← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الفرح بالتوفيق إلى الطاعات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات ربي وسلامه عليه، تركنا على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فأكثروا عليه من الصلاة والتسليم كما أمر الله بذلك المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ثم أبشروا معشر المؤمنين؛ فإن رسول الله ﷺ قال: ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسانٍ، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة والأخوات! حياكم الله في بيتٍ من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن يتحقق فيه هذا الخبر: ﴿ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده﴾. لا إله إلا الله، يا له من فضل عظيم يا أمة محمدٍ ﷺ . ثم إن الموضوع كما سمعتم وعلمتم: فرح المؤمنون بدخولهم الجنان، أو كما سمعتم -أيها الإخوة في الله- عن الموضوع. فكم للمؤمن من فرحة، بل في الدنيا له فرحة، بل له في الدنيا أفراح يا أمة محمدٍ ﷺ ! فرحه يوم أن ألهمه الله ﷻ ووفقه لأن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فرحه يوم أن يوفقه الله يقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً. فرحه يوم أن يقف بين يدي الله ممتثلاً أمر الله (وأقيموا الصلاة). فرحه يوم أن تكون المحاورة بينه وبين ربه في ذلك الموقف الشريف، ألا وهو الصلاة يوم أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فيقول الله: حمدني عبدي، ويقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] فيقول: أثنى عليَّ عبدي، ويقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيقول: مجدني عبدي. الله أكبر! محاورة عظيمة يفرح بها المؤمن، حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، وإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فرح المؤمن يوم أن يتحقق له هذا الفضل العظيم، ويلحقه الله بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أنعم الله عليهم، وحسن أولئك رفيقاً.

стр. 457

فرح المؤمن بالبشرى عند الموت فرحه يوم أن يُبَصِّره الله، ويفقهه في الدين، ويصرفه عن طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين. فرحه يوم أن تنزل عليه البشرى عند فراقه هذه الدنيا، لا إله إلا الله، وأعظم بها من بشرى يا أمة محمد ﷺ ! الله أكبر! ما هي هذه البشرى التي يتلقى بها عند فراقه هذه الدنيا، دار الهموم، دار الغموم، دار الأحزان والكروب، دار المجاعة والأمراض، دار الأمور التي لا يعلمها إلا الله ؟ يوم ينتقل منها إلى جوار ربه، تكفيه هذه البشرى، فيا لها من فرحة، يوم أن يسمع هذه البشرى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣] أي فرحة أعظم من هذه الفرحة إذا سمع هذه البشرى يا أمة محمدٍ ﷺ ؟! وأيضاً: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. يوم أن يتحسر أهل التفريط والإضاعة الذين أضاعوا العمر في المعاصي والسيئات، يوم أن يطلبوا الرجعة ليتزودوا من الأعمال الصالحات ولكن هيهات هيهات، نسأل الله العفو العافية، ما هي أمنيتهم عند فراق الدنيا؟ اسمع الفرق يا عبد الله! يقول الله ﷻ : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩] لماذا يطلب الرجعة؟ قال الله تعالى مخبراً عنه: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠] والجواب؟ ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] فينتقل إلى حفرة من حفر النيران والعياذ بالله. أما الآخر الذي آمن بالله واستقام على طاعة الله تتنزل عليهم الملائكة تبشره برحمة الله سبحانه وبحمده، تطمئنه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. اللهم اجعلنا نسمع هذه البشرى يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير، فيا من تشتاق نفوسهم إلى هذه البشرى ما هو الأمر الذي ينبغي لنا أن نستعد به؟! الأمر سهل ولله الحمد، ولكن كما قال الرسول ﷺ : ﴿اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له﴾ اللهم اجعلنا من أهل السعادة الذين ييسرون لأأعمال أهل السعادة يا رب العالمين.

стр. 458

التقوى طريق للفرحة الكبرى في الحياة الأخرى إخواني في الله! هو زادٌ واحد؛ هو أن تلتزم بتقوى الله ، وأبشر بهذه الكرامة أخي في الله؛ كرامات في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر، ويوم البعث والنشر، وفي ذلك اليوم، يوم أن تقوم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، تصور الفرحة أخي في الله، تصور الفرحة يوم يساقون إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ماذا يقال لهم وهم يستقبلون، قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٦ - ٤٧]. تصور أخي في الله الفرحة في ذلك اليوم العظيم، إنها والله فرحة لا يماثلها فرحة أخي في الله، فرحة عظيمة وقبلها تلك الفرحة يوم أن يعطى كتابه باليمين، ويوم أن تثقل موازينه، ويوم أن يبيض وجهه، ويوم أن يطمئن قلبه، لأنه تحقق له وعد الله الذي قال فيه : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] تحقق له وعد الله جل وعلا يوم أن أخذ كتابه بيمينه، قال الله ﷻ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] وماذا أسلفوا في الأيام الخالية؟ وما هي الأيام الخالية؟ أسلفوا في الأيام الخالية توحيد الله ، فأفردوا الله بالعبادة، وأخلصوا الأعمال لله الواحد القهار، واتبعوا هدي المصطفى ﷺ ، أقاموا الصلاة، آتوا الزكاة، صاموا رمضان، حجوا بيت الله الحرام، بروا بالوالدين، وصلوا الأرحام، أمروا بالمعروف، نهوا عن المنكر، فعلوا الخيرات، فلذلك وجدوها في ذلك اليوم العظيم. والأيام الخالية هي أيام الدنيا، عملوا فيها قليلاً فجزاهم الله على ذلك الفضل العظيم، فما أعظم الفرحة يا أمة محمدٍ ﷺ ! يوم أن يرفع الكتاب فرحاً مسروراً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤]. ثم سمعتم بماذا يقابلون يا عباد الله؟! يقول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]. ثم يخبر الله جل وعلا فيقول سبحانه وبحمده: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ومع ذلك في تلك الجنة: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَب﴾ [الحجر:٤٨] ليس فيها تعب، فهي دار السرور والبهجة والحبور، دار اللذة والنعيم، ثم يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] بخلاف منازل الدنيا، إذا لم كان مستأجراً يأتيه صاحب العقار ويقول: اخرج فقد انتهت المدة، لكن بعض الناس يرفع رأسه يقول: أنا في ملك والحمد لله، لا يأتيه صاحب العقار ويقول: اخرج عن الدار، فنقول: يأتيك هادم اللذات ومفرق الجماعات، ويخرجك من الدار، من بين الأهل والأولاد والأحباب، وتسكن في حفرةٍ تصف عليك فيها اللبنات، ويحثى عليك التراب وتتخلى فيها وحيداً فريداً. أما الجنة فيقول الله : ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] نسأل الله من فضله الجنة، اللهم إنا نسألك الجنة يا رب العالمين. إخواني في الله! اسمعوا ماذا أعد الله لهم في الجنة، يقول الله جل وعلا، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا ممن يستمع هذا النداء: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩] يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧١] ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢ - ٧٣]. ثم ينادي منادٍ -أيها الإخوة في الله- ويفرح المؤمنون يوم أن يسمعوا هذا النداء، يقول المنادي -إخواني في الله- كما أخبر الصادق المصدوق نبينا محمدٌ ﷺ : ﴿إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي منادٍ: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تناموا فلا تبأسوا أبداً﴾ الله أكبر! ولذلك يقول الرسول ﷺ مخبراً عن ربه : ﴿يقول الله جل وعلا: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ وماذا كانوا يعملون؟ اقرأ أول الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] وقال في سورة أخرى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].

