← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فضل العشر الأواخر من رمضان الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 1332

تحري ليلة القدر في العشر الأواخر فيا عباد الله: اتقوا الله ، واغتنموا مواسم الخيرات، واستغلوها بما يقربكم من الله تعالى، فهذا شهر رمضان، قد ذهب منه الثلثان، ولم يبق منه إلا الثلث، فتداركوا ما بقي منه بصالح الأعمال، بقي منه العشر الحسان، التي ترجى فيها ليلة القدر، التي قال الله فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] قال بعض العلماء ﵏: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر سواها. ألف شهر -يا عباد الله- ثلاثة وثمانون عاماً، وأربعة أشهر، فالعمل في هذه الليلة لمن وفقه الله خير من العمل في ثلاثة وثمانين عاماًَ وأربعة أشهر. في الحديث الصحيح: ﴿تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان﴾ ولن تظفر -يا عبد الله- بهذه الليلة إلا إذا قُمتَ ليالي العشر كلها، فقد أخفى الله جل وعلا علمها على العباد رحمة بهم؛ ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة، بالصلاة، والذكر، والدعاء، فيزدادوا تقرباً إلى الله تعالى وثواباً، وأخفى الله ليلة القدر في ليالي العشر اختباراً للعباد، ليتبين بذلك من كان جاداً في طلبها، حريصاً عليها ممن كان كسلاناً متهاوناً، يقول ﷺ : ﴿يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾. عباد الله: اغتنموا هذه الأوقات الفضائل.

стр. 1333

سنة الاعتكاف في العشر الأواخر عباد الله: اقتدوا برسول الله ﷺ ، فقد كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شدَّ المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: ﴿كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها﴾. فمنها: الاعتكاف: فإنه كان يداوم عليه في العشر الأواخر حتى توفاه الله تعالى، يطلب فيها ليلة القدر، وكان يحتجز حصيراً يتخلى فيها عن الناس، فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم ولهذا ذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ إلى أن المعتكف لا يُستحب له مخالطة الناس، ولا حتى لتعليم عِلم، بل الأفضل له الانفراد بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه، وذكره، ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمعة والجماعات؛ فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها، لذلك [[سئل ابن عباس، ترجمان القرآن، وحبر هذه الأمة عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة والجماعة، فقال: هو في النار، ثم سأله السائل بعد شهر، فقال: هو في النار]]. أمة الإسلام: عليكم بالخلوة المشروعة لهذه الأمة، وهو الاعتكاف في المساجد، خصوصاً في شهر رمضان، وبالأخص في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله، وعكف بقلبه وقالِبه على ربه، وما يقربه منه، فما بقي له همٌ سوى الله، وما يرضيه عنه؛ فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. فكان رسول الله ﷺ إذا أراد الاعتكاف يأمر بخباء، فيُضرب له في المسجد، يخلو فيه بربه ، فإذا صلى الفجر دخله، وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان الضرورية، وكان يُخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجله وتغسله، وهو في المسجد، وهي حائض، وكان بعض أزواجه تزوره وهو في معتكفه، فإذا قامت لتذهب قام معها يوصلها، وذلك ليلاً، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف، لا بقبلة، ولا بغيرها، كل هذا تحصيل لمقصود الاعتكاف ووجهه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكَف موضع عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، وربما أتى بعضهم بتلفاز، وربما بعضهم أخذ الجريدة اليومية، فهذا لونٌ، والاعتكاف النبوي لون آخر. لله در القائمين بليلهم يدعون رباً للقليل شكورا قوم أقاموا للإله نفوسهم فكسا وجوههم الوسيمة نورا تركوا النعيم وطلقوا لذاتهم زهداً فعوضهم بذاك سرورا قاموا يناجون الحبيب بأدمُعٍ تجري فتحكي لؤلؤاً منثورا ستروا وجوههم بأستار الدجى ليلاً فأضحت في النهار بدورا وإذا بدا ليل سَمِعْتَ أنينَهم وشَهِدْتَ وَجْداً منهمُ وزفيرا يخافون من النار ويرجون من الله الجنة. تعبوا قليلاً في رضا محبوبهم فأراحهم يوم المعاد كثيرا الله أكبر! هؤلاء الرجال، ما عرفوا التمثيليات، ولا الأفلام، ولا البَلُوْت، ولا الكِنْكَان. مع الأسف الشديد كيف يقضي بعض الناس أوقاتهم في ليالي رمضان؟! النساء: في التبرج. وكبار السن: قد عكفوا على البَلُوْت، والكِنْكَان، إلا من رحم ربك, والشباب: عكفوا على الكرة وغيرها, والأطفال: لا تسمع لهم إلا الصيحات في الشتائم واللعنات مع الأسف الشديد. اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور, اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا أرحم الراحمين. اللهم وفقنا، وأيقد في قلوبنا نار الغيرة ومحبتك، يا رب العالمين؛ حتى نعرف قدر هذه الأشهر المفضلة، ونرجع إليك يا ربنا. عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، الذي ترككم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوا عليه وسلموا تسليماً، فقد أمركم بذلك رب العزة والجلال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك، وكرمك، وإحسانك، يا رب العالمين. اللهم يا واحدٌ أحد، يا فردُ يا صمد، يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا عليُّ يا عظيم، يا حليمُ يا عليم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والزيغ والفساد. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، يذل فيه أهل الخنافس، وأهل المغازلة، الذين آذوا الناس في أعراضهم، وفي بناتهم، وزوجاتهم، وفي بيوتهم بهواتفهم. اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والزيغ والفساد والعناد، يا رب العالمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه, اللهم اجعلنا وإياهم ممن يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه. اللهم قَوِّ دعائم الأمر بالمعروف، اللهم قَوِّ دعائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, اللهم من وقف أمام أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فخذه -يا رب- أخذ عزيز مقتدر، وأرح منه البلاد والعباد، فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين. اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين. اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والتبرج والسفور، وجميع الفتن التي ظهرت في أسواقنا، وفي بيوتنا، وفي قلوبنا، يا رب العالمين. اللهم رب محمد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام اغفر لنا ذنوبنا، وأذهب غيظ قلوبنا، وأجرنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن. عباد الله: أكثروا من ذكر الله ، اذكرو الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وأكثروا من سؤال الله الجنة، وتعوذوا بالله من النار، وأكثروا من الاستغفار. اللهم تُب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم, اللهم صلَِّ على نبينا محمد.

стр. 1334

استقبال شهر رمضان [١] شهر رمضان شهر التوبة والغفران، تضاعف فيه الحسنات، وتغفر فيه السيئات، وترتفع فيه الدرجات وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، فينبغي الاستعداد له بما يحبه الله ويرضاه.

