Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
منزلة الصلاة في الإسلام
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، والحمد الله الذي أعزَّ بالإسلام من تمسك به، وذلَّ وخذل من ابتغى غير الإسلام ديناً، أحمده سبحانه وأشكره، بنى هذا الدين على أركان وأسس متينة، ومن أهمها بعد التوحيد: الصلاة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبلِّغ عن ربه دين الإسلام، وما مات حتى أكمل الله به الرسالة، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلِّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله حق تقاته وتمسكوا بأهداب دينه القويم.
عباد الله! يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي تأخذ بيد المسلم المنقاد لله رب العالمين، فتوصله إلى الغاية الحميدة، ويأمن بها من العثرة، ومن الفزع يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
نعم يأمن المسلم بهذه الصلاة حين يخاف الناس، ثم هي للمسلم برهاناً على إيمانه وصدق إسلامه، وفي النهاية تكون له نجاة من النار، وما ذاك -يا عباد الله- إلا لعظم منزلة الصلاة من الدين القويم، ولأن الصلاة عمود الإسلام.
أمة الإسلام! الصلاة هي الصِّلة الوثيقة بين العبد وبين خالقه وموجده، بينه وبين ربِّ العالمين، فإذا قطع العبد تلك الصلة، ونسي الله وترك الصلاة؛ قطع الله عونه ووكله إلى نفسه، ونسيه الله عند ذلك، فيتولاه الشيطان، ويكون من حزبه، فتقذفه المحن، وتتسلط عليه المصائب، وهيهات أن يُفلح عبدٌ تخلَّى عنه رب العالمين، وتولَّاه الشيطان الرجيم، إنه صار بترك الصلاة كافراً -والعياذ الله- برئت منه ذمة الله.
стр. 1542
وجوب الصلاة جماعة
ولقد أكثر الله -سبحانه- من ذكر الصلاة في كتابه الكريم، وعظَّم شأنها، وأمر بالمحافظة عليها، وأمر بأدائها مع جماعة المسلمين في بيوت الله، وحذَّر من التهاون بها، والتكاسل عنها، وبيَّن أن ذلك من صفات المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿وإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢].
ومآل المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
ولقد أمر الله بالمحافظة على الصلاة في كتابه الكريم، فقال جلَّ من قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
أجل يا عباد الله! إن الذي يتخلف عن أدائها مع الجماعة بدون عذر شرعي يكون عاصياً لله، ومرتكباً كبيرة من كبائر الذنوب، وسوف يَصْلَى وادٍ في جهنم ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥].
ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] فهذه الآية نص في وجوب الصلاة في جماعة، ولو كان المقصود: هو إقامتها -فقط- لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية.
ولقد أوجب الله الصلاة في جماعة في حال الحرب فكيف بحال السلم؟!
أجل يا عباد الله! لو كان يُسامح أحدٌ في ترك الصلاة في جماعة لكان المُصَّافون للعدو، المهددون بهجومه عليهم أولى بأن يسمح لهم في ترك الجماعة، فلمَّا لم يقع ذلك؛ عُلِمَ أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا ينبغي لأحدٍ التخلفَ عنها.
وجاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في بيان وجوب الصلاة مع الجماعة، حيث يقول أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : ﴿لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً أن يصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة؛ فأحرق عليهم بيوتهم﴾ الحديث.
أمة الإسلام! عجباً لمن عرف الدليل وحاد عن الجادة! عجباً لمن يسمع: قال الله وقال رسوله، ويقول: أنا آخذ بكلام فلان وفلان وعلان! لو فكر هذا المسكين المعاند من أُمِر أن يتبع؟
هل أُمِرَ أن يتبع ويقتدي بفلان وفلان، أو أُمِرَ أن يقتدي ويتبع من جاء بالهدى والنور، الذي جاء بالشرع الحكيم، والذي يهدي إلى صراط الله المستقيم، الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]؟
إنه الشرع القويم الذي جاء به محمدٌ رسول الله ﷺ .
أمة الإسلام! متى ظهر الحق واتضحت أدلته؛ فلا يجوز لأحد أن يحيد عنه لقول فلان وفلان؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩].
стр. 1543
الأدلة على وجوب الصلاة جماعة
عباد الله! إن الأدلة في كتاب الله وفي سنة رسول الله على وجوب الصلاة في الجماعة، وإقامتها في بيوت الله كثيرة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد؛ فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ -ماذا رد عليه الرسول ﷺ ؟ - فقال له النبي ﷺ : هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب﴾.
أجل -يا عباد الله- إن مكبرات الصوت -أي: الميكرفونات- حجة عليكم؛ إنها ليست تسمع فحسب! بل هي تهزُّ البيوت، ولكن -مع الأسف الشديد والحزن المرير- أكثر المجاورين لبيوت الله لا يحضرون الصلاة مع الجماعة في المساجد، إنها المصيبة العظمى، إنه الخطأ الكبير؛ الذي يشعر أن الكثير من المسلمين تخلوا عن دينهم، إنه الخطر الجسيم الذي يشعر أن الكثير من المسلمين ابتعدوا عن أهم موقف يقف فيه العبد بين يدي رب العالمين، إنه الإعلان -من كثير من المسلمين- بترك عمود الإسلام علانية، وبدون خوف من الواحد القهار، كيف وبعض المتخلفين عن الصلاة يستترون حتى تُقضى تلك الفريضة؟ يختفون في محلاتهم، أو يغلقونها ويقفون أمامها أمثال الشياطين، وبدون خوف من الله الذي يعلم السر وأخفى.
стр. 1544
استهزاء بعض الناس بالصلاة
وبعضهم قد تكبرَّ على الله، وعلى ما جاءت به الرسل الكرام، حيث إنه إذا دعي إلى هذه الصلوات الخمس تكلم بكلمات تشمئز منها القلوب المؤمنة، إنهم يُسمَّون الصلاة رجعية، ويسمون من يصلي رجعي، ويُرمى بالجمود! لقد أكبروا الفرية، وما ربك بغافل عما يعمله الظالمون.
لقد أخبر عبد الله بن مسعود ﵁، وهو من الصحابة الأجلاء، حيث قال ﵁: [[ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق عُلِمَ نفاقه أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة]].
وقال: [[إن رسول الله ﷺ علَّمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المساجد الذي يؤذن فيه]].
وقال أيضاً: [[من سرَّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم -وفي رواية: لكفرتم- وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف]].
عباد الله! إن الواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر العظيم، والمبادرة إليه، والتواصي به.
اللهم وفقنا لما فيه رضاك وإصلاح أمر ديننا ودنيانا، اللهم أعذنا من مشابهة الكفار والمنافقين إنك جواد كريم ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
اللهم انفعنا بالقرآن العظيم وما صرّفت فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1545
عناية الإسلام بالأمر بالصلاة
الحمد لله القائل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، مُعلِّم الخير والهدى، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بتمام الهدى، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله .
