي تعرض على أبنائنا وبناتنا، واللواتي قُصِد بهن من أعداء الإسلام والعقيدة والأخلاق والآداب إفساد القلوب والناشئة من البنين والبنات، زيادةً على ذلك؛ ما يوجد في بعض المجلات من الإلحاد والمحاربة لله ولرسوله بالقول والفعل.
فانتبهوا يا أمة الإسلام من رقدتكم!! وأفيقوا من غفلتكم!! حاربوا هذه المجلات، وقاطعوها، وقاطعوا المحلات التي توجد فيها إن كان فيكم حباً للخير وغيرةً على دينكم.
اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد، اللهم اجعلنا من الهداة المهتدين، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم وفقنا -جميعاً- لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه.
عباد الله! أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله، الذي ترككم على البيضاء ليلها كنهارها، فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، وكما قلت وقولك الحق: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] اللهم وفقنا لتحقيق هذه الخيرية، واجعلنا ممن يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولاة أمورنا لما فيه الخير والصلاح، اللهم سدد خُطاهم، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم أبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم أقرَّ أعيننا بصلاح أبنائنا وبناتنا وزوجاتنا وإخواننا وأخواتنا واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات في جنات الفردوس الأعلى يا رب العالمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن أسواقنا السفور والتبرج، الله نظِّف بيوتنا وقلوبنا من آلات اللهو يا رب العالمين، اللهم اجعلنا ممن اهتدى بهدي رسولك ﷺ .
اللهم اجعلنا ممن اقتدى برسولك ﷺ ، وأحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، غير خزايا ولا مفتونين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله! أكثروا من ذكر الله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله.
стр. 1092
عم يتساءلون ؟!
إن النظريات الملحدة ما زالت يتلو بعضها بعضاً من عهد النبي ﷺ إلى عهدنا هذا، والمجرمون وأهل الإلحاد يتواصون بها.
ومن تلكم النظريات إنكار البعث والنشور، وقد رد الله عليهم في غير ما موضع من القرآن الكريم، ومن هذه المواضع سورة النبأ، حيث دلل سبحانه بآياته الكونية على قدرته على البعث والنشور، وحذر المشركين من أليم عقابه إن هم أصروا على إنكارهم وعدم استجابتهم لرسوله.
стр. 1093
تدبر معاني سورة النبأ ودلالاتها
الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 1094
الرد على من أنكر البعث
أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله! لنتدبر معاني سورة من القرآن لنقف معها قليلاً؛ لتنبأنا عن الحقائق وتكشف لنا من أسرار العجائب, فهذه سورة النبأ التي تنبئ عن خبر هام, عن يوم القيامة وما فيه, وفي ذلك رد على من زعم أن لا بعث ولا نشور, قال الله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:١ - ٥] و (كلا) هذه كلمة ردع وزجر لأولئك المكذبون, وكرر الردع بقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٥] تأكيد للوعيد مع التهويل, أي: سيعملون ما يحل بهم من العذاب والنكال في ذلك اليوم الذي أنكروه واستبعدوا وقوعه, ولكن القادر الذي أوجد المخلوقات العظام قادر على إحياء الناس بعد موتهم, فهو الذي جعل للخلق هذه الأرض التي يسكنون عليها ممهدة, ليستقروا عليها, ويتقلبوا في نواحيها, وبسطها لهم كالفراش, ليستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات ويضربوا عليها للابتغاء من فضل الله, وثبتها بالجبال, وجعلها كالأوتاد لئلا تميد بمن عليها, ثم أوجد على هذه الأرض الممهدة أصنافاً ذكوراً وأناثاً, لينتظم أمر النكاح والتناسل ولا تنقطع الحياة حتى يأتي أمر الله, ثم جعل الله لهم نظاماً يسيرون عليه في هذه الحياة.
ومن ذلك: النوم ففيه راحة للأبدان, وتخلص لمشاق العمل بالنهار, وجعل النهار سبباً لتحصيل المعاش, اسمعوا يا من عكستم فطرة الله! فالله إنما جعل النهار سبباً لتحصيل المعاش, فالنهار جعله مشرقاً مضيئاً ليتمكن الناس من التصرف فيه بالذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك.
стр. 1095
التفكر في آيات الله
ثم يخبر الله تعالى أنه بنى فوق الناس سبع سماوات محكمة الخلق بديعة الصنع, متينة في إحكامها وإتقانها ومع ذلك فهي لا تتأثر بمرور العصور والأزمان, جعلها الله بقدرته لتكون كالسقف على الأرض, لكن من يتفكر في هذا؟! إلا الذين ذكرهم الله في سورة آل عمران.
ثم سخَّر للناس شمساً منيرة ساطعة يتوهج ضوؤها, وجعلها لهم كالسراج, ثم أنزل الله بقدرته على الناس من السحب التي حان وقت إمطارها ماءً دافقاً منهمراً يخرج به أنواع الحبوب والزروع, التي فيها غذاء للإنسان والحبوب, وينبت به الحدائق والبساتين, نسأل الله أن يغيثنا برحمته, اللهم أغثنا برحمتك إنك أنت أرحم الراحمين, اللهم احيي بلدك الميت وانشر رحمتك على العباد.
اسمعوا قول الحق جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ [النبأ:٥ - ١٦] كل ذلك من أجلك يا بن آدم.
عباد الله! لقد ذكر الله جلت قدرته هذه الأشياء التسع دلالة على قدرته كبرهان واضح على إثبات البعث والنشور, الذي أنكره من أنكره من الكفار, ولا يزال الكفار يتتابع نسلهم إلى يوم القيامة, فمنهم الآن من -ومع الأسف الشديد- تتلمذوا على أيدي الشيوعية، وعلى أيدي الملاحدة والزنادقة, ويعيش بين أظهر المسلمين من ينكر البعث والنشور, وينكر الجنة والنار -فلا حول ولا قوة إلا بالله- ولكن قولوا لهم: سيعلمون متى يوم البعث والنشور, إنه يوم الفصل بين الخلائق، إنه يوم القيامة, يوم ينفخ الصور للقيام من القبور, فيحضرون جماعات جماعات وزمراً زمراً للحساب والجزاء.
стр. 1096
متى يكون يوم البعث ؟
في ذلك اليوم الرهيب الذي تتشقق فيه السماء وتفتح فيه كالأبواب في الجدران من هول ذلك اليوم الذي تسير فيه الجبال فتكون كالعهن المنفوش, قال رب العزة والجلال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾ [النبأ:١٧] متى؟! ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:١٨ - ٢٠].
