← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

حال أهل الجنة نعم. يا عباد الله! أما المؤمنون فتبيض وجوههم، وتثقل موازينهم بالحسنات، ويردون حوض نبيهم محمداً ﷺ ؛ الحوض الذي هو أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل، من شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبداً، ويمرون على الصراط الذي وقف الأنبياء بجانبيه، ونبينا محمد ﷺ واقف على طرف الصراط ويقول: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم. أمة الإسلام! أين الاتعاظ؟! أين التذكار لذلك اليوم العظيم؟! يوم القيامة الذي قال الله فيه للمؤمنين المطيعين: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] يتلقاهم خزنتها ويسلمون عليهم ويهنئونهم بسلامة الوصول إلى دار النعيم، هنيئاً لنا إن كنا منهم، ثم هنيئاً لنا إن كنا منهم، ويسلمون عليهم ويهنئونهم بالسلامة من عذاب الجحيم، يهنئونهم بما في الجنة من الخلود الأبدي فيما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من نعيم القلوب والأرواح والأبدان، وتمام ذلك أن يحل عليهم الرب ﷻ رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً، ويقال لهم: ﴿إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإن لكم أن تناموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً﴾ ولهم نعيمٌ أعلى وأجل من ذلك وهو التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع خطابه، والابتهاج برضاه، عند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤].

стр. 1612

حال أهل النار أمة الإسلام! يا من تريدون النجاة من النار، يا من تريدون أن تزحزحوا عن النار وتدخلوا الجنة، الله الله جدوا في المسابقة إلى طاعة الله، وإن طريقها يسير على من يسره الله عليه، هو الإيمان الصادق، والعمل الصالح، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والتوبة النصوح في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات، والإنابة إلى الله تعالى في كل وقتٍ وحين، وكثرة ذكره ودعائه واستغفاره حتى تنجو من النار، وما أدراك ما النار؟ هي مأوى الكفار والمجرمين والمشركين والعصاة، ومأوى الملحدين فإنهم يخرجون من قبورهم قلقين فزعين مرعوبين خائفين ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١] فيحاسبهم الله على ما أسلفوا من الجرائم، ويجزيهم بين الخلائق، وعلى رءوس الخلائق، فتسود وجوههم، وتخف موازينهم من الحسنات، ويعطون كتب أعمالهم بشمائلهم، ويساقون إلى جهنم حفاةً عراةً قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٠ - ٧١]. ويقول الله لهم أيضاً بعدما يسألونه بعد حين طويل: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ففي ذلك الحين يأخذون في الزفير والشهيق، وييئسون من كل خير ومن كل فرجٍ وراحة، ويستيقنون الخلود الدائم، والعذاب الأبدي المستمر. عباد الله! ما أشد شقاهم! وما أعظم عناهم! ينوع عليهم العذاب، تارةً يعذبون بالسعير المحرق لظواهرهم وبواطنهم، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب الأليم، وتارة بالزمهرير الذي بلغ من برده أنه يهرى اللحوم، ويكسر العظام، وتارة يعذبون بالعطش والجوع المفزع، ثم يسقون ويطعمون بالغسلين والزقوم والضريع، ومع ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع. فالحذر الحذر عباد الله! أنتم في وقت الإمهال، أنتم في هذه الدنيا في دار المزرعة والعمل فاعملوا صالحاً، اللهم وفقنا وأيقظنا من رقداتنا، اللهم ارزقنا الاستعداد لما أمامنا، اللهم نبهنا من غفلاتنا، اللهم نجنا من النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1613

إلى متى الغفلة ؟! الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشكره وأسأله من فضله العميم، وأعوذ به من نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه المسارعين إلى الخيرات، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله! إن الله جل وعلا قد حذركم من أليم عقابه، وتوعد العاصين بالنار؛ فاحذروا -عباد الله- النار فإنه لا صبر لكم عليها، ولا مهرب لكم منها ولا فرار، ولن ينجيكم منها إلا تقوى الله ، والتمسك بكتابه، وسنة نبيه ﷺ . عباد الله! الله الله بادروا بالأعمال الصالحة لعلكم تنجون من عذاب النار. عباد الله! بينما الناس في كرب القيامة وأهوالها إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأطلت عليهم نارٌ ذات لهب، وسمعوا لها تغيظاً وزفيراً من شدة الغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالغضب، وجثت الأمم على الركب، عاين الظالمون سوء المنقلب، وخرج المنادي قائلاً: أين فلان بن فلان المسوف نفسه بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل، المضيع عمره عند آلات اللهو عند الأغاني والتمثيليات، عند اللعب بالليل؛ لعب القمار والميسر، اللعب بالورق الذي والله ثم والله إن بعض الناس عادت حالتهم تحزن وتنذر بعذابٍ أليم، وتنذر بموت قلوبهم وبعدهم عن الله وعن شرع الله، أجل يا عباد الله كيف يسهرون طول الليالي مع اللعب ثم ينزل ربنا جل وعلا إلى السماء الدنيا وهم في لهوهم ولعبهم ساهون؟! إنها والله ماتت القلوب ولم تعمل للحي القيوم، فهذا والله ينذر بعذابٍ أليم، ولكن الناس لم يفكروا إذا أصابتهم المصائب والكوارث لأي شيء أصابتهم هذه الكوارث والمصائب ولو رجعوا لأنفسهم لرأوا أنهم هم الذين جنوا على أنفسهم باقتراف المعاصي والسيئات، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله وصدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. فأيها المسوف بالتوبة! أيها المضيع لعمره! استمع يوم القيامة إذا نادى المنادي: أين فلان بن فلان المسوف نفسه بطول الأمل؟ المضيع عمره في سوء العمل؟ فيبتدرونه بمقامع من حديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وما فيه من الزمهرير والصديد، فعياذاً بالله من النار وما فيها من العذاب. عباد الله! أسأل الله أن يمن علينا جميعاً بالتوبة النصوح، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يوقظنا من رقدة الغفلة إنه على كل شيء قدير. صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاةً صلى الله عليه بها عشرا﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين', وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء. اللهم يا واحد! يا أحد! يا فرد يا صمد! يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تنزل بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، اللهم مزقهم تمزيقا، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، وحسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداةً مهتدين، اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات في جنات الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والربا والزنا واللواط، والتبرج والسفور وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين! اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم اكفنا شر الأشرار يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1614

تذكَّروا إن الله جل وعلا قد حذرنا من أهوال يوم القيامة وما فيه، كي يستعد له المسلم بالأعمال الصالحة؛ فذكر الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والصراط وما بعده، وذكر تطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وذكر الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، كل ذلك للذكرى والاتعاظ والاعتبار، وهذا هو ما تكلم عنه الشيخ حفظه الله في خطبته هذه.

стр. 1615

مواقف للذكرى والاعتبار الحمد لله الذي رفع قدر ذوي الأقدار عن الركون إلى هذه الدار، ومنح صفاء إحسانه لأهل تلك الدار، ونزَّل تصاريف الأقدار في أهل الجنة والنار، فسبحان مَن يسَّر كلاًّ لما خُلق له والذي قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] أحمده سبحانه وأشكره، وللشكر على أصحاب الشكر آثار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الناصح الأمين، والبشير النذير، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلِّم تسليماًَ كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. ويقول جلَّ وعَلا: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩]. ويقول جلَّ وعَلا: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٥ - ١٧]. ويقول أنس بن مالك ﵁: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعتُ مثلها قط، فقال ﷺ : ﴿لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. وزاد أبو ذر في روايته: ولَمَا تلذذتم بالنساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصُّعَدات تجأرون إلى الله﴾ وفي رواية: ﴿عُرِضَت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم من الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾. فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه، فطأطؤا رءوسهم ولهم خنين، أي: جعلوا يبكون؛ لأنهم ﵃ أدركوا بقوله ﷺ : ﴿لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾ أدركوا صوراً شتى ذَكَروا الجنة وما أعد الله فيها لأهلها من النعيم المقيم وذَكَروا النار وما فيها من النكال والعذاب الأليم ذَكَروا عظمة الجبار في انتقامه من الظالمين والعصاة ممن اتبع هواه وكان من الغاوين. وأنتم يا عباد الله! تذكروا أن الدنيا دار فناء ولا بقاء لها ولا لأهلها، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]! تذكروا النهاية المحتومة لكل حي، وما يكون في آخر المرحلة من نزع الروح والاحتضار، ومعاناة سكرات الموت! ويا لها من سكرات! تذكروا جمود العينين، ويَبْس اللسان! ووقوف الجنان عن النبضات! تذكروا وأنتم جثث هامدة، قد انقطعت منكم الآمال! تذكروا صورة البعث والنشور، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين! وقبل ذلك: تذكروا القبر! واعلموا أن عذاب القبر ونعيمه حق لا مرية فيه، إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. تذكروا قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، حُفاةً عُراةً غُرْلاً في موقف القيامة وأهواله! تذكروا دُنُوَّ الشمس من الخلائق! تذكروا تطاير صحف الأعمال، إما إلى اليمين وإما إلى الشمال!