أمة الإسلام! اعلموا أن شأن الصلاة عظيم، وقد بلغ من عناية الإسلام بالأمر بالصلاة بأن تقام في الحضر والسفر، في السلم والحرب، ولم يرخص في تركها للمريض، فقال ﷺ للمريض: ﴿صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب﴾ هذا في حق المريض، ومع الأسف الشديد! فبعض المرضى يدخل أحدهم في المستشفى ويخرج ولم يصلِّ فرضاً واحداً، يقول: أجمعها جميعاً، وهل تدري يا مسكين! هل تخرج معافى أم تخرج جنازة؟ ثم تبقى عليك هذه الفرائض دينٌ عليك تحاسب بها؛ لأنها حقٌ من حقوق الله.
стр. 1546
عدم سقوط الصلاة بأي حال من الأحوال
الإسلام دين يسر، دين الكرامة والعزة ﴿صلِّ قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب﴾ هكذا دين الإسلام يدعو إلى السهولة واليسر، دين يدعو إلى العزة والمفخرة العظمى لأهل الإسلام؛ الذين تمسكوا به وأقاموه، وقاموا بواجباته على نور من الله وبرهان، وعلى رأس ذلك وفي مقدمات الدين الإسلامي: الصلاة التي هي الركن العظيم من أركان الإسلام، ومبانيه الذي لا يقوم إلا عليها، فمتى حافظ عليها العبد فإنها تهديه بنورها إلى الطريق السوي، ويبدو أثر ذلك في سلوكه واتجاهه نحو الخير وبعده عن الإثم والرذيلة.
يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن العبد إذا صلَّى فأحسن الصلاة صعدت ولها نور، وإذا انتهت إلى أبواب السماء فتحت أبواب السماء لها، وتشفع لصاحبها، وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وإذا أساء في صلاته فلم يتم ركوعها ولا سجودها ولا حدودها صعدت ولها ظلمة، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، فإذا انتهت إلى أبواب السماء غلقت دونها، ثم لفت كما يُلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها﴾ أو كما قال.
стр. 1547
وصية الرسول ﷺ بالصلاة
فاتقوا الله -عباد الله- وأقيموا فرائض الله وفي طليعتها: الصلاة، التي كان يُوصي بها رسول الله ﷺ وهو يلفظ آخر أنفاس الموت.
الصلاة الصلاة يا أمة الإسلام! لا يشغلنَّكم عنها، أو يحملكم على التهاون بأدائها في وقتها أي شاغل؛ من وظيفة أو رئاسة، أو ندوة أو بيع أو شراء، أو حرفة أو لهو أو غير ذلك؛ فإن في ترك فريضة رب العالمين غبناً يا له من غبن! ويا له من خسارة!
مروا أبناءكم بالصلاة وحثوهم عليها وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم إذا تركوها وهم أبناء عشر سنين؛ هكذا حثكم الناصح الأمين.
وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وهو القائل: ﴿من صلّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمَّر أعداء الدين، الذين يُفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين وأبناء المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم أنت حسبنا ونعم الوكيل، اللهم من أتى ليعلِّم أولاد المسلمين الخير فزده أجراً ومثوبة يا رب العالمين! ومن جاء ليعلم أولاد المسلمين الشر فأخرس لسانه واشدد على قلبه وأهلكه عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا، والزنا، واللواط، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين!
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم اجعل ما أنزلته لنا معونة على طاعتك، ومتاعاً إلى حين، اللهم اجعل ما أنزلته علينا من الغيث معونة لنا على طاعتك ومتاعاً إلى حين، واجعله يا رب العالمين يا قادر يا كريم، اجعله سُقيا رحمة ولا سقيا عذاب، ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم اجعله معونة على طاعتك ولا تجعله استدراجاً إلى معاصيك يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1548
الزواج والمهور
الزواج أمر فطري تدعو إليه الطباع والغرائز، وقد حث الإسلام على الزواج وإعفاف النفس كما عالج مشاكله، وحذر من عواقب تعسيره.
стр. 1549
علاج مشكلة العزوبة
الحمد لله على الإسلام, عظيم السلطان, أحمده سبحانه خلق الخلق من ذكر وأنثى, وجعل في ذلك عمارة الأكوان, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, ولا نظير ولا أعواناً, وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا آمرنا محمد بن عبد الله القائل عليه من الله أفضل الصلاة والسلام: ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج, فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن الله جلت قدرته ما أنزل القرآن إلا ليعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، فإن فيه كل دلالة على الخير وكل تحذير من الشر، وإن يحسن للمؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
стр. 1550
تيسير الزواج
في كتاب الله آية تعالج مشكلة اجتماعية، هي في الواقع مشكلة كل فرد من ذكر وأنثى، تلك هي مشكلة الزواج, فهو أمر فطري تدعو إليه الطباع والغرائز, وتترتب عليه أمارة الفوز, وقد كان من الواجب أن يصبح أمر الزواج والنكاح ميسراً؛ ليكون باستطاعة كل فرد أن يقدم عليه مهما كان وضعه، غنياً أو فقيراً، أميراً أو صعلوكاً، يقول الله ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] في هذه الآية الكريمة حث الله على تزويج الأيامى، والأيامى: جمع أيم وهي: المرأة لا زوج لها, والرجل لا زوج له, وكذلك في الآية الكريمة الوعد الصادر من رب العزة الذي لا يخلف الميعاد، وعد بالغنى والخير لمن يتزوج يريد العفاف، في الآية الكريمة أيضاً قطع لحجة الذين يقولون: لا نتزوج حتى نحصل على ما يكفل الحياة السعيدة.
стр. 1551
الغنى في النكاح
أمة الإسلام! في هذه الآية من كتاب الله ردٌ على الذين يقولون: لا نتزوج حتى نحصل على ما يكفل الحياة السعيدة, فهذا شعار باطل, فإن الحياة وما فيها من الأرزاق هي للحي القيوم القادر على كل شيء, وقد أخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ بأنه ﴿لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها﴾ فعلى الإنسان أن يفعل الأسباب، ويستعين بالله ويجزم في الطلب، ويعلم حق اليقين أن رزق الله لا يأتي به حرص حريص, ولا ترده كراهية كاره, وليعلم الماديون أهل الطمع والجشع أن الرازق والمعطي هو الله وحده لا شريك له, فإنه قادر أن يغني فقيراً ويفقر غنياً, فهذا رد على النظرة الخاطئة، الذين يقولون: لا نزوج فقيراً يزيده الزواج فقراً لفقره, فكم من فقير أصبح بعد زواجه موفور النعمة, قرير العين, يقول أبو بكر ﵁: [[أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الرباح]]
ويقول الصحابي الجليل ابن مسعود ﵁: [[التمسوا الغنى في النكاح]] ويقول رسول البشرية ﷺ : ﴿ثلاثة حق على الله عونهم ومنهم: الناكح يريد العفاف﴾ وقد زوج رسول الله ﷺ الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد, ومع هذا زوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن.
