← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقفة مع روح المؤمن والكافر أيها الإخوة في الله! سوف يندم من أضاع عمره في غير طاعة الله، سوف يندم عند خروج الروح, وعند معاينة ملك الموت ومن معه من الملائكة الذين ينزلون لقبض روحه، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠] معنى الآية: أن الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم لتخرج تلك الروح وتتمزق في ذلك الجسم، ويقال لها: اخرجي إلى سخط من الله وغضب، نسأل الله العفو والعافية. أيها الإخوة في الله! هذا موقف يحتاج لنا أن نتفكر فيه, فعلى أي شيء تخرج الروح؟! هل تخرج على طاعة الله ومرضاة الله والبشرى أم تخرج على سخط الله وغضب الله والإهانة، والملائكة يضربونها ثم توضع في تلك الأكفان التي جاءت بها ملائكة العذاب؟ ينبغي لنا أن نطيل الفكر في ذلك الموقف.

стр. 142

كيفية خروج روح المؤمن موقف آخر: يقال لروح المؤمن -وهي تصعد في السماوات ويفتح لها- من هذه الروح؟ فيقال: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، ثم يقال لها: أعيدوها إلى الأرض, فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم, ومنها أخرجهم تارة أخرى. ثم يفسح له في قبره مدّ البصر، ويفتح له باب إلى الجنة يأتيه من روحها وطيبها، ويأتيه عمله الصالح بصورة شاب حسن الوجه طيب الريح، يقول له: أبشر بالذي يسرك! فيقول له: من أنت؛ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فهذا موقف طيب ليسر به أحسن مما كان عند أهله وأولاده، فعند ذلك يقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة؛ لأنه عندما نجح في هذا الموقف مع الملكان عندما سألاه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وبادر بالإجابة، وأعطي تلك الكرامات في هذا القبر, وكان قبره روضة من رياض الجنة, فعند ذلك ضمن ما بعده، وهي الدرجات العلا في جنات النعيم. هذا الموقف أيها الإخوة في الله! يحتاج للإنسان أن يتفكر فيه، وهل كل إنسان يحوز على هذا الموقف؟! الله يقرر هذا في كتابه الكريم ويقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فثبته الله في الموقف الأول عند خروج الروح أن خرجت روحه على كلمة التوحيد، على شهادة أن لا إله إلا الله، وثبته الله في قبره عندما سأله الملكان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ . أما غير المؤمن فإنه إذا قيل له: قل لا إله إلا الله عند خروج الروح، فإنه لا يأتي بلا إله إلا الله؛ لأن الله لم يثبته على القول الثابت، وتخرج روحه على ما عاش عليه في هذه الحياة الدنيا من اللهو والعبث والإعراض عن طاعة الله .

стр. 143

من أحوال المحتضرين لقد ذكرت لكم في غير موقف ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى عن بعض المحتضرين -نسأل الله العفو والعافية- أنه كان شارب الخمر، فلما قيل له: قل لا إله إلا الله، قال: ناولوني الكأس، وخرجت روحه وهو يقول: ناولوني الكأس!! فبئس الخاتمة، نسأل الله العفو والعافية. والذي عاش على الغناء وشب على الغناء لما قيل له: قل لا إله إلا الله عند خروج الروح، جعل يردد الغناء، وخرجت روحه على تلك الحال، نسأل الله العفو والعافية. والذي يشرب الدخان لما قيل له: قل لا إله إلا الله، بعضهم يقول: تتن حار، تتن حار! وخرجت روحه وهو يقول هذه العبارات، نسأل الله العفو والعافية. وحادثة قريبة حدثت في بعض المستشفيات، أن بعض الشباب كان جالساً عند والده، ولما قال له يا أبت! قل لا إله إلا الله، قال: أشعل لي سيجارة، وخرجت روحه وهو يقول: أشعل لي السيجارة ولم يقل: لا إله إلا الله، نسأل الله العفو والعافية. أيها الإخوة في الله! نسأل الله حسن الختام, وعلى الإنسان أن يسأل -الله دائماً حسن الختام، ولا يُعجب- بعمله ولا يمنَّ به على الله، بل يحمد الله الذي هداه. احتضر رجل، فقالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: هو كافر بلا إله إلا الله! وأتوا بالقرآن، فقالوا: هذا كتاب الله، قال: هو كافر بالقرآن! وخرجت روحه على تلك الحال. أيها الإخوة في الله! إن حب الكفار وموالاة الكفار له تأثير عظيم على حياة الإنسان، فإن من أحب قوماً حشر معهم, نسأل الله العفو والعافية.

стр. 144

حال العاصي بعد خروج روحه أيها الإخوة في الله! وبعد خروج هذا الذي مات على سوء الخاتمة فلا تسأل إذا حملت الجنازة وحملها الرجال على أعناقهم، تقول عند ذلك: يا ويلها أين تذهبون بها؟! -نسأل الله العفو والعافية- أما جنازة المؤمن فتقول: قدموني قدموني! أما هذا فتقول هذه الجنازة: يا ويلها أين تذهبون بها؟! يسمعها كل شيء إلا الإنس والجن، ثم يُصعد بروحه إلى السماء فتغلق دونه أبواب السماء، وترد روحه إلى الأرض، ويبدأ به الامتحان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك، فيقول: هاه هاه لا أدري! فيضرب بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبل من جبال الدنيا لتفتت نسأل الله العفو والعافية. وينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار, وألبسوه من النار, وافتحوا له باباً إلى النار، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يأتيه عمله الخبيث، ويقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، هذا العمل الذي دأب به في الحياة الدنيا، هذا العمل الذي عاش به في الحياة الدنيا عيشة الإعراض، وحياة الصدود عن رب العالمين, الذي خلق فسوى وقدر فهدى، هذا عمله الذي كان يمارسه في الحياة الدنيا قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ماذا يقول؟ يقول: رب لا تقم الساعة، لماذا؟ لأن بعد هذا ما هو أفظع وأشد وبعده نار جهنم، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 145

وقفة مع عذاب البرزخ مواقف أيضا تحتاج إلى التفكر أيها الإخوة في الله، وهي: أن رسول الله ﷺ أتاه آتيان فانطلقا به، ثم يقول ﷺ : ﴿أتينا على رجل مستلقٍ وإذا رجل آخر معه حجر، فيضربه بهذا الحجر، فيتدهده الحجر، ثم يأتي بالحجر وإذا بالرأس قد صحا فيضربه بالحجر، فكلما صحا ضربه بالحجر﴾ -ونختصر الحديث- ثم سأل ﷺ عن هذا الذي يضرب بالحجر، فقال: من هذا؟ فقالا: هذا الرجل الذي يأخذ القرآن ويرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، فهذا عذابه في البرزخ إلى يوم القيامة نسأل الله العفو والعافية. ومرّ ﷺ على رجل آخر مستلقٍ لقفاه، وإذا رجل آخر معه مثل الكلوب يشرشر عينه ومنخره إلى قفاه، ثم يذهب إلى الجانب الآخر، ثم يعود إلى الجانب الأول فإذا به قد عاد، صحا كما كان، فهذا عذابه في البرزخ إلى يوم القيامة. ثم سأل ﷺ من هذا؟ قالا: هذا الذي يغدو بالكذبة فتبلغ الآفاق، هذا الكذاب الذي توعده رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح، فقال: ﴿وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا﴾ نسأل الله العفو والعافية. ثم مرّ في موقف آخر ﷺ ، وإذا هما يقفان به على مثل التنور، وإذا به رجال ونساء عراة، وإذا هذا التنور أعلاه ضيق، وأسفله واسع، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم هذا اللهب ارتفع بهم، ضوضوا، قال: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني، هذا عذابهم في البرزخ قبل يوم القيامة، الذين يمارسون جريمة الزنا الجرثومة الخطيرة التي ضررها في الدنيا وضررها في البرزخ وعذابها يوم القيامة، أما ضررها في الدنيا، فهي فقر ويسود وجهه، ويصاب بالأمراض التي تسمعون بها، كمرض الإيدز والهربز والزهري والسيلان، كل هذا من أسباب مرض الجريمة البشعة جريمة الزنا -نسأل الله العفو والعافية- هذا في الدنيا مع ما يصاب به من الفقر وسواد الوجه، أما في البرزخ إذا مات من غير توبة، فإنه يوضع في مثل التنور، أسفله واسع وأعلاه ضيق، نسأل الله العفو والعافية, اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً. ثم يأتي رسول الله ﷺ إلى موقف آخر، ويقف على رجل، وإذا هو يسبح في نهر مثل الدم، وإذا على ساحل النهر رجلٌ قد جمع عنده من الحجارة، وإذا بذلك السابح يسبح، ويأتي إلى هذا الرجل الذي على حافة النهر، فيلقمه حجراً، ثم يذهب ويسبح ويأتي ويلقمه حجراً، فقال: من هذا؟ قالا: هذا آكل الربا، قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث: إن هذه الحجارة التي جمعها ويلقمها إياه، هي الأموال التي جمعها من الربا، ثم لا تسأل عن حاله إذا قام يوم القيامة، كالذي يتخبطه الشيطان من المسَّ -نسأل الله العفو والعافية- هذا آكل الربا أيها الإخوة في الله. ومن المواقف التي ينبغي للإنسان أن يأخذ حذره منها، وهي الغيبة -أيها الإخوة في الله! - فإن رسول الله ﷺ لما أسري به رأى أناساً أظفارهم من نحاس, يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس، ويأكلون لحومهم نسأل الله العفو والعافية. وأيضاً وردت النصوص في التحذير من الغيبة؛ لأنه موقف بشع، ينبغي للمسلم أن يتحاشى عنه ويبتعد، ومرَّ ﷺ بقبرين، فقال: ﴿إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى إنه لكبير -أو كما قال ﷺ أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة -ينقل الحديث بين الناس لقصد الإفساد- وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله﴾ ويكفي للنمام وعيداً قوله ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾ نسأل الله العفو والعافية. أيها الإخوة في الله! مواقف يحتاج الإنسان أن يتفكر فيها ليبتعد عنها، ويحذر من وقع فيها.

