Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
وعيد من ترك الصلاة وتهاون فيها
عباد الله! حافظوا على الصلوات وأدوها بأوقاتها كما أمرتم، وقوموا لله قانتين خاشعين مطيعين, واحذروا من ترك الصلاة, احذروا من التهاون بالصلاة, واحذروا من الاستخفاف بحق الصلاة يا عباد الله.
عباد الله! إن ترك الصلاة كفر يخرج من الملة -والعياذ بالله- وكم نسمع هذه العبارة مرات بعد مرات, وكرات بعد كرات, ولكن انطبق على الكثير قول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] مراراً وتكراراً نسمع أن ترك الصلاة كفر يخرج من الملة -والعياذ بالله- وسوف يكون مسكن تارك الصلاة إذا مات على حاله مِصراً سقر، وما أدرك ما سقر، إنها طبقة من طباق جهنم.
أما المتهاون والمتأخر عنها ولا يبالي أصلاها في وقتها أو أخرها عن وقتها فسوف يلقى غياً, وهو وادٍ في جهنم يقول الله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] وأما الذين يصلون ولكن لا يصلون الصلاة إلا بعد خروج وقتها؛ فأولئك موعدهم ويل, وويل: واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره، أجارنا الله وإياكم من ذلك.
عباد الله! حافظوا على الصلوات في جميع أوقاتها وأقيموها وصلوا بخشوع وطمأنينة, أدوها كاملة بأركانها وواجباتها وسننها تحوزوا الأجر العظيم والرضا من رب العالمين، في الحديث يقول: ﴿من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة﴾ أو قال: ﴿وجبت له الجنة أو قال: حرم على النار﴾ ولما سأل عبد الله بن مسعود ﵁ رسول الله ﷺ : عن أحب الأعمال إلى الله، قال ﷺ : ﴿الصلاة على وقتها﴾.
وكذلك يروي لنا عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ﴿من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون وهامان، وأبي بن خلف﴾ بئس القرناء ثم في نار جهنم والعياذ بالله.
فإن من اشتغل بأمواله وتجارته، ووزارته وولده وملاذه عن الصلاة، فإنه يكون مع هؤلاء قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف.
عباد الله! انقلوا هذه الأحاديث إلى الذين يسهرون على الملاهي, ولعب القمار, يسهرون مع الأغاني والتمثيليات والأفلام, انقلوا لهم هذه الأحاديث, وأخبروهم أن الصلاة أمرها عظيم.
عباد الله! إن من سمع شيئاً؛ فإنه واجب عليه أن يبلغ من لم يسمع، فإن رسول الله ﷺ قال: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ تسمعون الأحاديث, وتسمعون كلام الله في وعيد من تخلف بالصلاة, وفي وعيد من تهاون عن الصلاة، فأنذروا يا عباد الله, وكونوا دعاة إلى الله في السر والعلن, تحوزوا رضا الله , فإن الداعي إلى الله له أجرٌ عظيم.
أسأل الله أن يغيث قلوبنا بالإيمان, وأن يجعلنا هداة مهتدين, وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه, إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير, وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ , واستغفروا ربكم يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1577
الحث على كثرة السجود والخطى إلى المساجد
الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين, وجعلها صلة بينه وبين عباده, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله أقيموا الصلاة كما أمرتم, وأدوها في بيوت الله مع الجماعة, عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة﴾ فاستكثروا من السجود يا عباد الله, واستكثروا من الخطى إلى بيوت الله, فإن كل خطوة ترفع بها حسنة, وكل خطوة تحط بها سيئة, عن ربيعة بن كعب ﵁ قال: ﴿كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته فقال: سلني فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة, قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ رواه مسلم.
فعليكم يا عباد الله! بكثرة السجود والتقرب إلى الله .
عباد الله! أطيعوا الله ، وأدوا ما أمركم الله به، وبادروا إلى طاعته قبل أن يهجم عليكم هاذم اللذات, ومفرق الجماعات فحينئذٍ لا ينفع الندم.
اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه, وجنبنا ما تبغضه وتأباه, واجعلنا هداة مهتدين, دعاةً إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
أقول قولي هذا, وأسأل الله أن يحيينا مسلمين وأن يتوفانا مسلمين وأن يختم بالصالحات أعمالنا, وأن يجعلنا هداة مهتدين.
عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل, وأذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء, اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين, واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين, ووحد صفوفهم إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واهدنا واهد لنا واهد بنا, واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات؛ في جنات الفردوس الأعلى إنك على كل شيء قدير.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1578
وصف النار
لقد جاء في القرآن الآيات الكثيرة التي تصف النار وحرها، وشدة غيظها وزفيرها، وشدة حبها للعصاة أن يقذفوا فيها، فهي نار أعدها الله لمن عصاه وخالف أمره؛ نار ملئت بشتى أنواع العذاب، وهي مضاعفة على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، ونار جهنم لها سبعة أبواب، وجميع تلك الأبواب مغلقة على أهلها، فلا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً.
стр. 1579
الجزاء من جنس العمل
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه لتفوزوا بجنة عرضها السماوات والأرض.
عباد الله: ما أشرف من أكرمه المولى العظيم، وما أسعده من خصه بالتشريف والتعظيم، وما أقرب من أهَّله للفوز والتقديم، فإن عباداً أطاعوه؛ فإنهم يوم القيامة بالربح من الفائزين، فيا حسنهم والولدان بهم يحفون، وبين أيديهم يطوفون، وقد أمنوا مما كانوا يخافون، وبالحور العين في خيام اللؤلؤ يتنعمون، وعلى أسرة الذهب والفضة يتزاورون، وبالوجوه الناضرة يتقابلون، وهم بجوار أرحم الراحمين آمنين من كل بلوى.
стр. 1580
الرسول يحذر أمته من النار
عباد الله: هذه الجنة، فهل من مشمر لها؟ فالمبادرة المبادرة.
يا عباد الله! فروا من النار، يروى عن النبي ﷺ أنه خطب ذات يوم، فقال: ﴿أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، أنذرتكم النار﴾ ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه، لاحترق المسجد ومن فيه﴾ رواه أبو يعلى والبزار ويروى أيضاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لو أن غرباً من جهنم جعل في وسط الأرض، لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب، ولو أن شرارة من شرر جهنم بالمشرق لوجد حرها من في المغرب﴾ وقال مالك بن دينار: إن الويل وادٍ في جهنم فيه ألوان العذاب، وقال عطاء بن يسار: الويل: وادٍ في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لماعت من حره.
ويل، وقد توعد من تهاون بالصلاة بويل، وهو كما علمتم، الويل: وادٍ في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت من حره، ويروى عن النبي ﷺ أنه خطب فقال: ﴿لا تنسوا العظيمتين، لا تنسوا العظيمتين، لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار، ثم بكى ﷺ حتى جرى وابل دموعه جانبي لحيته، ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم من أمر الآخرة، لمشيتم إلى الصعيد ولحثَّيتم على رءوسكم التراب﴾.
стр. 1581
العبرة من وصف النار
فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه واحذروا أسباب سخطه واجتنبوا معاصيه، واعلموا -يا عباد الله- أن الله خلق الخلق ليعرفوه، وأوجدهم ليعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه، ويخافوه خوف إجلال وخوف تعظيم، ووصف لهم شدة عذابه، ووصف لهم دار عقابه التي أعدها لمن عصاه؛ ليتقوه بصالح الأعمال، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
стр. 1582
وصف النار وما أعده الله لأعدائه فيها
عباد الله: لقد كرر الله في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال إلى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال.
عباد الله: إن لجهنم سبعة أبواب ذكرها الله بقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] ثم -يا عباد الله- تلك الأبواب مغلقة على أهلها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] يعني: أن تلك الأبواب مطبقة عليهم، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
وللنار شدة في حرها وزمهريرها، قال رسول الله ﷺ : ﴿اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا ربِ! أكل بعضي بعضاً فنفِّسني، فأذن لها في نفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من سمومها، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها﴾ وقال رسول الله ﷺ : ﴿ناركم هذه التي توقدون جزءٌ واحدٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم، قال الصحابة ﵃: والله إن كانت لكافية، قال: إنها فضلت عليها بتسعةٍ وستين جزءاً كلهن مثل حرها﴾.
ثم فيها -يا عباد الله- يذاقون أليم العذاب وشدته، ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] ما هو الحميم يا عباد الله؟ ماءٌ أوقد عليه حتى اشتدت حرارته وصار له غليان: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢] إنها النار يا عباد الله.
عباد الله: اتقوا النار، فإن حرها شديد، قد فضلت على نار الدنيا كلها بتسعٍ وستين جزءاً، يصلاها المجرمون: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:٥٦] يرتفع بهم اللهب حتى يصل إلى أعلاها، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار التي كنتم به تكذبون، عذابهم دائم: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] يتكرر عليهم فلا يستريحون، ويسألون الخلاص منه ولو ساعة فلا يجابون، يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] فتقول لهم الملائكة: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠] فلم يستجيبوا لهم؛ لأنهم لم يستجيبوا للرسل حينما دعوهم إلى الله، فكان الجزاء من جنس العمل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] فيرد الله عليهم على وجه الإذلال والإهانة: ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] لا تنقطع أبداً إذا قال لهم الجبار: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فحينئذٍ ييئسون من كل خير، ويعلمون أنهم فيها خالدون، ويزادون بؤساً إلى بؤسهم وحسرةً إلى حسرتهم ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٥ - ٦٦] يقولون ذلك في جهنم: ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] فعند ذلك لا ينفع الندم حين يساقون إلى نارٍ: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] نارٌ إذا رأت أهلها من مكان بعيد، سمعوا لها تغيظاً وزفيراً تتقطع منها القلوب ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٧ - ٨] أي: تكاد تتقطع من شدة الغيظ والغضب على أهلها، فهي نارٌ حالقةٌ غضباء على أهلها وهم في جوفها، فما ظنكم أن تفعل بهم.