стр. 1097
جهنم ومدة المكوث فيها
في ذلك اليوم الرهيب -الذي هو يوم القيامة- قسم من الذين عصوا وكذبوا وعاندوا في جهنم تنتظرهم وترتقب إليهم, لتلتقطهم إليها ليسجنوا بها أحقاباً لا انقضاء لها, ولا انقطاع, لا راحة لهم فيها, عذابهم دائم أبداً, لا يذوقون في برودة تخفف عنهم حر النار, ولا شراباً يسكن عطشهم فيها إلا ماءً حاراً بالغ الغاية في الحرارة, وغساقاً أي: صديد يسيل من جلود أهل النار ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٣].
ومع ذلك يقال لهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ [النبأ:٣٠] يقرر هذا رب العزة والجلال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ [النبأ:٢١ - ٣٠] يا لها من حسرات تتابع! يا لها من ذنوب تتراكم! إذا قال لهم الجبار: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ [النبأ:٣٠].
стр. 1098
الجنة وما أعد للمتقين فيها
عباد الله: اسألوا الله جل وعلا أن ينجيكم من النار, واسألوه أن يدخلكم الجنة دار المتقين, فإن الله أعد للمتقين الأبرار الذين أطاعوا ربهم في الدنيا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وهذا هو موضع الظفر وموضع الفوز بجنات النعيم, وخلاصهم من عذاب الجحيم, أورثهم الجنة بما فيها من الحدائق الناظرة, وما فيها من الأطعمة الطيبة المتنوعة من كل ما تشتهيه النفوس, وما فيها من الحور العين, وما فيها من الأشربة الطيبة وهم في ذلك النعيم المقيم لا يسمعون كلاماً فارغاً لا فائدة فيه ولا كذاباً, لأن الجنة دار السلام.
فكل هذا الجزاء العظيم تفضلاً من الله وإحساناً ومكافأةً على حسب أعمالهم, قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً﴾ [النبأ:٣١ - ٣٢] لا يجف ماؤها, لا تتغير نضرتها إنها الجنة يا عباد الله.
اسمع أيها الشاب! الذي رجعت عن طاعة المولى جل وعلا, عندما كنت مشتاقاً إلى هذه القصور وما فيها من اللذة والنعيم, جالست الأشرار, جالست جلساء السوء, فحولوك من الراحة إلى الشقاء, حولوك من الراحة إلى العماء, حرموك هذا النعيم.
اسمع أيها الشاب! يا من استبطأت هذه القصور وهذه الحور وهذا النعيم ارجع إلى ربك جل وعلا.
أيها الشاب! أين ذهابك إلى المحاضرات؟ أين حضورك للندوات؟
أين ذهابك إلى مكة لتعتمر وتحج؟ كيف عكست الأمر وصار عليك وبالاً بذهابك إلى خارج البلاد؟ فهدمت ما بنيت في سالف الأزمان, ارجع إلى ربك ما دمت في وقت الإمكان, ارجع إلى ربك ولا تغتر بقرناء السوء أعوان الشيطان, واسمع إلى ما عند الرحمن: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ:٣١ - ٣٣].
اسمع أيها الشيخ الكبير يا من فتنت بالدنيا, وبما فيها من البساتين التي سوف تخرب وتذهب جثاءً, سوف تمر عليها الأيام وتيبس فيها كل شيء, وهذه حكمة الله في الدنيا أن مآلها إلى الدمار والخراب, ولكن اسمع أيها الشيخ يا من أضعت الليالي الطوال مع الكلام الفارغ, مع أكل لحوم الناس, ذهب فلان وقال فلان وقيل لفلان اسمع يا مسكين اغتنم باقي السنين إن كان لك باقي سنين وإلا والله فالموت يأتي بغتة لا مفر منه.
اسمع يا مسكين! يا من رضيت بالعاجل! يا من بعت الغالي بالرخيص! يا من جريت وراء الدنيا تجر أذيال الغفلة, اسمع -يا عبد الله- قليلاً مما عند الله في تلك الجنة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً﴾ [النبأ:٣١ - ٣٦] من هذا الرب؟ هذا ملك الملوك، جبار السماوات والأرض الذي إذا قال لشيء كن فيكون ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾ [النبأ:٣٧].
عباد الله: إن أمامكم يوم القيامة وأكرر كما كرر الله في هذه السورة، يوم القيامة الذي غفل عنه الكثير, وعن ما فيه من الأهوال والشدائد الصعاب, يوم أن يقتص الله فيه لأهل المظالم ممن ظلمهم, حتى يأخذ للشاة الجماء حقها من الشاة القرناء, ثم يقول لها رب العزة والجلال: كوني تراباً, عند ذلك يتمنى الكافر الذي أضاع أوقاته في الحياة الدنيا في المعاصي والفجور ولمحادة الله ورسوله أن يكون تراباً.
اسمعوا إلى قول الله الجبار جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً﴾ [النبأ:٣٨] يا له من موقف نزلت فيه أملاك السماوات السبع وصفت صفوف سبعة, أحاطت بأهل الموقف جميعاً ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٣٨ - ٤٠].
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله , قبل أن ينظر المرء ما قدمت يداه, اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة, اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه إنك على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1099
الوصية بقراءة القرآن وتدبر معانيه وأحكامه
الحمد لله الذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً, والحمد لله الذي جعل القرآن للمؤمنين هدى وشفاءً ورحمة, والحمد لله الذي اختار لنا الإسلام من بين الأديان, والحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس, والحمد لله الذي أرسل إلينا محمداً ﷺ ليخرجنا به من الظلمات إلى النور, فلك اللهم الحمد دائماً أبداً حمداً كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب للوجود سواه, هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم, خلق فسوى، وقدر فهدى, وهو الفعال لما يريد, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق, فبلغ رسالة ربه، ونصح الأمة، وتركها على البيضاء, وقال ﷺ : ﴿تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا الله , وتدبروا القرآن فإن فيه الهدى والنور, قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦].
فيا أمة الإسلام! ويا أمة القرآن! ويا أتباع محمد ﷺ ! ويا خير أمة أخرجت للناس! عليكم بقراءة القرآن الكريم واستماعه, وتدبر معانيه, والتفكر فيه، عليكم باتباع أوامره, واجتناب نواهيه, عليكم بتعلم القرآن ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ هكذا يخبركم رسول الله ﷺ .
عليكم بتعلم تفسيره ومعرفة أحكامه, والعمل به لتفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥].
أنزله الله تعالى ليكون دستوراً للأمة الإسلامية, وهداية للخلق, وليكون آية على صدق رسوله محمد ﷺ , وبرهاناً ساطعاً على نبوته ﷺ , وحجة قاطعة قائمة إلى يوم الدين.
