Полный текст (1 664 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
عاقبة الإفساد في الأرض
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩].
عباد الله: اسمعوا القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أعلنها رسول الله ﷺ قبل أن يموت فقال ﷺ : ﴿بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا﴾ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأيضاً يروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً﴾ يخاطب الصحابة ﵃، في القرن الأول، في القرون المفضلة التي هي خير القرون بعد نبيها ﷺ قال: ﴿ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور -وكأن رسول الله ﷺ ينظر هذه الأزمنة المتأخرة ويحذر منها- فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة﴾ وفي رواية النسائي ﴿وكل ضلالة في النار﴾ نعوذ بالله من النار.
والله يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
نعم.
أيها الإخوة في الله فالله أنزل هذا القرآن وبعث محمداً ﷺ وأرسله ليخرج العباد من الظلمات إلى النور، فمن أخذ بهديه ﷺ فقد نجا وأفلح، ومن أعرض فقد خاب وخسر، كيف لا والرسول ﷺ يقول: ﴿كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله! -لا يوجد أحد لا يريد الجنة، هل هناك أحد لا يريد الجنة؟ لا يوجد أحد، لكن نسأل الله العفو والعافية- قال: إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى﴾ الله أكبر، فالله أرسل إلى من قبلنا من الأمم الرسل، وأنزل أيضاً معهم الكتب، فبينوا للأمم فاستجاب من استجاب وعصى من عصى، وأعرض من أعرض، وكان عاقبة من أعرض وعصى وخيمة شديدة.
أيها الإخوة في الله: يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ٩٥] ثم يقول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩].
هذه إنذارات من الله ، إنذار يا أمة الإسلام: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩].
الله أكبر، أيها الإخوة في الله! أما سمعنا أن أقواماً أتاهم الزلزال في ضحى من النهار، وذهبت فيه عدة قرى؟!
أما سمعنا بعدة فيضانات أغرقت الكثير من الناس؟!
أما سمعنا بأعاصير شردت الكثير من الناس وتركتهم بدون مأوى وبدون أكلٍ وشرب، فرقت بين الوالد وولده، والأخ وأخيه، والرجل وزوجته؟!
ماذا نسميها في هذه الأزمنة التي طغى فيها علم الإلحاد (علم الطبيعة) نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.
نعم.
كل هذه لا يعترف بها كثير من الناس، لا يقول هذه عذاب من الله، وقد عذب الله بها أمماً من قبلنا، وهذه إنذارات للأمة الإسلامية لما يحصل لمجاورينا.
أيها الإخوة في الله، إنها إنذارات لنا يا عباد الله.
стр. 72
أسباب انحراف المجتمعات
وأسباب انحراف بعض المجتمعات ولا حول ولا قوة إلا بالله كثيرة منها:
стр. 73
البعد عن تعاليم الإسلام وآدابه
أولاً: بُعد الناس عن تعاليم الإسلام وآدابه وأخلاقه، هذا من أسباب انحراف كثير من المجتمعات وبعدهم عن الإسلام، وعن آداب الإسلام، وعن أخلاق الإسلام، وعن تعاليم الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 74
التشبه بأهل الكفر
ثانياً: أيضاً من أسباب انحراف بعض المجتمعات: تقليد أهل الشرق والغرب، تقليد الإفرنج الذي نهانا ﷺ عن التشبه بهم، وهذا هو التشبه الذي وقع فيه كثيرٌ من الناس الآن سواء في منازلهم، أو في مآكلهم، أو في مشاربهم، أو في لباسهم، أو في كلامهم، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إنه على كل شيء قدير.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 75
البدع والمحدثات
ثالثاً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات فتح الأبواب والقلوب لتقبل البدع والمحدثات التي غُزي بها الناس من قبل أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، والمصيبة إذا كانت في العقائد من طريق الشعوذة، أو الخزعبلات، أو السحرة، أو الكهنة، أو المنجمين، الذين من أطاعهم فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن صدَّقهم فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وهو القرآن والسنة، فأي انحراف أشد من هذا يا عباد الله.
стр. 76
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
رابعاً: من أسباب الانحراف ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمثلاً في البيوت تجد بعض الآباء يرى الأولاد بنين وبنات لا يعرفون الصلاة، فلا يأمرهم ولا ينهاهم، وأدخل عليهم آلات اللهو التي أضلتهم عن الطريق المستقيم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أدخل عليهم هذه الآلات التي تعلم السرقة، وتعلم الغزل، وتعلم الحب وتنشئ الطفل من صغره حتى يهرم على ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 77
ترك الصلاة
خامساً: من أسباب الانحراف: ترك الصلاة يا عباد الله وهذا انحراف ليس بعده انحراف، وترك الصلاة كفر والعياذ بالله، كما قال ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ والعياذ بالله، ويقول -أيضاً- ﷺ : ﴿بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة﴾.
نعم.
أيها الإخوة في الله، كم نسمع فلاناً وفلاناً لا يصلي ولا يعترف بالصلاة، وزيادة على ذلك يقف ويعلم أولادنا، يقف معلماً يعلم الأولاد وهو لا يصلي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأين التعاون على البر والتقوى حتى نرفع بهذا حتى لا يعلم أولادنا، وهو لا يعرف المساجد، وهو لا يعرف الصلاة، أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند البعض من الناس؟!
стр. 78
التنكر للدين
سادساً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات تنكر أولاد المسلمين -سواء ذكوراً أو إناثاً- لهذا الدين، هذا الدين الإسلامي الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] تنكر البعض لهذا الدين، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] ما هذا التنكر الذي حصل من بعض الأولاد البنين والبنات، والمصيبة الذين اعتادوا الذهاب إلى الخارج، أتدرون ما هذا التنكر؟
إنهم رموا هذا الدين بالرجعية، وقالوا: هذا دين قديم، دين رجعية ولا يصلح لعصرنا، فتنكروا لدينهم، نسأل الله العفو والعافية ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأي انحراف أكبر من هذا أيها الإخوة في الله؟!
وإذا رأوا المتمسك بسنة محمد ﷺ ، قالوا: هذا متجمد، هذا متزمت، هذا رجعي، هذا ليس باجتماعي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما أسهل الرجعة إلى الطريق المستقيم أيها الإخوة في الله، فالحق واضح ليس عليه غبار، ويجب علينا أن نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ .
стр. 79
استقدام الأجانب للخدمة والإهمال في المراقبة
سابعاً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات: استقدام السائقين والمربين والمربيات والخدم والخادمات، وترك الحبل لهم على الغارب في البيوت، وهذه مصيبة كبيرة، ولا يحس بها إلا من كان في قلبه إيمان، أما الذي ليس في قلبه إيمان فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله أن يشفي مرض قلبه، وأن يرده إليه رداً جميلاً إنه على كل شيء قدير.
وتجد في بعض المجتمعات يدخل السائق على النساء وهن جالسات وكأنهن له أخوات أو أمهات، فأين الغيرة يا عباد الله؟! لقد ضاعت الغيرة في كثير من الناس، فنسأل الله أن يردهم إليه رداً جميلاً.
стр. 80
الأفلام الخليعة
ثامناً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات: وجود الأفلام الخليعة في البيوت، الله أكبر وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم﴾ يرويه عبد الله بن مسعود ﵁ ثم يقول سمعت ذلك من رسول الله ﷺ .
فلما جاء الفيديو ورأينا ما فيه من البلاء -أيضاً- ننتظر إلى ما هو أدهى وأمر، وهو البث المباشر الذي نسأل الله العظيم رب العرش العظيم ألا يتمم لهم ذلك، وأن يجعل كيدهم في نحورهم إنه على كل شيء قدير.
اللهم يا علي! يا عظيم! يا حليم! يا عليم! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أجعل بثهم المباشر في نحورهم، اللهم دمره تدميرا، اللهم دمره تدميراً، اللهم لا تتم لهم ذلك يا رب العالمين، إنك حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الإخوة في الله إن وجود الأفلام الخليعة في البيوت، مصيبة عظمى، ولقد سمعتم أيها الإخوة في الله بالقصة التي ذكرها بعض الثقات في بعض الأشرطة أن رجلاً كان من الأثرياء، وكان إذا أراد أن يجامع زوجته أشغل آلة التصوير -تصوير الفيديو- حتى يصور حالته وحالة زوجته وهو يجامعها، وفي يومٍ من الأيام كانت جارتها في البيت أو القريبة منها قد استعارت منها شريطاً وطلبت منها هذه الجارة الشريط، وبسرعةٍ أخذت ذلك الشريط الذي كان فيه الشر والعار والشنار، والشر المستطير الذي كان فيه المرأة هي وزوجها يجتمعون، ولا شك أن المرأة وزوجها في حلال؛ ولكن كيف يستره الله ويفضح نفسه بين العالمين، أتدرون ماذا حصل من هذا الشريط لمّا ناولته جارتها بسرعة؟ إذا بذلك الشريط ليس بالشريط الذي أعارته إياها، إنه الشريط الذي تجتمع فيه هي وزوجها، ولما شغلت الشريط بين زوجها وإذا فيه لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: هذا أبو فلان، قالت: هذا أبو فلان، تقول الزوجة: هذا أبو فلان، يقول الزوج: هذا أبو فلان، تقول: هذا أبو فلان، وهذه زوجته، فما الذي حصل بعد ذلك؟
هذا الرجل الذي كان يعمل هو وزوجته وتسبب في تسجيل هذا الشريط اطلع على هذه الفضيحة التي علم بها من علم، فآل به الأمر أن يؤدي بنفسه إلى الانتحار -والعياذ بالله- فقتل نفسه.
إيه نعم.
هذه هي أسباب الأفلام الخليعة، وهذه من جرائها، وهذا من تعاليمها التي دخلت على البيوت.
يا أخي! حتى لا تخجل كيف تعمل هذا، أو كيف تشغل هذه الآلة الخبيثة بين الأطفال، لا حول ولا قوة إلا بالله، أما علمت أنك مسئول أمام الله يوم القيامة عن هذه المرأة، يقول ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾
نعم.