стр. 459

خسارة المفرطين المدمنين للسهر ولذلك نقول للمفرطين الذين يضيعون أوقاتهم مع الأفلام والمسلسلات والبلوت وغيرها من القيل والقال ويسهرون مع هذه المصائب، اسمعوا إلى أحوال أولئك الذين وعدهم الله بجنةً عرضها السماوات والأرض، ما هي أحوالهم؟ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] الله أكبر! لا إله إلا الله، والله فرق يا إخواني! فرق عظيم، بين من يقضي ليله أو بعض ليله أو قليلٌ من الليل بالتهجد والقرب من الله ، وبين من يتربع أمام الأفلام والمسلسلات واستماع الأغاني الخبيثات الخليعات الماجنات، وقضاء الليالي مع البلوت وغيرها، بشتى السب والشتمات والغيبة والنميمة والشيشة والدخان والمخدرات والمسكرات، هذه أحوال الكثير من الناس يا إخوان! يقول بعض السلف ﵀: من يرد ملك الجنان فليدع عنه التواني وليقم في ظلمة الليـ ل إلى نور القران وليصل صوماً بصومٍ إن هذا العيش فان

стр. 460

زوال الدنيا يذكر المرء بفضل الدين إي والله؛ عيش الدنيا لا بد له من الفناء يا عبد الله! وإن كثرت الأموال وتغطرس بالترف فوالله لا بد له من الزوال، فمن يرد الملك الذي لا يزول والنعمة والدار والنعيم الذي لا يزول ولا يحول فعليه أن يرضي الله . اسمع عن خبر القوم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] ثم إذا انتهوا من التهجد والصلاة ماذا يعملون؟ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] هنيئاً لهم، ولذلك فإن الرسول ﷺ سيد الأولين والآخرين، أفضل الأنبياء والمرسلين يقول: ﴿والله إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة﴾ هذا الرسول ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، هذا في رواية البخاري، أما في رواية مسلم فيقول ﷺ : ﴿يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه؛ فإني استغفر الله في اليوم مائة مرة﴾ اللهم صلِّ على محمد. الله أكبر! لا إله إلا الله، هذا رسول الله ﷺ الذي قام حتى تفطرت قدماه ﷺ ، فما بالنا يا أمة محمد ﷺ ! لا نقتدي بسيد الأولين والآخرين الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] الله أكبر لا إله إلا الله! اللهم وفقنا للتأسي بنبينا محمدٍ ﷺ .

стр. 461

ما يخسره الساهرون على اللهو إذاً: يا أمة محمدٍ ﷺ ! اعلموا ثم اعلموا ثم اعلموا أن ما أحدثه بعض الناس في هذه الآونة المتأخرة من السهر طول الليل أنها بدعة دخلت على المسلمين -نسأل الله جل وعلا أن يرفعها، اللهم ارفع هذه البدعة، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً- وكم خسرنا بهذه البدعة يا أمة محمدٍ ﷺ ! يوم أن طال السهر؟ خسرت الأمة أو بعضهم ما أخبر به الرسول ﷺ : ﴿إن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يسأل الله إلا أعطاه الله من خيري الدنيا والآخرة﴾. خسر بعض الناس ما أخبر به الرسول ﷺ : ﴿أنه إذا بقي ثلث الليل الأخير ينزل ربنا ﷻ إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟﴾ والبعض من الناس أحسن الله عزائه وجبر مصيبته، قد خسر هذا الفضل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي الحديث القدسي الذي يرويه لنا رسول الله ﷺ عن ربه سبحانه وبحمده، فيقول ﷻ : ﴿أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر﴾.

стр. 462

ما يجنيه اللاهون في سهرهم على الإثم فيا أمة محمدٍ ﷺ ! ونحن بصدد هذه النقطة (السهر) أقول: اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، دخل رسول الله ﷺ محمر الوجه وهو يقول: ﴿لا إله إلا الله! ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب -الله أكبر! محمر الوجه ﷺ ثم حَلَّق بإصبعيه فقال: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا، قالت زينب ﵂ -زوجة النبي ﷺ : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث﴾ فإنا لله وإنا إليه راجعون! إخواني في الله! أسألكم بالله العظيم: ماذا نستفيد من محطة اليهود والنصارى والإفرنج التي تبث عبر الأقمار الصناعية، هذه الأقمار الخبيثة، ماذا نستفيد منها؟! ثم كيف الأحوال إذا المرأة والطفل الصغير عاشوا على هذه الأفلام -الابن والبنت-؟ كيف الأحوال إذا عاش المجتمع على هذه الأفلام؟! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. فيا عباد الله! من ابتلي بهذا الغش الذي يسمى الدش -وهو والله غش غشنا به أعداء الإسلام وأعداء المسلمين- وابتلي بهذه الصحون فليزلها عن سطح داره، ويتوب ويرجع إلى الله، ويجدد توبة نصوحاً، أسأل الله بمنه وكرمه أن يعافي المسلمين من شر هذه الصحون، وأسأله ﷻ أن يمنَّ عليهم أن يزيلوها كما أزال إمامهم وقدوتهم محمد بن عبد الله ﷺ الأصنام من بيت الله الحرام. اللهم أزلها عن بيوت المسلمين يا رب العالمين، وأبدلها ما عاش عليه أسلافنا من قيام الليل وتلاوة القرآن إنك على كل شيء قدير يا أرحم الراحمين.

стр. 463

وصف نعيم الجنة اسمع إلى هذا الفرح الذي يفرح به المؤمنون إذا دخلوا الجنة، والله إنه فرحٌ تلذ لسماعه الأسماع، يقول ﷺ : ﴿إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، يقولون: لبيك ربنا وسعديك! فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً﴾ الله أكبر! كيف لا تفرح القلوب بهذا يا أمة محمد ﷺ ؟! ثم يخبرنا رسول الله ﷺ عن أولئك الذين يدخلون دار الأفراح، التي يفرح بها المؤمنون، فيقول ﷺ : ﴿أول زمرةٍ يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكبٍ دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة -يعني: عود الطيب ثم قال ﷺ وهو يخبر بهذا النعيم- أزواجهم الحور العين، على خلق رجلٍ واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء﴾ متفق عليه. وفي رواية للبخاري ومسلم: ﴿آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحدٍ منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرةً وعشياً﴾. ثم يخبر الرسول ﷺ ، وهذه الأخبار كلها صحيحة أخي في الله! إن شاء الله لا أسمعك في هذه الجلسة إلا حديثٌ صحيح إما رواه البخاري أو مسلم أو كلاهما إن شاء الله تعالى، فيقول رسول الله ﷺ : ﴿إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟! قال: بلى. والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين﴾ هنيئاً لأهل الجنة. يقول الرسول ﷺ : ﴿لقاب قوسٍ في الجنة خيرٌ مما تطلع عليه الشمس أو تغرب﴾ الله أكبر! سبحان الله العظيم! كيف نلتفت إلى الدنيا يا أمة محمد ﷺ ونحن نسمع هذه الأخبار؟! الله أكبر! لا إله إلا الله! اللهم اشف مرض قلوبنا يا رب العالمين: ﴿لقاب قوسٍ في الجنة خيرٌ مما تطلع عليه الشمس أو تغرب﴾ والحديث متفقٌ عليه. ثم يخبرنا رسول الله ﷺ فيقول: ﴿إن في الجنة سوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً﴾.

стр. 464

لذة النظر إلى وجه الله الكريم اسمع أخي في الله إلى هذا الخبر من رسول الله ﷺ ؛ خبرٌ عظيم، وسيأتي تفصيله بإذن الله كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، ما هو هذا الخبر الذي يفرح به المؤمنون في الجنان؟ يقول رسول الله ﷺ : ﴿إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم﴾ نسأل الله من فضله، الله أكبر! والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٥ - ٢٦] الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. ثم قال جل وعلا: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٦]. ثم اسمع أخي إلى آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة. يقول الرسول ﷺ : ﴿إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة﴾ لأن من مات على التوحيد فإنه لا يخلد في النار، نسأل الله جل وعلا أن يعيذنا وإياكم من الشرك صغيره وكبيره، إنه على كل شيء قدير، يخرجون من النار وقد أكلت النار كل شيء إلى موضع السجود، يخرجون منها كالفحم، نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا ألا يدخلنا النار، اللهم لا تجعلنا من أهل النار، اللهم ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً يا أرحم الراحمين! يقول رسول الله ﷺ : ﴿إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة؛ رجلاً يخرج من النار حبواً فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فإنك لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا -الله أكبر! - فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال ابن مسعود ﵁: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول ﷺ : ذلك أدنى أهل الجنة منزلاً﴾ متفق عليه. ويقول ﷺ : ﴿إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة﴾ الله أكبر الله أكبر! ﴿إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضاً﴾ متفق عليه.