стр. 1335

فضل شهر رمضان الحمد لله الذي جعل شهر رمضان غرة وجه العام، وأجزل فيه الفضائل والإنعام، وشرف أوقاته على سائر الأوقات، وفضل أيامه على سائر الأيام، وخصه على سائر الشهور بمزيد من الفضل والإكرام، وعمر نهاره بالصيام، ونوَّر ليله بالقيام، أحمده وأشكره على إحسانه العام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المُتفرد بالكمال والتمام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من صلى وصام، وأتقى من تَهجد وقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 1336

اختصاصه بالصيام ونزول القرآن فيه ومضاعفة الحسنات فيا عباد الله! أمة الإسلام! يطل عليكم بعد أيام قليلة شهر كريم، وموسم عظيم، خصه الله تعالى على سائر الشهور بالتشريف والتكريم، أنزل الله فيه القرآن العظيم، والذكر الحكيم، وفرض صيامه على أمة الإسلام، شكراً على هذا الإنعام والفضل العميم، جعل صيامه أحد مباني الإسلام التي لا يقوم على غيرها ولا يستقيم. وسن لكم نبيكم ﷺ قيامه، وهو شهر الخيرات والبركات، شهر إجابة الدعوات، شهر إقالة العثرات، شهر مضاعفة الحسنات، شهر الإفاضات والنفحات، شهر إعتاق الرقاب الموبقات، شهرٌ لا يُعدل به سواه من الأوقات. الحسنة فيه بألف حسنةٍ فيما سواه، والفريضة فيه تعدل سبعين فريضة لمن تقبل منه مولاه. فيا ذوي العقول السليمة، والهمم العالية، والمطالب الرفيعة السامية، اغتنموا أوقات شهر رمضان بالجد قبل فواتها، واعزموا على هجر البطالات.

стр. 1337

فضل من صامه وقامه لله عباد الله! استقبلوا شهر رمضان بنية واحتساب، وقد أخبر نبينا ﷺ فيما صح عن أنه قال: ﴿من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾. أمة الإسلام! لقد كان نبينا ﷺ يبشر أصحابه يقول: ﴿قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تُفتح أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب الجحيم, وتُغَل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم﴾. ذُكر في بعض الآثار: أن لله تعالى موضعاً حول العرش يسمى: حظيرة القدس، وهو من نور، وفيه ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله يعبدون الله لا يفترون ساعة، فإذا كانت ليالي رمضان استأذنوا ربهم أن ينزلوا إلى الأرض، ويحضروا مع أمة محمد ﷺ صلاة التروايح، فكل من مسهم أو مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، لما سمع عمر ﵁ ذلك قال: [[نحن أحق بهذا الفضل والأجر]] فجمع الناس على صلاة التراويح ﵁ وأرضاه.

стр. 1338

شهر رمضان موسم خير نعم يا عباد الله! إن شهر رمضان الذي اختاره الله زمناً لنزول القرآن، وانطلاقة الإيمان، وفرق فيه يوم بدر بين الحق والباطل، وانتقلت فيه الأمة من أمة حيرى متلطخة بأدران الوثنية، إلى أمة مستنيرة مهتدية بنور الإيمان، تتلقى تعاليمها من السماء بواسطة الوحي إلى النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، لا تدين إلا لله الواحد القهار وحده لا شريك له، وحينئذٍ ومنذ أن وُجد هذا الشهر، ونزل فيه القرآن في ليلة القدر المباركة التي هي خير من ألف شهر، وبركاته تتوالى على المسلمين، فلقد حصل فيه يوم الفرقان، يوم بد ر، يوم غزوة بدر الكبرى، التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، حصل في رمضان فتح مكة، الذي دخل الناس بعده في دين الله أفواجاً، فكما كان موسماً وزمناً لتلكم الفضائل والعبادات والوقائع الإسلامية، فهو لا يزال ولن يزال موسم إفضال وإنعام، موسم تحولٍ من غفلة وصدود إلى انتباه وإقبال على الله، موسم تحولٍ من رذيلة إلى فضيلة، موسم تحولٍ من تمادٍ وانهماك في الماديات، إلى تحليق في سماء الروحيات. وحري بهذه الأشياء أن توجد من نفس صاحبها نفساً روحية تحلق به في الدنيا مع عالم السماء الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون, وفي الآخرة مع الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠]. فاتقوا الله أيها المسلمون! واشكروه على ما منَّ به عليكم من إدراك هذا الشهر الكريم، والموسم العظيم، وتلقوه بنية صادقة، وعزم على الرشد، ورغب واستبشار، تلقوه بنفوس متهيئة لاستقباله بالتوبة الصادقة النصوح، والتطهير الشامل الكامل، بالعزم على فعل الفضائل، ومجانبة الرذائل. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، الملك المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام. أهل علينا شهر رمضان بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ووفقنا للصيام والقيام يا رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1339

الاستعداد لرمضان الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 1340

الاستعداد لرمضان بالتهيؤ للطاعة لا للمآكل والملاهي فيا عباد الله! اتقوا الله . عباد الله! قد اقتربت أيام شهر رمضان المبارك الذي يستعد له الجميع. فالمسلمون المؤمنون الصادقون يتأهبون لزيادة صلتهم بالله، عن طريق الصيام والقيام، وتلاوة القرآن، وسائر القربات إلى الله، فمن قام بهذه الأعمال بإخلاص نية لله محتسباً الأجر، فقد تاجر مع الله، وسوف يربح غداً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. أما الذين يستعدون لشهر رمضان باللهو والسهر والمتعة، ويعدونه شهر مجون وخلاعة، وشهر تنوع للمأكولات والمشروبات، فهؤلاء قد أسرتهم شهواتهم، وقيدتهم الذنوب والمعاصي، فلم يزدادوا بهذا الشهر المبارك إلا بُعداً عن الله . أمة الإسلام! إن العبودية الصادقة لله تعني أن يشعر المرء بالحب والذل والخضوع لله سبحانه وبحمده، وبهذا الحب والخضوع والذل، يخلِّص الإنسانُ نفسَه لخالقه جل وعلا، فيلتزم بأوامره، وينتهي عن نواهيه، ولا يمكن أن يأتي عملاً يُفقِد عبادتَه لله، أو يحبط عمله الصالح الذي يبتغي به وجه الله سبحانه وبحمده؛ لذلك فإن المسلم الصادق ينتهز فرصة شهر رمضان ليجدد إسلامه، ويستوثق الإيمان، ويقوم بطاعة الله . أمة الإسلام! لنحي شهر رمضان بقلوب مملوءة بالإيمان والحب، فنقول: أهلاً بك يا شهر رمضان، أهلاً بك يا شهر الصيام والقيام، أهلاً بك يا شهر تلاوة القرآن, أهلاً بك يا شهر عمارة المحراب، أهلاً بك يا شهر الرحمة، أهلاً بك يا شهر المغفرة، أهلاً بك يا شهر العتق من النيران. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله! إنه لا يخفى على الجميع ما أُصِبْنا به من موت إمام المسلمين خالد بن عبد العزيز، فلا يسعنا إلا أن نصبر ونسلِّم للقضاء والقدر، ونقول كما أمرنا الله : ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]. اللهم اجعل الولاية في عقبه خير ولاية، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نُزُله, ووسع مُدخله، وغسِّله بالماء والثلج والبرد، واجزه عن المسلمين خير الجزاء؛ لما قام به من جُهد وأداه من واجب. اللهم لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره، اللهم أصلح ولاة أمورنا، وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، والجلساء الصالحين الناصحين، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، الذين يذكرونهم ما نسُوا، ويعينونهم إذا ذَكَروا، يعينونهم على الخير ويحذرونهم من الشر. اللهم وفقنا وإياهم لفعل الخيرات وترك المنكرات، والتمسك بالكتاب والسنة يا رب العالمين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين، ولا تجعلنا وإياهم ضالين ولا مضلين. اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ولوالدِي والدِينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 1341

