Полный текст (1 664 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الاعتبار بالأولين
عباد الله: أين الأولون ومن مضى من الآخرين؟
أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟
أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟
خالد بن الوليد ﵁ في إحدى المعارك تنكسر في يده تسعة أسياف، وما بقي بيده إلا حديدة يمنية، ويقول وهو على فراش الموت: [[لا نامت أعين الجبناء أموت كما يموت البعير]] لا إله إلا الله.
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحدُ
أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟
أين الذين ملئوا ما بين الخافقين فخراً وعزاً؟ أين الذين فرشوا القصور خزاً وقزاً؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبةً وهزاً؟ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟
أفناهم والله مفني الأمم، وأبادهم مبيد الرمم، أخرجهم من سعة المساكن والقصور، وأسكنهم في ضيق اللحود والقبور، تحت التراب والصخور ولم يدفع عنهم ما جمعوه من الحطام، ولا أغنى عنهم ما كسبوا من الأموال، أسلمهم الأحبة والأقرباء، وهجرهم الإخوان والأصفياء، ونسيهم القريب والبعيد، فهم الآن في بطون الألحاد رهائن الأعمال.
стр. 107
الموت حق على العباد
يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا مات الميت تبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع الأهل والمال، ويبقى العمل﴾ لا إله إلا الله! يرجع الأهل والمال، ويبقى العمل، اللهم اجعل أعمالنا صالحة، واجعلها خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين.
فيا أخي في الله! مثل نفسك وقد حلت بك السكرات ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
مثل نفسك وقد نزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلان قد أوصى، ومن قائل يقول: إن فلاناً ثقل لسانه، ولا يكلم أهله ولا إخوانه، ومع ذلك هو يسمع الخطاب ولا يقدر على رد الجواب ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
فيا عباد الله: إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنةً عرضها السماوات والأرض، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله، قضى نحبه وانقضى أجله، فتدعونه في صدعٍ من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، القبر أول منازل الآخرة، فاتقوا الله عباد الله.
стр. 108
الغفلة هي الداء العضال
ابن آدم: يا مدعواً إلى نجاته وهو يتوانى! يا مأموم الهوى كم أورث الهوى هواناً! يا هائماً في فيافي الغفلات كم أورثت الغفلات صاحبها حرمانا!
ابن آدم! أما أخبرت أن رحيلك إلى الآخرة قد أزف وتدانى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]
ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسبُ وتجمع في لوح حفيظ وتكتبُ
وقلبك في سهو ولهو وغفلة وأنت على الدنيا حريص معذبُ
تباهي بجمع المال من غير حله وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنبُ
الله أكبر! كأنه والله يخاطبنا في هذا الزمان يا إخوان!
لا إله إلا الله كيف لو رأى زماننا! زمان الربا والغش والمخادعات والخيانات والرشوة وبيع آلات اللهو والمخدرات والمسكرات وبيع الدخان، وبيع مجلات الصور الخليعة التي فيها الضلال والغواية نسأل الله العافية! كيف لو رأى هذا الزمان ﵀!
أما تذكر الموت المفاجيك في غد أما أنت من بعد السلامة تعطبُ
أما تذكر القبر الوحيش ولحده به الجسم من بعد العمارة يخربُ
أما تذكر اليوم الطويل وهوله وميزان قسط للوفاء سينصبُ
تروح وتغدو في مراحك لاهياً وسوف بأشراك المنية تنشبُ
تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحم ينجي ولا ثم مهربُ
وغمضت العينان بعد خروجها وبسطت الرجلان والرأس يعصبُ
وقاموا سراعاً في جهازك أحضروا حنوطاً وأكفانا وللماء قربوا
وقد نشروا الأكفان من بعد طيها وقد بخروا منشورهن وطيبوا
وألقوك فيما بينهن وأدرجوا عليك مثاني طيهن وعصبوا
وفي حفرة ألقوك حيران مفرداً تضمك بيداء من الأرض سبسبُ
إذا كان هذا حالنا بعد موتنا فكيف يطيب اليوم أكلٌ ومشربُ
وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ به ظلمات غيهب ثم غيهبُ
وهول وديدان وروع ووحشةٌ وكل جديد سوف يبلى ويذهبُ
فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه فهاذم لذات الفتى سوف يقربُ
فيا عباد الله: احذروا من الغفلة، وتذكروا هاذم اللذات.
هو الموت ما منه ملاذ ومهربُ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نشاهد ذا عين اليقين حقيقةً عليه مضى طفل وكهل وأشيب
فيا من شغلته الدنيا عن طاعة الله، وأغفلته ذكر الله! استيقظ ما دمت في زمن الإمكان.
стр. 109
الإكثار من ذكر هاذم اللذات
أخي في الله: تذكر حين ينزل بك الموت، يوم يجلسون حولك وأنت تعاني من سكرات الموت، وهم يبكون وينادون بصوت يقطع نياط القلوب.
يقول الولد: هل تعرفني يا أبتاه؟ والأقارب يقولون: هل تعرفنا يا فلان؟ والميت ينظر إليهم وعيناه قد اغرورقت بالدموع، ولكن لا يستطيع الرد عليهم فقد تعذر عليه الكلام ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]
ثم لم يلبثوا إلا قليلاً، وإذا بملك الموت قد قبض الروح ومال الأنف، وانفتح الفم، وشخص البصر.
فيا عباد الله! يا لها من ساعة يتكدر فيها الصفاء! ويتنغص فيها العيش! إذا نزل هاذم اللذات، فإنه والله أمر جلل وخطب فادح، لا بد منه لكل مخلوق.
عباد الله: اعلموا علم اليقين أنه لا بد من السفر من هذه الدار، ومن شك في ذلك فليتذكر من سبقه من الأولين والآخرين.
وكيف يحصل التذكر؟
الجواب
قال رسول الله ﷺ : ﴿زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة﴾.
فيا من اغتر بطول الأمل! ويا من غفل ولها وسها! تذكر هاذم اللذات، الذي ما طلب أحداً فأعجزه، ولا تحصن منه متحصن إلا أخرجه وأبرزه، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] إنه الموت يأتي على غرة وبدون إنذار، إنه هاذم اللذات يأتي على غرة وبدون إنذار، أما أخذ الآباء والأجداد؟ أما أخذ الشباب والأولاد؟ أما ملأ القبور والألحاد؟ أما أرمل النساء وأيتم الأطفال؟
إنه هاذم اللذات!
стр. 110
فوائد تذكر الموت
قال أحد العلماء رحمه الله تعالى: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، والنشاط في العبادة.
لا إله إلا الله.
اسمع أخي في الله: احفظ هذه الثلاثة، فإذا نسيت هاذم اللذات، فتذكر هذه الكرامة لمن أكثر من ذكره، الأولى: تعجيل التوبة، والثانية: قناعة القلب، الثالثة: النشاط في العبادة، ولذلك يقول الرسول ﷺ لـ عبد الله بن عمر: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ رواه البخاري.
ماذا قال ابن عمر ﵁؟ قال: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]].
стр. 111
عواقب قلة ذكر الموت
ويقول: من نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، يقول: سوف أتوب، أنا الآن في عنفوان الشباب -الله المستعان- كأن عنده وثيقة أن الموت سوف يأتيه في وقت كذا وكذا؛ لا إله إلا الله! وما يدري إلا وقد هجم عليه هاذم اللذات، فنشبت المنية أظفارها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
المصيبة الثانية لمن ابتلي بعدم الإكثار من ذكر الموت، يقول: يصاب -أيضاً- بعدم الرضا، تجده الليل والنهار يلهث ويركض وراء هذه الدنيا، ووالله لن يحصل إلا ما كتب الله له.
والعقوبة الثالثة لمن نسي الموت: التكاسل في العبادة، كلما قيل له شيء، قال: الله غفور رحيم، وتمضي عليه الأيام، الله لا شك أنه غفور رحيم، لكنه شديد العقاب.
стр. 112
أحوال الناس مع ذكر الله
يا عباد الله: علينا أن نتقي الله ، ووالله الذي لا إله غيره، إن الأحوال يرثى لها في هذه الأزمان، أزمنة الفتن والمغريات والشهوات والماديات التي طغت.
يا عباد الله! من المؤسف أنك تجلس في كثير من المجالس لا تسمع من يذكر الله ويصلي على رسول الله ﷺ ، إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا يا رب العالمين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩] انظر الخطاب للمؤمنين، (يا أيها الذين آمنوا) ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١١] الله أكبر! لا إله إلا الله، اللهم اهدنا وسددنا، اللهم أيقظنا من رقداتنا يا رب العالمين.
стр. 113
على فراش الموت
اسمع يا أخي في الله! إلى هذه الحالات التي والله ستمر بنا جميعاً نسأل الله حسن الختام، يا رب اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله.
كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون
واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار في الحلق مراً حين غرغرني
وغمضوني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شِرا الكفن
وقام من كان أولى الناس في عجل إلى المغسل يأتيني يغسلني
فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني
وأطرحوني على الألواح منفرداً وصار فوقي خرير الما ينظفني
وألبسوني ثياباً لا كموم لها وصار زادي حنوطاً حين حنطني
وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني
صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
اللهم ارحمنا بواسع رحمتك يا أكرم الأكرمين! ويا أجود الأجودين!
وأنزلوني في قبري على مهلٍ وأنزلوا واحداً منهم يلحدني
فقام محتزماً بالعزم مشتملاً وصفف اللبن من فوقي وفارقني
وقال هلوا عليه التراب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن
في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا أبٌ شفيقٌ ولا أخٌ يؤنسني
стр. 114
حال الميت في قبره
اسمع خبر الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، يقول صلوات ربي وسلامه عليه كما في حديث أنس بن مالك المتفق على صحته، يقول ﷺ : ﴿إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت! ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين﴾ والحديث متفق عليه.
стр. 115
خطوات في طريق العودة إلى الله
يا إخواني في الله: ماذا بقي وقد سمعنا هذه الأخبار من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ومن كلام العلماء جزاهم الله خيراً؟ وكما قيل: المواعظ للقلوب كالسياط للأبدان.
إخواني في الله: علينا أن نجدد صفحة جديدة، نقلب صفحة جديدة ونتوب إلى الله ، وكما قلت لكم في بداية الكلام: كان رسول الله ﷺ سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: ﴿والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة﴾ ﷺ .
فيا أخي في الله: حاسب نفسك ما دمت في زمن الإمكان، هل تكثر من تلاوة القرآن؟
هل أنت تكثر من ذكر الله؟
هل أنت تكثر من الاستغفار؟
هل أنت تبادر إلى أداء الفرائض وتتبع ذلك بالنوافل؟
أبشر أخي في الله! يقول الرب ﷻ في الحديث القدسي: ﴿وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه إلخ﴾ رواه البخاري.
أيضاً: أخي في الله إذا حصلت محبة الله جل وعلا فأبشر، يقول الرسول ﷺ : ﴿إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل ﵇، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض﴾ والحديث متفق عليه، وفي رواية مسلم: ﴿وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل، فقال: يا جبريل! إني أبغض فلاناً فأبغضه﴾ يا رب نسألك العافية، لا حول ولا قوة إلا بالله.
لماذا أحب الله هذا ولماذا أبغض هذا وليس بينهم وبين الله نسب فكلهم عباده خلقهم لعبادته جل وعلا؟! لأن ذلك امتثل أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ ، وهذا عصى الله وعصى رسوله ﷺ ، وأهانه الله ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨] إذا أهانه الله فوالله لو اجتمع أهل السماوات والأرض ما أكرموه.
يقول ﷺ في رواية مسلم: ﴿وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه؛ فيبغضه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض﴾.
أيضاً انتبه إلى هذا الحديث: ﴿كان الرسول ﷺ واقفاً مع أصحابه فمر بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال ﷺ : وجبت، ومر بالأخرى فأثنوا عليه شراً، قال: وجبت، فقال عمر ﵁: يا رسول الله! مرت الأولى فقلت: وجبت، ومرت الأخرى فقلت: وجبت، قال: أما الأولى أثنيتم عليها خيراً، فوجبت له الجنة، وأما الأخرى فأثنيتم عليها شراً، فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه﴾.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ينتفع بالذكرى، اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل صالح مقبول، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور.
اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى يا ألله أن تحسن ختامنا، اللهم أحسن ختامنا، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ .
اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
الله أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا جميعاً هداة مهتدين، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واشف مرضانا ومرضى المسلمين أجمعين، اللهم عافنا في أبداننا وأسماعنا وأبصارنا، لا إله إلا أنت.
اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والفقر ومن عذاب القبر لا إله إلا أنت، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وقاداتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، وجزاكم الله خيراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.
стр. 116
بداية ونهاية
ونهايته هي يوم القيامة، والاغترار بالحياة الدنيا مذموم، وينبغي للعاقل أن يعد العدة لما بعد الموت، والقبر أول منازل الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، فإذا قامت القيامة فمصير الإنسان إما إلى الجنة وإما إلى النار، بعد يوم عسير فيه من الأهوال ما تشيب له الولدان.
стр. 117
أهمية التقوى
الحمد لله خلق الإنسان من سلالة من طين، خلق الإنسان من تراب، وجعل مرجعه ومآله إلى التراب، الحمد لله هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله، جعل لكل شيء نهاية كما أن له بداية، وأصلي وأسلم على نبينا محمد نبي الرحمة وقائد الغر المحجلين، جعلنا الله وإياكم منهم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله! إنه لمن دواعي الفرحة والسرور والغبطة أن نلتقي مثل هذا اللقاء الإيماني، وأن تلتقي هذه الوجوه المؤمنة بالله طلباً للخير، وحباً للفائدة، طلباً لما عند الله وخوفاً مما عنده، ونحمد الله أن نرى مثل هذا الجمع يجتمع في مجال الدعوة إلى الله، وعلى كلمة الحق، وكما تعرفون معنا في هذه الليلة رجلٌ نذر نفسه لله ، وللدعوة إليه، وهو معروف للجميع وهو فضيلة الشيخ/ عبد الله بن حماد الرسي، ولا أريد أن أطيل في تعريفه، فهو معروف للجميع، وأنا أعرف أنه لا يرضى بالثناء والحمد، فلا أستطيع أن أقول إلا تقديم الشكر الجزيل لفضيلته، وأدعو الله أن يجعل هذه الخطوات وهذه الجلسة في ميزان حسناته، كما أدعوه جل وعلا أن يجعلها أيضاً في ميزان حسناتكم جميعاً، وأسأل الله أن يجمعنا على الهدى وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وكما تعرفون أن المحاضرة بعنوان: بداية ونهاية، ومع فضيلة شيخنا ومحاضرته.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ البلاغ المبين، نصح لأمته وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
أما بعد: فإن الله يحثنا على التقوى في كتابه العزيز، وكذلك رسوله ﷺ يحثنا على التقوى، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] والتقوى هي التجارة الرابحة التي سوف يجدها المتقون ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ورسول الله ﷺ يقول: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾.
стр. 118
التقوى هي الحصن الحصين من النار
أيها الإخوة: إن التقوى هي الحصن الحصين من نار وقودها الناس والحجارة، ولله در القائل حيث يقول:
حياتك في الدنيا قليل بقاؤها ودنياك يا هذا شديدٌ عناؤها
ولا خير فيها غير زاد من التقى تُنال به جنات عدن وماؤها
بلى إنها للمؤمنين مطية عليها بلوغ الخير والشر داؤها
ومن يزرع التقوى بها سوف يجتني ثماراً من الفردوس طاب جناؤها
من التقوى أن يتقي العبد ربه، ويتوب إلى الله ، ويبادر بالتوبة النصوح ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢].
وتب مما جنيت وأنت حي وكن متنبهاً قبل الرقاد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد؟
стр. 119
ذم الدنيا والاغترار بها
هل ترضى أن تأتي يوم القيامة مفلساً، وقد أضعت هذه الحياة الدنيا التي هي متاع الغرور؟
قال الله : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] ثم ضرب الله مثلاً فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] هذه هي الآخرة، إما عذاب شديد في نار جهنم، أو مغفرة ورضوان في جنات النعيم.
فاحذروا الحياة الدنيا فإنها غرارة خداعة، وكم يمر بالأسماع من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله ﷺ من التحذير من الدنيا.
فإن الله جل وعلا يحذرنا من الدنيا ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] هذه الحياة الدنيا التي حصل بيننا بسببها البغضاء والشحناء والتقاطع والعداوة فقطيعة الأرحام وعقوق الوالدين كل هذا بسبب الدنيا، الحياة الفانية الدنيئة، التي لا تزن عند الله جناح بعوضة، يقول ﷺ : ﴿لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى كافراً منها شربة ماء﴾ ولكنها مطية للآخرة إذا عرف الإنسان كيف يتصرف بها.
стр. 120
الدنيا مطية للآخرة
أيها الإخوة: إن الدنيا مطية للآخرة، والمطية هي التي يركبها الراكب ويتخذها راحلة، والمطية يقضي عليها الإنسان حاجاته في الدنيا، فهذه الدنيا إذا استعملها الإنسان في طاعة الله وذللها لمرضاة الله، فإنها تكون له في ميزان حسناته يوم القيامة، وسوف يكون في قبره وعندما يبعث يوم القيامة أحوجَ ما يكون إلى تلك الأموال، إذا انقلبت حسنات ورآها في ميزان حسناته.