فيا عباد الله: اتقوا النار، احذروا أن تكونوا من أهلها، ولقد بين الله لكم صفات أهل النار، وصفات أهل الجنة جملةً وتفصيلاً، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
اللهم اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من أهل النار، اللهم اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من أهل النار، اللهم اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من أهل النار برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1583
خوف السلف من النار
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وأدى الأمانة، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واحذروا الأعمال الخبيثة، واحذروا المعاصي والسيئات؛ فإنها حطب جهنم، جهنم التي حذركم الله منها في كتابه الكريم، وحذركم منها رسوله محمد ﷺ ، فالله يقول: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] قرأ هذه الآية عمر بن عبد العزيز ﵀، -فما تجاوزها- قرأها في صلاة المغرب، فلما وصلها خنقته العبرة، فما تجاوزها ﵀ حتى انتقل منها إلى سورة أخرى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] إنها نارٌ محرقةٌ كلما نضجت جلودهم، بدلهم الله جلوداً غيرها، إنها دار البوار، ودار البؤس، والشقاء والعذاب الشديد، دار من تعدى الحدود وارتكب المحرمات، دارٌ لا يسكنها إلا الأشرار من خلق الله؛ الذين عصوا رسله ولم يمتثلوا أمره ونهيه، إنها النار يا عباد الله.
النار منزل أهل الكفر كلهم باقها سبعةٌ مسودة الحفر
جهنم ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر
وتحت ذاك جحيمٌ ثم هاويةٌ تهوي بهم أبداً في حر مستَعر
فيها غلاظٌ شدادٌ من ملائكةٍ قلوبهم شدةً أقسى من الحجر
لهم مقامع للتعذيب مرصدةٌ وكل كسرٍ لديهم غير منجبر
سوداء مظلمةٌ شعثاء موحشةٌ دهماء محرقةٌ لوّاحة البشر
فيها العقارب والحيات قد جمعت جلودهم كالبغال الدهم والحمر
لها إذا ما غلت فورٌ يقلبهم ما بين مرتفعٍ منها ومنحدر
عباد الله: يروي لنا البزار عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه من حديث طويل قال فيه: ﴿ثم أتى النبي ﷺ على وهدٍ، فسمع صوتاً منكراً، فقال: يا جبريل! ما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب! ائتني بأهلي وبما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغسّاقي وغسليني، وقد بعد قعري واشتد حري، ائتني بما وعدتني، قال: لك كل مشركٍ ومشركة، وخبيثٍ وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب﴾ وعن عبد الرحمن بن مصعب: أن رجلاً كان على شط الفرات، فسمع تالياً يتلو القرآن، فلما وصل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤] تمايل الرجل، فلما قال التالي: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] سقط في الماء، فمات رحمة الله عليه، وعن لقمان الحنفي قال: ﴿أتى رسول الله ﷺ على شابٍ ينادي في جوف الليل: واغوثاه من النار، واغوثاه من النار، واغوثاه من النار، فلما أصبح، قال: يا شاب! لقد أبكيت البارحة ملئاً من الملائكة كثيراً﴾.
إخواني اعتبروا بهذه الأحوال لسلفكم الصالح، عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه كان يمر بالآية من ورده فتخنقه العبرة، فيعودونه ويحسبون أنه مريض، وهكذا أحوال السلف الذين يحضرون قلوبهم عند تلاوة كتاب الله، فأحضروا قلوبكم -يا عباد الله- عند تلاوة كتاب الله.
عباد الله: أما تشفقون من النار، أما تشفقون من نار جهنم، وما فيها من العذاب والأنكال، أما تحذرون سلاسلها والأغلال، واعجباً لمن يطأ سمعه ذكر السعير، وهو من عذابها بالله غير مستجير، فيا من تتعدّون الحدود! يا من تعصون الملك العلام! أفيكم جلدٌ على النار؟ أفيكم جلدٌ على النار؟ أفيكم جلدٌ على النار؟ نارٌ وقودها الناس والحجارة، أم قد رضيتم لأنفسكم بالخسارة والحرمان، فيا ويلاً لمن كانت النار له دار.
اللهم يا رب الأرباب! ويا مسبب الأسباب! ويا أرحم الراحمين! نسألك أن تعيذنا من النار، اللهم أعذنا من النار، واجعلنا ممن يكرم في روضات الجنات.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم افتح مسامع قلوبنا لقبول الحق يا رب العالمين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداةً مهتدين، اللهم اجعلنا هداةً مهتدين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم قيض لهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على كل خير وتحذرهم من كل شر إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم يا سامع الصوت! ويا سابق الفوت! ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت! ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم اهد ضالهم، اللهم رد شاردهم، اللهم ثبت مهتديهم يا رب العالمين، اللهم أجرنا جميعاً من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك على كل شيء قدير.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1584
حافظوا على نسائكم
جاء في الصحيح عن أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) فالنساء هن أكبر فتنة يفتن بها الرجال.
وفي هذه المادة تناول فيها الشيخ الحديث عن النساء وما يجب عليهن في الشرع، وما أحدثته النساء اليوم من المنكرات العظيمة.
стр. 1585
تبرج النساء وسفورهن في الأسواق
الحمد لله الذي علمنا الحكمة والقرآن، فمن عمل بما علم فقد أفلح وأنجح وبلغ المرام، ومن أعرض عن الذكر الحكيم وما فيه من الآيات المحكمات فقد خاب وخسر وباء بالتباب، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ البلاغ المبين، ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، حذر أمته من مضلات الفتن، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله وراقبوا ربكم في السر والعلانية.
أيها المسلمون: أيها المؤمنون: لا يخفى عليكم ما عمت به البلوى في كثير من البلدان، ومع الأسف الشديد بلدان المسلمين، ما عمت به البلوى من تبرج النساء وسفورهن، وعدم التزامهن بالحجاب من الرجال، وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها، ولا شك يا عباد الله! ويا أمة الإسلام! يا أهل الغيرة والحمية! أن ظهور هذه المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة من أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات، لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش، وأعظمها فاحشة الزنا، وارتكاب الجرائم، وقلة الحياء، وعموم الفساد، فاتقوا الله أيها المسلمون! وخذوا على أيدي نسائكم، وامنعوهن مما حرم الله عليهن، وألزموهن التحجب والتستر، واحذروا غضب الجبار، ونقمة الله الذي إذا غضب فلا مانع لعقوبته ولا راد لقضائه، فقد صح عن نبيكم ﷺ أنه قال: ﴿إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه﴾ وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: ﴿يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم.
إذا كثر الخبث﴾ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
يغضب بعض الأقارب إذا قلت لزوجتك أو لبناتك: الزمن الحجاب والتستر، يغضب لذلك ويقول: هذه عاداتنا عشنا عليها منذ وجود آبائنا.
تباً لهذا الرد الخبيث، هذا مثل رد المشركين الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] فمن أراد أن يكون مع الجاهلين المشركين فليلتزم هذا الرد الخبيث فليقولوا: هذه عاداتنا، وهذه تقاليدنا فلا نستطيع تغييرها.
стр. 1586
وجوب الحشمة والنهي عن الخضوع بالقول
ما جاء الإسلام -يا عبد الله- إلا ليخرجك من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإسلام؟ وقد أمر ربكم جل وعلا بتحجب النساء في كتابه المبين، وأمر بلزومهن البيوت، وحذر من التبرج والخضوع بالقول للرجال؛ صيانة لهن عن الفساد وتحذيراً لهن من أسباب الفتنة فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣] ففي هذه الآيات البينات ينهى الله جل وعلا نساء النبي الكريم ﷺ وهن أمهات المؤمنين، وهن من خيرة النساء وأطهرهن، ينهاهن عن الخضوع بالقول للرجال، وما أدراكم ما هو الخضوع بالقول؟ هو تليين الكلام، لو رأيت المرأة يا أخي عند صاحب المجوهرات، أو رأيتها عند صاحب القماش، أو رأيتها في محل تلك الفتن في تلك الأسواق، وهي تمازح الرجل وتضحك معه وتلين له القول، قول والله لن تقوله لك في فراشك، قول لا تخاطبك أيها الحلال الذي أباح الله مخاطبتك لها ومكالمتك وممازحتك لها، لا تخاطبك بهذا الكلام، إنما تخاطب به صاحب الذهب، والمجوهرات، أو صاحب المعرض الذي من طلوع الشمس حتى الساعة الثامنة والنصف وهو يضرب نفسه كالمرأة بالزينة وغيرها.
وإذا دخل شاب إلى السوق؛ ابتدرت هيئة الأمر بالمعروف وأوقفته عند حده، وإن كان له غرض قالت له: لا تدخل السوق فأنت رجل! إذاً صاحب المجوهرات ليس برجل، وليست له شهوة؟!
صاحب القماش أليست له شهوة؟!
إذاً هذا الشاب الذي أُرجع من أول السوق قال له صاحب هيئة الأمر بالمعروف: ارجع، فإن السوق ممنوع من الرجال.
ثم المرأة تدخل وحدها، يقول: اترك امرأتك تدخل وحدها إلى صاحب المجوهرات وصاحب العطورات وهو يطيبها، ويدخل المجول في يدها وتسمع كلاماً يزلزل عرش الرحمن، ورجلها ينتظرها في السيارة خارج السوق، وصاحب المجوهرات يدخل المجول في يدها، ويقول كلاماً تنأى عنه الفضيلة ويندى عن ذكره الجبين أن يذكر.
الله أكبر يا عباد الله! أين الغيرة؟! أين الحمية على المحارم؟! أين الخوف من رب العالمين؟! أين الحفاظ على هذه الأمانة التي قلدكم الله إياها في أعناقكم؟ ولقد ذكر لي رجل ثقة أنه وجد رجلاً من عمال المعارض يعمل بامرأة الفاحشة في الدكان، أجل كيف لا؟! والدكان له طابق علوي وله ملف خلف الدكان يلوذ به إذا أراد أن يعمل الخبث والفساد؟ وزوجها يقول له صاحب الهيئة: اجلس خارج السوق ولا تدخل مع زوجتك ولا مع أختك فإنه ممنوع دخول الرجال!
الله أكبر -يا عباد الله- ألا نفكر في هذه المصيبة؟ المرأة إذا دخلت السوق هل تجد نساء مثلها؟ تجد صاحب الدكان شاباً وسيماً قد انتخبه صاحب المعرض من أجمل الشبان لماذا؟ حتى يدرج البضاعة، مثل صاحب الدخان وصاحب البقالة يقول: أنا إذا لم أوجد الدخان في البقالة لن يأتي إلي الزبائن، وصاحب المكتبة يقول: إذا لم آت بالمجلات لن يأتي إلي الزبائن.