هذه المرأة إذا خرج الزوج واطّلعت على هذه الأفلام الخبيثة واشتعلت عندها نار الشهوة، ماذا تعمل؟
إنها سوف تبحث في الأرض؛ لتسعى في الأرض فساداً -والعياذ بالله- والسبب الزوج الذي أتى بهذه الأفلام الخليعة في بيته، فنسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إنه على كل شيء قدير.
الفيديو وما أدراك ما الفيديو! لقد أتانا بشر مستطير، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الإخوة في الله: إن الله قص علينا في القرآن ما حصل في الأمم من قبلنا، لما عتوا وعصوا الله ، فهذا أبونا آدم ﵇ أُخرج من الجنة بذنب هو وزوجته حواء، نهاهم الله عن الشجرة فأكلا منها فأهبطهما الله إلى الأرض بسبب هذه المعصية.
نعم.
وهذا إبليس لما تكبر؛ طرده الله من ملكوت السماوات والأرض، فبعد أن كان من المقربين صار طريداً شريداً ملعوناً قواداً لكل شرٍ -والعياذ بالله- وفي آخر المطاف يجتمع في جهنم هو ومن دعاهم فاستجابوا لدعوته، نسأل الله أن يعيذنا من الشيطان الرجيم إنه على كل شيء قدير.
وذكر لنا رب العزة والجلال قوم نوح لما انحرفوا وابتعدوا عن الطريق المستقيم، وأبوا أن يجيبوا نوحاً ﵇، أبوا أن يجيبوا دعوته ﵇، وقد مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، ولم يستجيبوا لدعوته، فعند ذلك أغرقهم الله ؛ حتى علا الماء رءوس الجبال وأغرقهم الله ، ولم ينجِّ إلا نوحاً ومن آمن مع نوح.
أتدرون ما سبب انحراف قوم نوح؟
ذكر البخاري ﵀: أنهم كان عندهم أناس صالحون فأخذوا لهم صوراً وقالوا: نتذكرهم وإذا رأينا هذه الصور نتذكر عبادتهم ونتقوى على العبادة، ومات الذين أخذوا هذه الصور وأتاهم الشيطان وهذه الصور موجودة قال لمن بعدهم إن أولئك لم يصوروا هذه الصور إلا أنهم إذا أصابتهم مصيبة أو قحطٌ أو غير ذلك لجئوا إلى هذه الصور واستغاثوا بها فعند ذلك دخل الشرك إلى قوم نوح عن طريق الصور والتماثيل.
والآن يوجد في البيت صور محنطة لطيور ولحيوانات ولغيرها، وصور -أيضاً- مكبرة فلأي شيء هذه الصور يا إخواني في الله؟ أتدرون أنها تطرد الملائكة؟ وإذا طردت الملائكة حلت بعدها الشياطين والعياذ بالله، ولذلك يقول الرسول ﷺ : ﴿لعنة الله على المصورين﴾ ويقول أيضاً ﷺ : ﴿أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون﴾ فتيقظ -يا أخي- من رقدتك! وتب إلى الله ، وأخرج هذه الصور من بيتك، وتب إلى الله، فباب التوبة مفتوح، فبادر قبل أن يأتيك هادم اللذات، عند ذلك لا تستطيع التوبة، ولا تستطيع الرجوع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيضاً ذكر الله لنا في القرآن قصة ثمود، وأن الله أرسل عليهم الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؛ لأنهم عصوا الله وعصوا رسوله ﷺ .
وأيضاً ذكر الله لنا في القرآن أمة من الأمم انحرفت انحرافاً لم تنحرف قبلها أممٌ بمثل هذا الانحراف ألا وهم قوم لوط، نسأل الله العفو والعافية، كانوا يأتون الذكران من العالمين، الذكور يركب بعضهم بعضاً، اللواط الذي قال فيه رسول الله ﷺ : ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾ نسأل الله العفو والعافية.
أتدرون ما هي العقوبة التي أرسلها الله على هؤلاء القوم الذين أرسل الله إليهم لوطاً ﵇ فلم يستجيبوا لدعوته؛ بل قابلوها بالامتناع وقابلوها بالاعتراض حتى أنهم أرادوا أن يؤذوا الملائكة؟ لكن الله منع ذلك عنهم وخرج عليهم جبريل ﵇، وضربهم بجناحه حتى اختلطت الأبصار بوجوههم، نسأل الله العفو والعافية، والمهم أن الله أمر جبريل ﵇ -وجبريل له ستمائة جناح- أن يقتلع ديارهم ويرفعها حتى سمع الملائكة صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها عليهم -والعياذ بالله- لماذا؟ لأنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين، فتنوا بأدبار الرجال، فتنوا بمحل الحش نسأل الله العفو والعافية.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
يقول ابن عباس ﵁: [[اللوطي إذا مات من غير توبة مسخ في قبره خنزيراً]] والعياذ بالله، فهذه عقوبة ما أشدها!
لما قلب عليهم ديارهم أرسل عليهم حجارةً من سجيل، وأصبحت ديارهم بحيرة منتنة لا يستفاد منها، فهذه عقوبتهم أيها الإخوة في الله، ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] يعني الذين يعملون عمل قوم لوط نسأل الله العفو والعافية، علينا أيها الإخوة في الله أن ندعو إلى الله ، وأن نبين مضار هذه الجرائم، وندعو إلى الله ، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وكذلك نحافظ على الأولاد والأبناء، ونسألهم أين ذهبت؟ من ترافق؟ من تخالل؟ من تصاحب؟
نعم.
فإن قرناء السوء كثير، أيها الإخوة في الله، فكم أغروا من شاب كان طيباً وملتزماً وكان ذا عقلٍ، ولكن -نسأل الله العفو والعافية- بمجرد ما صحب أولئك الأشرار صار سكيراً شريراً عربيداً -والعياذ بالله- ومن أراد أن يصدق هذا فليزر تلك المحلات الآن التي هم فيها، نسأل الله العفو والعافية، كل هذا بسبب إهمال الآباء، فالآباء أكثرهم مهملٌ لأولاده لا يسأل عنهم أين ذهبوا وأين أتوا؟
وتجد بعض الناس يتصل به رجال الشرطة أين ابنك؟
يقول: والله لا أدري، له ثلاثة أيام أو أربعة أيام لا أدري والله أين ذهب.
كيف لا تدري عن ولدك؟
أما علمت أنك مسئول عنه يوم القيامة؟
سوف يقف بين يدي الله يخاصمك، فتقول: أتيت بالطعام والشراب والملابس وأمّنتُ له المسكن، فيقول: نعم، ولكن رآني على المنكر ولم ينهني ولم يأمرني بالمعروف، فأنت مسئول عن هذا الابن.
نعم أيها الإخوة في الله فالله أخبرنا بما أنزل على الأمم التي سلفت من العقوبات.
стр. 81
المخدرات
تاسعاً: فكذلك أيها الإخوة في الله من أسباب الانحرافات كثرة المخدرات، وهذه هي التي يعاني منها كثيرٌ من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد سمعنا في بعض البلاد أن النساء تروج المخدرات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الإخوة: انتشار المخدرات في أي مجتمع يؤدي إلى تدمير المدمنين صحياً وبدنياً وذهنياً، ويقود ذلك أيضاً إلى الموت، وبالتالي لا يستطيع مثل هؤلاء المدمنين القيام بالأعباء الأسرية الملقاة على عواتقهم؛ مما يؤدي إلى انخفاض مستوى المعيشة لتلك الأسر، وانتشار الفقر والجهل والأمراض، وبالتالي يحتاج المدمنون إلى أموالٍ يتحصلون بها على تلك المخدرات والمسكرات، وبذلك تنتشر الجريمة والفساد الأخلاقي، والسرقة والنهب، وجرائم هتك الأعراض وغيرها.
ولماذا تحصل هذه؟ لأن المدمن صار مسعوراً لا يرتاح حتى يحصل على هذه المخدرات والعياذ بالله، فعند ذلك يؤل به الأمر إلى السرقة، أو أن يبيع عرضه والعياذ بالله، فينبغي لنا أن نتواصى بالحق كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣] فبأي شيء يأتي التواصي بالحق؟
هل هو في المجالس إذا جلسنا قلنا: فلان بن فلان سكير؟ فلان بن فلان يسكر؟ فلان بن فلان يروج المخدرات؟ هل هذا هو المطلوب؟
لا.
المطلوب إما أن نناصحه ونبذل النصيحة لله أو نرفع به إلى ولاة الأمور حتى يقطع دابر هذا الشر، وهذا الفساد أما إذا تركنا ذلك فهو ينتشر في البلاد ويؤدي إلى سوء الحال والمآل نسأل الله العفو والعافية.
стр. 82
نسيان الموت
عاشراً: من أسباب الانحرافات أن الكثير من الناس نسي الموت، فصار يهيم في هذه الدنيا ولا يفكر أنه سوف ينتقل منها على رغم أنفه: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٩] نعم إن الموت آتٍ لا محالة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] هذا كلام الله في القرآن، فإذا قرأنا القرآن وتدبرنا معانيه وجدنا أن القرآن يحضنا لاغتنام العمر بالأعمال الصالحة، وإلا سوف ننتقل من هذه الدنيا على شر حال والعياذ بالله قال الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ثم بعد الموت أيها الإخوة في الله ينتقل الإنسان إلى دار البرزخ، ودار البرزخ معروفة والذي ينكر ذلك فهو كافر والعياذ بالله، إما في نعيم وإما في جحيم، إما في روضة من رياض الجنة أو في حفرة من فر النار قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ويقول الله : ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٨] الله أكبر! هذا الفرق يا عباد الله! ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٨].
