Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
عرض الدعوة والإذن بالهجرة إلى المدينة
ولما رأى الاستهانة وكثرة الأذى له ولأصحابه، أمر بعضهم بالهجرة إلى الحبشة، وخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، وقابل رؤساءهم وعرض عليهم الإسلام، ورد عليه أهل الطائف رداً قبيحاً، وأرسلوا غلمانهم وسفهاءهم يقفون في وجهه، ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه ﷺ ، ورجع عنهم ومدَّ يد الافتقار إلى العزيز الحكيم، إلى الواحد القهار، إلى ربَّ العزة والجلال، وتضرع إلى الله، أن ينصره وينصر الإسلام، فقيَّض الله له الأنصار، فبايعوه على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعوا منه نساءهم وأبناءهم، عند ذلك وفي ذلك الحين أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، وخلَّف على فراشه علياً ﵁ وأرضاه، ليخرج إلى الهجرة، وقد عزمت قريش وعقدوا في دار الندوة، على أن يجمعوا من كل قبيلة شاباً وليترصدوا لمحمدٍ ﷺ حتى يقتلوه قتلةً واحدةً، ويتفرق دمه بين القبائل، فجمعوا أمرهم، ولكن الله أبطل كيدهم، فترصدوا له عند بابه ليفتكوا به إذا خرج، فخرج من بيته يذر على رءوسهم التراب وهو يتلو هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] وخرج رسول الله، ولما خرج وانتبهوا من عماهم ومن نومتهم التي أعماهم الله فيها، نظروا في البيت فإذا فيه علي ﵁ وأرضاه، وإذا رسول الله ﷺ خرج سالماً من شرهم، فخرج هو وأبو بكر ﵁ وأرضاه، في شهر ربيع أول , وقد اختفيا في غار ثور ثلاثة أيام، والمشركون يطلبونهم من كل وجه، حتى كانوا يقفون على الغار الذي فيه رسول الله ﷺ ، وفيه أبو بكر ﵁ وأرضاه، فيقول أبو بكر ﴿يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فيقول رسول الله ﷺ : لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ الله أكبر.
стр. 1297
استقبال أهل المدينة لرسول الله ﷺ
وسار رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى المدينة بحفظ الله ورعايته، بعد أن خرجوا من الغار سالمين، فلما سمع الأنصار ﵃ بمقدم رسول الله ﷺ ، جعلوا يخرجون كل يومٍ إلى حرة المدينة ليستقبلوا رسول الله ﷺ ، فكان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ هو النور في إشراقته، فاجتمعوا إلى رسول الله وهم يرددون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع
أو كما قالوا ﵃ في استقبال رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا إلى رسول الله ﷺ محيطين به متقلدين سيوفهم، وخرج النساء والصبيان وكل واحدٍ يأخذ بزمام ناقته يريد أن ينزل عليه رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ حتى إذا أتت محل مسجده اليوم، وهو المسجد النبوي الشريف، فعندما وصلت ذلك المكان المبارك بركت فيه، فنزل عنها رسول الله ﷺ ، وسكن دار أبي أيوب الأنصاري حتى بني المسجد وبنُيت مساكنه.
стр. 1298
التمكين للدين وموت الرسول ﷺ
ثم لما استقر وأذن الله له بقتال الأعداء، وكان في المدينة ثلاث فرقٍ من اليهود، فقاتلهم رسول الله وأجلاهم عن المدينة وطهَّر المدينة منهم ﷺ ، وقاتل الأعداء أعداء الدين من قريش وغيرهم الذين كانوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، فأظهره الله عليهم، وأيده بنصره وبالمؤمنين، ولما أكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة على المؤمنين، أراد الله أن يختاره إلى جواره في الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فابتدأ به المرض في آخر شهر صفر وأول ربيع أول، وخرج إلى الناس عاصباً رأسه، وصعد المنبر، فتشهد وحمد الله وكان أول ما تكلم به بعد ذلك أن استغفر للشهداء الذين قتلوا في غزوة بدر وأحد، ثم قال ﷺ : ﴿إن عبداً من عباد الله خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله فلما قال ﷺ تلك المقالة؛ فهمها أبو بكر ﵁ وأرضاه، فبكى، وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : على رسلك يا أبا بكر﴾ ثم قال: ﴿إن أَمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام ومودته، ثم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس﴾ ولما كان يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول اختاره الله لجواره، فلما نزل به الموت، جعل يدخل يده في ماء عنده ويمسح به وجهه ويقول: ﴿لا إله إلا الله، لا إله إلا الله! إن للموت لسكرات﴾ ثم شخص بصره نحو السماء وكان يوصي في تلك الحالة الحرجة في آخر أنفاسٍ يلفظها من الدنيا، وهو يقول: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾ ثم شخص بصره نحو السماء، وقال: ﴿اللهم في الرفيق الأعلى﴾ فتوفي ﷺ ، وخرجت روحه الشريفة، واضطرب الناس عند ذلك حتى جاء أبو بكر ﵁ وأرضاه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: [[أما بعد: فمن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌ لا يموت ثم قرأ قول الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]]] فاشتدَّ بكاء الناس، وعرفوا أن رسول الله ﷺ قد مات، فغسِّل وكفُن ﷺ في ثيابه، ودفن في حجرة عائشة ﵂ ليلة الأربعاء، صلوات الله وسلامه عليه.
مات وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً وأبداً وسرمداً إلى أن نلقاه على الحوض.
اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد ﷺ ، واجمعنا به في دار كرامتك مع المؤمنين والصديقين والشهداء في جنات الفردوس الأعلى.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأسأل الله أن يجعلنا من أمة محمد، أمة الإجابة، القابلة للحق الناهجة على الصراط المستقيم، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1299
الآيات والمعجزات المؤيدة لرسول الله ﷺ
الحمد لله الذي أيد رسوله محمداً ﷺ بالمعجزات، والآيات البينات، واختصه بالفضائل الكثيرة والكرامات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له في الألوهية والربوبية، والأسماء والصفات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى على جميع المخلوقات، المبعوث رحمةً للعالمين، وقدوة للسالكين إلى رب العالمين، إلى رب الأرض والسماوات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 1300
معجزة القرآن الكريم
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعرفوا ما أيَّد الله به نبيكم ﷺ من الآيات والمعجزات، فإن الله أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وأبلغ ما أوتيه ﷺ هذا القرآن العظيم، ففيه عبرة لمن اعتبر، فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم، اشتمل على ذكر أخبار الأولين والآخرين، واشتمل على الفصاحة والبلاغة التي عجزت عنهما مدارك الجن والإنس السابقين منهم واللاحقين.
стр. 1301
السنة ميراث الرسول ﷺ
ومن أعظم ما خلَّف وورَّث لنا رسول الله ﷺ سنته المطهرة، فإن مات رسول الله، فإن سنته حية وباقية إلى يوم القيامة؛ المشتملة على سيرته في عبادته ومعاملاته وأخلاقه، فكان ﷺ من أجود الناس وأشجعهم في الجهاد، وأصبرهم عند اللقاء وعند الدعوة إلى الله، وأحسنهم مجالسة، وألطفهم مكالمة، وألينهم جانباً، وأبلغهم في جميع صفات الكمال، فخير الهدي هدي محمد ﷺ ، تمسكوا به واقتدوا به يا عباد الله! وعضوا عليه بالنواجذ.
وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، الزموا جماعة المسلمين، وإياكم والتفرق، إياكم والانحطاط.
أمة الإسلام: إن الله يأمركم أن تُصلُّوا على نبيه ﷺ ، فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدَّته، اللهم اجزه عن أمة الإسلام خير ما جزيت به نبياً عن أمته، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا؛ وجميع ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم قيِّض لولاة أمور المسلمين جلساء صالحين ناصحين؛ يذكرونهم إذا نسوا، ويعينونهم إذا ذكروا.
اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، ولا مغيرين، ولا مبدلين، اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا، وجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، في جناتك؛ جنات الفردوس الأعلى، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعينٍ لنا يا رب العالمين! اللهم ارفع عن الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1302
يسروا الزواج
الزواج أصبح اليوم من الأمور المتعسرة عند الشباب، والنبي ﷺ قد حث ودعا إلى المسارعة إلى الزواج.
والله قد وعد -ووعده الحق- بأن من كان فقيراً وتزوج يريد العفاف، فالله جل وعلا سيغنيه من فضله.
ومن القصص العجيبة: قصة عمر بن الخطاب عندما كان يبحث لابنته عن زوج، وسعيد بن المسيب يزوج ابنته لأحد طلابه الفقراء رغم أنه قد طلبها ابن السلطان.
وينبغي لكل متزوج أن يتجنب الشائعة وأن يبتدئ حياته الأسرية بطاعة الله لا بمعصيته.
стр. 1303
دعوة إلى المسارعة بالزواج
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الشأن العظيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله ، واعلموا -يا أمة الإسلام- أن الله جلَّت قدرته ما أنزل القرآن إلا لتعملوا بمحكمه، وتؤمنوا بمتشابهه، وتقولوا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] ففي القرآن كل دلالة على الخير، وكل تحذير من الشر، وإنما تحصل الدلالة على الخير للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
أمة الإسلام! في كتاب الله آية كريمة تعالج مشكلة اجتماعية تكلم عنها العلماء، وأطنب في ذكرها الخطباء، وعاتبني فيها بعض الناس، يقول: إنك لا تتعرض لها، فما هي؟
هي الواقع المرير الذي يعيشه كل ذكر وأنثى محروم من الزواج، تلك هي مشكلة: (الزواج) فهو أمر فطري تدعو إليه الطباع والغرائز، وتترتب عليه عمارة الكون، وقد كان من الواجب أن يصبح أمره ميسراً ليكون باستطاعة كل فرد أن يقدم عليه مهما كان وضعه غنياً أو فقيراً، أميراً أو صعلوكاً، امتثالاً لأمر الله جلَّ وعلا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
ففي الآية الكريمة ندب وحث على تزويج الأيامى، والأيامى: جمع أيم، وهي: المرأة لا زوج لها، والرجل لا زوج له.
وكذلك في هذه الآية الكريمة الوعد الصادق من رب العالمين الذي لا يخلف الميعاد، الوعد بالغنى والخير لمن يتزوج ليريد العفاف.
أيضاً في الآية الكريمة قطع لحجة الذين يقولون: لا نتزوج حتى نحصل على ما يكفل الحياة السعيدة، فهذا ادعاء باطل، فإن الحياة وما فيها من الأرزاق بيد الحي القيوم القادر على كل شيء، وقد أخبرنا نبي الرحمة محمد ﷺ بأنه: ﴿لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها﴾ فعليك -أيها المسلم- أن تفعل الأسباب، وتستعين بالله -جلَّ وعلا- في طلب الرزق، وتعلم حق اليقين! أن رزق الله لا يأتي به حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره، ثم ليعلم الماديون -أهل الطمع والجشع- أن الرازق والمعطي هو الله وحده لا شريك له، فإنه قادر أن يغني فقيراً ويفقر غنياً.
فهذا رد على أهل النظرة الخاطئة الذين يقولون: لا نزوج فقيراً يزيده الزواج فقراً لفقره، هذا إذا اجتمع (مجلس الوزراء الداخلي) الأم والأب وبعض الأقارب الذين يريدون أن يمتصوا هذا المهر -مهر هذه الفتاة- ثم يجتمع هذا المجلس على أمر خطير كلٌ يدلي برأيه، هذا يقول: فقير، وهذا يقول: خضيري، وهذا يقول: قبيلي، وهذا يقول: طويل، وهذا يقول: عريض، وهذا يقول: اشترطوا عليه التلفاز، وهذا يقول: اشترطوا عليه الفيديو، وهذا يقول: اشترطوا عليه محلاً واسعاً، ولا نرضى المطرقة ولا نرضى الزرادية.
مع الأسف الشديد من المطرقة؟
هو الأب الذي قضى حياته ليرى هذا الابن سعيداً في هذه الحياة، يكد ليله ونهاره ليجمع له لقمة العيش، ومن هي الزرادية -أو كما يقولون: الكولة-؟
هي: الأم المسكينة التي حملته في بطنها تسعة أشهر، وضمته في حجرها وجعلته له سريراً، لا تتلذذ بالنوم ما دام هذا الابن صاحياً يتململ، فهي كأنها تحس بهذا الملل، ثم بعد ذلك يشترط هذا المجلس -الذي لا بارك الله فيه- يجتمع فيه الأم والأب وبعض القرابة، ويقولون: لا نريد الشاكوش ولا نريد الكولة.
الله أكبر! أين المسلمون؟ أين الإسلام؟ من هؤلاء الذين يعينون على قطع الأرحام، وعلى قطع الصلة بين القرابة، وعلى عقوق الوالدين؟
إنها مصيبة عظمى يا عباد الله! متى نتخلص من هذا؟ نتخلص من هذا إذا قطعنا المسلسلات الخبيثة التي تحارب الأم والأب، وتحارب تعدد الزوجات، إذا قطعنا هذه المسلسلات التي جرأت الأطفال على السرقة، وعلمتهم شرب الدخان، وعلمتهم ترك الصلاة، وعلمتهم العقوق، ورفع الأصوات على الوالدين، إذا قطعنا هذه المسلسلات ورجعنا إلى رب العالمين؛ فإننا سوف نعرف رشدنا.
أمة الإسلام: إن الزواج أصبح في هذه الأزمنة المتأخرة مشكلة معضلة، وليس هذا عن قلة الفتيات، ولكن عن وجود ما ذكرت لكم من هذه الأمور القاطعة، ومن هذه الأمور التي تعوق الشاب أن يقدم ليحصل على فتاة يعف بها نفسه، امتثالاً لقول الرسول ﷺ : ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء﴾.
стр. 1304
يُسر الزواج عند السلف وعسره في زماننا
عباد الله: لا تنظروا إلى هذه النظرة الخاطئة التي تقول: لا نزوج فقيراً يزيده الزواج فقراً لفقره، بل يجب عليك إذا كنت غنياً قد أمدك الله بالمال أن تبحث لهذه الفتاة عن زوجٍ تقيٍ ديّنٍ أمينٍ عفيفٍ تزوجه هذه البنت، حتى إذا جاءك الأجل مت وأنت قرير العين مرتاحاً.
стр. 1305
مبادرة عمر بن الخطاب إلى تزويج حفصة
يا عبد الله: هذا عمر بن الخطاب ﵁ فعل ذلك، جعل يبحث لـ حفصة بنته، عرضها على عثمان، وعرضها على أبي بكر ﵄، ويسر الله لها خير الخلق محمداً ﷺ .
стр. 1306
سعيد بن المسيب يزوج ابنته لأحد طلابه
سعيد بن المسيب سيد التابعين -رحمه الله تعالى- لما انقطع عنه طالب من طلاب العلم، فسأله عن انقطاعه؟
فقال: كنت أمرض زوجتي وتوفيت، فقال: هل تريد أن أزوجك ابنتي؟
فجعل يُفكِّر في أن ابن السلطان طلبها منه فمنعه عنها، وما منعه عنها يريد الدنيا ولا الطمع، ولكنه يريد الدين والعفة، فقال: هل تريد أن أزوجك ابنتي؟
فقبل هذا الطالب، وتأخر ثلاثة أيام يهيئ لهذه البنت المكان، وما درى إلا وسعيد بن المسيب يطرق عليه الباب، وقال: السلام عليكم! قال: من بالباب؟ قال: سعيد، فجعل يفكر من سعيد؟ لأن سعيداً كان من المسجد إلى بيته أربعين سنة، من سعيد؟
قال: سعيد بن المسيب، وفتح الباب، وأدخل عليه زوجته، ودعا له.