стр. 465

الجنة وأوصافها إخواني في الله! الجنة إن سألتم عن سعة الجنة؟ فقد ندب الله إليها وأخبر سبحانه عن سعتها، فقال ﷻ : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين. وإن سألتم عن أرض الجنة وتربتها؟ فهي المسك والزعفران. وإن سألتم عن سقف الجنة؟ فهو عرش الرحمن، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وأراه قال: وفوقه عرش الرحمن﴾ اللهم إنا نسألك الفردوس يا رب العالمين. وإن سألتم عن حصبائها؟ فهي اللؤلؤ والجوهر. وإن سألتم عن بنائها؟ فلبنة من فضة ولبنة من ذهب. وإن سألتم عن أشجارها؟ فما منها من شجرة إلا وساقها من ذهب وفضة لا من الحطب والخشب. وإن سألتم عن ثمار الجنة؟ فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل. وإن سألتم عن ورقها؟ فأحسن ما يكون من رقائق الحلل. وإن سألتم عن أنهارها؟ فاسمعوا إلى خبر الله جل وعلا في محكم البيان، يقول الله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] نسأل الله من فضله الجنة، الله أكبر! وإن سألتم عن طعامهم؟ فيقول جل وعلا: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١] نسأل الله من فضله الجنة. يا إخواني! اسألوا الله الجنة، اسألوا الله الجنة يا أمة محمد ﷺ ! هنيئاً لمن أدخله الله الجنة، يا لها والله من فرحة لمن أدخله الله الجنة وأنجاه الله من النار، الله أكبر! الجنة: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:١٧ - ٢١]. أما إن سألتم عن آنيتهم في الجنة؟ فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير. وإن سألتم عن عدد أبواب الجنة؟ فللجنة ثمانية أبواب. وإن سألتم عن سعة أبواب الجنة؟ ﴿فما بين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام، وليأتين عليه يومٌ وهو كضيض من الزحام﴾. وإن سألتم عن تصفيق الرياح لأشجار الجنة؟ فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها. وإن سألتم عن ظلها؟ ففيها: ﴿شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها﴾. وإن سألتم عن ارتفاعها؟ فهي غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار. وإن سألتم عن ارتفاعها؟ فانظروا إلى الكوكب الطالع أو الغابر في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار. وإن سألتم عن لباس أهل الجنة؟ فهو الحرير والسندس والإستبرق. وإن سألتم عن حليهم؟ فالذهب والفضة. وإن سألتم عن فرشهم؟ فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب. وإن سألتم عن أرائكها؟ فهي الأسرة عليها المشخامات، وهي الحجال مزررة من الذهب فمالها فروج ولا خلال. وإن سألتم عن وجوه أهل الجنة وحسنهم؟ فهي على صورة القمر ليلة البدر. وإن سألتم عن أعمار أهل الجنة؟ فأبناء ثلاث وثلاثين على صورة آدم أبي البشر. وإن سألتم عن سماع أهل الجنة؟ فهم يسمعون غناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منه خطاب رب العالمين. وإن سألتم عن مطايا أهل الجنة التي يتزاورون عليها؟ فنجائب أنشأها الله مما شاء، تسير بهم حيث شاءوا من الجنان. وإن سألتم عن غلمانهم الذين يخدمونهم في الجنة؟ فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون. وإن سألتم عن عرائسهم وأزواجهم في الجنة؟ فهن الكواعب الأتراب التي جرى في أعضائهن ماء الشباب. وأقول لأخواتي المستمعات: أيتها المؤمنة! اعلمي أن المؤمنة إذا دخلت الجنة أنها تكون أفضل من الحور العين، أبشري يا أمة الله أبشري! ويا لها من فرحة إذا دخلت الجنة، فالمؤمنة إذا دخلت الجنة تكون أفضل من الحور العين. فيا أمة الله! الله الله بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، واحذري مما يغضب الله ويغضب رسوله ﷺ ، فهذه صفة أزواجهم في الجنة. نعم، أيها الإخوة في الله! اسمعوا إلى صفة العرائس في الجنة حتى لا نغتر بما نرى على الشاشة، أو بما نرى على المجلة من الصورة المزورة بالحمور والخضور والصفور، اسمعوا إلى الجمال يا من تحبون الجمال! ونسأل الله جل وعلا أن يجعل لنا منه أوفر الحظ والنصيب. إن سألتم عن عرائسهم وأزواجهم في الجنة؟ فهن الكواعب الأتراب، التي ترى في أعضائهن ماء الشباب، كأن الشمس تجري في محاسن وجهها إذا برزت، وكأن البرق يضيء من بين ثناياها إذا ابتسمت، إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين، يرى وجهه في صحن خدها، ويرى مخ ساقيها من وراء اللحم من حسنها وجمالها، ومع ذلك لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض ريحاً، ومع ذلك نصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما عليها، ومع ذلك لا تزداد مع طول الأحقاب إلا حسناً وجمالاً، مبرأة من الحيض والنفاس، ومطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس، لا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، قد قصرت طرفها على زوجها، لا تطمع لأحد سواه، ومع ذلك لم يطمثها قبله إنس ولا جان، لونها كأنه الياقوت والمرجان: فيا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها نسأل الله الجنة، نسأل الله من فضله الجنة، إنه على كل شيء قدير.

стр. 466

الأعمال التي تدخل الجنة إخواني في الله! إن سألنا عن الأعمال التي تدخل تلك الدار: فإنها ولله الحمد -كما قلت لكم في بداية الكلام- ميسرة على من يسره الله عليه.

стр. 467

توحيد الله تعالى أولاً: توحيد الله وإفراده بالعبادة؛ التوحيد يا أمة محمد ﷺ ، واليوم أكثر الناس قد أضاع التوحيد، بعضهم يذهب إلى الكهان والسحرة، والمنجمين والعرافين وأهل الشعوذة وغيرهم، هذا إذا سلم من الطواف بالقبور والتوسل بالأموات، والذبح لأهل القبور، وصب العسل والسمن عليها، فهذا والله مصيبة يا إخواني! كسر لا يجبر والعياذ بالله، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ويقول الله لرسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. إذا كان هذا خطاب للرسول ﷺ فما بال الذين يذهبون الآن إلى المشعوذين والسحرة والدجاجلة وغيرهم؟! فاسألوا الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يطهر بلاد الإسلام من السحرة والكهنة والمنجمين والعرافين؛ اللهم طهر منهم بلاد الإسلام والمسلمين، فإنهم والله دمار على العقيدة يا أمة محمد ﷺ ! ما دام أن الرسول ﷺ أخبر: ﴿أن من أتاهم وسألهم لم تقبل منه صلاة أربعين يوماً، ومن أتاهم وسألهم عن شيء فصدقهم فقد كفر بما أنزل على محمدٍ ﷺ ﴾ أي خسارة أكبر من هذا يا أمة محمد ﷺ ؟! ثم إن بعضهم ممن ضعف عندهم الإيمان وأصيبوا بالأمراض النفسانية بسبب إعراضهم عن الله وبعدهم عن توحيد الله، وهدي محمدٍ ﷺ أصيبوا بأمراض نفسيه، فشنت عليهم الشياطين الغارة حتى ذهبوا إلى أولئك الدجاجلة والمشعوذين، فإذا أتى إليه ربما قال له: تأتي بشاة سوداء أو عنزٍ سوداء وتذبحها ولا تذكر اسم الله عليها، وماذا يحصل لهم؟ في أول قطرة من دمها تحل عليه لعنة الله كما قال الرسول ﷺ : ﴿لعن الله من ذبح لغير الله﴾ وإن مات على تلك الحال فمصيره أنه مخلد في النار، لأنه صرف نوعاً من العبادة لغير الله، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ونسكي: أي ذبحي لله رب العالمين ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢] فلنحذر من ذلك يا أمة محمدٍ ﷺ . أيضاً: من أراد دخول دار الأفراح (الجنة) التي يفرح بها المؤمنون؛ فعليه بمتابعة هدي الرسول ﷺ ، الذي قال: ﴿كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى﴾.

стр. 468

المحافظة على الصلاة أيضاً: من أراد أن يدخل دار الأفراح الجنة؛ فعليه أن يقيم الصلاة التي يقول الله ﷻ مخبراً عما أعد الله للمحافظين عليها -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١] اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.

стр. 469

أداء الفرائض الواجبة أيضاً: تؤدي زكاة أموالك حتى تنجو من عذاب الله، فتصوم وتحج بيت الله الحرام، وتبر بوالديك، وتصل أرحامك. مصيبة يا إخواني ابتلينا بها في هذه الآونة الأخيرة وهي: عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، نسأل الله جل وعلا أن يهدي ضال المسلمين إنه على كل شيء قدير، فعاق الوالدين مصيره إذا مات يا أمة محمد ﷺ النار، وقاطع الرحم مصيره كذلك، وقد أخبر الرسول ﷺ أنهم لا يدخلون الجنة، نسأل الله العفو والعافية. فينبغي لنا أن نتقي الله؛ نبر بالوالدين، ونصل الأرحام، ونحسن إلى الفقراء والمساكين، لعلَّ الله أن يورثنا تلك الدار التي يفرح بها المؤمنون.

