← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحذر من الدنيا ثم ينصحنا ويرشدنا جزاه الله خيراً ويقول: فلا تغرَّنك الدنيا وزينتها وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن انظر إلى آدم وذريته أين هم؟ إلى نوح وقومه، وعاد وقومه، وصالح وقومه، ولوط وقومه، وقريش، إلى آبائنا، وأجدادنا إلى آخر ذلك أين هم؟! فهذه الحياة ممر، كلنا نمر ونمشي حتى يأتينا هذا الحتم ثم نموت، ولكن المحظوظ -يا عباد الله- الذي يعمل صالحاً: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] ولا تغرنكم الحياة الدنيا -يا عباد الله- فإنما هي أيامٌ قلائل وسوف تنتهي. فلا تغرَّنك الدنيا وزينتها وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الزاد والكفن نعم. نخرج مع الملوك والأمراء، والتجار، والفقراء إذا ماتوا فما نرى أحد منهم أُدخل معه في قبره شيء، ولكن ماذا لو أخذ معه مال؟ مليار، أو عشرة ملايين، أو مليون هل يعطي منكر ونكير رشوة قد يخففوا بها عنه؟ لا. كلهم لم يذهبوا إلا بالكفن، ثم الكفن بعد أيام تأكله الأرض، والبطن تفقع ثم تلقى الدود -نسأل الله العافية- ثم يكون رفاتاً، ثم يكون تراباً، وفي يومٍ من الأيام يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، فتجتمع تلك الأجسام كما خلقها أول مرة جلَّ وعلا، ثم يبعثون إليه، ثم يحاسب كلٌ بعمله إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً. خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن يا نفس كُفي عن العصيان واكتسبي فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني اللهم ارحمنا جميعاً بواسع رحمتك، اللهم ارحمنا جميعاً بواسع رحمتك، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا، اللهم أيقظنا من غفلاتنا بفضلك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم تجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك، اللهم ألحقنا بالذين أنعمت عليهم في دار رضوانك، وارزقنا ما رزقتهم من لذيذ مناجاتك، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات واجمعنا اللهم جميعاً في مستقر رحمتك، واجعلنا من الواردين على حوض نبيك محمد ﷺ ، واسقنا اللهم شربةً هنيئةً مريئةً، لا نظمأ بعدها أبداً، وأظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك إنك أنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، لا إله إلا أنت يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 177

من آثار الذنوب والمعاصي إن الذنوب والمعاصي إذا انتشرت وعمت في هذه الأمة، ولم يردعها رادع غار الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، وأنزل عقابه الأليم وسخطه الشديد على عباده لتماديهم في ارتكاب المنكرات. وفي هذه المادة تحذير من الذنوب والمعاصي وبيان أنواعها وتأثيرها على الأمة في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 178

المعصية الأولى: الشرك بالله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداًَ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ترك أمته على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فأكثروا عليه من الصلاة والتسليم امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الإخوة في الله: حياكم الله في بيت من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً. اللهم لا تجعل منا ولا فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين. إخواني في الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني في الله: الموضوع كما علمتم هو: (التحذير من آثار الذنوب والمعاصي). الذنوب والمعاصي -أيها الإخوة في الله- لها تأثير على الأبدان، ولها تأثير على القلوب، ولها تأثير على الأرض في نقص البركات، وغور المياه، وحلول الأمراض المستعصية التي ذكرها رسول الله ﷺ . فإذا حصلت الذنوب والمعاصي وانتشرت، فإنها تحل أمراض مستعصية تستعصي على الأطباء، فلا يوجد لها علاج، وصدق رسول الله ﷺ ، وقد حصل -والله- ما أخبر به رسول الله ﷺ . فأول ذنب، بل أعظم ذنب عُصي الله به في أرضه هو الشرك يا أمة محمد ﷺ ، الشرك الذي من ارتكبه لا يغفر الله له ذنوبه إلا أن يتوب توبة نصوحاً، وإن مات من غير توبة فإنه مخلد في النار والعياذ بالله، يقول الله جل وعلا لرسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. والرسول ﷺ يقول محذراً من الشرك: ﴿من مات وهو يشرك بالله شيئاً دخل النار﴾ نعوذ بالله من النار. إذاً: يا أمة محمد ﷺ ! الله ﷻ ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. ومعنى يعبدون أي: يوحدون، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر -والعياذ بالله نسأل الله العفو والعافية- مثل: دعاء الأموات، والتوسل بالأموات، والطواف بالقبور، والنذور لأهل القبور، وصب العسل والسمن على القبور، وطلب الحاجات، وطلب تفريج الكربات، وطلب شفاء الأمراض من أهل القبور، هذا شرك؛ لأنه صرف شيئاً من أنواع العبادة لا يقدر عليه إلا الله . فالله هو الذي يشفي المرضى، ويقضي الحاجات، ويفرج الكربات، ويغيث اللهفات، ويحيل الشدائد والبليات. لذلك يقول إبراهيم خليل الرحمن كما حكى الله عنه لما كسَّر الأصنام، ووثبوا عليه ليُحرقوه في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وفوض أمره لله الواحد القهار، وتبرأ من أولئك، قال الله جل وعلا مخبراً عنه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٧ - ٨١]. آمنا بالله وعليه توكلنا. الله ﷻ الذي قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] سبحانه وبحمده! ورسول الله ﷺ ضرب لنا مثلاً في هذا، وكذلك الأنبياء والمرسلين، والله جل وعلا طلب من أممهم أن يقتدوا بهم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. إخواني في الله: نحن ولله الحمد والمنة لا يوجد بين أظهرنا قبور يُطاف بها، ولا يُتوسل بها، ولا يُذبح لها، ولا يُنذر لها، إنما هذا يوجد إذا خرج الإنسان من هذه البلاد، نسأل الله أن يحرسها بعينه التي لا تنام، وأن يحفظها من كيد الأعداء، إنه على كل شيء قدير. فإذا خرج إنسانٌ من هذه البلاد وجد أناساً يصلون في المسجد، ثم لم يلبثوا قليلاً إلا وقد انصرفوا يميناً أو شمالاً إلى بعض القبور، فتجدهم يطوفون بها، وقد يدعون أهلها ويتوسلون بهم، ويطلبون منهم الغوث والمدد إلى غير ذلك. فهذا لا يوجد في بلادنا -نحمد الله ونشكره- لكن الذي يوجد في بلادنا يا أمة محمد ﷺ هو أيضاً خطر على العقيدة، وهو إتيان الكهان والعرافين والمنجمين والمشعوذين، وهذا فيه خطر على التوحيد؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿من أتى كاهناً فسأله عن شيء فصدَّقه لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ أو كما قال ﷺ . وأيضاً يُروى عنه أنه قال: ﴿من أتى كاهناً فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. يا أمة محمد ﷺ ! إن بعض الناس إذا تأخر عليه النسل أو الأولاد يذهب إلى أولئك -والعياذ بالله-. يطلب منهم أن يُرزق أولاداً، وهذا بيد الله ، وليس بيد أحد من الناس، ولكن ماذا يقولون له نسأل الله العافية؟ يقولون له: إذا كنت تريد الأولاد فأتِ بشاة سوداء أو عنز سوداء، وتذبحها ولا تذكر اسم الله عليها، إنا لله وإنا عليه راجعون، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا. وقد والله فعل هذا أناس في بلاد التوحيد يا أمة محمد ﷺ ، دجَّل عليهم أولئك المشعوذين، فذبحوا للجن والشياطين, والرسول ﷺ أخبر عنهم وقال: ﴿لعن الله من ذبح لغير الله﴾. ثم إن ذبح لغير الله ومات على هذه الحال ولم يتب إلى الله، فإنه يكون مخلد في النار، لماذا؟ لأنه صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا، وقد سمعنا قول الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. أيضاً: هناك أناس إذا أصيبوا بأمراض نفسانية، والأمراض النفسانية يا أمة محمد ﷺ لا تحصل إلا لمن أعرض عن الله، وابتعد عن طاعة الله، وغفل عن ذكر الله، فإن الشياطين تشن عليه الغارة، تهجم عليه والعياذ بالله، فعند ذلك يضيق من نفسه، حتى من أهله وأولاده، وعند ذلك يبحث عمن يصف له العلاج، ولو أنه التجأ إلى الله وتاب ورجع إلى الله لتاب الله عليه، وجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، قال سبحانه: ﴿ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ولكنه -والعياذ بالله- يلتجئ إلى أولئك الكهنة والعرافين والمنجمين والمشعوذين، فعند ذلك يُدَجلون عليه، وأول دجلهم أن يقول أحدهم: ائتني بطاقيتك أو فانيلتك، أو ما اسم أمك؟ وما اسم أبيك؟ ثم لماذا تسأل عن هذه الأشياء؟ إذا قال لك هذه الأشياء، فاعرف أنه من الكهنة الدجالين المشعوذين، ابتعد عنه يا عبد الله، تُب إلى الله، وارجع إلى الله، حتى إذا أتتك المنية فأنت تائب راجع منيب إلى الله . الرسول ﷺ ترك أمته على المحجة بيضاء نقية، وأخبرهم بأدعية وأذكار، يقولونها في كل حال من أحوالهم، حتى إذا فقد الإنسان شيئاً من أمواله يقول: اللهم رب الضالة، رد الضالة، اللهم رب الضالة، رد الضالة. ولكن هناك أناس غفلوا عن الرب ﷻ ، غفلوا عن الله ، فبمجرد ما يفقد شيئاً من أمواله يذهب إلى أولئك المشعوذين الدجاجلة فيدجلون عليه، كما دجلوا على مَن سَلَفَ مِن قبله، أسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه، إنه على كل شيء قدير. أيها الإخوة في الله: إن أعظم ذنب عُصي اللهُ به في الأرض هو الشرك والعياذ بالله، فالحذر الحذر يا أمة محمد ﷺ من الشرك وأهل الشرك.