الله أكبر يا عباد الله! ليس عيباً أن تبحث لابنتك أو أختك إن كانت يتيمة وكانت في حجرك، ليس عيباً أن تبحث لها عن زوج تقي! نعم.
إنما العيب أن تأتي بالسائق يذهب بها إلى المدرسة وإلى المستشفى وحدها، ورسول الله ﷺ ينهى عن ذلك أشد النهي، هذا هو العيب -يا عبد الله- إن كنت تعرف العار والعيب.
نعم! تزوج -يا عبد الله- لا يغرك الذين يقولون: لا تتزوج حتى تهيئ البيت السعيد، وحتى تجمع المادة!! لا.
بل تزوج والله هو الذي خلقك وتكفَّل برزقك، يقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].
стр. 1307
قصص لمن حرم الزواج
يا عبد الله: بادر بزواج هذه الفتاة، حتى تحظى بالأجر العظيم.
يقول لي بعض المشايخ الثقات: زار رجلٌ أختاً له بالمستشفى، وقد تقدم بها السن ولم تتزوج، ولما أراد أن يزورها في آخر لحظة، قالت: اقترب مني يا أخي! فلما اقترب منها، قالت: حرمك الله الجنة كما حرمتني من الزواج، وفاضت روحها، فجعل يطرق الأبواب ماذا يعمل؟ أفتوني أفتوني؟ ولكن هيهات هيهات! فات الأوان يا عبد الله!
ورجل أراد أن يكوي امرأة فيها مرض الجنب، فلما اقترب منها وإذا هي متقدمة في السن، قال: ارفعي ثديك إن كنت ترضعين ولدك، قالت: يا شيخ! أنا لم أتزوج إلى الآن، وحرم الله من حرمني من الزواج من الجنة.
هكذا تدعي عليكم البنات والأخوات وأنتم لا تدرون يا مساكين! أنت أصبحت حياتك أنه إذا ظهر راتبها ذهبت لتأتي به من البنك، وما تدري ماذا تقول لك؟ لعلها تدعو عليك بكل درهم من هذه الدراهم دعوة، وأنت لا تدري يا مسكين!
نعم والله، ما أديت حق الله فيها إذا كنت ربيتها وأدَّبتها فابحث عن زوج لها، لا تأخذ ما صرفته عليها.
بعض الناس يقول: لماذا لا نأخذ من الراتب؟! نأخذ من راتبها وإذا استمتعنا خمس سنوات أو ست سنوات نزوجها، ثم يأتي إنسان يخطبها وقد صارت في السن متقدمة، فهل يقدم صاحب سن العشرين على أم الأربعين؟ لا والله.
إلا إذا كان فيه نقص أو عيب ورده الناس فإنه عند ذلك يفرح ويتزوج بهذه.
وإن كان البعض يقول: الرسول ﷺ تزوج من خديجة وهي في الأربعين من عمرها وهو ﷺ في الخامسة والعشرين من عمره نقول: صحيح.
ولكن هل يوجد في زماننا هذا؟
لا يوجد.
تقول المرأة: أريد شاباً وقد تقدمت في السن، وإذا جاء رجل يريد أن يخطب ومعه امرأة، قالوا: لا نريد التعدد، لماذا؟ لأننا سمعنا في فلم أذيع في التلفاز أنه يحارب التعدد وأنه يجلب للزوج الجنون -مع الأسف الشديد- فقاتل الله أعداء الإسلام وأعداء المسلمين كما غزونا فكرياً، قاتلهم الله ثم قاتلهم الله.
стр. 1308
تعسير الزواج سبب للفتن
عباد الله: اتقوا الله ، يقول أبو بكر ﵁: [[أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى]] ويقول ابن مسعود ﵁: [[التمسوا الغنى في النكاح]] ويقول رسول الهدى ﷺ : ﴿ثلاثة حقٌ على الله عونهم، ومنهم: الناكح يريد العفاف﴾.
وهذه: ﴿امرأة أهدت نفسها للنبي ﷺ ، فلم يقبلها ﷺ ، وكان عنده رجل جالس، قال: زوجنيها يا رسول الله! قال: هل عندك شيء؟ قال: لا.
قال: التمس ولو خاتماً من حديد قال: ولا خاتماً من حديد -فزوجه بتلك المرأة بأي شيء يا عباد الله؟! - فقال له: تعلمها ما معك من القرآن وهذا مهرها﴾.
ويقول ﷺ : ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير﴾ أي فتنة أكبر من هذه يا عباد الله؟
ففي هذا التوجيه القيم من رسول الله ﷺ من الإنذار والتحذير من واقعنا المرير الذي وقع فيه الكثير من الناس، من التأخر في الزواج، ومن المتاجرة في الفتيات، والمباهات في المغالات في المهور، حتى أثقل كاهل الشباب، وتقاعسوا عن الزواج، وصار البعض من الشباب -اسمعوا هذه الفتنة، وهذا الشر الكبير، وهذا الفساد الكبير الذي خافه علينا رسول الله ﷺ لا يفكر إلا أن يحصل على قليل من النقود، فيذهب خارج البلاد ليقضي وطره في تلك البلدان التي فيها الإباحية والزنا واللواط، وفيها مسارح العار والشر المستطير، ثم يرجع حاملاً معه كل فتنة وشر وهلم جرا.
فلو تعاون الشباب وأولياء أمور الفتيات لكان ما ينفق في الفساد خارج البلاد فيه كفاية، أما إذا دام الوضع هكذا الفتيات يحجر عليهن في البيوت، الأب يشترط ألا يزوجها حتى يأخذ قسطاً من راتبها، وهي في البيت، تمر عليها السنون تلو السنين، والشباب يتقلب على جمر نيران الشهوات، أتعبوا السيارات بالتفحيط، وأذهبوا أخلاقهم بما لا يرضي الله ولا رسوله، كل هذا من نار الشهوات التي ثارت في قلوبهم، وأنتم تعلمون ما فتح الله علينا من الدنيا، ومن هذه المأكولات التي تهيج الشباب، والتي تأجج نار الشهوة في الشباب، هذه المأكولات التي لم تمر على أسلافنا من قبل، ولمَّا كان أسلافنا -آباؤنا وأجدادنا- حياتهم دائماً تعب وهم يشتغلون، وطعامهم قليل، لا تراهم يفكرون في الفساد، ترى الرجل منهم يفرح بالساعة التي يرتاح فيها، أما نحن لما كثرت عندنا المأكولات والمشتهيات والفراغ والماديات صار الكثير من الشباب لا يهمه إلا ممارسة الفساد، كيف لا وهو يعيش بين أشرطة الفيديو والسينما والصور الخليعات والمجلات الماجنة؟
التي طالما تمناها أعداء الإسلام لإفساد المجتمع المسلم، والتي يميتون بها القيم والآداب الإسلامية.
هذه المسلسلات يحبذون بها حلق اللحية، يحبذون بها الخنفسة، يحبذون بها التختم بالذهب، وتعليق السلاسل في العنق وغيرها من العادات الآثمة التي تشن حربها على الآداب الإسلامية، وعلى الأخلاق الفاضلة، فمتى نستيقظ يا عباد الله؟! ومتى نرجع؟!
ومتى نفكر أن أعداء الإسلام وأعداء المسلمين هم لنا أعداء، بما ينشرون وما يبثون وما يرسلون؟
متى نستيقظ يا عباد الله؟!
نستيقظ إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وجعلنا حلقاً نتذاكر فيها كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وسيرة السلف الصالح، فإلى ذلك -يا عباد الله- والمسابقة المسابقة.
هداني الله وإياكم سواء السبيل، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجنبنا وإياكم ما يبغضه ويأباه، إنه على كل شيء قدير، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1309
البحث عن الزوجة الصالحة
الحمد لله، أحمده سبحانه وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله ، يقول رسول الهدى ﷺ : ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير﴾ ويقول ﷺ : ﴿الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة﴾ ويقول ﷺ : ﴿تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ ذات الدين! لا تطلب التلفاز والسينما والفيديو والخادمة.