стр. 470

وصف ابن القيم للقاء الله بعباده في الجنة ثم إن هناك -كما ذكرت لكم في وسط الكلام- فضلاً عظيماً أعده الله لأهل الجنة -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- ولعلنا سمعناه مراتٍ ومرات، ولكن هذا الكلام يا إخواني والله لا يمل منه؛ لأنه خبر من الله جل وعلا، وخبر من رسوله ﷺ جمعه لنا ابن القيم رحمه الله تعالى، وساقه لنا في كلامٍ لطيف، ساق لنا معنى الآيات ومعنى حديث الرسول ﷺ ، فقال رحمه الله تعالى: ينادي المنادي: يا أهل الجنة إن ربكم ﵎ يستزيركم فحيَّ على زيارته، فيقولون: سمعاً وطاعة، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد أعدت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين، حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعداً، وجمعوا هناك، فلم يغادر الداعي منهم أحداً، أمر الرب ﵎ بكرسيه فنصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، وجلس أدناهم، وحاشاهم أن يكون فيهم دني على كثبان المسك، ما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا. حتى إذا استقرت بهم مجالسهم، واطمأنت بهم أماكنهم نادى المنادي: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويثقل موازيننا؟ ويدخلنا الجنة؟ ويزحزحنا عن النار؟ فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نورٌ أشرقت له الجنة، فرفعوا رءوسهم؛ فإذا الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب ﵎ يضحك إليهم ويقول: يا أهل الجنة! فيكون أول ما يسمعون منه تعالى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني فهذا يوم المزيد؟ فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة! إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه، فيكشف لهم الرب ﷻ الحجب، ويتجلى لهم، ويغشاهم من نوره ما لو أن الله تعالى قضى ألا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تعالى محاضرة، حتى إنه ليقول: يا فلان! أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، يذكره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى، بمغفرتي بلغت منزلتك هذه. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم تجاوز عن سيئاتنا يا أرحم الراحمين. نعم. هكذا يحصل إخواني في الله كما ورد في الحديث الصحيح: ﴿أن الله يضع كنفه على عبده المؤمن ويقرره ببعض ذنوبه﴾ الله أكبر! ولكن يا إخواني علينا أن نبادر بالتوبة النصوح! مادام باب التوبة مفتوحاً؛ لأن نهاية التوبة يا إخواني إذا طلعت الشمس من المغرب، كما أخبر الرسول ﷺ : ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ ولكن هناك أمرٌ أقرب من هذا وهو قوله ﷺ : ﴿إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر﴾ أو كما قال ﷺ . فما يدريك يا عبد الله متى تبلغ الروح الحلقوم؛ لأن بعض الناس يدخل عليه الشيطان ويقول: أنت الآن في زمن الشباب، وبعد كبرك حين تبلغ من العمر كذا تتوب، فنقول له: لا يغرنك الشيطان، تب إلى الله ، كفى ما اقترفت من الذنوب يا عبد الله! تب وارجع إلى الله، وأنتِ يا أمة الله! بادري بالتوبة النصوح إلى الله . واسمع إلى هذا الخبر يا أخي! إن الله جل وعلا يأتي بالمؤمن ويضع عليه كنفه ويقرره ببعض ذنوبه، وفي تلك المحاضرة قال ابن القيم ﵀: ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تعالى محاضرة حتى إنه ليقول: يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، يذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول: يا رب ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى، بمغفرتي بلغت منزلتك هذه، يقول ابن القيم ﵀: فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة! ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة!

стр. 471

وصف جهنم وأحوال وارديها فيا إخواني! هؤلاء الذين يفرحون بالجنان، فما بال الذين يعصون الله ، وينتقلون من هذه الدنيا وقد تحملوا الأوزار والسيئات؟! نسأل الله العفو والعافية. ونحن نذكرهم لأننا إذا ذكرنا دار المتقين ودار الأبرار ودار النعيم واللذة، فلا بد من أن نعرج على ذكر دار المجرمين والعصاة والكفرة؛ لأنه لازم حتى يكون العبد بين الخوف والرجاء، وهذا مذهب السلف الصالح. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يؤمنه الله يوم البعث والنشور، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يساق إلى جنة عرضها السماوات والأرض ولا يجعلنا من أهل النار. يقول ﵀: يا ويل أهل النار قد باءوا بالخيبة والخسران، لقد حق عليهم العذاب، انظر يا أخي الفرق بين أهل النعيم وأهل الجحيم، إنهم في نار جهنم قد غلت أيديهم وأرجلهم إلى النواصي بالأغلال، إنهم في نار جهنم أمانيهم فيها الهلاك، وليس لهم من أسر جهنم فكاك، يسحبون في أودية جهنم على وجوههم صماً وبكماً وعمياً وقد ترداف عليهم العذاب، فتصوروا أهل النار وقد وصلت النار إلى أفئدتهم، تصوروا أهل النار وقد أطبقت عليهم النار، تصوروا أهل النار وهم يضربون بمقامع من حديد، تصوروا أهل النار وقد ازرقت عيونهم من شدة العذاب، تصوروا أهل النار وقد أحرقت وجوههم النار، تصوروا أهل النار والحيات تنهشهم والعقارب تلدغهم، تصوروا أهل النار وقد نضجت جلودهم، وكلما نضجت جلودهم تعاد. يا ويلهم من نار جهنم عليها ملائكة غلاظ شداد يضربونهم بمقامع من حديد، فيا ويلهم من النار، لهم فيها زفير وشهيق، قد ارتفعت أصواتهم بالبكاء؛ يبكون على تضييع العمر في غير طاعة الله، ينادون مالكاً كما أخبر الله جل وعلا: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]. عباد الله! إن سألتم عن أشكال أهل النار: فقد قال رسول الله ﷺ : ﴿ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع﴾ متفق عليه. وقال ﷺ : ﴿ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث﴾ رواه مسلم. وإن سألتم عن ثيابهم: فقد قال الله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠] ويقول ﷻ : ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩]. وإن سألتم عن طعامهم؟ فهو الزقوم والضريع والصديد والغسلين. وإن سألتم عن شرابهم: فهم يسقون في النار من عين آنية قد اشتد حرها: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] فيا ويلهم من النار، يقول الله ﷻ : ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٨] فعند ذلك يرجعون إلى أنفسهم باللوم كما أخبر الله عنهم: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦]. فيا إخواني في الله! أنتم الآن في زمن الإمكان، فالله الله بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعك؛ اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بتوبة نصوح، اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، اللهم أحسن ختامنا، واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة. اللهم آمنا يوم الفزع والنشور، اللهم يَمن كتابنا، ويسر حسابنا، وثقل موازيننا، وبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. اللهم اجعلنا على حوض نبينا من الواردين، ولكأسه من الشاربين، اللهم اسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وقاداتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 472

الشباب والقرآن ما هي علاقتنا بالقرآن؟ وكيف نتعامل معه؟ وكيف نتأثر به؟ وما هو واجبنا نحوه؟ هنا إجابات قيمة على هذه التساؤلات وغيرها، ولعل الذي يوضح الصورة أكثر هو النظر في حياة الجيل المثالي جيل القرآن، والحديث عن تلك الأجيال من السلف هو الغالب على هذه المادة. على أن تلك الخيرية للسلف قد تتعدى إلى أجيالنا المعاصرة إذا هي أحسنت التعامل مع كتاب ربها. وسارت على المنهج الذي ساره السلف الصالح.

стр. 473

أحوال الناس مع القرآن إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الإخوة في الله! ويا أيتها الأخوات في الله! حياكم الله في بيت من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب غمومنا وهمومنا، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين! أمة محمد ﷺ ! إنه القرآن الذي قال الله عنه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]. أيها الشباب! نبدأ أولاً بالشباب حثاً على تعلم القرآن، وكيف أحوال الشباب مع القرآن خاصة في هذه الأزمنة المظلمة، أزمنة الفتن والشهوات والمغريات، فوالله الذي لا إله غيره إننا بحاجة ماسة إلى الرجوع إلى كتاب الله . إن الأمة إذا أعرضت عن القرآن فلا تسأل عن أحوالها بأي واد تهلك، يقول عمر بن الخطاب: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] وعلى أي شيء تأسس الإسلام؟ على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ .

стр. 474

أهمية إخلاص النية في الأعمال فيا أمة محمد ﷺ ! الله الله بالقرآن، يا أمة القرآن! الله الله بالقرآن. يا شباب الإسلام! إن البعض من الشباب يسوء فهمه ويتردى حفظه، لماذا؟ لأنه إما أن يعتني بالقرآن لجائزة وعد بها أو هدية أو غيرها، ولا شك أن هذا يشحذ الهمم، ولكنه يضر في النية. أيها الشباب! إذا حفظ الشاب القرآن لأجل الجائزة، أو الهدية؛ فإن هذا يؤثر على نيته -نسأل الله العفو والعافية- فقد قال الرسول ﷺ : ﴿إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى﴾ وأخبر المصطفى ﷺ ، كما في صحيح مسلم وغيره عن قارئ القرآن الذي قرأ القرآن وتعلمه ليقال: إنه قارئ، أو يقال: إنه عالم، ما هو جزاؤه يوم العرض الأكبر على جبار الأرض والسماوات؟ ما هو جزاؤه يوم أن تبلى السرائر؟ ما هو جزاؤه يوم أن يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور؟ ﴿يؤتى به فيعرفه الله نعمه، فيقول: ماذا عملت؟ فيقول: قرأت فيك القرآن وتعلمت، فيقول له: كذبت، ولكنك تعلمت وقرأت ليقال: هو قارئ أو هو عالم فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه في نار جهنم﴾ والعياذ بالله. فيا شباب الإسلام! الله الله أحسنوا النية، وأخلصوا العمل لله، لماذا قرأت القرآن؟ لماذا طلبت العلم لتتحصل على هذا القرآن؟ اجعل مقصودك الأعظم هو أن تتميز بكتاب الله الذي قال الله عنه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. اقرأ القرآن وأخلص نيتك لله الواحد القهار ليرفعك الله بها درجات عالية، خير وأفضل من جوائز الدنيا وما فيها أتدري ما هي هذه الجائزة؟ يقول الرب جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] أين تلك الدرجات؟ إنها درجات الجنة، نسأل الله من فضله الجنة. أيها الشاب! اقرأ القرآن وأخلص العمل والنية لله وحده لا شريك له؛ لتحصل على هذه الخيرية التي أخبر بها أفضل الخلق محمد بن عبد الله ﷺ ، كما في صحيح البخاري قال ﷺ : ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾. أيها الشاب! اقرأ القرآن، وأخلص نيتك لله حتى يرفعك الله بهذا الكتاب كما قال ﷺ : ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين﴾. اقرأ هذا القرآن ليكون لك شفيعاً يوم القيامة: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] يكون لك شفيعاً بين يدي الله كما وعدك المصطفى ﷺ يوم أن قال في الحديث الصحيح: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة﴾.

стр. 475

وجوب العمل بأوامر القرآن اقرأ القرآن واعمل به؛ لتحوز على رضا الكريم ﷻ ولا تكن ممن قال عنهم الرسول ﵊: ﴿كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه﴾ نسأل الله العفو والعافية! كم من قارئ للقرآن ويتعدى حدود الله، كم من قارئ يقرأ قول الله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] يقرأ القرآن ويطلق بصره في الحرام والعياذ بالله، ينظر إلى النساء، ينظر إلى المردان، ينظر إلى الأفلام والمسلسلات، نسأل الله العفو والعافية. كم من قارئ للقرآن، وهو يتعدى حدود الله، يقول الرب جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] كم من قارئ يقرأ القرآن وهو يتعدى حدود الله ، يقول الرب جل وعلا في القرآن: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] كم من قارئ يقرأ القرآن وهو يتعدى حدود الله، ويرتكب جريمة اللواط والعياذ بالله، وربنا جل وعلا لما بين عقوبة قوم لوط قال جل وعلا: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] أي: الذين يتجرءون على هذه الفاحشة ويعملون هذه الفاحشة -فاحشة قوم لوط- نسأل الله العفو والعافية! كم من قارئ يقرأ القرآن وهو يبارز الله بالمحاربة بأكل الربا والتعامل بالربا، يقول الرب جل وعلا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. كم من قارئ للقرآن وهو يتمتع بسماع الأغاني والمزامير وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] يقول ابن مسعود ﵁: [[والله الذي لا إله غيره إنه الغناء]] يعني لهو الحديث. يقول ابن القيم ﵀ في كتابه إغاثة اللهفان عن الغناء: " هو بريد الزنا" الغناء بريد الزنا، الغناء رقية الشيطان، الغناء ينبت في القلب النفاق -نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة- فكم قارئ للقرآن وهو يتعدى حدود الله نسأل الله العفو والعافية.

стр. 476

كيفية التأثر بالقرآن أيها الشاب! نصيحتي لك أن تعرف كلام الله ، كلام الله المنزل على رسوله ﷺ ، ثم نرجع إلى عموم المسلمين الذين نزل عليهم القرآن ليخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، نزل على لسان رسوله ﷺ ، القرآن الذي قال فيه الله ﷻ : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. أمة الإسلام! يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن وفضله وجلاله، وأنه لو خوطبت به صم الجبال لتصدعت من خشية الله تعالى، فهذه هي حال الجبال وهي الحجارة الصلبة وهذه رقتها وخشيتها، وتدكدكها من جلال ربها وعظمته وخشيته: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] الله أكبر لا إله إلا الله! هذه الجبال تتصدع وتتدكدك من خشية الله ومن عظمته، فيا عجباً من مضغة لحم كانت أقسى من هذه الجبال! تخوف من قسوة الجبار وبطشه فلا ترعوي ولا ترتدع ولا تلين، وتتلى عليها آيات القرآن فلا تخشع ولا تنيب، هذه أحوال الكثير في هذه الأزمنة المظلمة، أزمنة الفتن والمغريات. يا أمة محمد ﷺ ! ألا نبحث عن العلاج؟ ألا نبحث عن العلاج يا أمة محمد ﷺ ونحن نتحدث دائماً ونقول: لماذا لا نجد تلك اللذة التي وجدها سلفنا الصالح؟ لماذا نسمع عن السلف الصالح وعن أحوالهم مع القرآن، فلماذا لانبحث عن العلاج حتى نكون مثل هؤلاء؟

стр. 477

الأدعية المأثورة سبيل لتحصيل لذة القرآن أولاً: اسمع إلى هذا الدعاء من رسول الله ﷺ وهو أفضل الخلق، وهو الذي أنزل عليه القرآن، يقول ﷺ : ﴿اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع﴾ الله أكبر! اللهم صلِّ على محمد، يقول ﷺ : ﴿اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع﴾ فكم من إنسان أتعب نفسه في هذه الحياة في علوم كثيرة لكن نفعها قليل أو معدوم النفع وأعرض عن كتاب الله ، أعرض عن القرآن يا أمة محمد ﷺ . فإلى الله المشتكى، إلى الله المشتكى، إلى الله المشتكى! يقول ﷺ : ﴿اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع﴾.

стр. 478

تأثر الرسول ﷺ بالقرآن عباد الله: اسمعوا إلى نبيكم ﷺ الذي أمرتم بالاقتداء به والاهتداء بهديه، الذي ترككم على محجة بيضاء ليلها كنهارها ﷺ ، قال صلوات ربي وسلامه عليه لـ عبد الله بن مسعود ﵁: ﴿اقرأ عليّ القرآن -الله أكبر لا إله إلا الله- قلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك الآن، قف يـ ابن مسعود -فلا إله إلا الله- يقول ابن مسعود ﵁: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان﴾ والحديث متفق عليه. ويقول عبد الله بن الشخير ﵁: ﴿أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾. وفي صحيح مسلم ﴿أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم:٣٦] وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فرفع يديه ﷺ بعد أن قرأ هذه الآيات وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى ﷺ ، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله ما يبكيه، فأتاه جبريل فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك﴾ الله أكبر! هذه حال الرسول ﷺ مع القرآن يا أمة محمد ﷺ ! يقول ابن مسعود ﵁: [[لا تهذوا القرآن هَذَّ الشعر, ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه، وحركوا بها القلوب]] الله أكبر! كرر الآية أخي في الله، مرة، مرتين، ثلاث مرات حتى تدخل في سويداء القلب، فإذا دخلت في سويداء القلب وخشع القلب ولان واقشعر الجلد ودمعت العينان؛ فأبشر بفضل الله ﷻ نسأل الله من فضله. يقول الرسول ﷺ : ﴿عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله -لا إله إلا الله- وعين باتت تحرس في سبيل الله﴾ وفي رواية: ﴿عين غضت عن محارم الله﴾.