إنها دسائس شيطانية، وصاحب الخياطة تقف عنده المرأة الساعة والساعتين وهو يخاطبها ويكلمها ويخطط معها التخطيطات، كل ذلك حل بالمسلمين، ولكن المسلمين لا يزالون راقدين سامدين، ماتت الغيرة، دفنوا الغيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فلذلك يا عباد الله في العهد النبوي ﷺ ، في وقت نزول الآيات طرية غضة ينهى الرب جل وعلا نساء الرسول الطاهرات المطهرات عن الخضوع بالقول وتليين الكلام؛ حتى لا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا، وكذلك أمر نساء النبي ﷺ بلزومهن البيوت، ونهاهن عن التبرج تبرج الجاهلية، وما أدراك ما التبرج؟ هو: إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراعين والساقين ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا، وإذا كان الله يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن؛ فغيرهن أولى وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة، عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن.
стр. 1587
وجوب الحجاب للمرأة والنهي عن التبرج
ثم يقول الرب جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لماذا؟ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء على الرجال وتسترهن منهم، وقد أوضح الله في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء وأبعد عن الفاحشة وأسبابها، وأشار رب العالمين جل وعلا إلى السفور وعدم التحجب أنه خُبث ونجاسة وأن التحجب سلامة وطهارة، وهذا كله آيات كريمات أنزلها رب العالمين؛ ليخرج بها العباد من الظلمات إلى النور لمن ابتغى الهدى والرشاد فيقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٩] ثم يأتي بعض المعارضين، ثم يأتي بعض المفتونين ويقول: الحجاب خاص بنساء النبي أما نساءكم فأظهروهن لنا ودعونا ننظر إليهن، وزينوهن لنا، وقفوهن بالشوارع حتى يركبن مع صاحب الأجرة ومع غيرهم!
يقول: خاص بنساء النبي ﷺ ! ثم نمسك يده إن كان أعمى، وإن كان أعمى القلب فصدق الله العظيم ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] والقلب إذا كان منكفئاً، فإنه لا يحمل شيئاً مثل الإناء يا عباد الله، الإناء إذا كان منكفئاً لا يتسع لشيء، فربنا جل وعلا لما قال للنبي ﷺ : ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] إن كنت مؤمناً صادقاً ونساؤك مؤمنات وبناتك مؤمنات فهذه الآية تشملك يا مسكين! وإن كنت ممن لا يؤمن بآيات الله ويريد المعارضة فحسبك الوقوف بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون.
يقول الرب جل وعلا -وليس الخطاب خاص بالنبي- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] ربما المعارض هذا لم يعلم أن هذه الآية في كتاب الله، أو أعماه الهوى وصده اتباع الباطل عن اتباع الحق فإننا نكررها ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] يا لها من آداب سامية!
ما هو الجلباب؟ هو ما تضعه المرأة على رأسها للتحجب والتستر، وهذا الحجاب يشمل زوجات النبي وبنات النبي ونساء المؤمنين جميعاً بإدناء الجلباب على المحاسن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى يعرفن بالعفة.
بماذا تعرف المرأة؟ هل تعرف بمقدمتها أو بمؤخرتها؟ إذا كانت حاجبة عن وجهها؟ لا.
أما إذا كشفت عن وجهها فإنها تعرف في أول وهلة وفي أول الأمر؛ فينبغي لها أن تحتجب وتغطي وجهها ولا تطِع أهل الفتن وأهل الأهواء الذين يريدون لها الضلال والعياذ بالله.
فهذا النهي من ربنا جل وعلا، حتى يعرفن بالعفة فلا يفتتن ولا يفتن غيرهن فيؤذين، وكذلك المصيبة العظمى والتي أنتجته لنا قصيدة عمت بها البلوى لا كثرهم الله، يقول: (ما هقيت أن البراقع يفتننا) قلبه مفتون، عيونه مفتونة، قلبه مفتون أسأل الله أن يهديه أو يأخذه ويريح المسلمين من شره، وهو البرقع الذي لما سمعن به ناقصات العقول والدين جعلن يبحثن عن هذا البرقع، كان البرقع لا يستعمله إلا أهل البادية، ولما سمع به النساء ناقصات العقول والدين من هذا المغني أخذنه بالقبول وأخذنه بالثمن حتى أنه يقاس عليها، يقول: كذلك مما يجلب الفتنة ويلفت النظر هو ما يسمى بالبرقع، وهو الذي يبين العيون، والبعض من النساء تزيد في فتحة البرقع حتى تبدو ملامح الوجه، وكذلك ترفع العباءة حتى يظهر مفرق رأسها.
كل هذا من دواعي الفتن التي انفتحت على المسلمين، والتعرض للشر فانتبهوا لذلك يا عباد الله، ويا أولياء النساء! واعلموا أن المرأة أمانة في أعناقكم، يقول ﷺ : ﴿من ابتلي بشيء من هذه البنات كن له ستراً من النار، ومن كان له جاريتين فأحسن تربيتهن ... -إلى آخر الحديث- كنت أنا وهو كهاتين في الجنة﴾.
فما هي الآداب يا أخي المسلم؟ ما هي التربية التي ينبغي لك أن تتخذها لبناتك ونسائك وأخواتك حتى تكون رفيق رسول الله ﷺ في الجنة؟
الزم النساء بالحجاب، احفظهن من التبرج والسفور، كن لهن حصناً حصيناً بعد توفيق الله ، فهذا كله يمنع عنها الشكوك والأوهام.
стр. 1588
تحريم السفر والخلوة بالمرأة إلا مع محرم
وكذلك -يا عباد الله- ألزموا النساء البيوت إلا لحاجة ضرورية، فإن بيت المرأة خير لها وأسلم عاقبة، وبذلك تتم صيانة الأعراض، يقول علي ﵁: [[ألا تستمعون؟ ألا تغارون؟ يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال تنظر إليهم وينظرون إليها؟]] وكان يقول ﵁: [[اكفف بصرهن بالحجاب، فإن شدة الحجاب عليهن خير من الارتياب، فإن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل]] ﵁ وعن أصحاب رسول الله أجمعين.
يا ليت علياً يرى ما وقعت فيه النساء اليوم من التوسع في التبرج وإبداء المحاسن وظهور الفساد والفواحش، ويا ليت علياً يرى الكثير من الناس وهم يبيعون العفة والشهامة ويهينون الكرامة، يا ليته يرى السائق وهو يذهب بالزوجات والبنات إلى الأسواق والمستشفيات والمدارس، ويجوب بهن الأسواق وكأنهن مع إخوانهن أو مع أزواجهن ولا غيرة ولا مروءة، وكأن الرسول ﷺ لم يبين لنا ذلك ولم يبلغنا، أو لم يبلُغنا قوله ﷺ : ﴿لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذي محرم﴾ أو كما قال ﷺ ، ويقول أيضاً ﷺ : ﴿لا يخلون رجل بامرأة؛ إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ هذا قول الرسول ﷺ .
والله ثم والله، ما مشى على الأرض أنصح من رسول الله ﷺ ، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وشريعته نسخت جميع الأديان، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، يقول: ﴿لا يخلون رجل بامرأة؛ إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ الرسول يخاطب الصحابة ولا يخاطبنا نحن الذين نزكي أنفسنا ونقول: نحن قلوبنا طاهرة، لا تمنع امرأتك أن تحتجب أو ابنتك أن تحتجب عن قريبك.
قول بغير علم والعياذ بالله! ورسول الله ﷺ يخاطب الرجال الذين نوه الله بذكرهم في القرآن والسنة، يقول لهم: ﴿لا يخلون رجل بامرأة؛ إلا كان الشيطان ثالثهما﴾
فاتقوا الله أيها المسلمون! وخذوا على أيدي نسائكم، وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج وإظهار المحاسن، وامنعوهن من التشبه بأعداء الإسلام الذين أرسلوا لكم بالمجلات وغيرها، واستيقظوا من غفلتكم قبل أن تندموا حين لا ينفع الندم.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً واجعلنا هداة مهتدين، اللهم أحي الغيرة في قلوبنا، ووفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1589
النهي عن تشبه الرجال والنساء بأعداء الله
الحمد لله على نعمة الإسلام، ونسأله الثبات والوفاة على الإسلام والإيمان، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله ، واحذروا من التيارات، احذروا من المجلات والأفلام، التي غزتكم في قعر بيوتكم وأفسدت نساءكم وبناتكم وأولادكم.
اتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الوقوف بين يدي الله حق لا شك فيه، وأنه سوف يحصل جواب وسؤال.
عباد الله! احذروا من المبادئ الهدامة التي أتى بها إليكم السائق والخادمة والمربية، احذروا من الانزلاق في المدنية الزائفة التي تجر إلى قلة الحياء ونبذ التعاليم الإسلامية، ثم تكون خسارة وويلاً يوم القيامة، ومن ذلك -يا عباد الله- التشبه بأعداء الإسلام في الملابس والزي وغيرها، يقول ﷺ : ﴿ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء﴾ ويقول ﷺ : ﴿فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾ ويقول ﷺ فيما رواه مسلم: ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١].
فإذا كانت المرأة استعملت هذه المنهيات أو ارتكبت هذه المنهيات فإنها لا تدخل الجنة، فحذروا -يا إخواني- زوجاتكم وبناتكم وأخواتكم، إنها أمانة أطرحها بين أيديكم وفي أعناقكم: أن تبلغوا نساءكم وتخبروهن أن الأمر عظيم: صنفان من أهل النار وذكر منهم رسول الله: ﴿نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ هذا تحذير شديد من التبرج والسفور ولبس الرقيق والقصير من الملابس؛ ولذلك -يا عباد الله- ترون أن الأمر انعكس فصار بعض الرجال يسحب الثياب ويطيلها، وصارت بعض النساء تقصر الثياب فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم إنا لله وإنا إليه راجعون.
والله ثم والله أن في بعض المناسبات تتفطر الأكباد مما نرى من بعض الرجال الذي يجرون الثياب أو يضيقونها كما تفعل النساء، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فلنحذر -يا عباد الله- من التشبه بأعداء الإسلام فإنه ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾
وكذلك يجب عليك يا أخي أن تمنع البنات الصغار من الملابس القصيرة حتى لا تشب وتعتاد على ذلك، فاتقوا الله يا عباد الله واحذروا ما حرم الله، واعلموا أن الله مجازيكم على أعمالكم وسائلكم عن ذلك.
وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، وقيض لهم القرناء الصالحين الناصحين، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.
عباد الله! إن أردتم أن يستجيب الله دعاءكم؛ فأصلحوا أعمالكم وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، توبوا إلى الله توبة نصوحاً، أقبلوا على الله بأعمالكم وبقلوبكم حتى يقبل الله دعاءكم، أما ما دامت هذه المنكرات ظاهرة فقد ورد في الأثر: ﴿ثم تدعوني فلا أستجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم﴾ وما أكثر المنكرات! فإن أردتم إجابة الدعاء وقبول الله منك الدعاء؛ فغيروا هذه المنكرات، وأقبلوا على الله جل وعلا فإنه غفور رحيم، تواب رحيم، رءوف رحيم، وأن أردتم أن تيبس بلدانكم من الغيث، وتموت قلوبكم وتستحوذ عليكم الأعادي فجاروا أعداء الإسلام، جاروهم بالتشبه وبالمصانعة وبمحبتهم والعياذ بالله؛ ثم تقع اللعنة كما وقعت على بني إسرائيل، لماذا وقعت اللعنة؟ لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، فنسأل الله أن يرزقنا توبة نصوحاً.
اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، ووفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه، وصل وسلم على نبينا محمد.
стр. 1590
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن من أعظم أسباب الهلاك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإنما جعل الله الخير في هذه البلاد لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وقد حدد رسول الله ﷺ ثلاثة طرق لإنكار المنكر فقال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"
فالحذر الحذر في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحذر الحذر من مجالسة أهل المنكر!
стр. 1591
عقوبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه, ومذل من خالف أمره وعصاه, الناصر لمن ينصره من أهل طاعته وأوليائه, الذين يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه, ولا تأخذهم في ربهم لومة لائم, ولا يخشون أحداً سواه، ويحبون لحبه ويبغضون لبغضه, ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه, ويجاهدون أهل معاصيه بأنفسهم وأموالهم وألسنتهم، طاعة لله.
أحمده سبحانه حمداً يملأ الأرض والسماء, وأشكره على سوابغ نعمه آلائه, ونعوذ بالله من زوال نعمه إنه على كل شيء قدير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, الذي يغار إذا انتهكت محارمه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أنه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعلان بترك الواجبات, واستخفاف بحق رب الأرض والسماوات, وإعلان بظهور المنكرات، وإعلان بعلو الفسقة.
عباد الله: إن تلقي بعض الناس لبعض الفساق والعصاة، ورفعة أهل المعاصي، وذل أهل الطاعات موجب للعنة رب الأرض والسماوات, ومقت جميع الخلق لكم حتى الحيوانات, وسبب لنزع البركات, وموجب لحلول أنواع الأمراض والأسقام والهلكات, مثل أمراض السل والسرطان, ومثل الأمراض التي استعصت على كثير من الأطباء.
إن بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب لتسلط الأعداء وجور الولاة, فماذا يرتقب مرتكب المحظورات المعرض عن الله تهاوناً وعدم مبالاة؟! أما سمعتم الله يقول في محكم الآيات: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
عباد الله: أما سمعتم بما فعل بالقرون الخاليات من أنواع التدمير والعقوبات؟! منهم من خسفنا, ومنهم من أرسلنا عليه حاصباً, ومنهم من أغرقه الله، وما حل بهم من أليم العذاب والهلكات, التي يصلون بها إلى نار الجحيم والحسرات, ويُحْرَمون بركات الأعمال والأرزاق.
عباد الله: أما سمعتم بعظيم عذابه لمرتكب المحرمات, وبمن لم ينكر المنكرات، روى الإمام أحمد ﵀ عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعقاب من عنده، قلت: يا رسول الله! أما فيهم يومئذٍ أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: كيف يصنع بهم؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس﴾.
في الأثر: لا تزال هذه الأمة تحت يد الله, وفي كنف الله, ما لم يمالئ قراؤها فساقها, وما لم يزك صلحاؤها فجارها، وما لم يهن شرارها خيارها، فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم يده, ثم سلط عليهم جبابرتهم, فساموهم سوء العذاب ثم ضربهم بالفاقة والفقر, وروي عن نبيكم ﷺ : ﴿إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل, فتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام، لعنهم الله عند ذلك, فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ ويقول ﷺ : ﴿وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم﴾.
وتقول عائشة ﵁: إن رسول الله ﷺ صعد المنبر فقال: ﴿يا أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم, وتستنصروني فلا أنصركم, وتسألوني فلا أعطيكم﴾.
أمة الإسلام: لنستمع إلى هذا الحديث بإمعان، يقول ﷺ : ﴿يا أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم, وتستنصروني فلا أنصركم وتسألوني فلا أعطيكم﴾ فما بعد هذا الحرمان -يا أمة الإسلام- حُرمنا القطر من السماء لأي شيء يا عباد الله؟ بظهور المنكرات وانتشار المعاصي, فإليك اللهم المشتكى, وإنا لله وإنا إليه راجعون!
يقول نبيكم ﷺ : ﴿يا معشر المهاجرين: خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهنّ ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا, ولا نقص قوم المكيال إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان, ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم, فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم﴾.
فيا عباد الله: اتقوا الله وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر, حتى تكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] ويقول جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأسأل الله أن ينفعنا بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم, وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1592
الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه, وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإن كل واحد منا عليه واجب بقدر المستطاع، فأولاً باليد فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، هكذا أرشدنا رسول الله ﷺ .
أيها المسلمون: بالأمر بالمعروف يحصل الخير الكثير: ينقمع أهل المعاصي والفساد, وتظهر هيبة المسلمين حتى في قلوب الأعداء, ويحصل الأمن والاستقرار, وحصول البركات والخيرات, أما إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسترون المنكرات بأعينكم, وتلمسونها بحواسكم، وتفقدون القوة والأمن والاستقرار، ويطأكم الأعداء بالأقدم، وتحل اللعنة وترسل الرحمة ويصيبكم العذاب, فلا دعاء مستجاب عند ذلك.
أمة الإسلام: اعتبروا فيمن سلف من الأمم من قبلكم, وما أصابهم الله به من أنواع العقوبات, وما ربك بظلام للعبيد, غير أن الله يغار, وغيرته أن يأتي العبد ما حرم الله عليه.
أيها المؤمنون: توبوا جميعاً إلى الله , وأقلعوا عما أنتم فيه من الغفلة والرقاد, واعلموا أن كلكم راعٍ, وكل راعٍ مسئول عن رعيته, وسوف تقفون بين يدي الله , ويسألكم عن هذا التفريط والإهمال, فأعدوا للسؤال جواباً, وللجواب صواباً, وليس الجواب أن نترك الحبل على الغارب ونقول: عجزنا! لا.
بل نجاهد ولو في بيوتنا, كما كان عباد الله الذين مدحهم الله في القرآن فهذا إسماعيل ﵇ يقول فيه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥] ويقول جل وعلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢].
стр. 1593
التحذير من مجالسة أهل المنكرات
عباد الله: الحذر الحذر من مجالسة أهل المنكرات, فإن العقوبة واللعنة تعمّ من جالسهم ورضي بأفعالهم, وأقرهم عليها, ومصداق ذلك ما رواه إمام أهل السنة في مسنده وما روي في السنن من حديث عمرو بن مرة عن سالم بن أبي جعد عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن من كان قبلكم كان إذا عمل فيهم العامل الخطيئة جاءه الناهي تعذيراً, فإذا كان الغد جالسه وآكله وشاربه, كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض, ثم لعنهم على لسان أنبيائهم: ﴿دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨]﴾ وكان متكئاً ﷺ فجلس وقال: ﴿والذي نفس محمد بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً؛ أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض, ثم يلعنكم كما لعنهم﴾.
ذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمر الصنعاني: أن الله أوحى إلى يوشع بن نون ﵇: أني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم, وستين ألفاً من شرارهم، قال: يا رب! هؤلاء الأشرار, فما بال الأخيار؟! قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي, وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم.
فيا عباد الله -يا أمة الإسلام- لننتهي عن المداهنة, لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر, ونرجع إلى الله ونتوب؛ فإنه يقبل التائب إذا ناب ورجع, وعلينا بإصلاح أنفسنا وأهلينا حتى يصلح المجتمع وتحصل الخيرات وتحل البركات من فاطر الأرض والسماوات.
إخواني المسلمين: إن الأهل والأولاد تحت مسئوليتنا فعلينا أن نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر, ونرشدهم إلى طاعة الله , فإنهم أمانة في الأعناق, وسنسأل عن هذه الأمانة أمام الله في يوم لا تنفع فيه أعذار.
وصلوا على من أدى الرسالة, وبلغ الأمانة محمد ﷺ حيث أمركم الله أن تصلوا عليه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحابه أجمعين وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك وإن كنا مقصرين يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم انصر بهم دينك، اللهم اجعلهم حرباً لأعدائك سلماً لأوليائك، اللهم أقر بهم أعين الآباء يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت الغني ونحن الفقراء, أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, ربنا أنت غني عنا وعن أعمالنا؛ فلا تأخذنا بسوء أعمالنا ولا بما فعل السفهاء منا يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار, عاجلاً غير آجل, اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق.
اللهم ارحم عبادك, اللهم إنا خلق من خلقك, فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم أغثنا يا رب العالمين, يا من خزائنه ملأى, يا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين, اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق.
اللهم أحي بلدك الميت، اللهم انشر رحمتك على العباد, يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1594
إلى متى تذكروا
في هذا الدرس يتحدث الشيخ عن أعظم الجرائم بعد الشرك ألا وهي جريمة اللواط والعياذ بالله!
وقد بين خطرها على الأمة، وأنها سبب عذاب الله وغضبه وانتقامه، وذكر حد الذي يفعلها، وهو القتل، وأن الصحابة -من شدة قبح هذه الجريمة وشناعتها- لم يختلفوا في وجوب قتل اللوطي، ولكنهم اختلفوا في كيفية قتله.
ثم حث الشيخ على التوبة، محذراً من ذنوب قد فشت في هذه الأمة مثل التبرج والسفور وإهمال الأبناء والنساء.
