← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

من أسباب دخول النار: الكفر بأركان الإيمان أمة الإسلام: النوع الثاني من الكفر الذي يدخل النار: الكفر بالله أو بملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو قضاء الله وقدره, فمن أنكر شيئاً من ذلك تكذيباً أو جحداً أو شكاً فيه فهو كافر مخلد في النار, قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١].

стр. 1507

من أسباب دخول النار: إنكار ركن من أركان الإسلام النوع الثالث: من أنكر شيئاً من أركان الإسلام الخمسة, فمن أنكر توحيد الله أو الشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة, أو عمومها لجميع الناس, أو أنكر فريضة الصلوات الخمس, أو أنكر فريضة الزكاة, أو أنكر صوم رمضان, أو أنكر الحج, فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله, وإجماع المسلمين، وكذلك كل من أنكر تحريم الشرك، أو قتل النفس التي حرم الله، أو أنكر تحريم الزنا، أو أنكر تحريم اللواط، أو أنكر تحريم الخمر، أو غيرها مما تحرمه الشريعة الإسلامية وهو ظاهر صريح في كتاب الله، أو في سنة رسوله ﷺ , من أنكر ذلك أو أحل شيئاً مما حرمه الله فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ﷺ .

стр. 1508

من أسباب دخول النار: الاستهزاء بالله أو بدينه أو برسوله ﷺ النوع الرابع: الاستهزاء بالله ، أو بدينه أو برسوله ﷺ ، قال الله تعالى مصرحاً بكفر من فعل ذلك في كتابه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهذه هي المصيبة العظمى التي وقع فيها كثير من الناس في هذا الزمان. الاستهزاء هو: السخرية، وهو من أعمال المنافقين الذين وعدهم الله هذا الوعيد، فاسمعوا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨].

стр. 1509

من أسباب دخول النار: سب الله تعالى والنوع الخامس: هو سب الله تعالى, ومن يجترئ أن يسب الله؟! ومن يجترئ أن يسب الله الخالق الرازق المدبر؟! ومن يجترئ أن يسب رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء؟! ولكن بعض الناس يتجرأ على الله الذي خلقه من نطفة من ماء مهين، فيسب الله تعالى أو يسب الدين أو يسب الرسول ﷺ , وهذا هو القدح والعيب, وذكرهم بما يقتضي الاستخفاف والانتقاص، كاللعن والتقبيح ونحو ذلك، فمن فعل ذلك فهو كافر, وقد توعده الله بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨].

стр. 1510

من أسباب دخول النار: الحكم بغير ما أنزل الله والنوع السادس: الحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أنه أقرب إلى الحق وأصلح للخلق, فمن حكم بغير ما أنزل الله معتقداً ذلك فهو كافر, لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].

стр. 1511

من أسباب دخول النار: النفاق والنوع السابع: هو النفاق -نعوذ بالله من النفاق- وهو أن يكون كافراً بقلبه, ويظهر للناس أنه مسلم، وهذه هي المصيبة العظمى, كافر بقلبه، ويظهر للناس أنه مسلم، وإما بقوله أو بفعله، وهذا صنف أعظم كفراً من الكفار, ولذلك كانت عقوبة أصحابه أشد، فهم في الدرك الأسفل من النار؛ وذلك لأن كفرهم جامع بين الكفر والخداع والاستهزاء بالله وآياته ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] ماذا يفعلون؟! ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [لبقرة:٩ - ١٠]. وللنفاق علامات كثيرة:- العلامة الأولى: الشك فيما أنزل الله، وإن كان يظهر للناس أنه مؤمن, ومنها كراهة حكم الله ورسوله. العلامة الثانية: أن المنافق يكره ظهور الإسلام وانتصار أهله، ويفرح بخذلانهم. العلامة الثالثة: أن المنافق يحب أن تظهر بين المسلمين الفتنة, ويحب تفريق المسلمين. العلامة الرابعة: لمز المؤمنين وعيبهم في عباداتهم، مثل الذين يستهزءون بأهل اللحى, هذه مصيبة -أيها الإخوة في الله- الذين يستهزءون بأهل اللحى، يسمونهم موسوسين، يقولون: (يا أبو لحية التيس!) (يا أبو المكنسة!) يا ويلهم مما أمامهم يوم القيامة. أكرر ذلك ولو حصل لي أن أكرر ذلك بعد كل الفروض من الصلاة لكررت ذلك؛ لأن الأمر عظيم، ووقع فيه الكثير من الناس, حتى إن بعض الناس أصابهم حيرة وشك في دينه، من الذين يرددون هذه العبارات لا كثرهم الله, يستهزءون بأهل اللحى ويسمونهم: موسوسين، أو يستهزءون بالذين يقتدون بالرسول ﷺ , الذين يلبسون الثياب القصيرة، فإنهم يسمونهم: متزمتين رجعيين، ويتسهزءون بالمرأة المتحجبة -مع الأسف الشديد- المتمسكة بدينها فيسمونها: رجعية أو متزمتة, نسأل الله العفو والعافية, إذا لم يتوبوا فيا ويلهم مما أمامهم! فيا أخي المسلم، ويا أختي المسلمة: الله الله بالتمسك بأهداب الدين الحنيف، ولا يلتفتوا إلى المنافقين أعوان الشياطين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. العلامة الخامسة: ثقل الصلاة والتكاسل عنها, قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] فهم يصلون لكن بصفتهم هذه -نسأل الله العافية- فلا يقومون إليها إلا وهم كسالى, ومع ذلك يراءون الناس، جمعوا بين الأعمال الخبيثة وبين الرياء والنفاق وبين التكاسل عن طاعة الله . فتش عن نفسك -يا عبد الله- هل أنت من هؤلاء؟ فبادر إلى الله بالتوبة النصوح واستعن بالله، وبادر إلى طاعة الله , وإن لم تكن منهم فاحمد الله , يقول نبي الرحمة محمد ﷺ : ﴿أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر﴾ أسأل الله العافية، أجل. الذين لا يعرفون الصلاة إلا في رمضان, لا يعرفون صلاة الفجر إلا في رمضان, وبعضهم ينزل ويرتحل ما رئي في المسجد أبداً, يا ويلهم مما أمامهم إن ماتوا من غير توبة, هذا رسول الله ﷺ يقول: ﴿أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر﴾. العلامة السادسة: أذية الله ورسوله والمؤمنين. العلامة السابعة: أنه إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر. فهذه طائفة من علامات المنافقين, ذكرناها للتحذير منها, ولتطهير النفس من سلوكها, اللهم إنا نعوذ بك من النفاق, ومن أعمال المنافقين. وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1512

