← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إحلال رضوان الله على أهل الجنة (جولة في رياض الجنة) يقول الرسول ﷺ : ﴿إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! يقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً﴾ أين هم؟ في الجنة، في دار الأبرار، في دار اللذة والنعيم، يقول الرب جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٦]. إي وربي: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] متى تحصل المنافسة أخي في الله؟ هل تحصل في القبر؟ أم على أرض القيامة؟ لا. تحصل في الدنيا، بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة مادمت في زمن الإمكان. أخي في الله! أختي في الله! الفرصة مهيأة، والمجال مفتوح: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٦ - ٢٨].

стр. 422

صور أهل الجنة وخصائصهم (جولة في رياض الجنة) يقول الرسول ﷺ : ﴿أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكبٍ دري في السماء إضاءة﴾ ثم أخبر عنهم ﷺ فقال: ﴿لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الأُلُوَّة -أي: عود الطيب- أزواجهم الحور العين، على خلق رجلٍ واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء﴾. وفي رواية في الصحيح: ﴿آنيتهم الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحدٍ منهم زوجتان يرى مخ ساقيهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم كقلب واحدٍ، يسبحون الله بكرة وعشياً﴾. يا أمَة الله! أختي في الله! بشراكِ بشراكِ، أبشري! فإن المؤمنة إذا دخلت الجنة فإنها تكون أفضل من الحور العين، الله أكبر! لا إله إلا الله! نعم. إذا دخلت الجنة المؤمنة تكون أفضل من الحور العين. فيا أمة الله! الله الله بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ !

стр. 423

منازل أهل الجنة (جولة في رياض الجنة) يقول رسول الله ﷺ أن أهل الجنة منازلهم رفيعة، وأنهم تتفاوت منازلهم في الجنة -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة- يقول ﷺ : ﴿إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب -لماذا؟ - لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى. والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين﴾.

стр. 424

صفات نساء الجنة في سورة الرحمن (جولة في رياض الجنة) هنيئاً لمن خاف الله، هنيئاً لمن خشي الله، هنيئاً لمن راقب الله في الدنيا، فقد أعد الله له الكرامة في دار الكرامة. يقول الرب جلَّ وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٦١].

стр. 425

سوق الجنة (جولة في رياض الجنة) يقول الرسول ﷺ : ﴿إن في الجنة سوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً﴾.

стр. 426

نداء لأهل الجنة في الجنة (جولة في رياض الجنة) هنيئاً لأهل الجنة يوم أن يسمعوا هذا النداء، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ ينادي منادٍ: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً﴾. (جولة في رياض الجنة): هناك الخدم يخدمونهم في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، ولدانٌ مخلدون كما وصفهم ربنا في القرآن: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ [الإنسان:١٩] الله أكبر! إذا كان هؤلاء الخدم الذين يخدمونهم فما بالكم بالزوجات؟! الله أكبر!

стр. 427

زوجات أهل الجنة وعرائسهم (جولة في رياض الجنة): قال بعض العلماء رحمه الله تعالى: وإن سألتم عن عرائسهم وأزواجهم في الجنة؛ فهن الكواعب الأتراب التي جرى في أعضائهن ماء الشباب، كأن الشمس تجري في محاسن وجهها إذا برزت، وكأن البرق يضيء من بين ثناياها إذا ابتسمت، إذا قابلت حِبَّها فقل ما تشاء في تقابل النَّيِّرين، يَرى وجهه في صحن خدها، ويَرى مخ ساقيها من وراء اللحم من حسنها وجمالها، لو اطَّلَعَت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض ريحاً، نصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما عليها، ومع ذلك لا تزداد طول الأحقاب إلا حسناً وجمالاً، مبرأة من الحيض والنفاس، ومطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس، لا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، قد قصَرت طرفَها على زوجها، لا تطمح لأحدٍ سواه، وقصَر طرفه عليها، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، ومع ذلك لم يطمثها قبله إنسٌ ولا جان. أقول لكِ مرة أخرى يا أمة الله: أيتها المرأة المؤمنة! أبشري، فإن المؤمنة إذا دخلت الجنة فإنها تكون أفضل من الحور العين؛ لأنها صامت في الدنيا وصلت، وأطاعت الله ، ووحدت الله ، واتبعت هدي الرسول ﷺ ، فأبشري يا أمة الله! يقول الرب جلَّ وعَلا عن تلك الأزواج الحسان في الجنة: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٨ - ٤٩]. ويقول جل وعلا: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٣]. هنيئاً لأهل الجنة في الجنة، نسأل الله من فضله الجنة.

стр. 428

آخر رجل يدخل الجنة (جولة في رياض الجنة): هذا خبر من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، يخبرنا بأدنى أهل الجنة منزلة يقول ﷺ : ﴿إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجلٌ يخرج من النار حبواً فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب! وجدتها ملأى، فيقول الله : اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب! وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟! قال ابن مسعود ﵁: فلقد رأيتُ رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول ﷺ : ذلك أدنى أهل الجنة منزلة﴾ لا إله إلا الله! اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل.

стр. 429

ميمية ابن القيم في نعيم الجنة (جولة في رياض الجنة): ومع ابن القيم رحمه الله تعالى حيث يقول: فلله ما في حشوها من مسرة وأصناف لذات بها يُتَنَعَّمُ! ولله برد العيش بين خيامها وروضاتها والثغر في الروض يبسُمُ ولله واديها الذي هو موعدُ المز يد لِوَفْدِ الحُبِّ لو كنت منهمُ بذَيَّالِك الوادي يهيم صبابة محبٌ يرى أن الصبابة مغنمُ ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويسلمُ ولله أبصارٌ ترى الله جهرة فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأمُ فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمن بعدها يسلو المحب المتيمُ؟! ولله كم من خيرة إن تبسمت أضاء لها نورٌ من الفجر أعظمُ فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت ويا لذة الأسماع حين تكلَّمُ ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ويا خجلة الفجرين حين تبسمُ فإن كنت ذا قلبٍ عليلٍ بحبها فلم يبقَ إلا وصلها لك مرهم ولا سيما في لثمها عند ضمها وقد صار منها تحت جيدك معصم يراها إذا أبدت له حسن وجهها يلذ به قبل الوصال وينعمُ تَفَكَّه فيها العين عند اجتلائها فواكه شتى طلعها ليس يعدمُ عناقيد من كرمٍ وتفاح جنةٍ ورمان أغصانٍ به القلب مغرمُ فتقسم منها الحسن في جمع واحدٍ فيا عجباً من واحدٍ يتقسمُ لها فرقٌ شتى من الحسن أجمعت بجملتها أن السُلُوَّ مُحَرَّمُ تذكر بالرحمن من هو ناظرٌ فينطق بالتسبيح لا يتلعثمُ إذا قابلت جيش الهموم بوجهها تولى على أعقابه الجيش يُهْزَمُ فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر فهو المقدمُ ولما جرى ماء الشباب بغصنها تيقن حقاً أنه ليس يهرَمُ وصُم يومك الأدنى لعلك في غدٍ تفوز بعيد الفطر والناس صُوَّمُ وأقدم ولا تقنع بعيشٍ منغصٍ فما فاز باللذات من ليس يُقْدِمُ وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ولم يكُ فيها منزلٌ لك يعُلمُ فحيَّ على جنات عدنٍ فإنها منازلك الأولى وفيها المخيمُ إلى أن قال ﵀: وحي على السوق الذي فيه يلتقي المـ ـحبون ذاك السوق للقوم يُعْلَمُ فما شئت خذ منه بلا ثمنٍ له فقد أسلف التجار فيه وأسلموا وحيَّ على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش فاليوم موسمُ وحيَّ على وادٍ هنالك أفيَحٍ وتربته من إذخر المسك أعظمُ منابر من نورٍ هناك وفضة ومن خالص العقيان لا يتقصَّمُ وكثبان مسكٍ قد جعلن مقاعداً لمن دون أصحاب المنابر تُعْلمُ سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يُسَلِّمُ يسلم عليهم الكريم جلَّ وعلا، يتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عرضها السماوات والأرض. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة.