стр. 83
الغفلة عن الآخرة
الحادي عشر: من أسباب الانحراف هو أن الناس أعرضوا عن تذكر الآخرة، والرسول ﷺ يقول: ﴿كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة﴾ إذا تذكر الإنسان الآخرة وتذكر أنه سوف ينتقل من هذه الدنيا، وسوف يوقف بين يدي الله ، وسوف يحاسب على القليل والكثير هل يحصل عنده هذا الانحراف؟ لا.
ولكن لا يحصل عنده الانحراف إلا إذا وجدت الغفلة وكثرة الشهوات، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] نسأل الله العفو والعافية.
سبحان الله! هذا نتيجة الإعراض عن طاعة الله .
أكبر سبب للانحراف هو الإعراض عن طاعة الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
لذلك بعكس الانحراف وهو الإقبال على الله ، والتمسك بطاعة الله والالتزام بطاعة الله، يقول الله في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها﴾ الله أكبر، لا إله إلا الله ﴿ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ الله أكبر أيها الإخوة في الله، فرق بين هذا وذاك ولكن كما يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
أيها الإخوة في الله: إذا أردنا أن نعيش في هذه الحياة عيشة طيبة، فعلينا أن نرجع إلى الله ، وإذا جلسنا في المجالس فلا نتلاوم، نقول: مكان كذا صار فيه زلازل، مكان كذا صار فيه فيضانات، مكان كذا صار فيه رياح مدمرة، أولاً قبل أن نتحدث بهذه الأشياء نرجع إلى أنفسنا، ونحاسبها، بأي شيءٍ أصيبت هذه الأمم، بهذه الأنواع من عذاب الله ، والله لم تصب إلا بسبب انحرافها وبعدها عن الله ؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] صدق الله، وما ربك بظلام للعبيد، وليس بين الله وبين خلقه نسب كما قال ﷺ : ﴿من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى﴾.
فمن أطاع الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فاز وسعد في الدنيا والآخرة، ومن أعرض وعصى فيا لها من عقوباتٍ ما أشدها يا عباد الله! ولكن متى يتذكر هذا المعرض عن الله ، أيتذكر عندما يرى جهنم؟ -والعياذ بالله- قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ﴾ [الفجر:٢٣] قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣].
لا يمكن الآن التذكر، ذهبت الدنيا دار العمل، هذه الدنيا التي أيامها قليلة خلقنا فيها للابتلاء؛ لنعمل الصالحات فمن عمل صالحاً فلنفسه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
стр. 84
لابد من محاسبة الإنسان لنفسه
نعم.
نحاسب أنفسنا أيها الإخوة في الله، لأن بعض الناس إذا نهيته عن شيءٍ قد ارتكبه يعارض ويقول: التقوى هاهنا، يضرب صدره الله المستعان! ويقول: التقوى هاهنا، وبعض الناس تقول له: يا أخي! صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء يقولون: إن حلق اللحية حرام، مستدلين يقوله ﷺ : ﴿أكرموا اللحى، وفروا اللحى، أرخوا اللحى، أعفوا اللحى، لا تتشبهوا باليهود والنصارى﴾ هكذا يقول ﷺ : ﴿ليس منا من تشبه بغيرنا﴾ وقال: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ ثم يقول: لقد سمعنا المعلم الفلاني، يقول: أنها سنة، إذا تركتها تثاب عليها وإذا حلقتها لم تعاقب، نقول له: قال رسول الله ﷺ ، ويقول: قال المعلم الفلاني مع الأسف الشديد والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] انتهوا مباشرة، يقول: فإذا نهاكم الرسول عن شيء فانتهوا وابتعدوا.
نعم تجد بعض الناس تقول له يا أخي! الإسبال حرام وكبيرة من كبائر الذنوب، اسمع حديث الرسول ﷺ : ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر: من هم؟ خابوا وخسروا يا رسول الله! من هم، يكررها ثلاث مرات، وذكر منهم ﷺ : المسبل﴾ وفي رواية: ﴿لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء﴾ ثم يأتي بعض الناس، ويقول: لم أجره خيلاء، ولا إسبال، إنما أريد زينة، ونقول له: الزينة للنساء هن اللواتي أُمرن أن يرخينه شبراً، ولكن عكس الأمر فبعض الناس ترك المرأة تذهب إلى الخياط، ويفصل عليه الثوب القصير، أو يشق الثوب من الناحيتين أو يشقه إلى الفخذين مع الأسف الشديد، وصار بعض الرجال يسحب ثوبه، وإذا قيل له، قال: ما أجره زينة ولا خيلاء، نقول له: اسمع قول الرسول ﷺ : ﴿ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار﴾ هل لك طاقة يا عبد الله على النار؟! ما هذه النار؟ أتظن أنها هذه النار التي تراها في الدنيا؟ لا.
اسمع وصفها، قال تعالى: ﴿نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
فيا أيها المسلم: انتهِ عن الإسبال واتق الله واتبع هدي الرسول ﷺ .
بعض الناس تقول له: يا أخي! اتقِ الله لماذا تقضي هذا الوقت في غير طاعة الله؛ لأن بعض الناس قد فتنوا بلعب الورقة وهي البلوت والكنكان، ومع الأسف الشديد والله المستعان، يقول: والله أنا أحب أن أصلي الفجر، ولكن لا أستطيع أن أقوم، نقول له: ماذا تعمل يا عبد الله، ما هو منهجك في هذه الحياة؟ يقول: إذا انتهيت من العشاء -لا ندري هل يصلي أو لا يصلي- أذهب إلى الشلة وأجلس معهم فيلعبون البلوت والكنكان إلى وقت النزول الإلهي ولا نقوم حتى تسقط الورقة من أيدينا، فإذا انتهينا من هذه الورقة، وإذا نحن جيف والعياذ بالله، يقول: نحب أن نصلي الفجر ولكن لا نستطيع، ماذا تعمل؟ قال هذا عملنا؟ نسهر طول الليل مع البلوت والكنكان، نسأل الله العفو والعافية، ولقد صدرت فتوى -وبعض الناس لا يحب هذا الكلام أنا أعلم أنه لا يحبه، لكن أنا سوف أجيبه بالذي سمعناه ويلزم علينا أن نقول له هذه؛ لأننا مسئولون عنها يوم القيامة؛ لأن بعض الناس لم يسمع هذا، وأنا أخبر أن بعض الناس لم يسمع- فقد صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء: أنه يحرم اللعب بالورق، وإن كان على غير عوض، لماذا؟ لأنها تصد عن ذكر الله، وهي تقضية للوقت في غير ذكر الله ، وأنت يا أخي مسئول عن هذا الوقت.
وبعض الناس يقول: أنا والله قتلني الفراغ، يحسب إنه مخلوق لهذه الدنيا يأكل ويشرب وينام، ولا يدري أنه سوف يموت وينتقل إلى هذا القبر، والقبر صندوق العمل، إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، ثم إذا كان يوم القيامة تعرض عليه هذه الصحف التي أمضاها في الحياة الدنيا، هذه الخزائن تفتح له يوم القيامة، فإن وجد فيها خيراً، فعند ذلك يحمد الله وإن وجد عليها غير ذلك فترى الكآبة والحزن والهم والغم والعياذ بالله، فما بالك لو عرضت عليك هذه الصحائف يوم قضيته مع البلوت والكنكان ويوم مع الأفلام ويوم مع التمثيلية، ويوم مع الأحاديث الفارغة، لا تجد في هذه الصحائف كلمة تستفيد منها ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقولون: قتلنا الفراغ، أتدري أيها الإنسان لماذا خلقت؟
اسمع لماذا خلقت، اسمع لماذا خلقك الله ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] الله أكبر، لا ليلعبون فلذلك يقول الله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٢ - ٤٤].
ياله من يوم عظيم إذا فتحت فيه تلك الخزائن يا عبد الله، أتظن أنه مغفول عنك؟ لا والله ما غفل عنك يا عبد الله، تذكر الذي عن اليمين، والذي عن الشمال، هذا يكتب الحسنات، وهذا يكتب السيئات، تذكر ذلك يا عبد الله، إذا تذكرت أن عليك ملائكة يكتبون، هذا يكتب الحسنات وهذا يكتب السيئات؛ فعند ذلك لعلك ترتدع عن قضاء الوقت فيما يغضب الله ، فابتعد عما يغضب الله وبادر إلى طاعة الله ، وأدِّ ما أمرك الله به ورسوله ﷺ ، فلقد ذكرت لك الحديث القدسي الذي قال الله فيه: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه﴾ أتدري ما هو هدي الرسول ﷺ ؟ نعم.
أنا أخبرك بذلك وإن كنت أكرر ذلك في كل جلسة، ﴿هدي الرسول ﷺ : أنه يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها﴾.
الله أكبر، الرسول ﷺ يكره الحديث وينام مبكراً ليستيقظ مبكراً؛ ليحظى بالوعد الذي قال فيه ﷺ : ﴿ينزل ربنا جل وعلا كل ليلة إذا بقي ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟﴾.
فأين أنت يا عبد الله! في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم، يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه.
الله أكبر!
كيف نضيع هذا يا عباد الله؟!
كيف نضيع هذا يا أمة الإسلام؟
أين العقول؟
أسأل الله أن يوفقنا لطاعته، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، إنه على كل شيء قدير.
وأقول للذي يترك الزوجة والبنت والأخت مع السائق، وإذا قيل له من بعض الناس: إنا نرى من السائق بعض المخالفات مع أهلك إذا رضي بذلك، فأقول له: احذر أن تكون ديوثاً؛ لأن الديوث حرام عليه الجنة، والديوث: هو الذي يرضى في أهله الخبث -نسأل الله العفو والعافية- وتجد بعض الناس يقال له: لقد رأينا الزوجة مع السائق، قال: بس أم فلانة عارفها أنا، أم فلانة خبز يدي، أنا أعرفها، كيف تقولون كذا وكذا، طيب البنت الأخت قال: كل شي لا تكلمني أنا أعرف الأولاد وأعرف أهلي، فهذا -نسأل الله العفو والعافية- إذا رضي بهذا فهو ديوث، والديوث حرامٌ عليه الجنة، فنسأل الله أن يوفقنا لنغار على محارمنا، ونسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغفلة وأن يهدينا إلى ما يحبه ويرضاه.