استقبال شهر رمضان [٢] صوم رمضان ركن من أركان الإسلام، وينبغي للصائم أن يحفظ صومه عما يجرحه، وأن يعمره بالطاعة، وأن يجتنب المعاصي والذنوب، فإن الحكمة من الصوم أن يغرس الصائم في نفسه خلق التقوى، ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

стр. 1342

الحث على الصلاة الحمد لله الذي أرشد الخلق إلى أكمل الآداب، وأنار بصائر المؤمنين فأدركوا الحقائق وطلبوا الثواب، وأعمى بصائر المعرضين عن طاعته فصار بينهم وبين هديه حجاب، أحمده وأشكره. وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العزيز الوهاب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث بأجل العبادات وأكمل الآداب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 1343

الحفاظ على الصلاة وفي جماعة فيا عباد الله! اتقوا الله ، وراعوا آداب الصيام، وحافظوا عليها، وقوموا بما أوجب الله عليكم من العبادات القولية والفعلية، التي من أهمها وآكدها الصلاة المفروضة التي هي آكد أركان الإسلام، والتي هي بمنزلة الرأس من الجسد، حافظوا عليها، وقوموا بأركانها وواجباتها وشروطها، أدوها في أوقاتها، في بيوت الله مع جماعة المسلمين فإن ذلك من التقوى، التي من أجلها شُرع الصيام، وفرض على الأمة، وإضاعة الصلاة منافٍ للتقوى، وموجب للعقوبة. مع الأسف الشديد أن من الصائمين من يتهاون بصلاة الجماعة مع وجوبها عليه، وقد أمر الله بالصلاة مع الجماعة في حال القتال والخوف، ففي حال الطمأنينة والأمن أولى وآكد. روى أبو هريرة ﵁ أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخص له ﷺ ، فلما ولى دعاه وقال: ﴿هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب﴾ رواه مسلم. فلم يُرخص له النبي ﷺ في ترك الجماعة مع أنه رجل أعمى وليس له قائد. أمة الإسلام! هناك مكبرات للصوت، وإذاعة تنقل الأذان، فلقد عظُمَت الحجة علينا يا أمة الإسلام.

стр. 1344

من آثار ترك الجماعة عباد الله! إن تارك الجماعة مع إضاعته الواجب قد حَرم نفسه خيراً كثيراً، فإن صلاة الجماعة مضاعفة بقول رسول الله ﷺ : ﴿صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة﴾. تارك الجماعة تفوته مصالح اجتماعية، منها: غرس المحبة والألفة. تعليم الجاهل. مساعدة المحتاج. تارك الجماعة يعرض نفسه للعقوبة ومشابهة المنافقين الذين أخبر عنهم رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما -أي: من الأجر- لأتوهما ولو حبواً﴾. ويقول ﷺ : ﴿ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة؛ فأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾. نعم يا أمة الإسلام! وعيد شديد من رسول الله، فيا ليت رسول الله يرى في رمضان تلك الصفوف المتراصة، ثم بعد رمضان تختفي كأن لم تكن أتت إلى المساجد، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وبئس القوم من لا يعرفون الله إلا في رمضان.

стр. 1345

آداب واجبة على الصائم عباد الله: من الآداب الواجبة على الصائم:

стр. 1346

آداب مأمور بفعلها أن يجتنب الصائم جميع ما حرم الله ورسوله، من الأقوال والأفعال، فيجتنب الكذب، يقول رسول الله ﷺ : ﴿إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّاباً﴾ متفق عليه. كذلك يجب على المسلم أن يجتنب الغيبة: وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، سواءٌ كان فيه ما تقول أم لم يكن، ولقد نهى الله عنها ورسوله، وأخبر النبي ﷺ أنه مر ليلة المعراج بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدروهم، فقال: ﴿من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم﴾. كذلك يجب على المسلم أن يجتنب النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس بطريق الإفساد، ويكفي فيه وعيداً أن النمام لا يدخل الجنة. كذلك يجب على المسلم أن يجتنب الغش في جميع معاملاته، فإن الغش من كبائر الذنوب، وقد تبرأ نبينا ﷺ ، من فاعل الغش فقال: ﴿من غشنا فليس منا﴾ والغش خديعة، وخيانة، وضياع للأمانة، وفقد للثقة بين الناس، وكل كسب من الغش فإنه كسب خبيث حرام، لا يزيد صاحبه إلا بُعداً من الله.

стр. 1347

آداب تتعلق بأمور يجب تركها عباد الله! أمة الإسلام! أمة لا إله إلا الله! يا من كنتم خير أمة أخرجت للناس! اجتنبوا المعازف بجميع أنواعها، واحذروا من سماعها، فإنها تنبت في القلب النفاق، وهي بريد إلى الزنا، وتزداد تحريماً وإثماًَ إذا اقترنت بأصوات مثيرة وأغانٍ شريرة، تدعو إلى الشر والفساد، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] الآية. صح عن ابن مسعود، وعن كثير من العلماء، أن هذه الآية نزلت في الغناء والمزامير. وقد أخبرنا نبينا ﷺ ، في معرض التحذير من المعازف، وقَرَنَها بالزنا، فيقول ﷺ : ﴿ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف﴾ رواه البخاري. فالحِرَ: هو الفرج، والمراد به الزنا. فمعنى يستحلون: أي يفعلونها فعل المستحل لها بدون مبالاة، وقد وقع هذا في هذا الزمان المظلم، فكان من الناس من يستعمل هذه المعازف، وهذه الأغاني والأفلام، والتمثيليات كأنها شيء حلال، اعتاض كثير من الناس بالأغاني والمعازف وعن ذكر الله، وعن مهام دينهم، وعن مهام دنياهم، وأصبح الكثير من الناس يستمعون لها أكثر من استماعهم للقرآن والأحاديث، وكلام العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فاحذروا أمة الإسلام، احذروا أيها المسلمون، احذروا نواقض الصوم ونواقصه، وصونوه عن قول الزور، والعمل به، وليكن عليكم وقار وسكينة، وليكن يوم صومكم ويوم فطركم سواء، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1348