стр. 430

أفضل النعيم رؤية الله جل وعلا فإذا جلس أهل الجنة في تلك المجالس، وفي ذلك الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعداً، وجُمِعوا هناك فلم يغادر الداعي منهم أحداً، أمر الرب ﵎ بكرسيه، فنصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، وجلس أدناهم -وحاشاهم أن يكون فيهم دني- على كثبان المسك. ما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا: ﴿حتى إذا استقرت بهم مجالسهم، واطمأنت بهم أماكنهم، نادى المنادي: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار؟! فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار ﷻ وتقدَّست أسماؤه- قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين، اللهم اجعلنا معهم يا أكرم الأكرمين، لا إله إلا الله! - وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب ﵎ ويضحك إليهم ويقول: يا أهل الجنة! فيكون أول ما يسمعون منه تعالى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه؟ فيكشف لهم الرب ﷻ الحجب، ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تعالى قضى ألا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تعالى محاضرة، حتى إنه ليقول: يا فلان! أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟ يا فلان! أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟ يذكِّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب! ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى. بمغفرتي بلغتك منزلتك هذه﴾. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. (جولة في رياض الجنة): إنها الجنة يا أمة محمد ﷺ . إن سألتم عن سعة تلك الجنة، فقد قال الرب جل وعلا: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]. أما إن سألتم عن أبوابها فهي ثمانية. أما إن سألتم عن سعة تلك الأبواب: فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام وليأتين عليه يومٌ وهو كضيضٌ من الزحام. اللهم اجعلنا من الداخلين من تلك الأبواب يا أرحم الرحمين! اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم اختم بالصالحات أعمالنا. اللهم اجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً. اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا جميعاً هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم اجمعنا ووالدِينا ووالدِ والدِينا وزوجاتنا وإخواننا وأخواتنا وأولادنا جميعاً، وإخواننا المسلمين والمسلمات في جنة عرضها السماوات والأرض يا أكرم الأكرمين ويا أجود الأجودين! اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين. اللهم اجزِ القائمين على هذا المخيم خير الجزاء، اللهم اجزِ القائمين عليه خير الجزاء. اللهم أصلح نياتهم وذرياتهم، اللهم وفقهم لفعل الخيرات، اللهم كما سخرتهم لهذا المخيم وهم يريدون الخير لإخوانهم فاجعل لنا ولهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية. اللهم ارفع درجاتهم يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 431

لحظة الفراق إننا لو علمنا حقيقة وجودنا، وفراقنا فيما بعد من هذه الحياة الدنيا؛ لرجعنا إلى الله رجعة صحيحة، ولتبنا إليه توبة صادقة نصوحاً، وإن الله كثيراً ما ذكرنا في كتابه العزيز بالموت ولحظة الفراق، وعذاب القبر والنار وما يلقاه العبد من هول، وجاءت كذلك هذه الأوصاف على لسان رسولنا الكريم ﷺ .

стр. 432

الموت هو المصيبة العظمى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: نسأل من الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضاه، وأن يجنبنا وإياكم ما يبغضه ويأباه، إنه على كل شيء قدير. إخواني في الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، ونحن والله في هذه الأزمنة المظلمة، أزمنة الفتن والشرور المترادفة، التي نسأل الله جلت قدرته أن يصرفها عنا وعن جميع المحسنين إنه على كل شيء قدير، والله إننا بحاجة إلى تقوى الله ، نسأل الله أن يجيرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه على كل شيء قدير. إخواني في الله: من التزم تقوى الله فهنيئاً له في الدنيا وفي الآخرة، هنيئاً له السعادة والفلاح والنجاح والنجاة في الدنيا وفي الآخرة، يقول الله ﷻ : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١] لماذا؟ لأنهم اتقوا الله ، جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية، بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ثم أيها الإخوة في الله: إن الموضوع هو كما علمتم (لحظة الفراق) نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأي فراقٍ هو؟ هو الفراق من دار الدنيا إلى دار البرزخ، من عالم الدور إلى عالم القبور، لا إله إلا الله! فيأخي في الله تذكر ما الذي سوف تأخذه من دار الغرور، من دار الدنيا، من دار المتاع إلى عالم القبور، ثم بعد ذلك تحاسب عليه يوم البعث والنشور، تذكر ما الذي تأخذه من هذه الدنيا، وقد أخبرنا الرسول ﷺ : ﴿أن الميت يتبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع الأهل والمال ويبقى العمل﴾ نسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا وأقوالنا كلها صالحة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم إنه على كل شيء قدير. أيها الإخوة في الله! إنها لحظة الفراق، فراقٌ من الأهل والأقارب والأصدقاء؛ إلى الانفراد بحفرة وحيداً فريداً ليس عندك إلا العمل، الله أكبر! لا إله إلا الله! لحظة الفراق فراق الفراش اللين، والوسادة، إلى افتراش التراب، في القبر وحيداً فريداً، يقول بعضهم ﵀: اغتنموا أوقات الفضائل قبل فواتها، بماذا تفوت؟ تفوت بالموت كما أخبر الرسول ﷺ : ﴿إذا مات الإنسان انقطع عمله -ينقطع عمل الإنسان بالموت نسأل الله حسن الختام- إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له﴾. فتأهبوا يا عباد الله! لما أمامكم، وما أنتم قادمون عليه لا محالة ألا وهو الموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] هل تذكرت لحظة الفراق؟ عباد الله! لقد كتب الله لحظة الفراق على جميع مخلوقاته، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. فيا عباد الله: استعدوا للحظة الفراق فإنه الموت، تبدلٌ من حال إلى حال، وانتقال من دار إلى دار، فالموت هو المصيبة العظمى، والرزية الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكر فيه، وترك العمل. عباد الله: ما هذه الغفلات والاغترار؟! وما هذا الإكباب على الدنيا وقد رأيتم تصرم الأعمار؟! وما هذا التفريط وأنتم على الآثار، وقد أيقنتم أن دار الفناء ليست لكم دار قرار؟! اللهم أيقظنا من رقداتنا يا رب العالمين!

стр. 433

وجاءت لحظة الفراق لحظة الفراق وما أدراك ما لحظة الفراق! ودنا الفراق ولات حين تهرّبٍ أين المفر من القضاء الدانِ والتف صحبُك يرقبون بحسرة ماذا تكون عواقب الحدثانِ واستل روحك والقلوب تقطعت حزناً وألقت دمعها العينانِ فاجتاح أهل الدار حزنٌ بالغٌ واجتاح من حضروا من الجيرانِ فالبنت عذرا للفراق كئيبة والدمع يملأ ساحة الأجفانِ والزوج ثكلى والصغار تجمعوا يتطلعون تطلع الحيران والابن يدأب في جهازك كاتماً شيئاً من الأحزان والأشجانِ وترى الحديث وقد تساءل بعضهم أو ما سمعتم عن وفاة فلانِ قالوا سمعنا والوفاة سبيلنا غير المهيمن كل شيء فانِ وأتى الحديث لوارثيك فأسرعوا من كل صوبٍ للحطام الفاني وأتى المغسل والمكفن قد أتى ليجللوك بحلة الأكفانِ ويجردوك من الثياب وينزعوا عنك الثياب وحلة الكتانِ وتعود فرداً لست حامل حاجة من هذه الدنيا سوى الأكفانِ وأتى الحديث لوارثيك فأسرعوا فأتوا بنعش واهن العيدانِ صلوا عليك وأركبوك بمركبٍ فوق الظهور يحف بالأحزانِ حتى إلى القبر الذي لك جهزوا وضعوك عند شفيره بحنانِ ودنا الأقارب يرفعونك بينهم للحد كي تمسي مع الديدانِ

стр. 434

روح المؤمن حال خروجها فيا أخي في الله! مثل نفسك وقد حلت بك السكرات، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلان قد أوصى، ومن قائلٍ يقول: إن فلانٍ ثقل لسانه ولا يكلم أهله وإخوانه، ومع ذلك هو يسمع الخطاب، ولا يقدر على رد الجواب ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. أخي في الله! مثل نفسك وقد أخذت من فراشك ثم نقلت إلى بيت الوحشة والوحدة، بيت الضيق والظلمة، بيت الدود والأهوال المطمة، بيتٌ على قرب المكان، وحيدٌ مع كثرة الجيران، مقيمٌ بين أقوامٍ كانوا فبانوا. أخي في الله! اسمع إلى هذا الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: ﴿خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكت في الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال ﷺ : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقا فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال ﷺ : فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه به في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ويستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة. فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما بال الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفتح له في قبره مد بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، فيأتيه حسن الثياب، طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب! أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي﴾. أيها الإخوة والأخوات! نحن الآن في زمن الإمكان، لم نزل ولله الحمد في مهلة والفرصة مهيئة، لم تدن منا لحظة الفراق، فما هو الواجب علينا يا أمة محمد ﷺ ؟ أيها الإخوة والأخوات! علينا أن نغتنم هذا العمر بطاعة الله ، ونحذر من هذه الفتن والمغريات، ومن هذه الملذات المحرمة التي انتشرت، نسأل الله أن يكفينا شرها إنه على كل شيء قدير. هذا رسول الله ﷺ يوصي عائشة ﵂ ويقول لها قولي: ﴿اللهم رب محمد النبي ﷺ اغفر لي ذنبي، وأذهب غيض قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن﴾ ونحن نسأل الله ﷻ ، أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يذهب غيض قلوبنا، وأن يجيرنا من مضلات الفتن؛ فسارعوا إخواني في الله، سارعوا ما دمتم في زمن الإمكان بالأعمال الصالحة التي ترضي الله ، واحذروا أن تكونوا من الصنف الآخر الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ .

стр. 435

حال خروج روح الكافر قال ﷺ : ﴿وإن العبد الكافر -وفي رواية- المنافق -وفي رواية- الفاجر، إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما يُنتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا قذفها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] قال ﷺ : فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما بال الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي منادٍ من السماء: أن كذب فأفرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها، وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب! لا تقم الساعة، رب! لا تقم الساعة﴾ نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة. اسمع أيضاً إلى هذا الحديث المتفق على صحته يخبر به رسول الله ﷺ عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : ﴿إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم -الله أكبر لا إله إلا الله صدق رسول الله ﷺ قال: يأتيه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ﷺ ، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال نبي الله ﷺ : فيراهما جميعاً. قال ﷺ : وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت! ويضرب بمطرقة من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين﴾ والحديث كما سمعتم متفقٌ عليه. فيا أمة محمد ﷺ ! أخبر الرسول ﷺ ما الذي يحصل لهم في القبور والبرزخ، كما أخبر الله ﷻ : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] الله أكبر! يقول هذا عند لحظة الفراق، فهل يجاب على هذا يا إخواني في الله إذا طلب الرجعة ليتزود من الأعمال الصالحة؟ لا يجاب على هذا؛ لأن العمر محدود، والأنفاس معدودة، فليسمع الرد ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] كلمة ردع وزجر: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] يوم أن قال: رب ارجعون ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] نسأل الله حسن الخاتمة!

стр. 436

صور من عذاب البرزخ اسمع إلى هذا الحديث؛ عن سمرة بن جندب ﵁ قال: ﴿كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما قالا لي: انطلق انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجلٍ مضطجع وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة على رأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثلما فعل المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجلٍ مستلقٍ لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوبٍ من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثلما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه، فيفعل مثلما فعل في المرة الأولى. قال ﷺ : قلت: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور فأحسب أنه قال: فإذا فيه لغطٌ وأصواتٌ، فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراة، وإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا. قلت: ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على نهرٍ حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجلٌ سابحٌ يسبح، وإذا على شط النهر رجلٌ قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً. قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق وفي نهاية الحديث أخبراه ﷺ -اسمع أخي في الله- أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر؛ فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة -هذا جزاؤه في البرزخ نسأل الله العفو والعافية وفي رواية البزار - قال: أتينا على أناس ترضخ رءوسهم بالحجارة. فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تثاقلت رءوسهم عن الصلاة﴾ قف قليلاً يا عبد الله! وذكّر أولئك الذين تثاقلت رءوسهم عن صلاة الفجر لا يعرفونها في المساجد إلا في رمضان إنا لله وإنا إليه راجعون! قف قليلاً واذكر أولئك الذين ينامون عن صلاة الفجر لا يوقظهم إلا ساعة العمل أو الدوام، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة! فهل لهم صبرٌ على هذا؟ لا والله لا صبر على هذا.

стр. 437

عذاب مضيع القرآن والصلاة اسمع الخبر ﴿أما الرجل الأول الذي أتيته يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة﴾ زيادة على ذلك ما إذا كان قد سهر على ما يغضب الله ، متتبعٌ للأفلام والمسلسلات، تربى على البلوت، والشيشة والدخان، في القيل والقال، ثم فوت على نفسه الصلاة المفروضة كيف حاله يوم يلقى الله ؟! اللهم ردنا إليك رداً جميلا، اللهم ردنا إليك رداً جميلا. أمة محمدٍ ﷺ ! قفوا مع أولئك الذين أضاعوا أعمارهم وليلهم مع الملاهي، مع الأفلام والمسلسلات، مع الأغاني الماجنات، مع البلوت، مع الشيشة والدخان، طول الليل، ثم إذا جاء وقت الفضائل وإذا هم جيفٌ في فرشهم. اللهم اهد ضال المسلمين، إننا في زمن مظلم كثرت شروره، كيف لا وقد وجد هذا الدش الذي افتتن فيه كثيرٌ من الناس، هذا الدش الذي ينشر الشر والفساد، والعار والدمار، للعقيدة والأخلاق والآداب إنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، كم من إنسانٍ كان يصلي الفجر؟! وكم من إنسانٍ قد عرف بالاجتهاد في طاعة الله؟ وكم من طالب عرف بالاجتهاد في الدراسة؟ وكم من امرأة كانت متحشمة عفيفة تستحي؟ ولما عاشوا مع هذا الجهاز، جهاز الغش الذي غشنا به أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، لما عاشوا مع الأفلام والمسلسلات التي تأتي بها الأقمار الصناعية، كيف أحوالهم الآن؟ كم من رجلٍ الآن لا يرى في المسجد؟ وكم من طالب بعد أن كان جيداً مجتهداً صار من المنحطين، وكم من امرأة أضاعت الحياء والعفة لما صارت تشاهد ذلك الجهاز، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. فيا أيها الرجل الذي عشت مع هذا الجهاز تذكر أنك سوف تقف بين يدي الله ؟! أيها الرجل! سوف تسأل عن الزوجة، وعن الابن والبنت إذا وقفت بين يدي الله فأعد للسؤال جواباً.

стр. 438

عذاب صاحب الكذب ثم ننتقل إلى خبر رسول الله ﷺ الذي قال فيه: ﴿وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق﴾ وقد أخبر الرسول ﷺ : ﴿أن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً﴾ نسأل الله العفو والعافية، فلنحذر من هذه الخصلة الذميمة، وهي -أيضاً- من خصال المنافقين الذين توعدهم الله في الدرك الأسفل من النار. احذروا من الكذب يا أمة محمد ﷺ ! فبعض الناس الآن تجده يكذب ويقول: هذه نكتة، هذه كذبة بيضاء، فنقول له: تحرز فإن الملك يكتبها وإن كانت نكتة أو كذبة بيضاء كما عم، والله هو الذي سوف يحاسبك: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].

стр. 439

عذاب الزناة والزواني ثم ننتقل -أيضاً- إلى ما رآه الرسول ﷺ وهو يقول: ﴿وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني﴾ نسأل الله العفو والعافية. الزناة والزواني الذين يرتكبون جريمة الزنا، العار والدمار، الآن لما فتح الدش، وصار الكثير يشاهد الدش فلا تسأل عن الأحوال يا أمة محمد ﷺ ، يقول: ﴿وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني يأتيهم لهب من أسفلهم﴾ لهب من نار جهنم، نعوذ بالله من نار جهنم! هذا عذابهم في البرزخ فكيف يوم القيامة! نسأل الله جلت قدرته أن يستر عوراتنا، وأن يؤمن روعاتنا إنه على كل شيء قدير.

стр. 440

عذاب آكل الربا ثم ننتقل إلى الخبر الذي أخبر به رسول الله ﷺ ﴿وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر -يعني مثل الدم- ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا﴾ نسأل الله العفو والعافية. إنه المحارب لله ولرسوله ﷺ . ويقول العلماء ﵏: إن آكل الربا تحل عليه خمس عقوبات إن لم يتدارك نفسه ويتب إلى الله ، وإن استمر هذا الوضع على أكل الربا فقد قال ابن مسعود ﵁ وجابر بن عبد الله: ﴿لعن رسول ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء﴾ هذا في رواية الترمذي، وفي رواية مسلم: ﴿لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله﴾. فيا أمة محمد ﷺ ! هل للحياة طعم لمن حلت عليه اللعنة، يمشي على وجه الأرض وهو ملعون نسأل الله العفو والعافية، هذه أول عقوبة عليه: أنها تحل عليه اللعنة. الثانية: قال القرطبي ﵀: آكل الربا يموت على سوء الخاتمة. الثالثة: وهو ما مر معنا من حديث رسول الله ﷺ ، وهو في صحيح البخاري أنه رأى رجلاً -في البرزخ- يسبح في نهرٍ مثل الدم وآخر يلقمه الحجارة، قال بعض العلماء: هذه الحجارة التي يلقم إياها هي الأموال التي جمعها من الربا. الرابعة: أنه يقوم من قبره كالذي يتخبطه الشيطان من المس، نعوذ بالله! الخامسة: أنه يسحب إلى النار يوم القيامة ومن تاب تاب الله عليه. فبادر أخي في الله قبل أن تحل بك لحظة الفراق، تب إلى الله إن كنت ممن يأكل الربا، تب إلى الله واسأل الله كما سأله رسوله ﷺ يوم أن قال: ﴿اللهم إني أسألك الهدى، والتقى والعفاف والغنى﴾ ﴿اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك﴾. اقنع باليسير وإن كان حلالاً طيباً، ولا تنهمك في هذا الجرم العظيم وهو أكل الربا بمحاربة الله ومحاربة رسوله ﷺ .