стр. 146

وقفة مع يوم القيامة أيها الإخوة في الله! بعد هذه المواقف، سوف يحدث لهذا العالم انقلاب يتغير فيه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] لماذا؟ ليقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، ليقفوا في عرصات القيامة. أيها الإخوة في الله! إنه موقف عظيم يحتاج للإنسان أن يطيل التفكر فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] متى؟! ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] متى؟! ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] إذا جاء الله يوم القيامة لفصل القضاء بين العباد. أيها الإخوة في الله! إنه موقف عظيم يحتاج للإنسان أن يتفكر فيه، وهذا الموقف والله ثم والله لا ينجو منه إلا من تزود بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧] فمن جاء بالتقوى نجح في ذلك اليوم العظيم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ [الحاقة:١٨] على تلك الأرض المستوية التي ليس فيها جبال ولا أودية ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] عند ذلك يحصل تقسيم الشهادات في ذلك اليوم العظيم، ولكن متى؟! بعدما يصيب الناس الهمَّ والغمَّ والكرب، ويحتاجون إلى من يشفع لهم، حتى ينزل رب العزة والجلال لفصل القضاء بين العباد، ويقولون: من يشفع لنا في هذا اليوم العظيم الذي دنت فيه الشمس قدر ميل، وذهب العرق في الأرض سبعين ذراعا؟! من يشفع لنا في هذا اليوم العظيم الذي شخصت فيه الأبصار للحي القيوم؟ فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى آدم أبي البشر، فيأتون آدم ﵇، فيقول: لست لها، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، ومن الذي أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً ﵇، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟! فيقول: إنه كان لي دعوة فدعوت بها على قومي، اذهبوا إلى غيري، نفسي نفسي اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم ﵇، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فيعتذر ويقول: اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى. فيذهبون إلى موسى ﵇، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: لست لها, اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى, نفسي نفسي. فيأتون إلى عيسى ﵇، فيقولون له: اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيعتذر ويقول: نفسي نفسي اذهبوا إلى محمد ﷺ . الله أكبر! يا لها من مواقف عظيمة! يقول ﷺ : فيأتون إلي، فيقولون: ألا ترى إلى ما نحن فيه اشفع لنا إلى ربك، فيقول: أنا لها أنا لها, فيخر تحت العرش ساجداً، ويفتح الله عليه من محامده، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع، فيرفع رأسه ﷺ ، ويقول: يا رب! أمتي أمتي! الله أكبر! اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، فيقال: أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة. أيها الإخوة في الله! إن مواقف القيامة عظيمة تحتاج إلى أن يتفكر فيها الإنسان، ويقف مع نفسه قليلا مع تلك الآيات العظيمة ليتفكر فيها، ليقف مع قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٤١] يقف قليلاً ويتفكر، هل هو من أهل الجحيم؟! أعطى نفسه هواهها، وتمنى على الله الأماني، أو من أهل الجنة الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى، واتبعوا طريق المصطفى ﷺ ، والتزموا الصراط المستقيم؟ ثم ينتقل ويتفكر أيضا في موقف آخر، يرتل ويردد: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٧].

стр. 147

وقفة مع سورة القارعة ثم يتفكر، هل هو من الذين وجوههم مسفرة أم من الذين وجوههم ترهقها قترة؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨ - ٤٢] نسأل الله العفو والعافية. وإن كان الوقت معه ضيق، والمشاغل كثيرة، والهموم طويلة، فنقول له: يكفيك أن تنتقل إلى سورة قصيرة وترددها، وهي قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١ - ١١]. سورة قصيرة فيها الأخبار العظيمة، أخبار أسماء القيامة، وفيها خروج الناس كالجراد المنتشر، وفيها صفة الجبال إذا صارت هباءً منثوراً، ثم خروج النتيجة هذا إلى الجنة في عيشة راضية، وذاك إلى النار، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 148

وقفة مع سورة الزلزلة ثم ينتقل -أيضاً- إلى سورة قصيرة ويكررها، ونحن إنما ينقصنا التكرار -أيها الإخوة في الله! - ولو أننا وقفنا مع القرآن وكررنا السور القصيرة لحصل عندنا من الخير الكثير، وحصل عندنا من قمع هذه النفس الأمارة بالسوء، اقرأ قول الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٣] ما لها؟! لتفضحك يابن آدم, لتخرج أثقالها, الأعمال التي عملتها عليها من خير وشر، اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٤ - ٦] ليكشف لهم عن تلك الأعمال التي عملوها في الحياة الدنيا ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] عند ذلك نرجع إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] وهو يوم تقسيم الشهادات.

стр. 149

وقفة مع آيات الحاقة والواقعة اسمعوا إليهم يا عباد الله وهم يقتسمون الشهادات، فمنهم الفرح المسرور، ومنهم المغموم المحزون ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] وهو عملك الصالح الذي قدمته في الدنيا، والذي جاءك في قبرك، وقال: أنا عملك الصالح, أبشر بالذي يسرك، فهو قد بشرك في القبر وجزيت به خيراً يوم القيامة. أما الآخر الذي قال لعمله الذي جاء في قبره: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فقال له عمله: أنا عملك الخبيث، فاسمعوا ماذا يقول يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٨] أين المليارات والملايين؟! أين العقارات؟! كلها تذهب وتضمحل يوم القيامة ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] هلك السلطان والجاه، أين الملك؟! أين الرتبة؟! أين الوزارة؟! أين العمارة؟! كلها ذهبت واضمحلت. هل تنفع هذه المعاذير أيها الإخوة في الله؟! والله لا تفيد ولا تنفع، يقول الله : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] تصور هذا الموقف يا عبد الله! إذا أدخلت السلسلة من الفم وأدخلت إلى الدبر، وكبل بها ثم سحبته الزبانية إلى النار، والله إنه موقف عظيم: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] إلى أين؟ إلى جهنم وبئس المصير، قعرها سبعون خريفاً, إنها مواقف تحتاج إلى تفكر. ثم يتفكر إذا انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام من أي قسم هو، هل هو من أصحاب اليمين، أم من السابقين، أم من أصحاب الشمال؟ نسأل الله العفو والعافية، اسمعوا إلى الله وهو يقسمهم في هذه السورة، وهذا كله بعد القيامة ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١ - ١٢] نسأل الله أن يرزقنا التفقه في الدين، وأن يردنا إليه رداً جميلاً.

