Полный текст (1 664 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قيام الليل والمحافظة على صلاة الفجر
السؤال
ما هي الأمور التي تساعد على قيام الليل والمحافظة على صلاة الفجر؟
الجواب
الحمد لله، اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا إلى الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أيقظنا من رقداتنا، اللهم وفقنا لاغتنام أوقات المهلة قبل النقلة من هذه الدار، يا رب العالمين.
أيها الإخوة! إذا أراد الإنسان أن يقوم فعليه عدة أمور:
أولاً: أن يصدق النية مع الله .
ثانياً: أن يهتدي بهدي الرسول ﷺ ، بأن ينام مبكراً يترك السهر.
ثالثاً: عدم الإكثار من الطعام عند النوم.
رابعاً: أن يضع عنده منبه، أو يقول لأحد جيرانه: أخي في الله! احتسب الأجر واطرق عليَّ الباب، أو حرِّك علي الهاتف.
هذه الأمور كلها بسيطة -ولله الحمد- لكن أقول لكم: إن الأمر الأساسي هو أن نُخلص النية لله ونطبق هدي الرسول ﷺ وهذا هو الحل لما حل بالأمة من هذه الأمراض الخطيرة، وإنك لا تجد قرية ولا هجرة ولا مدينة إلا وهذا الأمر قد أدخن فيهم، نسأل الله العافية، وهو السهر؛ هذا السهر حرمنا أشياء كثيرة:
أولاً: حرمنا الاهتداء بهدي الرسول ﷺ .
ثانياً: إذا ذهب وقتٌ من الليل، وقت قيام السلف الصالح، قمنا نملئ البطون وننام، والله يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] الله هو الذي يرزقنا شكر النعمة، لكن هل من شكر النعمة أننا نملأ البطون وننام عن صلاة الفجر؟!
صلينا الفجر في مسجد في مرة من المرات وما وراء الإمام إلا اثنين، واحد إمام ومؤذن في نفس الوقت، يقول: أُأذن ثم أنتظر وأنتظر فلا يجئ أحد، وأغلق المسجد، وأذهب إلى مسجد آخر أصلي، هل هذه الأحوال تسر يا إخواني؟!
هل هذه من شكر نعم الله علينا؟! لا والله ليست هذه من علامات الشكر، ولكننا نرى أمناً واستقراراً وصحةً ورغد عيش، ونحن ما زلنا في تقصير، فلنرجع إلى ما ورد في الأثر: [[إذا رأيت العبد يُصر على المعصية والنعم تدر عليه، فاعلم أنما ذلك استدراج]] نسأل الله العافية، استدراج يأخذهم الله على غرة، فنسأل الله -جل وعلا- أن يهدينا ويوفقنا للاهتداء بهدي نبينا محمد ﷺ .
المهم الذي أكرره وأقول: احذروا السهر! احذروا السهر! احذروا السهر! يا أمة محمدٍ ﷺ .
стр. 527
أسباب حياة القلب وموته
يقول ﷺ : ﴿ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾ وفي هذا الحديث دلالة على أهمية القلب والاعتناء به، والعمل بأسباب حياته، والحذر من أسباب موته.
وأسباب موت القلب كثيرة منها: عدم المبالاة بأوامر الله، وعدم المبادرة إلى طاعته، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسماع الأغاني.
стр. 528
موت القلوب
الحمد لله الذي قلوب العباد بيده يقلبها كيف يشاء، ويصرفها على ما يريد، أحمده وأشكره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وراقبوه، اتقوا من يعلم السر وأخفى.
عباد الله: يقول رسول الله ﷺ : ﴿ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾ الله أكبر! الله أكبر! قدر المُضغة، قدر ما يمضغ الإنسان، فهي لحمة في جسم الإنسان، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
القلب هو المسيطر، هو الملك على الأعضاء كلها؛ لذلك يخبرنا ﷺ بهذا التوجيه، ليحث أمة الإسلام على حفظ تلك الأوعية، وحمايتها، ووقايتها من الأخطار.
عباد الله: القلب هو مصدر سعادة الإنسان وشقاوته، ومن القلب تنبعث حياته الروحية أو موته المعنوي، أجل يا عباد الله.
يا أمة الإسلام: هل أعطينا قلوبنا ما تستحقه من حماية؟
هل أحطنا قلوبنا بسياج الإيمان الكامل؟
إن معظم الأمة بل الأكثرون منها فرطوا في هذه الناحية الحساسة، وتركوها حتى دخلها ذئب الإنسان وهو الشيطان، فجعل يخطط للأعضاء، ويأمرها وتفعل تلك الأوامر، حتى أصبح الأكثرون في أسر الشيطان وقيوده، ووقعوا في أعظم داهية، وأصيبوا بأعظم الأدواء، ألا وهو فقدان الإحساس الروحي، وموت الضمير المعنوي، الذي غطى القلوب وران عليها، فأصبحت كالحجارة، لا تتأثر بآية ولا بوعظ، ولا تستجيب لنداء الإسلام، ولا تستفزها نُذُر القرآن، ولم يؤثر بتلك القلوب ما يصل إلى أسماعها من الآيات الكونية والعبر، فإذا سَمِعَت بالرياح المدمرة، قال أهلها: هذه أعاصير بسيطة؛ لأنها لم تكن حولنا، وإذا سمعوا بالزلازل قالوا: هذه براكين، وإذا سمعوا بالفيضانات قالوا كلمات لم نستطع لها تعبيراً، كل هذا من موت القلوب، وعدم إحساسها، وعدم الواعظ الإيماني.
أجل -يا عباد الله- إن ما أصاب المجاورين فيه موعظة وعبرة لنا، إنها رياح، وزلازل، وفيضانات، وحروب طاحنة، وأمراض وأوبئة، لقد كفانا ما نسمع، وما نرى في تلك الآلات وما يُنقل لنا من تلك البلدان.
أمة الإسلام: لعله يكفينا ما نسمع، وما نرى في تلك البلدان خلال تلك الآلات من الحوادث المفزعة، والكوارث المدمرة التي جَعَلَت أهل تلك البلدان شَذَرَ مَذَرَ، وفَرَّقَتْهُم في كل ناحية، ومَزَّقَتْهُم كل ممزق.
إنها عبر ومواعظ، فهل من مُدَّكِر؟
أمة الإسلام: لقد ذقنا النعمة، وشبعنا وما اكتفينا حتى جعلنا فضلات اللحم والطعام الذي يحتاج إليه بعض المسلمين في براميل الزُّبالة، إنها حالة محزنة، تقشعر منها الجلود.
عباد الله: إن موت القلوب أغفل الكثير عن الاهتمام بدين الإسلام.
يا أمة الإسلام: إن موت القلوب وغفلتها فتحت المجال لأعداء الإسلام، حتى تداعت أمم الشر على الإسلام من كل حدب وصوب، وغزوا العقائد والأخلاق، وبذروا الفتن وأجّجوا نارها بين المسلمين، وأدخلوا البدع فاستحسنها أهل الإسلام، ويا للأسف الشديد! كل ذلك نتيجة موت القلوب، وصارت تلك أمام الكثير سراب لا حقيقة له، وكأنها أضغاث أحلام، لا يُتَوقع لها تأويل، ولا يُفَكر فيما تولده من الشرور عياذاً بالله، اللهم عياذاً بك من مضلات الفتن، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
أجَل -يا عباد الله- كل ذلك نشأ من موت القلوب، وعدم الشعور، وعدم التضلع بمسئوليتها وواجبها أمام الله، بل وواجبها، بل وخوفها من مكر الله: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
стр. 529
أسباب موت القلوب
إن موت القلوب الذي عمَّ الأكثرين له أسباب، فعلموها يا عباد الله:
السبب الأول: عدم المبالاة بأوامر الله، وعدم المبادرة إلى طاعة الله:
لقد خلت المساجد من كثير من شباب المسلمين إلا ما قلَّ.
السبب الثاني: عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
نساءٌ في الأسواق متبرجات، إِلْيَة الرَّجُل بإِلْيَة المرأة، وكأنه زوجها في الأسواق.
السبب الثالث: أكل الحرام: إن موت القلوب الذي يعاني منه البعض من الناس من أسبابه: أكل المحرمات، ومن هذه المحرمات: الربا، الرشوة، الغش، الخداع.
بيع المحرمات، كالدخان والمخدرات وآلات اللهو بأنواعها، وسماع آلات اللهو حرام، وثمنها حرام، وهناك قاعدة فقهية تقول: (ما حَرُم استعماله حَرُم ثمنُه).
أمة الإسلام: أين الورع؟ أين القناعة؟ أين العفة؟ الحلال: ما حَلَّ بأيدينا، والحرام: ما تعذر علينا أخذه.
إن الحياة الدنيا ليست بدار بقاء، إنها دار عمل، والحساب بدار الجزاء الثاني، يوم القيامة، يومٌ عظيمٌ، تبرز فيه الكامنات، وتظهر فيه الحقائق، وتنكشف النيّات، يوم تنشر فيه الدواوين، يوم تَبِيْن فيه النتيجة، أيُّنَا الناجح من الراسب؟ إنه يوم عظيم، وأعظم دليل على عظمة ذلك اليوم كثرة أسمائه بالقرآن العظيم، إنه يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] أين القلب السليم؟ ما هو القلب السليم؟
القلب السليم هو: الصحيح الممتلئ بمحبة الله وإجلاله وتعظيمه.
القلب السليم هو: المتحلي بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
القلب السليم هو: الخالي من كل شبهة تعارض خير الله.
نعم.