أنزله الله ليعمل به المسلم, فيحل حلاله ويحرم حرامه, ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه, ويتلوه حق تلاوته, فيكون حجة له عند ربه وشفيعاً له يوم القيامة, يقول الناصح الأمين محمد ﷺ : ﴿القرآن حجة لك أو عليك﴾ رواه مسلم.
وقد تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة, قال سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] فنعوذ بالله من الإعراض عن كتاب الله.
عباد الله! انفضوا الغبار عن كتاب الله, ارجعوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ .
وصلوا على من أرسله الله رحمة للعالمين, صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك, نواصينا بيدك, ماضٍ فينا حكمك, عدلٌ فينا قضاؤك, نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك, أو أنزلته في كتابتك, أو علمته أحداً من خلقك, أو استأثرت به في علم الغيب عندك, أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا, ونور صدورنا, وجلاء أحزاننا, وذهاب همومنا وغمومنا, اللهم اجعله حجة لنا, اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام, واجعل مآلنا إلى جنات النعيم يا رب العالمين, اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء, اللهم دمِّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم اشدد وطأتك عليهم, اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك, اللهم مزّقهم كل ممزق يا رب العالمين.
اللهم آمنا في دورنا, وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم آمنا في أوطاننا, ولا تسلط علينا أعداءنا, ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين, اللهم اهد ضال المسلمين, اللهم أصلح شباب المسلمين, اللهم رد شاردهم, وثبت مهتديهم يا رب العالمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وصلوا وسلموا على رسول الله ﷺ .
стр. 1100
عواقب المعاصي
إن للمعصية أثراً في مصير الإنسان في دنياه وآخرته، وإن من هذه المعاصي الكبر، وما عصى إبليس ربه إلا بالكبر على الله أن يسجد لآدم، ولهذا الكبر أسباب، وله علاج يدفعه عن الإنسان، ولن يسعد أحد إلا بتركه للمعاصي واتباعه كتاب ربه جلا وعلا.
стр. 1101
الكبر بطر الحق وغمط الناس
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له من بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, الكبير المتعال ذو العظمة والكبرياء والجلال, والعزة التي لا ترام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله ليتمم به مكارم الأخلاق, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله ، واعلموا أن الله حرم الكبر والإعجاب، لأنهما يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل، وليس لمن استوليا عليه قبول النصح ولا قبول التأديب؛ لأن المتكبر يعتقد في نفسه أنه عظيم جليل متعالٍ عن رتبة المتعلمين، وقد فسر الرسول ﷺ الكبر بأنه: ﴿بطر الحق وغمط الناس﴾ والكبر والعجب من الصفات النفسية المرذولة التي كثيراً ما تثير الغضب والحقد وتورث العداوة والبغضاء, وتورث الاحتقار والازدراء بالناس واغتيابهم.
الكبر يجافي ويباعد بين الصدق وكظم الغيث، ويجافي بين قبول النصح، الكبر يعمي المرء عن النظر على عيوبه, ويحول بينه وبين العلم، وبينه وبين الانقياد للحق، ومعنى قول النبي ﷺ : ﴿الكبر بطر الحق﴾ أي: رده ودفعه وعدم قبوله, وهو عالمٌ به, سواء كان من حقوق الله، أو من حقوق عباده، ومعنى قول النبي ﷺ : ﴿غمط الناس﴾ أي: احتقارهم وتنقصهم، وذلك ناشئ عن عجب الإنسان بنفسه وتعاظمه عليهم، وتنقصهم بقوله وفعله.
стр. 1102
أسباب الكبر
للكبر أسباب كثيرة، فقد تكون عن صفة كمال كالعلم والنسب والجاه والسلطان، وربما نشأ عن غرور ووهم بحيث يعتقد أنه أكمل من غيره خطأً وجهلاً، وهذا برهانٌ على نقص عقله، ولذلك يقول بعض العلماء: ما دخل قلب امرئٍ شيئاً من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخل من ذلك الكبر قلَّ أو كثر.
فإن كان الكبر ناشئاً عن العلم، كان صاحبه مثالاً سيئاً، وقدوةً رديئةً خصوصاً إذا دفعه الكبر إلى صفة ذميمة كالحسد والحقد، أو أفضى به إلى ارتكاب مظلمة من مظالم ارتكبها بيده، أو لسانه، فإن ضرر هذا لا يقدر؛ لأن الناس يقتدون بالعلماء في أقوالهم وأفعالهم، فيستسهلون عند ذلك ارتكاب الجرائم وإشباع الصفات الذميمة.
كمن يرى بعض العلماء يصلي في بيته، فإنهم يقتدون به ويقولون: إن الشيخ فلان يصلي في بيته، أو كما يرون بعض العلماء يحلق لحيته، ويقولون: العالم الفلاني يحلق لحيته، أو يقولون: إن العالم الفلاني يستمع الأغاني، أو يقولون: إن العالم الفلاني يستعمل الربا، فإنه في هذا قد أصبح أشرَّ قدوة وأسوأها، وإذا صدر هذا من العلماء فإن فيه شراً عظيماً، وأيضاً فإنه لا ينتفع بعلومهم، لأنهم يكونون بعد ذلك ضعفاء الإرادة، ومن كان هذا شأنه، فإن علمه وبالٌ عليه, وسوف يسأل عن علمه ماذا عمل به؟
أما العلم النافع، فهو الذي يربي الأنفس ويطهرها من الصفات الرديئة، ويعرف العبد بربه وبنفسه وخطر أمرها، وهذا يورث الخشية والتواضع، فيكون صاحبه مثالاً حسناً بين الناس، وقدوةً صالحةً في الأقوال والأفعال، هذا إذا كان الكبر في العلماء.
أما إذا كان الكبر ناشئاً عن النسب، فإنه ربما يكون سبباً للطعن في أنساب الآخرين، وقد يؤدي إلى احتقارهم وازدرائهم، وقد فصل المسألة رب العالمين بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وفصلها رسول الهدى بقوله: ﴿لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى﴾ وذكر تمام الحديث.
أما إذا كان الكبر ناشئاً عن الجاه والسلطان، فإنه غالباً يفضي إلى شر أنواع الظلم، وانتهاك المحارم من حقوق الله وحقوق خلقه مثل: ألّا يبالي بهم، ولا يسمع شكواهم، وخاصةً الضعفاء أو أن يعرض عن النصيحة، أو العمل بالحق، فإنه في هذه الحالة يكون متكبراً مذموماً ممقوتاً.