стр. 1595
اللوطية وخطرها على الأمة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أنعم علينا بنعمة الإسلام، الذي أحل الله به الحلال، وحرم به الحرام، الإسلام الذي جاء ليحل الطيبات، ويحرم الخبائث على الأمة الإسلامية، الإسلام ندب إلى الطيبات وحرم الخبائث ونهى عنها.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب لنا سواه، هو أرحم الرحمين، وأكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الذي أنزل الله عليه الكتاب المبين، فيه البشارة والنذارة، والوعد والوعيد، اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، الذي بلغ البلاغ المبين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي جاء بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله: لقد جاء في القرآن العظيم وعدٌ ووعيد، ومن الوعيد الذي جاء في كتاب الله ذِكْر أمة من الأمم لها فعلٍ وخيم، لَمْ تسبق إلى مثلِه.
إن تلك الأمة جاءت بعارٍ شنيع عُيِّرت بذلك الفعل الوخيم، وعُذِّبت به عذاباً سُطِّر خبرُه في كتاب الله ؛ ليكون تحذيراً للأمة الإسلامية التي بُعِث بها محمد ﷺ ليتمم الله به مكارم الأخلاق، ويدعو إلى كل فضيلة، وينهى عن كل رذيلة.
стр. 1596
قوم لوط في القرآن
أمة الإسلام: لقد جاء تعيير أمة من الأمم في كتاب الله العزيز، وما أدراكم ما هذه الأمة! هي أمة عملت جريمة وخيمة شنعاء تقشعر من ذكرها الجلود، ويندى لها الجبين، إنهم قوم لوط الذين أخبر الله عنهم في كتابه المبين حيث قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠].
نعم.
إنها فاحشة عظيمة وخيمة، كيف لا.
والله يؤكد ذكرها في مواضع من كتابه بذكر وتصريحٍ تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع أشد نفرة؟! ألا وهو إتيان الرجل رجلاً مثله، ألا وهو ركوب رجل رجلاً مثله، فيقول الله جلَّ وعَلا: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف:٨١] والإسراف يا عباد الله هو مجاوزة الحد، ثم أكد الله جل وعلا على تلك الأمة الذم بوصفين في غاية القبح فقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء:٧٤] وسماهم مفسدين، وسماهم ظالمين، والآيات فيهم بكتاب الله كثيرة معلومة.
أجل يا عباد الله! يا من يؤمن بالله واليوم الآخر! إنه ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط، فهي كبيرة عظيمة، وفاحشة شنعاء، وهي التي تلي مفسدة الكفر والعياذ بالله، ولم يبتلِ الله بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحداً من العالمين، فلهذا عاقبهم المولى جل وعلا عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم.
أمة الإسلام! لقد جمع الله على قوم لوط -الذين يأتون الذكران من دون النساء- أنواعاً من العقوبات: قلب ديارهم، وخسفها بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذَّبهم، وجعل عذابهم مستمراً، جعل ديارهم بحيرة منتنة، فنكل بهم نكالاً لم ينكله أمة سواهم، وما ذاك يا عباد الله إلا لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السماوات والأرض إذا شاهدوا فاحشة اللواط خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتئز الأرض إلى ربها، وتكاد الجبال تزول على ما فيها؛ لشناعة هذه الجريمة، إنها جريمة اللواط، إنها ركوب الذكور بعضهم على بعض.
стр. 1597
عقوبة اللوطي
ثم إن شريعة الإسلام -يا عباد الله- جاءت بأرقى الآداب وأسمى الأخلاق، ولما كانت تلك الجريمة تتنافى مع الأخلاق والآداب، وتغضب الجبار جلَّ وعلا، تغضب الخالق الرزاق، تغضب البارئ المصور، تغضب رب الأرض والسماوات، تغضب الذي أوجد الكائنات، تغضب إله الأولين والآخرين، جعل جل وعلا فيها وحياً أكيداً، فقال رسول الهدى ﷺ : ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾.
ثم يقول ابن عباس ﵄ في البكر يوجد على اللوطية قال: [[إذا وجد وهو بكر يعمل عمل قوم لوط فإنه يرجم]]
وقال جابر بن عبد الله ﵁: قال رسول الهدى ﷺ : ﴿إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط﴾ فإنا لله وإنا إليه راجعون!
ما أكثرها تكون في مجتمعات الشر والفساد! في مجتمعات اللهو والغفلة يا عباد الله! رسول الهدى يقول: ﴿إذا كثرت اللوطية رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي وادٍ هلكوا.
ويقول في رواية: أربعة يصبحون في غضب الله، ويمسون في سخطه، قلت: يا رسول الله! من هم؟ قال: المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، واللوطي﴾.
قال ابن عباس ﵄: [[إن اللوطي إذا مات من غير توبة مسخ في قبره خنزيراً]].
أمرٌ عظيمٌ يا عباد الله، إن اللوطي إذا مات من غير توبة مسخ في قبره خنزيراً؛ لذلك حرم كثيرٌ من العلماء الخلوة بالأمرد في نحو بيتٍ ودكان، وما ذاك إلا لخوف الوقوع في هذه الفاحشة العظمى، وورد في الحديث القدسي: ﴿النظر سهمٌ مسموم من سهام إبليس، مَن تركه مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه﴾ ولما كانت الخلوة بالأمرد من الأسباب الداعية إلى الوصول إلى تلك الجريمة الشنعاء حرمها بعض العلماء.
وهذا سفيان الثوري ﵀ لما دخل عليه صبي في الحمام حسن الوجه قال: [[أخرجوه عني، فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل صبي بضعة عشرة شيطاناً]].
فهؤلاء هم أرباب القلوب الحية، الخائفون أن تزل قدمٌ بعد ثبوتها.
стр. 1598
اختلاف العلماء في كيفية قتل اللوطي
أيها المسلمون: إن جريمة اللواط جريمة شنعاء، وفاحشة عظيمة، ولذلك اخْتُلِف في كيفية قتل هذا المجرم.
هذه الجرثومة الخبيثة التي تنتشر في البلاد، ما هو العمل على إبادتها؟
فقال بعض العلماء: في رواية عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه أحرق رجلاً يعمل عمل قوم لوط بالنار، بعدما استشار من اجتمع عنده من الصحابة ﵃.
وكذلك حرَّق بالنار مَن عَمِل عَمَل قوم لوط عبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك، وقال: [[لو لم يذكر الله عمل قوم لوط في القرآن لم أصدق أن الرجل يركب الرجل]] ﵏ ورضي الله عنهم.
وقال ابن عباس ﵄ وهو رأي له ﵀: [[أنه يُرمى من أعلى شاهقٍ في البلد، مُنَكَّساً على رأسه، ثم يُتْبَع بالحجارة]].
стр. 1599
حث على التوبة
وفي نهاية المطاف يا عباد الله! فباب التوبة مفتوح، والله غفور لمن تاب وآمن، ومن تاب تاب الله عليه، وقد استقرت حكمة أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين: أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد ضمن الله تعالى لمن تاب من الشرك، وقتل النفس، والزنا؛ أنه يبدل سيئاته حسنات، وهذا حكمٌ عامٌ لكل تائبٌ من ذنب إذا أقلع وتاب إلى الله، وعزم على عدم العودة إلى الذنوب فإن الله يتوب.
أبشر أيها العاصي فإن باب التوبة مفتوح، وربك يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وباب التوبة مفتوح ولن يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها أو يأتيك هادم اللذات.
فأنت أيها العاصي لا تدري متى يهجم عليك الموت، هل يهجم عليك وكأس الخمر في يدك؟! هل يهجم عليك وأنت راكبٌ على ذكرٍ مثلك؟! هل يهجم عليك وأنت تعاني من السكر؟! هل يهجم عليك وأنت تمارس جريمة الزنا؟! هل يهجم عليك وأن تتسلق بيوت المسلمين لتسرق منهم؟!
أيها العاصي! فمتى تتوب؟! هل عندك من الموت إنذار؟! هل عندك صكٌ في طول حياتك؟! أو في عدد مدتك التي تعيشها في هذه الحياة؟! لا والله، ثم لا والله، بل ملك الموت يأتي من دون إنذار.
فتب إلى الله أيها العاصي، واسمع قول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
ويقول أيضاً في البشارة: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] أربعة شروط يا عبد الله، إذا استكملتها تاب الله عليك: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].
ويقول الرب جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٧٠] فما تبدله يا ربنا؟ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] ثم زدنا يا ربنا من هذه البشارة! ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ [الفرقان:٧١] ورسول الهدى ﷺ يقول: ﴿التوبة تجب ما قبلها﴾.
اللهم ارزقنا توبة نصوحاً.
اللهم ارزقنا توبة صادقة تطهر بها قلوبنا، وتمحص بها ذنوبنا.
اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا يا أرحم الرحمين!
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1600
ذنوب عمت وطمت في الأمة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، واحذروا من أسباب سخطه وعقابه، وخذوا على أيدي سفهائكم.
стр. 1601
إهمال رعاية الأهل والأولاد
إنكم مسئولون عن أولادكم يا عباد الله، طول الليالي وطول ساعات الليل والنهار، وطول ساعات العمر، تركتم لهم الحبل على الغارب، يهيمون في الشوارع وفي غيرها من المحلات كأنهم بهائم سائبة، فإنكم -والله ثم والله- مسئولون عنهم أمام الله، فما العذر يا عباد الله؟! ما الحجة إذا وقفت بين يدي الله ترتعد فرائصك، وقلبك يرجف؟! ما العذر بين يدي الله إذا سألك عن هؤلاء الأولاد، وعن النساء أدخلت عليهن الفيديو في بيتهن حاربت أخلاقهن وآدابهن، والأولاد من الذكور تركت لهم الحبل على الغارب في الشوارع يهيمون؟!
وأنا كنت في محل من محلات الشرطة، وإذا بالشرطي يتصل بأحد الآباء ويقول: قبضنا على ابنك يعمل كذا وكذا، ويقول الأب: والله ما أدري عنه منذ يومين، الله أكبر! الله أكبر! ليواجه رب العالمين بهذا السؤال إذا سأله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
إن هؤلاء الأولاد نعمة، ثم هم نقمة: نعمة إن قام الرجل بتربيتهم وتأديبهم، ونقمة عليك يوم القيامة تحاسب عنهم.