التحذير من المعاصي في رمضان الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 1349

جريمة الإفطار من غير عذر فيا عباد الله! اتقوا الله ، اتقوا رب العالمين، اتقوا المطلع على السرائر وما تخفيه الصدور، واحذروا من الإفطار في نهار رمضان من غير عذر شرعي، احذروا فالله يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه. أمة الإسلام! يقول الإمام الذهبي ﵀: تقرر عند المؤمنين أن من ترك صوم رمضان بلا مرض، فهو أشر من الزاني، وأشر من مدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه؛ لأنه ترك ركناً من أركان الإسلام، ويظنون به الزندقة والانحلال. عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أُسس الإسلام، من ترك واحدةً منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان﴾ قال الذهبي: صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله له، لم يقض عنه صيام الدهر له، وإن صامه﴾. فيا أمة الإسلام! أجيبوا داعي الله إن كنتم مؤمنين، وادخلوا دار الصوم راشدين، واحرصوا على شعائر الدين، واحذروا من البدع في الدين، واحذروا أن تكونوا من المستهترين، الذين فسدت قلوبهم، وضلت عقولهم، وساءت أخلاقهم، فأفطروا في رمضان من غير عذر شرعي، وأعرضوا عن الرحمن، وهدموا من الإسلام الأركان، وأحلهم دار البوار ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٩]. اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاًَ لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل. اللهم انصر عبادك المجاهدين في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين لإعلاء كلمتك يا رب العالمين، اللهم انصرهم بنصرك، اللهم ثبت أقدامهم، وانصرهم على القوم الكافرين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين، اللهم أصلح أئمتنا، وولاة أمورنا، وأرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا وإياهم اجتنابه. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا اغفر لنا ولوالدِينا ولوالد والدِينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 1350

اللواط [١] لقد نكل الله تعالى بقوم لوط وسامهم في الدنيا سوء العذاب جزاء اقترافهم أقبح الجرائم وأشنعها بعد الإشراك بالله، ألا وهي جريمة اللواط، تلك الجريمة التي يقشعر من ذكرها الجلد، ويندى لها الجبين، وتنبو عنها الأسماع، وتنفر الطباع. ولقد كان حكم الشريعة الإسلامية في مرتكبي هذه الجريمة أن يقتل الفاعل والمفعول به.

стр. 1351

فاحشة قوم لوط الحمد لله على نعمة الإسلام، وأنعم به من دينٍ! أحل الله به الحلال وحرم الحرام، أباح الطيبات وندب إليها، وحرم الخبائث ونهى عنها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنزل على عبده الكتاب المبين، فيه البشارة والنذارة، والوعد والوعيد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ البلاغ المبين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله . عباد الله: جاء في القرآن الكريم ذكر أمة من الأمم لها فعلٌ وخيمٌ لم تسبق إلى مثله، إن تلك الأمة جاءت بعارٍ شنيع فعُيرت بذلك الفعل الوخيم، وعذبت به عذاباً سُطِّر خبره في كتاب الله ؛ ليكون تحذيراً للأمة الإسلامية؛ لأمة محمد ﷺ ، وما أدراك ما تلك الأمة التي فعلت تلك الجريمة الشنعاء، التي يقشعر من ذكر جريمتها الجلد، ويندى لها الجبين؟ إنهم قوم لوط؛ الذين أخبر الله عنهم في كتابه المبين حيث قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] فهي فاحشةٌ عظيمةٌ ووخيمةٌ، كيف لا؟! والله يذكرها في مواضعٍ من كتابه بذكر وتصريح فتشمئز منها القلوب، وتنفر عنها الطباع أشد نفرة، ألا وهو إتيان الرجل رجلاً مثله! فيقول الله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف:٨١] والإسراف هو: مجاوزة الحد، ثم وصف الله جل وعلا تلك الأمة بوصفين في غاية القبح، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء:٧٤] وسماهم مفسدين، وسماهم ظالمين، والآيات فيهم في كتاب الله كثيرة معلومة. عباد الله! إنه ليس في المعاصي مفسدةٌ أعظم من مفسدة اللواط، فهي كبيرةٌ عظيمةٌ وفاحشةٌ شنعاء، وهي التي تلي مفسدة الكفر، ولم يبتلِ الله بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحداً من العالمين، فلهذا عاقبهم الله عقوبة لم يعاقب بها أمةً غيرهم.

стр. 1352

عقاب الله لقوم لوط أيها المسلمون: لقد جمع الله على قوم لوط أنواعاً من العقوبات منها: الإهلاك، وقلب ديارهم وخسفها بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذبهم وجعل عذابهم مستمراً، فنكل بهم نكالاً لم ينكله أمةً سواهم، وما ذاك إلا لعظيم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة من أقطار والسماوات والأرض إذا شاهدوها؛ خشية نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها لشناعة هذه الجريمة.

стр. 1353

عقوبة من عمل عمل قوم لوط في الإسلام ثم إن شريعة الإسلام جاءت بأرقى الآداب وأسمى الأخلاق، ونحمد الله الذي اختار لنا الإسلام ديناً، واختار لنا محمداً رسولاً، واختار لنا القرآن دستوراً، ولما كانت تلك الجريمة تتنافى مع الأخلاق والآداب، وتغضب الجبار جل وعلا، جاء فيها وعيدٌ شديدٌ عن رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾ وسئل ابن عباس ﵄ في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم، وعن جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط﴾ وفي الحديث: ﴿إذا كثرت اللوطية؛ رفع الله يده عن الخلق، فلا يبالي في أي وادٍ هلكوا﴾. وروى الطبراني والبيهقي: ﴿أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخطه، قلت: يا رسول الله! من هم؟ قال: المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، واللوطي﴾. وقال ابن عباس ﵄: [[إن اللوطي إذا مات من غير توبة، مسخ في قبره خنزيراً]] لذلك حرّم كثيرٌ من العلماء الخلوة بالأمرد في نحو بيتٍ ودكان، وما ذاك إلا لخوف الوقوع في هذه الفاحشة العظمى. وورد في الحديث القدسي: ﴿النظر سهمٌ مسموم من سهام إبليس من تركه مخافتي؛ أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه﴾ ولما كانت الخلوة بالأمرد من الأسباب الداعية إلى الوصول إلى تلك الجريمة الشنعاء؛ حرمه العلماء، وهذا سفيان الثوري رحمة الله عليه لما دخل عليه في الحمام صبي حسن الوجه، قال: أخرجوه عني فإني أرى مع كل امرأةٍ شيطاناً، ومع كل صبي بضعة عشر شيطاناً. فهؤلاء هم أرباب القلوب الحية، الخائفون أن تزل قدمٌ بعد ثبوتها. أيها المسلمون: إن جريمة اللواط جريمة شنعاء وفاحشةٌ عظيمةٌ، ولذلك اختلف في كيفية قتل هذا المجرم الذي عَمِلَ عَمَل قوم لوط، فروي عن الصديق أبي بكر ﵁ وأرضاه أنه أحرق رجلاً يعمل عمل قوم لوط بعدما استشار من اجتمع عنده من الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك أحرق بالنار من عمل عمل قوم لوط ابن الزبير ﵁ وأرضاه، وهشام بن الوليد، وقال ابن عباس ﵄: [[يرمى من أعلى شاهقٍ في البلد منكساً، ثم يتبع بالحجارة]].