والكبر أنواع: وأعظم أنواع الكبر: الكبر على الله، وعلى رسله، وهذا من أشر أنواعه.
стр. 1103
علاج الكبر
ومن أراد علاج الكبر، فقد ذكره العلماء، فقال بعضهم: أولاً: أن يعرف الإنسان ربه ، ويعرف نفسه، فإنه إذا عرف ربه حق المعرفة، علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله جل وعلا، وإذا عرف نفسه، علم أنه ضعيف ذليل لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع لرب العالمين والذلة له، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢] ويقول جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] ففي هذه الآيات إشارةٌ إلى بداية خلق الإنسان وإلى آخر أمره، وإلى وسط أمره، أما أوله، فإنه لم يكن شيئاً مذكوراً، وقد كان في حيز العدم دهوراً، ثم خلقه العزيز الحكيم من تراب -تفكروا في خلق أنفسكم يا عباد الله- ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظاماً، ثم كسا العظام لحماً، ثم لما استتم الخلق، جعله سميعاً بعد أن كان أصماً، وبصَّره بعد أن كان فاقد البصر، وقوَّاه بعد أن كان ضعيفاً، وعلَّمه بعد أن كان جاهلاً.
فكيف من كان هذا أوله وهذه أحواله، فمن أين له البطر والأشر والكبرياء والخيلاء وهو الضعيف الحقير بالنسبة إلى قدرة الباري جل وعلا.
فليتأمل العاقل هل يليق الكبر بمن هذا أوله وآخره؟
فإن هذا الإنسان الذي يجول ويصول يسلب روحه في آخر الأمر، ويسلب سمعه, وبصره, وعلمه, وقدرته وحواسه, وإدراكه وحركاته, وجماله وجميع أحواله، فيعود كما كان أولاً جماداً, لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته ولا حركة فيه، ثم يوضع في التراب في مثواه الأخير في القبر، فيصير جيفة منتنة كما كان في الأول نطفةً مذرةً، فتبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه, ويصير رميماً رفاتاً, ويأكل الدود أجزاءه ويستقذره الإنسان، وأحسن أحواله أن يعود تراباً كما كان.
ثم يحييه الذي خلقه أول مرة، فيقاسي الشدائد وأهوالاً مزعجات، ويخرج من قبره كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤] فينظر إلى قيامةٍ قائمة, وسماءٍ منفرجةٍ منشقة، وأرضٍ مبدلة، وجبالٍ مسيرة، ونجومٍ منكدرة، وشمسٍ منكسفة، وأحوالٍ مظلمة، وملائكةٍ غلاظٍ شداد، وجهنم تزفر، فيا ويل المجرمين مما أمامهم في ذلك اليوم العظيم!
اللهم اهدنا إلى أحسن الأعمال والأخلاق وأحبها إليك، فإنه لا يهدينا لأحسنها وأحبها إليك إلا أنت، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وأنت راضٍ عنا يا كريم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1104
التحذير الشديد من داء الكِبْر
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله ، واتبعوا أوامره واجتنبوا نواهيه.
عباد الله! إن سعادة المسلمين في أن يتبعوا الحق ويدعوا إليه، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، تلك سعادة المسلمين، ويقبلوا النصيحة ممن ينصحهم ويعملوا بها راضيةً نفوسهم, شاكرةً ألسنتهم, غير مستكبرين، ولا متعنتين، ولم يعمهم الهوى عن اتباع الحق, إذ ذاك تكمل لهم السعادة ويتم لهم النعيم.
رجل يأكل عند الرسول ﷺ بشماله، فقال له: ﴿كل بيمينك, قال: لا أستطيع -متعافي ولكن منعه الكبر- فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فقال: لا استطعت؛ فما رفعها إلى فيه﴾ وما أكثر المتكبرين في وقتنا الحاضر عن قبول الحق.
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يهدي الجميع إلى صراطه المستقيم.
أمة الإسلام! لا تكون السعادة في من فشا فيه داء الكبر, واستحكم وتكبر عن قبول النصح من الناصح, وإرشاد المرشد، فإن المرء إذا لم يقبل نصيحة الناصح، كان راضياً عن نفسه، وإذا رضي عن نفسه، عميت عن عيوبها، فلا يؤثر فيها نصحٌ، ولا ينفع معها إرشاد؛ لأن الغرور متحكمٌ فيها، والشهوات محيطةٌ بها، فإذا أراد الله بعبده خيراً، بصَّره بعيوب نفسه فأصلحها، واتهمها دائماً بالنقص, وطالبها بالكمال حتى تلتحق بالنفوس الزكية, والأرواح الطاهرة، وهكذا كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يقول: [[رحم الله امرئً أهدى إلي عيوب نفسي]] هذا دعاء من أمير المؤمنين إلى من يبصره بعيوب نفسه، إلى من يقول له: أخطأت في كذا، لماذا عملت كذا؟ ﵃ وأرضاهم؛ لأنهم يفرحون إذا نبههم أحد بعيوب أنفسهم، ويعدون ذلك من باب النصيحة، ولم يتكبروا، وقد ورد في ذم التكبر آيات وأحاديث تبين أنه شر كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
في السنة أيضاً مما يحذر عن التكبر أحاديث عن رسول الله ﷺ فهو يقول: ﴿لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطراً﴾ ويقول ﷺ : ﴿يقول الله : العز إزاري, والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئاً منهما عذبته﴾ ويقول ﷺ : ﴿يقول الله جل وعلا: الكبرياء ردائي, والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما، ألقيته في النار﴾ ويقول ﷺ : ﴿ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظٍٍ مستكبر﴾ رواه البخاري ومسلم.
والتقى عبد الله بن عمر بـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ على المروة، فتحدثا، ثم مضى عبد الله بن عمرو بن العاص، وبقي عبد الله بن عمر يبكي ﵁ وأرضاه، فقال له رجل: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا -يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص - زعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من كبر، كبه الله لوجهه في النار﴾.
وورد أيضاً في الحديث: ﴿يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجنٍ في جهنم يقال له: بُلس, تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال﴾ ويقول ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبةٍ من كبر، فقال رجل: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، قال: إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس﴾.
عباد الله! إن الخير والهدى هو في اتباع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ , وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أدر عليهم دائرة السوء، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزّقهم كل ممزق، اللهم دمّر اليهود والنصارى المبشرين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، اللهم أبعدهم عن بلدان المسلمين يا رب العالمين.
اللهم قاتل الشيوعيين وانصر المجاهدين عليهم يا رب العالمين, اللهم انصر المجاهدين في برك وبحرك، اللهم ثبت أقدامهم, وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم اجعلهم سِلماً لأوليائك حرباً على أعدائك يا رب العالمين، اللهم وأظهر بهم الدين والحق الذي رضيته يا رب العالمين.