стр. 1552
عواقب غلاء المهور
ويقول ﷺ في توجيهه الصالح لأمته: ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ففي هذا التوجيه القيم من رسول الله ﷺ ، من الإنذارات والتحذير من واقعنا المرير الذي وقع فيه الكثير من الناس, من المتاجرة بالفتيات, والمباهات في المغالاة في المهور, حتى أثقل كاهل الشباب وتقاعسوا عن الزواج, وصار البعض -هدانا الله وإياهم- من الشباب لا يفكر إلا أن يحصل على قليل من النقود, فيذهب خارج البلاد ليقضي وطره في تلك البلدان التي فتحت أبوابها للشر والعار والفساد, ثم يرجع حاملاً معه كل فتنة وشر, وهلم جراً.
فلو تعاون الشباب وأولياء أمور الفتيات لكان ما ينفق في الفساد خارج البلاد فيه كفاية, أما إذا دام الوضع هكذا، فتيات يحرج عليهن في سوق الطمع والجشع, وهن في بيوت تمر السنون تلو السنين, والشباب يتقلبون على جمر نيران الشهوات من بين تلك المجتمعات التي فشا فيها السفور وقلّ فيها الحياء, وكثر فيها الفساد, وبين أشرطة الفيديو والسينما والصور الخليعات، والمجلة الماجنة التي طالما تمناها أعداء الإسلام؛ لإفساد المجتمع المسلم, والتي يميتون بها القيم والآداب الإسلامية ويحببون فيها معصية الله مثل حلق اللحية والخنفسة، والتختم بالذهب, وتعليق السلاسل في العنق, وغيرها من العادات الآثمة التي تشن حربها على الآداب الإسلامية, والأخلاق الفاضلة, مثل: استعمال المسكرات, وترك الصلاة.
فإذا رجعنا للحق يا أمة الإسلام! فهل من الممكن أن يزوج تارك الصلاة؟ أو من تورمت عيونه من استعمال المخدرات؟ أو ارتكب ما يخل بالشرف والدين والمعاصي؟ فكل هذه أو بعضها تتنافى مع حديث رسول الله ﷺ : ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه﴾
لنرجع إلى ربنا وإلى دينه القويم, لكي نتمسك بأهداف الإسلام ولنعض عليه بالنواجذ, حتى نكون أهل خلق ودين, لنملأ المساجد, ونعبئ فيها الفروض, ونترك سبيل اللحية ونقص الشوارب, ونزيل الخنافس والتواليت, ونرمي بخواتم الذهب طاعة لرسول الله ﷺ ، كما فعل الصحابي لما ظهر له الحق وعرف أنها جمرة من النار في يده، ونقطع السلاسل, ونترفع عن عادات النساء من الميوعة وتضييق الملابس, ولبس الأساور وغيرها, ونجعل لنا حلقات ذكر نتذاكر فيها العلوم النافعة, من القرآن والأحاديث, وسيرة الرسول ﷺ وصحابته الكرام حتى نحذو حذوهم, ونقتدي بهم كما أمرنا الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].
فاتقوا الله عباد الله! وكونوا من أولي الألباب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
اللهم بارك لنا بالقرآن العظيم, وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إلى إسلامنا، اللهم ردنا إلى ديننا، اللهم ردنا إلى آدابنا، اللهم ردنا إلى أخلاقنا العليا، اللهم ردنا إلى دينك القويم يا رب العالمين.
وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1553
من آداب الزواج
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه, وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وعلى أصحابه وسلم تسليمًا كثيراً.
أما بعد:
стр. 1554
قبول الزوج الصالح واختيار الزوجة الصالحة
فيا عباد الله: اتقوا الله ، يقول ﷺ : ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ويقول ﷺ : ﴿تنكح المرأة لأربع: لمالها, ولحسبها, ولجمالها, ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾.
أوضح ﷺ في هذين الحديثين الجانب الذي يجب مراعاته ويجب تطبيقه في الزواج على كل الجوانب, ألا وهو: الدين, فتدين الزوجين يدفع كلاً منهما للمحافظة على حقوق الآخر التي أوجبها الله عليه, وبذلك تدوم الألفة ويسود الوئام, وتصلح البيوت, ويقول الله : ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧] ويقول الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].
стр. 1555
عدم الإسراف
أمة الإسلام! إن أكثر الناس اليوم تشبهوا بالشياطين, ولقد تعدوا حدود الشياطين, وأفسدوا إن الله لا يحب المفسدين؛ فما هو الداعي يا أمة الإسلام! لعمل تلك البدائل الهائلة الضارة بالمتزوج؟ هل تعلمون من الذي يستفيد من هذه الولائم؟ هي الحفر في الملاهي القفار, وذلك واقع أكثر الناس اليوم, يسرفون ويبذرون ثم يحملونها لإلقائها في تلك الحفر, وربما وضعت في المزابل مع القمائم, تلك الأطعمة الفاخرة التي لطالما تمناها إخوان لنا في أطراف البلاد.
تلك الأطعمة الفاخرة التي لطالما تمناها المجاهدون الذين يتمنون قطعة الخبز, ومع ذلك ذبائح ترمى في البر مع القمائم, وربما رميت تلك الذبائح وهو لم يؤخذ منها شيئ، إنما ذلك عاقبة التبذير والإسراف الزائد عن المعقول, ألا فلنتق الله , ونقتصد قبل أن نتمنى تلك الأطعمة, وقبل أن نرجع إليها ونأكلها وهي جيفة من البراري, وقبل أن نرجع إلى المزابل ونأكل منها كما أكل منها أجدادنا وأسلافنا.
أمة الإسلام! لنتفكر في العواقب لما انفتحت علينا هذه النعم, هل أدينا شكرها أم كفرنا نعمة الله؟ ألا فلنتق الله ونقتصد قبل أن يحل بنا ما حل بالمجاورين اليوم من زوال تلك النعم, وزوال الأمن والاستقرار, حتى صاروا بعد الشبع جياعاً، ورجعوا إلى ما كانوا يرمونه في براميل الزبالة, نسأل الله العافية والسلامة في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣].
اللهم إنا نعوذ بك من زوال النعمة, وتحول العافية, وفُجاءة النقمة يا رب العالمين، صلوا على رسول الله كما أمركم الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول سيد البشرية: ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن تابعيهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أنزل بأعداء الإسلام والمسلمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا ذا القوة المتين! يا من هو على كل شيء قدير! اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، نأمر بالمعروف ونعمل به، وننهى عن المنكر ونجتنبه.
اللهم أصلح زوجاتنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، والفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة, وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين.
عباد الله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1556
قصة وعبر
يقول تعالى حاكياً عن الأمم الماضية: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) فالله إنما ذكر لنا قصص من قبلنا لتكون لنا عبرة، ومن القصص التي ذكرها الله لنبيه محمد ﷺ قصة إبراهيم ﵇ كيف دعا قومه، وما هو الأذى الذي لقيه منهم، وبماذا ابتلاه الله وإلى غيرها من الأحداث التي حصلت له في حال دعوته ﵇.