القلب السليم هو: الخالي من كل شهوة تميل إلى ما حرم الله.
فاتقوا الله -أيها المسلمون- وتجنبوا كل ما يمرض القلوب أو يميتها.
السبب الرابع: الصدود عن ذكر الله وعن كتاب الله:
إن أكثر ممرض وأعظم مميت للقلوب هو: الصدود عن ذكر الله وعن كتاب الله تلاوةً وعملاً وتدبراً.
السبب الخامس: الإسراع والمبادرة إلى التضلع وقراءة المجلات:
إن من عوامل موت القلوب: الإسراع والمبادرة إلى التضلع وقراءة المجلات -والعياذ بالله- فالاهتمام انصرف عن كتاب الله، وعن سنة رسول الله إلى سنة اليهود والنصارى، وإلى دسائس اليهود والنصارى، ودسائس الصهيونية من مجلات وجرائد وغيرها.
اسمعوا وصف المؤمنين الكامل في كتاب الله رب العالمين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤].
اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم أيقظ قلوبنا من رقدات الغفلة يا أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 530
التزود ليوم الرحيل
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، وأحيوا قلوبكم، ونوّروها، وتعاهدوها في كل آونة، وفي كل لحظة بالإقبال على رب العالمين، بالتوبة النصوحة، وبكثرة ذكر الله، وبكثرة الاستغفار والتسبيح والتهليل والتحميد، وبتلاوة كتاب الله، واستماعه، وتزودوا من الأعمال الصالحات، أنتم الآن في دار العمل، أنتم الآن مُمهلون، أنتم الآن في وقت الإمكان، تزودوا من الأعمال الصالحات، فهو أقوى العوامل في إنارة القلوب وهدايتها واستقامتها، جالسوا الأخيار، احذروا من استماع المحرمات بأنواعها، احذروا من أكل الحرام؛ فإنه من أسباب موت القلوب، وعدم قبول الدعاء، يقول ﷺ : ﴿أيُّما لحمٍ نَبَتَ على السُّحْت فالنار أولى به﴾.
عباد الله: ليِّنوا قلوبكم بالمواعظ، ذكروها النهاية، وأن المصير إلى القبور، ثم بعد ذلك حشر ونشور، ووقوف بين يدي الله ليسأل العبد، ليس بينه وبينهم ترجمان، أعدوا لذلك السؤال جواباً، وللجواب صواباً.
واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وصلوا على خير خلق الله، صلوا على البشير النذير، صلوا على السراج المنير محمد ﷺ اقتداءً واستجابة لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، يقول سيد البشرية: ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك وزد وأتم صلاة وتسليماً على نبينا وسيدنا وإمامنا محمد.
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان.
اللهم يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعالاً لما تريد، نسألك بعزتك التي لا تُرام، وبمُلْكِك الذي لا يضام، وبوجهك العظيم، أن تغيث قلوبنا بالإيمان.
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، وارزقنا إيماناً دائماً كاملاً، ويقيناً صادقاً مع العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم انصر عبادك المجاهدين في سبيلك في برك وبحرك، اللهم أمدهم بعونك، اللهم أمدهم بعونك، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم اخذل من خذل الإسلام وأهله، وانصر من نصر الإسلام وأهله، اللهم انصر من نصر الإسلام وأهله، اللهم أيده بتأييدك يا رب العالمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً، وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً، وارزقنا وإياهم اجتنابه.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 531
أهوال القيامة
إن يوم القيامة يوم تشيب لهوله الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، وفي ذلك اليوم يقف الناس بين يدي الله ، وتدنو الشمس من العباد بمقدار ميل؛ فمنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، وكل واحد يلجمه العرق بقدر ذنوبه، وفي ذلك اليوم تتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.
стр. 532
مقدمات يوم القيامة
الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ليوم القيامة والقارعة والزلزلة والحاقة والواقعة: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] و ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] أحمدك اللهم وأشكرك وأسألك أن تظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: ﴿يا أيها الناس! اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 533
نفختي الصعق والبعث
يقول ربنا جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨ * وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩].
القرآن كلام الله يصلح منبهاً بما سوف يكون يوم القيامة، وقبل ذلك مقدمات، وهي قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] هذه النفخة الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض؛ إلا من شاء الله، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم -الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً- بالديمومة والبقاء: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ثم يقول جل وعلا: لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! -ثلاث مرات- ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: لله الواحد القهار، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي: النفخة الثانية نفخة البعث، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] لا إله إلا الله القادر على كل شيء! كيف أحوالنا إذا قمنا من القبور، ننفض التراب عن رءوسنا؟! قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] أي: أحياء بعد أن كانوا عظاماً ورفاتاً صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ١٤] كل هذه الأهوال سوف تحصل في ذلك اليوم الرهيب، الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع فيه الحوامل حملها، وتشيب الولدان وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.
стр. 534
تناثر الصحف
ولكن لقد حان وقت الامتحان والعرض على الجبار الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] جاء لفصل القضاء بين العباد: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] ففي هذه اللحظة يكون العرض على عالم السر والنجوى؛ ويتبين فيه الربح من الخسارة، والنجاح من الرسوب، في ذلك الامتحان العظيم؛ ومن يأخذ الشهادة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] لا إله إلا الله! تلكم الشهادة -يا عباد الله- ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] ما هو المآل يا رب العالمين؟! ما هو مآل هذه الشهادة؟ ما مآل هذه الدرجات؟ ما مآل هذا الامتياز؟
مآله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤] بما أسلفتم من أداء الواجبات، ورضاء رب العالمين، فيا لها من سعادة أبدية، ويا له من فرح شديد بهذه النتيجة التي لا تحصل إلا لمن أدى الواجبات، وأتى بالحسنات، وعمل الأعمال الصالحات، وخرج من الدنيا، وقد حصل على حسن السيرة والسلوك مع الله في السر والعلانية.
لا يحصل هذا الفضل وهذه الكرامة إلا لمن خرج من الدنيا، وقد حصل على حسن السيرة والسلوك مع الله في السر والعلانية، فقد ورد في الأثر: [[لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية]] فهنيئاً ثم هنيئاً لمن كانت عاقبته يوم أن يلقى الله، ويا خسارة ويا خيبة من رسب في ذلك العرض الأكبر في ذلك الامتحان وأعطي كتابه بشماله فهو يقول: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧] يقول ذلك ويتحسر وإن كان في الدنيا صاحب أموال وصاحب جاه كل ذلك لا يجدي لمن عصى الله، فهو ينادي ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] الذي كنت أطارد وراءه، فأضيع حقوق رب العالمين: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] الذي حملني على الأثر والبطر والكبر والفساد في الأرض ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] أي: عند ذلك، وبعد أن اطلع على نتيجة الخسران التي استحق بها الإهانة والإبعاد، أمر الله الزبانية أن تأخذه بعنف من المحشر، فتغله بالأغلال في عنقه، ثم تسحبه إلى جهنم، فتصليه إياها وبئس المصير.
قال بعض المفسرين إذا قال الرب : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه، فهذا جزاء من عصى الله وتعدى الحدود، ولم يقم بحق الله عليه من طاعته وعبادته: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
اللهم أحينا مسلمين، ونجحنا يوم الامتحان الأكبر، وأعطنا الشهادة باليمين، وارفع درجاتنا في عليين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والحمد لله رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه من كل ذنب، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 535
الوقوف بين يدي الله
الحمد لله الذي أمره بين الكاف والنون، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، يأمر إسرافيل بنفخ الصور ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١].
لك الحمد يا الله! الذي لا إله إلا أنت تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد، وأشكرك على نعمك، ونسألك اللهم من فضلك المجيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا ظهير ولا معين، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن أمامكم القيامة سوف نقف في ذلك اليوم الرهيب: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥] وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، سوف نقف حفاة عراة غرلاً، الذكر مع الأنثى في ساحة قد بدلت غير الساحة التي كنا نراها: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] برزنا لِعَالِم الخفيات لا يخفى عليه منا شيء: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
стр. 536
شفاعة الرسول للناس يوم القيامة
في ذلك اليوم الرهيب يقول ﷺ : ﴿أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مما ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم السامع، وتدنو منهم الشمس، ويبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون﴾.
كلنا نقف في ذلك اليوم لا تحسبوه للصحابة ولرسول الله، كلنا سوف نقف في ذلك اليوم حفاة عراة، وإن عمرنا سنيناً، وإن متنا قبل ذلك فسوف نقف في ذلك اليوم، يقول ﷺ : ﴿يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم السامع، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لأبيهم آدم: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة؛ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجر فعصيت، نفسي نفسي نفسي!﴾ أبونا آدم يتبرأ في ذلك الموقف، وقد كانت معصيته بسيطة، نهاه الله فأكل من الشجرة، ونحن نضيع الصلوات، الصلاة إثر الصلاة، وإذا نُصِحْنا قلنا: (التقوى هاهنا) مكابرة ومعاندة لا اقتداءً برسول الله حين قال: ﴿التقوى هاهنا وأشار إلى صدره﴾ لكنه نعم المتقي، ونعم المطيع لله، أما أنت أيها العاصي، فكذبت وادعيت ما لم تأتِ به، وسوف تلقى هذه الكلمة في صحيفتك يوم تنشر يوم القيامة، وبعضهم يقول: التقوى هاهنا وهو لا يصلي مع جماعة المسلمين، أو وهو يحلق اللحية، أو وهو يتغشى المحرمات ويقول: الله غفور رحيم.