стр. 150

دعوة إلى تدبر القرآن في شهر رمضان أيها الإخوة في الله! أنتم الآن في هذا الشهر المبارك، وتتلون كتاب الله ، فإذا مررتم بهذه الآيات العظيمة التي فيها أسماء القيامة فيقف الإنسان عندها، فإنها التي تهز القلوب هزاً. قف عند قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣] قف عند هذا الاسم العظيم، ثم ارجع إليه في التفسير، وانظر ماذا يقول العلماء في تفسير هذه الكلمات، قف عند قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]. متى هذا يا أخي؟! هذا يوم القيامة ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] يوم تختبر السرائر وتظهر علانية على رءوس الأشهاد. ثم تفكر -يا أخي- في هذا الصراط هل أنت من الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : ﴿مثل البرق الخاطف، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاود الخيل، ومنهم كأشد الرجال عَدْواً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يحبو حبواً﴾ ولا يستطيع العبور على الصراط بسرعة إلا الذي يسارع بالأعمال الصالحة إلى الله . وكما قلت لكم في أول الكلام: إن التقوى هي الزاد الذي ينجو به الإنسان يوم القيامة، اسمع قول الله تعالى، اسمع الصراط يا عبد الله! ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] كلنا علمنا الورود لكن ما علمنا الصدور، ولكن الله أخبر من الذي يصدر ممن وردوا قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢]. تذكر -يا عبد الله- جهنم وهي تزفر تحت الصراط، تذكر تلك الكلابيب التي يختطف بها من يزحف على الصراط زحفاً، تذكر جنهم، وأهل جنهم وهم في أوديتها يهيمون، يأكلون الزقوم والضريع الذي ينشب بالحلوق، تذكر أهل جهنم وهم يشربون الصديد، تذكر أهل جهنم وهم يسحبون في أوديتها بالأغلال، تذكر أهل جهنم وعندهم الحيات والعقارب التي هي أمثال البغال، تذكر أهل جهنم وهم في أوديتها يهيمون ويصرخون والملائكة تضربهم بمقامع من حديد وهم ينادون: يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! اشتد علينا العذاب، ثم يجيبهم الله بعد زمن فيقول: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. ثم تذكر -يا عبد الله- أهل الجنة وهم في ذلك النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يحول، تذكر وهم يفجرون تلك الأنهار, وهم في تلك القصور العالية، وعندهم الحور الحسان، وتذكر زيارتهم للملك العلام، تذكر ذلك اليوم العظيم إذا كشف الرب لهم عن وجهه لينظروا إليه، فهو والله يوم المزيد. اللهم اجعلنا من أهل الجنة, ولا تجعلنا من أهل النار برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 151

اذكر مصابك بالحبيب لقد أرسل الله تعالى رسوله ﷺ على فترة من الرسل، وكان أول ما بدئ به هو الرؤيا الصالحة، ثم أعقبه بنزول الوحي، وفيه أمره الله بالصدع بالدعوة والصبر على الأذى في ذلك، وقد عرض الرسول نفسه على القبائل، ولما بدأت دعوته تنتشر أجمعت قريش على التخلص منه بتدبير مؤامرة اغتيال، فنجاه الله منها، وانتقل إلى المدينة، فكان النصر والتأييد، حتى أتم الله النعمة وأكمل الدين ثم توفاه الله تعالى.

стр. 152

الرسول في بداية الدعوة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلوات الله وسلامه عليه لم يمت إلا وأكمل الله به الدين، وأتم الله به النعمة كما أخبرنا ربنا في محكم البيان: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فلله الحمد والمنة، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمداً ﷺ نبياً ورسولاً، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: يا أيها الإخوة في الله: في هذا الموضوع -الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعله مباركاً إنه على كل شيءٍ قدير- نتناول من سيرة المصطفى ﷺ الشيء اليسير، لن نستطيع أن نحيط بسيرة محمد ﷺ ، ولكن نأخذ منها اليسير الذي نستطيع عليه. فأولاً: -أيها الأحباب- أوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي وصية الله للأولين والآخرين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] ويقول جل من قائل عليماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] ثم قال جلَّ وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] ثم قال: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُون﴾ [الحشر:٢٠]. إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم رب محمد النبي ﷺ اغفر لنا ذنوبنا، وأذهب غيظ قلوبنا وأجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك على كل شيء قدير. أحبابي في الله! أكثروا من الحمد والثناء على الله ، الذي بعث فينا هذا النبي الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ، الذي أخرج الله به من الظلمات إلى النور، وهدى به من الضلالة، وأخرج به من الجهل إلى العلم، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الظلم إلى العدل، إنه محمد بن عبد الله ﷺ ، الذي بشرت به الأنبياء قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 153

نزول الوحي وموقف خديجة أمة الإسلام: لقد بعث الله نبينا محمداً ﷺ على حين فترة من الرسل، بعثه الله على رأس الأربعين من عمره، فأول ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء ﷺ ، وكان يخلو بـ غار حراء فيتحنث فيه -أي: يتعبد الليالي- ثم يأتي إلى أهله، ويتزود لذلك أيضاً، ثم يرجع إلى خديجة ﵂ أول ما تزوج من النساء خديجة بنت خويلد ﵂ ويتزود لتلك الأيام التي يخلو بها بربه، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، جاءه الملك جبريل ﵇ فقال: ﴿اقرأ، قال: ما أنا بقارئ﴾ أي: لست أجيد القراءة؛ لأنه أميٌ ﷺ لا يقرأ ولا يكتب ﴿فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة ﵂، فقال: ﴿زملوني زملوني فزملوه ﷺ حتى ذهب عنه الروع، فقال لـ خديجة: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة ﵂: كلا. والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة ﵂ حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فكان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد فقد بصره فقالت له خديجة: يا بن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي ينزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً -أي: أكون حياً- إذ يخرجك قومك، فقال ﷺ : أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفارق الحياة﴾.

стр. 154

الدعوة سراً وإسلام أبي بكر الصديق توفي ورقة وفتر الوحي عن رسول الله ﷺ ، ثم أنزل الله على رسوله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]. هذه الدعوة يا أمة محمد ﷺ ! يا خير أمة أخرجت للناس! هذه الدعوة تحتاج إلى صبر وتحمل، (ولربك فاصبر) فقام ﷺ بأمر ربه ﵎، فبشر وأنذر، وكان أول من أجابه من الرجال أبو بكر الصديق ﵁ وكان صديقاً لرسول الله ﷺ قبل النبوة، فلما دعاه النبي ﷺ بادر أبو بكر إلى التصديق بمحمد ﷺ وقال: [[أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله بأبي وأمي أنت أهل الصدق يا رسول الله]]. وصار أبو بكر ﵁ من الدعاة إلى الإسلام حينئذٍ، فأسلم على يديه عثمان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃ أجمعين.

стр. 155

الصدع بالدعوة والصبر على الأذى مكث نبينا ﷺ يدعو الناس سراً، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] فصدع بأمر الله تعالى وجهر بدعوته ﷺ ، فجعل المشركون يسخرون ويستهزءون به، ويؤذونه بالقول وبالفعل، وكان من أشد الناس له إيذاءً وسخرية عمه أبو لهب الذي قال الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥] وأيضاً كانت امرأته تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ . واشتد أذى قريش بمحمد ﷺ ؛ حتى حبسوه في الشعب ثلاث سنوات وأكل ورق الشجر، وألقوا عليه فرث الناقة وسلاها وهو ساجد ﷺ بجوار بيت الله الحرام، فلم يقدر أحد على رفعه عنه، فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمة ﵁ فألقته عن ظهره الشريف ﷺ .

стр. 156

دعوة الرسول لأهل الطائف ومبايعة الأنصار لما رأى الرسول ﷺ الاستهانة وكثرة الأذى له ولأصحابه؛ خرج إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الإسلام، وقابل رؤساءهم وعرض عليهم الإسلام فردوا عليه رداً قبيحاً، وأرسلوا غلمانهم وسفهاءهم يقفون في وجهه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه ﷺ ، فرجع مهموماً مغموماً مكروباً، ماداً يد الافتقار إلى رب العزة والجلال، فيأتيه ملك الجبال فيقول: يا محمد! إن شئتَ أطبقت عليهم الأخشبين، فماذا يقول ﷺ ؟ يقول: ﴿لا. لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً﴾ الله أكبر، لا إله إلا الله، صدق الله ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد. يقول بعض المفسرين: ما وصف نبي من الأنبياء بمثل هذا الوصف الذي وصف الله به محمد بن عبد الله ﷺ رءوف بالمؤمنين. رجع رسول الله ﷺ من الطائف ومد يد الافتقار إلى الله جل وعلا فقيض الله له الأنصار، فبايعوه على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعوا منه نساءهم وأبناءهم.

стр. 157

تآمر قريش على قتل الرسول عندما علمت قريش بخبر المبايعة ترصدوا لرسول الله ﷺ ، واجتمعوا على التخلص من محمدٍ ﷺ ، كما يروي أهل السير أنهم اجتمعوا في دار الندوة واجتمع معهم الشيطان -قاتله الله- فجاءهم في صورة رجل نجدي، فاجتمع معهم في دار الندوة فصدر رأيهم على أن يخرجوه من بلدته، وكل رأيٍ لا يوافق الشيطان يعترض عليه، ويقول: هذا ليس برأي، وآخر رأي اجتمعوا عليه، قالوا: نجمع من كل قبيلة شاباً ويضربوه ضربة واحدة ويتفرق دمه في القبائل، فلا تقدر بنو هاشم أو بنو طالب أن تطالبنا بدم، فقال هذا الشيطان: هذا هو الرأي -قاتله الله- فاجتمعوا على ذلك، وجمعوا من كل قبيلة شاباً على أن يقتلوا محمداً ﷺ ويتفرق دمه بين القبائل، وترصدوا له عند الباب.