وكذلك أقول لكم: لا تنسوا الأولاد عن أمرهم بالصلاة، وقد قلت لكم في بداية الكلام أن من أسباب انحراف بعض المجتمعات ترك الآباء أولادهم ترك الحبل على الغارب، فلا يأمرهم بالصلاة ولا يأمرهم بالمعروف ولا ينهاهم عن المنكر والعياذ بالله، فهذه أمانة ائتمنك الله عليها، واسمع ماذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَات وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] وبعض الآباء إذا قام الفجر يغطي الولد، يقول: باسم الله عليك وفتح له المكيف يحسب إنه يرحمه -وهذا المسكين لا يعرف أنه غشه، وسوف يمسك على ناصيته يوم القيامة بين يدي الله ويقول: يا رب ظلمني أبي- باسم الله عليك، ثم يمضي من الوقت نصف ساعة إلا ويقول: قم يا وليدي المستقبل أمامك، قم المستقبل أمامك، مستقبل الدنيا.
والآخرة لا.
الآخرة باسم الله عليك يغطيه في البطانية ويفتح له المكيف، خليه يتلذذ في نومه، سبحان الله العظيم! إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله!!
فنقول: احرصوا على الأولاد جزاكم الله خيراً، ونسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى إنه على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأعتذر عن الإجابة عن الأسئلة؛ لأني لست من أهل الفتوى، والحمد لله العلماء كثير، فينبغي لكم أن تعرضوا عليهم أسئلتكم، أما نحن فاسمحوا لنا جزاكم الله خيراً.
فأقول سبب بعض الانحرافات هو الغفلة والابتعاد عن كتاب الله وهذا لا شك فيه، ولقد قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه:١٢٤] ولا شك أن الإعراض عن كتاب الله من أسباب انحراف المجتمعات، فعلينا أن نرجع إلى كتاب الله وأن نهتم بقراءة القرآن والحمد لله الآن مدارس تحفيظ القرآن انتشرت، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم بالعلم النافع، إنه على كل شيء قدير.
فالقرآن أيها الإخوة في الله! لو يعلم الأب ما له من الكرامة والأجر لحرص على ابنه، ويوم القيامة يلبسان تاجين، ويقولان: من أين لنا هذين؟ فيقال: بسبب تعليمكما لابنكما القرآن، أو كما ورد في الحديث، والمهم أن معنى الحديث أنه بسبب تعليم ابنك القرآن في الدنيا أن الله يلبسك تاجاً يوم القيامة فهل أحد لا يريد هذا التاج؟
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، ويجنبنا ما يبغضه ويأباه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 85
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أساسيات هذا الدين، وبه يقوم، ومن هنا تظهر أهميته، ولابد فيه من الحكمة والموعظة الحسنة، وقد تحدث الشيخ في هذا الدرس عن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر أنه لابد أن يكون معه الحكمة والموعظة الحسنة.
وذكر صوراً لذلك.
стр. 86
التذكير بنعمة الإسلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة في الله: أحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسأل الله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً.
أيها الإخوة في الله: علينا أن نتذكر هذه النعمة التي حبانا الله بها؛ إنها نعمة الإسلام, قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] يا لها من نعمة! جمعت بين الناس جميعاً؛ وهذا بفضل الله ثم بفضل رسالة محمد ﷺ ، الذي أرسله الله إلى الناس جميعاً ليخرجهم به من الظلمات إلى النور.
فاعرفوا هذه النعمة -نعمة الإسلام- وقدروها حق قدرها, ثم اعرفوا فضل هذا النبي الأمي الذي ختم الله به الأديان, ونسخ به جميع الأديان, قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ثم أخبر الله جل وعلا أنه لا يقبل يوم القيامة -يوم لا ينفع مال ولا بنون- إلا هذا الدين الإسلامي، فلا يقبل الله ديناً سواه، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
إذا عرفنا هذا؛ فإن الدين الإسلامي يدعو إلى كل خلُق كريم يدعو إلى الآداب الحميدة, ويدعو إلى مكارم الأخلاق؛ لأن الله جاء بهذا الإسلام ليمحو به الجاهلية, وليخرج الناس به من الظلمات إلى النور, ومن الجهل إلى العلم, فأخرج الله هذه الأمة بقيادة محمد ﷺ , الذي جاء بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك, بقيادة محمد ﷺ الذي قال: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي! عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة.
وفي رواية: وكل ضلالة في النار﴾ فعلينا -أيها الإخوة في الله- أن نقتدي ونهتدي بهدي رسول الله ﷺ , قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] أجل! إن الذي لا يرجو الله ولا اليوم الآخر لا يهتم ولا يقتدي بمحمد ﷺ ، القائل: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان﴾.
стр. 87
الغاية من وجودنا
أيها الإخوة: قبل أن نتكلم في هذا الموضوع، يحلو لنا أن نستمع إلى بعض المواعظ، لعلَّ الله أن يوقظ بها قلوبنا؛ حتى نهتم بهذا الأمر، وهو الأمر، بالمعروف والنهي عن المنكر.
أيها الإخوة: إن الله خلقنا في هذه الحياة الدنيا للابتلاء والامتحان؛ حيث قال: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ثم في هذه الحياة الدنيا نعيش ما كتب الله لنا, فمن عاش هذا العمر في طاعة الله فهنيئاً له عند الموت, وهنيئاً له بعد الموت, وهنيئاً له في قبره, وهنيئاً له في حشره ونشره, وهنيئاً له حين يدخل الجنة أما من أضاع هذا العمر في المعاصي والسيئات، وتعدى الحدود، وعصى المعبود، فيا ويله عند الممات! ويا ويله في قبره! ويا ويله في حشره ونشره! ويا ويله عندما يُسحب إلى نار جهنم نسأل الله العفو والعافية.
стр. 88
المبادرة بالأعمال الصالحة
فعلينا -أيها الإخوة- أن نبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يدركنا الموت؛ لأن الإنسان إذا نزلت به سكرات الموت، وذاق غصص الموت، وبدأ به كرب السياق؛ عند ذلك يتمنى كما قال الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] لكن هل يجاب إلى هذا حتى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويغير أحواله من حال إلى حال؟ لا يستجاب له, بل يقال له: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
стр. 89
المبادرة بالتوبة النصوح
وعلينا -أيها الإخوة- أن نبادر بالتوبة النصوح إلى الله , فنحن الآن ممهلون ولسنا مهملين, نحن الآن في وقت الإمهال، قد خلقنا الله في هذه الحياة الدنيا وعندنا فرصة نغتنمها في الأعمال الصالحة، قال الله تعالى حاثاً على التوبة النصوح وعلى الإنابة إليه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] وقد يظن بعض الناس أن هذا الخطاب للصحابة فقط، فتمادوا في المعاصي والذنوب ألا يعلمون أن هذا الخطاب للأمة جميعاً حتى يرث الله الأرض ومن عليها؟ فليستمع إليه من كان في قلبه إيمان: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٥] ووالله ما أصيبت الأمة، ولا حصل عندنا الإعراض والغفلة إلا عندما ابتعدنا عما أنزل إلينا من ربنا، فنسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٥] فعندما يحضر العذاب, ويفوت الأوان, يحصل التحسر والتأسف، ولكن هيهات هيهات!!
واسمعوا إلى خبر العليم الخبير بالعباد حيث يقول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٥ - ٥٨] فالله لم يخلق الخلق عبثاً, ولم يتركهم هملاً، بل أرسل إليهم الرسل, وأنزل معهم الكتب, فبينوا وبلغوا، وتركوا أممهم على البيضاء ليلها كنهارها فعند ذلك يتبين من اهتدى ممن أعرض؛ أما من اهتدى فله من الله خير كثير, وأما من ضل وتحسر عند الموت فلن يقبل منه؛ لأنه قد قامت عليه الحجة, قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩] فيا لها من خيبة! ويا لها من حسرة وندامة في ذلك اليوم العظيم! يوم لا ينفع مال ولا بنون, عندما تعلو وجوه العصاة القترة والذلة, ويفضحون على رءوس الأشهاد قد كبلوا بالأغلال والسلاسل يسحبون بها على وجوههم إلى نار جهنم وبئس المصير ذلك جزاؤهم؛ لأنهم عصوا الله ورسله، وكذبوا بالحق لما جاءهم قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠].
стр. 90
سبب الغفلة والإعراض
لقد حصلت عندنا الغفلة والإعراض وموت القلوب؛ لأننا نسينا القيامة يا عباد الله! وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٨] تعدى الحدود، وعصى المعبود, ولم يقم بما خلقه الله له, فما هي نهايتهم ومصيرهم في ذلك اليوم؟! قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١] فهل ينكرون هذا؟ حتى لو أنكروا سوف تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون -نسأل الله العفو والعافية- فإذا سحبوا إلى النار وقيل لهم: ألم يأتكم الرسل؟ وأنزلت معهم الكتب؟ لا يستطيعون أن ينكروا هذا, بل يقولون: ﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] فما هي النهاية؟ ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢] المتكبرين على الانقياد لله ولرسله المتكبرين عن قبول الحق
стр. 91
حال المؤمنين يوم القيامة
أما الذين قاموا بطاعة الله فلهم البشرى في الحياة الدنيا فهنيئاً لمن أطاع الله وأطاع الرسل وقام بما أوجب الله عليه، ففي الحياة الدنيا يعيش عيشة طيبة, ويحيا حياة سعيدة, قال الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] ويوم القيامة ينجيهم الله من كُرب القيامة ومن أهوالها وشدائدها, وتُبيَّض وجوههم، ويأخذون صحائفهم بأيمانهم، قال الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١] الله أكبر! هذه البشرى لهم يوم القيامة, وكذلك عندما تخرج أرواحهم تنزل عليهم البشرى من رب العزة والجلال لماذا؟ لأنهم آمنوا بالله واستقاموا على طاعته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] وفي قبره يقول له عمله الصالح: أبشر بالذي يسرك أنا عملك الصالح يا لها من فرحة! ويا لها من تجارة رابحة! ويا له من سرور وغبطة ومستقبل لا يدانيه مستقبل! لأولئك الذين أطاعوا الله ورسله, وقاموا بما أوجب الله عليهم فهنيئاً ثم هنيئاً لهم إذا قيل يوم القيامة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣].