أبونا آدم أكل من الشجرة فمعصيته بسيطة ويقول: ﴿نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح؛ فيأتون نوحاً فيقول مثلما قال آدم: نفسي نفسي نفسي! -أولو العزم من الرسل يتبرءون في ذلك الموقف الرهيب- اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى الكليم ﵇، فيقول: نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون إلى عيسى كلمة الله وروحه ألقاها إلى مريم، فيقول: نفسي نفسي! اذهبوا إلى محمد﴾ لا إله إلا الله! يا لها من نعمة كبيرة على من جعله الله من أمة محمد، ولكنَّ محمداً ﷺ رسم لنا منهاجاً منيراً، ووضح لنا طريقاً مستقيماً، إذا سلكناه أوصلنا إلى الله، ولكنَّ محمداً ﷺ يقول: ﴿يرد أناس من أمتي الحوض، فإذا أرادوا أن يشربوا مُنعوا فأقول: يا رب أمتي أمتي! فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك﴾.
هل شرعت لهم الفيديو يا محمد؟!
هل خلَّفت لهم التمثيليات والمسلسلات التي سهروا معها الليالي وتركوا الصلوات؟!
هل ألَّفت لهم الأغاني في الأشرطة يا محمد؟!
هل قلت لهم: احلقوا اللحى وقولوا: التقوى هاهنا؟!
يقول: لا يا رب.
إن محمداً ﷺ تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فمن هو الهالك؟ هو الذي اجترأ على محرمات الله، وتعدى حدود الله؛ فبعداً لك أيها العاصي!
فيقول عيسى ﵇: اذهبوا إلى محمد فيأتون محمداً ﷺ .
عباد الله: اجتهدوا حتى تنالوا هذه البشارة، إن قلبي ممتلئ بها من الليل، إنني إذا قرأت هذه البشارة استنار قلبي واطمأنت نفسي، ولكن إذا رأينا التقصير -يا عباد الله- والله مطلع على ما تبقيه فرائضنا: ﴿اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتونني فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد من قبلي، ثم يُقال: يا محمد يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب! فيُقال: يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة﴾ يا رب نسألك أن ترحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، اللهم وفقنا لاتباع نهج محمد ﷺ ، اللهم اجعلنا من أمة محمد المطيعين لك يا رب العالمين.
﴿يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب﴾ أي: من أبوابها الثمانية منهم أبو بكر يدعى من أبواب الجنة الثمانية، ثم قال: ﴿والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى﴾ متفق عليه.
стр. 537
حقيقة الدنيا
عباد الله: اغتنموا الأوقات، ارجعوا إلى رب الأرض والسماوات، أصلحوا السرائر لعالم الخفيات، ارجعوا إلى الله بخالص الأعمال، قوموا لله بما يرضيه، لا تغرنكم الحياة الدنيا؛ فإنها دار وصفها الله في كتابه أنها دار غرور ومتاع قليل ولعب ولهو وممر وطريق إلى الآخرة، وكما هو الواقع دار مملوءة بالأكدار والمصائب والآلام والأحزان، دار ما أضحكت إلا وأبكت، ولا سرت إلا وأساءت، دار النهاية، قوة ساكنيها إلى الضعف، ونهاية شبابهم إلى الهرم، ونهاية حياتهم الموت، انظروا إلى أهل الملايين هل يدفن شيء معهم في قبورهم إلا ما قدموه من صالح الأعمال؟
عباد الله: ذللوا دنياكم لآخرتكم، واستخدموها في الذي يرضي الله عنكم، واتقوا الله وبادروا بالأعمال الصالحة قبل هجوم هاذم اللذات، وما أدراك ما هاذم اللذات؟ إنه الموت مفرق الجماعات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.
عباد الله: إن الله أمركم أن تصلوا على رسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وفي مقدمتهم في الفضل الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين!
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من عبادك الراشدين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم تجاوز عن سيئاتنا، وأدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا، واجمعنا وإياهم في جناتك جنات النعيم، واغفر لوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وأعزنا بالإسلام عاجلاً غير آجل، وأذل الشرك والمشركين، اللهم أرنا ذل أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم من به صلاح للإسلام والمسلمين فأيده بنصرك المبين، ومن به خذلان للإسلام والمسلمين، فأهلكه بعزتك وقدرتك، وأنزل به بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين! ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 538
اتباع لا ابتداع
لقد جاءتنا هذه الشريعة صافية نقية، وأكمل الله هذا الدين كمالاً ما بعده كمال، ومن ابتدع أمراً فقد اتهم هذا الدين بالنقص، فعلى الإنسان ألا يتجاوز المشروع إلى غيره وأن يتمسك بالمأثور حتى يسلم من البدعة.
стр. 539
خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد
الحمد لله الذي اختار لنا الإسلام ديناً، وأَنْعِمْ به من دين ختم الله به بمحمد ﷺ .
اللهم لك الحمد أنت أهل الحمد والثناء، خلقتنا في أحسن تقويم، فمن آمن وعمل صالحاً فله أجر غير ممنون، ومن لم يؤمن بالله ويعمل صالحاً فهو في أسفل سافلين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مخلصين له الدين، ولا نعبد إلا إياه ولو كره الكافرون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ البلاغ المبين، ونصح الأمة، ودلهم على الدين الصحيح الذي ارتضاه الله لنفسه فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله .
عباد الله! إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
стр. 540
كتاب الله هو مرجعنا وحياة قلوبنا
نعم يا أمة الإسلام! إن خير الحديث كتاب الله؛ لأنه يهدي للتي هي أقوم، فالقلوب الحية تتذوق طعم الكلام الجيد والرديء، وتدرك تمام الإدراك من الآيات البينات، فهذا القرآن الكريم يحمل من طابع الربانية، وخصائص الكلام الإلهي، وبما ينطوي عليه من معاني التأثير الكامل في القلوب الواعية، والنفوس الصافية، وبما يتميز به من الفصاحة، وإعجاز البلاغة، وحلاوة الأسلوب، وعذوبة المنطق، وعلو الذوق، وصدق التوجيه، إنه القرآن بخصائصه، إنه نعمة من الله تعالى لأمة الإسلام، القرآن غيث يحيي به الله القلوب ويبعثها، ويحركها، ويضيء لها السبيل؛ لتصل بالقرآن إلى الله العلي القدير، يقول الرب جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
стр. 541
عداوة الشيطان لمن تبع هدي النبي ﷺ
وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، محمدٌ ﷺ الذي قال: ﴿مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ محمد ﷺ القائل: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ هدي محمد ﷺ الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى سعادة الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون! ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
إن الإسلام: هو الاستسلام لله ظاهراً وباطناً، استسلاماً تاماً لا تواني فيه, ولا كسل ولا انحراف ولا خطل، إنه طاعة لله تعالى سراً وعلانية، بفعل ما به أمَر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وما أيسر ذلك على من يسره الله عليه.
أيها المسلمون! إن الشيطان بعداوته لكم يفتِّر عزائمكم عن القيام بدينكم، ويدعوكم إلى الكسل والتواني عن أوامر دينكم، ويغريكم ويحثكم على مخالفة دينكم ومعصية ربكم .
أجل يا عباد الله، أجل يا أمة الإسلام، ما هذه المحدثات؟ وما هذه البدع التي أحدثها الكثير من الناس، ويتخذونها ديناً لم يشرعه الله ولا رسوله، ولم يشرعها الخلفاء الراشدون، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور﴾ نعم، يا عباد الله.
стр. 542
بدعة المولد النبوي
من محدثات الأمور: التي ابتدعها الكثير من المسلمين، وهم يزعمون أنهم بذلك مهتدون، وهم والله لقد ضلوا الطريق بفعلهم ذلك، أتدرون ما هو يا عباد الله؟ وإن كَبُر على بعض قلوب الحاضرين، وإن نظرني بعض الحاضرين بعيون شَزِرَة، فأنا أستعين بالله عليه بحوله وقوته، فأقول: إن بعض المسلمين أحدثوا حدثاً لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا الخلفاء الراشدون، إنه إقامة المولد النبوي، والاحتفال به في كل سنة تمر عليهم، في ليلة الثاني عشر، إنها بدعة محدَثة، لم يشرعها رسول الله، ولم يأمر بها رسول الله، فإن ادعوا حب رسول الله، فوالله ثم والله ثم والله ليس بأحب إليهم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومن الصحابة أجمعين، الذين كانوا يحبون رسول الله ويفدونه بأنفسهم ﵃، فإنهم كانوا يدافعون عنه أشد المدافعة، أما بعض المسلمين فإنهم يشربون الخمور، ويحلقون اللحى، ويتركون الصلاة، ويأكلون الربا، ويغشون، ويفعلون، ويفعلون، ويقولون: نحن نحب رسول الله ﷺ ، فوالله لقد ضلوا الطريق، إلا أن يرجعوا إلى الله وإلى رسوله، ويلزموا الصراط المستقيم.
стр. 543
بعض المخالفات التي تحدث في المولد
أمة الإسلام: هل تدرون ماذا يحدث في ذلك المولد؟ إنه توسل بالنبي ﷺ ، إنه دعاء من دون الله، يدْعون رسول الله ﷺ ، يسألونه تفريج الكربات، يسألونه قضاء الحاجات، وهو ينهى عن ذلك، ويقول ﷺ : ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح عيسى بن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ فالعبد لا يُعبد من دون الله، بل يُطاع ويُتبع بما أمره الله من وحيه وشرعه.