يا عبد الله! تشترط عليك بعض النساء إذا أردت أن تتزوجها، تقول: في بداية الأمر خادمة، أين نجعل الخادمة؟ في البيت، وأين أنتِ؟ تذهبين إلى العمل، ثم يبقى الزوج مع الخادمة، والرسول ﷺ يقول: ﴿ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾.
فعلينا -يا عباد الله- أن نتنبه لهذه النقاط التي أتانا الشيطان منها ونحن لا ندري.
أوضح ﷺ في الحديثين السابقين أن الذي يراعى فيه هو جانب الدين، امتثالاً لقوله ﷺ : ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ وقوله ﷺ : ﴿الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة﴾ المرأة الصالحة التي تعينك على طاعة الله، تحفظك إذا غبت عنها، وتدوم عشرتها؛ لأنها إذا ذكرت وعد الله ووعيده ازدادت حباً لزوجها الدَّين المتمسك بدين الله، أما غير ذات الدين؛ فإنك تسمع منها كلاماً لا يرضي الله ولا رسوله، نسأل الله أن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، إنه على كل شيء قدير.
стр. 1310
حرمة التبذير في الأعراس
عباد الله: هناك مصيبة عظمى يرتكبها بعض الناس، وهي ما يوجد من الولائم التي تشبه الكثير من الناس فيها بالشياطين؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧] ما هو الداعي -يا عبد الله- إلى أن تستأجر هذا الفندق لليلة الزواج؟ هل فعل هذا رسول الله ﷺ ؟ هل فعل هذا أبو بكر الصديق؟ هل فعل ذلك عمر بن الخطاب؟ هل فعل ذلك عثمان بن عفان؟ هل فعل ذلك علي بن أبي طالب ﵁؟ لا.
ثم لا.
ثم لا.
إذاً: لأي شيء نرجع؟ نرجع إلى قول رسول الله ﷺ : ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور﴾ اسمعوا يا عباد الله! الخطاب لكل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول له ﷺ : إياكم ومحدثات الأمور، فالذي يقع الآن كله -والله- من محدثات الأمور، ومن البدع التي يحاربها الإسلام.
أيها المسلمون: إن أكثر الناس اليوم تشبهوا بالشياطين، وأسرفوا والله لا يحب المسرفين، فما هو الداعي أيها المسلم لعمل تلك الولائم الهائلة الضارة بالمتزوج؟ هل تعلمون من هو المستفيد من هذه الولائم؟
الجواب
هي الحفر في البر والقفار، وذلك واقع، أكثر الناس اليوم يسرفون ويبذرون ثم يحملونها لإلقائها في تلك الحفر، وربما وضعت في المزابل مع حفائظ الأطفال، هذا واقع المسلمين الآن، فلا حول ولا قوة إلا بالله!
هل تدري -يا عبد الله- أن لك إخواناً يتمنون كسرة الخبز، يتمون التمرة التي طالما تمنوها وأنت تجعلها في القمائم مع الزبائل؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
عباد الله: عاقبة التبذير والبذخ وخيمة وأليمة، ألا فلنتق الله ، ولنقتصد قبل أن يحل بنا ما حل بالمجاورين من زوال تلك النعم حتى صاروا بعد الشبع جياعاً، ورجعوا إلى ما كانوا يرمونه في براميل النظافة، رجعوا يأكلونه ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأكلوا أشياء لا نذكرها، فكلكم تسمعون عنها وتقرءون في المجلات وغيرها ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣].
اللهم إنا نعوذ بك من زوال النعمة، وتحول العافية، وفجاءة النقمة، اللهم اجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوما، وارزقنا التطبيق لما نسمع يا رب العالمين، اللهم ارزقنا التطبيق لما نسمع، فلعلنا نسمع في الأسبوع القادم -إن شاء الله- أن تكثر مناسبات الزواج، كل أب نصوح يبحث لابنته عن زوج صالح، فأسأل الله أن يحقق ذلك إنه على كل شيء قدير.
عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، امتثالاً لأمر رب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى علي صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وأرض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أيقظنا من رقداتنا حتى نحذوا حذوا سلفنا الصالح يا رب العالمين، وما ذلك على الله بعزيز، إنما علينا أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلقد جاءني شاب يقول: أنا من زمن التاسعة في العمر، وأنا أستمع الأغاني حتى بلغت الثامنة عشر من عمري، وجعلت أستمع إلى أغانٍِ شيطانية أجنبية، حتى يقول: لا أعرف معناها، يقول: فصار يداخلني إذا سمعتها مثل القشعريرة حتى أني أبكي من سماع الغناء، أين هذا البكاء من سماع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؟!
ولكن صدق رسول الله ﷺ : ﴿كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ فاتق الله أيها الأب! خاف الله وراقبه! فإغضابهم في الدنيا أهون من أن يغضبوا عليك أمام رب العالمين، كيف بك إذا تعلق بك الابن، وتعلقت بك البنت، وتعلقت بك الزوجة، يقولون: يا ربنا! ظلمنا رب البيت، يا ربنا! ظلمنا هذا، والابن والبنت والزوجة تقول: ظلمنا، فيقول: يا رب! ما ظلمت، كيف أظلمهم وهو الليل والنهار يكد عليهم ليجد لهم لقمة العيش؟
فيقولون: لا.
ولكنه رآنا على المنكر فلم ينهنا، ولم يأمرنا بالمعروف، فأعدوا لهذا السؤال جواباً، للجواب صواباً.
فكروا يا عباد الله! اعمروا بيوتكم بطاعة الله، يقول رسول الهدى ﷺ : ﴿اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، فإن الله جاعلٌ من صلاتكم في بيوتكم خيراً﴾ ما هذا الخير؟ هو الاقتداء، يقتدي بك أهلك وأولادك، ولكن إذا كان البعض لا يصلي -والعياذ بالله- بعض الشباب الآن يقول: آباؤنا لا يصلون، فإنا لله وإنا إليه راجعون! بعض الأبناء يبكي لماذا تبكي أيها الابن؟ فيقول: أبي إذا رآني أصوم الإثنين والخميس يضربني، ويقول: افطر، حتى لا تكون موسوساً ولا مجنوناً.
مع الأسف الشديد! أنت المجنون الذي تحارب هذه الفطرة، وهذا الخير الكثير، والله لو كانت الهداية تُشترى لاشتريناها ببعض طعامنا، ولكنها بيد الله .
أسأل الله بمنه وكرمه أن يهدي ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم ثبتهم على قول الحق يا رب العالمين، وأجرنا -جميعاً- يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك على كل شئ قدير، اللهم أصلح أحوال المسلمين يا رب العالمين! اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم قيظ لهم الجلساء الصالحين الناصحين، الذين يذكرونهم إذا نسوا، ويعينونهم إذا ذكروا يا رب العالمين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، وأشغلوا أنفسكم بذكر الله تحيا قلوبكم وتقربكم من الله، واشغلوها بالحمد والشكر والثناء على الله، فإن بالشكر تدوم النعم، وبكفرها تزول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1311
يوم الحشر
إن يوم القيامة يوم تقلب فيه القلوب والأبصار، فيه من الشدة والأهوال ما الله به عليم، فهلا تفكرنا في وصف رب العالمين لأهوال هذا اليوم العظيم، وفي وصف النبي ﷺ لهذا اليوم الشديد فتعال بنا أخي الحبيب لنتأمل في هذا اليوم الرهيب في غضون هذه المادة.
стр. 1312
أهوال يوم القيامة
الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، يوم يجمعهم يوم القيامة يوم القارعة يوم تزلزل الأرض زلزالها يوم الحاقة يوم الواقعة، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، أحمدك اللهم وأشكرك، وأسألك أن تظلنا في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، القائل: ﴿يا أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله تعالى، وتفكروا في يوم النفخ في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٨ - ٧٠].