تذكر يا عبد الله! إن كنت مع هؤلاء الزمرة كيف تدخل ووجهك مشرق بياضاً فرحاً, وتذكر إن كنت مع أولئك الذي عصوا الله، فتب إلى الله إذا كانت أحوالك مثل أحوال السابقين الذين يساقون إلى نار جهنم؛ فبادر إلى التوبة قبل أن يحول بينك وبينها هاذم اللذات, ومفرِّق الجماعات وإن كانت أحوالك طيبة فزد من ذلك، واسأل الله الثبات.
فعند ذلك أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يحمدون الله جل وعلا أن سلمهم من نار جهنم، وما فيها من الأنكال والأغلال والزقوم والصديد والغِسلين والضريع, وما فيها من الأودية والمقامع والعقارب والحيات, والزبانية الشداد الغلاظ يحمدون الله أن أورثهم الجنة بما فيها من النعيم المقيم الذي لم تر العيون, ولم تسمع الآذان مثله, ولم يخطر على بال، فيها الأنهار والحلل والقصور والحور العين واللذة والسرور، بجوار مالك الملك، وبصحبة الأنبياء المقربين, ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اسمعوا إلى أهل الجنة ماذا يقولون وهم في تلك المحلة الآمنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] الله أكبر! هي تلك النهاية -يا عباد الله- عندما يؤتى بالموت في صورة كبش أملح, ثم يذبح بين الجنة والنار, ثم يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود فلا موت! ويا أهل النار خلود فلا موت!
فإذا تذكرنا تلك الأهوال, وتذكرنا الموت وما بعده, وتذكرنا القبر وما فيه؛ وأنه إما روضة من رياض الجنة, أو حفرة من حفر النار ثم إذا تذكرنا المنصرف يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] إذا تذكرنا من يُركبون على النجائب إلى الجنة, وتذكرنا من يسبحون إلى النار؛ فعند ذلك يحصل عندنا الاهتمام لما أمامنا.
стр. 92
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أيها الإخوة: إذا أحببنا النجاة فعلينا أن نسعى في طلبها, ومن ذلك القيام بما أوجب الله علينا, بامتثال أوامره واجتناب نواهيه, ومن ذلك ما نحن بصدده والكلام عليه، وهو الموضوع المقصود في هذه الكلمة، ألا وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ضعف جانبه، وتخاذل عنه الكثير من الناس, فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أمة الإسلام: إذا قمنا بالأمر بالمعروف حصل الأمن -بإذن الله تعالى- على الأخلاق الفاضلة والآداب من الذهاب والانحلال, وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نأمن على الدين من الاضمحلال والتلاشي.
стр. 93
سبب الخيرية في هذه الأمة
والله سبحانه تعالى خاطب الأمة بهذا الخطاب الرائع، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] بماذا؟ إن طبقتم هذه الشروط كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فقد وصف الله الأمة بهذا الوصف؛ بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأن مجتمعهم أعلى وأعز مجتمع في العالم حاضره وماضيه لماذا؟ لما اتصفوا به من الصفات الفاضلة, والأخلاق العالية, والغيرة الصادقة على حدود الله كانوا متمسكين بتعاليم دينهم, وكانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم, وكان الإسلام وبهاؤه يلوح في أعمالهم ومعاملاتهم وأخلاقهم فلا غش، ولا خداع، ولا كذب، ولا خيانة، ولا غدر، ولا نميمة، ولا غيبة، ولا ظلم، ولا نفاق، ولا رشوة، ولا ملق، ولا رياء، ولا بهت، ولا سخرية، ولا عقوق، ولا قطيعة رحم لماذا؟ لأنهم ما عاشوا على الأفلام والتمثيليات والأغاني الماجنة, بل كان همهم وهدفهم القضاء على المنكرات وإماتتها، وإعزاز المعروف ونشره بين المسلمين وهذا يدل على قوة إيمانهم, وشدة تمسكهم به، ورغبتهم في النجاة التي وعد الله بها الناهي عن السوء.
وكان كلٌ منهم يحب لأخيه ما يحب لنفسه, وكانوا يتراحمون بينهم, ويوقر الصغير الكبير, حتى إنهم ينصفون الأعداء من أنفسهم, فالقوي عندهم ضعيف حتى يستوفى منه الحق, والضعيف عندهم قوي حتى يؤخذ حقه كانوا إذا فقدوا أخاهم بحثوا عنه؛ فإن كان مريضاً عادوه, وإن كان محتاجاً واسوه, وإن نزل عليهم أكرموه؛ مطبقين لتعاليم المصطفى ﷺ عندما قال: ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ فهل يوجد هذا الشعور في مجتمعنا اليوم؟
لقد كانت الأمة آخذة بحديث رسول الله ﷺ الذي قال فيه: ﴿المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً﴾.
стр. 94
واقعنا الذي نعيشه ووجود المنكرات
أيها الإخوة: إننا إذا نظرنا إلى الواقع الذي نعيش فيه الآن فسنجد بيننا وبين أحوال السلف الذين ذكرت سابقاً بوناً شاسعاً لقد انتشرت المنكرات في مجتمعنا, وظهرت في البيوت والأسواق وفي البر والبحر, فالمنكر نراه بأعيننا, ونسمعه بآذاننا, بل وفي بيوتنا فهل بيتك -أيها الأخ- خالٍ من الصور ذوات الأرواح؟! من المستحيل اليوم أن يخلو بيت من هذه الصور, فإن البعض من الناس في بيوتهم صور محنطة على شكل أصنام وطيور, وقد نصبوها في محلاتهم, وحاربوا ملائكة الرحمة حتى لا تدخل عليهم وإذا خرجت ملائكة الرحمة فمن الذي يخلفهم؟ لقد حلت محلهم الشياطين, فأصبحت البيوت كلها صخب ولغو ولهو, فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يقول الرسول ﷺ يقول: ﴿لعنة الله على المصورين﴾ ويقول ﷺ : ﴿أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون﴾ ويقول ﷺ : ﴿لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة﴾ فأين نحن من هذه الإرشادات النبوية يا عباد الله؟!
стр. 95
صور للمنكرات الموجودة في المجتمع
ثم نلتفت يميناً وشمالاً، فنرى بعض المسلمين قد ارتكب منكرات بشعة قد نهى عنها رسول الله ﷺ أشد النهي.
من ذلك: إتيان الكهان والسحرة والمشعوذين والمنجمين، الذين من أتاهم وصدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ , ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن ذلك: حلق اللحى, وإعفاء الشوارب, وهذا -والله ثم والله- معاندة لله ولرسوله, والرسول ﷺ يقول: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ ويقول ﷺ : ﴿جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس﴾ ويقول: ﴿خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب﴾ ولكن قال البعض من الذين يدعون الإسلام: لا سمع ولا طاعة يا رسول الله, بل نتبعهم ونقتدي بهم! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبعضهم يتعدى في الجواب ويقول: هذا دين قديم وهذه رجعية هذا تزمت والنظافة من الإيمان! يحلق لحيته ويقول: النظافة من الإيمان!!
والبعض من المسلمين قد حبب إليه التشبه بأعداء الله ورسله جميعاً, فمنهم من تخنفس, ومنهم من أطال الأظفار، حتى انزلق بعض النساء في متاهات وضلالات مبتدعة, دسها الإفرنج وعملاؤهم من اليهود والنصارى والمجوس في أفلام ومجلات قضت على الآداب والأخلاق والفضيلة والعفة, حتى آل الأمر إلى انتهاك الشرف نسأل الله العفو والعافية.
وانظروا إلى ما تلبسه بعض النساء من ملابس شفافة, وضيقة وقصيرة, فإلى الله المشتكى.
ومن المنكرات التي ارتكبها بعض من المسلمين: ترويج المسكرات والمخدرات بأنواعها, حتى قضت على العقول, والعقل أهم ميزة ميز الله بها الإنسان وفضله على سائر المخلوقات، فعندما يفقد هذا العقل فإنه يبتعد عن الدين وعن تعاليمه؛ مما يجعله يعصي الله في كل شيء, ويأتي الفواحش، ويرتكب الموبقات وبسبب هذه المسكرات والمخدرات ينتشر الفساد في الأسرة والمجتمع, فالمدمنون على المخدرات لا يتورعون عن الإتيان بأنواع الجرائم من سرقة، ونهب، وسلب، وقتل، واغتصاب؛ لأجل الحصول على المخدرات, وربما باع بعضهم شرفه وعرضه، وربما مكَّن بعضهم من فعل الفاحشة به كما تنكح المرأة -والعياذ بالله- وهذا واقع في بعض الشباب, فنسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.
ومن المنكرات التي فشت: الأغاني بأنواعها في البيوت، وفي الحوانيت، وفي السيارات, وقد امتلكت قلوب الكثير من الناس، وقد قال ابن مسعود: [[إن الغناء ينبت في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل]] والغناء بريد الزنا.