كذلك جارك تحاسب عنه إذا رأيته على المعاصي ولم تأمره بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، فكيف بولدك وفلذة كبدك الذي هو قطعة من لحمك تترك له الحبل على الغارب، فلنقل جميعاً: إنا لله وإنا إليه راجعون!
والله ثم والله إن آلات اللهو ما دخلت على المسلمين إلا بالنقص والشرور، فإلى الله نشكو، وحسبنا الله ونعم الوكيل! إنا لله وإنا إليه راجعون!
فمتى نستيقظ يا عباد الله؟! متى نستيقظ من رقدتنا؟! إذا نفخ في الصور ووقفنا بين يدي الله ! ما هو العذر لك يا عبد الله؟!
стр. 1602
مفاسد في البيت المسلم
المراة مع السائق يجوب بها الأسواق، والبنت مع السائق، والأب مع الخادمة في البيت يمازحها ويقبلها ويلمسها نعم يا عباد الله، دُفِنَت الغَيرة، قُتِلت الأخلاق، ذُبِحَت بغير سكين، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
والله لن يصدق أحدٌ أن هذا يقع في المسلمين! المرأة والبنات يجوب بهن السائق في الشوارع، وربما أدخلهن على العزاب، ويفعلون بهن الجرائم، والرجل في بيته يفعل بالخادمة الجريمة، وإذا أُتِي إليه بخادمة قبيحة أرجعها وقال: ردوا إليَّ أحسن منها.
ليتنا نموت، ليتنا ما خُلِقْنا يا عباد الله! ليتنا ما وُجِدْنا في هذه الحياة!
الأطفال يُذْبَحون ويُفْعَل بهم الجرائم من أجل سبب سجارة يمصها.
الرجل الكبير يبيع عرضه لحفنة حشيش.
الرجل العاقل يركب أمه ويزني بها إذا شرب الخمر وسط الحشيش.
ليتنا ما خُلِقْنا، ليتنا ما وُجِدْنا في هذه الحياة!
والله! إنها حياةٌ يُمَلُّ ويُسْأم منها، والله إنا إذا دخلنا الأسواق ورأينا النساء متبرجات، ورأينا السائق يجوب بهن، ويلَمِّسهن، ووالله لو كان القتل للنفس جائزاً لقتل كثيرٌ من الناس أنفسهم؛ لما يرون من كثيرٍ من الناس وقد باعوا الغيرة، وهتكوا حرماتهم!
ما هو العذر أمام الله؟! خافوا الله، راقبوا الله، اخشوا الله قبل أن يخسف الله بكم الأرض من تحتكم، قبل أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أين الأمر بالمعروف؟ أين النهي عن المنكر يا أمة الإسلام؟!
والله إنها أمورٌ تشيب الذوائب، وتنجرح القلوب منها، ولكن لمن نشكو، ومن نخبر، خطب ومواعظ تتلى؟ وتدخل مع اليمنى وتخرج مع اليسرى، فلا حول ولا قوة إلا بالله! لا حول ولا قوة إلا بالله! وصدق رسول الله: ﴿يأتي زمان يمر الرجل على القبر يتمرغ عليه يقول: يا ليتني مكانك ما به من شيء، ما به إلا البلاء﴾.
والله ما أشد البلاء الآن! نساءٌ كاسيات عاريات مع السائقين يجوب بهن الأسواق، ونساءٌ شابات يطفن على الخياطين وعلى المكتبات، والسائق وصاحب الخياطة يعرض عليها أزياءً تقشعر منها الجلود، هذه أزياءٌ تيلاندية، وهذه أزياءٌ فرنسية، وهذه أزياءٌ شيطانية، ما هذا العمل؟!
حتى يقتلوا المسلمين، لا يقتلونهم بسكين ولا بسلاح، بل يقتلونهم بقتل الإيمان في قلوبهم! فإلى متى هذه السكرة؟! إلى متى هذه الغفلة؟! حتى إذا نفخ في الصور ونحن مداهنون، ولا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر، هل نتحرى خسفاً ومسخاً وحجارةً تنزل علينا من السماء؟!
نزعت البركات، والقطر من السماء لا ينزل إلا لهلاك الكثير من الناس، فنزول هذه الأمطار بكثرتها وهذه الفيضانات إنها عذابٌ من الله، الزلازل ليست براكين كما يزعمه الشيوعيون، إنها -والله- غضبٌ من الله، إنها نقماتٌ من الله، ولكن المسلمين مسخت قلوبهم والعياذ بالله، السكر من ذلك القليل، وأستغفر الله ألا يعم الجميع!
أسأل الله بمنه وكرمه أن يوقظنا من رقدتنا، وأن يهب لنا توبة نصوحاً يطهر بها قلوبنا، وأن يُقْبِل بقلوبنا عليه إنه على كل شيء قدير.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين.
اللهم ارزقهم البطانة الصالحة.
اللهم قيض لهم البطانة الصالحة، الذين يذكرونهم إذا نسوا، ويعينونهم إذا ذكروا.
اللهم ارزقهم البطانة الصالحة.
اللهم ارزقهم العلماء الصالحين الناصحين، الذين يبينون لهم تلك المنكرات التي فشت وعمت في بلاد المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
يا إخواننا! لا ننظر إلى اليهود، لا ننظر إلى النصارى، لا ننظر إلى الشيوعيين، بل ننظر إلى -نحن المسلمين- مسلمون ندعي الإسلام، تركنا كتاب الله وراءنا ظهرياً، وتركنا سنة رسول الله ﷺ .
صار الكثير من المسلمين الآن يتحلى بالتقاليد الغربية، يتحلى بها وينبسط بها، وإذا عوتب على ذلك قال: أما رأيتَ إلاَّ أنا؟! فانظر إلى فلان وفلان.
فإنا لله وإنا إليه راجعون!
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاًَ لأمر الله حيث قال في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي قال: ﴿إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار﴾.
اللهم ارض عن خلفائك الراشدين الذين قاموا بدين الله حق قيام، فتحوا الفتوحات، ومصَّروا الأمصار، ودينهم باقٍ إلى الآن، علاماته وآثاره، ولكن طمسه المفسدون ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم انصر دينك عاجلاً غير آجل، اللهم انصر دينك عاجلاً غير آجل، اللهم انصر دينك عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين.
اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، وأصلح فساد قلوبنا، وردنا إليك رداً جميلاً.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.
стр. 1603
أيها الشاب عد إلى ربك
إن الله حذر عباده المؤمنين أن يقعوا فيما حرم الله ، وإن كثيراً من شباب الأمة اليوم قد غرقوا في اللهو واللعب والمعاصي، وتركوا شرع الله وراءهم ظهرياً، فعلى الشباب أن يعودوا إلى ربهم ويتقوا الله قبل أن ينزل بهم هاذم اللذات، وتبلغ الروح الحلقوم، ويحصَّل ما في الصدور.
стр. 1604
حال العبد عند خروج روحه
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوا العباد أيهم أحسن عملاً، قسمهم إلى قسمين: فمنهم شاكرٌ ومنهم كفور، وأحمده وأشكره وأساله أن يُوفقنا إلى صالح الأعمال والأخلاق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم اجعلها آخر كلامنا من الدنيا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا الله ، واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
عباد الله! هل تعلمون ما ذلك اليوم؟ هو والله يوم القيامة يوم الطامة الكبرى يوم الصاخة يوم القارعة يوم الحاقة يوم الواقعة يومٌ تشقق السماء فيه بالغمام يومٌ تُفتح فيه السماء فتكون أبواباً، فينزل من كل سماءٍ ملائكتها ليحيطوا بأهل الموقف في ذلك اليوم العظيم، الذي يتجلَّى فيه الرب لفصل القضاء، الذي ينزل فيه الرب -جل وعلا- لفصل القضاء بين الخلائق.
عباد الله! إذا تحقق ذلك وآمنا به، علمنا حق اليقين أن هذه الحياة الدنيا لا بد لها من الزوال، وأنها دار ممر وعبورٌ إلى الآخرة، وأننا سننتقل منها إلى ما قدَّمنا من الأعمال، فتذكروا -عباد الله- حالتكم عند حلول الآجال، ومفارقة الأوطان والأهل والعيال، ومفارقة الأصدقاء الذين تأنسون بهم ويأنسون بكم.
تذكروا حينما تشاهدون الآخرة أمامكم، وأنتم مُقبلون إليها، مُدبرين عن الدنيا؛ تذكروا حالة الاحتضار، وعند نزول ملك الموت، هل أنت إذا قيل لك: قل: لا إله إلا الله تُبادر وتجيب؟ وتقول: لا إله إلا الله؟
أم تتلعثم ويثقل لسانك، وتجمد الأعضاء، وتفكر، وتقول: بما أمضيت من سيئ الأعمال.
عباد الله! ﴿إن المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه؛ كأن وجوههم الشمس، معهم أكفان من الجنة، وحنوطٌ من الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ويجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة! اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان﴾ يالها من فرحة وسرور يُقابل بها المؤمن عند خروجه من الدنيا! ﴿يا أيتها النفس المطمئنة! اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيَّ السقا، فيأخذها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، فيجعلوها في ذلك الكفن، الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض؛ فيصعدون بها إلى السماء، فلا يمرون على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟
فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتح له فيفتح له، ويشيعه من كل سماء مُقربوها، إلى السماء التي تليها -إلى السماء السابعة- فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوها إلى الأرض فإني منها خَلَقتهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارة أخرى، قال: فتُعاد روحه إلى جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه.
فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟
فيقول: هو محمدٌ رسول الله ﷺ .
فيقولان له: وما علمك؟
فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدَّقت، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفتح له في قبره مدَّ البصر، ويأتيه رجلٌ حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب! أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، ويقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريحٍ جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها إلى السماء فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح لها فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السُّفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟
فيقول: هاه هاه لا أدري.
فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: هاه هاه لا أدري.
فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟
فيقول: هاه هاه لا أدري، فيضربانه بمرزبة من حديد، فيغاص في الأرض سبعين ذراعاً، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجلٌ قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: يا رب! لا تقم الساعة﴾.
عباد الله! هذا الذي يحصل بعد الموت وفي القبر، فقسمٌ من الناس توفاهم الملائكة طيبين يقولون: سلامٌ عليكم ألا تخافوا ولا تحزنوا ويبشرونهم بالجنة، وبما فيها من النعيم المقيم، وقسمٌ من الناس توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠].