стр. 1313
النفخ في الصور
يصرح القرآن -كلام رب العالمين- بما سوف يكون يوم القيامة, وبما يحصل يوم القيامة، وقيل: ذلك مقدمات، وهن قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] وهذه هي النفخة الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم -الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً- بالديمومة والبقاء، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ثم يقول جل وعلا: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] ثم يجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل, ويأمره أن ينفخ في الصور، وهي النفخة الثالثة، وهي نفخة البعث، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] الله أكبر! ترانا قياماً ننظر وننفض التراب من رءوسنا أحياءً بعدما كنا عظاماً ورفاتاً, صرنا أحياءً ننظر إلى أهوال يوم القيامة، وما يكون فيها من الأمور العظام، قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير:١ - ١٣]-نسأل الله من فضله- ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٣ - ١٤].
كل هذه الأهوال سوف تحصل في ذلك اليوم الرهيب, الذي تذهل فيه كل مرضعةٍ عما أرضعت، وتضع فيه الحامل حملها، وتشيب فيه الولدان الصغار، الوليد الصغير الذي لم ينبت له شعر يشيب في ذلك اليوم العظيم، قال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
стр. 1314
حال المؤمن والكافر يوم العرض على الله
لكن حَانَ وقت الامتحان، وقت العرض الأكبر على الله الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] فجاء لفصل القضاء، مجيئاً يليق بعظمته وجلاله ليقضي بين العباد: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ [الحاقة:١٨] حفاةً عراةً غرلاً بهماً: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] ففي هذه اللحظة -عند العرض على عالم السر والنجوى- يتبين الرابح من الخاسر، والناجح من الراسب قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ﴾ [الحاقة:١٩] رافعاً للكتاب بيمينه: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤].
أسأل الله الكريم من فضله.
يا عباد الله: هل نتفكر في كلام رب العالمين؟! قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] ما الذي أسلفوه في الأيام الخالية؟!
هل هو التفريط والتضييع أم طاعة الملك العلام؟!
بل طاعة الله المطلع على السرائر والنجوى، المطلع على ما تخفيه الضمائر، فيا لها من سعادة أبدية، ويا له من فرح شديد بهذه النتيجة التي لا تحصل إلا لمن قام بالواجبات وأتى بالحسنات وعمل الصالحات، وخرج من الدنيا وقد حصل على حسن السيرة والسلوك مع الله؛ لأن الله يعلم السر والنجوى، ففي الدنيا تمشي -وإن كنت فاسقاً- إن كان لك واسطة تعطى حسن السيرة والسلوك، وإن كنت مؤذياً لعباد الله، وإن كنت ظالماً ومفسداً، فإنك تعطى حسن السيرة والسلوك في الدنيا، أما عند الذي يعلم السِّر والنجوى، فإنه لا يعطيك هذا السلوك إلا بعد الامتحان، بعد الطاعة وعمل الصالحات، فقد ورد في الأثر: يعطى المؤمن جوازاً على الصراط، بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عاليةً قطوفها دانيةً.
الله أكبر يا عباد الله! يعطى المؤمن جوازاً على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان، أدخلوه جنةً عاليةً, قطوفها دانيةً، فهنيئاً، ثم هنيئاً لمن كانت هذه عاقبته يوم يلقى الله، ويا خسارة ويا خيبة من رسب في ذلك العرض الأكبر وأعطي كتابه بشماله! فهو يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧] يقول ذلك وهو يتحسر وإن كان في الدنيا صاحب أموال، أو صاحب جاه، أو أعطي حسن سيرة وسلوك بواسطة الواسطة, فكل ذلك لا يجزي عمن عصى الله، فهو ينادي: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] عند ذلك وبعد أن اطّلع على النتيجة التي استحق بها الإهانة والإبعاد، أمر الله الزبانية أن تأخذه عنفاً من المحشر، فتنقله، فتغله بالأغلال في عنقه، ثم تسحبه إلى جهنم، فتصليه ناراً حامية وبئس المصير.
وقد ورد في بعض الآثار: أنه إذا قال الله : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه، فهذا جزاء من عصى الله وتعدَّى الحدود، ولم يقم بحق الله عليه من طاعته وامتثال أوامره والإتيان بعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] لا يوجد بين الله وبين عباده واسطة، ولا نسب, من أطاعه دخل الجنة، بل أرسل رسوله ﷺ بالنذارة والبشارة، فمن أطاعه أدخله الله الجنة، ومن عصاه أدخله النار، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
اللهم توفنا مسلمين, وألحقنا بالصالحين يا رب العالمين!
أقول قولي هذا وأسال الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ممن يأخذ كتابه باليمين، وأن يدخلنا جنة النعيم إنه على كل شيءٍ قدير، وأسأله بمنه وكرمه أن يتوب علينا توبةً نصوحاً، وأن يغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها, صغيرها وكبيرها, أولها وآخرها، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1315
وقفة مع حديث: (أنا سيد الناس يوم القيامة)
الحمد لله أمره بين الكاف والنون، أي: إذا قال للشيء: كن؛ فيكون, يأمر إسرافيل بنفخ الصور، فإذا هم قيامٌ من الأجداث إلى ربهم ينسلون، أحمد الله الذي لا إله إلا هو, يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشكره على نعمه، وأسأله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له في ملكه، ولا في عبادته، ولا في ربوبيته، ولا ند ولا ظهير، ولا معين لله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن أمامكم القيامة وما فيها من الأهوال والأمور الفظيعة، يقول ﷺ : ﴿أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون ممّ ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، فتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون﴾ يا ليتنا نتفكر في ذلك اليوم، لو تفكرنا في ذلك اليوم؛ لاستيقظنا من رقدتنا، وانتبهنا من غفلاتنا، واقتصدنا في قتل أوقاتنا، يقول ﷺ : ﴿وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما أنتم فيه إلى ما بلغكم؟ ألا ترون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، ويأتونه، فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة, ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيت، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً ﵇، فيقول مثلما قال آدم: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقول مثلما قال نوح: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ويقول مثلما قال إبراهيم: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقول مثلما قال موسى: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمدٍ ﷺ ﴾.
أمة الإسلام: لنحمد الله الذي جعلنا من أمة محمد ﷺ ، لنحمد الله ولنشكر الله ولنثني على الله، ولنقوم بالواجبات طاعةً لله وشكراً لله, الذي جعلنا من أمة محمد ﷺ ، ولنطيع محمد ﷺ .
﴿اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتوني، فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ثم ينطلق رسول الله ﷺ ، فيأتي تحت العرش، ويقع ساجداً لرب العالمين، ثم يفتح الله عليه من المحامد وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحدٍ قبله ﷺ ، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، سل تعطى، واشفع تشفع, فأرفع رأسي وأقول: أمتي يا ربِ أمتي يا ربِ﴾.
الله أكبر! لا إله إلا الله! يقول أبو هريرة لرسول الله ﷺ : ﴿من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله﴾.
﴿فيقال: يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى﴾ متفق عليه.
стр. 1316
الحث على اغتنام الأوقات والمسارعة في الخيرات
فيا عباد الله: اغتنموا الأوقات بصالح الأعمال، ولا تغرنكم الحياة الدنيا، وسارعوا إلى جنة عرضها كعرض السماء والأرض، لا تغرنكم الحياة الدنيا، فإنها دارٌ وصفها الله في كتابه أنها دار غرور، دار متاع قليل، ولعب ولهو وممر وطريق إلى الآخرة، وكما هو الواقع -يا أمة الإسلام- فإن الدنيا دار مملوءة بالأكدار والمصائب والآلام والأحزان، دارٌ ما أضحكت إلا وأبكت، ولا سرت إلا وأساءت، دار نهاية، قوة ساكنها إلى الضعف، ونهاية شبابه إلى الهرم، ونهاية حياته إلى الموت، انظروا إلى أهل الملايين هل يدفن معهم شيء في قبورهم إلا ما قدموه من صالح الأعمال.