стр. 96
كثرة المنكرات وعدم إنكارها
أيها الإخوة: إن المنكرات كثيرة، ولكن مع وجود هذه المنكرات لا ألسنة تنطق, ولا وجوه تتمعر, إلا النادر، ويوجد فيما بيننا التلاوم والقيل والقال والمداهنة مع الأسف الشديد, فتجد البعض إذا جلسوا في المجالس يجمعون بين أمور كثيرة؛ فيغتابون الناس ويتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فيجمعون بين ترك هذين الأمرين وبين الغيبة, ولا حول ولا قوة إلا بالله فإذا جلسنا في البيوت قلنا: فلان حلق لحيته وجعلها كذا وكذا لا شك أن الذي حلق لحيته ارتكب منكراً, ولكن نقول للذي أتى بهذا الكلام: هل نصحت هذا؟ قال: لا إنما أتى به ليغتابه ويخفف من ذنوبه فلو نصحه وجلس معه وقال: يا أخي! أما علمت أن حلق اللحية حرام؟
وقد صدرت من هيئة كبار العلماء فتاوى قالوا فيها: يحرم حلق اللحية، أو قصها، أو نتفها، أو أخذ شيء منها, والرسول ﷺ نهى عن حلق اللحية، وأمر بإعفائها, وإكرامها, وإرخائها, وأمر بقص الشارب أو حفه فهذا هو الذي ينبغي لنا, أما أن تكون مجالسنا مجالس غيبة فهذا لا ينبغي.
ثم البعض من الناس يجلس ويأتي بقصة أخرى فيقول: فلان لا يأتي إلى المسجد لا هو ولا أولاده، فنقول له: أيها الأخ في الله! هل طرقت عليه الباب؟ هل دعوته إلى الله؟ هل أمرته بالمعروف؟ فيقول: لا إنما أتى في هذا المجلس ليغتابه أمام الحاضرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 97
الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إذاً: ما هو الذي ينبغي لك أيها المسلم؟ ينبغي لك إذا رأيت المقصر أن تجلس معه قليلاً وتقول له: يا أخي! اتق الله, أما علمت أن الصلاة هي عمود الدين, وهي الصلة العظيمة بين العبد وبين ربه؟ أما سمعت أحاديث رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة﴾ ويقول أيضاً: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ أما علمت -يا أخي- أن تارك الصلاة لا يغسل إذا مات, ولا يكفن, ولا يصلى عليه, ولا يدفن في مقابر المسلمين, ولا يدعى له بالرحمة فلعله إذا سمع هذا الكلام أن يرعوي وأن يتوب إلى الله من تقصيره، ويبادر إلى أداء الصلوات, ويكون هذا برفق ولين، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
أما إن كان يصلي ولكنه يتهاون بها, فقل له: يا أخي! أما سمعت الله بماذا توعد المتهاونين عن الصلاة؛ توعدهم بويل، وهو شدة العذاب، أو وادٍ في جهنم, وأنا أسأل الله ألا تكون معهم في هذا الوادي، فبادر يا أخي بالصلوات الخمس.
وهذا رجل من إخوانكم -جزاه الله خيراً- سكن بجوار رجل من الناس، وإذا بهذا الجار لا يصلي ولا يعرف المسجد, ففكر هذا الرجل بأي شيء يأتي به إلى المسجد؟ فطرق عليه الباب وجلس عنده قليلاً، ودار الحديث بينهما، حتى عرف كل واحد منهما صاحبه, ولما استأنس به قال له: يا أخي! أنا جارك منذ شهر، وتفوتني الصلاة -مع أنه لا تفوته الصلاة، لكن اسمعوا إلى النهاية- وأريد منك أن توقظني لصلاة الفجر.
وهذا لا يعرف الصلاة أبداً ولا يعرف المسجد, فعند ذلك أصيب بحيرة, ماذا يعمل؟ هل يقول: أنا لا أصلي؟ لا يمكن أن يقول: أنا لا أصلي، ولا أعرف المسجد ولكن قال: إن شاء الله.
فسهر الليل كله حتى يوقظ هذا الجار ليذهب هو وإياه إلى المسجد, مع أن جاره مستيقظ ولله الحمد، ولكن انظروا -أيها الإخوة- إلى فائدة الدعوة بالحكمة, فلما أذن الفجر طرق عليه الباب وخرجا إلى المسجد جميعاً، فاستمرا على هذه الحال, وبعد مدة اجتمع به جاره الذي كان لا يصلي وقال: يا أخي! جزاك الله خيراً، والله إني كنت لا أعرف المسجد ولا أصلي، والآن قد صرت عوناً لي على طاعة الله.
قال: وأنا -ولله الحمد- أخبرك أني لست بحاجة إلى أن توقظني، ولكن أردت أن أتعاون أنا وإياك على الخير فنعم هذا التعاون، ولو سلكه الجميع لانتشر الخير والبركة.
وإذا أتينا إلى الآخر وهو في المجلس وجدناه يقول: رأيت فلان بن فلان يسحب ثوبه وراءه كأنه امرأة ماذا قلت له؟ قال: والله لم أقل له شيئاً, إنما أتى ليغتابه في المجلس, مع أن الواجب عليه لما رأى هذا المنكر أن يأمره بالمعروف, والمعروف أن يبين له أحاديث الرسول ﷺ ، قال ﷺ : ﴿ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم فجعل يكررها ﷺ ثلاث مرات، حتى قال أبو ذر ﵁: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ فذكر منهم: المسبل﴾ وقال ﷺ : ﴿من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه﴾ وقد يقول البعض: أنا لم أسحبه خيلاء.
وإذا قيل له: لماذا إذاً؟ قال: من أجل الزينة.
والزينة من عادة النساء، فاتق الله يا عبد الله! إن كنت تريد الزينة فأنت تشبهت بالنساء؛ لأنهن أمرن أن يرخين ذيولهن شبراً, فإذا أرخيت الثوب فقد تشبهت بالنساء وإذا قال: لا أنا لم أجره خيلاء, فنقول له: اسمع حديث رسول الله ﷺ : ﴿ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار﴾.
نعوذ بالله من النار، والنار لا تأكل الخرق ولكنها نار وقودها الناس والحجارة فلعله أن يتوب ويرعوي ويقصر ثوبه ويهتدي؛ فيكون في ميزان حسناتك يوم القيامة, وتحظى أيضاً بوعد رسول الله ﷺ : ﴿فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.
وبعض الناس إذا جلسوا في المجالس تحدثوا: رأينا زوجة فلان! ورأينا بنت فلان مع السائق! ماذا يريدون من هذا؟ يريدون التشهير بهذا الرجل, فلو أخذوا بيد هذا الرجل وقالوا له: اتق الله يا فلان! لماذا تدع الحبل على الغارب لابنتك وامرأتك مع السائق؟ أما علمت أن هذا منكر؟ وأن هذا لا يرضاه الله بل يبغضه ويأباه, أما سمعت أحاديث رسول الله ﷺ : ﴿لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم﴾ ويقول ﷺ : ﴿لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم﴾ ويقول ﷺ : ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ وقد يقول هذا الرجل الذي أتى بالسائق: أنا أتيت بهذا السائق، وهو رجل طيب ذو دين.
فنقول له: اسمع إلى قول الرسول ﷺ وهو يخاطب الصحابة ﵃: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ يخاطب الصحابة الذين هم أطيب منَّا قلوباً، وأفضل القرون بعد نبينا ﷺ , يخاطبهم ويقول: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ فإن أبيت ورأيت المنكر بأهلك وأقررت ذلك فسوف تحرم من الجنة, لماذا؟ لأن الجنة لا يدخلها ديوث, والديوث: هو الذي يقر الخبث في أهله, نسأل الله العفو والعافية.
قل له هذا الكلام؛ لعله أن يرعوي ويتوب إلى الله .
والبعض من الناس إذا جلسوا في المجالس قالوا: سمعنا فلان بن فلان يسمع الأغاني.
فنقول لهم: أيها الإخوة في الله! هل جلستم معه قليلاً فنصحتموه في الله؟ قالوا: لا.
ما جلسنا معه، فلو جلستم معه قليلاً وقلتم له: يا أخي! اتق الله.
فإن الغناء بريد الزنا، والغناء ينبت في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل, ولا تكن ممن أخبر عنهم رسول الله ﷺ أنه يحصل منهم هذا الأمر الخطير في آخر الزمان حيث قال: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ فلا تكن منهم يا عبد الله, بل كن من خير أمة أخرجت للناس كن من الطائفة الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله كن من الغرباء الذين دعا لهم رسول الله ﷺ وقال: ﴿فطوبى للغرباء! قيل: من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس, أو يُصلحون ما أفسد الناس﴾.
стр. 98
عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أيها الإخوة: ينبغي لنا أن ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة, ولا نغتاب الناس إذا جلسنا في المجالس, وإذا قيل للبعض: هل نصحتهم؟ قال: لا.
ما نصحتهم.
لماذا يا أخي؟ أما علمت أن الجار سوف يتعلق بجاره يوم القيامة ويقول: يا رب ظلمني، لقد رآني على منكر ولم ينهني، ولم يأمرني بالمعروف فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وإذا كان الجار سوف يتعلق بك؛ فما بالك إذا تعلق بك الأولاد والزوجة ومن تحت يدك في البيوت، وأنت تخرج تصلي الفجر وهم في فرشهم نائمون, ما هو الخلاص يا عبد الله؟ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
فعلينا -أيها الإخوة- أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونسلك طرق السلف الصالح , ونصدع بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم, وليكن هذا باللين والحكمة والموعظة الحسنة, ونعتصم بحبل الله جميعاً ولا نتفرق, كما قال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
وكونوا عباد الله إخواناً قبل أن يحلَّ بكم ما حل بمن قبلكم فإن ما نسمعه من الحوادث والزلازل والفيضانات والمجاعات وغيرها كلها موعظة لنا يا عباد الله, لعلنا أن نتعظ ونرجع إلى الله , قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١].
فعلينا أيها الإخوة! أن نسلك سبيل الذين اتقوا الله , ووالله ثم والله لا يضرنا ذلك, ولا ينقص من أعمالنا ولا من أموالنا شيئاً, بل يزيدنا شرفاً عند الله , قبل أن تضرب قلوب بعضكم على بعض, قبل أن تصيبكم فتنة ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] لأن العذاب إذا نزل عم الصالح والطالح.