стр. 1616

الصراط وما بعده تذكروا صورة المرور على الصراط منصوباً على متن جهنم، أنتم فوقه تسيرون وجهنم تحتكم تزفر! تذكروا الصراط ورسول الله ﷺ واقف عنده يقول: ﴿اللهم سَلِّم سَلِّم﴾! تذكروا كلاليب جهنم، وهي تخطف الناس إلى الهاوية! تذكروا ذلك الصراط الذي هو أدق من الشعر، وأحد من السيف، يجتازه الناس على قدر أعمالهم، حتى يكون منهم من يُجْتَذَب إلى النار! وتذكروا صور العذاب في النار؛ من حر وسَموم، وزمهرير وزقوم! وتذكروا الزبانية الغلاظ الشداد! تذكروا أهلها ينادُون ويستغيثون، لهم فيها بالويل ضجيج، أمانيُّهم فيها الهلاك، وما لهم من أسر جهنم فكاك قد شُدِّت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ذل المعاصي ينادُون من فجاجها وشعابها بُكِيَّاً من تَعاظُم العذاب: يا مالك! قد أثقلنا الحديد يا مالك! قد نضجت منا الجلود يا مالك! قد تفلذت منا الكُبُود يا مالك! العدم خير من هذا الوجود يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود فيجيبهم بعد زمان: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيْهَا﴾ [المؤمنون:١٠٨] ولا بد من الخلود! أين هذا البكاء وأنتم تكفرون؟! أين هذا البكاء وأنتم تزنون؟! أين هذا البكاء وأنتم تلوطون؟! أين هذا البكاء وأنتم تغشون وتخدعون وتمكرون؟! أين هذا البكاء وأنتم تمترون؟! ثم يجيبهم الله جلَّ وعَلا قائلاً مصداقاً لقولهم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨]! تصوَّر يا عبد الله! إن كنت عاصياً ومِتَّ على غير توبة، تذكر نفسك وأنت في أودية جهنم تهيم، ومن طعامها وشرابها تأكل صباحاًَ ومساءًَ! تذكر إن مت على المعاصي والذنوب! تذكر جسمك هل يتحمل هذا العذاب!

стр. 1617

الجنة وما أعده الله للمتقين فيها عباد الله: تذكروا أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، والسعادة الأبدية، التي لا يعتريها نقصٌ، ولا زوالٌ، ولا انحلالٌ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨] يا عبد الله، أين عقلك؟! فرِّق يا مسكين! فرِّق بين النعيم والجحيم! ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف:١٠٨]. يا غشاش لنفسه! فرِّق بين الجنة والنار، وبين الصحيح والسقيم. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: ﴿أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر. ثم قال ﷺ : اقرءوا ذلك في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ عباد الله: إنها الجنة! التي لا يَخْرب بنيانها، ولا يَهْرَم شُبَّانها، ولا تبلى ثيابهم، سالمة من الأنجاس، والأكدار، والتنغيصات، والأمراض، والأسقام: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]. ويقول الله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥]. اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، ولا تجعلنا من أهل الجحيم يا رب العالمين. عبد الله: تزوَّد واستَعِد، فإن أمامك سفر طويل، ومكث في القبور لا يعلم مدته إلا الله، وجليسُك فيه الأعمال، فإن كانت صالحة؛ فهنيئاً لك، وإن كانت سيئة؛ فيا ويلك على مر الأزمان. اللهم أحسن ختامنا يا رب العالمين، اللهم أحسن ختامنا يا رب العالمين، واجمعنا ووالدِينا ووالدِي والدِينا وجميع المسلمين والمسلمات في جنات النعيم يا رب العالمين. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1618

نشر الصحف وشهادة الأعضاء على الإنسان الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ؛ أحمده سبحانه القائل عن نفسه: ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وسلَّم تسيلماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. اتقوا يوماً يوضع فيه الكتاب، وتلاقُون فيه الحساب، يوماً يُنشر لكم فيه واضحاً ملف أعمالكم، وديوان حصيلتكم من خير أو شر ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. ويقول جلَّ وعَلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]. ويقول جلَّ وعَلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. روى الإمام مسلم ﵀ عن أنس ﵁ قال: ﴿كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألَمْ تُجِرني من الظلم؟! فيقول سبحانه: بلى. فيقول: إني لا أقبل اليوم شاهداً إلا مني. فيقول تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] والكرام الكاتبين شهوداً. فيُختم على فيه، فيقول لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله -نعوذ بالله من الخزي والندامة، ونعوذ بالله من الفضيحة يوم القيامة- ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعْداً لكن وسُحقاً! فعَنْكُنَّ كنت أناضل﴾. فاتقوا الله -يا عباد الله- من ذلك اليوم العظيم، والهول الجسيم، اتقوا ذلك الموقف الذي ستُقْدِمون فيه للمساءلة والمحاسبة، وسيُوقَف كل منا بين يدي الله متخلياً عنه أقرب قريب، وأصدق صديق، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. عباد الله: اسألوا الله أن يخفف عليكم الحساب، واسألوه أن يحسن لكم الخاتمة، ودائماً أكثروا من قول: يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك. حتى تلقوا ربكم، وأكثروا من قول: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، محمد بن عبد الله الذي أمركم الله أن تصلوا عليه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل. اللهم أذل الشرك والمشركين اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين، بعيدين أم قريبين يا رب العالمين. اللهم انصر دينك، وأعلِ كلمتك اللهم انصر الموحدين من عبادك، واجمع قلوبهم على الحق يا رب العالمين، ووحِّد صفوف المسلمين أجمعين اللهم اجعلهم يداً واحدة على من عاداك، وعادى رسولك، وعادى المؤمنين يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المؤمنين، اللهم انصرهم بنصرك، وأيدهم بتأييدك، اللهم انصرهم بنصرك، وأيدهم بتأييدك اللهم ثبت أقدامهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، اللهم قد قلت وقولك الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وأنت يا ربنا لا تخلف الميعاد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، نسألك أن تغيثنا. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سَحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق. اللهم انشر رحمتك على العباد، يا من له الدنيا وإليه المعاد! اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم أرسل السماء علينا مدراراً. لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، أنت ولينا في الدنيا والآخرة. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، يا مغيث اللهفات، ويا مفرج الكُرُبات، ويا مُوْهِِن الشدائد والبليات، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، اللهم انشر رحمتك على العباد. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. اللهم رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وسلِّم تسلمياً كثيراً إلى يوم الدين.

стр. 1619

تذكروا قصة الثلاثة إن الله خلق الخلق بطبيعتهم في التفريط والتقصير، وقد قال رسول الله: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) ففي هذا ظهور للرحمة والمغفرة من الله على عباده. والواجب على كل من عصى الله أن يقلع عن معصيته ويصدق مع الله، ويتوب التوبة النصوح، حتى لا يدركه الموت وهو على غير طاعة الله، فيختم له بخاتمة السوء.

стр. 1620

قصة الثلاثة الذين خلفوا الحمد لله رب العالمين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وبادروا بالتوبة إلى الله ما دمتم ممهلين. عباد الله! إن للتوبة النصوح شأناً عظيماً، فإن التائب يكون عنده إقبال على طاعة الله ، وهذا من علامة قبول التوبة، وكذلك التائب يكون من أحباب الله ، وإذا أحبه الله وضع الله له القبول في الأرض، فأحبه أهل السموات والأرض. عباد الله! إن للتوبة النصوح شأناً عظيماً، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]. عباد الله! من هم هؤلاء الثلاثة؟ يفسر لنا هذه الآيات أحد الثلاثة وهو كعب بن مالك ﵁ فيقول: ﴿لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أعظم في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، وغزاها ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداً كبيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن ذلك أنه سيخفى عليه ما لم ينزل به وحي من الله. وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعِّر -أي: أميل، فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، حتى إذا أردت فما يزال يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، ولم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتطارق الغد، فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت! ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه بالنفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بـ تبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت فيه، والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ ، فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يجول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري. قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك، حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً، وأستعين بذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً زاح عني الباطل، حتى أردت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قدم من سفر ﷺ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ أي اشتريت، قال: قلت: يا رسول الله! إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر فلقد أعطيت جدلاً، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، وإن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله ، ما كان لي من عذر يا رسول الله، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال: فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. وسار رجال من بني سلمة فتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقدي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدراً فيهما أسوة، قال: فمضيت حينما ذكروهما لي، ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني. قال: حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة؛ وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك الله! هل تعلمني أحب الله ورسوله ﷺ ؟ فسكت، فعدت مناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، فتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بـ المدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون إليّ، حتى جاءني فدفع إليّ كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً؛ أي: أقرأ، فقرأت فإذا فيه، أما بعد: فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها. حتى مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا برسول رسول الله ﷺ -يعني رسول الله أرسل إلينا- يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضايع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا. ولكن لا يقربنك. فقالت: والله ما به من حركة إلى شيء، فوالله ما زال يبكي منذ أن كان من أمره ما كان إلى يومه. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب؟﴾.