اللهم أصلح إمام المسلمين وارزقه الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا, واجعلهم قرة أعين لنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منا وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1105
غزوة أحد
تطرق الشيخ في هذه المادة إلى بيان وقائع غزوة أحد مشيراً إلى زمن وقوعها، وما هو سببها، ولمن كانت الغلبة، والترتيب العسكري لكلا الجيشين، ومبيناً حب الصحابة للشهادة في سبيل الله وشدة تفانيهم في الدفاع عن رسول الله ﷺ ، ونبه إلى خطر مخالفة أمر الرسول ﷺ ، وقبل هذا أشار إلى خطر المنافقين على الصف الإسلامي وتخذيلهم لضعاف الإيمان، وختم هذه المادة بوصية العمل الصالح قبل هجوم هاذم اللذات ومفرق الجماعات.
стр. 1106
وقائع غزوة أحد
الحمد لله رب العالمين، الفعال لما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبي ما طلعت الشمس ولا غربت على مثله، نبي أسس الله به ملة الإسلام، وشيد به دولة الإسلام ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله! لقد سمعنا في رمضان ما وقع في السابع عشر من الغزوة الكبرى التي غزاها رسول الله ﷺ وسميت بذلك يوم الفرقان؛ لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، وفي هذه اللحظات نعيش دقائق أو بضع ساعة مع الغزوة التي تليها وهي غزوة أحد.
أيها الإخوة في الله! إن أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ هي غزوة بدر الكبرى، نعم.
إنها غزوة بدر الكبرى التي فرق الله بها بين الحق والباطل، الغزوة التي قتل فيها رءوس الكفر وصناديدهم، الغزوة التي حصل فيها النصر للإسلام والمسلمين، حيث مكن الله المسلمين من عدوهم فقتلوهم شر قتلة وأسروا منهم من أسروا، وولى بعضهم مدبرين منهزمين، مغمومين مقهورين.
ولكنهم مع ذلك إذا ذكروا تلك الهزيمة وتلك المقتلة أثرت عليهم، وأجاشت شرهم وحمستهم على أن يأخذوا بثأرها.
стр. 1107
سبب غزوة أحد
جعل أبو سفيان يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين ويجمع الجموع، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة فنزل قريباً من جبل أحد، وذلك في شوال قال بعض العلماء: إنها في اليوم السابع من شوال -توافق هذا اليوم- في السنة الثالثة من الهجرة.
стр. 1108
مشاورة النبي ﷺ لأصحابه
لما وصل الخبر إلى رسول الله ﷺ استشار أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة فكان رأيه ﷺ ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي وكان هو الرأي.
فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر وأشاروا على رسول الله ﷺ بالخروج وألحوا عليه في ذلك وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، وألح أولئك على رسول الله ﷺ فنهض ﷺ ودخل بيته ولبس لامته وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، فقالوا: يا رسول الله! إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه﴾.
فخرج ﷺ في ألف من الصحابة واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي بـ المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤياً وهو بـ المدينة؛ رأى أن في سيفه ثلمة، ورأى أن بقراً تذبح وأنه أدخل يده في درعٍ حصينة، فتأول الثلمة في سيفه: برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقر: بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الدرع: بـ المدينة.
стр. 1109
رأس النفاق ينخذل بثلث العسكر
خرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عبد الله بن أبي رأس المنافقين بنحو ثلث العسكر وقال: تخالفني وتسمع من غيري فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يوبخهم ويحضهم على الرجوع، ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم عبد الله بن حرام.
فسلك رسول الله ﷺ حرة بني حارثة، وقال: ﴿هل من رجل يخرج بنا على القوم من كثب؟ فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين وكان صاحب هذا الحائط أعمى فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: لا تقتلوه، فهذا أعمى القلب أعمى البصر﴾ وسار رسول الله ﷺ حتى نزل الشِعْب من أحد في عدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم.
стр. 1110
الترتيب العسكري لجيش المسلمين
لما أصبح يوم السبت تعبأ الرسول للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارساً، واستعمل على الرماة وكانوا خمسين عبد الله بن جبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم وألا يفارقوه ولو رأوا الطير تتخطف العسكر وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم، فظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، يعني: لبس درعاً فوق درع وأعطى اللواء ذلك الشاب مصعب بن عمير ﵁، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو، واستعرض الشباب يومئذٍ -أيهم يريد أن يخرج للمباراة ليشجع على الشوط الأول والشوط الثاني، هل تظنون ذلك يا أهل الإسلام؟ لا والله، استعرض الشباب ليقفوا أمام الأعداء، ليصدوا عن دينهم وعن عقيدتهم.
استعرض الشباب يومئذٍ فرد من استصغره عن القتال، خرجوا لم يبلغوا من العمر الرابعة عشرة وكانوا يبكون لما ردهم عن القتال ﵃ وأرضاهم، أين نحن من شبابنا أو من بعض شبابنا؟ أين نحن من بعض الشباب الذين لم يهتموا بذلك وإنما اهتموا بأشياء تافهة دسها عليهم أعداء الإسلام وأعداء المسلمين؟
كان من هؤلاء الشباب: عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة وأجاز النبي ﷺ من رآه مطيقاً، وكان منهم: سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهم من العمر خمس عشرة سنة فقيل: أجاز من أجاز لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة، ورد من رد لصغره عن سن البلوغ.
стр. 1111
الترتيب العسكري لجيش المشركين
أيها المسلمون! أما قريش، أما المشركون فتعبأت للقتال، وهم في ثلاثة آلاف وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفع رسول الله ﷺ سيفه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة، وكان شجاعاً بطلاً يختال في الحرب ﵁.
стр. 1112
نشوب المعركة
كان أول من بدر من المشركين: أبو عامر الفاسق وكان يسمى: الراهب، فسماه رسول الله ﷺ : الفاسق، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله ﷺ فخرج من المدينة وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله ﷺ ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، فكان أول من لقي المسلمين فنادى قومه وتعرف عليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق.
فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً وكان شعار المسلمين يومئذٍ: أمت، يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، لا لـ قومية، ولا لوطنية، ولا لجاهلية، وإنما يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا.
وأبلى يومئذٍ أبو دجانة، وطلحة بن عبيد الله، وأسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب وأنس بن النضر، وسعد بن الربيع.
стр. 1113
مخالفة الرماة لأمر الرسول ﷺ ونتيجة ذلك
وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار فانهزم أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بحفظه.