يقول الله في قومٍ تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
أمة الإسلام: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن أعظم الشعائر الإسلامية, وأقوى الأسس التي يقوم عليها بناء المجتمعات النزيهة الراقية, فإذا لم يكن أمرٌ ولا نهي، أو كان ولكن كالمعدوم؛ فعلى الأخلاق والمثل العليا السلام, وإذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيومئذٍ ويلٌ للفضيلة من الرذيلة.
أمة الإسلام! تداركوا الأمر قبل أن يفوت الأوان, وتعضوا على البنان، فقد حثكم نبيكم ﷺ على تغيير المنكر.
فالله الله في الحكمة والموعظة الحسنة, والله الله في الرفق يا عباد الله واعلموا أن مراتب التغيير ثلاث كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ بقوله: ﴿من رأى منكم منكراًَ فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾.
وإليكم هذا الخبر الذي ينبئ بوخامة عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقول عائشة ﵂: ﴿دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد حفزه الناس، فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء, فما تكلم حتى توضأ وخرج، فلصقت بالحجرة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم, وتستنصروني فلا أنصركم, وتسألوني فلا أعطيكم﴾ ألا نفكر لماذا انتزعت البركات؟ ولماذا نستغيث ولا يستجاب لنا؟ لكثرة المنكرات, لقد انتشرت المنكرات بين الناس, فنسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.
стр. 99
الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أيها الإخوة: لو أن كلاً منَّا عمل بما في وسعه من المناصحة، ولا نقول لك: يا عبد الله خذ السيف وقاتل الناس، ولكن انصح وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة, واجلس مع جارك وبين له ما ينفعه وما يضره, لعلَّ الله أن يهديه, وإذا رأيت امرأة سافرة فقل لها: اتقي الله ، وتكلم معها بالكلام الطيب اللين لعلَّ الله أن يهديها, وإذا رأيت شارب الدخان فتكلم معه بما يفتح الله عليك به لعلَّ الله أن يهديه, وإذا رأيت من يسمع الأغاني فعظه وخوفه من الله، وأخبره أن عاقبة ذلك وخيمة, وإذا رأيت من يترك امرأته وبناته مع السائق فعظه بالله، وأخبره أن عاقبة ذلك وخيمة لعلَّ الله أن يهديهم وأن يردهم إليه رداً جميلاً, وإذا رأيت من يترك الصلاة فادعه إلى الله , فإن أبى بعد المرة والمرتين والثلاث, فارفع به إلى هيئة الأمر بالمعروف, وإلى رجال الحسبة, فعند ذلك تبرأ ذمتك، وإذا رأيت من يروج هذه الأفلام الخبيثة في أسواق المسلمين فعظه وخوفه من الله، فإن ارتدع وإلا فارفع به إلى ولاة الأمور حتى يطبق عليه الجزاء؛ ليرتدع وينكفَّ عن هذا المنكر الذي بانتشاره ذهبت الغيرة, وقتلت الآداب والفضيلة، وذهب الحياء من بعض الرجال والنساء.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تأخذ بأيدينا إلى كل خير.
اللهم وفقنا ووفق ولاة أمورنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللهم حبب إلينا وحبب إلى ولاة أمورنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم ردنا إليك رداً جميلاً, اللهم وفقنا ووفق ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين أجمعين لما تحبه وترضاه.
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل, اللهم طهر قلوبنا من النفاق, وأعمالنا من الرياء, وألسنتنا من الكذب, وعيوننا من الخيانة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 100
تذكروا هاذم اللذات
الموت حق كتبه الله على العباد، فمنا من يختم له بخاتمة حسنة ومنا غير ذلك، والموت ممر إلى الدار الآخرة لابد من دخوله.
وفي هذا الدرس قصص عن سوء الخاتمة لبعض الموتى، وذكر علاج للغفلة المنسية للموت، وخطوات في طريق العودة إلى الله.
стр. 101
أحوال بعض المحتضرين عند الموت
إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله ربه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله: حياكم الله في بيت من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولامنا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين.
إخواني في الله: رسول الله ﷺ كما يروى عنه، قال: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات﴾ والله -أيضاً- أكثر من ذكره في القرآن مما يدل على عظم هذا الخطب.
يا أمة محمد ﷺ ، هاذم اللذات ومفرق الجماعات وميتم الأطفال ومرمل النساء ومفرق الجماعات هو الموت ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
ثم إن هذا الخطب الفادح إذا نزل يحتار فيه الطبيب ويبطل مفعول الدواء، كما قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٨] عند ذلك ييئس من الحياة ومن أهلها؛ لأنه دنا فراقه من الدنيا، ودنا توديع الأهل والأقارب والأصحاب، ودنا انتقاله من هذه الدار لينتقل إلى عالم آخر إلى عالم القبور، فيا ليت شعري ماذا يكون بعد هذا الانتقال؟ وعلى أي حال يكون؟
إخواني في الله: ذكر بعض العلماء رحمهم الله تعالى حالات كثيرة لكثير من المحتضرين الذين ينتقلون من دار الدنيا إلى دار البرزخ وإلى عالم القبور.
منها ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: احتضر بعض الناس، أي: نزل به الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، وكان من الذين يدمنون المسكرات والعياذ بالله، يقول: فجعل يقول: ناولني الكأس ناولني الكأس نسأل الله العافية! ومات وهو يقول: ناولني الكأس، لقد فاضت روحه وهو يطلب الكأس المسكر.
يقول: واحتضر آخر فقيل له: قل لا إله إلا الله، وكان من الذين يستمعون الأغاني، يقول: فأخذ يغني ويدندن حتى خرجت روحه نسأل الله العفو والعافية.
وقيل للآخر: قل لا إله إلا الله، وكان من الذين يتعاملون بالربا، فيقول: اثنا عشر بأربعة عشر، إحدى عشر باثني عشر، ومات وهو يتلفظ بهذه الألفاظ التي كان يتلفظ بها عند الربا نسأل الله العفو والعافية.
يقول: وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، وكان مولعاً بالتغزل بالنساء، وذكر لهذا قصة أن امرأة خرجت تريد حماماً يسمى حمام منجاب، وكان هذا الرجل عند داره، فسألته هذه المرأة، قالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا هو، فأدخلها في بيته، فلما أدخلها في بيته وجلس معها، قالت: لا يهنأ لنا المكان والحال حتى تأتينا بفاكهة، قال: أنا آتيك بكل ما تطلبين، فخرج ليأتي بفاكهة، ولكن من حسن حظها أنه لم يغلق الباب، وخرجت على أثره، فلما جاء إلى البيت، وإذا بالمرأة ليست في البيت -نسأل الله العافية- فأصابه الهيمان حتى كاد أن يجن، فجعل يتغزل:
يا رب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجابِ
ومر بطريق وهو يهيم ويتلفظ بهذه الأبيات، فطلت عليه جارة من أعلى مكان، وقالت:
هلا جعلت لها إذ ما ظفرت بها حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب
يقول: فازداد هيمانه وجنونه، ولما احتضر ونزل به الموت قيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يردد هذه الأبيات:
يا رب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب
ومات وهو يردد هذه الأبيات نسأل الله العفو والعافية.
وذكروا أيضاً قصة لرجل -وهذه القصة لم يذكرها ابن القيم ﵀ لكن ذكرها غيره- ذكروا أن رجلاً كان مؤذناًٍ يؤذن في مصر، وكان بجوار المسجد بيت لنصراني، فلما صعد المؤذن يؤذن نظر في بيت هذا النصراني، فرأى فيه جارية جميلة فنزل، ثم طرق عليها الباب، قالت: ماذا تريد؟ قال: أريدك! أخذت بمجامع قلبي، قالت: أنا لا أطاوعك على ما تطلب، قال: أتزوجك، قالت: إن أبي لا يزوجك وأنت مسلم، قال: أتنصر، فتنصر -والعياذ بالله- فلما دخل بها، صعد إلى مكان في البيت فسقط ومات، وقد خسر دينه ولم يظفر بالمرأة نسأل الله العفو والعافية.
стр. 102
سوء الخاتمة وحسنها
إخواني في الله: سوء الخاتمة وحسن الخاتمة له أسباب، فالله جل وعلا يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] إي والله؛ فالله تعالى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] فمن شب على الإيمان والعمل الصالح فليبشر يا أمة محمد ﷺ .
يقول الله ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] ويقول الله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
يا إخواني! هذه قصة محزنة، يقول لي أحد الثقات: كان لي قريب لا يصلي -وهذه القصص والله مما يحزن القلب، ولكن نريد بها الذكرى، نسأل الله ألا يجعلنا من الشامتين، اللهم لا تجعلنا من الشامتين، اللهم اجعلنا من المعتبرين، ولا تجعلنا من الشامتين يا رب العالمين- فيقول هذا الرجل: كان لي قريب وكان لا يصلي، فأصيب بمرض، يقول: فأتيته، فقلت: يا أخي لعل هذا المرض يكون لك موعظة، تب وارجع إلى الله، صل يا أخي، يقول: فانتهرني وأخرجني من البيت، يقول: فازداد به المرض حتى أضجعه على السرير الأبيض في المستشفى، يقول: فأتيته، وقلت: أخي ماذا بقي؟ تدارك بقية العمر، تب إلى الله وصلِّ، يقول: وبعد إلحاح شديد، قال: ائتني بتراب يريد أن يتيمم، يقول: ففرحت وذهبت وأتيت إليه بتراب، لعل الله أن يهديه ويصلي قبل أن ينزل به هاذم اللذات، يقول: فلما أتيت إليه بالتراب ووضعته بين يديه، يقول: والله إنه يريد أن يمد يديه إلى التراب وما استطاع أن يمد يديه، كأنها مقيدة، يا رب نسألك العافية، يقول: والله ما مست يده التراب، ومات ولم يسجد لله سجدة والعياذ بالله، اللهم إنا نسألك حسن الختام، ففي ذلك عبرة يا إخواني في الله!