стр. 1621

توبة الله على الذين خلفوا ﴿قال كعب: فلبثت بذلك عشر ليال، تكمل لنا خمسون ليلة، من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر، صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر، يا كعب بن مالك! أبشر، فخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء الفرج. فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليّ فرساً، وسعى ساع من أسلم قبليّ، وأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمل رسول الله ﷺ ، يتلقاني الناس فوجاً فوجاً، يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنئك التوبة، لتهنئك توبة الله عليك. فدخلت المسجد وإذا برسو ل الله ﷺ جالس وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لـ طلحة. قال كعب: ولما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله ، وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، فقلت: إني ممسك سهمي الذي بـ خيبر. فقلت: يا رسو ل الله! إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى بما بقي، قال: فأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٧ - ١١٩]. قال كعب ﵁: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله ﷺ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين سبقوا﴾.

стр. 1622

فوائد من قصة الذين خلفوا الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 1623

أهمية الصدق مع الله أيها الناس! اتقوا الله وكونوا من الصادقين، اصدقوا مع الله واصدقوا مع عباد الله ﴿فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب! فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً﴾. أيها المسلمون! إن الصدق بجميع أنواعه محبوب، وإن الصادق محبوب إلى الله وإلى الخلق، إن الله يرفع ذكره، ويزيد أجره، وإن أبين دليل على ذلك ما يحصل من ثناء الناس على الصادقين، في حياتهم وبعد مماتهم. نعم. أهل الصدق أخبارهم مقبولة، وأماناتهم موثوقة، يكفي لذلك ما حصل لـ كعب بن مالك ﵁ عندما صدق رسول الله ﷺ رفع الله ذكره، وأنزل في شأنه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. نعم يا عباد الله! إن هذه هي الغبطة، والنعمة والفائدة الكبيرة.

стр. 1624

مشروعية هجر أهل الفسق والمعاصي عباد الله! لقد سمعتم ما حصل لهؤلاء الثلاثة ﵃ من الهجر والمقاطعة من رسول الله ﷺ ، ومن الصحابة ﵃، ومن أقاربهم؛ وذلك من تمام الإيمان، امتثالاً لقول رسول الله ﷺ هجروهم وقاطعوهم، حتى ضاقت الحال، وتراكمت الكربات، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، حتى جاء الفرج من الله، فتاب الله عليهم، وأعلنت توبتهم في كتاب الله، تتلوها الأمة إلى يوم القيامة. أما الذين نافقوا وكذبوا الله ورسوله فأنزل الله فيهم: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٥ - ٩٦]. أيها المسلمون! اعتبروا بهذه الآيات، يا ليتنا نطبق هذا الأدب الذي علمه رسول الله ﷺ الصحابة. هل نهجر تارك الصلاة؟ هل نهجر المتخلف عن الصلاة؟ هل نهجر الفساق الذين أعلنوا فسقهم بين الناس بدون حياء ولا خوف من الله؟ إذا أردنا أن نتبع هدي محمد ﷺ فلنهجرهم ولننابذهم حتى يرجعوا إلى الله ويتوبوا إليه، اعتبروا بهذه الآيات وطبقوها يا عباد الله، وانظروا ما تختارون لأنفسكم، فلن يرضى المؤمن إلا أن يكون مع الصادقين المتقين. عباد الله! صلوا على الناصح الأمين، صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين يا رب العالمين! اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم قيض لولاة أمور المسلمين جلساء صالحين ناصحين وعلماء عابدين يدلونهم على كل خير ويحذرونهم من كل شر يا رب العالمين! لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك، ارحمنا اللهم بواسع رحمتك يا أرحم الراحمين! ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم إنك قلت وقولك الحق ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغثياً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً، نافعاً غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة، اللهم اسقنا سقيا رحمة، اللهم لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق. اللهم أنت أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، وأرحم بنا من أنفسنا، يا أرحم الراحمين! اللهم لا تردنا خائبين، ولا من رحمتك آيسين، ولا من عطائك مفلسين، اللهم ها نحن عبادك ببابك واقفين، اللهم لا تردنا خائبين، يا إله الأولين والآخرين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب ولا هدم، ولا بلاء ولا غرق، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على واسع نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1625

احذروا الفتن لقد أخبر النبي ﷺ بما سيقع في آخر الزمان من الفتن والمحن، وهاهو عصرنا يشهد بعضاً منها؛ كقلة العلماء وكثرة أهل الضلال، والشح والطمع وإضاعة الأمانة، والحرص على اكتساب المال من حلال أو حرام وهذا هو ما تحدث عنه الشيخ، وبين أهمية محاربة الفتن والحذر منها، وترك الشبهات، واكتساب المال الحلال.

стр. 1626

إخبار النبي ﷺ بالفتن آخر الزمان الحمد لله عالم السر والنجوى، أحاط علماً بجميع الكائنات فلا تخفى عليه خافية، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، المبين عن ربه شرعه المنتقى، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن لنهجهم اقتفى وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن. أمة الإسلام: تمسكوا بدينكم، واحذروا مما يصدكم عنه من مال وأهل وولد: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٨]. أمة الإسلام: احذروا فتنة القول وفتنة العمل، وفتنة العقيدة والآراء الهدامة والمشاهدات السيئة؛ فإن ذلك كله يصدكم عن دينكم، ويوجب هلاككم والعياذ بالله. أمة الإسلام: انظروا إلى سلفكم الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، واسلكوا طريقهم؛ فإنكم بذلك أمرتم، وبذلك تفلحون، إن شاء الله. ولقد أخبر النبي ﷺ أمته بما سيكون إلى قيام الساعة، فأخبر النبي ﷺ أمته بفتن في آخر الزمن، أخبرهم لعلهم يحذرون ويتقون ويرجعون إلى ما كان أسلافهم عليه ويتمسكون به، وأخبر النبي ﷺ عن فتنة الدين بما يحدث من المغريات المادية والفكرية، فقال ﷺ : ﴿بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا﴾. وأخبر النبي ﷺ عن فتنة الجهل والطمع والفوضى، فقال ﷺ : ﴿يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرجْ قالوا: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: القتل﴾ متفق عليه.

стр. 1627

قلة العلماء وكثرة أهل الضلال أمة الإسلام! لقد كاد أو قرب قبض العلم، وقل العلماء؛ قل العلماء الربانيون، قلّ أهل الخشية لله تعالى، وأهل الهداية، إن العلم حقيقة هو العلم النافع؛ الذي يكون صاحبه قدوة في الخير والصلاح والزهد والروع، واتباع سنة رسول الله ﷺ ، وخلفائه الراشدين. لقد ظهرت الفتن شتى من كل نوع ومن كل جهة ظهر الطعن في الإسلام، والتشكيك في الدين، وتزييف الناس فيه، وسلب محبته من قلوب الناشئين، ومحاولة إبعادهم عن هذا الدين الحنيف بكل المحاولات والمغريات المعروفة والتي انتشرت بين الخافقين بكثرة. أيها المسلمون: لقد تصاعدت الفتنة من جزئيات الدين وفروعه إلى أصوله وأركانه، وتطورت الفتنة من الأفراد والأقليات، وتلك طامة كبرى، ومصيبة عظمى، أن تتدرج الفتن هذا التدرج، وتتوسع هذا التوسع في حجمها وشكلها اللهم إنا نسألك الثبات على الإسلام، اللهم إن نسألك الثبات على الإسلام، اللهم إن نسألك الثبات على الإسلام. أيها الإخوة في الله: شيوعية، ويهودية، وماسونية، ونصرانية، وإلحادية، ومجوسية، ووثنية؛ كل هؤلاء يحاولون الوثب على الإسلام، ولكن نسأل الله الحي القيوم أن يجعل شرورهم في نحورهم، وأن يردهم خائبين إنه على كل شيء قدير. أمة الإسلام: كونوا على يقظة مما يدبره لكم الأعداء، ومما يجتمعون من أجله ليصدوكم عن دينكم، فهذا حذيفة بن اليمان ﵁، يسأل الرسول ﷺ فيقول: ﴿قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير الذي جئت به من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: وهل بعد ذلك من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا﴾ فقد ظهر هذا -يا عباد الله! - ولكن خذوا حذركم، وتمسكوا بكتاب الله وبهدي رسوله ﷺ .