стр. 158

الهجرة إلى المدينة خرج ﷺ من بيته -وهم ينتظرون خروجه- ﷺ وأخذ التراب وجعل يضعه على رءوسهم وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] وخرج من بين أيديهم ﷺ سالماً، في ذلك الحين أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، فهاجر في شهر ربيع الأول، وكان في صحبته أبو بكر الصديق ﵁، فاختفيا في غار ثور ثلاثة أيام والمشركون يطلبونهم من كل وجه، حتى وقفوا على الغار الذي فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر، فيقول أبو بكر: ﴿يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، فيقول رسول الله ﷺ : يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ الله أكبر، لا إله إلا الله ما ظنك باثنين الله ثالثهما، وسارا إلى المدينة بحفظ الله ورعايته، فلما سمع الأنصار بذلك المقدم المبارك، جعلوا يخرجون كل يوم إلى حرة المدينة ليستقبلوا رسول الله ﷺ ، فكان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ إليهم هو النور بإشراقته. اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ محيطين به متقلدين سيوفهم، وخرج النساء والصبيان وكل واحدٌ منهم يأخذ بزمام ناقته يريد أن ينزل عنده، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ حتى إذا أتت إلى محل مسجده -المسجد النبوي الشريف- بركت فيه فنزل عنها رسول الله ﷺ ، وسكن في دار أبي أيوب الأنصاري ﵁، حتى بني المسجد ومساكنه ﷺ .

стр. 159

الرسول يقيم دولة الإسلام في المدينة ثم لما استقر رسول الله ﷺ بدأت تنتشر دعوته دعوة الحق التي أنقذت العالم من هُوَّة ساحقة، دعوة أخرجتهم من الظلمات إلى النور، دعوة أخرجتهم من عبادة الأوثان والأصنام والأشجار والأحجار والقبور والشمس والقمر إلى عبادة الله الواحد القهار الذي لا يموت أبداً. فأكرم وأنعم بهذه الدعوة التي يدخل فيها العربي والعجمي كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] اللهم وفقنا لاتباع محمد ﷺ . فلما جاء رسول الله ﷺ بهذه الرسالة قبلها من قبلها، ووقف في وجهها من لم يرد الله له الهداية، وانتشرت دعوة الإسلام في مراحلها التي أراد الله لها في خلال ثلاث وعشرين سنة في مكة والمدينة، كلها جهاد ودعوة وعملٌ دءوب لترسيخ جذور الإسلام. الصحابة ﵃ هاجروا إلى المدينة، خرجوا بأنفسهم وأهليهم مهاجرين لله الواحد القهار، بل بعضهم خرج بدون ماله فاراً بدينه، والتقى المهاجرون بإخوانهم الأنصار الذين آمنوا بالله وبرسوله، عند ذلك اتجه رسول الله ﷺ إلى إعداد المسلمين إعداداً قوياً، يعلمهم الإسلام ويدرسهم القرآن ويربيهم على المحبة والأخوة الإيمانية، وينزع من نفوسهم العصبيات، وعادات الجاهلية، وفي نفس الوقت علمهم رسول الله ﷺ كيف يواجهون الأعداء؛ فعودهم على الرماية والفروسية والاستعداد لمنازلة الأعداء، يقول لهم: ﴿ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي﴾ أخذاً بالتوجيه الرباني الذي قال الله فيه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].

стр. 160

الدعوة تجني الثمار ولله الحمد والمنة، لم تمض فترة قصيرة على المسلمين في المدينة إلا وقدم انتظم عقدهم وقامت دولتهم، وبدأ رسول الله ﷺ يجني الثمار وهو يرى الدعوة تتحرك وتنتقل إلى كل مكانٍ، ثم تتحرك بكل يسر وسهولة، وقد وجد المؤمنون متنفساً لهم، وحرية لدعوتهم وحصانة لأنفسهم، وانطبق فيهم حديث رسول الله ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر﴾ الله أكبر، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. هكذا اجتمعت كلمة المسلمين في ذلك الوقت، واتحدت صفوفهم وصاروا صفاً واحدا، خاضوا غمار المعارك في بدر وأحد، والخندق، ومع اليهود قاتلهم الله وقطع دابرهم، ومع غيرهم من المشركين كل ذلك بقيادة القائد الشجاع محمد بن عبد الله ﷺ .

стр. 161

إكمال الله الدين وإتمام النعمة ولما شعت شمس الهداية وأشرقت؛ أنزل الله على رسوله آيةً فيها مسك الختام، كان الرسول ﷺ في ذلك العام حاج وسميت بحجة الوداع، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] وفي ذلك العام الذي نزلت فيه هذه الآية كان الرسول ﷺ واقفاً في عرفة بيَّن مناسك الحج فقال ﷺ : ﴿خذوا عني مناسككم﴾ وخطب في ذلك اليوم خطبةً كافيةً شافية شاملة، بيَّن فيها ما تحتاجه الأمة من أمور الدين والدنيا والآخرة. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. نعم أيها الأحباب! لقد أكمل الله به الدين ﷺ وأتم الله به النعمة، سميت أمته خير أمة أخرجت للناس، ياله من وسام -لمن التزم به- خير فيه النجاة قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. محمد ﷺ ترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه. فيا أمة محمد ﷺ : هذا هدي محمد ﷺ موجود، فالله الله بالاهتداء بمحمدٍ ﷺ ، والله الله بالاقتداء بمحمدٍ ﷺ الذي ترك أمته على المحجة البيضاء يقول ﷺ : ﴿كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى﴾.

стр. 162

الإسلام يعود غريباً كما بدأ بيَّن ﷺ الطريق الواضح، فمن اتبعه فليبشر بالنجاح، ومن خالفه فلا يلومن إلا نفسه، وقد أخبر ﷺ : ﴿أنه بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ﴾ ثم قال ﷺ : ﴿فطوبى للغرباء﴾ وسئل عنهم ﷺ : من الغرباء؟ قال: ﴿الذين يصلحون عند فساد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس﴾ وفي هذا علمٌ من أعلام نبوته ﷺ أن في آخر الزمان يحصل الفساد والشرُ المستطير، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم. وقد حذر رسول الله ﷺ صحابته فقال: ﴿بادروا بالأعمال الصالحة فتن كقطع الليل المظلم يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا﴾ أو كما قال ﷺ .

стр. 163

افتراق الأمة وبقاء الطائفة المنصورة أخبر ﷺ : ﴿أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هذه الواحدة يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي﴾ ففتشوا يا أمة محمد ﷺ ! وطبقوا هذا الحديث ﴿من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي﴾. ثم أبشروا فإن الرسول ﷺ قال: ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله﴾. الله أكبر! قد حصل التخذيل والمخالفة، والتشويه بهذا الدين من أعداء الإسلام والمسلمين، لكن نسأل الله جل وعلا أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، قد سمعنا من يسمي هذا الدين بالرجعية، وبالجمود، وبالأغلال، وبالتطرف، فإنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا إنك على كل شيء قدير.

стр. 164

ظهور البدع في الدين إخواني في الله: الرسول ﷺ بلغ البلاغ المبين، وأدى الرسالة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ومع الأسف الشديد الآن كثرت المخالفات التي نراها ونحسها ونلمسها، البارحة تسمع كثير من الإذاعات تسمع كثير يحتفلون بمعراج الرسول ﷺ . بدع حدثت للمسلمين، ولكن نسألهم ونقول: هل احتفل الرسول ﷺ بيوم المعراج أو ليلة المعراج؟ هل احتفل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة بذكرى معراج الرسول ﷺ ؟ كل هذا ليس موجود في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل رسول الله ﷺ قال: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ أي: مردود عليه، وقال ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ مردود على صاحبه نسأل الله العفو والعافية. الرسول ﷺ بيَّن للصحابة، بل وللأمة جميعاً قال: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور﴾ انظروا ماذا أحدثوا بعد محمد ﷺ ، هذا يحتفل بذكرى المعراج، وهذا يحتفل بعيد مولد الرسول ﷺ ، ولكن صدق الرسول ﷺ قال: ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾ من هم؟ اليهود والنصارى نسأل الله العفو والعافية. فالذين يحتفلون بمولد الرسول ﷺ يتشبهون بأعداء الإسلام والمسلمين، وكم يحدث في ذلك الاحتفال من أمور تغضب الله وتغضب رسوله ﷺ . من ذلك خطابات يرفعون فيها رسول الله ﷺ عن مكانته التي أنزله الله فيها، وقد سمعنا بعضهم يقول: محمد ﷺ بيده ملكوت السماوات والأرض، إنا لله وإنا إليه راجعون! والله لو كان رسول الله ﷺ -ولا أتألى على الله- حياً لجاهدهم على هذا؛ لأن هذا رفع لمنزلته ﷺ ، وإطراءٌ لرسول الله ﷺ ، كيف لا وهو يقول ﷺ : ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ صدق رسول الله ﷺ .