стр. 179

المعصية الثانية: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إخواني في الله: من الأمور التي عُصي الله بها: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أمر خطير جداً يا أمة محمد ﷺ ؛ لأن البعض من الناس يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص برجال الحسبة ورجال الهيئة وهذا خطأ، وظن خاطئ؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فمن أراد هذه الخيرية، فما عليه إلا أن يلتزم بما وعد الله به ، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما رسول الله ﷺ فقد أخبر عن درجات تغيير المنكر، قال ﷺ يخاطب الأمة جميعاً: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ نقول: التغيير باليد لولاة الأمور، ولمن ولاهم ولي الأمر، مثل رجال الحسبة، أما التغيير باللسان، فكل إنسان -ولله الحمد- يستطيع أن يغير بلسانه. أيضاً يستطيع الإنسان تغيير المنكر في بيته على أهله وأولاده إذا رأى منهم منكراً؛ لأن له السيطرة على أهله وأولاده؛ ولأنه مسئول عنهم أمام الله ﷻ ، كما أخبرنا بذلك رسول الله ﷺ يوم أن قال: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾ الله أكبر! إخواني في الله: استمعوا إلى هذا الحديث، واستمعوا له بقلوبكم قبل أن يدخل آذانكم؛ لأن هذا الحديث -والله- إذا تمعن به المؤمن وجد أن الأمر جد عظيم يا أمة محمد ﷺ ، فاسمع إلى حديث الرسول ﷺ وهو يقول: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها -إلى أن قال ﷺ : ألا فكلكم راعٍ، ومسئول عن رعيته﴾ ثم تمعن معاني الحديث، وتذكر: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾ فكر يا عبد الله! من الذي سوف يسألك؟ ومتى يكون هذا السؤال؟ أما الذي سوف يسألك: فإنه الله ﷻ . وأما زمان السؤال فإنه سوف يكون على أرض القيامة. فماذا أعددتَ للسؤال من جواب يا عبد الله! إذا قامت الزوجة تخاصمك بين الله، بأنك رأيتها على منكر ولم تنهها عنه ولم تأمرها بالمعروف؟ ما هو الجواب إذا وقف الابن يخاصمك بين يدي الله؛ لأنك رأيته على منكر، بل ربما أتيت له بالمنكر في قعر بيته ولم تأمره بالمعروف؟ ما هو الجواب إذا وقفت البُنيَّة بين يدي الله تخاصمك؛ لأنك أدخلت عليها المنكرات أو رأيتها تعمل المنكرات ولمن تنهها ولم تأمرها بالمعروف؟ ما هو الجواب بين يدي الله ؟ وربنا جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ما هو الجواب بين يدي الله ؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر الخطاب، النداء لأهل الإيمان ليس لليهود ولا للنصارى ولا لغيرهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقول ابن مسعود: [[إذا سمعتَ الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأصغِِ لها سمعك، فهو إما خيراً تُدعى إليه، وإما شراً تُحذَّر منه]] فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ بماذا نقي أنفسنا وأهلينا من هذه النار؟ بماذا نقيها؟ أبتوسيع الفلل؟ أم بتشييد القصور؟ أم بكثرة المأكولات والمشروبات والملبوسات؟ هذه كلها من ضروريات الحياة يا مسكين، والحياة الدنيا لا بد لها من زوال، لا بد لها من دمار، ولكن تقي نفسك وأهلك من نار جهنم، تقيها بما يُرضي الله جل وعلا وبالأعمال الصالحة، تأمر أهلك بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتوجههم التوجيه السليم، وتراقب ذهابهم وإيابهم، وأين يذهبون؟ وبمن يجتمعون؟

стр. 180

حال بعض الناس مع إنكار المنكرات مع الأسف الشديد: انظر الآن إلى أحوال الكثير من الناس -اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردناً إليك رداً جميلاً- تجد بعضهم الآن في غفلة وإعراض، الزوجة تذهب مع سيارة الأجرة، ولا يدري أين تذهب، أو ربما أتى لها بسائق وربطه عند البيت، وقال لهذا السائق: افعل ما تشاء، فيذهب بالزوجة والبنات إلى الأسواق، وإلى المدارس، وإلى المستشفيات، والرجل أين هو؟ الرجل مشغول بدنياه، وهل هذا يُعذر بين يدي الله ؟ لا. والله لا يُعذر؛ لأنه عصى الله، وعصى رسوله ﷺ . أولاً: أن الله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] فترك هذا الرجل هذه الآية، وضرب بهذا القول عرض الحائط. ثانياً: اسمع حديث الرسول ﷺ الذي قال فيه: ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم﴾ فقال: هذا السائق أجْوَدِي، مُتَخَيَّر من تلك البلاد البعيدة، هذا وجه إنسان مِحْذاق، الله أكبر! أمَخْصِيٌّ هو يا مسكين؟ لا. وأيضاً له شهوة أشد منك؛ لأنك أنت بين أهلك وأولادك، أما هو فله ثلاث سنوات أو سنتين وهو بعيد عن أهله، أين تذهب هذه الشهوة يا مسكين؟ ولكن قل بين يدي الله : هذا والله أجْوَدِي، ابن حلال، مُتَخَيَّر من تلك البلاد. الله أكبر! لماذا ما قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والصحابة أجمعين، لماذا لم يقولوا هذا الكلام بين يدي الرسول ﷺ ؟ الرسول يخاطب الصحابة، أبر الأمة قلوباً وأزكاها، وأكثرها علماً ﵃ وأرضاهم يخاطبهم الرسول ويتحدث بين أيديهم ويقول: ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم﴾. ويقول: ﴿لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم﴾. ويقول ﷺ : ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾. فبعض الناس ضرب بأقوال الرسول ﷺ عرض الحائط، فإنا لله وإنا إليه راجعون. علامَ يدل هذا يا عباد الله؟ هذا يدل على أن الناس انهمكوا في حب الدنيا، وهذا الذي حذر منه الرسول ﷺ يوم أن قال: ﴿ما الفقر أخشى عليكم﴾ ولكن خشي علينا ﷺ مما يُفتح علينا من زهرة الحياة الدنيا، فننهمك في الدنيا، ونغفل عن أنفسنا، وعن أهلنا، وعن أولادنا، حتى إن البعض من الناس لحبه للدنيا صار يبارز الله بالمحاربة، ولا يبالي والعياذ بالله. فمتى نستيقظ يا أمة محمد ﷺ ؟ إذا حُملنا إلى القبور؟ أم إذا صفَّت علينا اللبنات؟ متى نستيقظ يا أمة محمد ﷺ ؟ إذا وقفنا للعرض على جبار الأرض والسماوات؟ متى نستيقظ يا أمة محمد ﷺ ؟ اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. إخواني في الله: المسئولية عظيمة بين يدي الله . وأيضاً: أكرر وأقول: اسمع إلى حديث الرسول، مرة ثانية وثالثة ورابعة، لعل شجرة الإيمان أن تنمو في قلبك وتعظم شعائر الله، يقول ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾. ثم أيضاً: أقول لك مرة أخرى: تذكر من الذي سوف يلقي السؤال، ومتى يكون السؤال؟ أما الذي سوف يلقي عليك السؤال فهو الله ﷻ . ووقت السؤال هو يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].

стр. 181

مراتب إنكار المنكر أمة محمد ﷺ : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عده بعض العلماء ركناً سادساً من أركان الإسلام، فأقول لكم: لما قلنا: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده﴾ أن الرجل له سلطة على أهله وأولاده، فله أن يغير؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع﴾ هذه من إرشادات الرسول ﷺ . فإذا لم نستطع باليد، فإننا ننتقل إلى اللسان، واللسان -لله الحمد والمنة- كلٌ منا يستطيع بلسانه. أقول لأهل الدكاكين: يا أهل الدكاكين! اتقوا الله ، إذا رأيتم امرأة متبرجة قولوا لها: يا أمة الله! اتقي الله، تَسَتَّري. فكونوا عوناً لرجال الهيئة. نعم أيها الإخوة في الله: إذا رأيتم إنساناً يعاكس النساء، فقفوا في وجهه، وقولوا له: اتق الله فإن لك محارم، هل ترضى لأحدٍ أن يعاكس أمك أو زوجتك أو أختك أو ابنتك؟ فإن كان فيه غيرة، فإنه يخجل ويبتعد عن هذا الفعل السيء، وإذا لم يكن فيه غيرة -والعياذ بالله- فنتصل برجال الهيئة، ونكون لهم عوناً على ذلك حتى يَنْكَفَّ الشر والفساد، ويُقضى عليه، أما إذا تُرك الحبل على الغارب، وأصبحنا نتهاون في الأمر فإن الشر يستطير والعياذ بالله، فإذا حصلت المداهنة، فما الذي يحصل؟ يحصل والله العار والشر العظيم يا أمة محمد ﷺ .