стр. 1628

الشح والطمع وإضاعة الأمانة عباد الله: لقد ألقي الشح والطمع في قلوب بعض العباد؛ حتى منعوا الزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة، وطمع البعض من الناس فيما ليس لهم به حق، وكثرت الفوضى والقتل، ولقد أخبر رسول الله ﷺ عن فتنة الأمانة، وأنها سترفع في آخر الزمان حتى لا تكاد ترى أميناً. ولقد صدق رسول الله ﷺ ؛ فلقد قبضت الأمانة إلا ما شاء الله، ولقد صار الأمناء يعدون بالأصابع، فترى القبيلة ليس فيها إلا أمين واحد، والرجل يعجبك في عقله وظرفه وجلده، لكن ليس في قلبه إيمان؛ لأن الأمانة نزعت منه، ومن أراد أن ينظر إلى هذا ويتحقق منه؛ فليدخل إلى أسواق المسلمين، ويرى ما فيها. ولقد جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: ﴿متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة﴾ رواه البخاري.

стр. 1629

الحرص على المال وكسب الحرام عباد الله: ألا وإن من الفتن الكبيرة العظيمة: فتنة المال، وقلَّ من يسلم منها، قلَّ من يأخذ المال من وجهه ويصرفه في وجهه المشروع، فكان عند الكثير من الناس الحلال ما حل في يده بأي طريق كان، والمصروف منه ما صرفه في هواه ولو في الحرام، نستجير بالله من مضلات الفتن. قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن الحلال أم من الحرام﴾ رواه البخاري. ولقد صدق رسول الله ﷺ ؛ فإن الكثير من الناس لا يبالون بالمال من أي وجه اكتسبوه، وكأنما خلقوا للمال وللدنيا، ولا حساب عليهم في ذلك ولا عقاب، يكسبون المال بالغش وبالكذب وبالرشوة وبالربا صريحاً أو خداعاً أو حيلة، ويكتسبون المال بالدعاوى الباطلة، وما أكثرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بالمحاماة وبغيرها، فيدَّعون ما ليس لهم، ويجحدون ما كان عليهم، ولا يؤدون أعمالهم الوظيفية، ويأخذون المرتبات كاملة من غير نقص، كل هذه الطرق التي دخل معها المال فإنه حرام لا خير فيه، وعاقبته العذاب والنكال: ﴿وأيما جسم نبت من السحت فالنار أولى به﴾.

стр. 1630

محاربة الفتن والاستعاذة بالله منها احذروا -أيها المسلمون- هذه الفتن واجتنبوها ما دمتم في زمن الإمكان قبل أن يهجم عليكم هادم الذات. احذروا الفتن وحاربوها، فإنها إذا ظهرت عمت المجتمع كله، وأصابت الصالح والفاسد، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥] تقول زينب أم المؤمنين ﵂: ﴿استيقظ النبي ﷺ من النوم محمراً وجهه، يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها- قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم إذا كثر الخبث﴾ رواه البخاري. أمة الإسلام: لقد أمركم نبيكم ﷺ أن تستعيذوا بالله من الفتن في كل صلاة، فقد قال ﷺ : ﴿إذا تشهد أحدكم -أي: قرأ التحيات- فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جنهم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال﴾. اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم رب محمد النبي ﷺ اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وأذهب غيظ قلوبنا، اللهم أذهب غيظ قلوبنا، اللهم أجرنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1631

ترك الشبهات والحرام واكتساب الحلال الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واحرصوا على الحلال الطيب، وجانبوا الحرام وابتعدوا عنه، واسمعوا إلى الناصح الأمين، وهو يقول ﷺ فيما يرويه لنا النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فلسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾. ومع الأسف الشديد أن الكثير من الناس استسلموا لشهواتهم، فقادتهم إلى مسالك خطرة، وسبل ملتوية مظلمة، ومن أخطر هذه الشهوات: حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، والاندفاع وراءها في كل طريق، والتعلق بالشبه الواهية لتحصيل المال من أي وجه، ولقد تعددت في زماننا هذا أبواب المال الحرام وكثرت، ووقع فيها الكثير، فأهلكوا بذلك أنفسهم وأهليهم، ومن المصادر الخبيثة المحرمة: أكل الربا والتعامل به، والغش، والخداع، والكذب، والخيانة، والرشوة، والتزوير، ويبع آلات اللهو بجميع أنواعها، وبيع الدخان الذي يباع مع الأطعمة في محلات التموينات مع الأسف الشديد، ولكن المنخدع بهواه، الذي غش نفسه، إذا قيل له في الدخان، قال: أعطونا الدليل، وكم ذكرت له الأدلة في ذلك؛ فبيع الدخان حرام، وشرب الدخان حرام، وهو لا يقل عن ثمن المسكرات. كذلك ثمن تصوير ذوات الأرواح، وثمن الصور ذوات الأرواح محرم يا عباد الله! فاكتسبوا الحلال من طرقه واجتنبوا الحرام. اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. يا عباد الله: إذا أكل الإنسان الحلال، وشرب الحلال، ولبس الحلال، وتغذى بالحلال، ورفع يديه إلى رب العزة والجلال، يقول: يا رب! يا رب! يقول الرب جل وعلا: لبيك وسعديك، يسأله فيعطيه، ويتصدق فيقبل منه، ويصلح له النية والذرية، أما إذا كان المأكل من الحرام، والمشرب من الحرام، والملبس من الحرام، والغذاء حرام، فأنى يستجاب لذلك. اللهم أصلح أحوالنا وأعمالنا وأقوالنا واجعلنا هداة مهتدين. عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على من بعثه الله بشيراً ونذيراً، أكثروا من الصلاة والسلام على من أمركم الله أن تصلوا عليه في محكم البيان فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلَّ الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحابه أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أحصهم عدداً، اللهم اقتلهم بدداً، اللهم لا تبق منهم أحداً، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام! اللهم يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، نسألك بعزتك التي لا ترام، وبقوتك التي لا تضام، يا حي يا قيوم، من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين. اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، واغفر لآبائنا وأمهاتنا، واجمعنا وإياهم في جنات الفردوس الأعلى يا رب العالمين. عباد اللهّ! يا أهل المجوهرات! يا أهل الذهب! اسمعوا يا من تبيعون الذهب بالدين؛ فإنه حرام ولا يجوز، فلا يجوز بيع الذهب إلا يداً بيد، وتقابض في المجلس، فمن أدان صاحبه أو صديقه فذلك رباً لا يجوز، وهذه المعاملات تدور عند كثير من الذين يبيعون الذهب إذا أتاه صديقه أو قريبه قال: خذ من الذهب ومتى ما يسر الله عليك أعطنا القيمة، فهذا حرام ولا يجوز، فاحذروا من هذا، يا من تبيعون الذهب! أسأل الله أن يجعلنا ممن يأكل الحلال، ويشرب الحلال، ويتغذى بالحلال، إنه على كل شيء قدير. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1632

الاتحاد وجمع الكلمة لقد أوجب الله علينا أمراً عظيماً ننال فيه كل غاية مثلى، هو مصدر عزنا ومجدنا، ألا وهو الاتحاد والاجتماع ونبذ الفرقة والعصبية، فالاتحاد أساس كل سعادة وتقدم ورقي، وتاريخ سلف الأمة الإسلامية خير شاهد ودليل على ذلك، فلقد عاشوا في عز منيع وشرف رفيع، ولما شاعت فينا الفرقة والاختلاف، وصلنا إلى هذه الحالة من الذل والهوان، ولن نستطيع أن نصل إلى ما وصلوا إليه من الرفعة والعزة والمجد، إلا باتباع الكتاب والسنة والاجتماع ونبذ الفرقة.

стр. 1633

الاتحاد وجمع الكلمة مصدر عز الأمة الحمد لله ألّف بالإسلام قلوب المؤمنين، وأوجب عليهم الاتحاد، وحرم عليهم التفرق في كتابه المبين، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، خير داعٍ إلى الطريق القويم، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذين صَفَتْ قلوبهم، واتحدت كلمتهم، والتقت أهدافهم في مصب واحد، وهو إعلاء كلمة الله، وعلى من تبعهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين، وسلم تسيلماً كثيراً. أما بعد: يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣]. أيها المسلمون! إن كتاب الله هو حبله المتين والحق المبين؛ من وقف عند حدود كتاب الله نجا، ومن تحلى بآداب القرآن سعد، ومن تمسك بالقرآن فقد هُدي إلى الصراط المستقيم، وإن الله جلت حكمته قد أوجب عليكم في القرآن أمراً عظيماً، أنتم أطعتم الله فيه، ونفذتم الأوامر، وقمتم بحقوق الله؛ نلتم من الخير ما تحبون، وبلغتم الغاية المثلى التي تطلبون، وذلك بأن تتحد القلوب، وتتآلف النفوس، ونتعاون على الخير فيما بيننا، ونرمي بالعصبيات والجاهليات عرض الحائط، وندفن القومية والعصبية والتفرق مع الجاهلية الأولى التي دفنها الإسلام.