стр. 165

انتشار الخرافات انظروا إلى الخرافات كيف تدخل على أناس منحهم الله عقولاً، ميزهم الله بعقول، نسأل الله أن يبصرنا في ديننا وأن يفقهنا في ديننا، وأن يكفينا شر مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. بعضهم يقول: الرسول ﷺ في قبره يدور على نسائه ويجامعهن هو في قبره، وهل هذا يدخل في فكر أحد عاقل؟! وبعضهم يقول: إذا بقي ثلث الليل الآخر خرج الرسول من قبره وصار المسجد له نور وتوضأ بإبريق عند قبره ثم يدخل إلى القبر. انظروا يا إخوان! انظروا يا أمة محمد ﷺ ! والرسول كما أخبر الله عنه ميت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ [الزمر:٣٠] ويقول ﷺ : ﴿أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة﴾ أو كما قال ﷺ ، فهذا يدلنا على أنه مات ﷺ ، ولكنه لم يمت إلا وقد بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، هذه وظيفته التي بعث من أجلها هو تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة ونصح الأمة والجهاد في سبيل الله، وقد بذل ذلك كله ﷺ ، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء، ونسأل الله جل وعلا أن يحشرنا تحت لوائه وأن لا يحرمنا من شفاعته ﷺ .

стр. 166

مصيبة وفاته ﵊ نعم. يا أمة محمد ﷺ ! لقد والله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده ﷺ . في آخر شهر صفر وأول ربيع الأول ابتدأ برسول الله ﷺ المرض وهو الصداع، كما روى ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ﴿دخل عليَّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بُدِأَ فيه فقلت: وارأساه، فقال: وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتكِ ودفنتكِ فقلت: غير كأني بك في ذلك اليوم عروساً ببعض نسائك، فقال ﷺ : بل أنا وارأساه. وخرج ﷺ عاصباً رأسه بخرقة، فجلس على المنبر فقال ﷺ : إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر ﵁ وقال: يا رسول الله! فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال راوي الحديث: فعجبنا، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبدٍ خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، فقال النبي ﷺ : إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام﴾ ثم قال ﷺ : ﴿لا تبقى في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر﴾ وفي رواية أخرى قال ﷺ : ﴿ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافئه الله يوم القيامة فيها، وما نفعني مال أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر، ثم قال ﷺ : لا يبقين خوخة في المسجد إلا سدت إلا خوخة أبي بكر﴾ وفي هذا الإشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده ﷺ ، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحاً أن يصلي أبو بكر بالناس، فرجع في ذلك ﷺ فقال: ﴿مروا أبا بكر فليصل بالناس﴾. وتتام به وجعه ﷺ ، وهو يدور على نسائه حتى اشتد به المرض، وهو في بيت ميمونة ﵂، فدعا نساءه فاستأذنهن وقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، سأكون عند عائشة. واشتد به الصداع ﷺ مع الحمى، فكان يجلس في مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحل أوكيتهن يتبرد بذلك ﷺ ، وكان عليه قطيفة فكانت حرارة الحمى تصيب من وضع يده عليه من فوقها فقيل له في ذلك، فقال: ﴿إنا كذلك -أي: معشر الأنبياء- يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر﴾ وقال ﷺ : ﴿إني أوعك كما يوعك رجلان منكم﴾ ومن شدة مرضه كان يغمى عليه ويفيق ﷺ ، دخل عليه عبد الرحمن أخو عائشة ﵂ ومعه سواك، فجعل رسول الله ﷺ ينظر إليه، فعرفت عائشة ﵂ أنه يريد السواك، فأخذته وطيبته وأعطته رسول الله ﷺ ، فجعل يستاك به.

стр. 167

من وصايا الرسول في مرضه جعل ﷺ ، وهو على فراش الموت يحذر أمته من اتخاذ القبور مساجد، يقول ﷺ : ﴿ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك﴾ وأخبرت عائشة ﵂ قالت: ﴿لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة -أي: لما نزل به الموت- له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ يحذر ما صنعوا ﷺ ، وأيضاً وهو في سياط الموت يوصي أمته فيقول: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾. الله أكبر هذه آخر وصية محمد ﷺ لما حان انتقاله من هذه الدنيا وهو على فراش الموت ﷺ ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت﴾ فلله درك، لقد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده إنه محمد ﷺ ، وهو على فراش الموت يوصي ويحث على التمسك بعقيدة التوحيد ويحث على المحافظة على الصلاة، الصلاة يا أمة محمد ﷺ . ومع الأسف الشديد إننا في هذه الآونة الأخيرة نرى الصلاة قد خف ميزانها عند كثير من الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، فيالها من وصية أوصى بها رسول الله ﷺ ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾ ويحث على رعاية تلك الأمانة. يحث على المرأة، وعلى صيانتها وحفظها، يوصي بذلك وهو يعاني من سكرات الموت ﷺ ، يوصي بهذه المرأة التي أضاعها كثير من الناس في هذه الآونة الأخيرة؛ لأجل الدنيا وحب الدنيا أضاع كثيرٌ من الناس هذه الأمانة، ترك لها الحبل على الغارب تركها تسافر وحدها وبدون محرم، تركها تجوب الأسواق متعطرة سافرة متبرجة، فعصى رسول الله ﷺ . اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. أمة محمد ﷺ هذه وصية نبيكم ﷺ وما ملكت أيمانكم، فاتقوا الله في هذه المرأة، وجهوها التوجيه السليم، احفظوها في حصنها الحصين، احفظوها عن متناول يد الأشرار، عن متناول أهل الأفكار الخبيثة الذين يريدون لها أن تخرج سافرة متبذلة ليلعبوا بها في المسارح والطرقات وغيرها. احفظوا هذه المرأة فإن في تركها تسافر بدون محرم خطر عظيم، وتركها تجتمع مع السائق بدون محرم خطرٌ عظيم يا أمة محمد ﷺ ، وقد أخبرنا ﷺ أن هناك مسئولية عظيمة قال ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ متى يكون هذا السؤال؟ ومن الذي سوف يلقي علينا السؤال؟ إن السؤال سوف يكون يوم القيامة إذا وقفت بين يدي الله ، والسائل هو الله ﷻ ، كما أخبر رسول الله ﷺ : ﴿ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا ينظر إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة﴾ الله أكبر! وقد وقف ﷺ على المنبر يحذر أمته من هذه النار. إخواني في الله: الويل لمن ضيع هذه الأمانة، الويل لمن أخل بوصية محمد بن عبد الله ﷺ .

стр. 168

اللحظات الأخيرة من موته ﷺ والله ما مات محمد ﷺ إلا وقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وقد فارق الحياة ﷺ كما تقول عائشة ﵂ وهي مسندةٌ رسول الله ﷺ على صدرها: ﴿ما أغبط أحداً يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ ، قالت: وكان عنده قدحٌ من ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت، قالت: وجعل يقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات﴾ ويروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿اللهم إنك تأخذ الروح من بين القصب والعصب والأنامل، اللهم فأعني على الموت، وهونه عليَّ﴾ ولما جعل يتغشاه الكرب قالت فاطمة ﵂: واكرب أبتاه، فقال ﷺ : ﴿لا كرب على أبيك بعد اليوم﴾ تقول عائشة ﵂: ﴿فإني لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قد قضى، قالت: فعرفت الذي قاله فنظرت إليه حتى ارتفع بصره، فقال: مع الرفيق الأعلى﴾ في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجاءت التعزية من السماء يسمعون الصوت والحس ولا يرون الشخص، السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، إنما المصاب من حرم الثواب.

стр. 169

موقف الصحابة من موت الرسول ﷺ لما توفي رسول الله ﷺ اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخلط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية، منهم عمر ﵁ وبلغ الخبر أبا بكر الصديق ﵁، وكان خارج المدينة فأقبل مسرعاً حتى دخل بيت عائشة ﵂ ورسول الله ﷺ مسجى، فكشف عن وجهه الثوب، وكب عليه وقبل جبهته مراراً وهو يبكي ويقول: [[طبت حياً وميتاً إنا لله وإنا إليه راجعون]] مات والله رسول الله ﷺ ثم قال: [[والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها]] ثم دخل المسجد، وعمر يكلم الناس وهم مجتمعون عليه، فتكلم أبو بكر وتشهد وحمد الله، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال: [[من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت ثم تلا قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]]] فلما تلا أبو بكر هذه الآيات استيقن الناس كلهم بموته ﷺ ، فتلقاها الناس من أبي بكر ﵁ فما يسمع أحد إلا يتلوها، قالت فاطمة ﵂: [[يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه]] فغسل ﷺ في ثيابه وكفن وصلي عليه ثم دفن ليلة الأربعاء صلوات الله وسلامه عليه، وما مات ﷺ إلا وقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، أي مصاب أشد من هذا المصاب يا أمة محمد ﷺ ، إذا أصابتك مصيبة فتذكر مصيبتك بالحبيب ﷺ ، فكما سمعتم لم يمت رسول الله ﷺ إلا وقد أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة وإن كان قد مات فشرعه والحمد لله واضح إلى يوم القيامة. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا ويوفقنا لاتباع هدي محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 170

ليس الغريب ليس الغريب في الدنيا البعيد عن وطنه وأهله أو أنه في بلاد غير بلاده، إنما الغريب غريب اللحد والكفن، وليس المحروم الذي حرم المال والأولاد والجاه والسلطان، إنما المحروم من حرم البكاء من خشية الله لقسوة قلبه وبعده عن الله تعالى، وليست المصيبة في الدنيا بضياع الأموال أو فقدان الأولاد، إنما المصيبة الفشل في ساعة الاحتضار، ساعة الخروج من دار الدنيا إلى دار الآخرة، عندما توضع في قبرك وحيداً، ليس لك زاد. والإنسان لا ينفعه ماله ولا أهله ولا وساطته التي كانت معه في الدنيا يوم أن يوضع في قبره، وإنما ينفعه ما قدم من عمل صالح في الدنيا.