هذه معصية وقعت عصوا بها رسول الله ﷺ وتركوا مركزهم وقالوا: يا قوم! الغنيمة الغنيمة فذكَّرهم أميرهم عهد رسول الله ﷺ فلم يسمعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة وذهبوا في طلب الغنيمة، وأخلو الثغر، وكر فرسان المشركين فوجدوا الثغر خالياً قد خلا من الرماة فجاوزوا منه وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، وقُتِل من المسلمين من قُتِل، أكرمهم الله بالشهادة وهم سبعون.
стр. 1114
إصابة النبي ﷺ ودفاع الصحابة عنه
تولى الصحابة وخلص المشركون إلى رسول الله ﷺ فجرحوا وجهه ﷺ وكسروا رباعيته اليمنى وكانت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه ﷺ ، ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين، فأخذ علي ﵁ بيد رسول الله ﷺ واحتضنه طلحة بن عبيد الله.
وكان الذي تولى أذى رسول الله ﷺ عمرو بن قمئة، وعتبة بن أبي وقاص.
وقُتِل مصعب بن عمير الذي معه لواء المسلمين، قتل ذلك الشاب وخر صريعاً شهيداً في سبيل الله، فدفع رسول الله ﷺ اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجه رسول الله ﷺ فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه ﷺ ، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته ﷺ وقال له: رسول الله ﷺ : مجه -أي: اتفل هذا الدم- فتحسف أن يتفل دم رسول الله ﷺ فابتلعه فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
ياله من ابتلاء وقع للمسلمين، تكالبت أيدي المشركين على رسول الله ﷺ ، يريدون ما الله حائل بينهم وبينه، فحال الله دونهم وما يريدون، حال دونهم الله ونصر رسوله ﷺ حال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عن رسول الله ﷺ ، وترس أبو دجانة عليه بظهره والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك ﵁ وأرضاه، وأصيبت يومئذٍ عين قتادة بن النعمان وسقطت فأتى بها رسول الله ﷺ ، فأخذها بيده فردها مكانها وكانت أصح عينيه وأحسنهما.
وصرخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمداً قد قتل، ووقع ذلك في قلوب كثيرٍ من المسلمين وفر أكثرهم، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وأقبل رسول الله ﷺ نحو المسلمين وكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أبشروا هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إليه أن اسكت واجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشِعْب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم.
فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسول الله ﷺ أبي بن خلف على جوادٍ له يقال له: العود، زعم عدو الله أنه يقتل عليه رسول الله ﷺ ، فلما اقترب منه عدو الله تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فطعنه بها فجاءت في ترقوته فخر عدو الله منهزماً، وكان يعلف فرسه بنفسه ويقول: أقتل عليه محمداً، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ؛ فقال: ﴿بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى﴾ فلما طعنه رسول الله ﷺ تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله؛ فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح فمات منه في طريقه وهو راجع إلى مكة.
وجاء علي إلى رسول الله ﷺ بماءٍ ليشرب منه، فوجده آجناً فرده وغسل عن وجهه الدم ﷺ ، وصب على رأسه فأراد رسول الله ﷺ أن يعلو صخرة هنالك، فلم يستطع لما به من الجراح فجلس طلحة تحته حتى صعدها وحانت الصلاة فصلى بهم جالساً ﷺ .
وصار رسول الله ﷺ في ذلك اليوم تحت لواء الأنصار.
стр. 1115
من محبة رسول الله الدفاع عنه وعن سننه
إنني أحس من نفسي أن بعض الإخوان تحمس وبوده أن يدافع في تلك اللحظة عن رسول الله ﷺ ، ورسول الله قد مات ولكن سنته باقية، فالدفاع الدفاع عن سنة رسول الله إن كنت تحب رسول الله ﷺ ، إن كنت تحب الجهاد فجاهد نفسك يا عبد الله! على طاعة الله ، ما هذا الكسل؟ ما هذا الخمول يا أمة الإسلام؟ أين الصفوف المتراصة في رمضان في صلاة الفجر وغيرها؟ لماذا انهزمت هذه الصفوف؟ هل حضرت غزوة أحد وقتلوا في تلك المعركة؟ أم أغواهم الشيطان وصدهم عن سبيل الله؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أولئك الصحابة ﵃ الذين تفانوا تحت راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لنصرة دين الله، فحيا بكم أيها المسلمون! انصروا دين الله إن أردتم النصر من الله ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧].
هذه نبذة يسيرة عن أخبار أولئك الرجال الذين دافعوا عن دينهم وعن عقيدتهم، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى كتب أهل العلم، علماء الإسلام الذين خدموا العلم ودونوه جزاهم الله خير الجزاء.
وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1116
حب الصحابة للجهاد
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اعتبروا بأحوال أولئك الرجال، هذا أنس بن النضر لما انهزم الناس قال: [[اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين- ثم تقدم ﵁، فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واه لريح الجنة، واه لريح الجنة، واه لريح الجنة يا سعد! إني أجدها دون أُحد]] ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عُرف حتى عرفته أخته ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم.
وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل أحد مبشر بن عبد المنذر يقول لي: [[أنت قادم علينا في أيام، فقلت: وأين أنت فقال: في الجنة نسرح فيها كيف نشاء، قلت: له ألم تقتل يوم بدر، قال: بلى.
ثم أحييت]] فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ﴿هذه الشهادة يا أبا جابر!﴾.
وقال خيثمة ﵁ وكان ابنه استشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر: [[لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت والله عليها حريصاً، حتى ساهمت ابني في الخروج أي: ضربت أنا وهو السهام فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً وقد والله يا رسول! أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنة وقد كبر سني ورق عظمي]].
الله أكبر! لا إله إلا الله! هؤلاء الرجال يقول يا رسول الله: [[قد كبر سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي فادع الله يا رسول الله! أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة]] فدعا له رسول الله ﷺ بذلك فقتل بـ أحد شهيداً.
стр. 1117
غسيل الملائكة
وهذا حنظلة بن أبي عامر، لما سمع الصيحة وهو على امرأته في ليلة عرسه قام من فوره إلى الجهاد وعليه جنابته ﵁، فلما انتهت المعركة أخبر رسول الله ﷺ أن الملائكة تغسله بين السماء والأرض بصحافٍ من ذهب بماء السلسبيل.
نعم.
أولئك الرجال الذين يستجيبون لداعي الله وأين هم منا؟ وفي مجتمعنا الذي يسمع بعض الناس (حي على الصلاة حي على الفلاح) ولا يجيب.