стр. 1634

الاتحاد أساس السعادة والرقي أمة الإسلام: إن الاتحاد هو أساس السعادة، وعماد كل تقدم ورقي، فالصحابة رضوان الله عليهم ليسوا من صلب واحد، ولا من أب وأم واحدة، إنهم من أقطار متفرقة، ولكن اجتمعوا تحت ظل لا إله إلا الله محمد رسول الله، اجتمعوا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . إذاً: فالاتحاد -يا أمة الإسلام- هو أساس السعادة، وعماد كل تقدم ورقي، والتاريخ الإسلامي يشهد لما جاء به الدين الإسلامي من أن الخير كل الخير في اجتماع الكلمة والتضامن، وتوحيد الصفوف، والتضحية بالمصالح الشخصية والرغبات الفردية في سبيل المصلحة العامة، فما نالت أمة من الأمم نصيباً من التقدم في شيء من شئونها إلا باجتماع الكلمة. يا أمة الإسلام! على كل فرد مسلم واجب يؤديه، ووظيفة يجب أن يقوم بها لصالح الجميع؛ لأن كل فرد من أمة المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فيجب أن يقوم بوظيفته ويؤديها بأمانة وإخلاص ووفاء. عباد الله: فحذارِ حذارِ من التنازع والتفرق؛ فإنهما والله لمن الجنايات العظمى، والجرائم الكبرى، التي قد يدخل ضررها على العجائز في أقصى بيوتهن، نعم والله إنهما لمؤذنان بوخامة العاقبة وسوء المصير، يقول الله سبحانه وهو أصدق القائلين: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]. يا عباد الله! اتقوا الله واجتنبوا التنازع والاختلاف والتفرق؛ فإن ذلك مبلبلٌ للأفكار، مهرقٌ للدماء، مؤججٌ لنار العداوة والبغضاء، وما أدراكم ما العدواة والبغضاء؟! هي والله الغزو الموحش والحرب الطاحنة، التي طالما هزت أركاناً راسية، وأودت بمصالح، وكشفت عن خبايا. يا أمة الإسلام: اتقوا الله واعملوا على ما يجمع كلمتكم، ويقرب وجهاتكم، فذلك أول عدة تعتدونها لقتال أعداء الإسلام، وابتعدوا جميعاً عن مغريات الأعداء التي يزرعونها في صفوف المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها؛ ليضلوكم بها عن سبيل الله، ويبعدوكم عن دينكم الحنيف، وعن أخلاقكم، وعن المثل العليا التي جاء بها الإسلام ورسم لنا خطتها.

стр. 1635

أهمية توحيد الصفوف ونبذ الفرقة أيها المسلمون! ما نال سلفنا الصالح في ماضيهم ما نالوه من عز منيع، وشرف رفيع، بكثرة أعدادهم، ولا بتوفر عددهم ولا بصواريخهم، ولا بطائراتهم النفاثة، ولا بقنابلهم الذرية، ولكن نالوا ذلك بالإيمان بالله، فهو العدة القوية، والسلاح القويم؛ الإيمان بالله، وتوحيد الصفوف، ولَمِّ الشعث فيما بينهم، حتى أصبحوا يداً واحدة، ولساناً واحداً، ينبروا لصالح الإخاء والإخلاص الذي أطاح بعروش الظلم والعدوان -عروش كسرى وقيصر- ونشر لواء العدل والمساواة في أرجاء المعمورة. وأما الآن -أيها المسلمون- فإن الحالة يرثى لها؛ لأن بعض المسلمين استبدل بحكم الكتاب والسنة الحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها أعداء الإسلام من آرائهم، ونطقت بها أفواههم، معرضين عن كلام رب العالمين؛ الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، معرضين عن سنة رسول الله التي هي أوضح من شمس النهار، لا يزيغ عنها إلا هالك، واستبدل البعض بالقوانين، واستبدل البعض بالأحزاب البعثية، واستبدل البعض بـ الاشتراكية، واستبدل البعض بـ الشيوعية إلى غير ذلك من الأعمال التي نجح بإدخالها أعداء الإسلام، وهي مصداق لحديث رسول الله ﷺ : ﴿افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة؛ ما أنا عليه وأصحابي﴾. أمة الإسلام! لقد نجح أعداء الإسلام بإدخال تلك المزيفات على الإسلام والمسلمين، وقد أعانهم عليها الشياطين الذين تلبسوا بالإسلام وليسوا من الإسلام في شيء، وإنما هم أعوان للشياطين. يا عباد الله: اتقوا الله واعملوا على ما يجمع الكلمة، ويوحد الصفوف، ويكون الهدف والغاية، تحت ظلال لا إله إلا الله محمد رسول الله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، يا ذا الجلال والإكرام. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين -الأحياء منهم والأموات- من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1636

سلف الأمة وخلف اليوم تجاه الكتاب والسنة الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله! اتقوا الله، يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] دليل واضح من كتاب الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] إذا غيروا الطاعة بالمعصية، غير الله عليهم الرحمة عذاباً وتسليط أعداء. أيها المسلمون! لقد كانت الأمة الإسلامية فيما مضى متمسكة بكتاب الله، عاملة بسنة رسول الله ﷺ ، صحيحة في عقائدها، صالحة في أعمالها، حسنة في معاملاتها وعاداتها، كريمة في أخلاقها، بصيرة في أمر دينها ودنياها، وراقية في آدابها وعلومها، عزيزة الجانب، قوية الشوكة، صاحبة سلطان وصولة على من عادها. واليوم أيها المسلمون! كثر عدد المسلمين، وقلّ العمل بالكتاب والسنة، وتبدلت الأحوال، واختلت العقائد، وفسدت المعاملات، وتدهورت الأخلاق، وتأخرت العلوم، وصارت الأمة ذليلة الجانب، ضعيفة الشوكة، فاقدة الهيبة، تتخبط في ظلمات الجهل، وتنقاد للخرافات والأوهام، والتيارات الهدامة والدعايات الزائفة، وما ذاك -يا أمة الإسلام- إلا لأنها خالفت كتاب رب العالمين، وانحرفت عن طريق الهادي الأمين، محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وسارت وجرت وراء أهوائها، واكتفت بزخارف الحضارة والمدنية الزائفة، وأدخلت في مدارسها علوم الإفرنج والغربية، وصارت أكثر تداولاً في أيدي الطلاب، حتى صار البعض الذين لا يفرقون بين الحق والباطل يوالون أعداء الإسلام، ويأخذون بأفكار أعداء الإسلام الزائفة، وأخلاقهم البشعة التي لا تتفق مع التعاليم الإسلامية، ولا مع الأخلاقه السامية التي جاء بها رسول البشرية ﷺ ، حيث يقول: ﴿إنما بعثت لأتتم مكارم الأخلاق﴾ وصدق الله حيث يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فلك الحمد يا ربنا على نعمة الإسلام، وتباً ثم تباً وخسارة لمن ابتغى غير الإٍسلام ديناً. وصلوا على رسول الله -أيها المسلمون- امتثالاً لأمر الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ولقوله ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ومنقذنا ومخرجنا من الظلمات إلى النور، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً كريماً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أمدهم بنصرك المبين وتأييدك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أئمتنا ولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، واللواط، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد أمة الإسلام عامة يا رب العالمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1637

الأضحية إن المتأمل في سيرة الخليل إبراهيم ﵇ في الدعوة إلى الله ليعلم عظم ما حصل له من الابتلاء والامتحان، ومن هذا الابتلاء رؤياه حيث أمره ربه أن يذبح ولده إسماعيل، فلما امتثل أمر ربه نجى الله إسماعيل وفداه بذبح عظيم، فصارت سنةً سار عليها إبراهيم ﵇ ونبينا ﷺ من بعده، وفي هذه المادة تجد عرضاً سريعاً لذلك، وتذكيراً نافعاً بما هنالك