стр. 171

خطاب أبي الدرداء لأهل الشام الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فالمؤلف جزاه الله خيراً لم يألو جهداً في أن يوسع هذا الكتاب من المواعظ التي فيها خيرٌ كثير إن شاء الله لمن وفقه الله ، لقد قرأنا قي الليلة الماضية قصدية فيها موعظة، وقد طلب بعض الإخوان إعادتها نسأل الله بمنِّه وكرمه أن يرزقنا التوفيق والسداد، وأن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه على كل شيءٍ قدير. روى أبو الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿تفرغوا من الدنيا، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه، فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه، جمع الله له أموره، وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تَفدُ إليه بالمودة والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع﴾. ولما دخل أبو الدرداء الشام، قال: يا أهل الشام! اسمعوا قول أخٍ ناصح، فاجتمعوا إليه، فقال: [[ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون! وتجمعون ما لا تأكلون! وتؤملون ما لا تدركون! إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا عتيداً، فأصبح أملهم غروراً، ومساكنهم قبوراً]].

стр. 172

البكاء من خشية الله وفضله القصيدة تنسب إلى زين العابدين، أو إلى إبراهيم بن أدهم رحم الله الجميع، ورحمنا الله وإياهم بواسع رحمته، وهو يقول فيها: ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن تمر ساعات أيامي بلا ندمٍ ولا بكاءٍ ولا خوفٍ ولا حزن سفري بعيدٌ وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبني ويسترني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلةً كتبت يا غفلةً ذهبت يا حسرةً بقيت في القلب تحرقني دع عنك عذلي يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكار والحزن دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرةٌ منها تخلصني في الحديث أنه ﷺ قال: ﴿عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت تحرس في سبيل الله﴾ وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -منهم- ورجلٌ ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه﴾ فجازاه جلَّ وعلا أن يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ولن يبكِ إلا قلبٌ رقيقٌ قريبٌ من الله ، أما القلب القاسي-والعياذ بالله- فهو بعيدٌ من الله، القلب القاسي الذي تراكمت عليه الشهوات، وطمت عليه الغفلة وبنت عليه جدرانها، فهو قاسٍ لا يتعظ ولا يلين، أما القلب اللين الخاشع القريب من الله، فهو الذي يلين، وتسيل منه الدمعة بعد الدمعة، فكم دمعةٍ ثم دمعة ترضي الله ، وتدفع عن صاحبها العذاب. نعم يا عباد الله! سبعة يظلهم الله في ظله منهم الرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، فالإكثار من ذكر الله واستغفاره ، وإحضار القلب دائماً بين يديه يجلو صدى القلب، وكذا التذكر في الخلوات، إذا كنت خالياً لست في حضرة الناس تتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وتتقرب إلى الله ، فهذه عادة السلف الصالح رحمة الله عليهم، كانوا يحيون ليلهم بالتهجد والتقرب إلى الله ، فهذا الزاهد يقول في كلامه: دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكار والحزن دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرةٌ منها تخلصني

стр. 173

حال الإنسان في ساعة الاحتضار تلك الساعة -يا عباد الله- ساعة نزول ملك الموت ليجتذب الروح من العروق والعصب، يا لها من ساعةٍ يا عباد الله! ينسى فيها الإنسان كل شيء، حتى المفاتيح التي كان مغلق عليها، كجده يريد شربة ماء ولا يفقهون ماذا يريد؟ يريد أن يقول: أتحلل من فلان، أو أؤدي حق فلان، أو أرد مال فلان الذي أخذت، أو أصلي الصلوات التي تركت، أو أؤدي زكاة مالي الذي منعت، ولكن لا يستطيع، بصره شاخص ينتظر خروج الروح؛ لأن الروح إذا خرجت يتبعها البصر، لذلك يُسنُّ تغميض عين الميت إذا خرجت روحه، اسمعوا إلى هذه اللحظة يصفها لنا كأنها رأي عين، كأننا جميعاً يفعل بنا هكذا. كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيبٍ كي يعالجني ولم أرَ الطب هذا اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرقٍ بلا رفقٍ ولا هون واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار في الحلق مراً حين غرغرني وغمضوني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شرا كفني وقام من كان أولى الناس في عجلٍ إلى المغسل يأتيني يغسلني وقال: يا قوم نبغي غاسلاً حذقاً حراً أديباً أريباً عارفاً فطن فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وعراني وأفردني وأطرحوني على الألواح منفرداً وصار فوقي خرير الما ينظفني وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن وألبسوني ثياباً لا كموم لها وصار زادي حنوطاً حين حنطني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا عليَّ صلاةً لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وأنزلوني إلى قبري على مهلٍ وأنزلوا واحداً منهم يلحدني وكشف الثوب عن وجهي لينظرني وأسدل الدمع من عينيه أغرقني فقام محتزماً بالعزم مشتملاً وصفف اللبن من فوقني وفارقني الآن سكن في مسكن فرشه التراب، وصف عليه اللبنات، سبحان الله العظيم! انفرد بعمله إن كان صالحاً فهو له، وإن كان سيئاً فيا ويله من ذلك العمل السيء، ويا ويله من طول مكثه، نسأل الله العفو والعافية. وقال: هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن

стр. 174

القبر وفتنته في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا أبٌ شفيقٌ ولا أخٌ يؤنسني ولا تلفاز، ولا جرائد، ولا مجلات، ولا تلفون، ولا شيء، صف عليك اللبن ووضعك، عندك عملك فإن كان صالحاً فهو شابٌ حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح -نسأل الله من فضله- ثم يقول له: أبشر بالذي يسرك، ثم ينبسط وينسى أهله وماله وينسى الدنيا كلها، يستقبل شيئاً آخر عندما بشره هذا العمل الصالح، ماذا يستقبل؟ يستقبل الجنة، الآن هو في روضة من رياض الجنة، ولكن يستقبل الجنة عالية الدرجات بجوار الله . وإن كان عمله سيئاً -والعياذ بالله- فهو شاب أسود الوجه منتن الريح، ثم ماذا يقول له: أبشر بالذي يسوؤك أنا عملك السيء، ثم يزداد غماً وحزناً، ويقول: يا رب! لا تقم الساعة؛ لأنه إذا كان هذا أول مبتدأ العمل، فما بعده إلا جهنم والعياذ بالله. نسأل الله أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، ولا يجعلها حفرةً من حفر النار إنه أرحم الراحمين. في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا أبٌ شفيقٌ ولا أخٌ يؤنسني وأودعوني ولجوا في سؤالهمُ ما لي سواك إلهي من يخلصني وهالني صورةٌ في العين إذ نظرت من هول مطلع ما قد كان أدهشني من منكرٍ ونكيرٍ ما أقول لهم إذ هابني منهما ما كان أفزعني الله أكبر! من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ إن كان مؤمناً وإن كان لم يقرأ ولا حرفاً، قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، وإن كان غير ذلك، يقول: هاه، هاه، لا أدري، ثم يقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمرزبة من حديد والعياذ بالله. نعم -يا عباد الله- قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] لا معقب لحكمه يا عباد الله، ما أحد يعقب على حكم الله؛ لأنه أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، ولا يظلم ربك أحداً: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] فمن أراد النجاة عباد الله، فليطلبها ويلتمسها ويسعى إلى طرق الخير ما دام في الحياة، ما دام في زمن الإمكان، ما دام في زمن دار المزرعة، نحن الآن في دار المزرعة، لكن سوف ننتقل إلى درا الحصاد، فإن زرعنا خيراً حصدنا حسنات، وإن زرعنا شراً حصدنا سيئات والعياذ بالله. وهالني صورةٌ في العين إذ نظرت من هول مطلع ما قد كان أدهشني من منكرٍ ونكيرٍ ما أقول لهم إذ هابني منهما ما كان أفزعني فامنن عليَّ بعفوٍ منك يا أملي فإنني موثقٌ بالذنب مرتهني

стр. 175

تقاسم الأهل للمال بعد الموت تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلني الله أكبر! يجنون الثمار وأنت عليك الحساب، هم يجنون المال الذي حصلت عليه سواء كان من حرام أو من حلال، فهم ليس عليهم حساب إنما الحساب عليك أنت لأنك الذي جمعت، إن كان حلالاً فسوف تحاسب عليه، وإن كان حراماً فهو زادك إلى النار والعياذ بالله.