عباد الله: سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، واتقوا الله جل وعلا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل هجوم هادم اللذات، ومفرق الجماعات قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ما أكثر ما نسمع هذه الآيات في أغلب فرائض الصلوات قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ما هو ذلك الغد؟! هو يوم القيامة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] ثم ينهانا جل وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] ثم فصل جل وعلا كلا الفريقين: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] فلو أنه ما يأتيك من الفوز إلا أنك تنجو من نار حامية, من نار وقودها الناس والحجارة لكفى.
أمة الإسلام: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذ في النار.
عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على من هو بأمته رحيم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ ويقول: ﴿أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلتها فإن صلاتكم معروضةٌ عليّ﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وقدوتنا وإمامنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى جميع الأصحاب والآل، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، واجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر أعداء الدين المفسدين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين نأمر بالمعروف ونأتيه، وننهى عن المنكر ونجتنبه يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أقر أعيننا بصلاح أولادنا ونسائنا، اللهم أقر أعيننا بصلاح أولادنا ونسائنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين.
اللهم املأ قلوبنا من محبتك، ومن خشيتك، ومن معرفتك، ومن الأنس بقربك، واملأها حكمةً وعلماً يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك حبك, وحب من يحبك, وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وعيوننا من الخيانة, إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، نسألك بأنا نشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام! نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سقيا رحمة، لا سقيا عذابٍ، ولا هدمٍ، ولا بلاءٍ، ولا غرقٍ، اللهم سقيا نافعةً تحيي بها البلاد وتسقي بها العباد، وتجعلها بلاغاً للحاضر والباد.
اللهم أحي بلدك الميت, اللهم انشر رحمتك على العباد يا من خزائنه ملأى، ويا من يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سقيا رحمة، لا سقيا عذابٍ، ولا هدمٍ، ولا بلاءٍ، ولا غرقٍ.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صلِّ سلم على نبينا محمد.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1317
يوم الفرقان
بلغ رسول الله ﷺ أن عيراً لقريش قادمة من الشام بقيادة أبي سفيان، فخرج هو وأصحابه للتعرض لها، فعلم بذلك أبو سفيان، فأرسل إلى قريش يعلمهم الخبر، فخرجت قريش بألف مقاتل، وأراد الله أن يجمع بين الفريقين في معركة يعز الله فيها جنده، ويذل فيها جند الشيطان؛ فالتقى الجمعان على غير ميعاد، وأيد الله رسوله بنصر من عنده، وهزم الأحزاب وحده.
стр. 1318
غزوة بدر الكبرى
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المتقين، أحمده سبحانه وأشكره، الذي أيّد رسوله والمؤمنين بنصره المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبلغ عن ربه البلاغ المبين، والذي جاهد في الله حق جهاده, اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، الذين فتحوا الفتوحات، ومصَّروا الأمصار، حتى انتشر دين الإسلام في كل مكان، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله: هذا شهر رمضان المبارك، إنه مبارك لما فيه من الخيرات، وهو الذي وقعت فيه غزوة بدر الكبرى، وهي أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ .
стр. 1319
سبب غزوة بدر
وسببها: أن رسول الله ﷺ بَلَغه أن عِيْراً لقريش أقبلت من الشام بقيادة أبي سفيان، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضراً بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالاً بليغاً، أي: لم يأخذ لها الأُهبة؛ لأنه لم يرد بذلك قتالاً ﷺ ؛ لأنه خرج مسرعاً في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسان، فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود، وكان معهم سبعون بعيراً يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وزميلاه يعتقبون بعيراً، قال علي ﵁ وكانت عُقبةُ رسول الله ﷺ قال: ﴿نحن نمشي عنك يا رسول الله! فقال ﷺ : ما أنتما أقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما﴾ واستخلف على المدينة، وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بـ الروحاء ردَّ أبا لُبابة بن عبد المنذر، واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، الشاب الذي مات شهيداً في غزوة أحد، ودفع الراية إلى علي ﵁، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار ﷺ ، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمر الجهني، وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير.
стр. 1320
خروج قريش لاستنقاذ القافلة
وأما أبو سفيان: فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً بقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوا عيرهم من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين، ولم يتخلف من أشرافهم أحد، سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلاً كان له عليه دين، وحشدوا فيما حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش، إلا بني عدي، فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم، كما قال الله تعالى: ﴿بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧] أقبلوا بحَدِّهم وحديدهم، جاءوا على حَرْدٍ قادرين، على حمية وغضب وحنَق على رسول الله ﷺ ، وعلى أصحابه ﵃، لِمَا يريدون مِن أخْذ عيرهم، وقتْل مَن فيها.
стр. 1321
استشارة الرسول ﷺ أصحابه في الخروج للمعركة
ولَمَّا بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش، استشار الصحابة ﵃، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانياً، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثاً ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ، فقال: [[يا رسول الله! كأنك تعرِّض بنا]] وكان في البيعة إنما بايعهم على أن يحموه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ﷺ ليعلم ما عندهم، فقال سعد ﵁: [[لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها ألا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئتَ، وحِل حيث شئت، وصِلْ حبل من شئتَ، واقطع حبل من شئتَ، وخذ من أموالنا ما شئتَ، واعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرتَ فيه من أمر فأمرنا تبع لأمركَ، فوالله، لئن سرت بنا حتى تبلغ البِرْكَ من غمدان، لنَسِيْرَنَّ معك، ووالله لئن استعرضتَ بنا هذا البحر، خضناه معكَ]].
وقال أيضاً المقداد ﵁ -وهو من المهاجرين-: [[لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك]] فأشرق وجه رسول الله ﷺ ، وسُر بما سمع من أصحابه ﵃ وأرضاهم، وقال ﷺ : ﴿سيروا، وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيتُ مصارع القوم﴾ فسار رسول الله ﷺ إلى بدر.
стр. 1322
نجاة القافلة وإصرار قريش على القتال
أما أبو سفيان فلحق بساحل البحر ونجا بالعير، ولما رأى أنه قد نجا كتب إلى قريش: "أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم"، فأتاهم الخبر وهم بـ الجحفة، فهموا بالرجوع، فقال أبو جهل لعنه الله: والله لن نرجع حتى نقدم بدراً، فنقيم بها، ونشرب الخمور، وتغني على رءوسنا القينات، ونطعم من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك -الحمد الله الذي رد كيده في نحره، وجعله من أذل الناس- فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع، فعصوه، فرجع هو وبنو زُهْرة، فلم يشهدوا بدراً، فلم يشهد بدراً زُهْرِيٌُّ، فاغتبطت بنو زُهرة بعدُ برأي الأخنس، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل برأيه الأعمى الفاسد، وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع، فسار المشركون سراعاً يريدون الماء.
وبعث رسول الله ﷺ علياً وسعداً والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقَدِموا بعبدين لقريش، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فسألَهُما أصحابُه: من أنتما؟ قالا: نحن سقاة لقريش، فكره ذلك أصحابه ﵃، وودوا لو كانا لعير أبي سفيان، ولما فرغ ﷺ من صلاته قال لهما: ﴿أخبراني، أين قريش؟ قالا: وراء هذا الكثيب، فقال: كم القوم؟ فقالا: لا علم لنا، فقال ﷺ : كم ينحرون كل يوم؟ -أي: كم يذبحون من الذبائح؟ - فقالا: يوماً عشراً -عشراً من الْجَزور- ويوماً تسعاً، فقال رسول الله ﷺ -بفراسته- القوم ما بين تسعمائة إلى الألف﴾.