стр. 182

عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخبر ربنا جل وعلا عن بني إسرائيل أنهم لما تركوا هذا الأمر، وتهاونوا فيه، ما الذي حل بهم يا أمة محمد ﷺ ؟ قال الله جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] لماذا لُعنوا؟ يا أمة محمد ﷺ ؟ اسمع: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. إذا حصلت المداهنة يا أمة محمد ﷺ ، وترك الحبل على الغارب لأهل المعاصي ينشرون معاصيهم، ويبدون سيئاتهم ومعايبهم ومثالبهم عياناً بياناً، فما الذي يحصل؟ تحل اللعنة بدل الرحمة ولا حول لا قوة إلا بالله. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ : ﴿كان فيمن قبلكم إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيراً، فقال: يا هذا اتق الله، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه، كما يراه على خطيئته بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داوُد وعيسى بن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨]﴾. وكما يُروى عن رسول الله ﷺ : ﴿أنه كان ﷺ متكئاً فجلس، وقال ﷺ : والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم﴾ إذا حلت اللعنة يا أمة محمد ﷺ فإن الرحمة تُرفع ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله. فنقول لأهل الدكاكين: اتقوا الله ، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وتعاونوا مع رجال الهيئة على إزالة المنكر. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. إخواني في الله: نحن والله على خطر خاصة في هذه السنين القليلة التي كثرت فيها آلات اللهو، وكثر فيه تبرج النساء وسفورهن، وكثرت فيه المخدرات والمسكرات، وظهرت فيه القَينات -أي: الأغاني- وكثر فيه قطيعة الرحم يا أمة محمد ﷺ ، لذلك اسمع هذا الحديث الذي يُروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير،﴾ اللهم سلِّم سلِّم، يصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير! قال بعض العلماء: إذا لم يُمسخوا حسياً مُسخوا معنوياً، إذا لم يُمسخ جسمُه مُسخ قلبه، صار قلبه كالخنزير أو كالقرد -والعياذ بالله- حتى يفقد الغيرة، لا يغار على محارمه، وتجده -والعياذ بالله- في أودية الهوى والغي يهيم، أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، إنه على كل شيء قدير، ثم قال أيضاً ﷺ : ﴿وليصيبنهم قذف وخسف حتى يصبح الناس فيقولون: خُسف الليلة بدار بني فلان، وخُسف الليلة ببني فلان، ولتُرْسَلَن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط، على قبائل فيها، ولتُرْسَلَن عليهم الريح العقيم، التي أهلكت عاداً﴾ لماذا يُفعل بهم ذلك؟ قال ﷺ : ﴿لشربهم الخمر، وأكلهم الربا، وضربهم الدفوف، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم﴾ نسأل الله العفو والعافية، إذا حصلت هذه الأمور فلا يأمنوا. وفي يوم الثلاثاء (١٣/ ربيع الثاني) نشرت إحدى الجرائد المحلية أن بلدة تسمى تشيلي أُمْطِرت عليها حجارة من السماء، وقد قرأها من قرأها، وأنا والله ممن قرأ هذا، وقتل منهم (١٧) ويقول أحد المشاهدين وهو ينظر إلى تلك الحجارة تنزل، يقول: اندس تحت سيارة شاحنة، ورأى تلك الحجارة تنزل، ورأى امرأة تهرب من تلك الحجارة حتى أوت إلى جدار لتختفي تحته، فسقط عليها الجدار، وسقطت عليها الحجارة، وخرجوا من بيوتهم مذعورين يصيحون ويصرخون، حتى الحجارة سقطت عليهم وهم في بيوتهم؛ لكن بماذا حلَّلوها؟ ماذا قالوا؟ قالوا: احتار الخبراء مع الأسف الشديد، وإلا لو سألوا علماء الشريعة، لو سألوا العلماء المحققين لأخبروهم أن هذا عقاب من الله ﷻ ، وهو والله عبرة لنا يا أمة محمد ﷺ . فعلينا أن نتقي الله جل وعلا، ونحذر من التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولنسمع إلى هذا الأثر يا عباد الله! كما يُروى: [[أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم، وستين ألفاً من شرارهم، قال: يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي]] وأقول: يُخشى أيضاً والله على بعض الناس الآن، الذين يُوجد في بيوتهم الكثير من الأولاد لا يعرفون الصلاة، يُخشى والله أن يصيبهم العذاب. تجد الآن البيوت فيها خمسة أو ستة أو ثمانية أو أكثر من ذلك لا يعرفون الصلاة، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أردتَ أن تختبر هذا الوضع فانظر في صلاة الفجر، أين أولاد المسلمين؟ أين مَن سنه عشر سنوات أو خسمة عشر؟ بل أين ذو العشرين؟ لكن انتظر بعد ساعة وربع، تجد الأرض ملأى، الله أكبر! إلى أين؟ إلى المدارس، والصلاة؟ الصلاة غُفل عنها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الصلاة أمرها عظيم يا أمة محمد ﷺ ، الصلاة، الصلاة، ولعلنا إن شاء الله بعد قليل نتكلم عن الصلاة إذا انتهينا من الكلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أيها الإخوة في الله: لا شك أنه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سوف يكثر الشر وينتشر، ويكثر الفسقة، فإذا حصل ذلك فلا تسأل عن أحوال المجتمع وما يحل فيه من النقمات، يقول أنس بن مالك ﵁: [[دخلتُ أنا ورجل على عائشة ﵂، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين! حدثينا عن الزلزلة، فقالت ﵂: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمهما عليهم]] اللهم سلِّم سلِّم، اللهم احفظنا بحفظك يا رب العالمين، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إنك على كل شيء قدير. فيا عباد الله! احذروا مما يغضب الله ، فإن الذنوب والمعاصي هي والله من أسباب الشقاء، ولذلك جاء التحذير منها في كتاب الله؛ لِمَا فيها من الإضرار بالفرد والمجتمع، فهي سبب يؤدي إلى غضب الله جل وعلا وإلى عقابه لمن ارتكبها، ثم إن العقوبة المترتبة على هذه المعاصي تختلف، فأحياناً تكون بالأنفس، وأحياناً بالأموال، وأحياناً بالأولاد، وأحياناً تكون بالمدمرات العامة، مثل: الفيضانات، أو الرياح المدمرة، أو القحط، أو الزلازل، أو بالحروب الطاحنة، أو بالأمراض المستعصيات، كما سمعنا من حديث الرسول ﷺ . وربنا جل وعلا حذر من المعاصي والذنوب في كتابه العزيز وأخبر في محكم البيان عن الأمم التي حلت بهم العقوبات، ونحن نقرأ القرآن يا أمة محمد ﷺ ، فلماذا لا تَرْعَوِيَ القلوب؟ يكفيك أن تقرأ سورة الفجر، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١ - ١٢] ماذا حل بهم؟ قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١٣] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. وقال تعالى في سورة أخرى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]. فلنحذر يا أمة محمد ﷺ . يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩] نعوذ بالله من غضب الله. فيا أمة محمد ﷺ احذورا من غضب الله جل وعلا، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر.

стр. 183

المعصية الثالثة: عدم إقامة الصلاة ثم ننتقل أيضاً إلى منكر عظيم تهاون فيه بعض الناس وهو الصلاة، يا أمة محمد ﷺ ! المجتمع الآن انقسم على ثلاثة أقسام، نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً:

стр. 184

القسم الأول: قسم تركوا الصلاة بالكلية وهؤلاء بين مجتمع المسلمين وبين أظهرهم، بل بعضهم يأكل معهم ويشرب -والعياذ بالله- وهو لا يصلي، وهؤلاء أفتانا عنهم الرسول ﷺ ، وقال: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ هل تريدون فتوى غير هذه يا أمة محمد ﷺ ؟ أيضاً: أخبر ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: ﴿بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة﴾. لذلك يقول العلماء ﵏: تارك الصلاة، يستتيبه إمام المسلمين أو نائبه ثلاثة أيام، فإن تاب وصلى وإلا قتل مرتداً، ويقتل حداً، يقطع رأسه بالسيف لماذا؟ لأنه تارك للصلاة، وإذا قتل ماذا نعمل به؟ قالوا: لا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدعى له بالرحمة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، مع الأسف الشديد. وقالوا: إذا كانت المسلمة مع إنسان لا يصلي فإنها تُخلع منه على رغم أنفه، قال الله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]. إذاً: تارك الصلاة يا أمة محمد ﷺ وجوده في المجتمع خطر عظيم، فهذا القسم الأول، قسم تركوا الصلاة بالكلية، وهم بين أظهرالمسلمين.