والإنسان إذا طلب منه الآن بذل شيء قليل لمشروع من المشاريع الخيرية، تثاقل عن ذلك، نسأل الله العفو والعافية، ولكن إذا رأى يوم القيامة ذلك الفضل العظيم، وذلك الجزاء الوافر، تمنى أنه أنفق كل أمواله في تلك المشاريع الخيرية، والأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] فالنفس -أيها الإخوة- تحتاج إلى جهاد، فيجاهدها على فعل الخيرات وبذل المعروف في سبل الخير، وسوف يجدها يوم القيامة، وبعكس ذلك الذي يستعمل الدنيا في مشاريع الشر؛ فإنه سوف يجد ذلك يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٦ - ٨].
أيها الإخوة: إن الدنيا مزرعة للعبادة، والله خلقنا وأوجدنا في هذه الحياة لنستكثر من الأعمال الصالحة، ونحن في دار الابتلاء ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:١ - ٢] ليبلوكم أي: ليختبركم أيكم أحسن عملاً، أيكم أحسن العمل وأخلص العمل لله، واتبع في أعماله وأقواله وأفعاله نهج رسول الله ﷺ ، فكان عمله وفقاً لكتاب الله وعلى هدي رسول الله ﷺ ، ويكمله بالإخلاص لله رب العالمين.
فهذه الحياة الدنيا سوف يقضيها الإنسان إما بالأعمال الصالحة، وسوف يجد غب ذلك، وإما بالأعمال السيئة وسوف يجد ذلك ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
стр. 121
من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه
والله أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، والله تعالى أعلم بعباده، يقول ﷺ : ﴿من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت إحدى زوجات رسول الله ﷺ : يا رسول الله! إنا لنكره الموت.
قال ﷺ : ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه﴾ فهذا الذي عمل الصالحات أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه.
لذلك الرسول ﷺ يقول عند وفاته؟ ﴿اللهم في الرفيق الأعلى﴾ حباً لمجاورة الله ، وبلال بن رباح لما جلست زوجته عند رأسه تقول كلمات، قال لها: [[لا تقولي هكذا، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه]] الله أكبر! المؤمن يفرح بلقاء الله ، ويفرح بالموت، ولكن الكافر على خلاف ذلك، يقول ﷺ : ﴿وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه﴾ رواه البخاري ومسلم.
стр. 122
حال المؤمن والكافر عند خروج الروح
المؤمن -أيها الإخوة- له أحوال طيبة عند خروج الروح، تتنزل عليه الملائكة بالبشرى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] فما ظنكم بما يحصل له من البشرى والفرح والسرور إذا قالت له الملائكة ذلك؟ يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: استقاموا على طاعة الله ؛ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا مما أمامكم، فإن الطريق لكم مذللة معبدة، القبر لكم روضة من رياض الجنة، وفسح لكم فيه مد البصر، وفتح لكم منه باب إلى الجنة، ويأتيك العمل الصالح بصورة شاب حسن لا تخافوا مما أمامكم، ولا تحزنوا على ما خلفتم من الأهل والأولاد والأموال ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] الله معهم، برعايته وحفظه وعنايته.
وأما الكافر -والعياذ بالله- فإنه عند خروج الروح يقول الله تعالى عنه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠] هل ظلمهم الله ؟ لا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود:١٠١] ثم يقال لهم أثناء ذلك الضرب: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨٢] ثم يقال لنفسه: اخرجي أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فلا تسأل عن تلك الروح ماذا تعمل بذلك الجسد، فتقول: يا ويلها إلى أين؟ إلى حفرة من حفر النيران، إلى قبر يضمك فتختلف فيه الأضلاع ويفتح فيه باب إلى النار، ويأتيه العمل الخبيث الذي كان يعمله في الحياة الدنيا، يأتيه بأكره صورة وأكره رائحة وأبشع منظر، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 123
حياة البرزخ وما فيها من نعيم أو عذاب
أيها الإخوة: هذه الحياة الدنيا تنتهي إما على روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وهذه هي الدار الثانية دار البرزخ؛ لأن دار الدنيا دار العمل والابتلاء والاختبار والمزرعة، ثم ينتقل إلى الدار الثانية وهي دار البرزخ، ولهم فيها أحوال وقد ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، حيث قال لما رأى رؤيا، ورؤيا الأنبياء وحي من الله ، يقول ﷺ : ﴿فأتينا إلى رجل مستلق لقفاه، وإذا برجل آخر معه حجر يضرب به رسه، فيتدهده الحجر، فيذهب يأتي بالحجر وإذا بالرأس قد صح فيضرب به، وكلما تدهده الحجر ذهب يأتي به وإذا بالرأس قد صح﴾ وهذا معنى حديث الرسول ﷺ ، فسأل عنه ﷺ ما هذا؟ ولأي شيء يفعل به هذا؟ فأخبراه أنه أخذ القرآن ورفضه، ونام عن الصلاة المكتوبة والنوم عن الصلاة المكتوبة خطر عظيم على صاحبه.
стр. 124
عذاب القبر حق
يذكر في بعض كتب السير أن ابن عباس ﵁ كان في سفر إلى الحج، وكان معه رفقة فمرض منهم رجل، فجلس معه رفقته ليمرضوه ثم مات هذا الرجل، فحفروا له قبراً، فلما أرادوا أن يجعلوه في ذلك القبر، وإذا بتنين يخرج في ذلك القبر، فحفروا قبراً آخر وإذا به يخرج فيه، وحفروا ثالثاً وإذا به يخرج في القبر الثالث، ثم ذهب رجل منهم مسرعاً إلى ابن عباس ﵁ ليخبره بهذه الحادثة، فقال: لو حفرتم جميع الأرض لوجدتموه، ادفنوه في أحد هذه القبور فإن هذا عمله.
ودفنوه في أحد هذا القبور، ولما سألوا زوجته عنه قالت: إنه رجل كان كثير الصلاة كثير الصيام كثير الصدقة، إلا إنه رجل تاجر وكان يشتغل أحياناً بتجارته ثم ينام عن صلاة الفجر.
رجل في عهد ابن عباس ﵁، ما عاش مع البلوت ولا مع الكينكان ولا مع الدمنة ولا مع الميسر والقمار، عاش في تجارته ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] ولكنه لما اشتغل به عن طاعة الله، وصده عن ذكر الله وهي الصلاة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩] ذكر بعض المفسرين أن ذكر الله في هذه الآية هو الصلاة، فهذا الرجل لما اشتغل بتجارته وبحسابه سلط الله عليه هذا التنين في قبره نسأل الله العفو والعافية.
فعذاب القبر حقٌ، وكذلك نعيم القبر حق، فإن الرسول ﷺ لما مر على رجل من الصحابة قال: ﴿أفٍ! قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: إن الشملة أو العباءة التي غلها لتشتعل عليه ناراً في قبره﴾ لأنه أخذها قبل أن تقسم الغنائم، فهي تشتعل عليه في قبره ناراً نسأل الله العفو والعافية.
ومر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: ﴿إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير﴾ أي: ليس كبيراً في أعين الناس، ثم قال ﷺ : ﴿بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله﴾ أي: لا يتنزه من بوله، ولذلك يعذبان في القبر، فشق رسول الله ﷺ جريدة وغرزها على قبر كل واحد منهما لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا.
وبعض الناس يأتي ويأخذ ويشقها ويضعها على القبر، فنقول له: هذا فعل يخالف هدي الرسول ﷺ ؛ لأن هذا خاص برسول الله ﷺ ، والله أطلعه على ما في هذين القبرين من أن اللذين في قبريهما يعذبان، فلذلك لا ينبغي لأحد أن يتعدى أو يخالف هدي الرسول ﷺ ، أو كما يفعل بعض الناس إذا دفنوا الجنازة وقفوا صفوفاً، وقالوا: ماذا تقولون في فلان؟ وقد تواطئوا على هذا الخبر، فيقولون: فلان بن فلان رجل طيب، ويمكن أنه لا يعرف الصلاة في بيوت الله، لكنهم قالوا: فلان طيب أخذاً بالحديث الذي يروى عن رسول الله ﷺ : ﴿أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: وجبت، ومر عليه بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر ﵁: كيف ذلك يا رسول الله؟ أثنوا على الأولى خيراً، فقلت: وجبت، وأثنوا على الأخرى شراً، فقلت: وجبت؟ قال: أثنيتم على الأولى بخير، فقلت: وجبت، أي: وجبت له الجنة، وأثنيتم على الآخر بشر، فقلت: وجبت، أي: وجبت له النار فأنتم شهود الله في أرضه﴾.
لكن ينبغي أن تكون شهادة حقيقية على إنسان متق لله ، صاحب تقوى ودين، أما من لا يعرف الصلاة، أو من هو منهمك في المسكرات والمخدرات، أو من يرتكب اللواط والزنا، ثم يقف الناس في جنازته صفوفاً ويقولون: فلان بن فلان نعم الرجل فهذا خلاف الواقع، وسوف يسألون عن هذه الشهادة يوم القيامة.
ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا يحكم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار، ولكن يرجى للمحسنين الثواب، ويخاف على المسيئين العقاب.
وهذا الذي رآه ﷺ هو أن الله وكل بالرجل الذي كان يتثاقل عن الصلاة، ملكاً يضربه بذلك الحجر هو من عذاب البرزخ.