стр. 1323
تأييد الله المؤمنين بإنزال المطر
وفي ذلك اليوم أنزل الله مطراً، فكان على المشركين وابلاً شديداً، منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاً طهّرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرض، وصلَّب به الرمل، وثبَّت به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ إلى الماء؛ وذلك بمشاورة بعض الصحابة ﵃، فنزلوا عليه شطر الليل، وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيه على تل يُشرف على المعركة، ومشى في مواضع المعركة، وجعل يشير بيده: ﴿هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى﴾.
стр. 1324
دعاء الرسول ﷺ ربه وتأييد الله المؤمنين بالملائكة
فلما دنا المشركون نظر رسول الله ﷺ إليهم وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر، فاستقبل نبي الله القبلة.
ثم مدّ يديه إلى القوي العزيز العلي العظيم، وجعل يهتف بربه: ﴿اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض﴾ فما زال يهتف بربه مادَّاً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فرده على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: [[يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك]] فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] فأمدَّه الله بالملائكة، واستنصر المسلمون بالله، واستغاثوا بالله، وأخلصوا لله، وتضرعوا لله، فأوحى الله إلى ملائكته: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢] فنَعَس رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القوم النعاس، في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه، فقال: ﴿أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل على ثناياه النقع -أي: على ثناياه الغبار- يقاتل في سبيل الله﴾ وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله ﷺ والمؤمنين.
стр. 1325
الرسول ﷺ يحث على القتال والصبر والثبات
ولما دنا العدو، وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس خطيباً، فوعظهم وذكَّرهم، بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، فقام عمير بن الحمام ﵁، فقال: ﴿يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم.
قال: بخٍ بخٍ يا رسول الله! قال: ما يحملك على قول: بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها, قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهنَّ، ثم قال ﵁: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قُتل﴾ فكان أول قتيل في غزوة بدر.
ثم حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ -وذلك بإيحاء من الله- ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه القوم، وقال: ﴿شاهت الوجوه﴾ فلم تترك رجلاً منهم إلا ملأت عينيه، ومنخريه، وفمه، واشتغلوا بالتراب في أعينهم، وشُغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية، على رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] , وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم.
وانتهت المعركة، وقد أعز الله جنده، وانهزم المشركون وتساقطوا بأيدي المسلمين، منهم سبعون صريعاً، ومنهم سبعون أسيراً.
стр. 1326
أحداث ما بعد معركة بدر
стр. 1327
مصرع أبي جهل
ولما بردت الحرب قال رسول الله ﷺ : ﴿من ينظر لنا ما صنع أبو جهل﴾ فانطلق ابن مسعود ﵁، ووجده قد ضربه ابنا عفراء، شابان تعاونا على أبي جهل، فضرباه بسيفيهما ﵄ شابان لم يستعدا من شهر شعبان بالمكياج، والثياب الضيقة، والشعور الطويلة، حتى يتعرضا لنساء المسلمين في الأسواق التجارية في رمضان، في شهر الله المبارك- شابان أتيا على أبي جهل بسيفيهما، فضرباه، فخرَّ صريعاً على الأرض، لم يكونا مثل شبابنا الذين استعارهم بعض التجار ليكونوا في مقدمة المحلات ليغروا بهم النساء، ليسحبوا بهم النساء مع الأسف الشديد, والحزن المرير، والموت الفتاك، الذي قضى على الغَيرة وعلى الحياء، فإنا لله وإنا إليه راجعون! والله إن بعض التجار يستأجر بعض الشباب، ويختار الشباب الجرد المرد الحِسان، وإذا لم يجد في هذه البلاد استقدم من البلاد الأخرى، حتى يجتلب بهم النساء، ويجعلهم في مقدمة المحلات، فما هو العذر -يا عبد الله- للذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيعطي النساء ضحكة وابتسامة وكلاماً، ويقول: هذه هدية، وهذا لكِ دَين مؤخر، حتى يتعرف على المرأة ويجتذب المرأة بأسلوبه الخبيث، بأسلوبه الخاطئ، الذي أسأل الله جلت قدرته أن يهديهم ويبعدهم عن نساء المسلمين، أو يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، إنه على كل شيء قدير.
ثم لا ننسى أن أهل المحلات الذين يصفون تلك الملابس حتى تعلو رأس المرأة، ثم تكون المرأة خلف تلك الصفوف من الملابس، ويحادثها ويمازحها، ويلمِّسُها، ويقبلها، وولي أمرها جالس في السيارة، أو مع السائق، والسائق معه طفل يحمله، والمرأة داخل المحل، يخاطبها صاحب المحل، يلمِّسُها، ويقبلها، والولي جالس في السيارة، أو مع زملائه، يلعب البَلُوْت، والكِنْكان، أو مع الخادمة في بيته، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!.
يا أمة الإسلام! أين الغَيرة؟!
أين الغَيرة يا أمة الإسلام؟!
هل دفنتم الغيرة؟!
هل ذبحتم الغَيرة؟!
أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يأتينا أبناء فارس والروم فيغزونا ويقتلونا بسلاحهم الفتاك، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
نعم، ابنا عفراء، هما اللذَان قتلا أبا جهل، فخرَّ فرعون هذه الأمة صريعاً، وأتى إليه ابن مسعود ﵁، وهو لا يزال في رمق من الحياة، وأخذ ابن مسعود بلحيته - ابن مسعود الذي يقول فيه رسول الله، وهو دقيق الساقين: ﴿إنهما لأثقل من أحد في الميزان﴾ - يأتي فيعلو صدر أبي جهل، ويمسك بلحيته، ويحز رأسه بالسكين، ويأتي به، ويضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، ثم يقول: [[الله أكبر! الله أكبر! الحمد لله الذي صدق وعده, ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده]] فيقول رسول الله ﷺ : ﴿انطلق، أرنِيِه﴾ فانطلقنا، فأريته إياه، فقال: ﴿هذا فرعون هذه الأمة، الحمد لله﴾.
стр. 1328
وقوف الرسول ﷺ مخاطباً القتلى
وأقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فقال: ﴿بئس عشيرة كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس﴾ يقصد: الأنصار ﵃، ثم أمر بصناديد قريش، أمر بالصرعى، أمر بالقتلى الذين قُتلوا في سبيل الشيطان، فسُحبوا إلى قليب من قُلُب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم، فقال: ﴿يا عتبة بن ربيعة! ويا شيبة بن ربيعة! ويا فلان! ويا فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقاً فقال عمر ﵁: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال ﷺ : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب﴾ ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرصة ثلاثاً، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثاً والعرصة: هي البقعة الواسعة بغير بناء.
стр. 1329
رجوع الرسول إلى المدينة
ثم ارتحل ﷺ مؤيَّداً منصوراً، قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسرى والمغانم، فلما كان بـ الصفراء، قسّم الغنائم، وضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة؛ لأنه كان يؤذي المسلمين، ثم لَمَّا نزل بـ عرق الضبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط؛ لأنه كان يؤذي رسول الله ﷺ ، ويؤذي المؤمنين، ودخل النبي ﷺ المدينة مؤيَّداً مظفراً منصوراً، قد خافه كل عدو له بـ المدينة وحولها.
стр. 1330
مصير أسرى بدر
وأما الأسرى: فإن النبي ﷺ استشار الصحابة فيهم، وكان سعد بن معاذ قد ساءه أمرهم، وقال: [[كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين، وكان الإثخان في الحرب أحبَّ إليَّ من استبقاء الرجال]] وقال عمر ﵁ للنبي ﷺ : [[أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل -أي: أخيه- فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان -يقصد: قريباً لـ عمر - فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها]] وقال أبو بكر ﵁: [[هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية, فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام]] فأخذ النبي ﷺ الفدية، فكان أكثرهم يفتدي بالمال من أربعة آلاف درهم إلى ألف درهم، ومنهم من افتدى بتعليم صبيان أهل المدينة الكتابة والقراءة، ومنهم من كان فداؤه إطلاق أسير عند قريش من المسلمين، ومنهم من قتله النبي ﷺ لشدة أذيته للمسلمين، ومنهم مَن مَنَّ عليه بدون فداء للمصلحة.