стр. 479

أحوال السلف مع القرآن اسمع أخي في الله إلى أحوال السلف مع القرآن.

стр. 480

حال الصدِّيق مع القرآن هذا أبو بكر الصديق رضي الله خليفة رسول الله ﷺ ، الذي سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة -يا عبد الله! هذا خير- فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ -لا إله إلا الله- قال: نعم. وأرجو أن تكون منهم﴾ من هذا؟ إنه أبو بكر الصديق ﵁ لكن كيف حاله مع القرآن؟ كان خاشعاً ﵁، ويوصف بأنه رجل أسيف، أي من كثرة البكاء ﵁. كان إذا وقف في المحراب يصلي لا يكاد يفهم ما يقول من كثرة البكاء ﵁ وأرضاه، من هذا؟ إنه أبو بكر الصديق ﵁، ومع ذلك هو من المبشرين بالجنة. نسأل الله أن يرزقنا قلباً خاشعاً. اللهم ارزقنا قلباً خاشعاً يا رب العالمين!

стр. 481

حال الفاروق مع القرآن أخي في الله! من أحوال السلف مع القرآن: هذا عمر بن الخطاب ﵁، الذي أخبره رسول الله ﷺ وقال: ﴿دخلت الجنة -أو أتيت الجنة- فأبصرت قصراً فقلت لمن هذا؟ قالوا: لـ عمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك، قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي يا نبي الله! أومنك أغار؟!!﴾ وفي رواية: ﴿بكى عمر ﵁ وأرضاه﴾ الرسول ﷺ هاله قصر في الجنة، يقول ﷺ لـ عمر: ﴿والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾ عمر بن الخطاب ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومع ذلك كان من أكثر الناس خشوعاً، وكان من أرق الناس قلباً، وكان يدعو ربه، ويقول: [[اللهم إني قاسٍ فليني]] وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء ﵁ وأرضاه، كان يقرأ في صلاة الفجر، قرأ مرة في صلاة الفجر ﵁ وأرضاه سورة يوسف فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] لما وصل هذه الآية خنقته العبرة وأخذ يبكي بكاء شديداً، وما استطاع أن يقرأ شيئاً بعد ذلك، وكان عمر يمر بالآية من ورده فتخنقه العبرة فيبكي حتى يسقط على الأرض. وفي مرة من المرات سمع قارئاً يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:٧ - ٨] فجعل يبكي ﵁ حتى جعل الناس يعودونه شهراً كاملاً من جراء هذه الآية، إنه عمر بن الخطاب ﵁، هذه أحوالهم مع القرآن حتى وهو في آخر حياته، بعدما طعن وهو في النزع وقد أوشك على الموت يقول لابنه عبد الله وقد وضع رأسه على فخذه: ضع خدي على الأرض -لا إله إلا الله، الله أكبر- فقال: يا أبتي! وهل فخذي والأرض إلا سواء، فقال: ضع رأسي على الأرض، كما أمرتك، فوضعه فمسح خديه بالتراب، ثم قال: [[ويل لأم عمر إن لم يغفر الله لـ عمر ثم قال ﵁ وأرضاه: إذا قبضت فأسرعوا بي إلى حفرتي فإنما هو خير تقدموني إليه، أو شر تضعونه عن رقابكم]] هذا عمر يقول هذا، وهو من المبشرين بالجنة ﵁ وأرضاه. هذه هي أحوال سلفنا مع القرآن يا أمة محمد ﷺ ! وما الذي جعلهم في هذه الحال إلا فعل القرآن في قلوبهم يا أمة محمد ﷺ !

стр. 482

حال عثمان مع القرآن وهذا عثمان ﵁ وهو أيضاً من المبشرين بالجنة وممن عرف بشدة حيائه كان يسمى بـ ذي النورين، وله مواقف عظيمة في الإسلام، ومع ذلك كان يقرأ القرآن كثيراً ﵁ حتى يقال: إن يديه أثرت في مسك القرآن من مسكه له وكثرة تلاوته للقرآن ﵁ وأرضاه. عثمان بن عفان ﵁ الذي روى عن رسول الله ﷺ قوله: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ ويقول ﵁: [[لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم]] لا إله إلا الله، لو طهرت قلوبكم! من يخاطب في زمانه؟! يخاطب الصحابة ﵃ وأرضاهم، أجل كيف بزماننا الذي امتلأت القلوب فيه من حب المسلسلات والأفلام والبلوت، وغيرها من الملهيات وأثرت عليها عوامل الدنيا والمغريات إلا من رحم الله ، اللهم أشفِ مرض قلوبنا، يقول عثمان بن عفان ﵁: [[لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم]] إنه القرآن يا أمة القرآن!

стр. 483

نظرة علي إلى الدنيا أيضاً علي بن أبي طالب ﵁: اسمع إلى تلك الأحوال التي أثر بها القرآن: صلى علي بن أبي طالب ﵁ صلاة الفجر في يوم من الأيام فجلس حزيناً مفرقاً، فلما طلعت الشمس قبض على لحيته وأخذ يبكي ويقول: [[يا رب! يا رب! يا رب! وجعل يناجي ربه تعالى، ثم قال: لقد رأيت أصحاب النبي ﷺ فما رأيت شيئاً بشبههم -الله أكبر! كيف أحوالهم- كانوا يصبحون شعثاً غبراً صفراً بين أعينهم كأمثال ركب المعزة من كثرة السجود، قد باتوا لله سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله وهطلت أعينهم بالدموع، والله لكأن القوم باتوا غافلين، وما رؤي بعد ذلك مبتسماً حتى لحق بربه ]] لا إله إلا الله! أولئك الرجال الذين وصفهم في القرآن ربنا جل وعلا قال: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]. عرفوا عظمة القرآن فقاموا بكلام الله جل وعلا حق قيام، ولذلك مدحهم الله جل وعلا في القرآن، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، يقول الرسول ﷺ عن عبد الله بن عمر ﵁: ﴿نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل، يقول: فما ترك قيام الليل حتى توفاه الله﴾ ﵁ وأرضاه. اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، إذا دخلت حلاوة القرآن في قلب المؤمن وعرف القرآن واهتدى بهدي القرآن واستنار بنور القرآن؛ عَرَّفه الحق من الباطل؛ وعَرّفه الحلال من الحرام؛ ودله على عبادة الله ؛ وقاده إلى كل خير. إنه القرآن. هذا علي ﵁ وأرضاه يصفه ضرار الكناني لما طلب معاوية ﵁ من ضرار الكناني أن يصف علياً فقال: [[يستوحش من الدنيا -الله أكبر لماذا؟ لأن القرآن حل في قلوبهم- يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ الذليل -أي: تململ الملدوغ الذي لدغته العقرب- ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا! ثم يقول للدينا: إلي تغررت، إلي تشوقت، هيهات، هيهات غري غيري قد بتتك ثلاثاً -لماذا بتتها ثلاثاً يا علي رضي الله عنك وأرضاك؟ فيخبرك: يا من اغتر بالدنيا فيقول- عمرك قصير، ومجلسك حقير، آه آه من قلة الزاد! وبعد السفر! ووحشة الطريق!]]. هكذا يقول علي ﵁ وهو ابن عم رسول الله ﷺ وأحد الخلفاء الراشدين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، أجل كيف أحوالنا يا أمة محمد ﷺ ؟! لا إله إلا الله! يقول: آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، كيف أحوالنا أهل التفريط والإضاعة. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! ما أجمل أحوال السلف ﵃ وأرضاهم. فيا عباد الله تذكروا دائماً أحوال السلف الصالح، لعل الهمم أن تعلو، فتقتدون بهم، وتحذون حذوهم في أخلاقهم وعباداتهم ومعاملاتهم، قال بعضهم ﵀: من يرد ملك الجنان فليدع عنه التواني وليقم في ظلمة الليل إلى نور القران وليصل صوماً بصوم إن هذا العيش فاني إنما العيش جوار الله في دار الأمان

стр. 484

سبب بكاء أبي هريرة نسأل الله من فضله، فيا أمة محمد ﷺ ! أحوال السلف عجيبة، فهذا أبو هريرة ﵁ الذي تتلمذ على رسول الله ﷺ ، وتخرج من مدرسة محمد بن عبد الله ﷺ ، وحفظ الكثير من أحاديث رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: [[يبكيني بعد المفازة، وقلة الزاد، وضعف اليقين، والعقبة الكئود، التي المهبط منها إما إلى الجنة وإما إلى النار]] لا إله إلا الله، الله أكبر!