стр. 1557
دعوة إبراهيم ﵇ لأبيه
الحمد لله الذي اختص بالتفضيل والتشريف بعض مخلوقاته، وأودع فيها من عجائب حكمه وبدائع مصنوعاته ما شهدت العقول السليمة بأنه من أكبر آياته، خلق فقدر، وملك فدبر، وشرع فيسر، وربك أعلم حيث يجعل رسالاته.
أهَّل من شاء لما شاء من الخيرات، ويسر عليه نيل أسباب الكرامات، وهو أعلم بمواضع اختياره وكراماته.
أحمده سبحانه وأشكره على جزيل إحسانه وعظيم هباته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وكمالاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من جميع برياته.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله! إليكم نبذةً يسيرةً عن خليل الرحمن إبراهيم ﵇ الذي آتاه الله رشده في صغره، وابتعثه الله رسولاً واتخذه خليلاً في كبره، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] وكانت أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام كما أخبر الله عنه بقوله جلَّ وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:٤١ - ٤٥] فلما عرض إبراهيم هذا الرشد على والده، وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه، ولا أخذها منه، بل تهدده وتوعده، قال: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم:٤٦].
فعندها قال له إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧] وقد استغفر له إبراهيم ﵇ كما وعده في أدعيته ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤] فعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، عن النبي ﷺ قال: ﴿يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترةٌ وغبرةٌ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا ربِّ إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم! ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذبح ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار﴾ رواه البخاري.
стр. 1558
محاولة إحراق إبراهيم ﵇
كم حصل لإبراهيم من المناظرات مع قومه، ولكن الله نصره وأيده وأظهره على قومه، فقد أنكر على قومه عبادة الأوثان، وحقرها عندهم وصغَّرها وتنقَّصها، فوثب عليه قومه وصارت المخاصمة والمناظرة بينه وبينهم، فلجئوا إلى القوة لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨] فكادهم الرب ﷻ ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠] وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن؛ حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت نذرت أنها إن عوفيت من مرضها لتحملن حطباً لحرق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبةٍ عظيمةٍ، فوضعوا فيها ذلك الحطب وأضرموا فيها النار، فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شررٌ لم يُرَ مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في كفة منجنيق صنعه لهم رجلٌ من الأكراد يقال له هيزل، وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم أخذوا يقيدون إبراهيم ﵇ ويكتفونه في الحبال وهو في كفة المنجنيق، وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فلما ألقوه في النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال بعض السلف: [[إنه عرض لإبراهيم جبريل وهو في الهواء، فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ فقال: أما إليك، فلا]] ويروى عن ابن عباس ﵄ أن ملك المطر قال: [[متى أؤمر، فأرسل المطر لأطفئ النار عن إبراهيم؟]] ولكن رحمة أرحم الراحمين أسرع من كل شيء، إذ قال رب العزة والجلال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] يقول علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: [[معنى سلاماً: لا تضريه]] وقال بعض المفسرين: لولا أن الله قال: ﴿وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] لأذى إبراهيم بردها، وصار إبراهيم في مثل الجوبة حوله نار، وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه، ولا يقدرون الوصول إليه، ولا هو يخرج إليهم، ونظر إليه والده، ولم يتكلم بكلمة طيبة سوى هذه الكلمة، فقال: نِعم الرب ربك يا إبراهيم، ومكث إبراهيم في ذلك المكان أربعين يوماً، أو خمسين يوماً، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: [[ما كانت أياماً وليالي أطيب عيشاً منها، إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل ذلك]].
стр. 1559
بناء إبراهيم وإسماعيل البيت
بعد هذا هاجر إبراهيم ﵇، وسأل الله جلَّ وعلا أن يهب له ولداً، فبشره الله تعالى بغلامٍ حليمٍ وهو: إسماعيل ﵇، وهو أول ولدٍ يولد له على ستٍ وثمانين سنة، وتركه هو وأمه في تلك البقعة المباركة حتى شبَّ وترعرع وبلغ السعي، وصار يسعى في مصالحه، وتزوج إسماعيل من جُرهم.
وبعد مدة رجع إبراهيم ووجد إسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد.
قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمرٍ، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً هاهنا، وأشار إلى أكمةٍ مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧].
стр. 1560
امتحان الله لإبراهيم بذبح ابنه
وأراد الله جلَّ وعلا أن يختبر إبراهيم ﵇، فرأى في المنام أنه يؤمر بذبح ولده -يعني: إسماعيل- ورؤيا الأنبياء ﵈ وحي، وهذا في غاية الابتلاء في أن يذبح هذا الولد الذي جاءه على كبر سنه، ولكن لابد من الامتثال لأمر الله .
فسارع إبراهيم إلى طاعة الله ، ثم عرض ذلك على ولده إسماعيل، ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسراً ويذبحه قهراً: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] الله أكبر يا عباد الله! ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] اسمعوا إلى رد الولد البار، فبادر الغلام الحليم ولده الخليل، فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] اسمع أيها الشاب! اسمع يا من تؤذي الوالدين! يا من لا تباشر بقضاء حوائج الوالدين! وليست حاجتهما منك كحاجة إبراهيم من إسماعيل، اسمع حاجة إبراهيم من إسماعيل: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] اسمع إلى رد الولد: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
وهذا الجواب من هذا الابن البار في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: ألقاه على وجهه.
قال بعض المفسرين: أراد أن يذبحه من قفاه، لئلا يشاهده في حال ذبحه، فتأخذه رحمة الوالد بولده، وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقاً بالأرض، وسمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت، وجعل إبراهيم يمر السكين على حلق إسماعيل، فلم تقطع شيئاً، فتلك حكمة أحكم الحاكمين، فعند ذلك نودي من الله : ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٧] وعوضه الله بكبشٍ رعى في الجنة أربعين خريفاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
عباد الله! اتقوا الله ، وبادروا بطاعته، فالله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1561
النحر وأحكام الأضاحي
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله ، واغتنموا أوقاتكم بطاعة الله، ولقد شرع الله لكم في يوم عيد الأضحى عبادتين جليلتين ألا وهما: صلاة العيد والنحر، فإذا قضيتم الصلاة، فانحروا الأضاحي اقتداءً بنبيكم ﷺ ، فإنها سنةٌ مؤكدةٌ سنها نبيكم إبراهيم، وتبعه عليها نبيكم محمد ﷺ ، فأحيوها وعظموها، فإنها شعائر الله.
عباد الله! البعض من الناس يظن أنها خاصةٌ للموتى، والصحيح أنها للأحياء، ولكن إذا أشرك الحي الميت من أجرها فإن ذلك يصل إلى الميت إلا إذا كانت وصية أوصاها الميت، فإنها تجرى على وصيتها التي أوصى بها الميت.