فالذي يلزم المسلمين أن يطيعوا رسول الله ﷺ ، أن يُحْيُوا سنة رسول الله ﷺ ، أن يُحْيُوا سننه التي أمييت واندرست؛ سنن سيد البشر محمد بن عبد الله ﷺ ، فكم من سنة اندرست وأميتت لرسول الله ﷺ ، وصار البعض من المسلمين همهم الابتداع في دين الله، وشرع ما لم يأمر به الله ولم يسنه رسول الله ﷺ ، فأين هم من الصواب يا عباد الله؟
ثم بعض الدول الإسلامية -مع الأسف الشديد- لما انتهت من خطاباتها التي ألقتها في ذلك المولد، قالت: تغنيكم المغنية فلانة، مع الأسف الشديد، وبعضهم يستقدم الفرقة الموسيقية والمطربين والمطربات؛ ليحيوا مولد رسول الله ﷺ ، الله أكبر! لقد عميت أبصارهم, وابتعدوا عن طريق الحق يا عباد الله.
والله ما هكذا أمر رسول الله ﷺ ؟! وما هكذا فعل خلفاؤه الراشدون المهديون من بعده ﵃، ولا فعله بعض أصحابه ﵃ أجمعين.
стр. 544
الدين مكتمل فلا داعي للابتداع
فما الذي حملنا على الابتداع؟ هل الدين ناقص فنكمله؟ كلا، والله ما مات رسول الله إلا وقد أكمل الله به الدين، يقول رب العالمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
أمة الإسلام! خذوا حذركم من الشيطان، فإنه يأتيكم بالبدع، ويأمركم بمحدثات الأمور، يصور لكم الدين الإسلامي بأنه حبس للحرية، وتضييق على الإنسان، وإرهاق له، وتفويت لمصالحه، هكذا يصور الشيطان، وأعوان الشيطان لا كثرهم الله من علماء الضلال، ومشايخ الطرق البدعية لا كثرهم الله، بل هم غثاء على المسلمين عالة يأكلون، ويخلطون الدنيا بالدين، حسبنا الله ونعم الوكيل، يصورون الدين أنه توسل بالصالحين والأولياء والأضرحة، وهذا والله شرك بالله العظيم، والله إن مات صاحبه عليه فإن الله لا يغفر له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
أيها المسلمون! إن الدين الإسلامي بريء من كل ما يصفه به أعداؤه، إن الدين الإسلامي هو دين اليُسر والسهولة، هو دين شرعه الله وجاء به محمد ﷺ ، وما مات رسول الله حتى أكمل الله به الدين.
стр. 545
أركان الإسلام سهلة ولا نحتاج إلى زيادة عليها
إن الإسلام بُني على خمسة أركان:
أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
ثانيها: إقامة الصلاة.
ثالثها: إيتاء الزكاة.
رابعها: صيام رمضان.
خامسها: حج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.
وهذه الأركان كلها سهلة ويسيرة, وكلها صلاح وتهذيب، وجاء البعض من الناس، يريد أن يزيد هذه الأركان، فقال: توسلوا بالصالحين، توسلوا بالأضرحة، توسلوا برسول الله ﷺ ، فالعاقل من المسلمين يرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله، فإن وجد ذلك فليأخذه بتسليم، وإن لم يجد ذلك فليرده على المبتدعين المشعوذين؛ الذين يريدون هدم الإسلام بمعولهم؛ بأيديهم وأيدي النصارى الداعية إلى النصرانية، وبأيدي المجوسية، وبأيدي اليهودية والماسونية، وبأيدي الشيوعية.
احذروا يا أمة الإسلام، أركان الإسلام خمسة:
стр. 546
الركن الأول تحقيق العبودية لله وعدم الابتداع
فأولها: شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد الله رب العالمين، وتجريد القلب من التأله لغير الله، فلا ضريح، ولا صالح، ولا ولي، ولا نبي، ولا رسول يُعبد من دون الله، وهو إخلاص العبادة لله، وصرفها لله رب العالمين، لا ذبح، ولا نذر، ولا حلف بغير الله، إلى غير ذلك من العبادة، فإنه يحرم صرفها لغير الله , فإنها خاصة لرب العالمين، الذي خلقك فسواك يا عبد الله، وغذاك من نعمه ورباك، فأنت بالنسبة إلى ربك عبد من عبيده، وبالنسبة إلى غيره حر.
إن من الحماقة بمكان أن تنطلق من عبودية ربك التي هي حق، وتقيد نفسك بعبودية هواك، أو بعبودية المال، أو عبودية فلان وفلان، إن الكثير من الناس قد اشتغل بطاعة الله، فكأنما يصابر الجمر، لا يصبر على طاعة الله إلا قليلاً، مع قلق في نفسه، وانشغال في قلبه، وإذا اشتغل في أمور الدنيا أو التوسل بالصالحين، أو التوسل بالأضرحة، أو التوسل بالأموات، أقبل عليها بقلبه وفكره، واطمأن إليها، واستراح بها، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وصدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
وأما شهادة أن محمداً رسول الله: فهي تجريد المتابعة لرسول الله ﷺ دون غيره من المخلوقين، فهو رسول ربك، الذي جاهد في الله حق جهاده، الذي جاء بها نقية، هو رسول رب العالمين، الذي كلف بالرسالة إليكم يا عباد الله، وكلفتم باتباعها.
أمة الإسلام! إن كل أحد من الناس سوف يسير في عمله على خطة مرسومة، ونهج متبع، فإما أن يكون طريق النبيين، أو طريق الضالين المنحرفين المكذبين و ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] فانظر يا عبد الله أي الطريقين أهدى وأقوم.
стр. 547
الأركان الأربعة الأخرى وبيان يسرها
الركن الثاني من أركان الإسلام الصلاة: الصلاة يا عباد الله، وهي الصلة الوثيقة بين الله وبين العبد، فما أيسرها وأسهلها، وما أنفعها للقلب والبدن، والفرد والمجتمع.
أيها المسلم! حافظ على صلواتك، ولا تؤدها إلا وأنت متطهر في ظاهرك وباطنك، قم بين يدي الله خاشعاً خاضعاً متقرباً إلى الله رب العالمين بما شرعه لك في الصلاة من ذكر وقراءة ودعاء وركوع وسجود وقيام وقعود، تسأله لدنياك وآخرتك.
فالصلاة يا أمة الإسلام؛ تنمي الدين وتحف الذنوب، وتلحق بالصالحين، ويُستعان بها على أمور الدين والدنيا، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يقول رب العالمين: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ويقول جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
الركن الثالث: الزكاة: إنها جزء بسيط تدفعه من مالك لسد حاجة إخوانك الفقراء، وإصلاح مجتمعك، ففيها تزكية المال، وتطهير النفس من البخل الذميم، وتطهير القلب من الذنوب والآثام، فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ويقول رسول الله ﷺ : ﴿ما نقص مالٌ من صدقة﴾.
فأدوا الزكاة يا عباد الله، وثقوا بوعد الله بالخَلَف العاجل، والثواب الآجل، واحذروا من الوعيد الشديد لمن منع الزكاة.
الركن الرابع: صيام رمضان: وهو شهر واحد في السنة، يذكرك نِعَم الله عليك، وفي الصيام فضل عظيم لمن تقبل الله منه.
الركن الخامس: الحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً: وهو في العمر مرة واحدة، ففي الحج تُحط الذنوب والخطايا، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
هذه أركان الإسلام يا أمة الإسلام، وهي أصول الدين الإسلامي، فبالله عليكم هل فيها من صعوبة؟ وهل فيها من خلل أو نقص حتى يأتي المشعوذون والكهَّان والسحرة ليأخذوا من أموال الناس بغير حق، ويشرعوا لهم أموراً نهى الله عنها ورسوله؟ هل بالإسلام نقص يا عباد الله؟ إن قلتم: لا، أو قلتم: نعم، فلا سمع ولا طاعة، بل السمع والطاعة لقول رب العالمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجنبنا وإياكم ما يغضبه ويأباه.
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
واستغفروا الله يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 548
التحذير من أعداء العقيدة الإسلامية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالْهُدى ودين الحق، أرسله بدين الإسلام، دين الرحمة، والعدالة، والعبادة، والمعاملة، فهدى الله به أقواماً وأضل عنه آخَرين.
اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 549
فلاح الرعيل الأول بهدي الإسلام
فيا أيها الناس، اتقوا الله .
أمة الإسلام! تمسكوا بدين الإسلام، قوموا بدين الله حق قيام.
أيها المسلمون! لقد وهب الإسلام للرعيل الأول من رجال هذه الأمة من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهبهم حياة جديدة في كل شيء، ونوراً جديداً أضاء لهم السبُل لكل شيء، فأحياهم بعد جمود، وجمعهم بعد فُرقة، وأغناهم بعد فاقة، وجعلهم أئمة الدنيا، يهدون الناس بإذن ربهم إلى طريق العدل وسبل الخيرات، ووسائل السعادة والسلام، وكانوا المثُل الحية للقلوب الحية، أولئك الذين تمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ممتثلين قول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فيا أيها المؤمنون بكتاب الله الكريم وسنة رسوله ﷺ ؛ هذا كتاب الله يدعوكم إلى الوحدة، وهذا حديث رسول الله يحرم عليكم الخلاف والتفرقة، ويقول: ﴿لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض﴾.
ويقول ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾.
أيها المسلمون! أيها الشاب المسلم! اتق الله في مستقبلك، احذر من أعداء الإسلام، احذر من أعداء العقيدة الإعلام.