كذلك مر برجل آخر وهو مستلق لقفاه، وإذا بآخر قائم عليه بكلوب، وإذا هو يشرشر شدقه ومنخره وعينيه إلى قفاه، وكلما صحا هذا الجانب أتى إلى الجانب الآخر، فسأل عنه ﷺ ، ما هذا؟ قالوا: هذا الرجل الذي يغدو فيكذب الكذبة فتبلغ الآفاق نسأل الله العفو والعافية.
ولذلك حذر ﷺ من الكذب، فقال: ﴿إياكم والكذب! فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً﴾.
ثم مر ﷺ بأناس في مثل التنور أسفله واسع وأعلاه ضيق، فيأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم هذا اللهب ارتفع بهم، وضوضوا من شدة ما يأتيهم من هذا الحر، وهم عراة في ذلك التنور، فقال ﷺ : من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الزناة والزواني الذين يفعلون جريمة الزنا، الذين يرتكبون الجريمة الشنعاء، والذين يرتكبون الجرثومة الخطيرة التي تسبب الأمراض في الدنيا، عقوبتهم في الدنيا الفقر وتسويد الوجه، ومرض الزهري والسيلان والإيدز وغيرها من الأمراض المستعصيات، التي حصلت في آخر الزمان بسبب هذه الجرثومة الخطيرة التي انتشرت، نسأل الله جلت قدرته أن يبعدها عن بلادنا وعن بلاد المسلمين أجمعين، إنه على كل شيء قدير.
ففي الدنيا يجازون بهذه المصائب فقر وتسويد للوجوه، ويصابون بهذه الأمراض الخطيرة المتسعصية، التي لم يوجد لها علاجٌ حتى الآن، وفي البرزخ يعذبون في مثل التنور، ويوم القيامة لا تسأل عن أحوالهم في جهنم، نعوذ بالله من جهنم.
ومر ﷺ على أناس -وهذا ليلة أسري به ﷺ يقول: ﴿مررت بأناس لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم﴾ أهل الغيبة الذين لا تطيب مجالسهم إلا بأكل لحوم الناس، ولا تطيب مجالسهم إلا بالاستهزاء والسخرية بعباد الله ومع الأسف الشديد يحدث من بعض الناس استهزاء بأهل الدين، حيث يقولون: هذه مطوع له لحية مثل لحية التيس، أو له لحية مثل المكنسة وهذا لبس ثوب أخيه الصغير، أي: قصر ثوبه اتباعاً للرسول ﷺ ، فقالوا: هذا أخطأ ولبس ثوب أخيه الصغير يستهزئون به؛ لأنه اتبع هدي الرسول ﷺ .
ويقولون: هذا متجمد هذا متزمت هذا رجعي ويا وليهم إذا لم يتوبوا من هذه الألفاظ! وكم مرة أقول هذا الكلام، وهو من باب النصيحة، وقد يقع هذا الأمر من أناس كبار في السن، يقولون: ما هذا الدين الذي أتى به هؤلاء الشباب؟ لأن بعض هؤلاء الكبار عاش بين الشيشة والتتن والدخان وغيرها، ولما رأوا بعض الشباب التزم وتمسك بدين الله؛ قالوا: ما هذا الدين الذي أتى به هؤلاء الشباب ويظنون أن هذا الدين جديد، وهذا هو دين الله الذي بعث به محمداً ﷺ ، ولكن نشكر الله على هذه الصحوة واليقظة، ونسأل الله الثبات على دينه.
صحيح أنه قد مرت بنا سنون غفلنا وابتعدنا وأعرضنا، ولكن هذا من فضل الله أن وفقنا ورجعنا، فنسأل الله أن يتم علينا هذه النعمة، وأن يثبتنا على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨].
فمع الأسف الشديد تجد شاباً متمسكاً بسنة رسول الله ﷺ ، وإذا هو واضع يديه على صدره في الصلاة مثلما أمر بذلك رسول الله ﷺ ، وإذا برجل آخر من المعرضين الذين لم يعرفوا هدي الرسول، يقول: ما هذا الدين الجديد الذين جئتم به لنا؟ هذه هي سنة الرسول ﷺ ، ولكن صدق الرسول ﷺ حيث قال: ﴿بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء! قيل: ومن الغرباء؟ قيل: الذين يصلحون إذا فسد الناس، أو يُصلحون ما أفسد الناس﴾.
فيا أيها الشباب: الله الله في الرجوع إلى دين الله وكتاب الله، وإلى هدي رسول الله ﷺ ، ولا تلتفوا إلى المستهزئين فقد استهزئ برسول الله ﷺ ، وكأني أنظر إليه وهو يصلي عند الكعبة، لما وضعوا على رأسه سلا الناقة، واقرءوا هذا في سيرته ﷺ ، وما سئم ولم يضره ذلك، وما ضعف عزمه عن الدعوة إلى الله ، وعن طاعته سبحانه، وكم مر برسول الله ﷺ وبصحابته الكرام من الابتلاء والامتحان فما ضرهم ذلك، كان منهم من تحمى الحديدة وتوضع على رأسه تفوح رائحة لحم رأسه، ومنهم من يسحب على الرمضاء، ومنهم من توضع عليه الصخرة الكبيرة، ولم يرده ذلك عن دين الله ، ومنهم من ضرب حتى اختلط أنفه بوجهه، ويحمل وهو يقول: كيف حال رسول الله ﷺ ؟ ولم يضرهم ذلك أبداً.
أما البعض منّا في هذه الأزمنة المتأخرة والمظلمة، إذا سمع كلمة بسيطة من بعض المستهزئين ابتعد عن الدين وانحرف والعياذ بالله، فلو رسخ الإيمان في قلبه، لما ضره ألقاب الملقبين، ولا ضره استهزاء المستهزئين، فلقد كان في من كان قبلنا يوضع المنشار على مفرق رأسه، ويوضع على الأرض قطعتين، ولم يرده ذلك عن دينه؛ لأن الإيمان ثبت في قلوبهم ثبوت الجبال الراسيات، فالله الله أيها الإخوة في الله!
وهذه بشارة يزفها لكم رسول الله ﷺ ، تسطر لكم في كتب الأحاديث، ويدونها لكم علماء الإسلام، خدمة ميراث محمد ﷺ ، هذه البشارة التي يزفها لكم رسول الله ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله حيث يقول: ﴿وشاب نشأ في عبادة الله﴾.
أيها الإخوة: يقول ابن عباس ﵄ عن عذاب البرزخ: [[إن اللوطي إذا مات من غير توبة مسخ في قبره خنزيراً]] نسأل الله العفو والعافية اللوطي الذي يأتي الذكران من العالمين دون النساء، الذي يهجر ما أحل الله له من الزوجة الطيبة ثم يرتكب هذه الجريمة الشنعاء؛ جريمة اللواط التي إذا فعلت في مكان هربت الشياطين منه، تخشى أن ينزل عليهم العذاب مع أولئك المفسدين الذين يفسدون في الأرض، وتكاد الجبال أن تقتلع من أصولها؛ لأنها جريمة نكراء، وما عذب الله أمة أشد عذاب مما عذب به قوم لوط، حيث أمر جبريل ﵇ أن يقتلع قراهم ويرفعهم إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح الديوك ونباح الكلام، ثم قلبها عليهم، ثم أتبعهم الله بحجارة من سجين.
تلك القرى التي كانت تغط بالناس، أصبحت الآن بحيرة ميتة منتنة لا يستفاد منها، ثم عقب الله بذلك، وقال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] ولذلك يقول ﷺ : ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾.
وأبو بكر ﵁ أحرق اللوطي في النار، وكذلك عبد الله بن الزبير ﵁، وقال: ابن عباس ﵁: [[أرى أن ينظر أعلى مكان في البلد، ثم يرمى منه ويتبع بالحجارة]].
هذا اللوطي الخبيث صاحب الجرثومة الشريرة التي تنشر الشر والعار في الأرض نسأل الله العفو والعافية.
стр. 125
حكم المنكر لعذاب القبر ونعيمه
أيها الإخوة: عذاب البرزخ ونعيمه حق، والذي ينكر ذلك كافرٌ والعياذ بالله، ومن عمل صالحاً واتقى الله وبادر إلى طاعته فهنيئاً له في قبره؛ أن يكون له روضة من رياض الجنة، ومن عمل السيئات واقترف الجرائم والموبقات؛ فسوف يكون عليه قبره حفرة من حفر النيران.
стр. 126
النفخ في الصور وما بعده
ثم يمكثون في القبور وتنتهي الحياة الثانية وهي حياة البرزخ، ثم يأمر الله جل وعلا إسرافيل لينفخ في الصور، قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] فإذا نفخ إسرافيل في الصور مات كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ، وبقي الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الحي القيوم الذي لا يموت أبداً.