من أسباب دخول النار: عقوق الوالدين والدياثة وإدمان الخمر الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي نصح الأمة, وتركها على البيضاء وحذرها من الشر وطرقه, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: اسمعوا أيضاً لعدة أسباب يستحق فاعلها دخول النار -نعوذ بالله من النار- منها عقوق الوالدين, والديوث الذي يقر الخبث في أهله, ومدمن الخمر, فقد ورد في الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ﴿ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقر الخبث في أهله﴾ رواه الإمام أحمد والنسائي.

стр. 1513

من أسباب دخول النار: قطيعة الرحم ومن أسباب دخول النار: قطيعة الرحم قال ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة قاطع﴾ قال سفيان ﵀: [[أي: قاطع رحم]] , رواه البخاري ومسلم , وقال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] ومن المؤسف أن كثيراً من المسلمين اليوم غفلوا عن القيام بحق الوالدين والأرحام, وقطعوا حبل الوصل، وحجة بعضهم: أن أقاربه لا يصلونه, وهذه الحجة لا تنفع؛ لأنه لو كان لا يصل إلا من وصله, لم تكن صلته لله، وإنما تكون مكافئة. عباد الله: إذا وصل رحمه وهم يقطعونه فإن له العاقبة الحميدة, وسيعودون فيصلونه, كما وصلهم إن أراد الله بهم خيراً.

стр. 1514

من أسباب دخول النار: مجموعة من الأسباب التي توجب دخول النار ومن أسباب دخول النار: أكل الربا وأكل مال اليتامى وشهادة الزور وأكل الرشوة واليمين الغموس. ومن أسباب دخول النار: القضاء بين الناس بغير علم, أو بجور وميل. ومن أسباب دخول النار: الغش للرعية, وعدم النصح لهم. ومن أسباب دخول النار: تصوير ذوات الأرواح من إنسان أو حيوان. ومن أسباب دخول النار: الكبر والنميمة. ومن أسباب دخول النار: استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب للرجال والنساء, وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما رجال معهم سياط يضربون بها الناس, ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾. كل ما تقدم من أسباب دخول النار له دليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ , ولولا الإطالة لذكرت ذلك مفصلاً, ومن أراد الدليل فليرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله. فاحذروا -أيها الإخوة في الله- أسباب دخول النار, واعملوا بالأسباب التي تبعدكم عنها؛ لتفوزوا بدار القرار, واعلموا أن متاع الدنيا قليل؛ لأنها سريعة الزوال, كما أخبر الله في محكم البيان. وأسأل الله أن يثبتنا وإياكم, وأن يثبتنا على الحق, وأن يحيينا مسلمين, وأن يتوفانا مسلمين, وأن يجعل أعمالنا كلها صالحة, وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم, ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم اشدد عليهم وطأتك, وارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق, إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله، الذي لا إله إلا هو، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام, اللهم إنا نستغيثك يا مغيث اللهفات, يا مجيب الدعوات، يا مفرج الكربات, يا محيل الشدائد والبليات، لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت الغني ونحن الفقراء، يا علي يا عظيم, يا حليم يا عليم, نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين، يا أجود الأجودين، يا من خزائنه ملأى, لا تنقصها النفقات, يا من يداه مبسوطتان, ينفق كيف يشاء، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق, اللهم إنا نسألك غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً, سحاً غدقاً, نافعاً غير ضار, اللهم احيي بلدك الميت, اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة, وإليه المآب, لا إله إلا أنت, ولا رب لنا سواك. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

стр. 1515

وداعاً شهر رمضان يرحل عنا شهر رمضان، وقد مضت أيامه ولياليه سراعاً كساعة من نهار، خرج منه المجتهدون بوافر الحظ والنصيب، وضيع حسناته المفرطون المحرومون. ولقد شرع لنا ربنا الكريم في ختام شهر رمضان عبادات جليلة منها: زكاة الفطر والتكبير وصلاة العيد.

стр. 1516

شهر رمضان مستودع للأعمال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن فضله شرع لنا ما يقرب إليه من صالح الأعمال ويسرها، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الذنوب والسيئات، أحمده سبحانه على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المعروف بالفضل والإحسان على الدوام. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من صلى وصام، وتهجد وقام، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن على نهجهم استقام، وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ، وفكروا ماذا عملتم في شهر رمضان الذي قارب وأوشك على الارتحال، وسيكون شاهداً لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، لقد كانت أيام هذا الشهر الكريم، معمورة بالصيام والقيام والذكر وقراءة القرآن، فيا أسفاً على تلك الليالي والأيام! لقد مضت سراعاً كساعة من نهار، وأخذ المجتهدون منها بوافر الحظ والنصيب.