بعض الذين يتزوجون يجلس سبعة أيام لا يعرف بيوت الله، وبعضهم يسافر إلى الخارج ليتعرف على الكفار ويخالط الكفار؛ يشرب معهم الخمور ويأكل معهم لحوم الخنازير، وهذا شهر العسل الذي خالف فيه حنظلة بن أبي عامر الذي غسَّلته الملائكة بماء السلسبيل بين السماء والأرض.
أولئك الرجال الذين عرفوا المستقبل الحقيقي، إنه المستقبل الذي لا يبيد في جنات النعيم في جوار رب العالمين.
أما البعض من مجتمعنا يسمعون المنادي ينادي للصلاة وكأنهم لا يسمعون، فيالها من مصيبة وياله من كسر لا يجبر، نسوا أنهم سوف يهجم عليهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، سوف يخرجهم من القصور والفِلل العامرات وسوف يسكنون في حفر مدلهمة ليس فيها أنيس ولا جليس إلا الأعمال، فإن كانت صالحة فيالها من نعمة في روضة من رياض الجنة، وإن كانت الأعمال خبيثة فيالها من خسارة ويالها من حسرة، ما أعظمها إنه في حفرة من حفر النار.
فيا من أضاع العمر بالأعمال الخبيثة! بادر إلى المتاب قبل غلق الباب، وقبل طي الكتاب، وإسبال الحجاب إلى ما فيه.
يا عباد الله! الصلاة الصلاة! التي كان يوصي بها رسول الله ﷺ وهو يلفظ آخر أنفاسه في الحياة وهو يقول: ﴿الصلاة الصلاة﴾ التي أضاعها كثير من الناس فإنا لله وإنا إليه راجعون.
عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وارض الله على خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم رد المسلمين إلى دينهم الصحيح ليكونوا عباداً لك دائماً وأبداً، لا عباداً لرمضان، ولا عباداً للشهوة، يكونوا عباداً حتى يأتيهم اليقين أسوةً برسول الله ﷺ ، اللهم أيقظنا من رقدة الغفلة، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا ما تبغضه وتأباه، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، يا رب العالمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1118
فراغ الشباب والحذر من الفيديو
إن الوقت الذي نعيشه في هذه الدنيا لا يقدر بالأثمان، من ربحه ربح عمره، ومن خسره خسر حياته، وخاصة أوقات الشباب، وستجدون في غضون هذه المادة الحث على اغتنام الأوقات، والتحذير من الفراغ وضياع الوقت فيما لا يعود بطائل نفع، والتحذير من الفيديو المهدم.
стр. 1119
التحذير من الفراغ والحث على اغتنام الأوقات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن الوقت الذي تعيشونه في هذه الدنيا لا يقدر بالأثمان، فاحفظوه يا عباد الله! واغتنموا أوقاتكم بما يعود عليكم نفعه في الدنيا والآخرة، ولا تضيعوا أوقاتكم باللهو والغفلة؛ فتخسروا الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون: في هذه الأيام يختتم أولادكم عامهم الدراسي الذي أشغلوه بالدراسة، وبعد الدراسة والجهد الكبير ماذا سوف يحصل من الفراغ يا عباد الله؟!
стр. 1120
حال الشباب مع الفراغ
إن هذا الفراغ الذي سيحصل للشباب بعد انقطاع العام الدراسي الذي كانوا فيه مجتهدين ومستغلين لأوقاتهم؛ لا بد أن تنعكس آثاره على نفوسهم وتفكيرهم وسلوكهم، فإما أن يستغلوه في خير وصلاح، فيكون ربحاً وغنيمة للفرد والمجتمع، ويعود نفعه على الجميع، وإما أن يستغلوه في شر وفساد، فيكون خسارة وغبناً للفرد والمجتمع، يخسر فيه نفسه ووقته، ويستغل قواه فيما يشقى به وتشقى به الأمة.
وإما أن يقضوا أوقاتهم ويضيعوها سدى، لا يعملون ولا يفيدون، أفكارهم متجمدة، وأذهانهم خاوية متبلدة، يصيرون عالة على أهلهم وعلى مجتمعهم، زيادة على ذلك إذا عدموا التوجيه السليم من الآباء والأمهات، بل بعض الآباء الذين طغت عليهم المادة هم السبب في انحراف أولادهم وفسادهم هدانا الله وإياهم، فتجد أولادهم في كل وادٍ يهيمون، ولكنهم لن يتركوا سدى، إنهم سوف يحاسبون على تفريطهم، وسوف يندمون حين لا ينفع الندم.
نعم يا عباد الله: هذا قسم من الناس فرطوا في أماناتهم وضيعوها، وعند الموت وسكراته سوف يقولون: ما أخبر الله عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٩].
نعم يا عباد الله! سوف يتمنى البعض من الناس الرجوع عند الموت؛ ليستدرك ما فات، ولكن هيهات أن يجاب إلى ذلك، اسمعوا إلى قول الحق جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ويقول جل وعلا حاثاً على العمل الصالح قبل قرب الأجل وحلول الموت: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١٠ - ١١].
стр. 1121
استغلال أوقات الفراغ
عباد الله: البعض من الشباب يتساءل في أي شيء أقضي أوقات الفراغ؟ نعم هكذا يتساءل البعض، ولكن الشباب المتطلع إلى المجد والعلا لا يتحير أبداً أن يستغل أوقات فراغه، يمكن أن يستغل أوقاته بعد أداء الفروض والواجبات بمذاكرة العلم ومدارسته، سواء في دروسه التي انتهى منها، أو فيما يستقبل، أو في كتب علم يتثقف بها ثقافة عامة، فيقرأ في كتب التفسير القيمة السالمة من الزيغ في تحريف معاني القرآن، ويقرأ في كتب الحديث الصحيح، وفي مقدمتها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويقرأ في كتب التاريخ المعتمدة، لا سيما تاريخ صدر الإسلام كسيرة نبينا محمد ﷺ وخلفائه الراشدين؛ لأنها سيرة وسلوك، تزيد القارئ علماً بأحوال النبي ﷺ وخلفائه وصحابته، وتحببهم إليه.
وأحذرك يا أخي المسلم! أحذرك يا من تؤمن بالله واليوم الآخر من النظر أو القراءة فيما يخشى منه على العقيدة والأخلاق والسلوك، سواءً كانت كتباً مؤلفة أو صحفاً أو مجلات، فإن كثيراً من الناس ينظر في مثلها أو يقرؤها، يظن أنه يثق بنفسه، ثم لا يزال الشر يتجارى به فلا يستطيع الخلاص.