стр. 1605
الاستعداد ليوم المعاد
عباد الله! أين الاستعداد لذلك اليوم؟ وأين الاستعداد لنزول الموت؟ وأين الاستعداد للقبور؟
يا عباد الله: إذا حملتم إلى القبور، وانفردتم بها عن الأهل والأولاد والأموال، ومسحتم من القصور والعمائر والفلل؛ فإما خيرٌ تسرون به إلى يوم القيامة، وإما شرٌ تجدون به الحسرة والندامة.
عباد الله: رُوي أن عمر بن عبد العزيز ﵀ كان إذا دخل منزله يبكي حتى الصباح، وفي يومٍ زاد بكائه حتى أبكى أهل البيت، فلمَّا سمعهم الجيران كانوا يبكون معهم، فأتوا إليه فقالوا: يرحمك الله، ما هذا البكاء قال: [[تصورت يوم القيامة، فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا أدري أين أكون؟]].
عباد الله! تذكروا دائماً هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ومروا على القبور واعلموا أنها ستكون لكم مساكن كما سكنها من قبلكم، سوف تصف عليكم اللبنات، ويستوي عليكم الليل والنهار، سوف تنقلون عن فسيح الديار، وتدخلون في القبور وهي أول منازل الآخرة، إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
اللهم هون علينا سكرات الموت، واجعل القبر لنا بعد منازل الدنيا أفسح المنازل، وآمن خوفنا يوم الفزع الأكبر، واجعلنا ممن يُعطى كتابه بيمينه، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.
стр. 1606
خطر الاغترار بالدنيا
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله حق تقاته، واستعدوا لما أمامكم يوم العرض الأكبر على الله ، حين ينقسم الناس إلى قسمين: سعداء وأشقياء.
فأما السعداء؛ ففي روضات الجنات لهم فيها ما تشتهي أنفسهم، ولهم فيها ما يدَّعون، لهم فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
أيها الشاب المسلم! اتق الله، ولا تغتر بزخارف الحياة الدنيا.
مع الأسف الشديد! أن بعض الشباب يستقيم أحياناً ويتردى أحيانا، إما تكذيباً لوعد الله أو مخادعةً لأمر الله، أو فيه صفة من صفات المنافقين الذين يُخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم، أسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
إنه من المؤسف يا عباد الله! أن نرى في عامٍ مضى بعض الشباب الذين استقاموا، ثم نراهم قريباً قد انحرفوا وانجرفوا وراء التيارات، وانزلقوا وراء ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم في الدنيا، والله ثم والله كلُّ ذلك بسبب جلساء السوء الذين لا يعينون على الخير ولا يدعون إليه، بل همتهم كلها الدعوة إلى الشر والترغيب فيه، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
أيها الشاب: أنسيت وعد رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله﴾؟
أنسيت أيها الشاب هذا الوعد المحقق من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]؟
استقطعت هذه الحياة الدنيا، فما متاع الحياة الدنيا إلا غرور، فما متاع الحياة الدنيا إلا قليل، فاتق الله أيها الشاب لا تهدم الأعمال الصالحة لا تنحرف لا تدبر بعد أن أقبلت إلى الله، لا تحرم نفسك ذلك الموضع الذي يغبطك عليه من في الموقف أجمعين، أنت تحت ظل عرش الرحمن، وعلى مائدة الرحمن، تأكل وتضحك وتتبسم، وغيرك في الحساب واقفون قد ألجمهم العرق، وغاص بهم في الأرض منهم سبعون ذراعاً.
فلا تحرم نفسك -أيها الشاب- هذا الفضل العظيم، ولا تغتر بدعاة الزور، ولا تجالس جلساء السوء لا كثرهم الله.
стр. 1607
التحذير من رفقة السوء
عباد الله: من كان له شابٌ مستقيم فليحافظ عليه من جلساء السوء؛ فإنهم كثروا في هذه الأزمنة -لا كثرهم الله- وما أتوا إلا بدسائس من أعداء الإسلام، الذين حسدوا المسلمين على هذا الإسلام، وعلى هذا الدين، ويريدون أن يجترفونهم معهم، ويصحبونهم معهم، في صحبة إمامهم ومقدمتهم الشيطان في نار جهنم، حيث يخطبهم ويقول: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢].
عباد الله! الحذر الحذر من مضلات الفتن، والحذر الحذر من البدع المحدثة التي داهمت المسلمين في البيوت والأسواق وفي كل محل من محلاتهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم يا مُقلِّب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.
هذا رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: ﴿يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك﴾.
فيا أيها الشاب! عليك بالإكثار من هذا الدعاء: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك": ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
أسال الله الكريم رب العرش العظيم أن يهدي ضال المسلمين، اللهم اهدِ ضال المسلمين، وثبت مهتديهم يا رب العالمين!
اللهم ثبت مهتديهم يا رب العالمين!
اللهم من كان مهتدياً ومستقيماً فزده من الهدى والتقى حتى يلقاك يا رب العالمين!
ومن كان منحرفاً فاهده الصراط المستقيم حتى تنقذه من الهاوية يا رب العالمين!
اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، ولا مفتونين ولا مغيرين ولا مبدلين، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين!
عباد الله! اعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي الناصح الأمين، محمد بن عبد الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنَّ يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
عباد الله: صلوا على الناصح الأمين؛ امتثالاً لرب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد دائماً وأبداً إلى قيام الأشهاد، وبارك عليه كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم ارض عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وارزقنا اتباعهم يا رب العالمين!
اللهم ارزقنا اتباعهم يا رب العالمين!
وارزقنا الاقتداء بهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام!
يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وارزقنا الإخلاص في أعمالنا وأقوالنا، اللهم ارزقنا الإخلاص في أعمالنا وأقوالنا وتوفنا وأنت راضٍ عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم افسح لهم في قبورهم، واجعلها لهم روضة من رياض الجنة، خاصة بذلك المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات يا رب العالمين!
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وحد صفوف المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم ارحمنا جميعاً بواسع رحمتك إنك على كل شيء قدير.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، أكثروا من ذكر الله تحيا قلوبكم، وزوروا القبور؛ فإنها تذكركم بالآخرة، واشكروا الله على هذه النعم التي ترفلون بها، وتتقلبون فيها ليلاً ونهاراً، اشكروا الله على هذه النعم، واغتنموها بصالح الأعمال، قبل أن يأتيكم ما يشعركم يا عباد الله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، واستغفروا ربكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1608
أهوال يوم المحشر
إن الله وصف يوم القيامة وما فيه من أهوال في كتابه الكريم وبما أوحى به إلى نبيه مما ذكره في حديثه الشريف، وإن أحوال الناس في ذلك اليوم العصيب تختلف؛ فمنهم المؤمن الناجي بعمله، ومنهم الكافر الهالك بعمله، ومنهم المنافق المكردس في جهنم بنفاقه وكذبه ودجله.
стр. 1609
حال الناس يوم القيامة
الحمد لله رب العالمين، الذي أوضح سبل هدايته، وحرض أولياءه لطاعته وعبادته، فساروا على نهجٍ قويم، وواصلوا السير في طريقهم إلى رضوان الله، وخالفهم آخرون فاتبعوا أهواءهم وجاءهم الأجل المحتوم، وهم مفرطون، فصدق الله رب العالمين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله! ما هذه الغفلة؟ وما هذا الإعراض؟ والبعض من الناس صار يعكف على آلات اللهو استماعاً ونظراً، والبعض من الناس ذهبت عنه الغيرة، وصار يرتكب المحرمات من الزنا واللواط أذهب عمره فيها، وانفد أمواله فيها، وصارت حياته حياة الأنعام، والبعض من الناس أذهب عمره في القيل والقال والغيبة والبهتان، والبعض من الناس أنهك حياته وأمواله في المخدرات والمسكرات وبعضهم باع محارمه بشيء من المخدرات والمسكرات، باع عرضه، حتى إن بعضهم ركب أمه ومنى بها لما فقد شعوره بشرب المسكرات.
نعم.
يا عباد الله! زيادة على ذلك ما ظهرت في الأزمنة المتأخرة من نساء كاسياتٍ عارياتٍ مفتوناتٍ فاتنات، كل هذا ظهر دون خوفٍ من الله جل وعلا، ومن جبار الأرض والسماوات، وما ذاك يا عباد الله إلا أن الإيمان قد نقص عند الكثير من الناس، فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، فأين الإيمان ممن تجرءوا على محارم الله ومعاصيه؟! أما علم أولئك أنهم سوف يهجم عليهم الموت، وسوف ينقلون إلى حفرٍ ضيقات، وإن من مات فسوف يرى في قبره ما قدم، إن كان من أهل الجنة فقبره روضة من رياض الجنة، وإن كان من أهل النار، فقبره حفرة من حفر النار.
يا عباد الله! ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أن نعيم القبر وعذابه حقٌ ثابتٌ لا مرية فيه ولا شك، ولا ينكر ذلك إلا ملحدٌ معاند، ثم لا يعلم مدة المكث في هذه القبور إلا الله ، فإذا تمت هذه المدة المقدرة لهذا العالم أمر الله جل وعلا إسرافيل أن ينفخ في الصور، قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] يقومون من قبورهم لرب العالمين، تصوروا ذلك القيام يا عباد الله! حفاةً عراةً غرلاً فرادى كما خلقوا أول مرة، ليس معهم شيء سوى أعمالهم من حسناتٍ وسيئات.
عباد الله! إن أمر القيامة عظيم، وشأنها جسيم، وموعدها قريب.
أجل أيها العاصي ما الذي جرأك على أن تعصي الله، وأنت سوف توقف بين يديه يوم القيامة؟!