стр. 1517

حال المفرط أما المفرط المحروم فقد أضاعها وذهبت عليه هباء، يتمنى لو عاد الشهر من أوله ليتلافى ما فرط وأضاع، وهيهات هيهات فكم وعظهم الواعظون، ونصحهم الناصحون، ولكنهم كحمر مستنفرة يفرون ويتهربون، وعن الخيرات يبتعدون، قد ران على قلوبهم الران، وخدعهم والله طول الأمل، وغرهم بالله الغرور. فتمادوا في المعاصي في مختلف ألوانها وأشكالها، فلو رأيتهم وهم يأخذون الأُهبة والاستعداد للسفر لبلاد الكفر والفساد، ليجدوا جواً مهيأ لهم في فعل المنكرات، من شرب المسكرات، وفعل الزنا واللواط، والجلوس في أماكن تدفعهم إلى ارتكاب أقبح الجرائم والذنوب، من أفلام سينمائية قذرة، تصور الإثم وتدعو إلى الفساد والتحلل عن الأخلاق الفاضلات، ومع الأغاني الخليعة وغيرها من التمثيليات الأثيمة التي تفسد الأخلاق، وتصور الميوعة والانحلال التي يدعو إليها الشيطان وأعوانه من المفسدين في الأرض، ليصدوا بها العباد عن طاعة الله. عباد الله! يا من صمتم شهر رمضان! وترجون من الله القبول، احذروا المعاصي فإنها برهان واضح على الغفلة، احذروا المعاصي فإنها نكران للجميل، احذروها فإنها كفران لنعمة المنعم العظيم، فمن حق المنعم جل وعلا أن يُشكر ولا يُكفر، وأن يطاع ولا يعصى، ويُحمد ويُعبد، ولا يعصى طرفة عين.

стр. 1518

المبادرة للعمل الصالح عباد الله! إنكم تودعون شهر رمضان وقد قارب الارتحال، فهذه آخر جمعة من شهركم الكريم، وهو شاهد عليكم غداً بما أودعتموه وبما أضعتم، فيا ليت شعري هل يرحل حامداً فعلكم، أو ذاماً تضييعكم. فبادروا عباد الله! بادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة قبل الارتحال إلى القبور، وانهضوا إلى فعل الأسباب الموصلة إلى رحمة الله قبل طي الكتاب، وبادروا بالتوبة والاستغفار ما دمتم في زمن الإمكان، قبل إغلاق الباب وإسبال الحجاب، وقبل أن يختم على كل عمل بما فيه من حسن أو قبح. فهذه أيام الخيرات والبركات، أيام إعتاق الرقاب الموبقات، أيام رمضان ولياليه قد تصرمت وأوشكت على الانتهاء، لقد كانت مواسم لمضاعفة الأجور والغفران.

стр. 1519

ما يشرع في ختام رمضان عباد الله! إن الله شرع لكم في ختام شهركم، شرع لكم التكبير عند إكمال العدة من غروب الشمس ليلة العيد إلى وقت صلاة العيد، وصفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، واجهروا بهذا التكبير في المساجد، والبيوت والأسواق، إعلاناً بتعظيم الله، وإظهاراً لعبادته وشكراً له على تمام الصيام. أمة الإسلام! ما أجمل حال المسلمين! وهم يكبرون الله تعظيماً وإجلالاً في كل مكان، عند انتهاء شهر الصوم، ما أجملهم وهم يملئون الآفاق تكبيراً وتحميداً وتهليلاً! يرجون رحمة الله ويخافون عذابه. كما شرع لكم صلاة العيد، ويسن الخروج إليها ماشياً إذا لم يشق عليه المشي، ويلبس أحسن الثياب، مع الحذر من المحرم مثل الحرير والذهب، فإنهما حرام على الذكور من أمة محمد ﷺ ، ويؤدي الصلاة بخشوع وحضور قلب، ويكثر من ذكر الله ومن دعائه، ويتذكر بذلك الاجتماع اجتماع الناس على صعيد واحد يوم القيامة، في ذلك الموقف العظيم بين يدي الله ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. اللهم بارك لنا بالقرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يتقبل منا الصيام والقيام والدعاء، وأن يرزقنا التوبة النصوح إنه على كل شيء قدير فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1520

زكاة الفطر الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله ربي ورب كل شيء ومليكه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل خلق الله على الإطلاق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 1521

مقدار زكاة الفطر ونوعها أيها المسلمون! لقد شرع لنا ربنا الكريم في ختام هذا الشهر عبادات جليلة، نزداد بها إيماننا، وتكمل بها عباداتنا، وتتم بها علينا النعمة، شرع لنا ربنا في ختام هذا الشهر: زكاة الفطر، والتكبير، وصلاة العيد، فأما زكاة الفطر فهو صاع من طعام، صاع من البر أو التمر أو الزبيب أو الإقط أو الرز أو غيرها من قوت البلد. قال أبو سعيد ﵁: ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من طعام﴾ وكلما كان من هذه الأصناف أطيب وأنفع للفقراء؛ فهو أفضل وأعظم أجراً، تطيب بها نفساً، وأخرجوها من أفضل ما تجدون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. وهي ولله الحمد قدر بسيط لا يجب في السنة إلا مرة واحدة، فكيف لا يحرص الإنسان على اختيار الأطيب، مع أنه أفضل عند الله وأكثر أجراً، ويجوز أن يوزع الإنسان فطرته على عدة فقراء، وأن يعطي الفقير الواحد فطرتين فأكثر، وزكاة الفطر فرض على جميع المسلمين الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الملك والمملوك، فأخرجوها عن أنفسكم، وعمن تنفقون عليه من الزوجات والأقارب، ولا يجب إخراجها عن الحمل الذي في بطن أمه، وإن أخرج عنه فهو خير وأفضل.

стр. 1522

وقت إخراجها والأفضل في وقت إخراجها: يوم العيد قبل صلاة العيد، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين فقط، ولا تجزئ بعد صلاة العيد، بل تكون بعد صلاة العيد صدقة من الصدقات، ويأثم بتأخيرها، وتدفع إلى الفقراء، ولا يجوز لغني أخذها، ويجوز للفقير أن يوكل شخصاً في قبض ما يدفع إليه من زكاة، فإذا وصلت الزكاة إلى يد الوكيل، فإنها وصلت إلى يد موكله.