أيها المسلمون! لقد مكث نبيكم ﷺ بـ المدينة عشر سنين كان كل عام يضحي بكبشين أملحين سمينين، تطيب بها نفساً -يا عباد الله- واحذروا من الاستخفاف بها مع القدرة.
стр. 1562
حكم إخراج القيمة بدل الأضحية
أمة الإسلام! إن البعض من الناس يدعي أن إخراج القيمة أفضل من إراقة دمها، وهذا مخالفٌ للشرع، ومصادمٌ لهدي نبينا محمد ﷺ ، فإن هذه الأضاحي عبادة نتعبد الله بها، وقرباناً نتقرب إلى الله بها، اقتداءً بسنة نبينا وأبينا إبراهيم ﵊، فإن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه إسماعيل ابتلاءً وامتحاناً لإبراهيم بعدما وقع حب إسماعيل في قلب إبراهيم ابتلاه بذبحه؛ ليظهر إيمان إبراهيم وصدقه، فامتثل أمر الله، وقال لابنه عارضاً عليه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] فما كان من إسماعيل ﵇ إلا أن قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
هكذا يتجاوب الابن البار مع أبيه، لا متفكراً، ولا متردداً، فلما استسلما للقضاء المحكوم، وسلَّما أمرهما للحي القيوم، وأضجع الخليل ابنه وفلذة كبده قرباناً لرب العالمين، وتقديماً لمحبة الله، وإرغاماً للنفس والشيطان، أدركته رحمة أرحم الراحمين، فنودي: يا إبراهيم! ما أمرناك بذلك إلا امتحاناً، وقد ظهر صدق ذلك، ففداه الله بكبشٍ من الجنة فداءً لولده إسماعيل.
أمة الإسلام: لقد رغَّب نبيكم محمد ﷺ بهذه السنة وحثَّ عليها، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، تثبت يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً﴾ وفي الحديث الآخر: ﴿ما أنفقت الورق في شيءٍ أفضل من نحيرة في يوم عيد﴾.
стр. 1563
بعض أحكام الأضاحي
عباد الله: إن لهذه الأضاحي أحكاماً لابد من بيانها، فمن ذلك: السن المعتبر شرعاً، وهو: خمس سنين للإبل، وسنتان للبقر، وسنةٌ للماعز، وستة أشهر للظأن.
وكذلك تكون الأضحية سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء، فإن النبي ﷺ بيَّن العيوب المانعة، فقال: ﴿أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها﴾ وهي المنخسفة عينها، أو الناتئة.
وهذا هو العيب الأول.
العيب الثاني: ﴿المريضة البين مرضها﴾ التي ظهر أثر المرض عليها، في أكلها وشربها ومشيها.
العيب الثالث: ﴿العرجاء البين ضلعها﴾ وهي التي لا تعانق الصحاح في المشي.
العيب الرابع: ﴿العجفاء﴾ وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، وكذلك إذا وجد فيها هذا العيب، فإنها تكره كراهية، وهي ما قطع أكثر من نصف الإذن والقرن، وكذلك ساقطة الأسنان، فكلما كانت الأضحية كاملة في ذاتها وصفاتها، كان ذلك أفضل، وأيام التشريق ثلاثة، بعد يوم العيد.
ومن كان يحسن الذبح فليذبح بيده؛ اقتداءً بنبينا محمد ﷺ ، ومن كان لا يحسن الذبح فليحضر عند ذبح أضحيته، يروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿يا فاطمة! قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرةٍ من دمها﴾ وكذلك تجب التسمية عند الذبح، فإن نسي فلا حرج في ذلك، وإن تعمد ترك التسمية، فهي ميتةٌ حرامٌ أكلها، ولا بد -يا عباد الله- من إنهار الدم.
والرقبة كلها محل للذبح، ولابد من قطع الوريد والمري ويتمم ذلك بقطع الودجين.
ويستحب عند الذبح حد الشفرة: وهي السكين، وإراحة الذبيحة، ولا تحد الشفرة والذبيحة تنظر، ولا تذبحوها والأخرى تنظر إليها، فكلوا من الأضاحي واهدوا وتصدقوا يبارك الله لكم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣].
عباد الله: صلوا على رسول الله؛ امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم وحد صفوف المسلمين، اللهم اجمع شملهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم وحد صفوفهم.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين يا أرحم الراحمين.
اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك وعافيتك يا رب العالمين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم اجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء.
اللهم من أراد أن يؤذي حجاج بيتك الحرام فأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، وأصلح ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وارزقهم الحكم بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ .
اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين، وهب للمسيئين منا للمحسنين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات في جنات النعيم يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1564
دعاة القبور
لقد جاء الإسلام لتحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك والبدع، ومن ضمن ذلك تحريم دعاء غير الله؛ فالنفع والضر بيد الله ، كما نهى وحذر من الغلو في الصالحين من الأموات، وحرم البناء على القبور سداً لباب ذريعة عبادتها من دون الله.
стр. 1565
تحقيق التوحيد وتخليصه من الشرك والبدع
الحمد لله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده وأشكره، أمر ألا تعبدوا إلا إياه مخلصين له الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله: لقد أرسل الله رسله ليدعوا الناس إلى توحيده، وإخلاص العبادة له سبحانه وبحمده، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
أمة الإسلام: إذا عرف هذا، فاعلموا أن تحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك والبدع مطلوب، والتوحيد هو أساس الدين الصحيح، الذي لا يقوم الدين إلا عليه؛ لأنه لا يصح للعبد إسلام، ولا يقبل منه صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج إذا لم يكن موحداً لله؛ لأن غير الموحد مشرك، والمشرك عمله حابط وذنبه غير مغفور كما أخبر الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
أمة الإسلام! اعلموا أن معنى التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة، والعبادة هي غاية الذل مع الخضوع، والعبادة أنواع كثيرة، منها: الدعاء وهو: سؤال مغفرة الذنوب، وسؤال دخول الجنة، وسؤال النجاة من النار، وشفاء المرضى، ورد الغائب، وتفريج الكربات، وإنزال الغيث، والنصر على الأعداء، والصلاح ونحو ذلك، فكل هذه المطالب عبادة لا تطلب إلا من الله؛ لأنه هو القادر عليها، فمن طلب من المخلوق شيئاً منها فقد عبده من دون الله، وجعله لله نداً وشريكاً؛ لأن الدعاء مخ العبادة، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ : ﴿الدعاء مخ العبادة﴾ وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ويقول جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨].
стр. 1566
النفع والضر بيد الله
أجل يا أمة الإسلام! أجل يا أمة القرآن! أجل يا أمة لا إله إلا الله! لينتبه الذين غفلوا وأهملوا العقيدة، لينتبه الذين أهملوا عقيدة التوحيد وساروا وراء القبوريين، وراء المخرفين، وراء الغلاة الضالين، صاروا لا يفكرون، ولا يعتبرون ولا يذكرون، هم في جانبٍ والحق في جانب، هم يتوسلون ويتبركون بأصحاب القبور، ويسألونهم ما لا يقدرون عليه، يسألون تلك الجثث الهامدة، يسألون عظاماً صارت رميماً، يسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، والله وهو أصدق القائلين يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] الله أكبر! أين المسلمون من القرآن؟ أين هم من آيات الله المحكمات؟ أين هم من الآيات البينات الواضحات؟ إذ هو رب العالمين يخاطبهم في محكم البيان، إن كانوا مسلمين، يقول لهم جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤].