قال الله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ثم ينادي ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾﴾ [غافر:١٦] فلا يجيبه أحد، ثم يجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفح في الصور حتى تخرج الأرواح من ذلك الصور إلى أهلها في القبور ليقوموا من قبورهم، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٨ - ٦٩].
стр. 127
أهوال يوم القيامة
قال القائل:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رأس العباد تفور
وإذا النجوم تكدرت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعور
الله أكبر! جنين صغير لم يقترف ذنباً واحداً!
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور
مثل لنفسك يا عبد الله! إذا قامت القيامة، وشاب الولدان، وكثر الزحام، وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاف من حمل ظلماً يوم القيامة نقوم وقد تغير علينا هذا العالم بما حدث فيه من انقلاب ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] فكم من شيخ كبير ينادي في ذلك اليوم العظيم: واشيبتاه! ينادي على ما أضاع من عمره في الحياة الدنيا، وكم من كهل ينادي: واكهلاه! واعمراه! يبكي على عمره الذي أضاعه في غير طاعة الله، وكم من شاب ينادي: واشباباه!
أيها الشاب! تذكر ذلك اليوم العظيم، تذكر ذلك العمر الذي تضيعه عند الأفلام والتمثيليات، وعند الألعاب المخزية، وعند الشنار والعار في الدنيا، وسوف تذكر ذلك الشباب إذا وقفت في ذلك الموقف العظيم ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] نعم سوف تذكر ذلك العمر -يا عبد الله- في ذلك اليوم ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥] نزلوا ليحيطوا بالعالمين، سبعة صفوف من الملائكة، فهل لك من مفر يا عبد الله؟!
تلك هي النهاية في ذلك اليوم العظيم، يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ:١٨].
الأولون والآخرون يجتمعون في صعيد واحد وعلى أرض واحدة ليس فيها جبال ولا وهاد: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:١٨ - ٢٠] هذه الجبال العظيمة التي نجلس سنين لنفتح نفقاً فيها! ولكن بقدرة الله تأتي يوم القيامة كأنها سراب ﴿كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل:١٤] قال الله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:١٩ - ٢٠].
стр. 128
الاستعداد ليوم القيامة
فيوم القيامة يحتاج إلى عدة واستعداد وتقوى، فالمسألة مسألة عظيمة، يقول الله : ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً﴾ [النبأ:٣٨ - ٣٩] فالملائكة على قدرهم وجلالتهم لا يتكلمون، فإن كنتم تؤمنون بذلك اليوم الحق فاستعدوا له ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠].
في ذلك اليوم العظيم، إذا حشرت الوحوش، واقتص لبعضها من بعض، وهذا من عدل رب العزة والجلال أنه يأخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء حقها، ثم يقول لها: كوني تراباً، فيقول الكافر في ذلك اليوم: يا ليتني كنت تراباً.
أيها الإخوة: في ذلك اليوم العظيم نأتي حفاةً عراةً غرلاً؛ لذلك تقول عائشة أم المؤمنين ﵂: ﴿يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض! قال: الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض﴾ فهل تفكرنا في ذلك اليوم أيها الإخوة؟ هل تذكرنا ذلك اليوم العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون؟ إن القلوب لمريضة، وإلا كيف يمر بنا سماع ذلك اليوم العظيم مر الكرام، ونحن لاهون غافلون.
стр. 129
شدة العرق في يوم القيامة
أيها الإخوة: مشهد عظيم يصفه لنا رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿يعرق الناس حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم﴾ لماذا يا رسول الله؟! اسمعوا الخبر يا عباد الله! لأن الشمس قد أدنيت منهم بمقدار ميل، فيكون الناس في العرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
لا إله إلا الله! رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها فمن حقق ذلك دخل الجنة على ما كان له من عمله.
أيها الإخوة! يا أهل لا إله إلا الله! يا خير أمة أخرجت للناس! يا أمة محمد! الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لنستعد لذلك اليوم العظيم، يوم القيامة، والوقوف بين يدي الله ، لعل الله أن يجعلنا من الذين يعبرون على الصراط.
стр. 130
المرور على الصراط
أيها الإخوة: ثم يمر الناس على الصراط يوم القيامة، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأشد الرحال، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من هو كأشد الرجال عدواً، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من يزحف على الصراط، فتأخذه كلاليب جهنم فتقذف به في وسطها، إنه لمشهد عظيم ومزعج، ورسل الله صلى الله عليهم وسلم واقفون على جنبتي الصراط يقولون: يا رب سلم سلم.
стр. 131
دعوة للرجوع إلى كتاب الله
أيها الإخوة! يا أمة محمد! يا من قرأتم كتاب الله! ارجعوا إلى كتاب ربكم؛ لتنظروا ما فيه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، ولتعرفوا ما فيه مما أعد الله لأوليائه في الجنة، وما أعد لأعدائه في نار جهنم، وتذكروا يوم تقسم الصحائف، فآخذ باليمين وآخذ بالشمال أو آخذ من وراء ظهره نسأل الله السلامة.
أيها الإخوة: وفي نهاية المطاف لا شك أن الناس -وكلنا نؤمن بذلك- ينقسمون إلى قسمين: قسم إلى دار السعادة والأفراح، إلى دار النعيم، إلى الجنة، إلى دار السعداء، وقسم يذهب بهم إلى النار، ويسحبون على وجوههم إلى نار جهنم.
أسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، وارزقنا نهج نبينا محمد ﷺ وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير اللهم اجعلنا من أهل الجنة، اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا تجعلنا من أهل النار ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، وارزقنا استعمالها في طاعتك وفي رضاك وفيما تحبه وترضاه يا رب العالمين اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا.
اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين، ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا ارحم الراحمين اللهم دعوة من أعماق قلوبنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تصلح ولاة أمورنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 132
علامات الساعة الصغرى والكبرى
إن العلم بأشراط الساعة من العقائد الإسلامية التي يجب على المسلم معرفتها والإيمان بها، وعلامات الساعة قسمين: علامات صغرى وعلامات كبرى.
وفائدة هذه العلامات بيان للناس بقرب قيام الساعة.
فالواجب على المسلم أن يبادر بالتوبة قبل أن يحال بينه وبينها، وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم وقبل أن تطلع الشمس من مغربها، فعندها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
стр. 133
الحث على التوبة والتمسك بدين الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
أيها الإخوة في الله: مرةً أخرى أحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يدخلنا الجنة، وأن نتبادل هذه التحية في جنات النعيم، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجيرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.
أيها الإخوة في الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله خاصةً في هذه الأزمنة المظلمة، التي تتلاطم فيها الأمواج، فالوصية في التقوى هي وصية الله في الأولين والآخرين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩].
أمة الإسلام: الله الله بالتمسك بدين الإسلام، واسألوا الله الثبات على ذلك.
стр. 134
العلم بأشراط الساعة
أيها الإخوة في الله: اعلموا أن العلم بأشراط الساعة من العقائد الإسلامية التي يجب على المسلم معرفتها والإيمان بها.
عباد الله: إن للساعة علامات صغرى وعلامات كبرى، يقول الله جل وعلا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] ويقول جل وعلا: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣].
نعم.
إن للساعة أشراطا، ومعنى أشراطها أي: علاماتها المؤذنة بقرب قيامها، وأول علامات الساعة: بعثة نبينا محمد ﷺ حيث قال ﷺ : ﴿بعثت أنا والساعة كهاتين﴾ وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى ثم موته ﷺ .
والساعة -أيها الإخوة في الله- من علم الغيب الذي لم يطلع عليه أحدٌ من الخلق لا ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌ مرسل ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
стр. 135
علامات الساعة الصغرى والكبرى
أيها الإخوة في الله: أذكر ما تيسر من علامات الساعة الكبرى والصغرى، ولكن سوف يكون على غير ترتيب، فربما قدمت، وربما أخرت، وذلك حسب اطلاعي وعلمي القاصر، فمن علامات الساعة -أيها الإخوة في الله- ما أخبر به رسول الله ﷺ أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، وتسمى بغير اسمها.
وصدق رسول الله ﷺ فقد ظهر الجهل في كثيرٍ من البلدان، ومع الأسف الشديد حتى التي تدعي أنها بلدان إسلامية، وشربت الخمور وسميت بغير اسمها، سميت حشيشاً وسميت (وسكي) وسميت غير ذلك من الحبوب المخدرات والمسكرات، التي ابتلي بها كثيرٌ من الناس، أضاع بها عقله وشرفه وماله وحياته، فنسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله الثبات على دينه.
ومن علامات الساعة أن يفشو الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء حتى يكون للخمسين امرأة قيمٌ واحد.
أيها الإخوة في الله: أخبر رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان تكون بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ دعوتهما واحدة﴾ فسر العلماء هذا الحديث العظيم بما وقع في زمن علي ومعاوية ﵄، حيث كانت كل من الفئتين تدعو إلى ما تراه أنه الحق حيث نتج عن تلك المقتلة نحو سبعين ألفاً على ما قيل.