стр. 1354

حكم توبة اللوطي ومن تاب تاب الله عليه، وقد استقرت حكمة أحكم الحاكمين وأعدل العادلين أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد ضمن الله تعالى لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنا أنه يبِّدل سيئاته حسنات، وهذا حكمٌ عامٌ لكل تائب من الذنب إذا أقلع وتاب إلى الله، وعزم على عدم العودة إلى الذنوب، فإن الله يتوب عليه، والله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] ويقول الرب الرحيم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ [الفرقان:٧٠ - ٧١]. فهذا رب العالمين يحث المسرفين على التوبة، ويدعو العصاة إلى أن يطرقوا باب الكريم الرحيم التواب: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾ [الزمر:٥٣] ارجعوا إلى الله، وتوبوا وأنيبوا إليه ما دمتم في وقت الإمكان قبل أن ينزل هادم اللذات ومفرق الجماعات، فتقول نفس: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦]. اللهم ارزقنا توبةً نصوحاً تطهر بها قلوبنا وتمحي بها ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1355

ضرورة التحذير من عمل قوم لوط الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، المحذر من سخطه وعصيانه، الناصح لأمته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، واحذروا من أسباب سخطه وعقابه، وخذوا على أيدي سفهائكم وأطروهم على الحق أطراً، وحذروهم من فاحشة اللواط، وحذروهم من الجريمة الشنعاء التي تشمئز منها القلوب، وتقشعر منها الجلود، وأعلموهم أن أهلها ومتعاطيها على خطرٍ عظيمٍ من عذاب الله العاجل والآجل؛ كما أخبر الله ﵎: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢] أي: مطبوق: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. قال قتادة وعكرمة رحمهما الله: يعني ظالمي هذه الأمة، وما هذا العذاب من ظالمي هذه الأمة ببعيد. فهؤلاء قوم لوط ما أجار الله منهم ظالماً، بل جعلهم آيةً للعالمين، وموعظةً للمتقين، وسلفاً لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم في طريق السالكين، وأمر جبريل ﵇ فأدخل جناحه تحت منازلهم فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها وأمطرت عليهم حجارةٌ من سجيل، وكانت تلك القرى فيما ذكر أربع قرى، وقيل: خمس فيها أربعمائة ألف، وما يعجز الله من شيء، فقلبها عليهم وما يتبعها من الضواحي فنسأل الله العفو والعافية. ويروى في الحديث: ﴿لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء، وتصيب طوائف من هذه الأمة حجارةٌ من ربك﴾ فلما عتوا وتمردوا واستمروا على العمل الخبيث، أخذهم أمر الله وهم نائمون، وجاءهم بأسهم وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما يكسبون. تقلبوا على تلك اللذات طويلاً، فأصبحوا بها يعذبون، ورتعوا مرتعاً وخيماً، فأعقبهم عذاباً أليماً، فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه، فجرت دموع الدم، ويقال لهم وهم إلى العذاب يسحبون: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر:٢٤] ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. فاتقوا الله -عباد الله-: واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون، وتوبوا إلى الله جميعاً -أيها المؤمنون- لعلكم تفلحون، وخذوا على أيدي السفهاء وذودوهم عن مراكع الهلكة، فإنكم عنهم مسئولون أمام الله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وصلوا على أفضل خلق الله محمد بن عبد الله؛ امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً؛ صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على من بلغ البلاغ المبين، ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن جميع أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم اقمع أهل الشر والفساد والعناد الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم اقمعهم، اللهم اكبتهم، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، وما يئوون إليه من الفساد واجعل دائرة السوء عليهم يا رب العالمين! اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم وفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه، وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعينٍ لنا يا رب العالمين! اللهم جنبنا وإياهم جميع المنكرات، وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين! اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداةً مهتدين -يا رب العالمين- غير ضالين، ولا مضلين، ولا مفتونين، ولا مغيرين، ولا مبدلين يا رب العالمين. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط، والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوفٌ رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1356

اللواط [٢] إن اللواط من أخطر الفواحش على الفرد والمجتمع؛ لأنها محاربة لله بالمعاصي وخلع لجلباب الحياء والمروءة، وتخل عن صفات أهل الرجولة والشهامة، وتحل بصفات البهائم، ولقد حذر الرسول ﷺ من هذه الجريمة الشنيعة، وأجمع العلماء على تحريمها وكل أمر ووسيلة تؤدي إليها، وقد ذكر الله في القرآن قصة قوم لوط وما جمع عليهم من أنواع العذاب، وماذاك إلا لشناعة هذه الجريمة وقبحها.

стр. 1357

التحذير من اللواط إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وانتهوا عما نُهيتم عنه لعلكم تفلحون. عباد الله: تكلمنا في الجمعة الماضية عن الشق الأول من الفواحش القبيحة وهي فاحشة الزنا ذلك المرض الخلقي الخبيث، وحديثنا في هذا المقام عن الشق الثاني وهي جريمة اللواط. عباد الله: إن اللواط يعتبر من أخطر الفواحش على الفرد والمجتمع، تلك الفاحشة النكراء والمصيبة العظمى التي تسلب الرجولة سلباً، وما أقرب اللواط من القاذورات والأوساخ!! وما أبعده عن الرجولة والذوق السليم!! إن هذا الفعل المشين يعبر عن الفوضى الخلقية في أوسع حدودها، وعن الهمجية في أبشع مظاهرها. عباد الله: من عمل عمل قوم لوط، فقد حارب الله تعالى بالمعاصي، وخلع جلباب الحياء والمروءة، وتخلّى عن شعائر وصفات أهل الشهامة والرجولة، وتحلّى بصفات البهائم، بل إن البهائم أفضل منه، فلا نجد حيواناً ينكح ذكراً مثله، نعم. فالحيوان مفطورٌ على النفور من هذا العمل الدنيء، وناهيك برذيلة تعف عنها الحمير، فكيف يليق فعلها بمن هو في صورة عاقل رشيد؟! فيكون أسفل من الحيوان همة، وأنتن من الجيفة، فمن كان هذه حاله، فهو من أكثر الناس خزياً وذلاًً، فبعداً له وسحقاً. روى ابن حبان وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله من عَِملَ عَمَل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط﴾ وروى الطبراني عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا كثر اللوطية، رفع الله يده عن الخلق، فلا يبالي في أي وادٍ هلكوا﴾. وروى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى رجلاً، أو امرأةً في دبرها﴾. هذا واللوطية في هذه الأمة على أصناف ثلاثة: صنف ينظرون. وصنف يصافحون. وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث. فاتق الله يا عبد الله! واحذر أن تكون واقعاً في أحد هذه الأصناف، فتهلك من حيث لا تشعر، واحفظ جوارحك عن الحرام.