стр. 185

القسم الثاني: قسم ضيعوا الصلاة أما هؤلاء فقد وقعوا في قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. قال بعض العلماء: ما أضاعوها بالكلية، ولكنهم تهاونوا بها، وهذه هي حال الكثير من الناس، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، انظر إلى أحوال الكثير من الناس، مع أنهم ارتكبوا هذا الذنب العظيم، وهو إضاعة الصلاة مع أي شيء عاشوه، فهم يعيشون مع المسلسلات طوال الليل، ومع الأغاني الماجنة، ومع الدخان، والشيشة، والبلوت، والقيل والقال، وإذا جاءت صلاة الفجر إذا هم جِيَفٌ في فرشهم، نسأل الله العفو والعافية، هذه حال كثير من الناس، صلاة الفجر نوم، وصلاة العصر إذا جاء من العمل أو الشغل وأكل الغداء اتكأ ونام، وربما نام قبل أن يغسل يديه من الغداء، وفوت عليه صلاة العصر، وربما أتبعها بصلاة المغرب، فإنا لله وإنا إليه راجعون. يقول سعيد بن المسيب عند قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] يقول: [[لا يصلي الصبح حتى تطلع الشمس، ولا يصلي الظهر حتى يدخل عليها وقت العصر، ولا يصلي العصر إلا وقت المغرب]] وهذه يا إخواني حال كثير من المسلمين في المجتمع الآن، إنا لله وإنا إليه راجعون. أما صلاة العصر: فقد أخبر الرسول ﷺ في حديث رواه البخاري، قال: ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله﴾ ما ظنك يا عبد الله! إذا جاءك قائل وقال: أهلك هلكوا، أموالك هلكت؟ ما هي الحال عندك؟ وما هو رد الفعل عندك؟ الله أكبر! ولكن بعض الناس يفوت صلاة العصر ولا يبالي ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله﴾. وفي الحديث الذي رواه البخاري أيضاً يقول رسول الله ﷺ : ﴿من ترك صلاة العصر فقد حبط عملُه﴾. ما ظنكم يا أمة محمد ﷺ بإنسان يضع المنبه على الساعة السابعة، لا يقوم من الليل إلا وقت الساعة السابعة، وقت العمل، هذا يقول بعض العلماء فيه: تعمَّد تأخير صلاة الفجر حتى هذا الوقت، ولذلك يقول الشيخ عبد العزيز بن باز حفظنا الله وإياه: عند جمع من العلماء: أن من تعمد تأخير صلاة الفجر عن وقتها حتى يدخل عليها وقت الأخرى فهو كافر، أو كما قال رحمه الله تعالى. فنقول: يا أمة محمد ﷺ ! نرجع إلى أحاديث الرسول ﷺ التي قال فيها ﷺ : ﴿من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله﴾. ثم يقول ﷺ أيضاً: ﴿من صلى البردين دخل الجنة﴾ يا رب! لا تحرمنا فضلك، اللهم لا تحرمنا فضلك، اللهم لا تجعل منا ولا فينا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين ﴿من صلى البردين دخل الجنة﴾ والبردان هما: الفجر، والعصر. ويقول ﷺ أيضاً -وكل هذه أحاديث صحيحة-: ﴿لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ يقصد: الفجر والعصر، ولذلك وعد ربنا جل وعلا المحافظين على الصلاة أن يكرمهم بجنة الفردوس، وهي أعلى منازل الجنة، كما أخبر الرسول ﷺ ، قال: ﴿إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تُفجر أنهار الجنة﴾ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١]. وتوعَّد ربنا جل وعلا أقواماً إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى بالدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله من النار، أخبر الله عنهم أنهم يصلون؛ ولكن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] أين موعدهم؟ قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. هذا القسم الثاني الذين تهاونوا بالصلاة في المجتمع.

стр. 186

القسم الثالث: قسم يحافظون على الصلاة وهم الذين يحافظون على الصلاة، أين نجد هذا القسم يا عباد الله؟ إذا أردتم أن تنظروا إلى هذا القسم فانظروا إليه في صلاة الفجر، تجد القلة من الناس في العشاء وفي المغرب والعصر والظهر، ربما أربعة صفوف، أو خمسة صفوف في بعض المساجد، ثم في صلاة الفجر صف أو صف ونصف، الله المستعان! أين بقية الصفوف؟ يا أمة محمد ﷺ ؟ اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. أقول لكم: إن المجتمع انقسم على ثلاثة أقسام؛ ولكن هل نسكت على هذا الأمر؟ لا. إن سكتنا على هذا الأمر فإننا والله نخشى من العقوبة ولكن نكون دعاة إلى الله نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونتعاون على البر والتقوى، إذا كان جارك يا أخي -كما يُروى في الحديث- أنه يتعلق بك يوم القيامة، فما هو الخلاص؟ جارك يتعلق بك يوم القيامة يقول: يا رب، خذ مظلمتي من جاري، فتقول: ما ظلمتُه! فيقول: إنه رآني على المنكر ولم ينهاني، ولم يأمرني بالمعروف، فلنستعد لذلك يا أمة محمد ﷺ .

стр. 187

المعصية الرابعة: عدم إيتاء الزكاة من المعاصي أيضاً التي تلبس بها بعض الناس: منع الزكاة، وهي تنقسم إلى قسمين: الأول: إن كان أنكر هذا: فهو كافر والعياذ بالله. الثاني: وإن كان بخل بها: فهو عاصٍِ لله ولرسوله. إن أنكر المرء الزكاة، وقال: ليس في الإسلام زكاة، فهو كافر حلال الدم والمال، يستتاب فإن تاب وإلا قُتل، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁. أما إذا تهاون بالزكاة ولم يخرجها، فإنه ارتكب معصية من المعاصي التي سوف يُعاقَب عليها، إن لم يتب ويرجع إلى الله ، قال رسول الله ﷺ : ﴿ولا صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفِّحت له صفائح من نار، فيُكوى بها جنبُه وجبينُه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين الناس، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار﴾ وربنا جل وعلا يقول في محكم البيان: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]. أي وعيد أعظم من هذا يا عباد الله؟! اللهم اشف مرض قلوبنا يا أرحم الراحمين، أي وعيد هذا يا أمة محمد ﷺ ؟ لا إله إلا الله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]. فيا من أعطاه الله هذا المال الكثير، وطلب منك القليل، فلا تبخل يا أخي، أنفق ما دمت في زمن الإمكان قبل أن يحل عليك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]. فالبِدار البِدار ما دمتَ في زمن الإمكان، قبل أن تطلب الرجعة ولا تُجاب يا عبد الله. البِدار البِدار ما دمتَ في زمن الإمكان، قبل أن يأخذ الورثة هذه الأموال وتصير عليك الأوزار. اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا إنك على كل شيء قدير.

стр. 188

المعصية الخامسة: الزنا هناك معاصي انتشرت في المجتمع والعياذ بالله، ولعلنا لا نتطرقها كثيراً؛ لأن الجميع يعرف حُرمة تلك المعاصي والعياذ بالله، فمثلاً: الزنا. هذا الزنا شر مستطير والعياذ بالله، وداء خطير، وبلاء لا يعلم مداه إلا الله ، فلعلنا نسمع ماذا يحل في البلاد المجاورة يا أمة محمد ﷺ من جراء تلك الجرائم -والعياذ بالله- من الأمراض التي انتشرت واستعصت على الأطباء. وقد سمعتم في بداية الكلام، أن من آثار الذنوب والمعاصي حصول أمراض مستعصية تستعصي على الأطباء فلا يوجد لها علاج، فصدق رسول الله ﷺ ، نسمع بمرض الإيدز، والهِرْبِس، والسيلان، والزُهري، وغيره من الأمراض التي انتشرت في أقطار العالم بسبب هذه الجرثومة الخبيثة، بسبب هذا الجُرم العظيم وهو الزنا والعياذ بالله. الزنا إذا انتشر في بلد فلا تسأل عن خطره، يُروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله﴾ والحديث رواه: الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

стр. 189

عواقب الزنا وأضراره فيا عباد الله: إن الزنا له عواقب وخيمة في الدنيا قبل الآخرة: الأولى: يسوِّد الوجوه. الثانية: يجلب الفقر. الثالثة: يسبب الأمراض المستعصيات. وقد أخبر الرسول ﷺ أن الزُّناة والزواني يُعذبون في البرزخ في مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع، يأتيهم لهب من أسفل منهم، هذا عذابهم في البرزخ -نسأل الله العفو والعافية- فكيف إذا سيقوا إلى نار جهنم، نعوذ بالله من نار جهنم. أيها الإخوة في الله: الزنا ذكر بعض العلماء أن الزنا له أضرار كثيرة: إن الزنا عاره يهدم البيوت الرفيعة. يطاطئ الرءوس العالية. يسوِّد الوجوه البيض. يبدل أشجع الناس من شجاعتهم جبناً لا يدانيه جُبن. يهوي بأطول الناس أعناقاً، وأسماهم مقاماً، وأعرقهم عزاً إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة، ليس لها من قرار. الزنا لُطْخَةٌ سوادء إذا لحقت تاريخَ أسرةٍ غَمَرَتْ كلَّ صحائفه البيض، وتركت العيون لا ترى منها إلا سواداً حالكاً. أمة الإسلام: احذروا من جريمة الزنا، فإن الزاني يحط نفسه من سماء الفضيلة إلى حضيض الرذيلة، ويصبح بمكان من غضب الله ومقته، الزاني يكون عند الخلق ممقوتاً، وفي دنياه مهين الجانب، عديم الشرف، منحط الكرامة، ساقط العدالة، ويكفيه وعيداً، وتحذيراً ما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢].

стр. 190

دواعي وبواعث الزنا عباد الله: دواعي الزنا كثيرة، من دواعي الزنا: - خروج النساء إلى الأسواق وهن متبرجات ومتعطرات. - اختلاط الرجال بالنساء بدون مَحْرَم، اسمعوا إلى هذا الأثر يُروى: ﴿يُروى أن الزناة معلقون بفروجهم في النار، يُضربون بسياط من حديد﴾ نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار. - كثرة مشاهدة الأفلام الخليعة، التي يُوجد فيها النساء الكاسيات العاريات. - استماع الأغاني الماجنة. - قراءة القصص الغرامية، وأيضاً قراءة المجلات السخيفة التي تحمل صور النساء العاريات. - مغازلة النساء ومعاكستهن. أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم بحفظه، اللهم استر عوراتنا، اللهم استر عوراتنا، اللهم استر عوراتنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم أقر أعيننا بصلاح أولادنا ونسائنا، إنك على كل شيء قدير.