стр. 103
التحذير من سوء الخاتمة
ولذلك يقول الرسول ﷺ لصحابته الكرام، وإن كان الخطاب لجميع الأمة: ﴿بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل﴾.
ولقد -والله- سمعنا بهذا في هذه الآونة الأخيرة بسبب القنوات الفضائية التي انهمك فيها كثير من الناس، يقول لي بعض الثقات: هناك رجل من أقاربي يبلغ من العمر ستين سنة، اللهم لا شماتة، اللهم إنا نسألك العافية، يقول: والآن ترك الصلاة بسبب متابعة القنوات الفضائية، اللهم رده إليك رداً جميلاً، اللهم اهد ضال المسلمين يا رب العالمين.
стр. 104
النبي ﷺ يدعو لنفسه بالثبات
فيا إخواني في الله: يقول الرسول ﷺ كما روى مسلم في صحيحه: ﴿اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك﴾ هذا رسول الله ﷺ سيد الأولين والآخرين وأفضل الأنبياء والمرسلين، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول: ﴿اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك﴾ وروى البخاري -أيضاً- في صحيحه أنه ﷺ قال: ﴿والله إني لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه أكثر من سبعين مرة﴾ ولقد حث ﷺ أمته كما في صحيح مسلم، بل حث الناس جميعاً فهو الناصح الأمين ﷺ ، فقال: ﴿يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة﴾.
стр. 105
التأهب والتزود للآخرة
يا عباد الله: اغتنموا أوقات الفضائل قبل فواتها، وتأهبوا لما أمامكم، وما أنتم قادمين عليه بلا محالة ألا وهو الموت، فقد قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥].
لقد كتب الله الموت على جميع مخلوقاته قال : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
عباد الله: إن الموت تبدلٌ من حال إلى حال، وانتقال من دار إلى دار، فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره، وقلة التفكر فيه، وترك العمل.
فيا عباد الله! ما هذه الغفلات والاغترار؟! وما هذا الإنكباب على الدنيا، وقد رأيتم تصرم الأعمار؟! وما هذا التفريط وأنتم على الآثار وقد أيقنتم أن دار الفناء ليست لكم دار قرار؟!
يذكر لنا أحد الإخوان في إحدى الدوائر، يقول: استلم أحدهم راتبه يوم الأربعاء، وخرج وقد استلم الراتب وصلى العصر وتوضأ لصلاة المغرب، ولما أراد أن يخرج لصلاة المغرب، قال: والله كأني أحس أني تعبان، أظنني لن أصل المسجد، والله ما أكمل كلامه إلا وقد فاضت روحه.
الآخر بعده بيومين -كلهم في دائرة واحدة- كانت عنده مناسبة، تعشى وأكل من تلك المناسبة واجتمع مع ضيوفه، ولما تفرقوا بعد المناسبة بقليل، قال: لعلكم تذهبون بي إلى المستشفى! إني أحس بفتور، والله ما وصل المستشفى إلا وقد خرجت روحه، لا إله إلا الله.
стр. 106
الاعتبار بالأولين
عباد الله: أين الأولون ومن مضى من الآخرين؟
أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟
أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟
خالد بن الوليد ﵁ في إحدى المعارك تنكسر في يده تسعة أسياف، وما بقي بيده إلا حديدة يمنية، ويقول وهو على فراش الموت: [[لا نامت أعين الجبناء أموت كما يموت البعير]] لا إله إلا الله.
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحدُ
أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟
أين الذين ملئوا ما بين الخافقين فخراً وعزاً؟ أين الذين فرشوا القصور خزاً وقزاً؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبةً وهزاً؟ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟
أفناهم والله مفني الأمم، وأبادهم مبيد الرمم، أخرجهم من سعة المساكن والقصور، وأسكنهم في ضيق اللحود والقبور، تحت التراب والصخور ولم يدفع عنهم ما جمعوه من الحطام، ولا أغنى عنهم ما كسبوا من الأموال، أسلمهم الأحبة والأقرباء، وهجرهم الإخوان والأصفياء، ونسيهم القريب والبعيد، فهم الآن في بطون الألحاد رهائن الأعمال.
стр. 107
الموت حق على العباد
يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا مات الميت تبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع الأهل والمال، ويبقى العمل﴾ لا إله إلا الله! يرجع الأهل والمال، ويبقى العمل، اللهم اجعل أعمالنا صالحة، واجعلها خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين.
فيا أخي في الله! مثل نفسك وقد حلت بك السكرات ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
مثل نفسك وقد نزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلان قد أوصى، ومن قائل يقول: إن فلاناً ثقل لسانه، ولا يكلم أهله ولا إخوانه، ومع ذلك هو يسمع الخطاب ولا يقدر على رد الجواب ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
فيا عباد الله: إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنةً عرضها السماوات والأرض، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله، قضى نحبه وانقضى أجله، فتدعونه في صدعٍ من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، القبر أول منازل الآخرة، فاتقوا الله عباد الله.
стр. 108
الغفلة هي الداء العضال
ابن آدم: يا مدعواً إلى نجاته وهو يتوانى! يا مأموم الهوى كم أورث الهوى هواناً! يا هائماً في فيافي الغفلات كم أورثت الغفلات صاحبها حرمانا!
ابن آدم! أما أخبرت أن رحيلك إلى الآخرة قد أزف وتدانى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]
ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسبُ وتجمع في لوح حفيظ وتكتبُ
وقلبك في سهو ولهو وغفلة وأنت على الدنيا حريص معذبُ
تباهي بجمع المال من غير حله وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنبُ
الله أكبر! كأنه والله يخاطبنا في هذا الزمان يا إخوان!
لا إله إلا الله كيف لو رأى زماننا! زمان الربا والغش والمخادعات والخيانات والرشوة وبيع آلات اللهو والمخدرات والمسكرات وبيع الدخان، وبيع مجلات الصور الخليعة التي فيها الضلال والغواية نسأل الله العافية! كيف لو رأى هذا الزمان ﵀!
أما تذكر الموت المفاجيك في غد أما أنت من بعد السلامة تعطبُ
أما تذكر القبر الوحيش ولحده به الجسم من بعد العمارة يخربُ
أما تذكر اليوم الطويل وهوله وميزان قسط للوفاء سينصبُ
تروح وتغدو في مراحك لاهياً وسوف بأشراك المنية تنشبُ
تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحم ينجي ولا ثم مهربُ
وغمضت العينان بعد خروجها وبسطت الرجلان والرأس يعصبُ
وقاموا سراعاً في جهازك أحضروا حنوطاً وأكفانا وللماء قربوا
وقد نشروا الأكفان من بعد طيها وقد بخروا منشورهن وطيبوا
وألقوك فيما بينهن وأدرجوا عليك مثاني طيهن وعصبوا
وفي حفرة ألقوك حيران مفرداً تضمك بيداء من الأرض سبسبُ
إذا كان هذا حالنا بعد موتنا فكيف يطيب اليوم أكلٌ ومشربُ
وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ به ظلمات غيهب ثم غيهبُ
وهول وديدان وروع ووحشةٌ وكل جديد سوف يبلى ويذهبُ
فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه فهاذم لذات الفتى سوف يقربُ
فيا عباد الله: احذروا من الغفلة، وتذكروا هاذم اللذات.
هو الموت ما منه ملاذ ومهربُ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نشاهد ذا عين اليقين حقيقةً عليه مضى طفل وكهل وأشيب
فيا من شغلته الدنيا عن طاعة الله، وأغفلته ذكر الله! استيقظ ما دمت في زمن الإمكان.
стр. 109
الإكثار من ذكر هاذم اللذات
أخي في الله: تذكر حين ينزل بك الموت، يوم يجلسون حولك وأنت تعاني من سكرات الموت، وهم يبكون وينادون بصوت يقطع نياط القلوب.
يقول الولد: هل تعرفني يا أبتاه؟ والأقارب يقولون: هل تعرفنا يا فلان؟ والميت ينظر إليهم وعيناه قد اغرورقت بالدموع، ولكن لا يستطيع الرد عليهم فقد تعذر عليه الكلام ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]
ثم لم يلبثوا إلا قليلاً، وإذا بملك الموت قد قبض الروح ومال الأنف، وانفتح الفم، وشخص البصر.
فيا عباد الله! يا لها من ساعة يتكدر فيها الصفاء! ويتنغص فيها العيش! إذا نزل هاذم اللذات، فإنه والله أمر جلل وخطب فادح، لا بد منه لكل مخلوق.
عباد الله: اعلموا علم اليقين أنه لا بد من السفر من هذه الدار، ومن شك في ذلك فليتذكر من سبقه من الأولين والآخرين.
وكيف يحصل التذكر؟
الجواب
قال رسول الله ﷺ : ﴿زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة﴾.
فيا من اغتر بطول الأمل! ويا من غفل ولها وسها! تذكر هاذم اللذات، الذي ما طلب أحداً فأعجزه، ولا تحصن منه متحصن إلا أخرجه وأبرزه، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] إنه الموت يأتي على غرة وبدون إنذار، إنه هاذم اللذات يأتي على غرة وبدون إنذار، أما أخذ الآباء والأجداد؟ أما أخذ الشباب والأولاد؟ أما ملأ القبور والألحاد؟ أما أرمل النساء وأيتم الأطفال؟
إنه هاذم اللذات!
стр. 110
فوائد تذكر الموت
قال أحد العلماء رحمه الله تعالى: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، والنشاط في العبادة.
لا إله إلا الله.
اسمع أخي في الله: احفظ هذه الثلاثة، فإذا نسيت هاذم اللذات، فتذكر هذه الكرامة لمن أكثر من ذكره، الأولى: تعجيل التوبة، والثانية: قناعة القلب، الثالثة: النشاط في العبادة، ولذلك يقول الرسول ﷺ لـ عبد الله بن عمر: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ رواه البخاري.
ماذا قال ابن عمر ﵁؟ قال: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]].
следующие страницы →