стр. 1358

التحذير من مخالطة المردان هذا وقد أجمع العلماء على تحريم النظر بشهوة إلى الشباب المردان والنساء الأجنبيات، عملاً بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] ولهذا بالغ الصالحون في الإعراض عن الشباب المردان وعن النظر إليهم وعن مخالطتهم ومجالستهم، قال الحسن بن ذكوان ﵀: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صوراً كصور العذارى، وهم أشد فتنةً من النساء، وقال بعض التابعين: [[ما أنا بأخوف على الشاب الصالح من سبعٍ ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه]] ومعنى كلامه ﵀: قد لا أخاف على الشاب الصالح من السباع الضارية بقدر ما أخاف عليه من الشباب الصغار، خوفاً من الفتنة، والفتنة أشد من القتل. وتحرم الخلوة بالشاب الأمرد في نحو بيتٍ، أو دكان، أو نحو ذلك كالمرأة، بل من المردان من يفوق النساء بحسنه، فالفتنة به أعظم، ولأنه يتيسر في حقه من طرق الريبة والشر ما لا يتيسر في حق المرأة، لاضطرار المخالطة، فهو بالتحريم أولى. وأقوال السلف في التنفير عنهم، والتحذير من رؤيتهم أكثر من أن تحصر، فقد نهوا عن مجالستهم ومصاحبتهم، ولو كان الرجل صالحاً. قال بعض التابعين: [[إذ رأيتم الرجل يحب النظر إلى الأمرد، فاتهموه في دينه]] وقال سفيان الثوري: [[إني أرى مع كل امرأةٍ شيطاناً، ومع كل صبيٍ بضعة عشر شيطاناً]] وجاء رجل إلى الإمام أحمد ﵀ ومعه صبيٌ حسن الوجه، فقال له: من هذا منك؟ فقال الرجل: هو ابن أختي. قال: لا تأتي به إلينا مرة أخرى، ولا تمش معه في طريق، لئلا يظن بك من لا يعرفك ويعرفه سوءاً. وقال هشام بن عبد الملك ﵀: لولا أن الله تعالى ذكر فعل قوم لوطٍ في القرآن ما صدقت أن ذكراً يركب ذكراً. فيا من هو واقعٌ في هذا الداء الخطير، إن حبك لهذا الشيء يدل على فساد طبعك وهبوط ذوقك، وإنك بهذا قد أغضبت ربك ونشرت الرذيلة في مجتمعك، وفقدت رجولتك، وإن متعاطي هذا الفعل الذميم لا يوثق به أن يخلو ولو ببهيمة.

стр. 1359

قبح اللواط في الشرع والفطرة وقد اختلف رجلان في قبح اللواط، هل هو قبيحٌ من جهة الشرع فقط أو الطبع فقط، أو أن قبحه من الناحيتين الشرعية والفطرية، فحكَّما بينهما رجلاً لم تتدنس نفسه بهذا المنكر، وارتضيا أن يكون حكمه فاصلاً بينهما. اسمع يا من ابتليت بهذا الداء الدفين، الذي يحصد الرجولة حصداً إلى ما قال هذا الرجل الحكيم، إن كان لك قلبٌ يعي، أو أذنان تسمع بهما. قال: شيء أفر منه في الطريق إذا رأيته، فكيف أدخل عليه في وكره؟

стр. 1360

أضرار اللواط وعقوبة أهله وأن مما يسببه هذا الفعل المشين: الانحطاط الخلقي، والتأثير على أعضاء التناسل، والإصابة بالأمراض الرهيبة التي تنتقل عن طريق التلوث بالمواد البرازية، ولهذا كانت عقوبة متعاطيه شديدة؛ لعظم المعصية، قال ﷺ : ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾ ولهذا أجمعت الأمة على قتل الفاعل والمفعول به إذا كان راضياً سواء أكانا محصنين، أو غير محصنين، وإنما اختلفوا في كيفية قتلهما، فمنهم من رأى إحراقهما، ومنهم من رأى ضربهما بالسيف، ومنهم من رأى إيقاعهما من أعلى مكان في البلد، ثم يتبعان بالحجارة كما فعل الله بقوم لوطٍ الظالمين، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣]. نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا وقلوب المسلمين عامة من أدران الذنوب والمعاصي، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1361