стр. 191

المعصية السادسة: المخدرات والمسكرات المخدرات والمسكرات أضرارها عظيمة، فكم أذهبت من أخلاق وعقول، وأهانت أهلها، وأودت بهم في الحضيض، حتى صاروا من الأرذال لما سببوا على أنفسهم وعقولهم وأعراضهم وشرفهم وأموالهم بسبب هذه المخدرات والمسكرات، وكم أضاعوا من أسر، وكم خسروا من أوقات سوف يُسألون عنها يوم القيامة، ولذلك أخبر الرسول ﷺ فقال: ﴿إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار﴾ نعوذ بالله من النار.

стр. 192

المعصية السابعة: عمل قوم لوط وهناك أيضاً جريمة شنيعة بشعة، يقول بعض السلف: لولا أن الله ذكرها في القرآن ما صدقت أنها تحصل، الله أكبر! رحمة الله عليه. هذه الجريمة يا إخواني جريمة قوم لوط والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافية، ويكفي بها جريمة ويكفي بها تحذيراً أن نذكر ماذا حصل لقوم لوط. جبريل ﵇ جاء إلى لوط ﵇ بعد أمر الله له أن يأمر لوطاً أن يخرج هو وبناته من تلك القرية حتى يحل بها عذاب الله. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهي أن الله أمر جبريل ﵇ أن يقتلع ديارهم بجناحه، ثم رفعها إلى عنان السماء حتى سمع الملائكة صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها عليهم وأتبعهم حجارة من سجيل منضود، فتلكم قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة، بطريق مهيعٍ مسالكه مستمرة إلى اليوم، وهي المعروفة بـ البحر الميت، الذي لا يعيش فيه شيء، نسأل الله العفو والعافية؛ ولكن الله جل وعلا ذكرها في محكم البيان، حتى تحذر هذه الأمة من تلك الفعلة الخطيرة الشريرة. لذلك يُروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إن أخوف ما أخاف على أمتي من عمل قوم لوط﴾. ويُروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله مَن عَمِل عَمَل قوم لوط، لعن الله مَن عَمِل عَمَل قوم لوط، لعن الله مَن عَمِل عَمَل قوم لوط﴾ ثلاث مرات. ويُروى عنه أيضاً ﷺ أنه قال: ﴿لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها﴾. ويُروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط، نقله الله تعالى إليهم حتى يُحشر معهم﴾. ويقول ابن عباس ﵁: [[اللوطي إذا مات من غير توبة مُسخ في قبره خنزيراً]]. ويُروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾. ولذلك اجتمع رأي الصحابة ﵃ في عهد أبي بكر ﵁؛ لما ذكر له خالد بن الوليد أن هناك رجل يُعمل به كما يُعمل بالنساء أمر بإحراقه بالنار ﵁ وأرضاه. أما بعض العلماء فقالوا: ينظر إلى أعلى مكان في البلد فيُرمى منه، ثم يُتبع بالحجارة، نعوذ بالله من غضب الله. فالحذر الحذر يا أمة محمد ﷺ من هذه الجريمة الوخيمة! وحافظوا على أولادكم يا أمة محمد ﷺ ! الآن بعض الناس، لا يدري أين أولاده يذهبون، أو مع من يذهبون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فنقول: الله الله بالمحافظة على الأولاد، فإنك مسئول عنهم يوم القيامة، والمغريات الآن كثيرة، تجد بعض الأشرار يأخذه معه بحجة أنه يعلمه قيادة السيارة، أو يعطيه سيجارة من دخان أو غير ذلك، فيفعل به جريمة قوم لوط، وعند ذلك والعياذ بالله ينهمك في هذا الجُرم العظيم، ولا تسأل عن أحواله، أسأل الله أن يصلح أولادنا ونساءنا.

стр. 193

المعصية الثامنة: الربا وهناك أيضاً من المعاصي والذنوب التي انتشرت في المجتمع: أكل الربا، والتعامل بالربا. ولا شك أن هذا كلنا نعرفه، أنه من أكبر الذنوب والعياذ بالله، وأنه محاربة لله ولرسوله.

стр. 194

المعصية التاسعة: الغيبة والنميمة والنميمة هي: نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد والعياذ بالله. والغيبة وهي: أكل لحوم الناس في المجالس، فهي -يا أخي في الله- خسارة لمن ابتلي بها؛ لأنه يخسر الحسنات، يوزع حسناته على الغافلين الذين يأكل لحومهم. نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاًَ.

стр. 195

نداء التوبة لأهل الذنوب والمعاصي فيا أهل الذنوب والمعاصي! توبوا إلى الله ، أحد السلف ﵀، يذكرك يا من ابتليت بالذنوب والمعاصي، يقول ﵀: ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسبُ وتُجمع في لوح حفيظ وتكتبُ وقلبك في سهو ولهو وغفلة وأنت على الدنيا حريص معذبُ تباهي بجمع المال من غير حله وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنبُ أما تذكر الموت المفاجئك في غدٍ أما أنت من بعد السلامة تعقبُ أم تذكر القبر الوحيش ولحدَهُ به الجسم مِن بعد العمارة يخربُ أما تذكر اليوم الطويل وهوله وميزان قسط للوفاء سينصبُ تروح وتغدو في مراحك لاهياً وسوف بأشراك المنية تنشبُ تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحم ينجي ولا ثَم مهربُ فبادر بالتوبة النصوح، بادر قبل أن يحل بك هادم اللذات. وغمضت العينان بعد خروجها وبسِّطت الرجلان والرأس يعصبُ وقاموا سراعاً في جهازك أحضروا حنوطاً وأكفاناً وللماء قربوا وقد نشروا الأكفان من بعد طيّها وقد بخروا منشورهن وطيبوا وألقوك فيما بينهن وأدرجوا عليك مثاني طيَّهن وعصبوا وفي حفرة ألقوك حيران مفرداً تضمك بيداءٌ من الأرض سبسبُ إذا كان هذا حالنا بعد موتنا فكيف يطيب اليوم أكل ومشربُ وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ به ظلماتٌ غيهبٌ ثم غيهبُ وهولٌ وديدانٌ وروعٌ ووحشةٌُ وكل جديد سوف يبلى ويذهبُ فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه فهادم لذات الفتى سوف يقربُ

стр. 196

بلوغ الروح الحلقوم ثم أقول لكم في نهاية الكلام: أبشروا يا أمة محمد ﷺ ، فإن الله قد فتح بابه للسائلين، فمن تاب تاب الله عليه، بشرط قبل أن يقع أمران: الأمر الأول: أمر خاص: وهو بلوغ الروح الحلقوم: فإذا بلغت الروح الحلقوم عند ذلك لا تُقبل التوبة، كما أخبر الرسول ﷺ : ﴿إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر﴾ إذا غرغر وبلغت الروح الحلقوم، وانطرح على فراش الموت، عند ذلك ما تنفعه التوبة؛ لأن الله أخبر عنه في محكم البيان، فقال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا يطلب الرجعة؟ حتى يتزود من الدكاكين، حتى يتزود من البضاعة، كل هذا سوف يذهب ويتركه؛ لكن ليتزود من العمل الصالح، لكن مدة إقامتك في الدنيا يا عبد الله قد انتهت أيها المفرط، أيها العاصي، فعند ذلك يحصل الندم والتحسر والتأسف: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فيسمع الرد الإلهي: ﴿كَلَّا﴾ لن تُجاب إلى هذا المطلب، انتهت مدتك في هذه الحياة الدنيا، الآن حان انتقالك إلى البرزخ، إلى بيت الدود، إلى بيت الوحشة، إلى بيت الوحدة، الذي سوف تجد أمامك فيه العمل ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. وما يدرينا متى يأتينا الموت؟! فبعض الناس يفتح عليه الشيطان باب التسويف، يقول: سوف تتوب فيما بعد إذا بلغت الذروة في التجارة، أو في العمر، أو في كذا وكذا، فيمكنك أن تتوب، وما يدريك -أخي في الله- متى ينزل بك هادم اللذات؟ فكم والله من إنسان أصبح مُعافىً سليماً، وفي لحظة من اللحظات يُقال: فلان مات، وكم من إنسان بات مُعافىً سليماً، ويقال: فلانٌ أصبح ميتاً. فيا إخواني في الله، بادروا بالتوبة قبل نزول الموت.

стр. 197

طلوع الشمس من مغربها الأمر الثاني: أمر عام: وهو طلوع الشمس من مغربها: إذا طلعت الشمس من مغربها فعند ذلك لا تُقبل التوبة، كما أخبر الرسول ﷺ ، حيث قال: ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها﴾. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترزقنا توبة نصوحاً. اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، اللهم ارزقنا توبة نصوحاً. اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ولوالدِي والدِينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلحنا، وأصلح أئمتنا، وولاة أمورنا، وقاداتنا. اللهم أصلح أولادنا، ونساءنا. اللهم أصلح تجارنا، اللهم أصلح تجارنا، حتى لا يستوردوا لنا ما فيه تشبه باليهود والنصارى والمجوس، اللهم وفق تُجَّارنا في إزالة ورد البضائع التي فيها فتن وصور وتشبه باليهود والنصارى إلى أصحابها. اللهم اجعلنا جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، واجعلنا جميعاً ممن يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 198

أختاه تذكري الموت يجب على الإنسان أن يكثر من ذكر الموت وما بعده من نعيم القبر وعذابه وأن يجعل آخرته نصب عينيه؛ فإن ذلك يحثه على التزود والاستعداد ليوم الرحيل بالمسارعة بالأعمال الصالحة والإقلاع عن الآثام والذنوب بالتوبة النصوح. وعلى المرأة المسلمة مراقبة الله وعدم التبرج والسفور وعدم التشبه بالكافرات.