стр. 1638

ملامح من حياة إبراهيم ﵇ في الدعوة إلى الله الحمد لله، الحمد لله الذي شرع لعباده التقرب إليه بذبح القربان، وذكر النحر والصلاة في محكم القرآن. وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له ذو الفضل والامتنان والإحسان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أفضل من قام بشرائع الإسلام، وأفضل من حقق الإيمان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فنحن في استقبال يوم الحج الأكبر، وعيد الأضحى المبارك، الذي حصلت فيه السنة التي سنها أبو الأنبياء أبونا إبراهيم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وحذا حذوه واقتدى به نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله ﷺ . أمة الإسلام: لقد حصل لأبينا إبراهيم الكثير من الابتلاء والامتحان، فقد جاهد في الله حق الجهاد. ففي أول أمره لما عرف اللهَ حق المعرفة، وعرف أن قومه على غير حق حتى أبُاه، الذي كان من أكبر الكفار، وأنهم ضالُّون بعبادتهم الأوثان من دون الله، عزم وشمر عن ساعدَيه مستعيناً بالله الحي القيوم على تكسير الأصنام التي يعبدونها من دون الله، فوثب عليه قومه، وصارت المخاصمة والمؤامرة بينه وبين القوم، ونصره الله الذي وعد بالنصر: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٥١] ونصره الله عليهم بحجته الظاهرة، فلجئوا إلى القوة لينصروا ما هم عليه من السفه والطغيان، فكادهم الرب جل وعلا، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه، كما قال جل وعلا: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٧٠]. وذلك بأنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع الأماكن، حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحرق إبراهيم، ثم عمدوا إلى أخاديد عظيمة فوضعوا فيها الحطب، وأشعلوا فيها النار، فاضطرمت وتأججت والتهبت، وعلا لها شررٌ لَمْ يُرَ مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في كفة منجنيق صنعه لهم رجلٌ من الأقباط، وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وهكذا كل مَن سن سنة سيئة فسوف يعاقبه الله، ومن سن سنة حسنة فسوف يُعْظِم الله له الأجر. أمة الإسلام: لما سن ذاك الخبيث تلك السنة التي وُضع فيها إبراهيم ليُلْقُونه في النار، جعل الله عقوبته أن خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ثم أخذوا يقيدون إبراهيم ويكتفونه وهو في كفة المنجنيق، وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك أنت رب العالمين، لا إله إلا أنت سبحانك أنت رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فلما ألقوه في النار قال: حسبي الله نعم الوكيل. لذلك يقول بعض المفسرين: لما عرض لإبراهيم جبريل ﵇ وهو في الهواء قال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا؛ لأنه فوَّض أمره لله القادر على كل شيء. يقول ابن عباس ﵁: [[إن ملك المطر كان يقول: متى أؤمَر فأرسِل المطر لأطفئ النار عن إبراهيم؟!]] ولكن أمر الله أرحم الرحمين، القادر على كل شيء، الذي بيده أزِمَّة الأمور، أسْمَعُ وأسْرَعُ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. يقول علي بن أبي طالب ﵁: [[برداً وسلاماً، أي: لا تَضُرِّيْه]]. قال بعض المفسرين: لولا أن الله تعالى قال: ﴿وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] لآذى إبراهيم بردها، ولكن جعلها برداً وسلاماً حتى صار إبراهيم في مثل الجوبة حوله نار وهو في روضة خضراء، والناس ينظرون ولا يقدرون الوصول إليه، ولا هو يخرج إليهم. ويُروى أن والد إبراهيم، الزنديق الملحد الكافر الخبيث، لما نظر إلى إبراهيم في تلك الروضة قال: نِعْم الرب ربك يا إبراهيم! أمة الإسلام! هذا جزاء مَن يصبر على الدعوة إلى الله، فإن الله لا يضيعه، قال الله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٥١]. يروى أن إبراهيم مكث في المكان الذي ألقوه فيه أربعين أو خمسين يوماً، وأنه قال: ما من أيام وليالي أطيب عيشاً منها إذ كنت فيها، وودت أن عيشي وحياتي كلها مثل ذلك.

стр. 1639

هجرة إبراهيم ﵇ من بلاد قومه وبناء البيت العتيق بعد ذلك وغيره من الابتلاء والامتحان هاجر إبراهيم ﵇ من بلاد قومه، وبنى البيت العتيق هو وابنه إسماعيل ﵉، حتى صار مأوىً يأوي إليه الناس تلبية لنداء إبراهيم حيث أمره الله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] وأجاب دعوته حين قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم:٣٧]. فأجاب الله تلك الدعوة، وصار البيت العتيق مأوىً للمسلمين يأوون إليه كل عام.

стр. 1640

حادثة الذبح والفداء لمّا هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشره الله تعالى بغلامٍ حليم، وهو إسماعيل ﵇، وهو أول ولدٍ ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمره ﵇، فلما بلغ معه السعي؛ أي شب وترعرع وصار يسعى في مصالح أبيه؛ رأى إبراهيم ﵇ في المنام أنه يؤمر بذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء ﵈ وحي، وهذا اختبار من الله لخليله بأن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر في السن، فامتثل أمر الله في ذلك، وسعى إلى طاعة رب العالمين، ثم عرض ذلك على ولده إسماعيل ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسراً، ويذبحه ظهراً قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] ما قال الغلام: أبتاه! أريد مشاورة أصدقائي، أريد أن أشاور الزوجة، بل بادر الغلام الحليم والده الخليل: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. الله أكبر! لا إله إلا الله! هذا الجواب -يا عباد الله- في غاية التذلل والخضوع لأمر الله ، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] أسلما أمرهما إلى الله، الوالد أسلم أمره لطاعة الله، والابن أسلم أمره لطاعة أبيه ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: ألقاه على وجهه، قال بعض المفسرين: أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده وهو يذبح فتدركه الرحمة، وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، فبقي طرف جبينه لاصقاً في الأرض، وسمى إبراهيم وكبّر، وتشهد الولد للموت، وجعل إبراهيم يمرر السكين على حلق إسماعيل، الله أكبر! لا إله إلا الله! سبحانك اللهم وبحمدك، أنت العليم بعبادك يا رب! وجعل إبراهيم يمرر السكين على حلق إسماعيل، ولم تقطع شيئاً، يقول بعض المفسرين: جُعل بين السكين والحلق نحاس، والله أعلم بذلك، فعند ذلك لما علم الله صدق إبراهيم. وصبر إسماعيل قال الله : ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] أي: قد حصل المقصود، ونجحت في الامتحان، وأخذت شهادة الامتياز، في طاعة رب العالمين، في مبادرتك إلى أمر ربك: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٦] أي: اختبار الله نبيه المبين. عند ذلك فداه الله بذبحٍ عظيم، أي: جعل فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى من العوض عنه، وهو كبشٌ أبيض أعين، عظيم سواد العين، أقرن، قال ابن عباس ﵄: [[كبشٌ قد رعى في الجنة أربعين خريفاً]]. فإبراهيم ﵇ لطاعته لله وامتثال أوامره سماه الله أمّة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] كذلك يُبعث يوم القيامة أمة واحدة.

стр. 1641

مشروعية الأضاحي وفضلها عباد الله: اتقوا الله واحذوا حذو أبيكم إبراهيم ﵇، واشكروه على ما أنعم به عليكم من مشروعية الأضاحي التي تتقربون بها إلى ربكم، وتنفقون بها نفائس الأموال؛ فإن هذه الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم، ونبيكم محمد عليهما أفضل الصلاة والتسليم. أيها المسلمون، إن لكم بكل شعرة منها حسنة، وبكل صوفة حسنة، يقول ﷺ : ﴿ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بأظلافها وقرونها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض﴾. أيها المسلمون! اعلموا أن الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، والأضحية سنة مؤكدة جداً لمن يقدر عليها، فضحوا عن أنفسكم وأهليكم وأولادكم والوالدِين، وذلك بواحدة تجزئ عن البيت جميعاً؛ ليحصل الأجر العظيم للجميع، واقتدوا بنبيكم ﷺ ؛ حيث ضحى عنه وعن أهل بيته، ويكفي أن يضحي واحد لجميع أهل البيت، وفضل الله واسع إلا إذا كانت وصية فإنها لصاحبها الذي أوصى بها كما نص في وصيته التي وصى بها.

стр. 1642

شروط الأضحية أمة الإسلام: والأضحية تكون من بهيمة الأنعام: إما من الإبل، أو البقر، أو الضأن، أو المعز، ولا تجزئ إلا بشرطين: الأول: أن تبلغ السن المعتبرة شرعاً. والشرط الثاني: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء. فأما السن: ففي الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن ستة أشهر. وأما العيوب التي تمنع من الإجزاء: فقد بينها رسولكم ﷺ وقال: ﴿أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تَنْقَى﴾. فهذه هي العيوب التي تمنع من الإجزاء. ومن كان منكم يحسن الذبح فليذبح أضحيته بيده، ومن كان لا يحسن فليذبح عند الأتقياء، فذلك أفضل. واحذروا أن تذبحوا قبل الوقت المحدود للأضحية شرعاً، وهو الفراغ من صلاة العيد، والأفضل أن يُنتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبتين، وينتهي وقت الذبح بغروب الشمس من اليوم الثالث بعد العيد، فأيام الذبح أربع، العيد وثلاثة أيامٍ بعده، وفي النهار أفضل ويجوز الذبح بالليل، ويسمي عند الذبح، والتسمية شرطٌ عند الذبح، فمن لم يقل باسم الله متعمداً على ذبيحته فهي ميتة نجسة حرام أكلها، وإذا نسي فلا بأس ولا حرج عليه.