стр. 1523

حكم إخراجها نقداً واعلموا يا عباد الله! إنه لم يرد عن رسول الله ﷺ أنه أخرج قيمتها، ولا أخرجها أحد من الخلفاء الراشدين، فمن أخرج القيمة فإنه يكون مخالفاً لهدي رسول الله ﷺ ، ومخالفاً لهدي خلفائه الراشدين الذين قال فيهم: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين﴾. وصلوا يا عباد الله! على خير خلق الله محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم فقال قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد البشير النذير، والسراج المنير، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم واحم حوزة الدين، اللهم ودمر اليهود وأعوانهم، والمبشرين والشيوعيين، اللهم ألف بين قلوب المسلمين، ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا، اللهم اجعلنا وإياهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين يا رب العالمين، وآتنا اللهم ربنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1524

اتقوا الله واشكروا النعم إن الواجب على المسلم أن يعتبر ممن قبله من الذين لم يشكروا نعم الله عليهم، مثل قرية سبأ التي أنعم الله عليها بالنعم العديدة، فما شكروا الله وأعرضوا عنه، فأرسل الله عليهم سيل العرم، وأبدلهم مكان النعمة العذاب والخسران، وهذه هي سنة الله في الذين يكفرون نعمه ولا يشكرونها. والشكر لا يكون باللسان فقط؛ بل بالأعمال الصالحة المختلفة كالصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الأعمال الصالحة.

стр. 1525

كفران النعم سبب لزوالها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله ، وتفكروا في هذه النعم التي أمدكم الله بها ومن أهمها وأكبرها نعمة الإسلام، والأمن، والاستقرار والصحة والعافية في الأبدان ونعم رغد العيش، ونعمٌ كثيرةٌ، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨]. عباد الله: لقد أنعم الله علينا بنعمٍ كثيرةٍ وافرةٍ في هذه البلاد الواسعة الأرجاء، بينما كثيرٌ من الناس في كثيرٍ من الأقطار والأمصار يعانون من المخاوف وعدم الاستقرار، وعدم الأمن، وتهددهم المجاعات، وتطحن عليهم الحروب رحاها؛ ففرقتهم ومزقتهم كل ممزق، فهم ما بين جريح وقتيل، ويتيم وأرملة، ومشلول ومعلول، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 1526

سبب إهلاك الله لقوم سبأ عباد الله: إن الله ليس بظلام للعبيد، وليس بينه وبين خلقه نسباً، فتلكم -يا عباد الله- عواقب المعاصي والإجرام وتعدي حدود الله، فإن الله يملي للظالم فإذا أخذه فإنه يأخذه أخذ عزيز مقتدر، واسمعوا إلى القرآن وهو يخبر عن أمة كفرت نعم الله وجحدتها قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٥ - ١٧]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان ﵇ من جملتهم، وكانوا في نعمةٍ وغبطةٍ في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله ﵎ الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده ﵎، ويعبدوه حق عبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد شذر مذر، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] ولكنهم عافوا هذه النعمة، وسئموها كما سئمت بنو إسرائيل المن والسلوى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩].

стр. 1527

سنة الله في الذين يكفرون بنعمه وضرب الله أيضاً مثلاً لعصاة ولكفار آخرين، ومنهم أهل قريش لما كفروا النعمة وبطروها، والمثل لقريش وغيرهم ممن كفروا نعم الله وجحدوها ولم يستعملوها في طاعة الله ، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] وأخبر الله أنه أرسل إليهم رسولاً منهم ﷺ ، ولكنهم عتوا وكفروا ولم يطيعوا؛ فعذبهم الله جلا وعلا، وما ربك بظلام للعبيد، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل:١١٣]. نعم يا عباد الله: هذه سنة الله في خلقه، فإن الناس إذا كفروا نعمة الله؛ فإن الله يغار على نعمه؛ فيحل الخوف بدلاً من الأمن؛ وتحل النكبات والكوارث والفقر والجوع والتشريد والجلاء عن الديار، وهلاك الأنفس، وتلاف الأموال، والترويع والإرهاب، والتخريب والاغتيالات، والاختطاف وتفجير القنابل المروعة التي تهدم المباني المشيدة، وتهلك النفوس الكثيرة، وتلحق الأضرار البالغة بالجراحات والتشويه، وما يتبع ذلك من نهب الأموال، وقطع الطرق ونشر المخاوف، كل ذلك يجري إذا كُفرت النعمة، وغير العباد الطاعة بالمعصية، وأغضبوا جبار الأرض والسماوات، فإنه يغار ويسلط ويسلب النعم ويحل النقم، فهو القادر على كل شيء، وهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قال الله وهو أصدق القائلين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]. عباد الله: اسمعوا إلى ربكم يحذركم في محكم البيان، وكذلك رسوله ﷺ في سنته المطهرة، فهل من أذن تسمع؟ وهل من قلبٍ يتعظ؟

стр. 1528

ظهور بوادر الشرك وكفران النعمة يا أمة الإسلام: إن الوضع يحزن؛ لقد ظهرت بوادر الشر وكفران النعمة من تضييع الصلاة، انظروا المساجد بعد أن خرج شهر رمضان كيف ودعها الكثير من الناس وهم ينعمون بالصحة والعافية والأمن والاستقرار؟ أجل. إنهم كفروا هذه النعمة، وقابلوا مسديها بالنكران للجميل. نعم -يا عباد الله- فكثير من البيوت تمتلئ بالرجال والأولاد الذين لا يشهدون الصلاة في المساجد، ومنهم من يترك الصلاة بالكلية، وهناك بيوت تمتلئ بآلات اللهو والأفلام الخليعة، وترفع فيها أصوات المطربين والمطربات بالأغاني الخليعة والأصوات الفاجرة، وهناك أناس هتكوا ستر الحياء، وذبحوا الشيمة والمروءة، وتساهلوا في أمر نسائهم ومحارمهم، فتركوهن يخرجن للأسواق متبرجات متعطرات، وبعضهم جلبوا إلى بلاد المسلمين قطعاناً من الرجال والنساء الأجانب وأدخلوهم في بيوتهم، وخالطوهم مع عوائلهم باسم خدامين وخدامات، ومربين وسائقين، وأكثرهم كفرة وملاحدة جاءوا لإفساد عقائد المسلمين وأخلاقهم، وتدمير بيوتهم، وغير ذلك من المنكرات التي حدثت في بلادنا مؤذنةٌ بزوال تلك النعم إن لم نتدارك أمرنا ونقلع عما نحن فيه، ونتآمر بالمعروف، ونتناهى عن المنكر، ونأخذ على أيدي سفهائنا بجدٍ وحزمٍ، ولنستمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] وهذه سنة الله في خلقه، إذ هو يقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء:١٧]. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن فجاءة نقمتك، ونعوذ بك اللهم من جميع سخطك، اللهم صلِّ على محمد، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1529