стр. 550
الحذر من أهل المعاصي والبدع
احذر من أعداء الأخلاق والآداب الإسلامية، احذر من هُوَّة الشيطان، احذر من دعاة الاستعمار، احذر من سمهم الملغوم في مجلاتهم السافلة، وفي أشرطة الفيديو الساذجة، وفي تسجيلاتهم الخبيثة، التي يبثونها عن طريق الإعلام.
احذرها يا أخي المسلم، وابحث عن عقيدتك الصحيحة، وتعلم العقيدة الصحيحة قبل أن يغزوك أعداء الإسلام، ثم يستميلوا قلبك حبهم، وتشجيعهم على الباطل، فعند ذلك لا تجد لنفسك سبيلاً إلى الخير، كما فُعل بمن كان قبلك ممن شابوا وترعرعوا وشابت ذوائبهم على البدع والخرافات، فصاروا يتمسحون بتراب القبور، ويتوسلون الأضرحة، يذبحون لها الذبائح، وينذرون لها النذور من دون الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] أي: الخارجون عن طاعة الله، فمن تاب تاب الله عليه.
فيا من فُتنتَ بهذه البدع والمنكرات، يا من فُتنت بهذه البدع المحدثات، ارجع إلى ربك ، فهذا القرآن لم يتغير، وهذا هدي رسول الله ﷺ بين أيدي المسلمين، سنتُه محفوظة، لله الحمد والمنة: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
أيها المسلمون! الله الله بعقيدة السلف الصالح تمسكوا بها، الله الله بالرجوع إلى الله، وإلى كتابه، وإلى سنة نبيه ﷺ ، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، الذي جاء بها بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين المتبعين لشرعه، وعلى جميع الصحابة أجمعين.
اللهم أيقظنا واهدنا، ووفقنا للحاق بهم يا رب العالمين، ولننهج طريقهم المستقيم يا رب العالمين.
اللهم أجرنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، وارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم قيض لهم علماء ورعين، عاملين بعلمهم غير مبتدعين يا رب العالمين.
اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجمع قلوبنا على الحق، يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين، وهب المسيئين منا للمحسنين، يا رب العالمين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين.
عباد الله! ألِحُّوا بالدعاء إلى الله أن ينصر إخوانكم المجاهدين الذين يتساقطون إِرْباً إِرْباً من القنابل والمدمرات، ويحمل عليهم العدو سلاحه، ادعوا الله أن ينصرهم، وأن يثبت أقدامهم، ولا تنسوهم من حطام الدنيا، أمدوهم يا إخواني، فإن النفقة في سبيل الله مخلوفة ومضاعفة.
اللهم انصرهم بنصرك، اللهم أمدهم بقوتك وعونك فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم انصر من نصر الإسلام وأهله، ومن أراد خذلاً للإسلام وأهله فاخذله يا رب العالمين، واعْمِ بصره، واصمَّ سمعَه، وقطعه إِرْباً إِرْباً، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له، يا سميع الدعاء.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وصلوا على رسول الله.
стр. 551
استعدوا ولا تغفلوا
لقد أنزل الله إليناً كتاباً لنتمسك به ولننتهجه في حياتنا، وأوجب علينا العمل به، وحذرنا من ترك العمل به وإهماله، وأمرنا بطاعته وطاعة رسوله، وذكر لنا عقوبته تعالى لمن تجرأ على انتهاك محارمه غافلاً أو متناسياً لشديد عقابه وقوة بأسه، وقد توعد الله من عصاه بأنواع من العقوبات في دنياه وآخرته.
стр. 552
وجوب طاعة الله ورسوله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله ، واعلموا أن الله ﵎ أوجب طاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، فقال في محكم البيان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠ - ٢١].
ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢].
عباد الله! إن الله غني عنا، وعن طاعتنا، وعن عبادتنا، ولكن نحن الفقراء المحتاجون إلى الله، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢].
نعم! يا عباد الله، يأمر رب العزة والجلال والإكرام بطاعته وطاعة رسوله ﷺ .
فمن أطاع فله السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، ومن عصى الله ورسوله فله العقوبات التي لا تُعد ولا تحصى، ولا تُحد ولا تستقصى؛ لهذا ختم الحكيم العليم، بذكر شدة عقابه لمن عصاه وعصى رسوله بالآيتين السابقتين في سورة النور، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
إن المعاصي -يا عباد الله- هي التي تجر إلى الشقاء والبؤس والنقمة، وإن الطاعات والأعمال الصالحة هي ذريعة ووسيلة للصلاح والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
نعم! إننا نشكو من كثرة الحوادث والنوازل، نشكو من أمراض القلوب، ولا نفكر -أبداً- فيما تجر علينا هذه الحوادث والنوازل.
وما الذي سبب لنا مرض القلوب، لا نفكر بذلك أبداً لماذا؟
لأننا لا نعتني بالغذاء الروحي وهو: القرآن العظيم والسنة المطهرة، لا نعتني بالأخطار التي نبهنا عليها ربنا جل وعلا، وحذَّرنا منها في القرآن، وحذرنا منها رسول الهدى ﷺ ، ذلك بالرغم مما ندعيه أننا أهل الإسلام وأننا نحب الله ورسوله، ونسمع الآيات والأحاديث تصرح بتحريم الحرام، وتُحذِّر من الحرام، وكأننا لم نُقصد في ذلك البلاغ.
стр. 553
عقوبة الأمن من مكر الله
يا عباد الله! الذنوب والمعاصي لها عقوبات تتنوع على قدر تلك الذنوب والمعاصي، فتارة تكون العقوبة في الدين، وهي من أعظم العقوبات، أتدري ما هي عقوبة الدين يا عبد الله؟
أن يُحال بين العاصي المدمن على الذنوب وبين الإيمان، فيكون ليس عنده إيمان، أو يكون ناقص الإيمان، ويُحال بينه وبين حسن الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك.
يقول الله جلَّ وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ويقول سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
ثم يقول جلَّ وعلا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] هذه عقوبة الدين ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠].
وتارة تكون عقوبة المعاصي بالأبدان والأموال، من خسف، ومسخ، وإهلاك، وأخذ على غِرَّة وغفلة، كما أخبر الله جلَّ وعلا محذراً للأمة الإسلامية: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧].
أو يأخذهم وهم على المدرجات غافلون عن أمر الله، يمر وقت الصلاة ثم الصلاة وهم لا يبالون بذلك، أو يأخذهم وهم عند الأفلام والتمثيليات، تمر أوقات الفضائل وهم على ذلك، أو يأخذهم وهم عند الفيديو وعندما يُبَث فيه من البلاء الذي عمَّ وطمَّ، وأمرض القلوب، بل أماتها، أو يأخذهم وهم على البَلُوْت والكِنْكَان، يقضون أوقات الفضائل ليلة الخميس التي تعرض فيها الأعمال على الله، أو يوم الجمعة الذي تكون فيه الساعة، وفيه ساعة إجابة يا عباد الله!!
كل هذه أوقات قضوها في غفلة وإعراض عن الله قال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩].
عباد الله! لا تغتروا بما بُسط لكم من النعمة، فإنه قد بُسط على مَن كان قبلكم من النعمة فظنوا أن الإمهال إهمال، فجاءهم أمر الله وهم غافلون ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر:٨٤] وما أُخذ قوم إلا عند غِرَّتهم وسلوتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإن أخذه أليم شديد.
عباد الله! ألا نتعظ؟ ألا نعتبر؟ أم قد ران على القلوب الران.
أمة الإسلام! إنها والله مصيبة عظمى، أن نرى ألوفاً مؤلفة تمر عليهم أوقات الصلوات وهم في غفلة معرضون.
أين الخوف من الله جل وعلا؟! أفأمنوا أن ينزل عليهم عذاب الله وهم في أماكنهم جالسون؟ ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] نعوذ بالله من الخسران.
أمة الإسلام! أين الدعوة إلى الله؟ البعض من الذين يجلسون على المدرجات، إذا قيل لهم: لماذا لم تصلوا؟ قالوا: نستحي ونخجل أن نقوم نصلي بين الجمهور، هذا الذي يحس بالصلاة يقول: نخجل، ويحصل عندنا الفشل والخجل، أن نقوم نصلي بين الجمهور!! الله أكبر! أين الخوف من الله يا عباد الله؟! أين الشعور بالإيمان يا عباد الله! ورسول الله ﷺ يقول لـ معاذ: ﴿لا تترك الصلاة وإن قُتِلْت وحُرِّقْت﴾.
والله لم يسقط عن المصافِّين في سبيل الله، فكيف بالجالسين على المدرجات، ينتظرون الشوط الأول والأخير، كيف لا يحسون بهذا الشرع العظيم؟! كيف لا يخافون من رب السماوات والأرض؟! كيف لا يخافون مِن الذي خلقهم وأوجدهم من العدم إلى الوجود؟ كيف لا يخافون من الله الذي أسبغ عليهم هذه النعم، فقابلوها بخلاف شكرها، وقابلوا هذه النعمة بخلاف المطلوب منهم.
إن المطلوب والمقصود من المسلمين أن يشكروا الله على هذه النعم، ولكن البعض من المسلمين قابلها بالنكران والكفران والعياذ بالله.
زد على ذلك! ما فعله البعض من الناس عندما نزل هذا الغيث -نسأل الله أن يجعله مباركاً- عندما عملوا ضربوا المخيمات، وهربوا عن الصلوات، فصارت تمر عليهم الأيام وهم لا يؤدون الجمعة في المساجد -فإنا لله وإنا إليه راجعون- وصدق الله العظيم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
عباد الله! إن الله إذا أُطيع رضي، وإذا رضي بارك، وليس لبركته نهاية، وإذا عُصي غضب، وإذا غضب لعن، ولعنتُه تبلغ السابع من الولد.