стр. 441

عذاب النمام والمغتاب وقد أخبر رسول الله ﷺ أيضاً في حديثٍ صحيح آخر: ﴿أنه مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة﴾ والنمام هو الذي ينقل الكلام بقصد الإفساد، يفسد المجتمع بقطع الأواصر والصلات، يحدث الشحناء والعداوة والبغضاء بين الناس بنقل الكلام، بقصد النميمة نسأل الله العفو والعافية، أخبر الرسول ﷺ أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة قال ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾ والحديث صحيح. فيا أمة محمدٍ ﷺ ! احذروا من النميمة، ويا أيتها المرأة! اتقي الله واحذري من النميمة، احذري من نقل الكلام إلى فلانة وفلانة، احذري من ذلك فقد سمعتي حديث الرسول ﷺ . وفي حديث آخر قال ﷺ : ﴿ليلة أسري بي مررت بأقوامٍ لهم أظفارٌ من نحاس، يخمشون بها وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم﴾ أهل الغيبة الذين يأكلون لحوم الناس، وقد سئل عنها رسول الله ﷺ فقال: ﴿ذكرك أخاك بما يكره فقال الرجل: أفرأيت يا رسول الله! إن كان في أخي ما يقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته﴾ فلنحذر يا أمة محمد ﷺ ؛ لأن البعض من الناس يقول: الحمد لله! أنا والله لا أعرف الزنا، ولا أعرف اللواط، ولا أعرف المخدرات، ولا المسكرات، وأصلي وأصوم. وهو يأكل لحوم الناس! تجده في المجالس يأكل لحوم الناس، إنا لله وإنا إليه راجعون، بل بعضهم ما يصبر على الغيبة حتى في المسجد، اللهم إنا نسألك العافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. فاحذر يا أخي في الله! نعم أنت تصلي وتصوم ولكن يخشى عليك أن توزع هذه الحسنات على الآخرين، يُخشى عليك أن تأتي يوم القيامة مفلساً فقيراً من الحسنات؛ لأنك وزعتها على الآخرين. وأيضاً بعض الناس لا يبالي بالنميمة نسأل الله العافية! فهذان -النميمة والغيبة- مرضان خطيران، النميمة والغيبة يا أمة محمد ﷺ . اللهم الطف بنا بلطفك يا لطيف! اللهم ارحم ضعفنا ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

стр. 442

أهمية الإكثار من ذكر هاذم اللذات إخواني في الله! تذكروا لحظة الفراق قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] استعدوا للموت، فإنه أمرٌ جلل، وخطرٌ هائل، وخطبٌ عظيم، لا بد منه لكل مخلوق قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء:٧٧] قليل، يعني: لا بد من الموت، لا بد من لحظة الفراق، اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة يا كريم! مهما عاش الإنسان فلا بد له من الفراق، لا بد له من الانتقال من هذه الدنيا، ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء:٧٧] ثم قال جل وعلا: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٧٧] ولو تحصنا عن الموت، ولو رفعنا القصور، وشيدنا الفلل، نعم لا بد من الموت، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ولو هربنا ما هربنا لن ننجو من الموت؟ قال: ما في نجاة من الموت، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. إذاً أخي في الله! استعد لهاذم اللذات، فقد حث رسول الله ﷺ كما يروى عنه فقال: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات﴾ وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. ثم قال بعضهم ﵀ وهو يحثك على التأهب للحظة الفراق حتى لا يأتيك بغتة: تأهبوا للموت الذي ما طلب أحداً فأعجزه، ولا تحصن منه متحصنٌ إلا أخرجه وأبرزه، فأي عيشٍ صفا وما كدره، وأي قدمٍ سعى وما عسره، وأي غصن علا وما كسره، وأي بناءٍ أشيد وما دمره، وأي غافلٍ لاهٍ وما بعثره، وأي ملك آمرٍ ناهٍ عال وما حدره، وأي متعبثٍ جائرٍ وما نكسه وأصغره، وأي غنيٍ ما سلب ماله وأفقره!! فيا عباد الله خذوا العفة والاستعداد فإنه الموت يأتي على غرة وبدون إنذار، أما أخذ الآباء والأجداد، أما أخذ الشباب والأولاد، أما ملأ القبور والألحاد، أما أرمل النساء وأيتم الأطفال!! فيا عباد الله! خذوا الأهبة لهاذم اللذات.

стр. 443

صفة سكرات الموت أما صفة الموت إذا نزل بالإنسان نسأل الله حسن الختام، اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة يا رب العالمين! يقول الله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] وقبل أن تعرف حال من يموت، أول تذكر حال الرسول ﷺ يوم أن نزل به الموت، ما هي أحواله ﷺ وهو أشرف الخلق وأحب الخلق إلى الله، سيد الأولين والآخرين؟ لما نزل به الموت ﷺ جعل يمسح وجهه بالماء ويقول: ﴿لا إله إلا الله إن للموت لسكرات﴾ فسكرات الموت ذاقها الرسول ﷺ ، فهو بذلك يذكرك وكأنه يقول: تذكر يوم يجلسون حولك وأنت تعاني من سكرات الموت، يبكون وينادون بصوتٍ يقطع نياط القلوب، الولد يقول: هل تعرفني يا أبتاه! والأقارب حوله يقولون: هل تعرفنا يا فلان! وهو ينظر إليهم وعيناه قد اغرورقت بالدموع، ولكن لا يستطيع الرد عليهم، قد تعذر عليه الكلام يرونه منطرحٌ بين أيديهم، يعالج سكرات الموت، وهم لا يشعرون، ثم لم يلبثوا إلا قليلاً، وإذا بملك الموت قد قبض الروح، ومال الأنف، وانفتح الفم، وشخص البصر قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] فيا لها من ساعة يتكدر فيها الصفا، ويتنغص فيها العيش إذا نزل هاذم اللذات! ثم قال ﵀: تنبه قبيل الموت إن كنت تعقل فعما قليلٌ للمقابر تنقلُ وتمسي رهيناً في القبور وتنثني لدى جدثٍ تحت الثرى تتجندلُ نسأل الله حسن الختام.

стр. 444

قصيدة زين العابدين في الموت وما بعده إخواني في الله! الموت هو الرزية العظمى نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الاستعداد للموت، ولذلك يا إخوان الغريب الآن إذا سافر يرجى رجوعه، وإن طالت السنين، ولكن إذا مات الميت متى يرجع يا أمة محمد ﷺ ؟ لا يرجع إلا إذا قامت القيامة وقام الناس لرب العالمين، ولذلك يقول زين العابدين ﵀: ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفنِ إي والله! هو الغريب يا إخوان، غريب اللحد والكفنِ نسأل الله أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، ثم يقول ﵀: وناهيك بذلك الرجل الزاهد العابد تمر ساعات أيامي بلا ندمٍ ولا بكاءٍ ولا خوفٍ ولا حزنِ سفري بعيدٌ وزادي لا يبلغني وقسمتي لم تزل والموت يطلبني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلة كتبت يا غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تقتلني تعجلت لي يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكار والحزن دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني ما أجمل التوبة خصوصاً إذا صحبها البكاء والدموع لا إله إلا الله! اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، ما أجمل التوبة إذا صحبها البكاء! إذا تذكر الإنسان أحواله ثم تاب وقال: كيف حالي لو أن لحظة الفراق حلت بي وأنا مقرٌ على الذنوب والخطايا؟! كيف يكون حالي؟! بماذا أواجه ربي؟! بأي شيءٍ أنتقل من هذه الدنيا؟! ثم تدمع العين وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : ﴿عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله -وفي رواية- عينٌ غضت عن محارم الله﴾ ثم إذا حصل البكاء وأنت في مكانٍ خالٍ لا يراك إلا الله؛ فإن الله يظلك في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وتكن من السبعة، أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم إنه على كل شيء قدير. تصور أخي لحظة الفراق ما الذي يحصل عند لحظة الفراق؟ يقول ﵀: كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيبٍ كي يعالجني ولم أر من طبيب اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرقٍ بلا رفقٍ ولا هونِ واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار في الحلق مراً حين غرغرني وغمضوني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شرا الكفني وقام من كان أولى الناس في عجلٍ إلى المغسل يأتيني يغسلني بدل ما كانوا يقولون: فلان بن فلان، الآن يريدون يتخلصون من هذا الميت، اعطونا المغسل، غسلوه، وكفنوه ثم يسرعون به إلى المقبرة وكأنه عدوٌ لهم، ثم يأخذون المساحي يحثون عليه التراب لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ما الذي يأخذ معه؟ يأخذ معه عمله اللهم اجعل أعمالنا صالحة يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! قال ﵀: وقام من كان أولى الناس في عجلٍ إلى المغسل يأتيني يغسلني وقال يا قوم نبغي غاسلاً حذقاً حراً أديباً أريباً عارفاً فطنِ فجاءني رجلٌ منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني إخواني وأخواتي! كلنا والله سوف تمر علينا هذه اللحظات، كلنا سوف نجرد من الثياب ونوضع على لوح المغسل ليغسلنا. لا إله إلا الله! فجاءني رجلٌ منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأطرحوني على الألواح منفرداً وصار فوقي خرير الما ينظفني وألبسوني ثياباً لا كموم لها وصار زادي حنوطاً حين حنطني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وبعد الفلة والقصر، أو بعد العشة والصندقة إلى أين؟! وأنزلوني في قبري على مهلٍ وأنزلوا واحداً منهم يلحدني اللهم أعنا على ذلك المنزل يا رب العالمين! اللهم اجعله روضة من رياض الجنة يا رب العالمين يا حي يا قيوم! وأنزلوني في قبري على مهلٍ وأنزلوا واحداً منهم يلحدني فقام محتزماً بالعزم مشتملاً وصفف اللبن من فوقي وفارقني وقال هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المننِ في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا أبٌ شفيقٌ ولا أخٌ يؤنسني وقد سمعنا حديث الرسول ﷺ : أن المؤمن يكون عليه القبر روضة من رياض الجنة، يفتح له باب إلى الجنة، ويفرش له فراشٌ من الجنة، ويوسع له في قبره مد بصره، وأما الكافر والمنافق والفاجر -نسأل الله العفو والعافية- فإنه يفتح له بابٌ إلى النار، ويفرش من النار، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، قال رحمه الله تعالى في نهاية هذه الأبيات: فامنن علي بعفوٍ منك يا أملي فإنني موثقٌ بالذنب مرتهني تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلني جمع الأموال مما هب ودب وصارت للورثة، وانتقل هو للأوزار، الأموال إذا جمعت من الربا والغش والخداع، والكذب، والرشوة، والدخان، والمسكرات، والمجلات، وغيرها من الطرق المحرمة؛ فإنها تكون وزراً على صاحبها، يقتسم بها الورثة وتكون وزراً على من جمعها، نسأل الله العفو والعافية، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. ثم يقول ﵀: ولا تغرنك الدنيا وزينتها وانظر إلى فعلها في الأهل والوطنِ وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الحنط والكفنِ خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك منها إلا راحة البدنِ يا نفس كفي عن العصيان واكتسبي فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني نسأل الله جل وعلا أن يرحمنا جميعاً في واسع رحمته.