وأيضاً أخبر ﷺ أنه يخرج بعده دجالون كذابون قريبٌ من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وقد ظهر كثيرٌ منهم، ولا رسول ولا نبي بعد محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب:٤٠].
وأيضاً أخبر رسول الله ﷺ أن الساعة لا تقوم حتى يقبض العلم، فالمراد بالعلم هو العلم الشرعي علم الكتاب والسنة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأيضاً قبض العلم يكون بموت العلماء كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ .
وأيضاً يخبر رسول الله ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل، وهي نوعان:
زلازل حسية تهز الأرض هزاً، فتدمر القرى والمساكن.
وزلازل معنوية تزلزل الإيمان والعقيدة، والأخلاق والسلوك، حتى يضطرب الناس في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكم.
نسأل الله العفو والعافية، اللهم إنا نسألك الثبات على دينك، اللهم إنا نسألك الثبات على دينك، إنها فتنٌ يصبح العاقل الحليم فيها حيراناً.
أيضاً يخبر رسول الله ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقرب أوله من آخره، وذلك بكثرة الغفلة، وفشل الأعمال والأوقات حتى يمضي الزمن الكثير، والإنسان ما صنع إلا شيئاً قليلاً، أو يحتمل معنىً آخر وهو: سرعة إنجاز الأمور التي لا تنجز إلا بزمنٍ كثيرٍ كما يشاهد اليوم في وسائل النقل ووسائل الإعلام، فكم من بلدٍ لا يوصل إليه إلا بعد أشهر، والآن يوصل إليه بزمن قليل، فصدق رسول الله ﷺ .
وأيضاً ما أخبر به ﷺ في الحديث المشهور حين سأله جبريل ﵇ عن الساعة، فقال له رسول الله ﷺ : ﴿ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأخبرك عن أماراتها: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان﴾.
وأيضاً يخبرنا رسول الله ﷺ فيما يروي عنه حذيفة بن أسيد قال: ﴿كان النبي ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع علينا، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قعر عدن تُرحِّل الناس﴾ أي: تأخذهم بالرحيل وتزعجهم.
يا عباد الله! يا أمة الإسلام! بادروا بالتوبة إلى الله، بادروا بالأعمال الصالحة، فإنها إذا حصلت العلامات الكبرى أغلق باب التوبة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وذلك قبل يوم القيامة كائنٌ من أمارات الساعة وأشراطها حين يرون شيئاً من أشراط الساعة، وكما قال البخاري ﵀ في تفسير هذه الآية: عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً﴾.
عباد الله: البدار البدار بالتوبة النصوح.
أيضاً أخبر رسول الله ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، فتن الدين والدنيا، أما فتن الدين فكل ما يصد عن الإيمان بالله، والقيام بأمره، واتباع هدي نبيه ﷺ من العقائد الفاسدة والأفكار الهدامة، والسلوك المنحرف، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات واللذائذ المحرمة، وأما فتن الدنيا، فما يحصل من القتل والخوف والسلب والنهب، وظهور الفتن دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص، ويقول ﷺ : ﴿بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا﴾.
وأيضاً يخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر القتل، سواءٌ كان ذلك بالحروب، أو بالاغتيالات، وقد حصل ذلك أيها الإخوة في الله.
فنسأل الله الكريم رب العرض العظيم أن يجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية.
أيضاً يخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، ويهم الرجل من يقبض صدقته، وحتى يعرض الرجل على الرجل هبةً أو صدقةً فيقول: لا حاجة لي بها.
وأيضاً يخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، وذلك دليلٌ على اشتغال الناس في أحوال دنياهم دون أحوال دينهم؛ لأن التطاول في البنيان يشغل القلب والبدن، فيلهو به الإنسان عن مصالح دينه.
وأيضاً أخبر رسول الله ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: ليتني مكانه، وذلك لما يرى من الأمور العظام، التي يفضل الموت عليها من عظيم البلاء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم، واستحلال الحرام.
وأيضاً يخبر ﷺ في قوله: ﴿ليكونن في آخر الزمان أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ وقد حصل هذا، فنسأل الله جلت قدرته أن ينجينا من مضلات الفتن إنه على كل شيءٍ قدير.
وأيضاً أخبر رسول الله ﷺ أن الساعة لا تقوم حتى تطلع الشمس من المغرب، ويختل نظام سيرها، فحينئذٍ يعلم الناس أنها تسير بتقدير الله وأمره فيؤمنون، ولكن لا إيمان ينفع في تلك اللحظة إلا من كان مؤمناً من قبل، أو كسب في إيمانه خيراً، ثم ضرب رسول الله ﷺ أربعة أمثال تبين أن الساعة تقوم بغتة، فقال ﷺ : ﴿تقوم الساعة والرجلان بينهما ثوبٌ قد فلاه يتبايعانه، فلا يمكنهما البيع ولا طي الثوب، وتقوم والرجل قد انصرف بلبن ناقته ليشربه، فلا يتمكن من شربه، وتقوم والرجل يصلح حوض إبله ليسقيها، فلا يسقي فيه، وتقوم وقد رفع اللقمة إلى فمه، فلا يطعمها﴾.
الله أكبر -يا عباد الله- ومن علامات الساعة الكبرى التي أسأل الله بمنه وكرمه أن يجيرنا منها إنه على كل شيءٍ قدير، ألا وهو الدجال، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها ما رواه النواس بن سمعان ﵁ وأرضاه قال: ﴿ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما ذهبنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداةً، فخفَّضت فيه ورفَّعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال ﷺ : غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤٌ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم.
إنه شابٌ قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بـ عبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنه خارجٌ خلةً بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا، يا عباد الله فاثبتوا، يا عباد الله فاثبتوا﴾ هكذا يوصي رسول الله ﷺ عند خروج هذه الفتنة الكبيرة وهو الدجال، يأمر بالثبات.
اللهم إنا نسألك الثبات، اللهم إنا نسألك الثبات، اللهم إنا نسأل الثبات، قلنا: ﴿يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يومٌ كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره.
قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم -اسمعوا يا عباد الله، يا لها من فتنة! يا لها من محنة! نسأل الله الثبات- فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرا، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزكِ فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه -يدعو هذا الشاب- فيقبل ويتهلهل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك﴾ وفي رواية: ﴿ثم يقول لهذا الشاب: أوما تؤمن بي؟ قال: ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيأخذه ليذبحه، فلا يستطيع عليه﴾.
﴿فبينما هو كذلك يعيث في الأرض فساداً، إذ بعث الله المسيح بن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه، تحدر منه جُمانٌ كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه في لج -عيسى بن مريم ﵇ يطلب المسيح الدجال- فيدركه بـ باب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله من الدجال، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يَدَان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدبٍ ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرةً ماء، ويُحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرٌ من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفسٍ واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبرٍ إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله جل وعلا، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكنّ منه بيت مدر، ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذٍ يأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبةً، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون في الأرض تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة﴾.
стр. 136
النفخ في الصور وقيام الساعة
بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] ويقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٦ - ٩٧] ثم تقوم القيامة الكبرى التي أخبر الله عنها:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] ويقول جل وعلا: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤١ - ٤٢] وذلك عندما يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور نفخة البعث التي يخرجون منها من القبور لرب العالمين، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١].
أيها الإخوة في الله: عند ذلك إذا أمر الله ، أو قبل أن يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور يأمر الله ملكاً ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣ - ١٤].
стр. 137
الوقوف بين يدي الله يوم القيامة
أيها الإخوة في الله: إنها أمور عظيمة عندما تحين قيام الساعة الكبرى، فعند ذلك يحين للقيامة القيام، فتذكر يا ابن آدم! ذلك الموقف العظيم، عندما تكون حافي القدمين، عاري الجسم، حاسر الرأس، تعلوك المذلة وأنت منفردٌ بأحزانك وهمومك وغمومك، القلب خائف والبصر خاشع: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] فتذكروا -يا عباد الله- وقوفكم يوم القيامة، ثم تذكروا إقبال الوحوش في ذلك اليوم العظيم منكسة رءوسها، ثم تذكروا هذه الشمس التي تشرق وتضيء العالم عندما تكور، والقمر عندما يخسف به، والنجوم عندما تتنثر وتنكدر، والسماء عندما تتشقق: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧] قيل: تذوب كما تذوب الفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ من شدة الأمر وهول يوم القيامة، حقاً إنه يوم يجعل الولدان شيباً.
يا ابن آدم! تذكر شدة الوقوف وقد أدنيت الشمس من رءوس الخلائق، يا ابن آدم! يا من اغتر بإمهال الله له! يا من اغتر وتمادى بالغفلة والعصيان!
يا ابن آدم! أتظن أنك مهمل؟ لا ورب العزة والجلال.
يا ابن آدم! تذكر شدة الوقوف وقد أدنيت الشمس من رءوس الخلائق، وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس وزحام الأجسام، وقد ذهب العرق منهم في الأرض سبعين ذراعاً، ثم فاض عليهم، فمنهم من يبلغ منهم العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى أنصاف ساقيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً.
وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس، وانضاف إلى كثرة الأنفاس ازدحام الأنفاس والعطش، ولا نوم ولا راحة، ثم تذكر يا ابن آدم في ذلك الموقف العظيم قول الملك العلام: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] تذكر يوم أن يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام يجره سبعون ألف ملك، في ذلك اليوم العظيم لا يبقى ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
ثم تذكر عندما يتبرأ منك الولد والوالد، والأخ والصاحب لما في ذلك اليوم من المزعجات والقلاقل والأهوال، التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والرعب والذعر.
أيها الإخوة في الله: لا أنسى أن أذكركم بحديث رسول الله ﷺ فإني آليت على نفسي ألا أجلس مجلساً مثل هذا المجلس إلا ذكرته لإخواني؛ لأن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ فالحديث -أيها الإخوة في الله- يقول فيه رسول الله ﷺ : ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾.
هؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
أيها الإخوة في الله: متى؟ في ذلك اليوم العظيم الذي ظهرت فيه المزعجات والقلاقل والأهوال التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والذعر.
اسمعوا إلى حديث رسول الله ﷺ ﴿كان رأسه في حجر عائشة ﵂، فنعس، فتذكرت الآخرة، فبكت، فسالت دموعها على خد النبي ﷺ ، فاستيقظ بدموعها، فرفع رأسه فقال: ما يبكيكِ؟ فقالت: يا رسول الله! ذكرت الآخرة.
هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال ﷺ : والذي نفسي بيده في ثلاثة مواطن فإنه لا يذكر أحدٌ أحداً إلا نفسه: إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند الصراط﴾.
стр. 138
الغفلة عن يوم القيامة
عباد الله: لو تذكرنا ذلك اليوم العظيم؛ لقَوِيَ الإيمان عندنا، ولكن -مع الأسف الشديد- الغفلة طمت على القلوب -يا عباد الله- كل يوم نسمعها، كل يوم نسمع هذا اليوم العظيم يكرر علينا ونكرره أيضاً في كل نافلة وفي كل فريضة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ما هو يوم الدين؟ يوم الجزاء والحساب -يا عباد الله- يوم القارعة، يوم الصاخة، يوم الحاقة، يوم الطامة الكبرى، يوم الواقعة، يا له من يوم عظيم!
يا ابن آدم! تذكر وأنت واقفٌ في ذلك الموقف العظيم، مع الخلائق الذي لا يعلم عددهم إلا الله، إذا نودي باسمك على رءوس الخلائق من بين الأولين والآخرين، فقمت ترتعد فرائصك، فهنيئاً إن كنت من أصحاب اليمين، عندما ترفع هذه الصحيفة التي سوف تأخذها بيمينك، هنيئاً لك عندما تقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] ثم هنيئاً لك في جنةٍ عالية قطوفها دانية، يقال لأهلها: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] ويالها من حسرةٍ وندامة، عندما يعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، عندما يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩] يالها من حسراتٍ لا تنقضي إذا قال الجبار ﷻ : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] هنيئاً لأهل الجنة عندما يذبح الموت، ويقال لهم: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا ويل أهل النار عندما يقال: يا أهل النار خلود ولا موت.
عباد الله: في نهاية هذا الكلام الذي أسأل الله أن ينفعني وإياكم به، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، في نهايته أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وكثرة قراءة القرآن، وكثرة ذكر الله ، فإنه بكثرة ذكر الله تحيا القلوب وتلين، أما إذا غفلت عن ذكر الله وأعرضت وصدت، فلا تسأل عنها بأي وادٍ تهلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الإخوة في الله: قووا عزيمتكم وإيمانكم، وتوكلكم بالله جل وعلا، واعلموا أن الله هو النافع والضار بيده الملك وهو على كل شيء قدير، هو المحيي وهو المميت، وهو المعز والمذل، وهو الخافض والرافع، يعطي ويمنع، يعطي لحكمة ويمنع لحكمة، لا إله إلا هو، ولا رب لنا سواه.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بالمبادرة إلى أداء فرائض الله ، وإتباعها بالنوافل حتى تكونوا من أحباب الله، كما قال الله جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه لنا رسول الله ﷺ : ﴿وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه -ثم يقول جل وعلا-: وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه﴾ ﴿وإذا أحبك الله -يا عبد الله- ينادي الله في ملكوت السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، وينادي جبريل في ملكوت السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض، ولكن الأخرى -يا عبد الله- إذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، وينادي في ملكوت السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء وتوضع له البغضاء في الأرض﴾.
فالله الله يا إخواني في الله بالمبادرة بطاعة الله وإلى كثرة ذكر الله وبر الوالدين وصلة الأرحام، وإفشاء السلام فيما بيننا، يقول ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم﴾ أفشوا السلام بينكم يا عباد الله.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام واجعلنا هداةً مهتدين، متحابين فيك متراحمين، اللهم اجعلنا ممن ذكرهم رسولك ﷺ : ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله﴾ اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسول الله: ﴿فطوبى للغرباء، قيل: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس﴾ اللهم اجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
стр. 139
وقفات
إن العبد المؤمن لا بد أن يكون له وقفات يحاسب فيها نفسه، وينظر إلى أعماله ويتدبر آيات الله الشرعية والكونية، ومآله ورجوعه إلى ربه ، وأن يتذكر اليوم الآخر والبعث والنشور، وما أنزل الله في كتابه من ذكر الجنة والنار.
стр. 140
وقفة مع التقوى والثمار المترتبة عليها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله! أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فهي وصية الله للأولين والآخرين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] فبتقوى الله يجعل الله للمرء من كل هم فرجاً, ومن كل ضيق مخرجاً, ويرزقه من حيث لا يحتسب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
وبتقوى الله ييسر الله للمرء أموره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] وإذا رزق الله المرء التقوى فإنه يفرق بين الحق والباطل, والنافع والضار، ويمشي ويسير على نور الله الذي من اهتدى به فلن يضل أبداً يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
بالتقوى تيسر الأمور، وإذا التزم الإنسان التقوى، وسار على نور من الله، فلا تسأل عن أحواله، فإن الله يلحقه بالسعداء، أما من أعرض عن التقوى، وأعرض عن الله ، وأعرض عن ذكر الله وصدَّ وابتعدَ عن الله فلا تسأل عنه بأي وادٍ هلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
موقف: إذا سار الإنسان في الحياة على تقوى الله ، فإنه في هذه الحياة يسير على نور من الله ، ثم إذا أتاه هادم اللذات، ومفرق الجماعات فإنه يموت على حسن الخاتمة، ويقال لروحه: أيتها الروح الطيبة! أخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
إذا استقام الإنسان على طاعة الله وآمن بالله فإن البشرى تنزل عليه عند هذا الموقف -أي: عند الموت- تبشره برضوان الله قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] لماذا؟ لأنه سار في حياته على تقوى الله ، لأنه اتخذ من التقوى مطية له أوصلته إلى رضوان الله .
ومن تفسير التقوى عند العلماء، قال بعضهم هي: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وما أحسن ما فسرها به الإمام علي ﵁! حيث قال: [[الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والتزود ليوم الرحيل]] أربعة عوامل إذا التزمها الإنسان فهنيئاً له في حياته، وهنيئاً له عند موته، لنزول البشرى له من رب الأرض والسماوات.
أما من أهمل التقوى، ونزلت به سكرات الموت، فلا تسأل عن حاله -نسأل الله العفو والعافية- إذا كان قد أضاع عمره، في اللهو واللعب, وفي غير طاعة الله؛ فإنه عند ذلك يندم ويتحسر في ذلك الموقف عند خروج الروح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] نسأل الله العفو والعافية.
стр. 141
وقفة مع روح المؤمن والكافر
أيها الإخوة في الله! سوف يندم من أضاع عمره في غير طاعة الله، سوف يندم عند خروج الروح, وعند معاينة ملك الموت ومن معه من الملائكة الذين ينزلون لقبض روحه، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠] معنى الآية: أن الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم لتخرج تلك الروح وتتمزق في ذلك الجسم، ويقال لها: اخرجي إلى سخط من الله وغضب، نسأل الله العفو والعافية.
أيها الإخوة في الله! هذا موقف يحتاج لنا أن نتفكر فيه, فعلى أي شيء تخرج الروح؟! هل تخرج على طاعة الله ومرضاة الله والبشرى أم تخرج على سخط الله وغضب الله والإهانة، والملائكة يضربونها ثم توضع في تلك الأكفان التي جاءت بها ملائكة العذاب؟
ينبغي لنا أن نطيل الفكر في ذلك الموقف.
стр. 142
كيفية خروج روح المؤمن
موقف آخر: يقال لروح المؤمن -وهي تصعد في السماوات ويفتح لها- من هذه الروح؟ فيقال: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، ثم يقال لها: أعيدوها إلى الأرض, فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم, ومنها أخرجهم تارة أخرى.