стр. 1610
أهوال يوم القيامة
أيها الغافل! تذكر يوم القيامة وما أدراك ما يوم القيامة؟! إنه يومٌ يقرع القلوب هولاً، يومٌ يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، وتكون الجبال فيه كالعهن المنفوش، وتدنو الشمس فيه من رءوس الخلائق، ويشتد الحر ويعظم الهول، ويوم القيامة ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] يوم القيامة تبرز الخلائق لله الواحد القهار، والملائكة محيطة بهم صفاً صفا، إنه يومٌ عظيم، يتناسى فيه الحبيب حبيبه، وتنقطع الأسباب، ويتبرأ الأنساب، ويفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، يوم القيامة يوم يشيب فيه الولدان لشدة هوله، يوم القيامة يومٌ تضع الحوامل فيه حملها، يومٌ تذهل فيه كل مرضعةٍ عما أرضعت، يوم القيامة ما أطوله حيث يقدر بخمسين ألف سنة، هل نسيت ذلك اليوم أيها العاصي حتى تجرأت على محارم الله ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣] إنه يومٌ عظيم، يجاء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرونها، إنها جهنم لها تغيظ وزفير، إذا كنت تعرف جهنم فما الذي أقدمك على معاصي الجبار؟! في ذلك اليوم العظيم يحاسب الله جل وعلا الخلائق ويجزي كلاً بعمله ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيدا﴾ [آل عمران:٣٠] في ذلك اليوم يعطى كل إنسان نتيجته وبينهم تفاوت في ذلك الموقف العظيم؛ منهم المسرور الفرح، ومنهم المظلوم الترح، أما المؤمنون فتبيض وجوههم، وتثقل موازينهم بالحسنات، ويردون حوض نبيهم محمد ﷺ .
стр. 1611
حال أهل الجنة
نعم.
يا عباد الله! أما المؤمنون فتبيض وجوههم، وتثقل موازينهم بالحسنات، ويردون حوض نبيهم محمداً ﷺ ؛ الحوض الذي هو أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل، من شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبداً، ويمرون على الصراط الذي وقف الأنبياء بجانبيه، ونبينا محمد ﷺ واقف على طرف الصراط ويقول: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.
أمة الإسلام! أين الاتعاظ؟! أين التذكار لذلك اليوم العظيم؟! يوم القيامة الذي قال الله فيه للمؤمنين المطيعين: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] يتلقاهم خزنتها ويسلمون عليهم ويهنئونهم بسلامة الوصول إلى دار النعيم، هنيئاً لنا إن كنا منهم، ثم هنيئاً لنا إن كنا منهم، ويسلمون عليهم ويهنئونهم بالسلامة من عذاب الجحيم، يهنئونهم بما في الجنة من الخلود الأبدي فيما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من نعيم القلوب والأرواح والأبدان، وتمام ذلك أن يحل عليهم الرب ﷻ رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً، ويقال لهم: ﴿إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإن لكم أن تناموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً﴾ ولهم نعيمٌ أعلى وأجل من ذلك وهو التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع خطابه، والابتهاج برضاه، عند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤].
стр. 1612
حال أهل النار
أمة الإسلام! يا من تريدون النجاة من النار، يا من تريدون أن تزحزحوا عن النار وتدخلوا الجنة، الله الله جدوا في المسابقة إلى طاعة الله، وإن طريقها يسير على من يسره الله عليه، هو الإيمان الصادق، والعمل الصالح، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والتوبة النصوح في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات، والإنابة إلى الله تعالى في كل وقتٍ وحين، وكثرة ذكره ودعائه واستغفاره حتى تنجو من النار، وما أدراك ما النار؟ هي مأوى الكفار والمجرمين والمشركين والعصاة، ومأوى الملحدين فإنهم يخرجون من قبورهم قلقين فزعين مرعوبين خائفين ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١] فيحاسبهم الله على ما أسلفوا من الجرائم، ويجزيهم بين الخلائق، وعلى رءوس الخلائق، فتسود وجوههم، وتخف موازينهم من الحسنات، ويعطون كتب أعمالهم بشمائلهم، ويساقون إلى جهنم حفاةً عراةً قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٠ - ٧١].
ويقول الله لهم أيضاً بعدما يسألونه بعد حين طويل: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ففي ذلك الحين يأخذون في الزفير والشهيق، وييئسون من كل خير ومن كل فرجٍ وراحة، ويستيقنون الخلود الدائم، والعذاب الأبدي المستمر.
عباد الله! ما أشد شقاهم! وما أعظم عناهم! ينوع عليهم العذاب، تارةً يعذبون بالسعير المحرق لظواهرهم وبواطنهم، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب الأليم، وتارة بالزمهرير الذي بلغ من برده أنه يهرى اللحوم، ويكسر العظام، وتارة يعذبون بالعطش والجوع المفزع، ثم يسقون ويطعمون بالغسلين والزقوم والضريع، ومع ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع.
فالحذر الحذر عباد الله! أنتم في وقت الإمهال، أنتم في هذه الدنيا في دار المزرعة والعمل فاعملوا صالحاً، اللهم وفقنا وأيقظنا من رقداتنا، اللهم ارزقنا الاستعداد لما أمامنا، اللهم نبهنا من غفلاتنا، اللهم نجنا من النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1613
إلى متى الغفلة ؟!
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشكره وأسأله من فضله العميم، وأعوذ به من نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه المسارعين إلى الخيرات، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله! إن الله جل وعلا قد حذركم من أليم عقابه، وتوعد العاصين بالنار؛ فاحذروا -عباد الله- النار فإنه لا صبر لكم عليها، ولا مهرب لكم منها ولا فرار، ولن ينجيكم منها إلا تقوى الله ، والتمسك بكتابه، وسنة نبيه ﷺ .
عباد الله! الله الله بادروا بالأعمال الصالحة لعلكم تنجون من عذاب النار.
عباد الله! بينما الناس في كرب القيامة وأهوالها إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأطلت عليهم نارٌ ذات لهب، وسمعوا لها تغيظاً وزفيراً من شدة الغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالغضب، وجثت الأمم على الركب، عاين الظالمون سوء المنقلب، وخرج المنادي قائلاً: أين فلان بن فلان المسوف نفسه بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل، المضيع عمره عند آلات اللهو عند الأغاني والتمثيليات، عند اللعب بالليل؛ لعب القمار والميسر، اللعب بالورق الذي والله ثم والله إن بعض الناس عادت حالتهم تحزن وتنذر بعذابٍ أليم، وتنذر بموت قلوبهم وبعدهم عن الله وعن شرع الله، أجل يا عباد الله كيف يسهرون طول الليالي مع اللعب ثم ينزل ربنا جل وعلا إلى السماء الدنيا وهم في لهوهم ولعبهم ساهون؟! إنها والله ماتت القلوب ولم تعمل للحي القيوم، فهذا والله ينذر بعذابٍ أليم، ولكن الناس لم يفكروا إذا أصابتهم المصائب والكوارث لأي شيء أصابتهم هذه الكوارث والمصائب ولو رجعوا لأنفسهم لرأوا أنهم هم الذين جنوا على أنفسهم باقتراف المعاصي والسيئات، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله وصدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
فأيها المسوف بالتوبة! أيها المضيع لعمره! استمع يوم القيامة إذا نادى المنادي: أين فلان بن فلان المسوف نفسه بطول الأمل؟ المضيع عمره في سوء العمل؟ فيبتدرونه بمقامع من حديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وما فيه من الزمهرير والصديد، فعياذاً بالله من النار وما فيها من العذاب.
عباد الله! أسأل الله أن يمن علينا جميعاً بالتوبة النصوح، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يوقظنا من رقدة الغفلة إنه على كل شيء قدير.
صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاةً صلى الله عليه بها عشرا﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين', وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء.
اللهم يا واحد! يا أحد! يا فرد يا صمد! يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تنزل بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، اللهم مزقهم تمزيقا، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداةً مهتدين، اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات في جنات الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين،
اللهم ارفع عنا الغلاء والربا والزنا واللواط، والتبرج والسفور وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين!
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم اكفنا شر الأشرار يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1614
تذكَّروا
إن الله جل وعلا قد حذرنا من أهوال يوم القيامة وما فيه، كي يستعد له المسلم بالأعمال الصالحة؛ فذكر الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والصراط وما بعده، وذكر تطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وذكر الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، كل ذلك للذكرى والاتعاظ والاعتبار، وهذا هو ما تكلم عنه الشيخ حفظه الله في خطبته هذه.
стр. 1615
مواقف للذكرى والاعتبار
الحمد لله الذي رفع قدر ذوي الأقدار عن الركون إلى هذه الدار، ومنح صفاء إحسانه لأهل تلك الدار، ونزَّل تصاريف الأقدار في أهل الجنة والنار، فسبحان مَن يسَّر كلاًّ لما خُلق له والذي قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] أحمده سبحانه وأشكره، وللشكر على أصحاب الشكر آثار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الناصح الأمين، والبشير النذير، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلِّم تسليماًَ كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
ويقول جلَّ وعَلا: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩].
ويقول جلَّ وعَلا: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٥ - ١٧].
ويقول أنس بن مالك ﵁: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعتُ مثلها قط، فقال ﷺ : ﴿لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً.
وزاد أبو ذر في روايته: ولَمَا تلذذتم بالنساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصُّعَدات تجأرون إلى الله﴾ وفي رواية: ﴿عُرِضَت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم من الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾.
فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه، فطأطؤا رءوسهم ولهم خنين، أي: جعلوا يبكون؛ لأنهم ﵃ أدركوا بقوله ﷺ : ﴿لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾ أدركوا صوراً شتى ذَكَروا الجنة وما أعد الله فيها لأهلها من النعيم المقيم وذَكَروا النار وما فيها من النكال والعذاب الأليم ذَكَروا عظمة الجبار في انتقامه من الظالمين والعصاة ممن اتبع هواه وكان من الغاوين.
وأنتم يا عباد الله! تذكروا أن الدنيا دار فناء ولا بقاء لها ولا لأهلها، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]!
تذكروا النهاية المحتومة لكل حي، وما يكون في آخر المرحلة من نزع الروح والاحتضار، ومعاناة سكرات الموت! ويا لها من سكرات!
تذكروا جمود العينين، ويَبْس اللسان! ووقوف الجنان عن النبضات!
تذكروا وأنتم جثث هامدة، قد انقطعت منكم الآمال!
تذكروا صورة البعث والنشور، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين!
وقبل ذلك: تذكروا القبر! واعلموا أن عذاب القبر ونعيمه حق لا مرية فيه، إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.
تذكروا قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، حُفاةً عُراةً غُرْلاً في موقف القيامة وأهواله!
تذكروا دُنُوَّ الشمس من الخلائق!
تذكروا تطاير صحف الأعمال، إما إلى اليمين وإما إلى الشمال!
следующие страницы →