стр. 485

خوف حذيفة ورجاؤه وهذا حذيفة ﵁، صاحب سر رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة، يقول: [[اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، وقيام الليل، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء في حلق الذكر]]. الله أكبر! هذا حال الصالحين على سرير الموت: دموع وأحزان، أسف وندم، بكاء وتأنيب وإساف، كانوا على ما هم عليه من علم وعمل وزهد وورع ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] ومع ذلك بكوا عند فراق الدنيا، لا بكاء الحزن عليها -إي وربي- لا بكاء الحزن عليها ولكن بكاء توديع الأعمال الصالحة، توديع الصلاة والصيام، توديع الزكاة والحج، وتوديع قراءة القرآن، وتوديع الدعاء والاستغفار.

стр. 486

نصيحة يزيد الرقاشي للأحياء فهذا يزيد الرقاشي لما حضرته الوفاة يقول لنفسه: [[ويحك يا يزيد! من ذا الذي يصلي عنك بعد الموت؟! من ذا الذي يصوم عنك بعد الموت؟! من الذي يتوضأ عنك بعد الموت، ثم قال ﵀: أيها الناس: ألا تبكون على أنفسكم باقي حياتكم! من كان الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا منتظر الفزع الأكبر، وكيف يكون حاله؟!]]. الله أكبر! إي والله، كيف يكون حاله يا أمة محمد ﷺ ! فبالله عليكم خذوا بنصيحة هذا الرجل، نسأل الله أن يغفر لنا وله، اللهم اغفر لنا وله، اللهم اغفر لنا وله ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. أخي في الله! يقول ﵀: [[أيها الناس! ألا تبكون على أنفسكم باقي حياتكم، من كان الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنسيه، وهو مع هذا منتظر الفزع الأكبر كيف يكون حاله؟!]] الله أكبر! وربنا جل وعلا قال في محكم القرآن: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] التقوى: الزاد الذي ينتقل به الإنسان من هذه الدار، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا مات الإنسان انقطع عمله﴾ ينقطع العمل فلا صلاة ولا صيام ولا حج، لا ذكر ولا تلاوة للقرآن، يقطع العمل فكيف نفرط بهذه الأوقات يا أمة محمد؟! اللهم رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، مجيب دعوة المضطر إذا دعاه اللهم اشفِ مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشفِ مرض قلوبنا، اللهم أيقظنا من غفلتنا يا رب العالمين!

стр. 487

بكاء عمر بن عبد العزيز مع أهله وجيرانه هذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في يوم من الأيام بكى بكاءً شديداً، فأخذت زوجته تبكي لبكائه وهي لا تدري ما الذي أبكاه، ثم أخذ البيت كله يبكي لبكائه وهو لا يستطيع أن يتكلم، ثم سمع الجيران بكاءهم، فأخذ الجميع يبكون لبكاء عمر بن عبد العزيز ﵀، فلما سكت وأفاق من بكائه قيل له: يا أمير المؤمنين ما الذي أبكاك؟ قال: [[تذكرت منصرف القوم بين يدي الله ]] لا إله إلا الله الله أكبر، الله أكبر! يا لها من أحوال يا أمة محمد ﷺ ! إن هذه الأحوال تحيا بها القلوب، تذكر المنصرف، تذكر الموت، تذكر القبر، تذكر الجنة والنار، ولذلك يقول الرسول ﷺ : ﴿أكثروا ذكر هادم اللذات﴾ ويقول ﷺ : ﴿زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة﴾ ويقول ﷺ : ﴿لا تنسوا العظيمتين، لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار﴾. هذا عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، لما أفاق من بكائه أخبرهم ﵀ فقال: [[تذكرت منصرف القوم بين يدي الله فتذكرت هل أنا من أصحاب الجنة، أم من أصحاب السعير؟]] من هذا؟ إنه عمر بن عبد العزيز ﵀. إذا كان مثل عمر يتذكر هذا الموقف ويخاف على نفسه مع علمه وزهده وورعه، بل إن بعضهم عده خامس الخلفاء الراشدين ﵀ فكيف بالمقصرين، وكيف بالمذنبين، وكيف بأصحاب القلوب القاسية الذين تمضي حياتهم وهم في غفلة وإعراض؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 488

ليلة مع مالك بن دينار يروي -أيضاً- عن مالك بن دينار ﵀ أحد أقاربه، فيقول: يموت مالك بن دينار وأنا لا أدري ما عمله، فاختبأ يوماً من الأيام ليرى ما هو عمل مالك، فيقول: فجاء مالك ﵀ فدخل فقرب رغيفاً فأكله، ثم قام إلى الصلاة فاستفتح، ثم أخذ بلحيته، فجعل يقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار، جعل يكرر هذه. يقول: فو الله ما زال حتى طلع الفجر وهو يردد هذا الدعاء، يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. قال الحارث بن سعيد: كنا عند مالك بن دينار وعندنا قارئ يقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:١ - ٦] يقول فجعل مالك ينتفض والقوم كلهم يبكون حتى بلغ قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. قال: فجعل مالك يبكي ويشهق حتى حصل له ما حصل في ذلك المجلس، وكان يقول: عجباً لمن يعلم أن الموت مصيره والقبر مورده، كيف تقر عينه؟! وكيف يطيب بها عيشه؟! حتى يبكي ويشتد بكاؤه! ﵏ برحمته الواسعة، هذه بعض أحوال السلف يا أمة محمد ﷺ .

стр. 489

وقفة محاسبة: أحوالنا مع القرآن ثم نقف مع أنفسنا قليلاً ونحاسبها يا أمة محمد ﷺ ، هل هم أكبر منا أجساماً؟ ألسنا ولله الحمد نعيش في أمن وصحة ورغد عيش وانفتحت علينا الدنيا، فلماذا لا نقدر هذه النعمة، ونشكر الله ؟ أتظن أنه يكفي أن نقول: الحمد لله باللسان؟ لا. بل لا بد أن نشكر الله باللسان والقلب والجوارح، حتى نقوم بشكر هذه النعمة لله الواحد القهار، نسأل الله أن يجعلنا من الشاكرين الذاكرين إنه على كل شيء قدير.

стр. 490

إرشاد إلى اغتنام الأوقات أخي في الله! استمع إلى بعضهم ﵀ وهو يرشدك إلى اغتنام أوقات العمر، قبل فواتها فيقول: قم الليل يا هذا لعلك ترشد إلى كم تنام الليل والعمر ينفد يا شباب الإسلام! المجال مفتوح والفرصة مهيأة. أراك بطول الليل وحدك نائماً وغيرك في محرابه يتهجد ولو علم البطال ما نال زاهد من الأجر والإحسان ما كان يرقد وصام وقام الليل والناس نوُّم يخلو برب واحد متفرد بحزم وعزم واجتهاد ورغبة ويعلم أن الله ذا العرش يعبد الله أكبر! ما هي أحوال الكثير من الناس الآن؟ مع الأسف الشديد طول الليل سهر. مع الملهيات والمغريات، مع الفتن التي أعمت القلوب، وصدت عن عبادة علام الغيوب، ووقع الكثير منهم تحت قوله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] نسأل الله العفو والعافية. اللهم اجعل حياتنا كلها سعيدة، اللهم وفقنا لاغتنام أوقات العمر في طاعتك يا رب العالمين! ثم يقول ﵀: ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً مخلد أترقد يا مغرور والنار توقد فما حرها يطفا ولا الجمر يخمد فيا راكب العصيان ويحك خله ستحشر عطشاناً ووجهك أسود فكم بين مشغول بطاعة ربه وآخر بالذنب الثقيل مقيد فهذا سيعد في الجنان منعم وهذا شقي في لجحيم مخلد هذا المشغول بطاعة ربه، وهذا شقي في الجحيم مخلد، ثم يقول ﵀ وهو يصف ذلك الموقف: كأني بنفسي في القيامة واقف وقد فاض دمعي والمفاصل ترعد وقد نصب الميزان للفصل والقضا وقد قام خير العالمين محمد ﷺ .