انتشار ظاهرة الإسراف الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد النبي الأمين الناصح الذي ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتها، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله ، فلقد أنعم الله عليكم بنعمٍ كثيرةٍ، وجاد علينا بخيراتٍ وافرةٍ، غفلنا عنها وعن ضدها، وجهلنا حكمتها، وأعطانا ربنا جل وعلا النعم الكثيرة الظاهرة والباطنة، والله أوجب علينا الشكر لنعمه، وهو الغني الحميد، غني عن العالمين، والخلق هم الفقراء إليه كما أخبر : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] وليس لله في شكرنا منفعةٌ تعود عليه، ولا في كفر نعمه ضررٌ عليه، إنما تعود منفعة الشكر على الشاكر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. عباد الله: تسمعون ما يحصل في كثيرٍ من المناسبات من البذخ والتبذير والإسراف مما يندى له الجبين، ويقشعر منه الجلد، كل ذلك جرياً وراء العادات، ووراء التقاليد مباهاة ومفاخرة، حتى إن البعض من الناس صارت عنده العادات بمنزلة الفريضة، فبعضهم إذا نزل عليه ضيف ولو كان واحداً قدم له الذبيحة، ثم يأخذ منها بقدر ما يأخذ الضيف، والباقي أين يوضع يا عباد الله؟! لو نذكر هذه العبارة مع البكاء حتى ينفد الدمع ويتبعه الدم؛ ما قدرنا أن نعبر عما يفعله الناس، أين يوضع الباقي يا عباد الله؟! إن الإنسان يستحي أن يقول: إنه يوضع في محل النفايات مع القاذورات، في محل حتى الكلاب والقطط لا تأكل منه، أليس هذا يا عباد الله من كفر النعمة؟ بلى والله. ثم بلى والله. ثم حدثوا يا عباد الله: عن البراري والصحاري، وما يوضع فيها ولا حرج، إن البعض من الإخوان الثقات، قال لي: لقد رأينا (قلاب) وهو يظهر منه حرارة، فتتبعناه، فإذا هو يفرغ طعاماً كثيراً، سبع ذبائح لم يؤخذ منها شيء إلا القليل قدر البيضة، وبعضها لم يؤخذ منها شيء. ثم زيادة على ذلك ما يدفع من النقود الباهضة للفنادق وغيرها من قصور الأفراح في مناسبات الزواج، وربما كان ذلك كله دينٌ في ذمة الزوج، قد استدانه من تجار حمَّلوه ما لا يطيق (فيا ليت للصقيمة الوليمة) ولو أن إيجارات قصر الأفراح ترد على الزوج ليقضي ما عليه من الدين، واكتفى بشيءٍ يسير يجتمع عليه هو وأقاربه وجيرانه لكان في ذلك كفاية وخير كثير كما قال رسول الله ﷺ لـ عبد الرحمن بن عوف: ﴿أولم ولو بشاة﴾ والصحابة في حاجة، وشدة جوع، ويقول له ﷺ : ﴿أولم ولو بشاة﴾. ولكن متى نرعى النعمة يا عباد الله؟ متى نقيد النعمة يا عباد الله ونحن نبذر ونسرف في تلك المناسبات! حتى -يا عباد الله- إذا حل بنا ما حل بالمجاورين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهم بطروا النعمة وكفروها، وأخيراً صاروا يبحثون عنها مع الوحوش ليسدوا رمق الجوع، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما هي من الظالمين ببعيد. اللهم أيقظنا من غفلاتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

стр. 1530

شكر النعم عباد الله: أيدوا النعمة بالشكر، ولا يكفي الشكر باللسان، بل بالقيام بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، وبالمحافظة على الصلوات في بيوت الله، وبأمر الأولاد بالصلاة، وبمناصحة الجيران والزملاء، لنجعل مجتمعاتنا دائماً وأبداً على طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ حتى تدوم هذه النعمة؛ ويزيدنا الله من فضله، فإن الله وعد الشاكرين بالمزيد، أما إن كفرنا هذه النعمة، فإنه وعد من كفر النعمة بالانتقام والعذاب الشديد. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها، وأكرمها علينا، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الإسلام والمسلمين، واشدد وطأتك على أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وقيض لهم القرناء الصالحين، والجلساء الصالحين الناصحين يا رب العالمين، اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداةً مهتدين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، وصلوا على رسول الله!

стр. 1531

تحريم الربا كثر في زماننا هذا التعامل بالربا، واقتات منه الأبناء والأولاد، وهو محرم في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ بأدلة واضحة صريحة لا غبار عليها. ويرى الشيخ أن هناك صورة من صور الربا يتعامل بها الناس كثيراً اليوم، ويرى أن حقيقتها حيلة، كما تعرض الشيخ لمضار الربا وذكر معظمها.

стр. 1532

التحذير من الربا في الكتاب والسنة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الحمد لله القائل في محكم كتابه: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى: ﴿ما أحدٌ أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 1533

التحذير من الربا في القرآن فيقول الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣٢]. هكذا القرآن جاء محذراً من هذه الجريمة، ومتوعداً من ارتكب هذه الجريمة ألا وهي الربا.