فيا عباد الله! أما ترون ظهور هذه المنكرات التي انتشرت في ناديكم، في الحاضرة والبادية، فلم تشمئز منها القلوب، ولم تتمعر لها الوجوه، فأين الغيرة يا عباد الله؟ أين الأنفة؟ أين الإيمان يا أمة الإسلام؟ لماذا لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر؟ لماذا؟ أهذا اغترار بالله؟ أم أمْنٌ من مكر الله؟ ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.
اللهم ارحمنا، اللهم ارحمنا، اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله! ليبلغ الحاضر الغائب، أن المسلمين اليوم قد ابتعد الكثير منهم عن تعاليم الإسلام، فليرجعوا إلى الله قبل أن يحل بهم ما حل بِمَن قبلَهم من العذاب والنقمات.
أٌقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 554
وعيد الله لمن عصاه
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، على رغم أنف من جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
يا عباد الله! اتقوا الله .
عباد الله! احذروا عواقب الذنوب والمعاصي، فإنها تجلب النقم، وتسلب النعم.
جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخَبَث﴾.
نعم، هذه أم المؤمنين ﵂ تروي عن رسول الله ﷺ أنه: ﴿يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف﴾ فتقول عائشة ﵂: ﴿يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث﴾.
عباد الله! إذا كثر الخبث فلا يحول دون عذاب الله شيء، بالرغم من وجود الصالحين والعلماء، وقد وردت أحاديث متعددة، بعناوين مختلفة في معنى التواصي بالخير، والمنع عن الشر، وإلا فإن الله سبحانه سوف يغار إذا انتهك العباد محارمه، وتعدوا الحدود، فسوف يسلط عليهم عذاباً من عنده.
روى حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم﴾.
أجَل، يا عباد الله! كيف يشتكي المسلمون من الحوادث والنوازل التي تفاجئهم فينة تلو الأخرى، وقد تغيرت أحوالهم وحياتهم رأساً على عقب.
بل يجب على المسلمين أن يفكروا فيما إذا نزلت عليهم مصيبة أو فاجعة، أنها لم تنزل بهم إلا لأنهم سببوا لها، وأنهم كانوا يستحقون ذلك بما كسبت أيديهم.
بشر الحافي ﵀: رأى قطعة فيها اسم الله، فرفعها، وطيبها، فهتف به هاتف: رفعت اسمنا فرفعنا قدرَك، أما الآن، فالأعلام فيها (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) صارت ملعبة بأيدي الأطفال، وتدوسها عجلات السيارات، هل رفعتم هذا الاسم يا عباد الله حتى يرفع الله قدركم؟
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو ولعب، ويصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير﴾ هل نسمع هذا يا عباد الله؟ اسمع يا من أضعت العمر مع الملاهي، اسمع رسول الهدى ﷺ يقول: ﴿يبيتُ قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو ولعب، فيصبحوا قد مسخوا قردةً وخنازير، ولَيُصِيْبَنَّهم خسفٌ وقذفٌ حتى يصبح الناس يقولون: خُسِفَ الليلة ببني فلان، وخُسِفَ الليلة ببني فلان بدار فلان، ولَتُرْسَلَن عليهم حجارة من السماء كما أُرْسِلت على قوم لوط -على قبائل فيها، وعلى دور- ولَتُرْسَلَن عليهم الريح العقيم، التي أهلكت عاداً -على قبائل فيها، وعلى دور- بشربِهِمُ الخمرَ، ولبسهم الْحَريرَ، واتِّخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطيعة الرحم﴾ رواه الإمام أحمد والبيهقي وصححه الحاكم.
عباد الله! لا شك في أن هذه الأمور هي التي تسبب الكوارث والنكبات، كالزلازل، والأعاصير، والفيضانات، والمجاعات، واصتدام القطارات، والسيارات، والطائرات، وغيرها من الحوادث التي تتجدد كل يوم، وكذلك الأمراض والمصائب التي انتشرت في كل مكان.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يا عباد الله! علينا جميعاً أن نرجع إلى ربنا ، ونتوب عما نحن فيه من التقصير، ونقلع من الذنوب، فإنه لا يخلف الميعاد، وعَدَ بالمغفرة من تاب، ويتوب على من تاب.
عباد الله! اعلموا أنكم سوف تُوقَفُون بين يدي الله, ويسألكم عما استرعاكم عليهم، فأعدوا للسؤال جواباً، وللجواب صواباً.
وصلوا على الناصح الأمين، رسول الهدى محمد ﷺ ، الذي ترككم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، صلوا على من ختم الله به الرسالات، امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، أعزهم عاجلاً غير آجل.
اللهم يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد، أسألك بعزتك التي لا تُرام، وملكك الذي لا يُضام، أن تغيثنا بعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم أغثنا بعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل.
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم اشرح صدورنا للإسلام، اللهم اشرح صدورنا للإسلام، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، أنت ولينا في الدنيا والآخرة، أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إن نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا؛ أن تصلح ولاة أمور المسلمين عامة، وولاة أمورنا خاصة، يا رب العالمين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، وارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، يا رب العالمين.
اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم من أرادنا بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم من أرادنا بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، واللواط، والتبرج، والسفور، وجميع المنكرات، اللهم أبعدها عنا وعن جميع المسلمين يا رب العالمين.
اللهم طهر بيوت المسلمين من جميع المنكرات يا رب العالمين، اللهم طهِّر بيوت المسلمين من جميع المنكرات، يا أرحم الراحمين، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم اهد ضال المسلمين، وثبت مهتديهم يا رب العالمين.
اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
стр. 555
آفات اللسان
خطر اللسان لا يخفى، ومصائبه لا تحصى ولا تستقصى، ورب فلتة منه أوردت النار، وأورثت الخسارة والعار والشنار، ولا شيء أولى بالحفاظ عليه من اللسان، والإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه.
стр. 556
خطر اللسان
الحمد لله رب العالمين أحاط بكل شيء علماً, فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء, هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء, أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله , فاجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بالحذر من معاصيه ومعصية رسوله ﷺ , واعلموا أن عليكم رقيبا ًعليماً, عليماً بكم لا تخفى عليه منكم خافية, ووكّل بكم حفظة قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [قّ:١٦ - ١٨] ويقول جل وعلا: ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١ - ١٢].
أيها المسلمون! أيها المؤمنون حقاً! أيها المؤمنون بالله وبرسوله وبكتبه وباليوم الآخر! اعلموا واعملوا, فهذا معاذ بن جبل ﵁, يسأل نبيكم محمد ﷺ ويقول: ﴿أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال ﷺ : لقد سألت عن عظيم, وإنه ليسير على من يسره الله عليه, تعبد الله لا تشرك به شيئاًَ, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت، ثم قال ﷺ : ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار -أي: تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار- وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلى قول الحق جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]﴾ فما جزاؤهم؟
لا يعلم جزاءهم إلا الله حيث قال سبحانه: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
ثم يستهل رسول الله ﷺ هذه الوصية لـ معاذ ويقول: ﴿ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله﴾ ثم قال ﷺ : ﴿ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله, فأخذ بلسانه وقال: كُفَّ عليك هذا﴾ , يقول معاذ ﵁: قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ﴿ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم﴾.
أمة الإسلام: شاهدنا من هذا الحديث هو قوله ﷺ : ﴿وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم﴾.
أمة الإسلام: هذا توجيه من رسول الله ﷺ ليس لـ معاذ فحسب؛ بل لكل فرد من الأمة الإسلامية, إذ يرسم فيه الرسول الله ﷺ طريق السلامة في الحياتين, ويرشد به إلى الفلاح والسعادة في الدارين (كف عليك هذا) ويشير إلى لسانه ﷺ .
стр. 557
الاستهزاء بالدين
أيها المسلمون: كم للسان من عثرات وهفوات محرمة, منها ما يوصل إلى الشرك والكفر والعياذ بالله, ومنها دون ذلك, فالاستهزاء بالله وبدينه وبكتبه وبرسله وبآياته وبعباد الله الصالحين الذين يعبدون ربهم كفر بالله, ومخرج من الإيمان وهو من حصائد اللسان, ألا فليحذر الذين يرمون المتمسكين بالدين بالرجعية, يحذرون من فلتات ألسنتهم التي يطلقونها بدون مبالاة, وبدون أن ينظروا إلى عواقب تلك الكلمات, فكم قالوا للمتدين: هذا رجعي, هذا متزمت, هذا موسوس؛ لأي شيء سموه بهذه الأسماء؟ لأنه صار متمسكاً بدين الله, راجعاً إلى المولى جل وعلا, راجعاً إلى الغفور الرحيم, حافظ على الصلوات، وترك لحيته، ورفع الثوب عن الكعبين, فهل في هذا رجعية؟! هل في هذا تزمت؟! هل في هذا وسوسة يا من تعقلون؟! أنا أجيب عنكم وأقسم بالله ثلاث مرات وأقول: كلا والله, ثم كلا والله, ثم كلا والله؛ بل هذا مطلوب من كل من يؤمن بالله ورسوله, لأن تارك الصلاة كافر, أكفر من اليهود والنصارى, يعتبر مرتداً, يقتل إذا أبى أن يجيب داعي الله مرتداً كافراً, خارجاً من دائرة المسلمين, لا يغسل, ولا يكفن, ولا يصلى عليه, ولا يورث؛ بل ينبذ بعيداً عن بلاد المسلمين, هذا تارك الصلاة.