стр. 199

حقيقة الموت إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة والأخوات: حياكم الله في بيت من بيوت الله، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً إنك على كل شيء قدير. إخواني في الله: لقد حث رسول الله ﷺ على تذكر الموت فقال: ﴿أكثروا من ذكر هادم اللذات﴾ والله جل وعلا -أيضاً- أكثر من ذكره في القرآن؛ لأنه الخطب الفادح، وهو الذي لا تغلق دونه الأبواب، ولا تمنع منه الحصون المشيدة، إنه الموت، يقول الله ﷻ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ويقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٧ - ٧٨] ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] ويقول سبحانه وبحمده: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ويقول سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٩]. والموت كتبه الله على الخليقة أجمعين ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فيا عباد الله! اغتنموا أوقات الفضائل قبل فواتها، وتأهبوا لما أمامكم وما أنتم قادمون عليه لا محالة ألا وهو الموت. والموت كما قال بعضهم: تبدل من حال إلى حال -من حال الحياة إلى حال الموت- وانتقال من دار إلى دار من الدور إلى القبور.

стр. 200

الاستعداد للموت إن الموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره وقلة التفكر فيه وترك العمل. فيا عباد الله: ما هذه الغفلة والاغترار؟! وما هذا الإكباب على الدنيا وقد رأيتم تصرم الأعمار؟ وما هذا التفريط وأنتم على الآثار وقد علمتم أن دار الفناء ليست لكم دار قرار؟ فاحذروا من هذه الغفلة، واستعدوا لهذا الخطب الفادح والحدث الجلل هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب نشاهد ذا عين اليقين حقيقة عليه مضى طفل وكهل وأشيب فيا من شغلته الدنيا عن طاعة الله، وأغفلته عن ذكر الله! استيقظ مادمت في زمن الإمكان، وبادر قبل نزول الموت، قال الله ﷻ : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. عباد الله: إن الموت فيه عظة وعبرة لمن أراد أن يتذكر، فتصوروا أحوال الميت يوم أن ينزل به الموت يعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحم ينجي ولا ثم مهرب وغمضت العينان بعد خروجها وبسطت الرجلان والرأس يعصب

стр. 201

حالة الاحتضار إخواني وأخواتي في الله: تذكروا عندما يجلس الأبناء حول أبيهم وقد نزل به هادم اللذات، يبكون وينادون بصوت يقطع نياط القلوب، الولد يقول: هل تعرفني يا أبتاه؟ والأقارب حوله يقولون: هل تعرفنا يا فلان؟ وهو ينظر إليهم وعيناه قد اغرورقت بالدموع، ينظر إليهم وقد نزل به هادم اللذات، فلا يستطيع الرد عليه، قد تعذر عليه الكلام، يرونه منطرحاً بين أيديهم، يعالج سكرات الموت وهم لا يشعرون ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ثم لا يلبثون إلا قليلاً وهم ينظرون إليه وإذا بملك الموت قد قبض الروح، ومال الأنف وفتح الفم وشخص البصر ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] فيا لها من ساعة يتكدر فيها الصفا، ويتنغص فيها العيش، إذا نزل هادم اللذات فإنه والله أمر جلل، وخطر هائل، وخطب فادح لابد منه لكل مخلوق. يقول بعضهم ﵀: ليس الغريب غريب الشام واليمن ِ إن الغريب غريب اللحد والكفنِ تمر ساعات أيامي بلا ندمٍ ولا بكاء ولا خوف ولا حزنِ سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تبصرني يا زلةً كتبت في غفلة ذهبت يا حسرةً بقيت في القلب تقتلني دع الملامة عني يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيدهم تقلبني إخواني: تذكروا ذلك المصرع الذي سوف يمر بنا جميعاً. وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أرَ الطب هذا اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرقٍ بلا رفق ولا هونِ واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار في الحلق مراً حين غرغرني وغمضوني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شر الكفن وقام من كان أولى الناس في عجلٍ إلى المغسل يأتيني يغسلني فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني أما المرأة فتأتيها امرأة فتجردها وتغسلها، وتقلبها على اللوح لا حول لها ولا قوة، فلا إله إلا الله! وأطرحوني على الألواح منفرداً وصار فوقي خرير الما ينظفني ثم بعد ذلك ما هي آخر كسوة يلبسها من هذه الدنيا؟ وألبسوني ثياباً لا كمام لها وصار زادي حنوطاً حين حنطني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وأنزلوني إلى قبري على مهلٍ وأنزلوا واحداً منهم يلحدني فقام محتزماً بالعزم مشتملاً وصفف اللبن من فوقي وفارقني وقال هلُّوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن في ظلمة القبر لا أم هناك ولا أبٌ شفيق ولا أخ يؤنسني

стр. 202

حال العبد إذا وضع في القبر أيها الإخوة في الله: ويا أختي في الله! تذكروا من هو الأنيس في القبر؟ ومن هو الموحش في القبر؟ إنه العمل، فإما أن يكون العمل صالحاً؛ فيكون نعم الأنيس في القبر، وإما أن يكون سيئاً خبيثاً فإنه موحش في القبر والعياذ بالله. فيا أيها الإخوة والأخوات: مثلوا أنفسكم وقد حلت بكم السكرات ونزل الأنين والغمرات. مثلوا أنفسكم وقد أخذتم من الفرش اللينة ثم نقلتم إلى التراب، إلى بيت الوحشة والوحدة، إلى بيت الضيق والظلمة إلا من وسعه الله عليه، فهنيئاً لمن وسع الله عليه قبره، فإنه إذا سُئل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فإن أجاب وقال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ؛ نادى من السماء منادٍ إن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح طيب الثياب فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. وإن كان بعكس ذلك خرج من الدنيا وقد تحمل الأوزار والسيئات وسُئل: من ربك؟ فتلجلج ب الجواب هاه، هاه، لا أدري. ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. من نبيك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. نادى منادٍ إن كذب، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح المنظر كريه الرائحة خبيث الثياب فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. وهذا رسول الله ﷺ يخبرنا بهذا الحديث الصحيح فيقول: ﴿إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، يأتيه ملكان فيقعدانه ويقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً. وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقوله الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين﴾ متفق عليه. فيا أيها الإخوة والأخوات! تنبه قبل الموت إن كنت تعقل فعمَّا قليل للمقابر تنقل وتمسي رهيناً في القبور وتنثني لدى جَدَثٍ تحت الثرى تتجندل فريداً وحيداً في التراب وإنما قرين الفتى في القبر ما كان يعمل

стр. 203

فوائد تذكر الموت أيها الإخوة والأخوات: لما سمعنا هذه الموعظة أرجع إلى الأخت المسلمة وأذكرها وأسألها وأقول: يا أمة الله! ماذا نستفيد من التذكير بالموت؟ و الجواب أن تعلمي -أختي في الله- أنه لابد من الانتقال من هذه الدار، ثم بماذا ننتقل من هذه الدار؟ لن ننتقل رجالاً ونساءً من هذه الدار إلا بالأعمال، فإن كانت صالحة؛ فقد سمعت -أختي في الله- ما الذي يكون في القبر، وإن كانت الأعمال سيئة خبيثة؛ فقد سمعتِ -أيضاً- ما الذي يحصل في القبر.

стр. 204

المرأة قبل الإسلام وبعده أختي في الله: لكنني بعد أن ذكرتك بالموت أذكرك بالنعمة التي منَّ الله بها عليك خاصة أيتها المسلمة! ولعلنا نرجع قليلاً لنرى أحوال المرأة قبل الإسلام. لقد كانت قبل الإسلام في أتعس حال، فهي مهضومة الحقوق بين صفوف الجاهلية، تعد كأتفه الأشياء، بل وأعظم من ذلك وأطم أنها توأد وتقتل وتدس في التراب أحياناً وهي حية، فأعزها الله بالإسلام. فيا أمة الله: لقد أعزك الله بالإسلام، ورفع قدرك فصار القرآن ينوه باسمك، ويناديك باسم الإيمان والإسلام، وورثك بعد أن كانت المرأة في الجاهلية محرومة من الإرث، وأخبر الله جل وعلا أن المؤمنة التي تطيع الله ورسوله ﷺ ، والتي تؤدي حقوق الله تعالى كما أمرها؛ فإن الله سوف يكرمها في جنته فالجنة الجنة يا أمة الله! يقول الله ﷻ : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. أختي في الله: أسمعتي وعد الله الذي قال الله جل وعلا فيه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٧٢] لماذا أعد الله لهم هذا الجزاء؟ لما اتصفوا به من الصفات التي سمعتموها أيها الرجال والنساء! قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١].