والله لو كانوا يملكون لأنفسهم نفعاً لما ماتوا، ولما صاروا تحت التراب، ولما صاروا عظاماً رفاتاً، ولما لعب بهم دود الأرض؛ فكيف يسألهم المخلوقون؟!
كيف يتوسلون بهم من دون الله؟!
كيف يستغيثون بهم من دون الله؟!
стр. 1567
أحاديث موضوعة ومكذوبة
لقد تعلق كثير من الجهال بأحاديث موضوعة ومزورة ومكذوبة على رسول الله ﷺ ، ولقد حذر رسول الله ﷺ من الكذب عليه فقال: ﴿من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار﴾ يا له من تحذير شديد! فيه من الوعيد الأكيد ما يجعل المسلم في حذر شديد من الكذب على رسول الله ﷺ .
أجل يا أمة الإسلام! إن أهل البدع والخرافات يزورون ويكذبون على رسول الله ﷺ ، فقد أوردوا أحاديث كثيرة منها قولهم: إنه قال: ﴿إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور﴾ الله أكبر! حاشا أن يقول الرسول ﷺ هكذا، حاشا أن يقول وهو يقول: ﴿ألظوا بياذا الجلال والإكرام﴾ حاشا أن يقول وهو إذا فزعه أمرٌ رفع رأسه إلى السماء، وقال: يا حي يا قيوم، لماذا لا يستغيث بأبيه آدم؟ لماذا لا يستغيث بنوح؟ لكن حاشا لله أن يكون رسوله بالمنزلة هذه، فهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] يكذبون على رسول الله ﷺ ، يقولون: إنه قال: ﴿إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور﴾ الله أكبر ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] هذا كذبٌ وزورٌ وباطل، وحديث موضوع لا أصل له.
стр. 1568
التحذير من الغلو
فالحذر الحذر يا أمة الإسلام! فإن نبينا محمداً ﷺ يقول: ﴿إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو﴾ وقال ﵊: ﴿لا تتخذوا قبري عيداً﴾ لا نقول: لنركب الطائرة، أو السيارة ولنذهب إلى قبر الرسول ﷺ ، إن قلنا هكذا، فنحن قد عصينا الله وعصينا رسوله، لأن الرسول نهانا: ﴿لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى﴾.
إذاً: شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ محرم، وهي من الزيارة البدعية المنكرة التي أدخلها الغلاة في دين الإسلام، هاهو ﷺ يحذرنا ويقول: ﴿إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو﴾ وقال ﵊: ﴿لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم﴾.
الله أكبر! قد علَّم الأمة دعاء الكرب محمد ﷺ ، رءوف بأمته علمهم ما ينفعهم، وحذرهم مما يضرهم، علمهم دعاء الكرب فقال: ﴿إذا أصاب أحدكم الكرب فليقل: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم﴾ أو كما قال ﵊.
أمة الإسلام: يونس ﵇ لما أصابه ما أصابه في بطن الحوت، وهو في لجة البحار، ماذا قال؟ هل قال يا أبت يا آدم! يا نوح! يا إبراهيم؟! لا.
قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] الله أكبر! هؤلاء العارفون بالله، لما ابتلعه الحوت جعل يصلي في بطن الحوت، في وسط لجج البحار، ينادي: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قال الله جل وعلا لما أنجاه: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] الذين يلتجئون إلى الله ويتوسلون بأسماء الله العظام، بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، أما أن يأتي يقول عند القبر: يا سيدي! يا سيدتي! إنها سخافة، إنها رداءة عقول.
البهيمة إذا أصابتها الولادة، جعلت ترفع طرفها إلى السماء، تنظر إلى الحي القيوم، وهذا الإنسان الذي أعطي العقل يجلس أمام القبر، يقول: يا سيدي! يا سيدتي! يتمسح بالتراب، تباً لها من عقول كعقول قريش المشركين الجاهلين، قريش أعرف من جهال هذه الأمة؛ لأنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ:٥] ويا ليت مشركي هذه الأمة جعلوها آلهة كآلهة الأولين، إنما جعلوها شركاً كثيراً، جعلوها قبوراً وأضرحة يتوسلون إليها، يأتون إلى القبر ويتمسحون به: يا سيدي فلان! يا سيدتي فلانة! يا لها من عقول!
الله أكبر! هكذا الإسلام يعلمنا، ويحذرنا من علماء الجهل والضلال، من شيوخ الضلال الذين جعلوا عند الأضرحة صناديق يأخذون بها النقود والنذور.
стр. 1569
أدعية منهي عنها
أمة الإسلام: اعلموا حق اليقين أن من قال: اللهم إني أسألك بحق نبيك، أو قال: بحق قبره المعظم، أو بحق البيت الحرام، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو أسألك بحرمة نبيك، أو بجاهه، أو بحق فلان، أو بجاه فلان، وما شاكل ذلك من الأقوال، فمثل ذلك هذيان وزور، وباطل ومحرم وبدعة في دين الإسلام.
وأما من قال: يا رسول الله! أغثني، أو يا رسول الله! انصرني، أو يا رسول الله! رد غائبي، أو قال: العادة يا رسول الله! فمثل هذه الألفاظ وما شاكلها محادة لله ولرسوله، وشركٌ وكفرٌ بالله العظيم، ومثل قولهم: يا سيدي! أو يا سيدتي! وهي أسماء القبور في بعض الدول التي تدعي الإسلام -ويا للأسف الشديد- يقفون أمام القبور، ويطوفون حولها، وكأنهم يطوفون حول البيت الحرام، يقولون ألفاظاً ينادون بها أصحاب تلك القبور، وهم جثث هامدة لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، إنما الذي يستفيد من ذلك أعداء الإسلام، الذين أدخلوا البدع على دين الإسلام، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
فيا للمصيبة! متى يعرف الناس أن لهم رباً لا يحتاج إلى وسائط؟! وأنه هو القوي، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هو النافع والضار، هو مجيب الدعوات ومغيث اللهفات.
стр. 1570
تحريم البناء على القبور
أمة الإسلام: اعملوا أن البناء على القبور محرم في شريعة الإسلام، لأن البناء على القبور وسيلةٌ إلى عبادة صاحب القبر، وسواء كان البناء صغيراً أو كبيراً، مسقفاً أو لم يكن مسقفاً، وسواء كان البناء على صورة معبد، أو مسجد، أو غير ذلك فحرام.