قصة قوم لوط وعقاب الله لهم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً. أما بعد: أيها المسلمون: اعلموا أنه كان فيمن مضى قبلكم من الأمم أمة كاملة بشبابها وشيبها أصيبت بهذا الداء الخطير -المعروف باللواط- حتى أصبح يُمارس في مجتمعاتهم وأنديتهم، وهم أول من سن هذا العمل القبيح على وجه البسيطة الذي يسمى في الوقت الحاضر بالشذوذ الجنسي، ولقد استشرى الشذوذ بينهم، واشتهروا بهذا العمل الخبيث حتى إنه لم ينج منهم ضيفٌ، أو غريب، أو عابر سبيل، فأرسل الله إليهم نبيه لوطاً ﵇، يدعوهم إلى الطهر والعفاف، ويحذرهم من شؤم المعصية وسوء العاقبة، فلم يصغوا، بل صموا آذانهم، وسخروا منه، وأجابوه إجابة كل مجتمع جاهلي يسمي الفضيلة رجعية، ويسمي الاحتشام تأخراً، ويسمي الالتزام بالإسلام تعصباً، ويسمي الدعارة فناً، ولم يعبئوا بنصح لوط ﵊، بل لجوا في طغيانهم يعمهون: ﴿قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت:٢٩]. فأرسل الله تعالى ملائكته لإنزال العذاب بهم، فجاءوا إلى نبي الله لوطٍ ﵇ في صورة ضيوف من البشر، وجاء أهل المدينة يستبشرون وأرادوا الفاحشة منهم، فقال لهم نبي الله: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] ويريد بذلك نساء القرية بالزواج الحلال، قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود:٧٩ - ٨١] لأنها كانت كافرة وتخبر القوم بمن أتى إلى لوط، ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨١ - ٨٣] أي: من هذه الأمة إذا فعلوا فعلهم، فأهلكهم الله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٣٥]. ولقد ذكر الله تعالى عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سورٍ من القرآن، وجمع عليهم من العذاب مالم يجمعه على قوم قبلهم، جمع بين عمى الأبصار، وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار، وقال محذراً لمن عمل عملهم، وصفاً لما حل بهم من العذاب الشديد: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] فتذهب اللذات وتبقى الحسرات، وتفنى الشهوة وتبقى الحسرة. تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الخزي والعار تبقى عواقب سوءٍ في مغبتها لا خير في لذةٍ من بعدها النار هذا وفي نفس الطريق الذي أدى بقوم لوطٍ إلى الهواية يتبعهم الغرب ومن سار على نهجهم اليوم بحضاراتهم المادية الجنسية حذو النعل بالنعل، وقد يعجب الإنسان ويتساءل: لِِمَ لَمْ تجرِ عليهم سنة الله في قوم لوط؟ وهو سؤال ينم عن صفة العجلة في الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج:٤٧] وإذا أردت معرفة الإجابة، فتدبر قول الله : ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر:٢١]. هذا وصلوا على النبي المصطفى، -نبيٍ ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه- امتثالاً لأمر ربكم حيث يقول جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المجاهدين في سبيلك يا رب العالمين، اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، وأدر عليه دائرة السوء يا رب العالمين! اللهم أصلح ووفق ولاة أمور المسلمين، وارزقهم المستشارين الأمناء الناصحين، اللهم أصلح أولاد المسلمين، وجنبهم جلساء السوء من الفجرة والفاسقين، اللهم اجعلنا من الذي إذا أحسنوا؛ استبشروا، وإذا أساءوا؛ استغفروا، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا؛ لنكونن من الخاسرين. اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، وفرج كرب المحزونين، واقض الدين عن المدينين، واشفِ مرضى المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1362

التعجيل بالتوبة [١] من أعظم الواجبات التي تتوقف صحة إيمان المسلم عليها: الإيمان باليوم الآخر، وعليه تتوقف سعادته أو شقاؤه، فعلى المسلم أن يستعد لذلك اليوم بالإيمان الصادق والعمل الصالح والمسارعة بالخيرات قبل أن يفجأه الموت؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، فهو في نعيم أو عذاب إلى أن ينفخ في الصور وتعرض الخلائق يوم العرض الأكبر للحساب والعقاب، فإما إلى جنة عرضها السماوات والأرض أو إلى نار وقودها الناس والحجارة.

стр. 1363

الإيمان باليوم الآخر الحمد لله الذي أوضح سبل هدايته لأرباب ولايته وأدنج، وحرك أهل عبادته إلى التوبة النصوح وأزعج، وأدى بدائع قدرته في محكم صنعته وأخرج، وينزل إلى السماء الدنيا، فينادي العباد: أين الذي بالمناجاة والاستغفار يلهج؟ ليجيب الدعوات، ويغفر الزلات، ويعطي المسئولات، وهو أهل الكرم والسماح، الذي لا يخيب من رجاه، ولا يطرد من عصاه إذا تاب مما جناه وأناب، هو المعروف بالربوبية المتفرد بحقيقة الوحدانية، فسبحانه من إله مطلع على الضمائر يعلم ما تكن وما تعلن! أحمده على ما يسر لعباده من الأمور، وأشكره وأثني عليه بما صرف من المكروه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله بالهدى والصلاح صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه. عباد الله: إنه لا يتم إيمان المسلم إلا بعد أن يؤمن باليوم الآخر، وهو يوم القيامة، سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عن الإيمان، فقال: ﴿أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره﴾ واليوم الآخر هو يوم القيامة. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن:٩ - ١٠]. أمة الإسلام: حقٌ على كل إمام، أو واعظ، أو مرشد أن يبين للأمة الإسلامية خطر يوم القيامة، لأن البعض من الأمة الإسلامية كاد أن يغفل عن يوم القيامة، والبعض منهم كاد أن ينكر يوم القيامة، نعوذ بالله، عياذاً بالله من سوء الخاتمة. عباد الله: حقاً إن أمر القيامة عظيم، وشأنها جسيم، وموعدها قريب، فإن من مات قامت قيامته، وانتقلت روحه إلى الجنة أو إلى النار، ونال جسمه في قبره نعيمٌ أو عذاب، فالقبر إما روضةٌ من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. تذكر -يا أخي المسلم- إذا أهل عليك إخوانك المسلمون التراب، إذا صفوا عليك اللبنات، وأهلوا عليك التراب، وتركوك وحيداً فريداً في قبرك، فنعيم القبر أو عذابه حقٌ ثابتٌ للبدن والروح، ثابتٌ في الكتاب والسنة، وبإجماع الأمة، وهو من الإيمان بالغيب الذي لا ينكره إلا ملحد معاند، وقد استعاذ نبينا ﷺ من عذاب القبر، وأمرنا بالاستعاذة في كل صلاة بعد التشهد.

стр. 1364

أهوال القيامة إذا تمت المدة المقدرة لهذا العالم، وتمت مدتهم في قبورهم، أمر الله جل وعلا إسرافيل بنفخ الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] أي: ماتوا إلا من شاء الله، ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة البعث: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر كيف حالنا إذا قمنا ننفض التراب عن رءوسنا؟ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاةً عراةً غرلاً فرادى كما خلقوا أول مرة، ليس معهم شيء سوى أعمالهم من حسنات أو سيئات. إنه يوم القيامة، يوم يقرع القلوب هوله، يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، وتكون الجبال فيه كالعهن المنفوش: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٣] فسرها الله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥] الجبال التي تضرب بالديناميت فيعجز عنها البشر أن يدكوها إلا بعد زمن طويل، وإذا قامت القيامة، صارت كالعهن المنفوش، وتدنو الشمس من رءوس الخلائق، ويشتد الحر، ويعظم الهول، في يوم القيامة تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، في يوم القيامة تبرز الخلائق لله الواحد القهار، والملائكة محيطةٌ بهم صفاً صفاً.