وكذلك من المهم -يا عباد الله- أن يشتغل المؤمن دائماً بذكر الله وبطاعته؛ لأن الله أمر بذلك فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] لأن الإنسان مسئول عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به.
فعمرك يا أخي المسلم هو أعز شيء لديك فلا تضيعه ولا تفرط فيه.
فيا أخي المسلم! احرص على نفسك وأهلك وأولادك، واحرص أن تقضي هذه العطلة الصيفية بتعليم أولادك القرآن، وتحضرهم معك إلى بيوت الله، وتراقب حضورهم وغيابهم، وتنصحهم وتسعى في إصلاحهم، ليكونوا عوناً لك في هذه الحياة، وخلفاً وذخراً لك بعد الممات، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، ووفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه إنك على كل شيء قدير، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1122
التحذير من الفيديو المهدم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله .
أمة الإسلام: يقول رسول الله ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ حديث صحيح، أي: أن الكثير من الناس يظلمون أنفسهم ويهضمون حقوقهم ويهملون واجباتهم؛ بسبب لهوهم ولعبهم وتركهم الانتفاع الجدي بصحتهم وأوقات فراغهم.
والإسلام يا عباد الله! دينٌ يعرف قيمة الوقت، فهو يدعو إلى الانتفاع بكل لحظة من لحظات الحياة، ويحذر من الخوض في اللهو الباطل.
نعم أيها المسلمون: هذا هو الوقت في نظر الإسلام، جد واجتهاد، وعمل مبرور، وسعي مشكور، وصبر ومصابرة، وعبادة خالصة، واغتنام للوقت، وانتهاز للفرص، وإشفاق من قول الحق جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] هذا هو الوقت وقيمته الأعمال الصالحة التي سوف تجدونها يوم القيامة، أما الذين استرسلوا في شهواتهم وقتلوا أوقاتهم، من خمور يشربونها، وفواحش يرتكبونها من زنا ولواط، ومن قيل وقال؛ فسيجدون غبها يوم القيامة.
ويا للأسف الشديد على أوقات تقتل في لعب الورق، وسهر معها، ومع السلاح الفتاك الذي يستعمل لقتل الأخلاق، والقضاء على الفضيلة حتى تحل مكانها الرذيلة، مع السلاح الذي رومينا به في بلادنا، حتى تسلل إلى كثير من بيوت المسلمين، وصار في متناول النساء والأطفال وسفلة الرجال، ألا وهو جهاز الفيديو، ذلكم الجهاز الخبيث الذي تعرض على شاشته أفلام الدعارة والمجون، أفلام الزنا واللواط، أفلام الرقص والاختلاط، والأفلام التي تعلم السرقة والخيانة، وممارسة الجريمة.
إن هذا الفيديو الخبيث يقضي على الغيرة والحياء، ويجرئ على ارتكاب الفاحشة، فيا من عافاك الله منه! احمد الله واحذر أن يدخل بيتك، ويا من ابتليت به تب إلى الله وأخرجه من بيتك، ولا تفسد به أخلاق نسائك، وأولادك وجيرانك، فتكون مع الذين يحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم.
أمة الإسلام أخي المسلم! هل ترضى أن تكون ابنتك راقصة مغنية؟
هل ترضى أن تكون زوجتك راقصة مغنية؟
هل ترضى أن تغازل زوجتك الرجال الأجانب؟
هل ترضى أن يكون ولدك مغنياً يقضي وقته في معصية الله؟
إن كنت ترضى ذلك فالله يعينك على ما أمامك من السؤال والحساب الشديد، وإن كنت لا ترضى بذلك، فتب إلى المولى القدير، تب إلى عالم السر والنجوى، أخرج هذه الفتن من بيتك قبل أن يأتيك الأجل وهي في بيتك، ميراث لأولادك، يشبون عليها ويهرمون، ثم بعد ذلك تكون عليك حساباً ووبالاً يوم القيامة.
اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن أبداً ما أبقيتنا يا رب العالمين!
عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وسلم تسليماً كثيراً يا رب العالمين!
اللهم ارض عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
لا إله إلا أنت سبحانك، لا رب لنا سواك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نسألك بأن لك الْحَمْدُ، لا إله إلا أنت، المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! أن تعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك يا رب العالمين!
اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، نأمر بالمعروف ونأتيه، وننهى عن المنكر ونجتنبه يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين.
اللهم نفس كرب المكروبين من المسلمين، اللهم واشفِِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم واغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم فاغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، وأغلسهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وارحمنا اللهم إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا، والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1123
فضل القرآن الكريم
إن الله جل وعلا أرسل محمداً ﷺ ، وجعل له أعظم معجزة، وهي القرآن الكريم؛ وإن للقرآن فضائل شهد بها أعداء الله ، وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس فضائل القرآن الكريم وما يجب علينا نحوه.
стр. 1124
أكبر معجزات الرسول ﷺ
الحمد لله رب العالمين، أحمدك اللهم وأشكرك على نعمة القرآن العظيم، وأشهد أن لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام، جلَّ رباً وتعالى ملكاً ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] خلق فسوى، وقدّر فهدى، وأنزل على عبده ورسوله محمد: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وأشهد أن محمداً عبده رسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى وأطيعوه، فلقد أنعم الله عليكم ببعثة محمد ﷺ حيث أنزل الله عليه القرآن الذي هو أكبر معجزات نبينا محمد ﷺ ، ولقد أتم الله نعمته الكبرى التي قشعت ظلام الجهل والشرك، نعمة الإسلام التي أخرج الله بها العباد من ظلمات الجهل والضلال، من عبادة العباد إلى نور الإيمان، إلى نور العلم والهدى، إلى الهداية السعيدة، إلى عبادة الواحد الديان.
يا عباد الله! إنه الكنز العظيم وإنه القرآن العظيم ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١].
стр. 1125
حكمة إنزال القرآن
القرآن شفاء لما في الصدور، وهدى للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
القرآن أنزله الله للعمل به، ولتدبر آياته، وللاتعاظ والتذكير ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
القرآن أنزله الله ليعرف الخلق بخالقهم جلَّ وعلا، ويُعرِّفهم أنهم مبعوثون، ولم يخلقوا عبثاً ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
القرآن نزلت فيه البشارة للمؤمنين, والنذارة للكافرين: ﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ [الكهف:٢ - ٣].
القرآن أنزله الله ليكون المُحكِّم الأول في جميع شئون حياة المسلمين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
نزل القرآن عصمةً ونجاة لمن تمسك به، أنزله الله حجةً على العالمين، وعلامةً على صدق رسالة عبده ورسوله محمد.
نعم! أنزل القرآن بتلكم الأمور.
следующие страницы →