وحالق اللحية قد ارتكب محرماً لأن حلق اللحية حرام, أبى الذين يعارضون أم لم يأبوا, عارضوا أم لم يعارضوا, حلق اللحية حرام, بنصوص الكتاب والسنة, أما الكتاب فقوله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] والرسول ﷺ يقول: ﴿اعفوا اللحى, أكرموا اللحى, ارخوا اللحى﴾ كل هذا من كلام رسول الله ﷺ , وهذا واضح من أحاديث الرسول, ومن أراد الزيادة فليرجع إلى صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب أهل السنة يجد فيها أن حلق اللحية حرام في نصوص رسول الله ﷺ , من أراد أن ينهي النفس عن الهوى فليرجع إلى الصواب, أما من أراد أن يتمادى ويطغى فموعده يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وجر الثوب حرام, جر الثوب الذي يعير به المتمسك بدين الله, الذي يرفع الثوب فوق الكعبين يقال له: موسوس, فاعلم يا من تعارض أن جر الثوب حرام، وما أسفل الكعبين ففي النار.
وبعض الناس يقول: أنا لا أجره خيلاء, أنا أجره وأطول الثوب زينة! نقول له: تعال إلى حديث الرسول ﷺ وهو حديث صحيح لا يعارض: ﴿ما أسفل الكعبين ففي النار﴾ وليست النار تأكل الخرق, وإنما تأكل صاحب الخرق, تأكل الذي سحب الثوب والعياذ بالله, تأكل الذي يجر الثوب معصية لله ولرسوله, فلينتبه لذلك من أراد أن يتحرى الصواب ومن أراد أن يجيب داعي الله.
عباد الله: الحذر الحذر من فلتات اللسان, ويا أيها الشاب المتمسك بدينه, اصبر فإن موعدك إن ثبت على دينك أن يظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله, اصبر على أذى الأب والأم, اصبر على أذى القرابة إن كانوا يعارضونك على ذلك, يقولون لك: موسوس ومتزمت ومجنون ولكن إن ثبت على ذلك فموعدك أن يظلك الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله, الخلائق تحت شمس محرقة في أهوال شداد, يعانون منها يوم القيامة, وأنت إن كنت مطيعاً عابداً لله, فالله يظلك تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله, فعليك أيها الشاب بالتمسك بدينك, والصبر على الأذى، فمن الأسف الشديد ما يصدر من بعض الآباء, يلقبون أولادهم بالمجانين وبالموسوسين لأنهم تمسكوا بدين الله وابتعدوا عن المنكرات, فلا حول ولا قوة إلا بالله!
ولقد ورد في الحديث أن الرجل في آخر الزمان يعير بدينه كما تعير الزانية بزناها, وورد في الأثر في آخر الزمان أن المؤمن يكون أذل من الشاة, ورد في آخر الزمان أن المؤمن يمر على القبر ويتمرغ فوقه ويقول: يا ليتني مكانه مما يرى.
فالتمسك بدين الله يا عباد الله, والقبض على دينكم أيها المسلمون, لا يغرنكم أهل الأهواء, لا يغوينكم شياطين الجن والإنس, الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.
стр. 558
الكذب والغيبة
فالحذر يا عباد الله من فلتات اللسان, ومنها الكذب والغيبة, الغيبة التي صارت فاكهتنا في مجالسنا, نمزق أعراض الآخرين وأولئك يمزقون الأعراض, في المكاتب والمجالس والأسواق, فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الغيبة التي وصفها الله بأبشع وصف كالذي يأكل لحم أخيه ميتاً, ثم النميمة وهي السعي بين الناس بطريق الإفساد, ويكفي بالنمام أنه لا يدخل الجنة, وفي الحديث: ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾.
احذروا من فلتات اللسان؛ ومن الفحش والسب واللعن الذي هرم عليه الآن الكبير, وشب عليه الصغير, حتى إن بعض الأطفال إذا اجتهد في اللعنة قال: (يلعن أبوك يلعن أمك يعلن جدك!) والأب يتبسم ويضحك -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والأب يفرح لأنه نطق بهذه الكلمة الخبيثة, بل يقول له: أعد يا بني ويستبشر بهذه الكلمة الخبيثة.
كذلك القذف -يا عباد الله- كثيراً ما نسمعه كل هذا من حصائد اللسان: ﴿وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم﴾ صدق رسول الله ﷺ , مع الأسف الشديد على آداب الدين وأخلاقه القويمة, لقد شاع في كثير من الناس أخلاق سيئة من حصائد اللسان, فكثير من الناس لا يبالون بالكذب, ولا يهتمون به, ولم يحذروا من قول رسول الله ﷺ : ﴿إن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً﴾.
وبعضهم يصف كذبته بأنها كذبة بيضاء أو كذبة صغيرة, والرسول ﷺ لما سمع امرأة تنادي طفلاً تقول: هاك فقال: ﴿هل أردتي أن تعطيه شيئاً, قالت: نعم تمرة بيدي, قال: لو لم تصدقي لكتبت عليك كذبة﴾ أو كما قال ﷺ .
стр. 559
الشائعات
وكثير من الناس يشيعون أشياء بين الناس بمجرد الظنون بغير مبالاة, وربما كانت تلك الشائعات تسيء إلى أحد من المسلمين, وتشوه سمعته وليس لها حقيقة؛ فيبوء بإثم الكذب والعدوان على أخيه المسلم, ويخشى أن يكون ممن قال فيهم رسول الله ﷺ : ﴿إن الرجل يتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار﴾ حللوها يا عباد الله! وما أكثر تلك الكلمات التي يصدرها البعض من الناس, وفي صحيح البخاري ﵀ عن سمرة بن جندب ﵁ في رؤيا النبي ﷺ وأتاه ملكان فمرّا على رجل مستلق على قفاه, وآخر قائم عليه بكلوب من حديد فإذا هو يأتي إحدى شقي وجهه ويشرشر شدقه, ومنخره وعينيه إلى قفاه, ثم يفعل بالشق الآخر كذلك فما يفرغ منه حتى يعود الجانب الأول صحيحاً, فيرجع إليه ويشرشره كما فعل في المرة الأولى, فقال الملكان للنبي ﷺ : هذا الكذاب يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق, فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة.
فليحذر الذين ينقلون للناس ما يفكرون به من أوهام لا حقيقة لها, بل ربما يكون في كلامهم إلقاء للعداوة والبغضاء بين المسلمين, وإذا حصل ذلك حصل التفكك للمجتمع, والتفرق للجماعة من أجل أمور وهمية وظنون كاذبة.
أيها المسلمون: عليكم بالتثبت في الأخبار, والتحري في نقلها, حتى لا تنقلوا إثماً ولا كذباً, فيقول رسول الله ﷺ : ﴿إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب﴾ وقوله ﷺ : (ما يتبين فيها) أي: لا يتثبت ولا يعلم هل هي خير أو شر, ويقول ﷺ : ﴿كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع﴾.
أمة الإسلام: احفظوا ألسنتكم, لا تطلقوا لها العنان فتهلككم وتوردكم الموارد الوخيمة, وإذا أردتم الكلام في شيء فتذكروا كلام الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وتذكروا كلام الناصح الأمين محمد ﷺ : ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت﴾.
ثم اعلموا أنكم محاسبون على كل كلمة تخرج من أفواهكم, فما جوابكم يوم القيامة إذا سؤلتم؟ قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
فاتقوا الله يا عباد الله ونزهوا الألسنة عن كل ما يغضب الله جل وعلا, واشغلوها بذكر الله , اشغلوها بقراءة القرآن, اشغلوها بسيرة رسول الله ﷺ , وسيرة صحابته الكرام, اشغلوا ألسنتكم بالنصح لإخوانكم المسلمين, وبالقول السديد امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
اللهم وفقنا لصالح الأعمال والأخلاق وأحسنها, واصرف عنا سيئ الأعمال والأخلاق وأبغضها إليك يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 560
وجوب حفظ اللسان
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاًَ فيه كما يحب ربنا ويرضاه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أدى الرسالة وبلغ البلاغ المبين، ونصح لأمته صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله واحفظوا اللسان من عثراته وزلاته, ورد في الحديث المروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان -أي: تذل وتخضع له- وتقول: اتق الله فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا﴾ تلكم الجوارح لها خصومة مع اللسان؛ فاحفظوه يا عباد الله فإنه يوقع في المهالك, ولقد حذره من هو خير منكم, فهذا عمر ﵁ يدخل على أبي بكر الصديق ﵁ يوماً وهو يجذب لسانه بيده فقال له عمر ﵁: [[مه! يغفر الله لك, فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد]] فأين أنتم من أبي بكر يا معشر المسلمين؟ أين أنتم من خليفة رسول الله ﷺ ؟ أين أنتم من رجل لو وزن إيمانه بإيمان هذه الأمة لرجح إيمانه بإيمان هذه الأمة, أين أنتم من رجل يخير من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء, ثم هو يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
فاتقوا الله يا عباد الله! واستخدموا اللسان فيما يعود عليكم نفعه في الدنيا والآخرة, كذكر الله , وقراءة القرآن, والصلاة على رسول الله, وبذل النصيحة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وغير ذلك من أبواب الخير, وألزموه الصمت امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ : ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت﴾.