стр. 445

الوصية بتقوى الله إخواني في الله! قبل أن نتفرق من هذا المكان، نسأل الله جل وعلا أن يجعلها جلسة مباركة. ونسأل الله أن يتقبلها، وأن يجعلها في موازين حسناتنا إنه على كل شيء قدير. قبل أن نتفرق نتواصى بتقوى الله ، فهي وصية الله للأولين والآخرين كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وقال جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. فالله الله بتقوى الله! الله الله بتقوى الله! ثم يا إخواني قفوا قليلاً مع هذه الآيات العظيمة المعبرة لتروا ماذا تكون النتيجة يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:١ - ٨] فالله الله يا إخواني في الله! ثم قفوا قليلاً مع السورة الأخرى لتعلموا كيف الأحوال يوم القيامة: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:١ - ٤] تصور الأحوال يوم نزلت ساعة لحظة الفراق، وفارقت الدنيا إلى عالم القبور، ثم تذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وأنت معهم على أرض القيامة كالجراد المنتشر، ماذا تنتظر يا عبد الله؟ تنتظر نتيجة الأعمال التي عملتها في الدنيا: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٥] النتيجة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧] يا رب نسألك من فضلك وبماذا تثقل الموازين يا إخوان؟ تثقل بالحسنات التي هي ثمار الأعمال الصالحة التي عملتموها في الدنيا نسأل الله أن يثقل موازيننا، وألا يجعلنا من الصنف الآخر ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ١١]. اللهم اجعلنا من أهل الجنة، ولا تجعلنا من أهل النار يا رب العالمين! اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم آمنا يوم الفزع والنشور، اللهم ثقل موازيننا، ويمن كتابنا، ويسر حسابنا، وبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. اللهم اجعلنا على حوض نبينا من الواردين، اللهم اسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين! اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

стр. 446

الرابحون في رمضان الناس في رمضان صنفان: رابح وخاسر، فالرابح من صام نهاره وقام ليله، وشغل وقته بالذكر وقراءة القرآن، والإكثار من الأعمال الصالحات وتجنب المنكرات، وأيقظ أهله وشد مئزره لقيام الليل. والخاسر من نام نهاره عن الصلاة، وسهر ليله أمام المسلسلات والمسابقات والأمسيات الضائعات المضيعات، ولم يتزود من الصالحات، بل تزود من المعاصي والموبقات. فانظر أخي المسلم: هل أنت من الرابحين أم من الخاسرين؟!

стр. 447

الناس في رمضان رابح وخاسر الحمد لله الذي له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله أفضل الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الإخوة في الله! حياكم الله في بيتٍ من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولانا في الدنيا والآخرة، اللهم تولنا في الدنيا والآخرة، واجعلنا مباركين أينما كنا يا رب العالمين! اللهم اجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. وأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي وصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. عباد الله! تقوى الله هي أفضل زادٍ ينتقل به العبد من هذه الدار يوم أن ينتقل، ولذلك أوصى الله تعالى بالتزود أيضاً فقال جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧] ولن يوفق للخيرات، ولا إلى العلم النافع، ولا إلى الهدى إلا من اتقى الله ، إذا اتقى الله العبد وسار على نهج الكتاب والسنة فعند ذلك يفوز وينجو في الدنيا وفي الآخرة. أخي في الله! من هم الرابحون في رمضان؟ الله أكبر! هذا السؤال ينبغي لنا -أخي في الله- أن نتعقل هذا السؤال، ثم نتعقل الجواب الذي بعده.

стр. 448

الرابحون في رمضان من هم الرابحون؟ نعم؛ لأن الناس ينقسمون إلى قسمين: رابح وخاسر. نسأل الله أن يجعلنا من الرابحين، فالرابحون هم الذين يتلقون هذا الشهر الكريم بالقبول والفرح والاهتمام بأداء حقوق الصوم فيعمرون نهاره بالصيام، ويحفظون أوقاته بالطاعات التي تقربهم من الله تعالى، والابتعاد عما يغضب الله تعالى، ولله در القائل: قد جاء شهر الصوم فيه الأمان والعتق والفوز بسكنى الجنان شهرٌ شريفٌ فيه نيل المنى وهو طراز فوقكم للزمان طوبى لمن قد صامه واتقى مولاه في الفعل ونطق اللسان ويا هنا من قام في ليله ودمعه في الخد يحكي الجمان ذاك الذي قد خصه ربه بجنة الخلد وحورٍ حسان هناكم الله بشهرٍ أتى في مدحه القرآن نص عيان هذا الشهر الكريم شهرٌ أنزل الله فيه القرآن، فالرابحون: هم الذين يغتنمون أوقاته أيضاً بتلاوة القرآن، والله ثم والله إن العاقل هو الذي يكثر من تلاوة القرآن، بل الرابح هو الذي يكثر من تلاوة القرآن، ويهتدي بهدي القرآن، ويسترشد بمواعظ القرآن، ويأخذ العبرة من قصصه، ويلتقط من درره وحكمه؛ لأن القرآن أتى بالشريعة الإسلامية، منه تستمد الأحكام والمسائل الفقهية، فهو عماد الأمة الإسلامية في دينها ودنياها، وصدق الله العظيم إذ يقول ﷻ : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥]. السلف الصالح في رمضان يتركون حتى مدارسة العلم ويقبلون على تلاوة القرآن لا إله إلا الله! أمة الإسلام! اعرفوا قدر هذا القرآن الذي أعرض عنه الكثير في هذه الأزمنة الممتلئة بالفتن والمغريات والملذات والشهوات التي طمت على القلوب فإنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم لا تجعلنا ممن قلت فيهم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] نسأل الله العفو والعافية! الرابحون: هم الذين قد عرفوا قدر هذا القرآن، وإنه منحة عظيمة منحها الرب ﷻ هذه الأمة ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥]. القرآن مأدبة الله، فأقبلوا على مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء الناجع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، لا تنقضي عجائبه، ولا تخلط من كثرة الرد. اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات كما روي عن رسول الله ﷺ : ﴿من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف﴾. والله ثم والله! لا عيش أطيب من عيش المتعظين بهذا القرآن المهتدين بهذا القرآن، ولا نعيم أتم من نعيمهم لما هم فيه من شرح الصدور بالإيمان بالله، والسرور بطاعته وعبادته، إذا قاموا ينادون ربهم بكلامه المنزل في رمضان، وفي غير رمضان أولئك الرابحون الذين عرفوا قيمة الزمان فاستعملوه بطاعة الرحمن، لا إله إلا الله! ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. أمة محمد ﷺ ! اعرفوا قدر هذا القرآن. أمة الإسلام! إن هذه الموعظة التي جاءتكم من ربكم هو القرآن العظيم وما فيه من أخبارٍ صادقة نابعة، وأحكامٍ عادلة، فيها مصلحة للخلق ليس في دينهم فحسب ولكن في دينهم ودنياهم، فأكرم وأنعم بهذا القرآن الذي قال الله عنه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. الرابحون هم الذين عرفوا هذا القرآن وأقبلوا على الله جل وعلا بكثرة تلاوته، وعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، قال الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] الله أكبر! لا إله إلا الله! من هم أولو الألباب؟ قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] أولئك الرابحون الذين عرفوا قيمة الزمان، فقضوا أوقاتهم بتلاوة القرآن، وكثرة ذكر الله ، ولذلك وصفهم الله جل وعلا بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٤]. أولئك الرابحون الذين عرفوا قيمة الليل؛ لأن الليل له فرسان؛ فرسانٌ يقودهم الشيطان -والعياذ بالله- في أودية الغي والضلال، وفرسانٌ يهتدون بكتاب الله ويستنون بسنة المصطفى ﷺ ، وهؤلاء الفرسان الذين قادهم القرآن واهتدوا بسنة محمد ﷺ ، مدحهم الرحمن جل وعلا فقال ﷻ : ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] إذا أثخن أولئك السهر الذين سهروا مع الأفلام والمسلسلات، والأغاني الماجنات، والأوراق الفاتنات وغيرها التي تطفأ فيها الأوقات فإذا أثخن أولئك السهر، وإذا بأولئك عباد الرحمن الذين عرفوا قيمة الزمان، وإذا هم يقومون لصلاة التهجد، لا إله إلا الله! وليس ذلك خاصٌ في رمضان، بل كل حياتهم صلاة، كل حياتهم تعبدٌ في ذلك الوقت المبارك الذي حث عليه ربنا ، وحث عليه رسوله ﷺ ذلك الوقت المبارك الذي ينزل فيه الرب ﷻ إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، لا إله إلا الله! من الذي يحوز على ذلك الوقت المبارك؟ أولئك الرابحون الذين قال الله عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]. إخواني في الله! إن لقيام رمضان مزية خاصة، يقول رسول الله ﷺ : ﴿من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ فلله درك من شهرٍ كريم، وموسمٍ عظيم! نزل القرآن بتشريفه وتعظيمه، ونطقت السنة بفضله، شهرٌ تجدد فيه الجنة، وتزين، وتشرف فيه الحور العين فينادين هل من خاطبٍ إلى الله تعالى فيزوجه؟ شهرٌ تفتح فيه أبواب الرحمة، وتغلق أبواب الجحيم، وتسلسل فيه الشياطين. شهر رمضان ترفع فيه الدرجات، وترحم فيه العبرات، فاستقبلوه -يا عباد الله- كما استقبله أولئك.