стр. 205

الاستعداد بالأعمال الصالحة فيا أمة الله: ما عليك إلا أن تقومي بما أوجب الله عليك، ثم تفوزي بهذا الفوز العظيم الذي لا يماثله فوز ثم يقول الله جل وعلا، والخطاب ليس للرجال فقط بل للرجال والنساء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] هذا في الحياة الدنيا حياة الإيمان والطاعة، حياة القرب من الله ﷻ . يقول الله ﷻ في الحديث القدسي: ﴿وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه﴾. أختي في الله: ما أحسن أحوال من أطاع الله واتقاه في الدنيا! يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ويقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤]. ومن اتقى الله أحبه الله، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] ومن اتقى الله فإن الله يكون معه، ومن كان الله معه فوالله لن يغلب ولن يهزم ولن يضام ﴿وَاعْلَمُو أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:١٢٣] أما في الآخرة فيقول الله ﷻ : ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]

стр. 206

من وصايا الإسلام للمرأة أختي في الله: إن في القرآن العظيم وفي سنة رسول الله ﷺ وصايا كثيرة للمرأة، وعلينا جميعاً أن نرجع إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ثم أقول لك: احذري -يا أمة الله- قبل أن ينزل بك هادم اللذات، احذري من المخالفات التي تخالف أوامر الله ورسوله ﷺ ، وكوني كما أراد الله لكِ وكما أراد لكِ رسوله ﷺ . أختي في الله! كوني حرة، ودرة مصونة، فعملك بدين الإسلام كله؛ عقيدة، وعبادة، وأحكاماً، وأخلاقاً، وآداباً، هو والله عزك وفخرك وسعادتك في الدنيا والآخرة.

стр. 207

محافظة المرأة المسلمة على حجابها إن مما أمر الله به وكذلك أمر به رسول الله ﷺ الحجاب فحافظي -يا أمة الله- على الحجاب والتستر والحشمة والعفة، حتى إذا جاءك هاذم اللذات فأنت تعيشين في طاعة الله وفي طاعة رسوله ﷺ . واعلمي أن هناك فساقاً وأنذالاً وأرذال وهم من جيوش الشيطان، استعملهم الشيطان، وليس لهم هم إلا الإفساد في الأرض، وحسبنا الله ونعم الوكيل! أيتها المرأة المسلمة: احذري من دعاة الشر والفساد، فإنهم أعداء لك خاصة وأعداء للمسلمين عامة، وهم أعداء لعقيدتك، ولدينك، ولأخلاقك، ولشرفك، يدعونك إلى السقوط في الهاوية، ويدعونك إلى السقوط في المستنقعات الوبيئة من حيث لا تشعرين. أيتها المسلمة: افتخري واعتزي وارفعي رأسك بهذا الدين دين الإسلام، ثم احذري أعداء الإسلام، فإنهم يدعونك إلى الرمي بالعباءة وتمزيق الحجاب، ويدعونك إلى التبرج والسفور، ويدعونك إلى الاحتكاك والاختلاط بالرجال في المصنع والمتجر والمكتب وغير ذلك، والله قد رفع قدرك وأعز من شأنك رفعك عن هذا المكان، وهم يدعونك -فيما يزعمون- باسم الحرية والتقدم والمدنية والحضارة والمشاركة في الحياة الاجتماعية، وهذا -والله الذي لا إله غيره- كذب وغش وخداع وتزوير من دعاة الشر والفساد والإلحاد، فكم من جرائم ارتكبت، وكم من أعراض انتهكت، وحاصل ذلك الأحزان والمصائب والمآسي، وذلك بسبب السفور والاختلاط الذي دعا إليه المنحطون. أيتها المسلمة: أما سمعت حديث الرسول ﷺ الذي قال فيه: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ ويقول ﷺ : ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم﴾ فيا أمة الله! لا تغتري بالسواد الكثير من الناس، ثم أقول لك لا تغتري أيضاً بالنساء المتمردات على شرع الله وأحكامه، ولا تغتري بالمتبرجات الداعرات الماجنات السافرات المتفرجات، يقول الله تعالى في التحذير من طرق أولئك: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فاحذري أختي في الله! أيتها المرأة المسلمة: احذري من الذين يتبعون الهوى، من الذين قادهم الهوى إلى المهالك فعصوا الرحمن وأطاعوا الشيطان، وهكذا من اتبع هواه سوف يضل ويقع في مزالق الهلكة، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] ويقول الله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. وبعض النساء اللواتي اتبعن طريق الشيطان مع اللهو والملاهي، والأفلام والمسلسلات، واستماع الأغاني الماجنات، فضاعت أوقاتهن بغير طاعة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيتها المسلمة: يجب علينا جميعاً إذا أردنا أن نحوز على دعوة رسول الله ﷺ التي قال فيها: ﴿فطوبى للغرباء﴾ فإننا في زمن الغربة، وفي زمن كثرت فيه الفتن والمغريات والشهوات والشبهات، ولقد أخبر بذلك رسول الله ﷺ ولكنه قال: ﴿فطوبى للغرباء قيل: من الغرباء؟ قال: الذين يُصلحون ما أفسد الناس، أو يَصلحون إذا فسد الناس﴾. فإذا أردنا أن نحوز على هذه الدعوة؛ فلنكن من الصالحين المصلحين، فإذا جهل الناس فلا نجهل، وإذا عصى الناس فلا نعصي. أختي في الله: لعلك سمعت حديث زينب بنت جحش ﵂ التي أخبرت به فقالت: ﴿دخل عليَّ رسول الله ﷺ محمر الوجه وهو يقول: لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج! وحلق بالإبهام والتي تليها. فقالت زينب ﵂: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث﴾ اللهم سلِّم سلِّم، فيا أمة الله! كوني من الصالحات المصلحات، حتى إذا نزل العذاب نجاك الله من ذلك العذاب؛ لأنك من الصالحات المصلحات، فأمري بالمعروف وانهي عن المنكر. أسأل الله جل وعلا للجميع التوفيق والسداد. أختي في الله: إذا أردت العز والفخر والشرف في الدنيا والآخرة فافعلي الواجبات واتركي المحرمات، ومن المحرمات: التبرج والسفور، ولا شك أن من وسائل الزنا التبرج والسفور، ولا شك ولا ريب أن بالزنا فساد المجتمعات، وبالزنا كل شر وعار ومحنة وفساد وبلاء، ووالله ثم والله، ما سرى داء السفور والتبرج في أعضاء أمة ومفاصلها؛ إلا أوردها موارد الهلاك والتلف والفناء، والانحطاط والذل والشقاء، والتعاسة والانهيار والسقوط. وما لعن بنو إسرائيل إلا بعد أن تبرجت نساؤهم وتبخترت بالزينة. أيتها المسلمة: احذري أن تكويني من هذا الصنف الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهنَّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ الله أكبر! هذا الحديث -يا أمة الله- معجزة من معجزات رسول الله ﷺ ، فإن هذه الأمور نشاهدها الآن في أسواق المسلمين، وفي حفلات الأعراس، وفي كثير من المجتمعات، فإذا لبست المرأة ثوباً رقيقاً أو ضيقاً أو قصيراً، أو لبست ما يُسمى (العاري) الذي يعلق بالكتفين، فإنها تخرج شبه عارية والعياذ بالله، فإن كان رقيقاً شفافاً؛ فهو يصف ما تحته من العورة، وإن كان ضيقاً؛ فهو يبين حجم المرأة، وإن كان قصيراً؛ فلا تسألي عن فظاعة ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وأفظع من ذلك اللباس العاري الذي يتعلق بالكتفين، ما فتح علينا أخيراً من هذا البنطلون الذي فيه تشبه بأعداء الإسلام والمسلمين. أختي في الله: أسأل الله أن يفتح على قلوبنا وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وإلا فالأمر جد عظيم. فيا أمة الله: ارجعي إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، ففيهما التحذير من التشبه بأعداء الإسلام والمسلمين، ووالله الذي لا إله غيره إن نحن أخذنا بتعاليم الكتاب والسنة أفلحنا ونجحنا وشرف أمة الإسلام وزكاؤها بالأخلاق الكريمة والآداب الرفيعة والفضائل العالية، وذلك لا يوجد إلا في مدرسة محمد ﷺ الذي قال الله عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ولما سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ قالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾.

стр. 208

تحذير المسلمة من تغيير خلق الله أيتها المسلمة: اقتدي بأمهات المؤمنين، واقتدي بزوجات الأنصار والمهاجرين. واحذري أن تغيري خلق الله؛ فقد حذركِ رسول الله ﷺ من ذلك، ولعن من فعلت ذلك، قال عبد الله بن عمر ﵄: ﴿لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة﴾. والواصلة: هي التي تصل الشعر بشعر آخر، والمستوصلة: هي التي تأمر من يفعل بها ذلك، فقد حلت عليها لعنة الرسول ﷺ . والواشمة: هي التي تفعل الوشم، والوشم: غرز الإبرة في الوجه أو في اليدين ثم يحش كحلاً أو غيره مما يظهر لونه، وقد لعن رسول الله ﷺ من فعلت ذلك، وأيضاً ﴿لعن رسول الله ﷺ النامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله﴾. والنامصة: هي التي تنقش الحواجب حتى يكون رقيقاً دقيقاً أو ربما تزيله بالكلية، وتجعل بدله تلك الأصباغ، وقد لعنها رسول الله ﷺ . والمتفلجة: هي التي تجعل الفلج في أسنانها، أي: تبرد من أسنانها ليتباعد بعضها عن بعض، وقد لعنها رسول الله ﷺ . أيتها المسلمة: كوني خير خلف لخير سلف، كوني قدوة حسنة لأخواتك وزميلاتك وبناتك، فقد أخبر رسول الله ﷺ عن القدوة الحسنة أن له أجراً عظيماً فقال ﷺ : ﴿من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء﴾.