وصلوا على الناصح الأمين امتثالاً لأمر رب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم اشدد وطأتك عليهم, وارفع عنهم يدك وعافيتك, اللهم مزقهم كل ممزق يا حي يا قيوم, يا ذا الجلال والإكرام, اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم قيض لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه, وتحذرهم من الشر وتبعدهم عنه, إنك على كل شيء قدير.
اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم لا تول عليهم الأشرار الذين يسومونهم سوء العذاب, لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان, ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم أقر أعيينا بصلاح أولادنا ونسائنا, اللهم اجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد؛ أنت الغني ونحن الفقراء, أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا, ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين, إلهنا من لنا سواك نلتجئ إليه, من لنا غيرك نستغيث به, من رب غيرك نطرق أبوابه, لا إله إلا الله عدد ما مشى فوق الأراضين ودرج, وسبحان الذي بيده مفاتيح الفرج, يا فرجنا إذا غلقت الأبواب, ويا رجائنا إذا انقطعت الأسباب, لا إله إلا أنت سبحانك ولا رب لنا سواك.
اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب, تبنا إليك، رجعنا إليك, اللهم اقبل معذرتنا, اللهم اقبل توبتنا, اللهم محص ذنوبنا, اللهم سل سخائم صدورنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وصلوا على رسول الله وسلموا تسليماً كثيراً.
стр. 561
الصلاة
الصلاة عماد الدين وركن ركين، يجب الحفاظ عليها وعدم التهاون بها أو تأخيرها، ولم يعد الصحابة ترك شيء من العمل كفراً إلا الصلاة، وقد جعلها ﷺ فاصلاً بين الكفر والإيمان.
стр. 562
الحفاظ على الصلاة
الحمد لله الذي أحكم ما شرعه وأتقن ما صنعه، حد لعباده الحدود وشرع لهم الشرائع، وبين لهم كل ما يحتاجون إليه في أمر الدين والدنيا، فسبحانه من رب رحيم وإله حكيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 563
أوقات الصلاة
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها؛ فرض عليكم الفرائض لتصلوا بها إلى أحسن الغايات وأسماها، وأعلى الدرجات في روضات الجنات، ولتنجوا بها من عذاب النار ومن الهلكات، فرض عليكم الصلوات الخمس، وأمركم بإقامتها والمحافظة عليها فأدوها كما أمرتم؛ أدوها بشروطها وأركانها وواجباتها وأكملوها بمستحباتها، ولا تتهاونوا بها فتكونوا من الخاسرين.
أيها الناس: إن كثيراً من الناس يتهاونون في صلاتهم، فلا يؤدونها في الوقت المحدد لها، فوقت الظهر: من زوال الشمس؛ وهو ما جاوز وسط السماء، وعلامته ابتداء زيادة الظل بعد انتهاء قصره، فيمتد وقتها من الزوال إلى دخول وقت العصر، وذلك بأن يكون ظل الشيء مساوياً له من ابتداء ظل الزوال.
وينتهي وقت العصر باصفرار الشمس في حال الاختيار، وبغروب الشمس في حال الضرورة.
ثم يدخل وقت المغرب، من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، أي حوالي ساعة ونصف من الغروب.
ثم يدخل وقت العشاء إلى منتصف الليل، ووقت الفجر من طلوع الفجر الصادق وهو البياض المعترض في الأفق إلى طلوع الشمس، وصلاة الفجر منفصلة عن بقية الصلوات فبينها وبين العشاء من نصف الليل إلى طلوع الفجر، وبينها وبين الظهر من طلوع الشمس إلى زوالها، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] وهذه تستوعب أوقات الصلوات الأربع: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم فصل وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: صلاة الفجر سماها الله قرآناً لطول القراءة فيها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تشهده الملائكة.
هذه أوقات الصلوات وقْتَّها الله ورسوله، فلا يحل لمسلمٍ أن يقدم من صلاته جزءاً قبل الوقت، ولا يحل له أن يؤخر منها جزءاً بعد الوقت المحدد لها، إلا إذا كان ينوي الجمع، أو لضرورة، وإذا كان ذلك لا يحل ولا يجوز؛ فكيف بمن يؤخرون جميع الصلوات عن وقتها كسلاً وتهاوناً وإيثاراً للدنيا على الآخرة، ويتنعمون بنومهم على فراشهم، ويتمتعون بلهوهم ومكاسبهم كأنما خلقوا للدنيا، كأنما خلقوا (للبلوت والكنكان) كأنما خلقوا للميسر والقمار، والليل الطويل يذهب مع ذلك وهم لا يبالون بعقاب الله.
стр. 564
التحذير من تأخير الصلاة عن وقتها
أمة الإسلام: كيف يكون حال الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها بغير عذر شرعي، وإنما لإشباع رغباتهم وشهواتهم مع أمور تافهة، وأسبابٍ واهية، كأنهم لا يسمعون القرآن وهو يحذرهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] فيا أيها المتأخر عن الصلاة، أيها المؤخر للصلاة عن وقتها.
ما هو الويل؟ هل هو حديقة؟ هل هو (فلة) واسعة؟ هل هو ملعب واسع؟
لا.
﴿ويل وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره﴾ لمن هو؟
لمن يؤخر الصلاة عن وقتها، هو يصلي ولكنه أخر الصلاة عن وقتها فجزاؤه ويلٌ في جهنم.
كأنهم لا يسمعون، ولا يقرءون قول الحق جل وعلا في محكم البيان وهو يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] اتبعوا الشهوات، وما أكثر الشهوات في زماننا الممرض المميت!
ما أكثر الشهوات التي نتبعها ونضيع من أجلها الصلوات! نجلس في الملعب حتى يذهب وقت الظهر والعصر والمغرب، ثم العشاء في الخصام؛ من الذي غلب ومن الذي لم يغلب، ثم إلى الفجر ونحن من تشجع ومن لم تشجع خمس صلوات، ثم ليالي الخميس وليالي الجمعة نقضيها في حفلات الزفاف حتى يؤذن الفجر، فإذا طلع الفجر نمنا فكأننا جيف.
الليالي المفضلة نقضيها مع (البلوت والكنكان) وما أدراك من اللعب الكثيرة التي أدخلها علينا أعوان الشيطان وأعداء الإسلام، نقضي معها الليالي الطويلة والأوقات الكثيرة، ثم نقول: إنما نرفه النفس، مسكين.
فهذه النفس أنت مسئول عنها يوم القيامة، مسئول عن أوقاتك التي تضيعها في هذه الملاهي والملاعب الباطلة، مسئولٌ عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون.
نَفَسُك لا يمضي إلا وأنت محاسب عليه، وأنت تقول ساعة لدينك وساعة لدنياك، خسرت بهذه الكلمة الباطلة التي ألقاها إليك الشيطان، من أين أتتك هذه الفتوى: ساعة لدينك وساعة لدنياك؟
بل محرم عليك الباطل واللهو سواء كنت فارغاً أو لم تكن فارغاً، محرم عليك الباطل التي حرمته الشريعة الإسلامية؛ فما هو الداعي لأن تفتي لنفسك ساعة لدينك وساعة لدنياك، اتق الله يا من استهوت به الشهوات! اتق الله يا من جعلت الشيطان لك إماما! اتق الله يا من عبدت هواك من دون الله!
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] وغي: وادٍ في جهنم، ولكن من رحمة أرحم الراحمين استثنى وقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٠] حكم عدل لا يظلم شيئاً ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] بعد أن تسرف، بعد أن تهلكك الذنوب ثم ترجع إلى الله، يقبلك أرحم الراحمين ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٠].
стр. 565
التوبة من التهاون بالصلاة
فعلينا يا أمة الإسلام بالتوبة إلى الله، علينا بالتوبة إلى رب العالمين، علينا بالإقلاع من الذنوب والخطايا قبل أن ينزل بنا هادم اللذات، قبل أن ينزل بنا الموت، قبل أن تحل بنا سكرات الموت، فما عندنا إمكان أن نتوب أو نرجع.
أمة الإسلام: لا تكونوا إمعة، لا تكونوا كالأنعام، ألم تبلغكم أحاديث رسول ﷺ في وعيد من أضاع الصلاة؟ أولم يبالوا بذلك؟ لقد قال النبي ﷺ : ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله﴾ أي: كأنما أصيب بفقد أهله وماله.
فسبحان الله كيف يليق بك يا أخي المسلم تأكل الغداء، ثم تنام إلى المغرب؟ أما تخاف من جبار السماوات والأرض؟ أما تخاف من المطلع على السرائر فسبحان الله.
أمة الإسلام: هذا رسول الله ﷺ يحذر وينذر ويقول: ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله﴾ وفي الحديث الذي في صحيح البخاري: ﴿من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله﴾ أي: إنما أصيب بفقد أهله وماله، فسبحان الله ما أعظم الأمر وما أكثر الخسارة للذي تفوته صلاة العصر!
تصوروا لو أن شخصاً من بيننا كأن له أموال وأهل وكان مبسوطاً في ماله وبين أهله، ثم أصيب بجارحة أتلفت أمواله وأهلكته، فما تكون حالة الناس بالنسبة له؟
إنهم لابد أن يرحموه، ولا بد أن يواسوه، في هذه المصيبة ويقدموا له أنواع العزاء، ومع ذلك وللأسف الشديد نرى كثيراً من الناس تفوتهم الصلاة إثر الصلاة، الصلاة بعد الصلاة، ولا يحزنون لذلك ولا يبالون لما حدث، فعليكم أيها المسلمون أن ترحموهم بالتخويف لهم من عذاب الله وعقابه قبل أن يعمنا العقاب جميعاً، وعلينا بالمناصحة لله.
следующие страницы →