يجب على أمة الإسلام أن يقوموا بحملة صادقة، بإيمانٍ صادقٍ، ويهدموا البناء الذي على القبور، كما جاء عن رسول الله ﷺ أنه ﴿نهى عن تجصيص القبور، وأن يقعد عليها﴾ وأن يبنى عليها، ومن بنى على القبر، فقد استحق لعنة الله، نعم.
من بنى على القبر فقد استحق لعنة الله، لما جاء في الصحيحين -ونحن لا نتكلم إلا بما جاء عن الله وعن رسول الله- صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: ﴿لعن الله اليهود والنصارى -لماذا؟ - اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾.
أجل.
في بعض الدول التي تدعي الإسلام لا تجد مسجداً إلا وبجانبه قبر، إذا صلى ذهب إلى القبر، بعدما استقبل وجه الله، بعدما استقبل الحي القيوم، ذهب ليبطل تلك الأعمال، ذهب يتمسح بالقبر الفلاني، وهو بخشوعٍ: يا سيدي فلان! يا سيدتي فلانة!
عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج﴾.
أيها المسلم: اتصل بربك بدون واسطة، اتصل به تجده قريباً مجيباً، والله جل وعلا يقول في محكم البيان، يقول المحكم العظيم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] وهو جل وعلا يحب من عباده أن يلحوا بالدعاء، وهو يجيب من استغاث به، قال ﷺ : ﴿إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾.
عباد الله: إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1571
الاستمساك بالعروة الوثقى
الحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان، وأسأل الله أن ينشر هذه النعمة على جميع بلدان المسلمين، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وقدوتنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فلا حاجة لنا في مشايخ الضلال، لا حاجة لنا في الغلاة، لا حاجة لنا في الضالين ما دام أن رسول الله ﷺ أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:-
فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وحققوا توحيدكم، واستمسكوا بالعروة الوثقى (لا إله إلا الله) يقول ﷺ : ﴿ما قالها عبدٌ مخلصاً إلا فتحت لها أبواب السماء، حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر﴾.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قال موسى ﵇: يا رب! علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: يا موسى! قل لا إله إلا الله، قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله﴾.
لا إله إلا الله كلمة التوحيد، لا إله إلا الله كلمة الإخلاص، لا إله إلا الله من حققها وقالها بصدقٍ ويقين، نقلته من الشرك إلى الإسلام، من قالها موقناً بها قلبه، وعمل بما تقتضيه، فتحت له أبواب الجنة.
عباد الله: اعلموا أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ارزقنا التمسك بلا إله إلا الله، اللهم خلص لا إله إلا الله من شوائب الشرك والبدع، لا إله إلا الله، اللهم امتنا على لا إله إلا الله، اللهم ابعثنا على لا إله إلا الله.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر إمام المسلمين، وارزقه الجلساء الصالحين الناصحين، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم أقم علم الجهاد، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والزيغ والفساد والعناد.
اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، الذين يشككون في الدين ويدخلون البدع والضلالات، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم حِل بينهم وبين ديننا يا رب العالمين، وبينهم وبين عقيدتنا، وبينهم وبين أخلاقنا، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم أدر عليهم دائرة السوء، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا، اللهم أصلح أولادنا ذكوراً وإناثاً، اللهم أصلح أولادنا ذكوراً وإناثاً، وارزقهم المعلمين الصالحين الناصحين، اللهم ارزقهم المعلمين الناصحين الصالحين، الذين يبينون لهم الحق ويأمرونهم باتباعه، ويبينون لهم الباطل وينهونهم عن اتباعه، إنك على كل شيء قدير، ربا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سقيا رحمة، اللهم اسقنا سقيا رحمة، لا سقيا عذابٍ ولا هدمٍ، ولا بلاءٍ ولا غرقٍ، اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1572
أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
وقد جاء فضل الصلاة في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما جاء الوعيد الشديد لتاركها أو من تهاون فيها.
стр. 1573
الحث على المحافظة على الصلوات
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين, ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩] أحمده سبحانه وأشكره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, إله الأولين والآخرين, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وأجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 1574
فضل المحافظة على الصلوات من القرآن
أيها الناس! اتقوا ربكم الذي سوف يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وسوف يحاسبكم على أعمالكم، وأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة, فحافظوا على الصلاة يا عباد الله, وأدوها كما أمركم الله, وصلوا الصلاة في أوقاتها, بخشوع وخضوع وتذلل وحضور قلبٍ وطمأنينة, امتثالاً لأمر الله القائل جل وعلا حيث مدح المؤمنين الذين يقيمون الصلاة بخشوع وطمأنينة وحضور قلب, ويقومون بما أمرهم الله من شرعه القويم مثل إيتاء الزكاة والصيام والحج وغيرها من الأعمال الصالحة, قال الله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٦٢] ومن يعلم قدر هذا الأجر؟ لا يعلمه إلا الله جل وعلا, ثم قال سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٢ - ٢٤].
هكذا يا عباد الله! يجزى عباد الله الذين أطاعوا الله، وصبروا على طاعته في الرخاء والشدة, ثم قال الله تعالى يمدحهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] ماذا يجزيهم الله رب العزة والجلال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] وقال أيضاً يعدهم بكرامة أخرى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٤ - ٣٥] ثم قال جل وعلا يبين أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
هكذا يا عباد الله! الترغيب في كتاب الله أصدق القائلين وأرحم الراحمين, يعد بهذا الثواب العظيم, وهو الفردوس في جنات النعيم, وهو أعلى منزلٌ في الجنة ﴿إذا سألتم الله فاسألوا الفردوس فإنه أعلى منزلة في الجنة, وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة﴾ هذا المنزل لمن أقام الصلاة, وفي إقامة الصلاة ثواب عظيم فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
стр. 1575
فضل المحافظة على الصلوات من السنة
عباد الله! اسمعوا رسول الله ﷺ أيضاً يبين لنا فضل إقامة الصلاة: عن أبي هريرة ﵁: ﴿أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عملٍ إذا عملته دخلت الجنة؟ قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال الأعرابي: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا﴾ فلما ولّى من عند رسول الله ﷺ , قال رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله ﷺ في فضل الصلوات الخمس: ﴿أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء, قال: وكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا﴾ الصلوات الخمس التي هي عمود الإسلام, ويقول رسول الله ﷺ : ﴿الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر﴾ رواه مسلم.
فهل من قلب حاضر يعي؟ هل من أذن تسمع يا عباد الله؟ اسمعوا إلى قول رسول الله ﷺ : ﴿ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله﴾ رواه مسلم.
وعن عمارة بن رؤيبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿لن يلج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها -أي: الفجر والعصر-﴾ رواه مسلم , وقال ﷺ : ﴿من صلّى الصبح فهو ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه الله على وجهه في نار جهنم﴾ رواه مسلم.
صلاة الفجر يا عباد الله: ﴿من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء؛ يدركه ثم يكبه الله على وجهه في نار جهنم﴾.