стр. 1534

التحذير من الربا في السنة النبوية تأتي السنة -وهي الوحي الثاني- وتحذر تحذيراً بالغاً، فيقول رسول الله ﷺ : ﴿اجتنبوا السبع الموبقات -ونسوق الحديث بتمامه للفائدة- قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ رواه البخاري ومسلم. الشاهد من هذا الحديث: (أكل الربا) فأكل الربا من الموبقات المهلكات، ومن كبائر الذنوب. أيضاً يقول ﷺ : ﴿الربا ثلاثٌ وسبعون باباً أيسرها مثل: أن ينكح الرجل أمه﴾ لا حول ولا قوة إلا بالله! بئس البطن الذي يجر على مثل هذه الجريمة، يقول ﷺ في معرض اللعن: ﴿لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء﴾ يعني: في الإثم. أمة الإسلام: لقد توعد الله جل وعلا آكل الربا بالنار، وآذنه الله بالحرب، ولعنه رسول الله ﷺ إذا لم يتب ومات على تلك الحالة وقد قال: ﴿أيما جسمٍ نبت من سحت فالنار أولى به﴾ ويقول ﷺ : ﴿درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم أنه ربا أشد من ستٍ وثلاثين زنية﴾. ويقول ﷺ في حديث الإسراء: ﴿رأيت رجلاً يسبح في نهر دم، وكلما جاء ليخرج من هذا النهر؛ استقبله رجلٌ آخر على شاطئ النهر، وبين يديه حجارة ويرجمه بحجر منها في فيه حتى يرجع حيث كان، فسأل عنه ﷺ : من هذا الذي يسبح في هذا النهر من الدم ويلقم الحجارة؟ فقال: إنه كان يأكل الربا﴾. أيها المسلمون: إن الربا فساد في المجتمع واستغلال، بني على الشح والطمع، آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً، وذلك علمٌ لأكلة الربا يعرفهم به أهل الموقف، يقول عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في حديث مرفوع: ﴿إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بلاءً فلا يرفعنه عنهم حتى يرجعوا عن دينهم﴾ ويقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[إذا ظهر الزنا والربا في قرية آذن الله بهلاكها]]. وكما ذكرنا في الحديث السابق أن آكل الربا يعذب من حين يموت إلى يوم القيامة بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم، ويلقم الحجارة وتلك الحجارة هي المال الذي جمعه من حرام، فانقلب المال حجارة يلقم بها في البرزخ، فيلقم حجارةً من نار كما ابتلع الحرام الذي جمعه في الدنيا، هذا العذاب له في البرزخ قبل يوم القيامة مع لعنة الله له كما صح عن رسول الله ﷺ .

стр. 1535

صورة من صور الربا أيها المسلمون: إن للتحايل على الربا صوراً كثيرةً أكثرها شيوعاً ما ظهر في البيوت علانية بين أظهر المسلمين، ومنها: طريقة المداينة التي يستعملها كثيرٌ من الناس وهي: أن يتفق الدائن والمدين أولاً على المعاشرة، يتفق معه على الدراهم يقول: أريد عشرة آلاف العشرة باثني عشر، أو ثلاثة عشر، أو أربعة عشر، أو غيرها مثلاً، ثم يذهب به إلى صاحب دكان عنده أموال مكدسة سكراً، أو ربطات خام، أو غيرها، فيشتري الداعم شراءً ليس له به غرض سوى الوصول إلى بيع العشرة باثني عشر، أو ثلاثة عشر، أو إلى غير ذلك، والدليل الذي يوضح ذلك أنه شراءٌ صوري أنه لا يكاثر بالثمن، ولا يقلب السلعة، ولا يفككها كما يفعل المشتري حقيقة، وربما اتفق هو والتاجر خفية حتى يصطادون ذلك المسكين، وربما كانت هذه الأموال أفسدها طول الزمن، أو أكلتها الأرض؛ لأنها لم تنقل ولم تقلب، ولم تفكك، بعد هذا الشراء الصوري يبيع الدائن هذه السلعة على المدين المسكين بما اتفقا عليه من الربح، ثم يعود المدين، فيبيعها على صاحب الدكان وهي في محلها، ويخرج من الدكان بدراهم؛ وهذا هو عين التحايل.

стр. 1536

لماذا كانت هذه الصورة ربا أيها المسلمون: إن المبايعة بهذا البيع الصوري الذي يعلم الله جل وعلا ويعلم المتعاقدان أنفسهما أنهما لم يريدا حقيقة البيع، وإنما أرادا دراهم بدراهم، فإن هذه المداينة تشتمل على عدة محاذير: الأول: أنها تحايل على المحرم، وخداعٌ لله ولرسوله، والخداع من صفات المنافقين، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، ونقول لهذا المتحايل: إن حيلتك لن تغني عنك من الله شيئاً كما لم تغن حيل اليهود عنهم شيئاً. ثانياً: إن هذه المعاملة توجد القسوة في القلب والتمادي في الباطل. الثالث: إن في هذه المؤامرة السيئة معصية لله ولرسوله، فقد نهى نبينا ﷺ عن بيع السلع حتى تنقل، قال ابن عمر ﵄: ﴿كان الناس يبتاعون الطعام جزافاً، فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه﴾ رواه البخاري. يقول بعض الناس: أنا أشتري سيارة، ولم أستطع أن أدفع الثمن كاملاً، فهي تقدر بخمسة عشر ألفاً، ثم آتي لصاحب السيارة، فأقول: بعنيها إلى العام المقبل بثمانية عشر ألفاً، هل هذا ربا؟ نقول: لا. هذا يسمونه العلماء من المباح؛ لأنه يسمى بيعٌ مؤجل، والزيادة هذه لأجل الأجل، لذلك أباحه بعض العلماء. نعم -يا أمة الإسلام- علينا أن نتقي الله ، ونحذر من الوقوع فيما حذر الله ورسوله منه من أجل كسبٍ لا يعود علينا بالخير والبركة، فلنتب إلى ربنا، ولنتق الله ، ولنعرف الحقيقة في الدنيا قبل العذاب في الآخرة. اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم وفقنا لسلوك طريقك المستقيم، وارزقنا الزهد والورع في هذه الدنيا، وجنبنا ما فيه هلاكنا من السحت والطمع، واجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه إنك جوادٌ كريم، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1537