هذه غزوة بدر يا أمة الإسلام! انتصرت فيها فئة قليلة على فئة كثيرة ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران:١٣] انتصرت الفئة القليلة؛ لأنها قائمة بدين الله، تقاتل لإعلاء كلمة الله, لا للوطنية، ولا للشعبية، ولا للعروبة، ولا ولا؛ تقاتل لإعلاء كلمة الله، لم تستعن بأحد من الأجانب، إنما استعانت بالله الحي القيوم، فنصرهم الله على أعدائهم.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، يا حي يا قيوم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1331
فضل العشر الأواخر من رمضان
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 1332
تحري ليلة القدر في العشر الأواخر
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واغتنموا مواسم الخيرات، واستغلوها بما يقربكم من الله تعالى، فهذا شهر رمضان، قد ذهب منه الثلثان، ولم يبق منه إلا الثلث، فتداركوا ما بقي منه بصالح الأعمال، بقي منه العشر الحسان، التي ترجى فيها ليلة القدر، التي قال الله فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] قال بعض العلماء ﵏: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر سواها.
ألف شهر -يا عباد الله- ثلاثة وثمانون عاماً، وأربعة أشهر، فالعمل في هذه الليلة لمن وفقه الله خير من العمل في ثلاثة وثمانين عاماًَ وأربعة أشهر.
في الحديث الصحيح: ﴿تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان﴾ ولن تظفر -يا عبد الله- بهذه الليلة إلا إذا قُمتَ ليالي العشر كلها، فقد أخفى الله جل وعلا علمها على العباد رحمة بهم؛ ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة، بالصلاة، والذكر، والدعاء، فيزدادوا تقرباً إلى الله تعالى وثواباً، وأخفى الله ليلة القدر في ليالي العشر اختباراً للعباد، ليتبين بذلك من كان جاداً في طلبها، حريصاً عليها ممن كان كسلاناً متهاوناً، يقول ﷺ : ﴿يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾.
عباد الله: اغتنموا هذه الأوقات الفضائل.
стр. 1333
سنة الاعتكاف في العشر الأواخر
عباد الله: اقتدوا برسول الله ﷺ ، فقد كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شدَّ المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: ﴿كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها﴾.
فمنها: الاعتكاف: فإنه كان يداوم عليه في العشر الأواخر حتى توفاه الله تعالى، يطلب فيها ليلة القدر، وكان يحتجز حصيراً يتخلى فيها عن الناس، فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم ولهذا ذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ إلى أن المعتكف لا يُستحب له مخالطة الناس، ولا حتى لتعليم عِلم، بل الأفضل له الانفراد بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه، وذكره، ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمعة والجماعات؛ فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها، لذلك [[سئل ابن عباس، ترجمان القرآن، وحبر هذه الأمة عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة والجماعة، فقال: هو في النار، ثم سأله السائل بعد شهر، فقال: هو في النار]].
أمة الإسلام: عليكم بالخلوة المشروعة لهذه الأمة، وهو الاعتكاف في المساجد، خصوصاً في شهر رمضان، وبالأخص في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله، وعكف بقلبه وقالِبه على ربه، وما يقربه منه، فما بقي له همٌ سوى الله، وما يرضيه عنه؛ فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.
فكان رسول الله ﷺ إذا أراد الاعتكاف يأمر بخباء، فيُضرب له في المسجد، يخلو فيه بربه ، فإذا صلى الفجر دخله، وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان الضرورية، وكان يُخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجله وتغسله، وهو في المسجد، وهي حائض، وكان بعض أزواجه تزوره وهو في معتكفه، فإذا قامت لتذهب قام معها يوصلها، وذلك ليلاً، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف، لا بقبلة، ولا بغيرها، كل هذا تحصيل لمقصود الاعتكاف ووجهه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكَف موضع عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، وربما أتى بعضهم بتلفاز، وربما بعضهم أخذ الجريدة اليومية، فهذا لونٌ، والاعتكاف النبوي لون آخر.
لله در القائمين بليلهم يدعون رباً للقليل شكورا
قوم أقاموا للإله نفوسهم فكسا وجوههم الوسيمة نورا
تركوا النعيم وطلقوا لذاتهم زهداً فعوضهم بذاك سرورا
قاموا يناجون الحبيب بأدمُعٍ تجري فتحكي لؤلؤاً منثورا
ستروا وجوههم بأستار الدجى ليلاً فأضحت في النهار بدورا
وإذا بدا ليل سَمِعْتَ أنينَهم وشَهِدْتَ وَجْداً منهمُ وزفيرا
يخافون من النار ويرجون من الله الجنة.
تعبوا قليلاً في رضا محبوبهم فأراحهم يوم المعاد كثيرا
الله أكبر! هؤلاء الرجال، ما عرفوا التمثيليات، ولا الأفلام، ولا البَلُوْت، ولا الكِنْكَان.
مع الأسف الشديد كيف يقضي بعض الناس أوقاتهم في ليالي رمضان؟!
النساء: في التبرج.
وكبار السن: قد عكفوا على البَلُوْت، والكِنْكَان، إلا من رحم ربك, والشباب: عكفوا على الكرة وغيرها, والأطفال: لا تسمع لهم إلا الصيحات في الشتائم واللعنات مع الأسف الشديد.
اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور, اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا أرحم الراحمين.
اللهم وفقنا، وأيقد في قلوبنا نار الغيرة ومحبتك، يا رب العالمين؛ حتى نعرف قدر هذه الأشهر المفضلة، ونرجع إليك يا ربنا.
عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، الذي ترككم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوا عليه وسلموا تسليماً، فقد أمركم بذلك رب العزة والجلال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك، وكرمك، وإحسانك، يا رب العالمين.
اللهم يا واحدٌ أحد، يا فردُ يا صمد، يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا عليُّ يا عظيم، يا حليمُ يا عليم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.
اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والزيغ والفساد.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، يذل فيه أهل الخنافس، وأهل المغازلة، الذين آذوا الناس في أعراضهم، وفي بناتهم، وزوجاتهم، وفي بيوتهم بهواتفهم.
اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والزيغ والفساد والعناد، يا رب العالمين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه, اللهم اجعلنا وإياهم ممن يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه.
اللهم قَوِّ دعائم الأمر بالمعروف، اللهم قَوِّ دعائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, اللهم من وقف أمام أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فخذه -يا رب- أخذ عزيز مقتدر، وأرح منه البلاد والعباد، فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين.
اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والتبرج والسفور، وجميع الفتن التي ظهرت في أسواقنا، وفي بيوتنا، وفي قلوبنا، يا رب العالمين.
اللهم رب محمد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام اغفر لنا ذنوبنا، وأذهب غيظ قلوبنا، وأجرنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
عباد الله: أكثروا من ذكر الله ، اذكرو الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وأكثروا من سؤال الله الجنة، وتعوذوا بالله من النار، وأكثروا من الاستغفار.
اللهم تُب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم, اللهم صلَِّ على نبينا محمد.
стр. 1334
استقبال شهر رمضان [١]
شهر رمضان شهر التوبة والغفران، تضاعف فيه الحسنات، وتغفر فيه السيئات، وترتفع فيه الدرجات وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، فينبغي الاستعداد له بما يحبه الله ويرضاه.
стр. 1335
فضل شهر رمضان
الحمد لله الذي جعل شهر رمضان غرة وجه العام، وأجزل فيه الفضائل والإنعام، وشرف أوقاته على سائر الأوقات، وفضل أيامه على سائر الأيام، وخصه على سائر الشهور بمزيد من الفضل والإكرام، وعمر نهاره بالصيام، ونوَّر ليله بالقيام، أحمده وأشكره على إحسانه العام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المُتفرد بالكمال والتمام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من صلى وصام، وأتقى من تَهجد وقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
следующие страницы →