стр. 1643

آداب الذبح أمة الإسلام: اذبحوا برفق، وحدوا السكين، ولا تحدوها وهي تنظر، ولا تذبحوها وأختها تنظر إليها، ولا تسلخوها، أو تكسروا رقبتها قبل أن تموت، وكلوا من الأضاحي، واهدوا، وتصدقوا، ولا تعطوا الجزار أجرته منها، بل أعطوه أجره من غيرها، وأعطوه صدقة إن كان فقيراً. اللهم وفقنا لفعل الخيرات، واجتناب المنكرات. اللهم وفقنا للصواب في جميع أعمالنا، واجعلها خالصة لوجهك الكريم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1644

بيان فضل العشر من ذي الحجة والعمل فيها الحمد لله الذي فضل يوم عرفة على سائر الأيام، وجعله لعقد أيام العام واسطة النظام، وأكمل فيه الدين وأتم الإنعام، ورضي الإسلام لعباده المؤمنين ديناً موصلاً إلى دار السلام، وجَعَله موسماً لعتق الرقاب، ومغفرة الذنوب والآثام، فسبحانه من إله عظيم لا يُماثَل ولا يضاهى ولا يرام، أحمده سبحانه على إحسانه العام، وأشكره على التوفيق للإيمان والإسلام، وأسأله أن يثبتنا على ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة من النار والفوز بدار السلام، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المخصوص بأكمل خُلُق وأرفع مقام، أفضل من صلى وصام، وأتقى من راح بالمشاعر وطاف بالبيت الحرام. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الأئمة الأعلام، ومصابيح الظلام، صلاة وسلاماً دائمَين متعاقبَين بتعاقب الليل والنهار. أما بعد: فاتقوا الله، وشمّروا لطلب الخيرات قبل فواتها، واغتنموا الأعمال الصالحات في أوقاتها، فمنها الأيام المفضلات المخصوصة بالتشريف في محكم الآيات، وهن الأيام العشر المعلومات، عشر ذي الحجة، وفيها اليوم التاسع المخصوص بالفضل العظيم في القرآن العظيم، فاغتنموا فضله، واحذروا الموانع والقواطع من الذنوب، يقول ﷺ : ﴿خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيين قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شرك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾. ويقول ﷺ : ﴿ما رئي الشيطان أصغر ولا أدحر منه يوم عرفة﴾ لما يلقى من تنزل الرحمة، وتجاوز الرب عن الذنوب العظام. وعنه ﷺ أنه قال: ﴿ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيده من النار من يوم عرفة﴾. وقد حث النبي ﷺ على صيام عرفة وذلك لغير الحاج، فقال ﷺ : ﴿صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والسنة الآتية﴾. وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي أتوني شعثاً غبراً مِن كل فجٍ عميق يرجون مغفرتي؛ فلو كانت ذنوبهم عدد الرمل لغفرتها﴾ الله أكبر! يقال لهم: أفيضوا مغفوراً لكم ولمن شفعتم فيه. عباد الله: اجتهدوا بالأعمال الصالحة وارفعوا أصواتكم بالتكبير في كل مكان؛ في الأسواق، والمساجد، وفي المجتمعات، وفي البيوت، وأكثروا من قراءة القرآن، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، واستيقظوا من رقداتكم، وانهضوا من غفلاتكم، فلا تمر بكم ساعات الفضائل وأنتم لاهون غافلون. اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، ولا تجعلنا عن بابك مطرودين، ولا من فضلك محرومين، ولا تجعل مصيبتنا في الدين، أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان. وصلوا على رسول الله كما أمركم الله فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد. وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم انصر من نصر كتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، واخذل من خذل كتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين. اللهم أقر بهم أعين الآباء، وانصر بهم الإسلام، واحمِ بهم حوزة الدين يا رب العالمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار. اللهم ولِّ عليهم الأخيار، ولا تول عليهم الأشرار. اللهم اجعل ولاية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فيمن يخافك ويقيم حدودك، ويحكم بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ . اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا، والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. اللهم اشفِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، واغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الرحمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1645

التعرف على الله في الرخاء إن الإنسان في حال الرخاء يستطيع أن يعمل ما لا يمكنه القيام به في حال الشدة، والإنسان لا يعيش في رخاء دائم ولا شدة دائمة وإنما تتقلب عليه الأمور، فمرة في شدة ومرة في رخاء، فحري بالمسلم العاقل إذا كان في رخاء أن يتعرف إلى الله ويكثر من طاعته والقيام بأمره؛ لأن من تعرف إلى الله في الرخاء تعرف الله إليه في الشدة.

стр. 1646

تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة الحمد لله ذي الفضل العظيم، والخير الواسع العميم، أنعم على عباده بنعم لا تحصى، ودفع عنهم من النقم ما لا يعد ولا يستقصى، وتفضل عليهم بالعمل الصالح، وجازاهم عليه أفضل الجزاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك العلي الأعلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي وصل بفضل ربه إلى أعلى مكانٍ يصل إليه الورى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن بهداهم اهتدى، وسلَّم تسليماًَ. أما بعد: أيها المؤمنون! اتقوا الله تعالى، وتعرفوا إلى ربكم في الرخاء يعرفكم في الشدة، تعرفوا إلى الله بالقيام بطاعته رغبة في ثوابه، وابتعدوا عن معصيته خوفاً من عقابه؛ فإنه أليم شديد. أيها المسلمون! أيها المؤمنون بالله حقاً! اعلموا أن رخاء العيش وطيب الحال من النعم التي تستوجب الشكر على العباد، وتستوجب القيام بطاعة المنعم الجواد جل وعلا. أيها المؤمنون بالله! اعلموا أن الإنسان في حال الرخاء يستطيع أن يعمل ما لا يمكنه القيام به في حال الشدة، ويستطيع أن يعمل في سن الشباب ما لا يمكنه القيام به في حال الكبر والهرم، ويستطيع أن يعمل في زمن الأمن والطمأنينة ما لا يمكنه القيام به في حال الخوف، ويستطيع أن يعمل وهو صحيحٌ ما لا يمكنه القيام به وهو مريض. نعم. إذا امتحن الإنسان هذه الحياة، وفكر فيها جيداً؛ عرف حقاً أن العافية في البدن، والأمن والترف لا يدوم، فقد يعقبها شدة ومرض وخوف وجوع؛ لكن المؤمن بالله حقاً الذي قوى صلته بربه جل وعلا، وقام بحق الله ﵎، وتعرف للحي القيوم في حال الرخاء، فإن الله ﵎ يعرفه في حال الشدة، وفي حال الضيق، فيلطف به ويعينه على الشدائد، وييسر أمره، قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٢ - ٤] هكذا يعد الله عباده المؤمنين، والله لا يخلف الميعاد. فاتقوا الله عباد الله! وإليكم هذه القصة التي تبين عاقبة الأعمال الصالحة، وتبين أن من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدائد وأنجاه: يقول عبد الله بن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غارٍ، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجلٌ منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يوماً، فلم أُرِح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر -الله أكبر! - والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه. وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي -وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء- فأردتُها على نفسها، فامتنعتْ مني، حتى ألَمَّت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلتُ، حتى إذا قدرتُ عليها -وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها- قالت: اتقِ الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجلٍ واحد، ترك الذي له وذهب، فثمَّرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حينٍ فقال: يا عبد الله! أدِّ إليِّ أجري فقلت: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق أجرك، فقال يا عبد الله! لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فاستاقه فلم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون﴾ لا إله إلا الله! فخرجوا يمشون! متفق على صحة هذا الحديث. أمة الإسلام! تلكم القصة التي أخبر بها أصدق الخلق نبينا محمد ﷺ . فالأول من أولئك الثلاثة: ضرب مثلاً عظيماً في البر بوالدَيه، بقي طوال الليل والإناء على يده، لم تطب نفسه أن يشرب منه، ولا أن يسقي أولاده وأهله، ولا أن ينغص على والدَيه نومهما حتى طلع الفجر. وأما الثاني: فضرب مثلاً بالغاً في العفة الكاملة، حيث تمكن من حصول مراده من هذه المرأة التي هي أحب الناس إليه، ولكن لما ذكرته بالله، وقالت له: اتق الله، فتركها وقام ولم يعمل الفاحشة، ولم يأخذ شيئاً مما أعطاها. وأما الثالث: فضرب مثلاً في غاية الأمانة والنصح؛ حيث نَمَّى للأجير أجره فبلغ ما بلغ، وسلَّمه إلى صاحبه، ولم يأخذ على عمله شيئاً، فكان من جزاء هذه الأعمال الصالحة التي تعرفوا بها إلى الله في حال الرخاء أن تعرف الله عليهم في حال الشدة. نعم يا أمة الإسلام! هكذا كان جزاؤهم على هذه الأعمال الصالحة التي تعرفوا بها إلى الله في حال الرخاء، أن الله عرفهم في حال الشدة، فأنقذهم من الهلاك. وهذه سنة الله في خلقه إلى يوم القيامة، أن من تعرف إلى الرب جل وعلا في حال الرخاء عرفه في حال الشدة، كما أوصى بذلك رسولنا محمد ﷺ ، حيث يقول: ﴿تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه يا رب العالمين. ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦١ - ٦٣]. اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما صرَّفت فيه من الآيات والذكر الحكيم. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1647