стр. 176

الحذر من الدنيا ثم ينصحنا ويرشدنا جزاه الله خيراً ويقول: فلا تغرَّنك الدنيا وزينتها وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن انظر إلى آدم وذريته أين هم؟ إلى نوح وقومه، وعاد وقومه، وصالح وقومه، ولوط وقومه، وقريش، إلى آبائنا، وأجدادنا إلى آخر ذلك أين هم؟! فهذه الحياة ممر، كلنا نمر ونمشي حتى يأتينا هذا الحتم ثم نموت، ولكن المحظوظ -يا عباد الله- الذي يعمل صالحاً: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] ولا تغرنكم الحياة الدنيا -يا عباد الله- فإنما هي أيامٌ قلائل وسوف تنتهي. فلا تغرَّنك الدنيا وزينتها وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الزاد والكفن نعم. نخرج مع الملوك والأمراء، والتجار، والفقراء إذا ماتوا فما نرى أحد منهم أُدخل معه في قبره شيء، ولكن ماذا لو أخذ معه مال؟ مليار، أو عشرة ملايين، أو مليون هل يعطي منكر ونكير رشوة قد يخففوا بها عنه؟ لا. كلهم لم يذهبوا إلا بالكفن، ثم الكفن بعد أيام تأكله الأرض، والبطن تفقع ثم تلقى الدود -نسأل الله العافية- ثم يكون رفاتاً، ثم يكون تراباً، وفي يومٍ من الأيام يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، فتجتمع تلك الأجسام كما خلقها أول مرة جلَّ وعلا، ثم يبعثون إليه، ثم يحاسب كلٌ بعمله إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً. خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن يا نفس كُفي عن العصيان واكتسبي فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني اللهم ارحمنا جميعاً بواسع رحمتك، اللهم ارحمنا جميعاً بواسع رحمتك، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا، اللهم أيقظنا من غفلاتنا بفضلك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم تجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك، اللهم ألحقنا بالذين أنعمت عليهم في دار رضوانك، وارزقنا ما رزقتهم من لذيذ مناجاتك، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات واجمعنا اللهم جميعاً في مستقر رحمتك، واجعلنا من الواردين على حوض نبيك محمد ﷺ ، واسقنا اللهم شربةً هنيئةً مريئةً، لا نظمأ بعدها أبداً، وأظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك إنك أنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، لا إله إلا أنت يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 177

من آثار الذنوب والمعاصي إن الذنوب والمعاصي إذا انتشرت وعمت في هذه الأمة، ولم يردعها رادع غار الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، وأنزل عقابه الأليم وسخطه الشديد على عباده لتماديهم في ارتكاب المنكرات. وفي هذه المادة تحذير من الذنوب والمعاصي وبيان أنواعها وتأثيرها على الأمة في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 178

المعصية الأولى: الشرك بالله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداًَ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ترك أمته على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فأكثروا عليه من الصلاة والتسليم امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الإخوة في الله: حياكم الله في بيت من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً. اللهم لا تجعل منا ولا فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين. إخواني في الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني في الله: الموضوع كما علمتم هو: (التحذير من آثار الذنوب والمعاصي). الذنوب والمعاصي -أيها الإخوة في الله- لها تأثير على الأبدان، ولها تأثير على القلوب، ولها تأثير على الأرض في نقص البركات، وغور المياه، وحلول الأمراض المستعصية التي ذكرها رسول الله ﷺ . فإذا حصلت الذنوب والمعاصي وانتشرت، فإنها تحل أمراض مستعصية تستعصي على الأطباء، فلا يوجد لها علاج، وصدق رسول الله ﷺ ، وقد حصل -والله- ما أخبر به رسول الله ﷺ . فأول ذنب، بل أعظم ذنب عُصي الله به في أرضه هو الشرك يا أمة محمد ﷺ ، الشرك الذي من ارتكبه لا يغفر الله له ذنوبه إلا أن يتوب توبة نصوحاً، وإن مات من غير توبة فإنه مخلد في النار والعياذ بالله، يقول الله جل وعلا لرسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. والرسول ﷺ يقول محذراً من الشرك: ﴿من مات وهو يشرك بالله شيئاً دخل النار﴾ نعوذ بالله من النار. إذاً: يا أمة محمد ﷺ ! الله ﷻ ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. ومعنى يعبدون أي: يوحدون، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر -والعياذ بالله نسأل الله العفو والعافية- مثل: دعاء الأموات، والتوسل بالأموات، والطواف بالقبور، والنذور لأهل القبور، وصب العسل والسمن على القبور، وطلب الحاجات، وطلب تفريج الكربات، وطلب شفاء الأمراض من أهل القبور، هذا شرك؛ لأنه صرف شيئاً من أنواع العبادة لا يقدر عليه إلا الله . فالله هو الذي يشفي المرضى، ويقضي الحاجات، ويفرج الكربات، ويغيث اللهفات، ويحيل الشدائد والبليات. لذلك يقول إبراهيم خليل الرحمن كما حكى الله عنه لما كسَّر الأصنام، ووثبوا عليه ليُحرقوه في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وفوض أمره لله الواحد القهار، وتبرأ من أولئك، قال الله جل وعلا مخبراً عنه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٧ - ٨١]. آمنا بالله وعليه توكلنا. الله ﷻ الذي قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] سبحانه وبحمده! ورسول الله ﷺ ضرب لنا مثلاً في هذا، وكذلك الأنبياء والمرسلين، والله جل وعلا طلب من أممهم أن يقتدوا بهم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. إخواني في الله: نحن ولله الحمد والمنة لا يوجد بين أظهرنا قبور يُطاف بها، ولا يُتوسل بها، ولا يُذبح لها، ولا يُنذر لها، إنما هذا يوجد إذا خرج الإنسان من هذه البلاد، نسأل الله أن يحرسها بعينه التي لا تنام، وأن يحفظها من كيد الأعداء، إنه على كل شيء قدير. فإذا خرج إنسانٌ من هذه البلاد وجد أناساً يصلون في المسجد، ثم لم يلبثوا قليلاً إلا وقد انصرفوا يميناً أو شمالاً إلى بعض القبور، فتجدهم يطوفون بها، وقد يدعون أهلها ويتوسلون بهم، ويطلبون منهم الغوث والمدد إلى غير ذلك. فهذا لا يوجد في بلادنا -نحمد الله ونشكره- لكن الذي يوجد في بلادنا يا أمة محمد ﷺ هو أيضاً خطر على العقيدة، وهو إتيان الكهان والعرافين والمنجمين والمشعوذين، وهذا فيه خطر على التوحيد؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿من أتى كاهناً فسأله عن شيء فصدَّقه لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ أو كما قال ﷺ . وأيضاً يُروى عنه أنه قال: ﴿من أتى كاهناً فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. يا أمة محمد ﷺ ! إن بعض الناس إذا تأخر عليه النسل أو الأولاد يذهب إلى أولئك -والعياذ بالله-. يطلب منهم أن يُرزق أولاداً، وهذا بيد الله ، وليس بيد أحد من الناس، ولكن ماذا يقولون له نسأل الله العافية؟ يقولون له: إذا كنت تريد الأولاد فأتِ بشاة سوداء أو عنز سوداء، وتذبحها ولا تذكر اسم الله عليها، إنا لله وإنا عليه راجعون، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا. وقد والله فعل هذا أناس في بلاد التوحيد يا أمة محمد ﷺ ، دجَّل عليهم أولئك المشعوذين، فذبحوا للجن والشياطين, والرسول ﷺ أخبر عنهم وقال: ﴿لعن الله من ذبح لغير الله﴾. ثم إن ذبح لغير الله ومات على هذه الحال ولم يتب إلى الله، فإنه يكون مخلد في النار، لماذا؟ لأنه صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا، وقد سمعنا قول الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. أيضاً: هناك أناس إذا أصيبوا بأمراض نفسانية، والأمراض النفسانية يا أمة محمد ﷺ لا تحصل إلا لمن أعرض عن الله، وابتعد عن طاعة الله، وغفل عن ذكر الله، فإن الشياطين تشن عليه الغارة، تهجم عليه والعياذ بالله، فعند ذلك يضيق من نفسه، حتى من أهله وأولاده، وعند ذلك يبحث عمن يصف له العلاج، ولو أنه التجأ إلى الله وتاب ورجع إلى الله لتاب الله عليه، وجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، قال سبحانه: ﴿ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ولكنه -والعياذ بالله- يلتجئ إلى أولئك الكهنة والعرافين والمنجمين والمشعوذين، فعند ذلك يُدَجلون عليه، وأول دجلهم أن يقول أحدهم: ائتني بطاقيتك أو فانيلتك، أو ما اسم أمك؟ وما اسم أبيك؟ ثم لماذا تسأل عن هذه الأشياء؟ إذا قال لك هذه الأشياء، فاعرف أنه من الكهنة الدجالين المشعوذين، ابتعد عنه يا عبد الله، تُب إلى الله، وارجع إلى الله، حتى إذا أتتك المنية فأنت تائب راجع منيب إلى الله . الرسول ﷺ ترك أمته على المحجة بيضاء نقية، وأخبرهم بأدعية وأذكار، يقولونها في كل حال من أحوالهم، حتى إذا فقد الإنسان شيئاً من أمواله يقول: اللهم رب الضالة، رد الضالة، اللهم رب الضالة، رد الضالة. ولكن هناك أناس غفلوا عن الرب ﷻ ، غفلوا عن الله ، فبمجرد ما يفقد شيئاً من أمواله يذهب إلى أولئك المشعوذين الدجاجلة فيدجلون عليه، كما دجلوا على مَن سَلَفَ مِن قبله، أسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه، إنه على كل شيء قدير. أيها الإخوة في الله: إن أعظم ذنب عُصي اللهُ به في الأرض هو الشرك والعياذ بالله، فالحذر الحذر يا أمة محمد ﷺ من الشرك وأهل الشرك.