стр. 209

تحذير المسلمة من البدع أيتها المسلمة: احذري من البدع، واحذري من المحدثات في الدين، واحذري من التقليد الأعمى الذي يدسه عليكنَّ أعداء الإسلام في التمثيليات والأفلام والمجلات والأزياء الخليعة، والأغاني الماجنة الخبيثة التي تميت القلوب وتفسد الأخلاق، ولا يخدعنك الدجالون والمزورون ودعاة التبرج والسفور. أيتها المسلمة: كوني فطنة ويقظة، كوني على حذر من دعاة الشر والفساد؛ لأنهم دعاة هدم وتخريب ودمار، ويكفي فيهم أن الرسول ﷺ حذرنا من التشبه بهم فقال ﷺ : ﴿لا تتشبهوا باليهود والنصارى﴾ ﴿لا تتشبهوا بالمجوس﴾ ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ ﴿ليس منا من تشبه بغيرنا﴾ وهذه إنذارات محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. فاحذري ثم احذري من تخطيطات أعداء الإسلام والمسلمين.

стр. 210

الترغيب في الزواج المبكر أيتها المسلمة: لا تغتري بمن عزفن عن الزواج وضاعت أعمارهن بدون زواج، فبعضهن تقول: لا أتزوج حتى أكمل الدراسة، ثم تمضي عليها السنون ويتعداها الركب وتمكث عانساً، بدون زواج، وربما طال بها الأمد حتى تبلغ إلى سن ينقطع فيه الإنجاب، فعند ذلك فوتت على نفسها الزواج المبكر، وانقطعت من الذرية، وكم في التوجيهات الإسلامية من مصالح شتى للمسلمة في شئون حياتها، ولو أنها تزوجت مبكرة لأصبحت بذلك أُماً محترمة موقرة، وتكون مطمئنة مرتاحة قريرة العين، حيث أن الزوج يقوم بما أوجب الله عليه، ويوفر لها كل ما تحتاجه، من سكن وعطاء ووقاء وملبوس ومأكول ومشروب ومركوب، وحينئذ تعيش المرأة المسلمة مع زوجها وقرين حياتها ووالد أولادها عيشة الخير والهناء والسعادة تحت دوحات الإسلام السامقة، وفي ظله الظليل، بخلاف نساء الشرق والغرب اللواتي لم يعرفن الإسلام، فهن في غاية الإهانة والابتذال، يتمنين أن يكون لهن ما للمرأة المسلمة، فشتان ما بين أحكام القرآن والسنة، وأحكام الطواغيت من القوانين الوضعية، فاحمدي الله على هذا الدين الحنيف الذي أعطى المرأة حقها وأعزها وأكرمها.

стр. 211

المبادرة بالتوبة النصوح أيتها المسلمة: الله الله في التمسك بدين الإسلام، الدين الحنيف الذي ختم الله به جميع الأديان، وبادري بالتوبة النصوح إلى الله إن صدر منك بعض المخالفات التي مر ذكرها، فتوبي إلى الله وارجعي إليه قبل أن ينزل بك هادم اللذات. واعلمن أيتها الأخوات في الله! أن الإنسان مهما عاش في هذه الحياة الدنيا فسوف ينتقل منها رغم أنفه، وسوف يهجم عليه هادم اللذات ومفرق الجماعات، وسوف يأخذه من قصره ومنزله ومن بين أهله وأولاده وأقاربه، ثم ينطرح جثة هامدة لا حراك فيها ولا إحساس، قال الشاعر: الموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها وإن توشحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين همُ كانوا لنا سكنا سقاهم الموت كأساً غير صافية فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا أيتها الأخوات في الله: اعلمنَ علم اليقين أن التوبة إذا صحت بأن اجتمعت شروطها وانتفت موانعها قبلت بإذن الله تعالى، إذا وقعت قبل نزول الموت -مهما كان الذنب- وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر﴾ أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فإذا بلغت الروح الحلقوم؛ فعند ذلك لن تقبل التوبة ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد سمعت -أختي في الله- الآيات حول المفِّرط إذا نزل به الموت ماذا يقول؟: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فهل يجاب على هذا المطلب؟ لا. لأن الله حدد لهذا الإنسان عُمْراً، فالعمر محدود والأنفاس معدودة، وقد خلقه الله لعبادته وطاعته، وأرسل إليه الرسل وأنزل معهم الكتب لئلا يكون له على الله حجة بعد الرسل، عند ذلك يطلب الرجعة ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فكم من امرأة إذا نزل بها الموت سوف تقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، لأن الأوقات ذهبت في السفور والتبرج، وفي المعاصي والسيئات، فهي تريد أن تصلح ذلك، ولكنَّ الله جل وعلا يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] فلن يجاب على هذا المطلب. فيا أمة الله: الله الله في التوبة النصوح والرجوع إلى الله .

стр. 212

قيام الليل أيتها الأخوات في الله: إن مما اتبلي به كثير من الناس في هذه الأزمان المتأخرة، هذا السهر الطويل المفرط، والسهر يضيِّع ويفوِّت خيرات كثيرة مع الأسف الشديد، فإذا سهر الإنسان فاتت عليه أوقات الفضائل، وقد كان من هديه ﷺ أنه كان أن يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، وأخبر ﷺ أن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله إلا أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة، فإذا فوتنا هذه الأوقات في القيل والقال والأمور التي لا يرضاها الله فقد فوتنا على أنفسنا خيرات كثيرة، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إن أن الله جل وعلا ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الأخير فيقول: هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟﴾. أختي في الله: هل لك حظ من قيام الليل؛ لتدركين هذا الفضل العظيم، حتى تكوني من الذين مدحهم الله بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]؟ هل لك حظ من قيام الليل؛ لتحوزي على الفضل العظيم الذي أخبر الله به في الحديث القدسي حيث قال: ﴿أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم يقول ﷺ : اقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ وماذا كانوا يعملون؟ يا أمة الله! ارجعي إلى أول الآية وإذا ربنا يقول: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] فاحذري -يا أمة الله- من هذا السهر المفرط، وتوبي إلى الله ، واهتدي بهدي محمد ﷺ ، واجعلي لك نصيباً من الليل، قومي آخر الليل، وصلي في تلك الساعة المباركة ليحصل لك الفضل العظيم.

стр. 213

التوبة من الغيبة والنميمة ومما ابتليت به كثير من النساء: الغيبة في المجالس فتجدين بعض النساء ليس لها هم إلا الغيبة، وأكل لحوم الآخرين قال ﷺ : ﴿رأيت ليلة أسري بي أقواماً لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم﴾ وتحدثت عائشة ﵂ عند رسول الله ﷺ فقالت: [[حسبك من صفية أنها كذا وكذا]]. يقول بعض العلماء: إنها قالت: قصيرة فتغير رسول الله ﷺ وغضب أشد الغضب، وقال: ﴿يا عائشة! لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته﴾ أي: لغيرت لونه وريحه، فيا أمة الله! احذري من الغيبة فإن عاقبتها وخيمة، وإنها تقضي على الحسنات. واحذري يا أمة الله: من النميمة، فقد مر الرسول ﷺ بقبرين فقال: ﴿إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله﴾ وأخبر ﷺ عن النمام فقال: ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾.

стр. 214

التوبة من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم واحذري -يا أختي في الله- من قطيعة الرحم، واحذري من عقوق الوالدين، واحذري من السباب والشتام، وعودي لسانك على كثرة ذكر الله والتسبيح والتهليل، ثم اسمعي إلى هذه الحالة التي ذكرها بعض الأطباء، يقول: كانت امرأة مريضة مرض القلب فدخل الطبيب يريد أن يأخذ الأجهزة التي عليها لأنها قربت وفاتها، وقرب وقت انتقالها من هذه الدنيا، فلما اقترب منها الطبيب وإذا هي تفتح عينيها وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك فاضت روحها وماتت رحمها الله، فتعجب منها الطبيب! وخرج من الباب وإذا بزوجها يقابله عند الباب، فقال: ما هي الأحوال؟ قال: أحسن الله عزاءك، ولكني رأيت منها أمراً عجبت منه! قال: ماذا رأيت منها؟ قال: وأنا آخذ الأجهزة منها وهي في آخر رمق فتحت عينيها وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فتعجبت من ذلك! قال: لا تعجب -يا أخي في الله- فهي معي منذ خمسٍ وثلاثين سنة ما تركت قيام الليل إلا من عذر الله أكبر! فيا أمة الله: الله الله في تقوى الله، الله الله في طاعة الله ، حتى إذا نزل بك هاذم اللذات، وجاءك ملك الموت، وكانت معك أعمال صالحة ترضي الله . أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزقنا جميعاً توبةً نصوحاً، وأن يجعلنا جميعاً هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أقر أعيينا وأفرح قلوبنا بصلاح أولادنا ونسائنا إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وقاداتنا، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم وفق من سعى في هذه السلسلة واجعلها سلسلة مباركة، اللهم اجعلها سلسلة مباركة لمن قرأها وحضرها وسجلها ودعا إليها إنك على كل شيء قدير. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 215

التذكرة بحال الدنيا والآخرة لقد جعل الله هذه الحياة الدنيا داراً للابتلاء والامتحان، وحذَّر من الانغماس في ملذاتها والجري وراء حظوظها، وبيَّن حقارتها وسرعة زوالها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فعلى المرء المسلم ألا يغفل عما خلق له من عبادة الله تعالى، وعليه أن يكثر من التزود من الأعمال الصالحة، وأن يجعل الموت وقرب الرحيل نصب عينيه؛ فإن ذلك يعينه على التقلل من الدنيا والزهد فيها.
следующие страницы →