стр. 491

مكانة القرآن وأهمية توثيق الصلة به فيا عباد الله! الله الله بالرجوع إلى كتاب الله، فالعاقل -والله- من يكثر تلاوته للاهتداء بهديه والاسترشاد بمواعظه، والاعتبار بقصصه، والالتقاط من درره وحكمه، والاستضاءة بنوره، كيف لا وهو أساس الفصاحة وينبوع البلاغة والبراعة؟ القرآن أساس الشريعة الإسلامية، منه تستمد الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية، يقول الرب جل وعلا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. أمة الإسلام: إنه القرآن كلام الله، عمادنا في أمر ديننا ودنيانا، فهنيئاً لمن قرأ القرآن، يقول رسول الله ﷺ : ﴿اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ وهنيئاً لمن عمل بالقرآن، يقول رسول الله ﷺ : ﴿يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما﴾ رواه مسلم. أمة الإسلام! كفى بالقرآن واعظاً ومذكراً وهادياً ودليلاً إلى الله ، كفى بالقرآن معرفاً بالله وبأسمائه وصفاته وآلائه. أمة القرآن! إن القرآن كما أخبر الله عنه شفاء لما في الصدور، شفاء لها من مرض الشك والجحود والاستكبار على الحق أو الاستكبار على الخلق، القرآن شفاء لما في الصدور من الرياء والنفاق، والحسد، والغل، والحقد، والبغضاء، والعداوة للمؤمنين، وكما وصف ﷺ المجتمع الإسلامي يوم أن كان القرآن هو إمامهم يهتدون به ويقتدون به، يقول ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ الله أكبر! إنه القرآن شفاء لما في الصدور من الهم والغم والقلق، فلا عيش والله أوسع من عيش المتعظين بالقرآن المهتدين بهدي القرآن، ولا نعيم أتم من نعيمهم؛ لما هم فيه من شرح الصدور بالإيمان بالله، والسرور بطاعته وعبادته، إذا قاموا ينادون ربهم بكلامه الذي قال الله عنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. أمة الإسلام! الله الله بالقرآن، اهتدوا بهديه، وسيروا على ضوئه، واستنيروا بنوره؛ لتخرجوا به من الظلمات إلى النور، ويهديكم إلى خالقكم، ويوصلكم إلى دار كرامته. أمة الإسلام! إن هذه الموعظة التي جاءتكم من ربكم هو القرآن العظيم، وما فيه من أخبار صادقة نافعة، وأحكام عادلة، فيها مصلحة للخلق، ليس في دينهم فحسب، ولكن في دينهم ودنياهم، فأكرم وأنعم بهذا القرآن ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] هذا القرآن الذي قال الله عنه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢] ولكن لمن؟ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢].

стр. 492

من آثار القرآن في الحياة والممات يقول الرب جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩] يقول الرب جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].

стр. 493

رائحة طيبة تدوم ثلاثة أشهر أيها الشباب! هذه قصة حصلت لأحد الشباب الذين حفظوا القرآن: شاب مكث عند عمه يتيم الأب والأم، مات والده وماتت أمه، وهو في الصغر فاعتنى به عمه -جزاه الله خيراً- فأدخله مدرسة القرآن. فحفظ هذا الشاب القرآن، وبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، لكنه مرض هذا الشاب -الله أكبر لا إله إلا الله- وكان عند عمه، وكان يمرضه، وانتهى أجله ومات هذا الشاب، يقول: مات في أول النهار فقال عمه: أنام وأرتاح وإذا قرب الظهر أقوم وندعو الأهل فيغسلونه ويكفنونه ونصلي عليه. ولما نام هذا الرجل يقول: وإذا أنا بجاريتين من أحسن النساء تقولان لي: عجل علينا بهذا الشاب، عجل علينا بهذا الشاب، يقول: فقمت وأنا مذعور. يقول: فدعوت الجماعة، وغسلناه وكفناه، وصلينا عليه، يقسم بالله أنه وجد في تلك الغرفة التي مات فيها هذا الشاب رائحة مكثت ثلاثة أشهر ما وجد مثل تلك الرائحة، رائحة طيب نسأل الله أن يجمعنا وإياه تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 494

شاب يجد رائحة الجنة وشاب آخر يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً أطلق عليه أخوه الرصاصة عن طريق الخطأ، كان يمزح معه ويشير عليه فانطلقت الرصاصة من البندقية، فدخلت في نخاع ذلك الشاب الذي يبلع من العمر سبعة عشر عاماً وكان مستقيماً على طاعة الله؛ فحمل إلى المستشفى ومعه والده ووالدته، يلتفت إلى أمه، وإلى أبيه وهما يبكيان ويقول: يا أماه! يا أبتاه لا تبكيان، أنا ميت ميت، ولكني والله أرح رائحة الجنة، يقول: والله إني لأرح رائحة الجنة، يقول الدكتور خالد الجبير الذي باشر العملية، فأدخلناه غرفة العمليات وجعلنا نخرج منه الرصاصة فجعل ينظر إلي ويقول: يا دكتور لا تتعب أنا ميت ميت لكني والله أرح رائحة الجنة، أدخل عليّ أبي وأمي حتى أودعهما، يقول: فأدخلنا عليه أمه وأباه فودعاه، فلم يلبث إلا قليلاً وقد مات، الذي يقول: والله إني لأرح رائحة الجنة، يقول الدكتور: فخرجت من غرفة العمليات وقد انبهرت من هذا المشهد الذي رأيته، منذ عشرين سنة وأنا في هذه الغرفة ما مر عليّ مثل هذا المشهد، يقول فوقفت مع والده معزياً، فقلت: أخي في الله أخبرني عن هذا الابن كيف حاله؟ قال: إن سألتني فهو من حفظة القرآن -لا إله إلا الله- من حفظة القرآن. ويقول: وكان محبباً إليه حلق القرآن، وفيه خصلة ما رأيتها في كثير من الناس، ما هي؟ قال: إذا بدأ يقرأ القرآن بدأت عيناه تدمعان، بدأت عيناه تذرفان بالدموع -لا إله إلا الله! - هنيئاً لك أيها الشاب يقول: والله إني لأرح رائحة الجنة وهو على وجه الأرض، نسأل الله أن يجمعنا وإياه في جنته إنه على كل شيء قدير. نعم أيها الإخوة في الله! هذا الشاب الذي يرح رائحة الجنة، لماذا؟ لأنه من حفظة كتاب الله ، وحبب إليه حلق القرآن في المساجد، وأيضاً تلك الحالة التي أخبر بها والده: أنه إذا بدأ يقرأ القرآن تذرف عيناه بالدموع، لا إله إلا الله! بالله عليك ألم تقرأ كتاب الله ؟ كيف أحوال أولياء الله الذين يقرءون القرآن؟ يقول الرب جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٨] ويقول جل وعلا: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم:٥٨] ويقول جل وعلا: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٩]. وأخبر جل وعلا أن البكاء يزيدهم خشوعاً -الله أكبر- أيضاً يخبر الله جل وعلا عن العلماء أنهم أهل خشية لله فيقول سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:٢٨] فأعلمهم بالله أشدهم خشية لله تعالى، ولهذا يقول إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين وأفضل الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله ﷺ : ﴿والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم به لما ألقى﴾.

стр. 495

أحوال أهل الإيمان مع القرآن عباد الله! إنها أحوال أهل الإيمان عند تلاوة القرآن وعند سماع آيات القرآن: وجل القلوب، ودموع العين، واقشعرار الجلود كما أخبر الله عنهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين، اللهم اجعلنا منهم يا أكرم الأكرمين: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] أيضاً من أحول السلف: هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قرأ قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:١ - ٦]. فلما أتى على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] بكى حتى انقطع عن قراءة ما بعدها، هذه حال سلف الأمة وصلحاؤها وخيارها، يمر أحدهم على ذكر النار فينخلع قلبه خوفاً منها، ورهبة من أوالها، ونكالها وخشية من عذابها وآلامها، ويمر بذكر الجنة ونعميها، وما أعد الله فيها لأوليائه فتشتاق نفسه إلى ذلك النعيم المقيم، وفي هذا وذاك يتأثر بما يقرأ؛ فتدمع عيناه ويخشع قلبه.
следующие страницы →