стр. 449

كيفية استقبال السلف الصالح لشهر رمضان السلف الصالح الذين عرفوا قيمة الزمان، استقبلوا شهر رمضان بقلوب ملؤها الإيمان، وبفريضة هذا الشهر، وبصبرٍ على طاعة الله، واحتسبوا الأجر والثواب من عند الله، يقول الرب جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] نداء للمؤمنين بهذا النداء الشريف يناديهم أكرم الأكرمين جل وعلا يقول سبحانه وبحمده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥]. يقول رسول الله ﷺ : ﴿قال الله -اسمع أخي في الله إلى هذا الفضل العظيم- كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة -ثم اسمع إلى هذه التوجيهات- فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله؛ فليقل: إني صائم﴾ ثم يقول: ﴿والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك﴾ ثم قال ﷺ : ﴿للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه﴾ متفقٌ عليه، وهذا نص رواية البخاري، وفي رواية للبخاري أيضاً: ﴿يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشرة أمثالها﴾ وفي رواية لـ مسلم: ﴿كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي فأنا أجزي به -الله أكبر! لا إله إلا الله! - يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك﴾. ويقول ﷺ : ﴿إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، يُقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد﴾ متفقٌ عليه. إخواني في الله! هذا شهر الصيام والقيام قد أقبل عليكم يا أمة الإسلام! فكم فيه من الخيرات لمن وفقه الله. يروى أن رسول الله ﷺ كان يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، فيقول: ﴿جاءكم شهر رمضان شهرٌ مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم!﴾ رواه الإمام أحمد والنسائي. فهذا شهر رمضان المبارك قريباً سوف يحل عليكم ضيفاً كريماً فاغتنموه يا عباد الله!

стр. 450

فوائد الصيام أمة الإسلام! للصيام فوائد عظيمة، ومنافع جمة، وآثارٌ حسنة، فهو يكبت النفس، ويطفئ شهواتها، فإن النفس إذا جاعت سكنت وخضعت وامتنعت عما تهوى، فسبحان من فرض الصيام على عباده! لا إله إلا الله! الصيام يربي في الإنسان الفضائل والإخلاص والأمانة، والصبر عند الشدائد، فالنفس إذا امتنعت عن الحلال طلباً لمرضاة الله تعالى، وخوفاً من أليم عقابه، فالأحرى بها أن تتمرن على الامتناع عن الحرام الذي هي غنية عنه وتبعد عنه كل البعد فما تقترب من المحرمات التي منها الهلاك والعطب. ومن فوائد الصيام: أنه يبعث في الإنسان فضيلة الرحمة بالفقراء، والعطف على البائسين، فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات؛ تذكر الفقير الجائع في جميع الأوقات؛ فيسارع إلى رحمته والإحسان إليه. ومن فوائد الصيام: أنه ينقي الجسم من الفضلات الرديئة، ورطوبات الأمعاء، ويشفي كثيراً من الأمراض بإذن الله تعالى، فسبحان من فرض الصيام! ولله در الصيام كم فيه من الفوائد الجمة! ومن فوائد الصيام: أنه يقوي النفس على البر والحلم، ومن يلاحظ حال الصائمين الموفقين لما هم عليه من تحري الطاعة، وتحري سبل الخيرات، والابتعاد عن المعاصي، والرغبة في الإحسان؛ يدرك أن الصوم من أعظم أسباب الهداية، ويدرك معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] ويدرك قول المصطفى ﷺ : ﴿الصوم جُنَّة﴾ ويدرك ما فيه من تهذيب النفس وتطهيرها من الأخلاق الموبوءة وترويضها على الطاعات، وإعدادها للسعادتين الدنيوية والأخروية. وحسبك -أيها المسلم- في فضل الصيام قول الناصح الأمين محمد ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك﴾ لا إله إلا الله! يقول ﷺ : ﴿إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين﴾ متفقٌ عليه. لا إله إلا الله! فرصة عظيمة للمسلمين، نسأل الله جل وعلا أن يبلغنا رمضان. قال بعضهم: أتى رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب من الفساد فأدِّ حقوقه قولاً وفعلاً وزادك فاتخذه للمعاد فمن زرع الحبوب وما سقاها تأوه نادماً يوم الحصادِ

стр. 451

فضل قيام الليل أخي في الله! نعم. إن في رمضان ذلك القيام الذي سنه رسول الله ﷺ ، قيام رمضان اللهم اجعلنا من القائمين لك يا رب العالمين، وتقبل منا يا حي يا قيوم! يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: أدم الصيام مع القيام تعبداً فكلاهما عملان مقبولانِ قم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم إلا كنومة حائرٍ ولهانِ فلربما تأتي المنية بغتة فتساق من فرشٍ إلى أكفانِ يا حبذا عينان في غسق الدجى من خشية الرحمن باكيتانِ يقول الرسول ﷺ : ﴿عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ غضبت عن محارم الله﴾ وفي رواية: ﴿باتت تحرس في سبيل الله﴾. يا حبذا عينان في غسق الدجى من خشية الرحمن باكيتانِ الله ينزل كل آخر ليلة لسمائه الدنيا بلا كتمانِ فيقول: هل من سائلٍ فأجيبه؟ فأنا القريب لكل من ناداني فيا عباد الله! ألا خاطب إلى الرحمن في هذا الشهر؟! ألا راغبٌ فيما أعد الله للطائعين في الجنان؟! ألا طالبٌ لما أخبر الله به من النعيم المقيم؟! هنيئاً للرابحين الذين عرفوا قيمة الزمان! يقول الرب جل وعلا في الحديث القدسي: ﴿أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال ﷺ : اقرءوا ذلك في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾. عباد الله! اسمعوا ماذا كانوا يعملون! قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]. ومن صفاتهم أيضاً: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] هنيئاً لهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٤] لماذا؟ لأنهم عرفوا قيمة الزمان، فقاموا بطاعة الرحمن، فأورثهم الله تلك الجنان، نسأل الله من فضله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه وإحسانه. ومما أعد الله لهم في الجنة من النعيم الذي لا يماثل له نعيم ما أخبر به رسول الله ﷺ فيقول: ﴿إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]﴾ الله أكبر! للذين أحسنوا: أي الذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. ومما ورد في الحث على قيام الليل ما أخبر به عبد الله بن سلام أن النبي ﷺ قال: ﴿أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾. ويقول ﷺ : ﴿أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾ نسأل الله من فضله، يا رب أيقظنا من رقداتنا، يا رب لا تجعلنا من الخاسرين، كم من أناسٍ خسروا هذا؟! نسأل الله العفو والعافية. يقول ﷺ : ﴿أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾ رواه مسلم.

стр. 452

هدي الرسول ﵊ في قيام الليل وعن عائشة ﵂ تصف ما رأته من رسول الله ﷺ ؛ فتقول: ﴿كان رسول الله ﷺ يصلي إحدى عشرة ركعة، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة﴾ رواه البخاري، وعنها أيضاً ﵂ قالت: ﴿ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة! إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي﴾ متفقٌ عليه. الله أكبر! هذا هدي الرسول ﷺ ، والبعض من الناس يبحث عن الإمام الذي يخفف، الله أكبر! يستبشرون إذا سمعوا أحد الأئمة يخفف الصلاة، الله أكبر! ويتحدثون به في المجالس، فلان بن فلان يخفف فيتسارعون إليه الله المستعان! هذا من عدم الرغبة يا عباد الله! وإلا فهدي الرسول ﷺ كما تقول عائشة ﵂: ﴿يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي﴾ متفقٌ عليه. فيا أمة محمد ﷺ ! اقتدوا بنبيكم ﷺ ؛ لأن البعض من الناس يظن أن العبادة عادة، نسأل الله العفو والعافية، ولذلك تجد بعضهم يقول: لماذا لا نجد اللذة التي وجدها السلف الصالح، السلف الصالح يتحدثون عن تلك اللذة التي يجدونها في العبادة منهم من يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من اللذة لجالدونا عليه بالسيوف ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. الله أكبر! ويقول بعضهم ﵀: جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة فتلذذت به عشرين أخرى. الله أكبر! لا إله إلا الله!

стр. 453

أهمية مجاهدة النفس والأهل على قيام الليل أمة محمد ﷺ ! الله الله بالاهتداء بهدي نبيكم ﷺ ! هنيئاً لأهل الليل الذين عرفوا قيمة الليل، عرفوا قدر الليل، فقاموا تلك الساعة المباركة، يقول جابر بن عبد الله ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله تعالى خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة﴾ رواه مسلم، الله أكبر! لا إله إلا الله. أخي في الله! اغتنم عمرك في طاعة الله ما دمت في زمن الإمكان، اغتنم عمرك في طاعة الله ما دمت في زمن الإمكان، يقول الرسول ﷺ في الحث على قيام الليل: ﴿رحم الله رجلاً قام من الليل -دعا له الرسول ﷺ فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء﴾ رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح. عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلا ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات﴾ الله أكبر! اللهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. أخي في الله! الله الله في قيام الليل! يقول إبراهيم بن أدهم ﵀: قم الليل يا هذا لعلك ترشدُ إلى كم تنام الليل والعمر ينفدُ أراك بطول الليل ويحك نائماً وغيرك في محرابه يتهجدُ ولو علم البطال ما نال زاهدٌ من الأجر والإحسان ما كان يرقدُ وصام وقام الليل والناس نومٌ ويخلو بربٍ واحد ينفردُ بحزمٍ وعزمٍ واستغاثٍ ورغبة ويعلم أن الله ذا العرش يُعبدُ ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً مخلدُ أترقد يا مغرور والنار توقدُ فلا حرها يطفى ولا الجمر يخمدُ الله أكبر! ليتهم يرقدون الآن، يا ليتهم يرقدون نسأل الله العافية! لأن بعضهم لا يرقد بل يبارز الله بالمعاصي طول الليل فإذا جاء وقت الفضائل رقد، نسأل الله العفو والعافية، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا يا رب العالمين، الله أكبر! هذا ابن أدهم ﵀ يقول: أترقد يا مغرور والنار توقد فلا حرها يطفى ولا الجمر يخمدُ فيا راكب العصيان ويحك خلها فتحشر عطشاناً ووجهك أسودُ فكم بين مشغولٍ بطاعة ربهم وآخر بالذنب الثقيل مقيدُ المشغول بطاعة ربه. الله أكبر! فهذا سعيدٌ الجنان منعم وهذا شقيٌ في الجحيم مخلدُ ثم يصف لنا ذلك الموقف العظيم الذي سوف نقف به يوم القيامة -لا إله إلا الله اللهم رحماك رحماك يا أرحم الرحمين- يقول ﵀: كأني بنفسي في القيامة واقفٌ وقد فاض دمعي والمفاصل تضعف وقد نصب الميزان للفصل والقضا وقد قام خير العالمين محمدُ فعلينا يا أمة محمد ﷺ أن نتذكر ذلك اليوم العظيم حتى يحصل عندنا الاستعداد، يقول بعضهم ﵀: يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهلٍ ومن أوطانِ يومٌ تشققت السماء لهوله وتشيب منه مفارق الولدانِ يوم عبوسٌ قمطريرٌ شره في الخلق منتشرٌ عظيم الشانِ يوم يجيء المتقون لربهم وفداً على نجب من العقيان ويجيء فيه المجرمون إلى لظى يتلمظون تلمظ العطشانِ

стр. 454

الأسباب التي تعين على قيام الليل أخي في الله! إن البعض من الناس يقول: نحن نرغب في قيام الليل، ونحب قيام الليل، فما هي الأسباب التي تعين على قيام الليل؟ بعد أن نستعين بالله جل وعلا، ﴿اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾. أقول: أولاً: تهتدي بهدي الرسول ﷺ ، ما هو هدي الرسول ﷺ ؟ اسمع هذا وأنت ترى الخبر المداهم الذي داهمنا في هذه السنين المتأخرة: هدي الرسول ﷺ ﴿أنه يكره النوم قبلها -أي قبل صلاة العشاء- والحديث بعدها﴾ من هذا؟ هذا أفضل الخلق محمد بن عبد الله ﷺ الذي أمر الله الأمة أن تقتدي به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. مع الأسف الشديد نجد الآن الذي يطبق السنة يقولون: هذا دجاجة! إذا رآه إنسان ينام مبكراً قالوا: هذا دجاجة! الله أكبر! لا إله إلا الله! ولذلك من أشراط الساعة أن يعير الرجل بدينه. الله أكبر! نسأل الله العفو والعافية، هذا دجاجة! هل الذي يطبق سنة الرسول ﷺ يكون دجاجة؟! اللهم لا تحرمنا فضلك يا رب العالمين. التوجيه الثاني: إذا أردت أن تقوم الليل؛ فلا تكثر الطعام عند النوم، قلل الطعام عند النوم. ثالثاً: نم متوضئاً على سنة الرسول ﷺ وقل: ﴿اللهم إني وجهت وجهي إليك، وأسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت﴾ واقرأ آية الكرسي، واقرأ المعوذات وسورة الإخلاص في كفك وامسح بها ما استطعت من جسمك. ثم الأذكار التي علمها علياً وفاطمة ﵄: تسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبر الله أربعاً وثلاثين، ثم تنام. فإذا استيقظت فخذ بتوجيه الرسول ﷺ ، فقد أخبر الرسول ﷺ : ﴿أن الإنسان إذا نام عقد الشيطان على قافيته ثلاث عقد، ويضرب على كل عقدة عليك ليلٌ طويلٌ فارقد﴾ ما هو التوجيه الذي أخبر به الرسول ﷺ ؟ قال ﷺ : ﴿فإن استيقظ وذكر الله انحلت عقدة﴾ ولذلك الرسول ﷺ كان إذا استيقظ من النوم يقول: ﴿الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد وله الملك وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، قال ﷺ : فإن دعا بعد هذا الذكر استجيب له، وإن صلى قبلت صلاته﴾ أو كما قال ﷺ . إذاً. التوجيه الأول قال ﷺ : ﴿فإن استيقظ وذكر الله انحلت عقدة﴾. التوجيه الثاني: ﴿فإذا توضأ انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت عقدة وبهذا نتحل العقد الثلاث فيصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان﴾ نسأل الله العفو والعافية. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يبلغنا شهر الصيام والقيام، اللهم اجعلنا من الصائمين القائمين. اللهم تقبل منا الصيام والقيام والدعاء والتضرع بين يديك. اللهم لا تردنا خائبين، ولا من رحمتك آيسين يا رب العالمين. اللهم اهدنا وسددنا، اللهم اهدنا وسددنا، اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شرور أنفسنا. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وقاداتنا. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم وحد صفوف المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين، اللهم اجمع كلمتهم على الحق والدين يا رب العالمين. اللهم يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعالٌ لما يريد، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء! اللهم عليك بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين كلمتهم، اللهم رد كيدهم في نحورهم، اللهم رد كيدهم في نحورهم. اللهم إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 455

فرحة أهل الإيمان [٢،١] الدنيا دار ابتلاء، ومحطة تزود على طريق المسافرين إلى رب الأرض والسماء، وميدان عمل يستلم العامل أجره عليه عند اللقاء. وهذه المحاضرة تذكير للعامل بعظم الأجر وجزيل العطاء وفرحة اللقاء، ونعيم الجنة مما لا يدركه الخيال ولا تتصوره الآمال.