стр. 179

المعصية الثانية: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إخواني في الله: من الأمور التي عُصي الله بها: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أمر خطير جداً يا أمة محمد ﷺ ؛ لأن البعض من الناس يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص برجال الحسبة ورجال الهيئة وهذا خطأ، وظن خاطئ؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فمن أراد هذه الخيرية، فما عليه إلا أن يلتزم بما وعد الله به ، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما رسول الله ﷺ فقد أخبر عن درجات تغيير المنكر، قال ﷺ يخاطب الأمة جميعاً: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ نقول: التغيير باليد لولاة الأمور، ولمن ولاهم ولي الأمر، مثل رجال الحسبة، أما التغيير باللسان، فكل إنسان -ولله الحمد- يستطيع أن يغير بلسانه. أيضاً يستطيع الإنسان تغيير المنكر في بيته على أهله وأولاده إذا رأى منهم منكراً؛ لأن له السيطرة على أهله وأولاده؛ ولأنه مسئول عنهم أمام الله ﷻ ، كما أخبرنا بذلك رسول الله ﷺ يوم أن قال: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾ الله أكبر! إخواني في الله: استمعوا إلى هذا الحديث، واستمعوا له بقلوبكم قبل أن يدخل آذانكم؛ لأن هذا الحديث -والله- إذا تمعن به المؤمن وجد أن الأمر جد عظيم يا أمة محمد ﷺ ، فاسمع إلى حديث الرسول ﷺ وهو يقول: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها -إلى أن قال ﷺ : ألا فكلكم راعٍ، ومسئول عن رعيته﴾ ثم تمعن معاني الحديث، وتذكر: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾ فكر يا عبد الله! من الذي سوف يسألك؟ ومتى يكون هذا السؤال؟ أما الذي سوف يسألك: فإنه الله ﷻ . وأما زمان السؤال فإنه سوف يكون على أرض القيامة. فماذا أعددتَ للسؤال من جواب يا عبد الله! إذا قامت الزوجة تخاصمك بين الله، بأنك رأيتها على منكر ولم تنهها عنه ولم تأمرها بالمعروف؟ ما هو الجواب إذا وقف الابن يخاصمك بين يدي الله؛ لأنك رأيته على منكر، بل ربما أتيت له بالمنكر في قعر بيته ولم تأمره بالمعروف؟ ما هو الجواب إذا وقفت البُنيَّة بين يدي الله تخاصمك؛ لأنك أدخلت عليها المنكرات أو رأيتها تعمل المنكرات ولمن تنهها ولم تأمرها بالمعروف؟ ما هو الجواب بين يدي الله ؟ وربنا جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ما هو الجواب بين يدي الله ؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر الخطاب، النداء لأهل الإيمان ليس لليهود ولا للنصارى ولا لغيرهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقول ابن مسعود: [[إذا سمعتَ الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأصغِِ لها سمعك، فهو إما خيراً تُدعى إليه، وإما شراً تُحذَّر منه]] فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ بماذا نقي أنفسنا وأهلينا من هذه النار؟ بماذا نقيها؟ أبتوسيع الفلل؟ أم بتشييد القصور؟ أم بكثرة المأكولات والمشروبات والملبوسات؟ هذه كلها من ضروريات الحياة يا مسكين، والحياة الدنيا لا بد لها من زوال، لا بد لها من دمار، ولكن تقي نفسك وأهلك من نار جهنم، تقيها بما يُرضي الله جل وعلا وبالأعمال الصالحة، تأمر أهلك بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتوجههم التوجيه السليم، وتراقب ذهابهم وإيابهم، وأين يذهبون؟ وبمن يجتمعون؟

стр. 180

حال بعض الناس مع إنكار المنكرات مع الأسف الشديد: انظر الآن إلى أحوال الكثير من الناس -اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردناً إليك رداً جميلاً- تجد بعضهم الآن في غفلة وإعراض، الزوجة تذهب مع سيارة الأجرة، ولا يدري أين تذهب، أو ربما أتى لها بسائق وربطه عند البيت، وقال لهذا السائق: افعل ما تشاء، فيذهب بالزوجة والبنات إلى الأسواق، وإلى المدارس، وإلى المستشفيات، والرجل أين هو؟ الرجل مشغول بدنياه، وهل هذا يُعذر بين يدي الله ؟ لا. والله لا يُعذر؛ لأنه عصى الله، وعصى رسوله ﷺ . أولاً: أن الله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] فترك هذا الرجل هذه الآية، وضرب بهذا القول عرض الحائط. ثانياً: اسمع حديث الرسول ﷺ الذي قال فيه: ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم﴾ فقال: هذا السائق أجْوَدِي، مُتَخَيَّر من تلك البلاد البعيدة، هذا وجه إنسان مِحْذاق، الله أكبر! أمَخْصِيٌّ هو يا مسكين؟ لا. وأيضاً له شهوة أشد منك؛ لأنك أنت بين أهلك وأولادك، أما هو فله ثلاث سنوات أو سنتين وهو بعيد عن أهله، أين تذهب هذه الشهوة يا مسكين؟ ولكن قل بين يدي الله : هذا والله أجْوَدِي، ابن حلال، مُتَخَيَّر من تلك البلاد. الله أكبر! لماذا ما قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والصحابة أجمعين، لماذا لم يقولوا هذا الكلام بين يدي الرسول ﷺ ؟ الرسول يخاطب الصحابة، أبر الأمة قلوباً وأزكاها، وأكثرها علماً ﵃ وأرضاهم يخاطبهم الرسول ويتحدث بين أيديهم ويقول: ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم﴾. ويقول: ﴿لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم﴾. ويقول ﷺ : ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾. فبعض الناس ضرب بأقوال الرسول ﷺ عرض الحائط، فإنا لله وإنا إليه راجعون. علامَ يدل هذا يا عباد الله؟ هذا يدل على أن الناس انهمكوا في حب الدنيا، وهذا الذي حذر منه الرسول ﷺ يوم أن قال: ﴿ما الفقر أخشى عليكم﴾ ولكن خشي علينا ﷺ مما يُفتح علينا من زهرة الحياة الدنيا، فننهمك في الدنيا، ونغفل عن أنفسنا، وعن أهلنا، وعن أولادنا، حتى إن البعض من الناس لحبه للدنيا صار يبارز الله بالمحاربة، ولا يبالي والعياذ بالله. فمتى نستيقظ يا أمة محمد ﷺ ؟ إذا حُملنا إلى القبور؟ أم إذا صفَّت علينا اللبنات؟ متى نستيقظ يا أمة محمد ﷺ ؟ إذا وقفنا للعرض على جبار الأرض والسماوات؟ متى نستيقظ يا أمة محمد ﷺ ؟ اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. إخواني في الله: المسئولية عظيمة بين يدي الله . وأيضاً: أكرر وأقول: اسمع إلى حديث الرسول، مرة ثانية وثالثة ورابعة، لعل شجرة الإيمان أن تنمو في قلبك وتعظم شعائر الله، يقول ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾. ثم أيضاً: أقول لك مرة أخرى: تذكر من الذي سوف يلقي السؤال، ومتى يكون السؤال؟ أما الذي سوف يلقي عليك السؤال فهو الله ﷻ . ووقت السؤال هو يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
следующие страницы →