ثم يفسح له في قبره مدّ البصر، ويفتح له باب إلى الجنة يأتيه من روحها وطيبها، ويأتيه عمله الصالح بصورة شاب حسن الوجه طيب الريح، يقول له: أبشر بالذي يسرك! فيقول له: من أنت؛ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فهذا موقف طيب ليسر به أحسن مما كان عند أهله وأولاده، فعند ذلك يقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة؛ لأنه عندما نجح في هذا الموقف مع الملكان عندما سألاه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وبادر بالإجابة، وأعطي تلك الكرامات في هذا القبر, وكان قبره روضة من رياض الجنة, فعند ذلك ضمن ما بعده، وهي الدرجات العلا في جنات النعيم.
هذا الموقف أيها الإخوة في الله! يحتاج للإنسان أن يتفكر فيه، وهل كل إنسان يحوز على هذا الموقف؟! الله يقرر هذا في كتابه الكريم ويقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فثبته الله في الموقف الأول عند خروج الروح أن خرجت روحه على كلمة التوحيد، على شهادة أن لا إله إلا الله، وثبته الله في قبره عندما سأله الملكان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ .
أما غير المؤمن فإنه إذا قيل له: قل لا إله إلا الله عند خروج الروح، فإنه لا يأتي بلا إله إلا الله؛ لأن الله لم يثبته على القول الثابت، وتخرج روحه على ما عاش عليه في هذه الحياة الدنيا من اللهو والعبث والإعراض عن طاعة الله .
стр. 143
من أحوال المحتضرين
لقد ذكرت لكم في غير موقف ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى عن بعض المحتضرين -نسأل الله العفو والعافية- أنه كان شارب الخمر، فلما قيل له: قل لا إله إلا الله، قال: ناولوني الكأس، وخرجت روحه وهو يقول: ناولوني الكأس!! فبئس الخاتمة، نسأل الله العفو والعافية.
والذي عاش على الغناء وشب على الغناء لما قيل له: قل لا إله إلا الله عند خروج الروح، جعل يردد الغناء، وخرجت روحه على تلك الحال، نسأل الله العفو والعافية.
والذي يشرب الدخان لما قيل له: قل لا إله إلا الله، بعضهم يقول: تتن حار، تتن حار! وخرجت روحه وهو يقول هذه العبارات، نسأل الله العفو والعافية.
وحادثة قريبة حدثت في بعض المستشفيات، أن بعض الشباب كان جالساً عند والده، ولما قال له يا أبت! قل لا إله إلا الله، قال: أشعل لي سيجارة، وخرجت روحه وهو يقول: أشعل لي السيجارة ولم يقل: لا إله إلا الله، نسأل الله العفو والعافية.
أيها الإخوة في الله! نسأل الله حسن الختام, وعلى الإنسان أن يسأل -الله دائماً حسن الختام، ولا يُعجب- بعمله ولا يمنَّ به على الله، بل يحمد الله الذي هداه.
احتضر رجل، فقالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: هو كافر بلا إله إلا الله! وأتوا بالقرآن، فقالوا: هذا كتاب الله، قال: هو كافر بالقرآن! وخرجت روحه على تلك الحال.
أيها الإخوة في الله! إن حب الكفار وموالاة الكفار له تأثير عظيم على حياة الإنسان، فإن من أحب قوماً حشر معهم, نسأل الله العفو والعافية.
стр. 144
حال العاصي بعد خروج روحه
أيها الإخوة في الله! وبعد خروج هذا الذي مات على سوء الخاتمة فلا تسأل إذا حملت الجنازة وحملها الرجال على أعناقهم، تقول عند ذلك: يا ويلها أين تذهبون بها؟! -نسأل الله العفو والعافية- أما جنازة المؤمن فتقول: قدموني قدموني! أما هذا فتقول هذه الجنازة: يا ويلها أين تذهبون بها؟! يسمعها كل شيء إلا الإنس والجن، ثم يُصعد بروحه إلى السماء فتغلق دونه أبواب السماء، وترد روحه إلى الأرض، ويبدأ به الامتحان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك، فيقول: هاه هاه لا أدري! فيضرب بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبل من جبال الدنيا لتفتت نسأل الله العفو والعافية.
وينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار, وألبسوه من النار, وافتحوا له باباً إلى النار، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يأتيه عمله الخبيث، ويقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، هذا العمل الذي دأب به في الحياة الدنيا، هذا العمل الذي عاش به في الحياة الدنيا عيشة الإعراض، وحياة الصدود عن رب العالمين, الذي خلق فسوى وقدر فهدى، هذا عمله الذي كان يمارسه في الحياة الدنيا قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ماذا يقول؟ يقول: رب لا تقم الساعة، لماذا؟ لأن بعد هذا ما هو أفظع وأشد وبعده نار جهنم، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 145
وقفة مع عذاب البرزخ
مواقف أيضا تحتاج إلى التفكر أيها الإخوة في الله، وهي: أن رسول الله ﷺ أتاه آتيان فانطلقا به، ثم يقول ﷺ : ﴿أتينا على رجل مستلقٍ وإذا رجل آخر معه حجر، فيضربه بهذا الحجر، فيتدهده الحجر، ثم يأتي بالحجر وإذا بالرأس قد صحا فيضربه بالحجر، فكلما صحا ضربه بالحجر﴾ -ونختصر الحديث- ثم سأل ﷺ عن هذا الذي يضرب بالحجر، فقال: من هذا؟ فقالا: هذا الرجل الذي يأخذ القرآن ويرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، فهذا عذابه في البرزخ إلى يوم القيامة نسأل الله العفو والعافية.
ومرّ ﷺ على رجل آخر مستلقٍ لقفاه، وإذا رجل آخر معه مثل الكلوب يشرشر عينه ومنخره إلى قفاه، ثم يذهب إلى الجانب الآخر، ثم يعود إلى الجانب الأول فإذا به قد عاد، صحا كما كان، فهذا عذابه في البرزخ إلى يوم القيامة.
ثم سأل ﷺ من هذا؟ قالا: هذا الذي يغدو بالكذبة فتبلغ الآفاق، هذا الكذاب الذي توعده رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح، فقال: ﴿وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا﴾ نسأل الله العفو والعافية.
ثم مرّ في موقف آخر ﷺ ، وإذا هما يقفان به على مثل التنور، وإذا به رجال ونساء عراة، وإذا هذا التنور أعلاه ضيق، وأسفله واسع، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم هذا اللهب ارتفع بهم، ضوضوا، قال: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني، هذا عذابهم في البرزخ قبل يوم القيامة، الذين يمارسون جريمة الزنا الجرثومة الخطيرة التي ضررها في الدنيا وضررها في البرزخ وعذابها يوم القيامة، أما ضررها في الدنيا، فهي فقر ويسود وجهه، ويصاب بالأمراض التي تسمعون بها، كمرض الإيدز والهربز والزهري والسيلان، كل هذا من أسباب مرض الجريمة البشعة جريمة الزنا -نسأل الله العفو والعافية- هذا في الدنيا مع ما يصاب به من الفقر وسواد الوجه، أما في البرزخ إذا مات من غير توبة، فإنه يوضع في مثل التنور، أسفله واسع وأعلاه ضيق، نسأل الله العفو والعافية, اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً.
ثم يأتي رسول الله ﷺ إلى موقف آخر، ويقف على رجل، وإذا هو يسبح في نهر مثل الدم، وإذا على ساحل النهر رجلٌ قد جمع عنده من الحجارة، وإذا بذلك السابح يسبح، ويأتي إلى هذا الرجل الذي على حافة النهر، فيلقمه حجراً، ثم يذهب ويسبح ويأتي ويلقمه حجراً، فقال: من هذا؟ قالا: هذا آكل الربا، قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث: إن هذه الحجارة التي جمعها ويلقمها إياه، هي الأموال التي جمعها من الربا، ثم لا تسأل عن حاله إذا قام يوم القيامة، كالذي يتخبطه الشيطان من المسَّ -نسأل الله العفو والعافية- هذا آكل الربا أيها الإخوة في الله.
ومن المواقف التي ينبغي للإنسان أن يأخذ حذره منها، وهي الغيبة -أيها الإخوة في الله! - فإن رسول الله ﷺ لما أسري به رأى أناساً أظفارهم من نحاس, يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس، ويأكلون لحومهم نسأل الله العفو والعافية.
وأيضاً وردت النصوص في التحذير من الغيبة؛ لأنه موقف بشع، ينبغي للمسلم أن يتحاشى عنه ويبتعد، ومرَّ ﷺ بقبرين، فقال: ﴿إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى إنه لكبير -أو كما قال ﷺ أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة -ينقل الحديث بين الناس لقصد الإفساد- وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله﴾ ويكفي للنمام وعيداً قوله ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾ نسأل الله العفو والعافية.
أيها الإخوة في الله! مواقف يحتاج الإنسان أن يتفكر فيها ليبتعد عنها، ويحذر من وقع فيها.
следующие страницы →