مضار الربا الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه، والمحذر من مساخطه ونيرانه، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 1538

الربا يقضي على التراحم ويساعد على البطالة فيا عباد الله: اتقوا الله ، واحذروا عقوبة المعاصي في الدنيا والآخرة، ومنها جريمة الربا التي تقضي على المودة والتراحم بين المسلمين، وتؤدي بالأغنياء إلى الكسل وانحرافهم عن الأعمال المشروعة من كسب الحلال، إذ يفضل بعض الأغنياء التعامل بالربا مع راحة البدن، ويفضلون ذلك عن الاشتغال بالزراعة والصناعات أو التجارة ونحوها مما يحتاج إلى تعب البدن وعنائه، ولا شك أن هذا ينشر البطالة، ويقتل روح التنافس بين أصحاب الحرف، ويؤدي إلى نقص الإنتاج وقلة موارد الثروات، وينتهي الأمر إلى الغلاء، أما إذا سد باب الربا فإن الأغنياء يستعملون أموالهم لأعمال نافعة بدلاً من تعطيلها واستعمالها للربا، ولاصطياد الناس.

стр. 1539

الربا سبب لغضب الله أمة الإسلام: الإسلام حرم الربا؛ لأنه يساعد على خلق نظام فاسد مخرب، الربا سبب لجلب غضب الله ، ومنها: تسليط الأمراض وبعض الكوارث لمن يتعاملون بالربا، فقد يقضي على حياتهم، ومضار الربا شديدةٌ أليمة وعاقبته وخيمة، والذين يتعاملون بالربا تضطرب نفوسهم وتختل حركاتهم، وتراهم إذا قاموا صاروا يتخبطون كمن أصابه مسٌ من الجنون، لا فرق في هذا بين الدائن والمدين، وإنما أصابهم ذلك لأنهم استحلوا الربا وعدوه كالبيع، وغاب عنهم أن هناك فرقاً عظيماً يجعل البيع حلالاً والربا حراماً، وإليكم التفصيل بكلام الله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. عباد الله: إن أصدق الحديث كلام رب العالمين، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، فعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله في كتابه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وأنعم بأولئك الرجال! اللهم ارض عنهم أجمعين، ووفقنا -يا حي يا قيوم- لاتباعهم والأخذ بطريقهم يا رب العالمين، والأخذ بسلوكهم إلى صراطك المستقيم. اللهم أعزنا بالإسلام، وارزقنا مناصرة الإسلام وأهله في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمر الشيوعيين واليهود والنصارى المبشرين، اللهم اشدد عليهم وطأتك يا رب العالمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين عليهم في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم إنا نجعلك في نحور أعداء الإسلام والمسلمين، ونعوذ بك من شرورهم يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة أمور المسلمين وولاتهم في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعينٍ لنا يا رب العالمين. اللهم ارفع عنا الغلاء والربا والوباء والزنا واللواط، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، واقض الدين عن المدينين، ولا تحوجهم إلى أهل الربا يا رب العالمين، اللهم يسر لنا ولهم اليسرى، وجنبنا وإياهم العسرى. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحدٍ من خلقك يا رب العالمين. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1540

صلاة الجماعة إن الصلاة هي الركن الثاني لهذا الدين، وهي صِلَة بين العبد وربه، وهي برهان على إيمانه وصدق إسلامه. ولقد أوجب الله تعالى على عباده أداء هذه العبادة الجليلة، والشعيرة العظيمة في جماعة، ولم يعذر أحداً في التخلف عنها لا في حال السلم ولا في الحرب.

стр. 1541

منزلة الصلاة في الإسلام الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، والحمد الله الذي أعزَّ بالإسلام من تمسك به، وذلَّ وخذل من ابتغى غير الإسلام ديناً، أحمده سبحانه وأشكره، بنى هذا الدين على أركان وأسس متينة، ومن أهمها بعد التوحيد: الصلاة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبلِّغ عن ربه دين الإسلام، وما مات حتى أكمل الله به الرسالة، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله حق تقاته وتمسكوا بأهداب دينه القويم. عباد الله! يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]. إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي تأخذ بيد المسلم المنقاد لله رب العالمين، فتوصله إلى الغاية الحميدة، ويأمن بها من العثرة، ومن الفزع يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. نعم يأمن المسلم بهذه الصلاة حين يخاف الناس، ثم هي للمسلم برهاناً على إيمانه وصدق إسلامه، وفي النهاية تكون له نجاة من النار، وما ذاك -يا عباد الله- إلا لعظم منزلة الصلاة من الدين القويم، ولأن الصلاة عمود الإسلام. أمة الإسلام! الصلاة هي الصِّلة الوثيقة بين العبد وبين خالقه وموجده، بينه وبين ربِّ العالمين، فإذا قطع العبد تلك الصلة، ونسي الله وترك الصلاة؛ قطع الله عونه ووكله إلى نفسه، ونسيه الله عند ذلك، فيتولاه الشيطان، ويكون من حزبه، فتقذفه المحن، وتتسلط عليه المصائب، وهيهات أن يُفلح عبدٌ تخلَّى عنه رب العالمين، وتولَّاه الشيطان الرجيم، إنه صار بترك الصلاة كافراً -والعياذ الله- برئت منه ذمة الله.