أعظم الشدائد ما يكون عند الموت الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأشهد أن لا إله لنا ولا رب سواه، وهو الذي له القدرة التامة على خلقه أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد ولد آدم أجمعين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله وأطيعوه، فقد سمعتم ما في القصة السابقة الذكر من الأمر العجيب لمن أطاع الله واتقاه. أيها المسلمون! إن الشدائد أنواعٌ منوعة، وإن أعظم شدة يقع فيها الإنسان ما يكون من شدة الموت عند فراق المألوف، واستقبال المخوف. فإذا كان العبد ممن تعرف إلى الله في حال صحته، وحياته، ونشاطه، وأمنه، واستقراره، عرفه الله سبحانه في حال شدته، وعند حضور ملك الموت إذا نزع الروح من القصب والعصب واللحم، فإن الله يهون عليه الأمر فيحسِّن له الخاتمة، وينتقل من هذه الدنيا على أحسن حال. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] هكذا تبشر الملائكة أولياء الرحمن، الذين تعرفوا إلى الله في الرخاء، تبشرهم عند الشدائد، وعند سكرات الموت. وأما إن كان معرضاً عن الله مشتغلاً بدنياه عن طاعة الله، مشتغلاً بآلات لهوه، وبمسكراته ومخدراته ومفتراته، لم يزده الرخاء إلا بطراً وبُعداً عن الله تعالى، فحريٌ بأن يكله الله إلى نفسه، ويتخلى عنه في حال شدائده، فتحيط به السيئات والأوزار، ويموت على أسوأ حال وأخبث مآل. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وصلوا وسلموا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة؛ صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد. وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أرحم الراحمين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام. اللهم قَوِّ إيماننا بك، وبملائكتك، وبكتبك، وبرسلك، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. اللهم املأ قلوبنا من محبتك، ومن خشيتك، ومن معرفتك في الرخاء والشدة. اللهم املأ قلوبنا من الإيمان والحكمة يا رب العالمين. اللهم نور قلوبنا بالإيمان، اللهم نور قلوبنا بالإيمان. اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة يا رب العالمين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، من اليهود والنصارى المبشرين والشيوعيين يا رب العالمين. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم أدِرْ على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين دائرة السوء. اللهم مزقهم كل ممزق. اللهم عليك بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم عليك بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم عليك بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم خذهم أخذ عزيزٍ مقتدر. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين. اللهم وفقنا وإياهم جميعاً لما تحبه وترضاه، وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا. اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين. اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع إخواننا المسلمين يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من الجنون، والجذام، والبرص، وسيء الأسقام. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحوُّل عافيتك، ومن فجاءة نقمتك. اللهم إنا نعوذ بك من جميع سخطك. اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا. اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الرحمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1648

الوعيد للمصورين إن الله أنزل القرآن الكريم، وأنزل فيه من الوعد للمؤمنين بجنات النعيم، والوعيد للكافرين بنار الجحيم، وأنزل في القرآن تحذيراً للمؤمنين من الشرك بالله. وقد تحدث الشيخ عن الشرك بالله وبداية ظهوره، وذكر أن بداية ظهوره كانت في قوم نوح، وذلك بسبب اتخاذهم للصور، وتعظيمهم لها، ثم ذكر أن هذا هو سبب عذابهم وإهلاكهم، ثم ختم حديثه بذكر عدة أحاديث تحذر من التصوير وتبين خطره.

стр. 1649

القرآن ووعده ووعيده الحمد لله رب العالمين، الذي أرسل رسله مبشرين ومنذرين، فمن أطاعهم واتبعهم فجزاؤه جنة النعيم، ومن عصاهم وخالف أمرهم فقد باء بغضب من الله ومأواه الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه، كما لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل رسول بعثه الله إلى خير أمة أخرجت للناس، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها المؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره! يا من تؤمنون بالقرآن: اعلموا أن القرآن أنزل ليعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، فيه عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن أراد أن يتذكر، فيه وعد أكيد لمن انقاد وأطاع الأوامر وقام بها، فله جنة عالية قطوفها دانية، في نعيمٍ أبدي سرمدي، لا ينقطع ولا يزول ولا يحول، بجوار رب العالمين، وبرفقة المؤمنين، في شباب لا بعده هرم، وفي صحة لا بعدها سقم، في لذة لا يعقبها تنكيد ولا تنغيص، في دار النعيم، دار اللذة والسرور، دار البهجة والفرح، في دار لا يعتري من سكنها هم ولا غم ولا حزن، وأكمل نعيمها أن أهلها ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦]. عباد الله: هذا لمن انقاد لأوامر الله واتبع القرآن، ثم إن في القرآن وعيد شديد لمن تعدى الحدود، وعصى المعبود، وخالف الأوامر وارتكب النواهي، فيا ويله ويا حسرته، وهو يطوف في جهنم بينها وبين حميم آن يسقى من الحميم، ويطعم الزقوم والغسلين، ويسحب فيها بالسلاسل، مكبلاً بالأغلال، في أضيق الأماكن مقرنين، تنهشهم الأفاعي والعقارب التي أعدت لذلك المكان، ثم عندهم ملائكة غلاظ شداد، معهم مقامع من حديد، يضربون بها وجوههم وأدبارهم، ويوبخونهم ويقولون لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١] وهم أبد الآبدين يصلون بنار حامية قد أطبقت عليهم، وهم يتعاوون فيها كما تتعاوى الكلاب، يبكون ولا يسمعون، ويدعون ولا يجابون إلا بأشد مما هم فيه ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب َ) [النساء:٥٦] هذا لمن عصى الله وتعدى الحدود.

стр. 1650

الشرك وبداية ظهوره في قوم نوح عباد الله: إن في القرآن عبراً لمن أراد الاعتبار، وهذا كتاب الله يخبرنا أن الله أرسل الرسل ليحذروا الناس من الشرك، ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار، وذلك -يا عباد الله- أنه كان بين أبينا آدم إلى زمان نوحٍ ﵇ عشرة قرون كلهم على الإسلام. قال عبد الله بن عباس ﵄: [[وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوماً صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها؛ ليتذكروا حالهم وعبادتهم، فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان، جعلوا أجساداً على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين، وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، ولما تفاقم الأمر وطغى الشرك فيهم بعث الله نوحاً ﵇ يأمرهم ويدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له]]. وقد أنزل الله فيه آيات كثيرة على نبينا محمد ﷺ ؛ يسليه فيها ويخبره بما وقع على قوم نوح من العذاب والنكال، ومع الأسف الشديد قد وقع في كثير من البلدان الإسلامية من الأضرحة والمشاهد وغيرها التي تعبد من دون الله، ويطاف بها، ويدعون الأموات فيها من دون الله الشيء الكثير، وإنا لله وإنا إليه راجعون! وقد أنزل الله في القرآن العظيم سورة كاملة فيها تفصيل تام عن دعوة نوحٍ ﵇، حتى نهاية ما حل بقومه من العذاب، يقول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً * قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [نوح:١ - ٢١]. ومع هذا التذكير والنصح والإرشاد، فقد تمادى قوم نوحٍ في الكفر والضلال والعناد، وقد مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، فما لانت قلوبهم ولا انتفعت بالتذكير، ولا ازدادوا عند ذلك إلا عتواً ونفوراً، وعند ذلك قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] ولما دعا عليهم أمره الله بصنع السفينة فقال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود:٣٧] فلما انتهى من السفينة أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل. فلما ركبوا في السفينة كما أمرهم الله، قال الله جل وعلا: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢] أي: فالتقى ماء السماء مع ماء الأرض على حال قد قدره الله في الأزل وقضاه بإهلاك المكذبين غرقاً، فلم يبق على وجه الأرض شيء إلا أدركه الغرق، وهذه سنة الله في خلقه، وقد ورد في الأثر: لو أراد الله أن يرحم من قوم نوحٍ أحداً لرحم أم الصبي، فقد كان معها ابنها، وكلما ازداد الماء رفعته، فلما غرقت سقطت هي وإياه في الماء. فهذه سنة الله في خلقه.
следующие страницы →