стр. 456

الفرح بالتوفيق إلى الطاعات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات ربي وسلامه عليه، تركنا على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فأكثروا عليه من الصلاة والتسليم كما أمر الله بذلك المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ثم أبشروا معشر المؤمنين؛ فإن رسول الله ﷺ قال: ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسانٍ، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة والأخوات! حياكم الله في بيتٍ من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن يتحقق فيه هذا الخبر: ﴿ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده﴾. لا إله إلا الله، يا له من فضل عظيم يا أمة محمدٍ ﷺ . ثم إن الموضوع كما سمعتم وعلمتم: فرح المؤمنون بدخولهم الجنان، أو كما سمعتم -أيها الإخوة في الله- عن الموضوع. فكم للمؤمن من فرحة، بل في الدنيا له فرحة، بل له في الدنيا أفراح يا أمة محمدٍ ﷺ ! فرحه يوم أن ألهمه الله ﷻ ووفقه لأن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فرحه يوم أن يوفقه الله يقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً. فرحه يوم أن يقف بين يدي الله ممتثلاً أمر الله (وأقيموا الصلاة). فرحه يوم أن تكون المحاورة بينه وبين ربه في ذلك الموقف الشريف، ألا وهو الصلاة يوم أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فيقول الله: حمدني عبدي، ويقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] فيقول: أثنى عليَّ عبدي، ويقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيقول: مجدني عبدي. الله أكبر! محاورة عظيمة يفرح بها المؤمن، حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، وإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فرح المؤمن يوم أن يتحقق له هذا الفضل العظيم، ويلحقه الله بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أنعم الله عليهم، وحسن أولئك رفيقاً.

стр. 457

فرح المؤمن بالبشرى عند الموت فرحه يوم أن يُبَصِّره الله، ويفقهه في الدين، ويصرفه عن طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين. فرحه يوم أن تنزل عليه البشرى عند فراقه هذه الدنيا، لا إله إلا الله، وأعظم بها من بشرى يا أمة محمد ﷺ ! الله أكبر! ما هي هذه البشرى التي يتلقى بها عند فراقه هذه الدنيا، دار الهموم، دار الغموم، دار الأحزان والكروب، دار المجاعة والأمراض، دار الأمور التي لا يعلمها إلا الله ؟ يوم ينتقل منها إلى جوار ربه، تكفيه هذه البشرى، فيا لها من فرحة، يوم أن يسمع هذه البشرى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣] أي فرحة أعظم من هذه الفرحة إذا سمع هذه البشرى يا أمة محمدٍ ﷺ ؟! وأيضاً: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. يوم أن يتحسر أهل التفريط والإضاعة الذين أضاعوا العمر في المعاصي والسيئات، يوم أن يطلبوا الرجعة ليتزودوا من الأعمال الصالحات ولكن هيهات هيهات، نسأل الله العفو العافية، ما هي أمنيتهم عند فراق الدنيا؟ اسمع الفرق يا عبد الله! يقول الله ﷻ : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩] لماذا يطلب الرجعة؟ قال الله تعالى مخبراً عنه: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠] والجواب؟ ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] فينتقل إلى حفرة من حفر النيران والعياذ بالله. أما الآخر الذي آمن بالله واستقام على طاعة الله تتنزل عليهم الملائكة تبشره برحمة الله سبحانه وبحمده، تطمئنه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. اللهم اجعلنا نسمع هذه البشرى يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير، فيا من تشتاق نفوسهم إلى هذه البشرى ما هو الأمر الذي ينبغي لنا أن نستعد به؟! الأمر سهل ولله الحمد، ولكن كما قال الرسول ﷺ : ﴿اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له﴾ اللهم اجعلنا من أهل السعادة الذين ييسرون لأأعمال أهل السعادة يا رب العالمين.

стр. 458

التقوى طريق للفرحة الكبرى في الحياة الأخرى إخواني في الله! هو زادٌ واحد؛ هو أن تلتزم بتقوى الله ، وأبشر بهذه الكرامة أخي في الله؛ كرامات في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر، ويوم البعث والنشر، وفي ذلك اليوم، يوم أن تقوم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، تصور الفرحة أخي في الله، تصور الفرحة يوم يساقون إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ماذا يقال لهم وهم يستقبلون، قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٦ - ٤٧]. تصور أخي في الله الفرحة في ذلك اليوم العظيم، إنها والله فرحة لا يماثلها فرحة أخي في الله، فرحة عظيمة وقبلها تلك الفرحة يوم أن يعطى كتابه باليمين، ويوم أن تثقل موازينه، ويوم أن يبيض وجهه، ويوم أن يطمئن قلبه، لأنه تحقق له وعد الله الذي قال فيه : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] تحقق له وعد الله جل وعلا يوم أن أخذ كتابه بيمينه، قال الله ﷻ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] وماذا أسلفوا في الأيام الخالية؟ وما هي الأيام الخالية؟ أسلفوا في الأيام الخالية توحيد الله ، فأفردوا الله بالعبادة، وأخلصوا الأعمال لله الواحد القهار، واتبعوا هدي المصطفى ﷺ ، أقاموا الصلاة، آتوا الزكاة، صاموا رمضان، حجوا بيت الله الحرام، بروا بالوالدين، وصلوا الأرحام، أمروا بالمعروف، نهوا عن المنكر، فعلوا الخيرات، فلذلك وجدوها في ذلك اليوم العظيم. والأيام الخالية هي أيام الدنيا، عملوا فيها قليلاً فجزاهم الله على ذلك الفضل العظيم، فما أعظم الفرحة يا أمة محمدٍ ﷺ ! يوم أن يرفع الكتاب فرحاً مسروراً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤]. ثم سمعتم بماذا يقابلون يا عباد الله؟! يقول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]. ثم يخبر الله جل وعلا فيقول سبحانه وبحمده: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ومع ذلك في تلك الجنة: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَب﴾ [الحجر:٤٨] ليس فيها تعب، فهي دار السرور والبهجة والحبور، دار اللذة والنعيم، ثم يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] بخلاف منازل الدنيا، إذا لم كان مستأجراً يأتيه صاحب العقار ويقول: اخرج فقد انتهت المدة، لكن بعض الناس يرفع رأسه يقول: أنا في ملك والحمد لله، لا يأتيه صاحب العقار ويقول: اخرج عن الدار، فنقول: يأتيك هادم اللذات ومفرق الجماعات، ويخرجك من الدار، من بين الأهل والأولاد والأحباب، وتسكن في حفرةٍ تصف عليك فيها اللبنات، ويحثى عليك التراب وتتخلى فيها وحيداً فريداً. أما الجنة فيقول الله : ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] نسأل الله من فضله الجنة، اللهم إنا نسألك الجنة يا رب العالمين. إخواني في الله! اسمعوا ماذا أعد الله لهم في الجنة، يقول الله جل وعلا، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا ممن يستمع هذا النداء: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩] يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧١] ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢ - ٧٣]. ثم ينادي منادٍ -أيها الإخوة في الله- ويفرح المؤمنون يوم أن يسمعوا هذا النداء، يقول المنادي -إخواني في الله- كما أخبر الصادق المصدوق نبينا محمدٌ ﷺ : ﴿إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي منادٍ: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تناموا فلا تبأسوا أبداً﴾ الله أكبر! ولذلك يقول الرسول ﷺ مخبراً عن ربه : ﴿يقول الله جل وعلا: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ وماذا كانوا يعملون؟ اقرأ أول الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] وقال في سورة أخرى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].

стр. 459

خسارة المفرطين المدمنين للسهر ولذلك نقول للمفرطين الذين يضيعون أوقاتهم مع الأفلام والمسلسلات والبلوت وغيرها من القيل والقال ويسهرون مع هذه المصائب، اسمعوا إلى أحوال أولئك الذين وعدهم الله بجنةً عرضها السماوات والأرض، ما هي أحوالهم؟ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] الله أكبر! لا إله إلا الله، والله فرق يا إخواني! فرق عظيم، بين من يقضي ليله أو بعض ليله أو قليلٌ من الليل بالتهجد والقرب من الله ، وبين من يتربع أمام الأفلام والمسلسلات واستماع الأغاني الخبيثات الخليعات الماجنات، وقضاء الليالي مع البلوت وغيرها، بشتى السب والشتمات والغيبة والنميمة والشيشة والدخان والمخدرات والمسكرات، هذه أحوال الكثير من الناس يا إخوان! يقول بعض السلف ﵀: من يرد ملك الجنان فليدع عنه التواني وليقم في ظلمة الليـ ل إلى نور القران وليصل صوماً بصومٍ إن هذا العيش فان

стр. 460

زوال الدنيا يذكر المرء بفضل الدين إي والله؛ عيش الدنيا لا بد له من الفناء يا عبد الله! وإن كثرت الأموال وتغطرس بالترف فوالله لا بد له من الزوال، فمن يرد الملك الذي لا يزول والنعمة والدار والنعيم الذي لا يزول ولا يحول فعليه أن يرضي الله . اسمع عن خبر القوم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] ثم إذا انتهوا من التهجد والصلاة ماذا يعملون؟ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] هنيئاً لهم، ولذلك فإن الرسول ﷺ سيد الأولين والآخرين، أفضل الأنبياء والمرسلين يقول: ﴿والله إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة﴾ هذا الرسول ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، هذا في رواية البخاري، أما في رواية مسلم فيقول ﷺ : ﴿يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه؛ فإني استغفر الله في اليوم مائة مرة﴾ اللهم صلِّ على محمد. الله أكبر! لا إله إلا الله، هذا رسول الله ﷺ الذي قام حتى تفطرت قدماه ﷺ ، فما بالنا يا أمة محمد ﷺ ! لا نقتدي بسيد الأولين والآخرين الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] الله أكبر لا إله إلا الله! اللهم وفقنا للتأسي بنبينا محمدٍ ﷺ .
следующие страницы →