стр. 1542

وجوب الصلاة جماعة ولقد أكثر الله -سبحانه- من ذكر الصلاة في كتابه الكريم، وعظَّم شأنها، وأمر بالمحافظة عليها، وأمر بأدائها مع جماعة المسلمين في بيوت الله، وحذَّر من التهاون بها، والتكاسل عنها، وبيَّن أن ذلك من صفات المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿وإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. ومآل المنافقين في الدرك الأسفل من النار. ولقد أمر الله بالمحافظة على الصلاة في كتابه الكريم، فقال جلَّ من قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]. أجل يا عباد الله! إن الذي يتخلف عن أدائها مع الجماعة بدون عذر شرعي يكون عاصياً لله، ومرتكباً كبيرة من كبائر الذنوب، وسوف يَصْلَى وادٍ في جهنم ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]. ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] فهذه الآية نص في وجوب الصلاة في جماعة، ولو كان المقصود: هو إقامتها -فقط- لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية. ولقد أوجب الله الصلاة في جماعة في حال الحرب فكيف بحال السلم؟! أجل يا عباد الله! لو كان يُسامح أحدٌ في ترك الصلاة في جماعة لكان المُصَّافون للعدو، المهددون بهجومه عليهم أولى بأن يسمح لهم في ترك الجماعة، فلمَّا لم يقع ذلك؛ عُلِمَ أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا ينبغي لأحدٍ التخلفَ عنها. وجاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في بيان وجوب الصلاة مع الجماعة، حيث يقول أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : ﴿لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً أن يصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة؛ فأحرق عليهم بيوتهم﴾ الحديث. أمة الإسلام! عجباً لمن عرف الدليل وحاد عن الجادة! عجباً لمن يسمع: قال الله وقال رسوله، ويقول: أنا آخذ بكلام فلان وفلان وعلان! لو فكر هذا المسكين المعاند من أُمِر أن يتبع؟ هل أُمِرَ أن يتبع ويقتدي بفلان وفلان، أو أُمِرَ أن يقتدي ويتبع من جاء بالهدى والنور، الذي جاء بالشرع الحكيم، والذي يهدي إلى صراط الله المستقيم، الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]؟ إنه الشرع القويم الذي جاء به محمدٌ رسول الله ﷺ . أمة الإسلام! متى ظهر الحق واتضحت أدلته؛ فلا يجوز لأحد أن يحيد عنه لقول فلان وفلان؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩].

стр. 1543

الأدلة على وجوب الصلاة جماعة عباد الله! إن الأدلة في كتاب الله وفي سنة رسول الله على وجوب الصلاة في الجماعة، وإقامتها في بيوت الله كثيرة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد؛ فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ -ماذا رد عليه الرسول ﷺ ؟ - فقال له النبي ﷺ : هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب﴾. أجل -يا عباد الله- إن مكبرات الصوت -أي: الميكرفونات- حجة عليكم؛ إنها ليست تسمع فحسب! بل هي تهزُّ البيوت، ولكن -مع الأسف الشديد والحزن المرير- أكثر المجاورين لبيوت الله لا يحضرون الصلاة مع الجماعة في المساجد، إنها المصيبة العظمى، إنه الخطأ الكبير؛ الذي يشعر أن الكثير من المسلمين تخلوا عن دينهم، إنه الخطر الجسيم الذي يشعر أن الكثير من المسلمين ابتعدوا عن أهم موقف يقف فيه العبد بين يدي رب العالمين، إنه الإعلان -من كثير من المسلمين- بترك عمود الإسلام علانية، وبدون خوف من الواحد القهار، كيف وبعض المتخلفين عن الصلاة يستترون حتى تُقضى تلك الفريضة؟ يختفون في محلاتهم، أو يغلقونها ويقفون أمامها أمثال الشياطين، وبدون خوف من الله الذي يعلم السر وأخفى.

стр. 1544

استهزاء بعض الناس بالصلاة وبعضهم قد تكبرَّ على الله، وعلى ما جاءت به الرسل الكرام، حيث إنه إذا دعي إلى هذه الصلوات الخمس تكلم بكلمات تشمئز منها القلوب المؤمنة، إنهم يُسمَّون الصلاة رجعية، ويسمون من يصلي رجعي، ويُرمى بالجمود! لقد أكبروا الفرية، وما ربك بغافل عما يعمله الظالمون. لقد أخبر عبد الله بن مسعود ﵁، وهو من الصحابة الأجلاء، حيث قال ﵁: [[ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق عُلِمَ نفاقه أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة]]. وقال: [[إن رسول الله ﷺ علَّمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المساجد الذي يؤذن فيه]]. وقال أيضاً: [[من سرَّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم -وفي رواية: لكفرتم- وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف]]. عباد الله! إن الواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر العظيم، والمبادرة إليه، والتواصي به. اللهم وفقنا لما فيه رضاك وإصلاح أمر ديننا ودنيانا، اللهم أعذنا من مشابهة الكفار والمنافقين إنك جواد كريم ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. اللهم انفعنا بالقرآن العظيم وما صرّفت فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1545

عناية الإسلام بالأمر بالصلاة الحمد لله القائل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، مُعلِّم الخير والهدى، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بتمام الهدى، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله . أمة الإسلام! اعلموا أن شأن الصلاة عظيم، وقد بلغ من عناية الإسلام بالأمر بالصلاة بأن تقام في الحضر والسفر، في السلم والحرب، ولم يرخص في تركها للمريض، فقال ﷺ للمريض: ﴿صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب﴾ هذا في حق المريض، ومع الأسف الشديد! فبعض المرضى يدخل أحدهم في المستشفى ويخرج ولم يصلِّ فرضاً واحداً، يقول: أجمعها جميعاً، وهل تدري يا مسكين! هل تخرج معافى أم تخرج جنازة؟ ثم تبقى عليك هذه الفرائض دينٌ عليك تحاسب بها؛ لأنها حقٌ من حقوق الله.
следующие страницы →