стр. 1576
وعيد من ترك الصلاة وتهاون فيها
عباد الله! حافظوا على الصلوات وأدوها بأوقاتها كما أمرتم، وقوموا لله قانتين خاشعين مطيعين, واحذروا من ترك الصلاة, احذروا من التهاون بالصلاة, واحذروا من الاستخفاف بحق الصلاة يا عباد الله.
عباد الله! إن ترك الصلاة كفر يخرج من الملة -والعياذ بالله- وكم نسمع هذه العبارة مرات بعد مرات, وكرات بعد كرات, ولكن انطبق على الكثير قول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] مراراً وتكراراً نسمع أن ترك الصلاة كفر يخرج من الملة -والعياذ بالله- وسوف يكون مسكن تارك الصلاة إذا مات على حاله مِصراً سقر، وما أدرك ما سقر، إنها طبقة من طباق جهنم.
أما المتهاون والمتأخر عنها ولا يبالي أصلاها في وقتها أو أخرها عن وقتها فسوف يلقى غياً, وهو وادٍ في جهنم يقول الله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] وأما الذين يصلون ولكن لا يصلون الصلاة إلا بعد خروج وقتها؛ فأولئك موعدهم ويل, وويل: واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره، أجارنا الله وإياكم من ذلك.
عباد الله! حافظوا على الصلوات في جميع أوقاتها وأقيموها وصلوا بخشوع وطمأنينة, أدوها كاملة بأركانها وواجباتها وسننها تحوزوا الأجر العظيم والرضا من رب العالمين، في الحديث يقول: ﴿من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة﴾ أو قال: ﴿وجبت له الجنة أو قال: حرم على النار﴾ ولما سأل عبد الله بن مسعود ﵁ رسول الله ﷺ : عن أحب الأعمال إلى الله، قال ﷺ : ﴿الصلاة على وقتها﴾.
وكذلك يروي لنا عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ﴿من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون وهامان، وأبي بن خلف﴾ بئس القرناء ثم في نار جهنم والعياذ بالله.
فإن من اشتغل بأمواله وتجارته، ووزارته وولده وملاذه عن الصلاة، فإنه يكون مع هؤلاء قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف.
عباد الله! انقلوا هذه الأحاديث إلى الذين يسهرون على الملاهي, ولعب القمار, يسهرون مع الأغاني والتمثيليات والأفلام, انقلوا لهم هذه الأحاديث, وأخبروهم أن الصلاة أمرها عظيم.
عباد الله! إن من سمع شيئاً؛ فإنه واجب عليه أن يبلغ من لم يسمع، فإن رسول الله ﷺ قال: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ تسمعون الأحاديث, وتسمعون كلام الله في وعيد من تخلف بالصلاة, وفي وعيد من تهاون عن الصلاة، فأنذروا يا عباد الله, وكونوا دعاة إلى الله في السر والعلن, تحوزوا رضا الله , فإن الداعي إلى الله له أجرٌ عظيم.
أسأل الله أن يغيث قلوبنا بالإيمان, وأن يجعلنا هداة مهتدين, وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه, إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير, وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ , واستغفروا ربكم يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1577
الحث على كثرة السجود والخطى إلى المساجد
الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين, وجعلها صلة بينه وبين عباده, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله أقيموا الصلاة كما أمرتم, وأدوها في بيوت الله مع الجماعة, عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة﴾ فاستكثروا من السجود يا عباد الله, واستكثروا من الخطى إلى بيوت الله, فإن كل خطوة ترفع بها حسنة, وكل خطوة تحط بها سيئة, عن ربيعة بن كعب ﵁ قال: ﴿كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته فقال: سلني فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة, قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ رواه مسلم.
فعليكم يا عباد الله! بكثرة السجود والتقرب إلى الله .
عباد الله! أطيعوا الله ، وأدوا ما أمركم الله به، وبادروا إلى طاعته قبل أن يهجم عليكم هاذم اللذات, ومفرق الجماعات فحينئذٍ لا ينفع الندم.
اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه, وجنبنا ما تبغضه وتأباه, واجعلنا هداة مهتدين, دعاةً إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
أقول قولي هذا, وأسأل الله أن يحيينا مسلمين وأن يتوفانا مسلمين وأن يختم بالصالحات أعمالنا, وأن يجعلنا هداة مهتدين.
عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل, وأذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء, اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين, واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين, ووحد صفوفهم إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واهدنا واهد لنا واهد بنا, واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات؛ في جنات الفردوس الأعلى إنك على كل شيء قدير.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1578
وصف النار
لقد جاء في القرآن الآيات الكثيرة التي تصف النار وحرها، وشدة غيظها وزفيرها، وشدة حبها للعصاة أن يقذفوا فيها، فهي نار أعدها الله لمن عصاه وخالف أمره؛ نار ملئت بشتى أنواع العذاب، وهي مضاعفة على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، ونار جهنم لها سبعة أبواب، وجميع تلك الأبواب مغلقة على أهلها، فلا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً.
стр. 1579
الجزاء من جنس العمل
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه لتفوزوا بجنة عرضها السماوات والأرض.
عباد الله: ما أشرف من أكرمه المولى العظيم، وما أسعده من خصه بالتشريف والتعظيم، وما أقرب من أهَّله للفوز والتقديم، فإن عباداً أطاعوه؛ فإنهم يوم القيامة بالربح من الفائزين، فيا حسنهم والولدان بهم يحفون، وبين أيديهم يطوفون، وقد أمنوا مما كانوا يخافون، وبالحور العين في خيام اللؤلؤ يتنعمون، وعلى أسرة الذهب والفضة يتزاورون، وبالوجوه الناضرة يتقابلون، وهم بجوار أرحم الراحمين آمنين من كل بلوى.
стр. 1580
الرسول يحذر أمته من النار
عباد الله: هذه الجنة، فهل من مشمر لها؟ فالمبادرة المبادرة.
يا عباد الله! فروا من النار، يروى عن النبي ﷺ أنه خطب ذات يوم، فقال: ﴿أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، أنذرتكم النار﴾ ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه، لاحترق المسجد ومن فيه﴾ رواه أبو يعلى والبزار ويروى أيضاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لو أن غرباً من جهنم جعل في وسط الأرض، لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب، ولو أن شرارة من شرر جهنم بالمشرق لوجد حرها من في المغرب﴾ وقال مالك بن دينار: إن الويل وادٍ في جهنم فيه ألوان العذاب، وقال عطاء بن يسار: الويل: وادٍ في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لماعت من حره.
ويل، وقد توعد من تهاون بالصلاة بويل، وهو كما علمتم، الويل: وادٍ في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت من حره، ويروى عن النبي ﷺ أنه خطب فقال: ﴿لا تنسوا العظيمتين، لا تنسوا العظيمتين، لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار، ثم بكى ﷺ حتى جرى وابل دموعه جانبي لحيته، ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم من أمر الآخرة، لمشيتم إلى الصعيد ولحثَّيتم على رءوسكم التراب﴾.
следующие страницы →