стр. 1365

انقطاع الصلات والعلائق إنه يوم عظيم يتناسى فيه الحبيب حبيبه وتنقطع الأنساب، ويتبرأ الأنساب، ويفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، يوم القيامة يومٌ يشيب فيه الولدان لشدة هوله، يوم القيامة يوم تضع الحوامل فيه حملها، يوم تذهل فيه كل مرضعةٍ عما أرضعت، إنه يوم ما أطوله حيث يقدر بخمسين ألف سنة! ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّت الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣] يتأسف على عمره الذي أمضاه في الحياة الدنيا، يتذكر وأنى له الذكرى؟! إنه يوم عظيم يجاء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمامٍ سبعون ألف ملك يجرونها، لها تغيظ وزفير، في ذلك اليوم العظيم يحاسب الله الخلائق ويجزي كلاً بعمله ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] من أين له ذلك اليوم أن يرد المظالم؟! فأعطوا الناس حقوقهم؛ لأن في يوم القيامة يفرح أهل الحقوق بحقوقهم ذلك اليوم، وفي ذلك اليوم العظيم يعطى كل إنسان نتيجة، وهم متفاوتون في ذلك الموقف العظيم منهم المسرور الفرح، ومنهم المغموم الترح.

стр. 1366

حال أهل النعيم أما المؤمنون، فتبيّض وجوههم وتثقل موازينهم بالحسنات، ويردون حوض نبيهم محمد ﷺ ، الحوض الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبداً، يمرون على الصراط على حسب أعمالهم في السرعة وعدمها، قال الله تعالى ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر:٧٣] يا الله من فضلك! وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] فتتلقاهم خزنتها يسلمون عليهم، ويهنئونهم بسلامة الوصول إلى دار النعيم والسلامة من عذاب الجحيم، يهنئونهم بما في الجنة من الخلود الأبدي في ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، من نعيم القلوب والأرواح والأبدان، وتمام ذلك أن يحل عليهم الرب ﷻ رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً، ويقال لهم: إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصِحُّوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً. ولهم نعيمٌ أجل من ذلك وأعلى، وهو التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع خطابه والابتهاج برضاه، عند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤].

стр. 1367

حال أهل الجحيم أمة الإسلام: يا من تريدون النجاة من النار! وتزحزحون عنها، وتدخلون الجنة عليكم بالعمل الصالح، الله الله جدوا بالمسابقة إلى طاعة الله، فإن طريق الجنة يسير على من يسره الله عليه، هو الإيمان الصادق بالله، والعمل الصالح، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وامتثال الأوامر وتطبيقها، ليس الإشارة بالصدر كما يقول بعض الجهال: التقوى هاهنا، صحيح التقوى هاهنا ولكن كل إناء بما فيه ينضح، إذا كانت التقوى في القلب، وإذا كان القلب فيه تقوى وإيمان، فإن الإيمان ينضح على الجوارح، بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والتوبة النصوح من جميع الذنوب في جميع الأوقات، والإنابة إلى الله تعالى في كل وقت وحين، وكثرة ذكره ودعائه واستغفاره حتى تنجوا من مأوى الكفار والمجرمين والمشركين والعصاة والملحدين، فإنهم يخرجون من قبورهم قلقين فزعين مرعوبين خائفين يحملون أوزارهم على ظهورهم، ألا ساء ما يزرون، فيحاسبهم الله على ما أسلفوا من الجرائم، ويخزيهم بين الخلائق، فتسوّد وجوههم، وتخف موازينهم من الحسنات، ويعطون كتب أعمالهم بشمائلهم، ويساقون إلى جهنم جياعاً عطاشاً، قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١] هل ينكرون: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢] ويقول الله لهم أيضاً بعدما يسألونه بعد حين طويل: ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ففي ذلك الحين يأخذون في الزفير والشهيق، وييأسون من كل خير، ومن كل فرج وراحة، ويتيقنون الخلود الدائم والعذاب الأبدي المستمر. ما أشد شقاءهم يا عباد الله! وما أعظم عناءهم! ينوع عليهم العذاب، ينوعون بالسعير المحرق لظهورهم وبطونهم ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] وتارةً بالزمهرير الذي بلغ من برده أن يهري اللحوم، ويكسر العظام، وتارةً يعذبون بالعطش والجوع المفزع، ثم يسقون ويطعمون بالغسلين والزقوم والضريع، ومع ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:١ - ٧] الفرق البين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:٨ - ١٦]. اللهم نجنا من النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار! اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه من صالح الأعمال يا رب العالمين! وجنبنا ما تبغضه وتأباه من سيئ الأعمال يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1368

العرض للحساب في القيامة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشكره، وأسأله المزيد من فضله العميم، وأعوذ به من نار الجحيم، وأسأله من فضله جنات النعيم إنه على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب الأرض والسماوات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه المسارعين إلى الخيرات، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، فقد حذركم من أليم عقابه، وتوعد العاصين بالنار، فاحذروا عباد الله النار! احذروا يا عباد الله النار! فإنه لا صبر لكم عليها، ولا مهرب لكم عنها ولا فرار، ولن ينجيكم منها إلا تقوى الله ، لن ينجيكم من النار إلا تقوى الله ، لن ينجيكم من النار إلا تقوى الله والتمسك بكتابه وسنة نبيه ﷺ . عباد الله: بينما الناس في كرب القيامة وأهوالها إذْ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأطلت عليهم نارٌ ذات لهب، وسمعوا لها تغيظاً وزفيراً من شدة الغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب، وعاين الظالمون سوء المنقلب، وخرج المنادي قائلاً: أين فلان بن فلان المسوف نفسه بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل، فيبتدرونه بمقامع من حديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وما فيه من الزمهرير والصديد، فعياذاً بالله من النار، وما فيها من العذاب.

стр. 1369

التحذير من النار روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها﴾ وري عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، حتى لو أن رجلاً في أقصى السوق لسمعه، وسمع أهل السوق صوته وهو على المنبر حتى وقعت خميصةٌ كانت على عاتقه عند رجليه﴾. رواه الإمام أحمد. اعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض الله عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات الأرض يا ذا الجلال والإكرام! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يستجاب له. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على الكافرين الذين يعدون العدة على دينك وعلى أمة الإسلام، اللهم حاربهم بعدلك وقوتك يا رب العالمين! اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، فأنت حسبنا ونعم الوكيل. اللهم أصلح إمام المسلمين، وأئمة جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه، وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه يا رب العالمين. اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، واجعلهم قرة أعين لوالديهم يا رب العالمين! اللهم اجعلهم سلماً لأوليائك حرباً لأعدائك، اللهم انصر بهم دينك يا رب العالمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم حبب إلينا الإيمان جميعاً وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين! ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، واسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، اللهم أرسل السماء علينا مدراراً، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذابٍ، ولا هدمٍ، ولا بلاءٍ، ولا غرق، اللهم أغث عبادك، اللهم أغث عبادك، اللهم احيي بلدك الميت، اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1370

التعجيل بالتوبة [٢] لقد توعَّد الله تعالى المعرضين عن التوبة والإنابة إليه بالعذاب الأليم؛ وأمر عباده بالمبادرة بالتوبة قبل حلول الأجل ونزول الموت. والتوبة النصوح هي: الندم المثمر بالإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة إليه.
следующие страницы →