Полный текст (1 664 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الصلاة
الصلاة عماد الدين وركن ركين، يجب الحفاظ عليها وعدم التهاون بها أو تأخيرها، ولم يعد الصحابة ترك شيء من العمل كفراً إلا الصلاة، وقد جعلها ﷺ فاصلاً بين الكفر والإيمان.
стр. 562
الحفاظ على الصلاة
الحمد لله الذي أحكم ما شرعه وأتقن ما صنعه، حد لعباده الحدود وشرع لهم الشرائع، وبين لهم كل ما يحتاجون إليه في أمر الدين والدنيا، فسبحانه من رب رحيم وإله حكيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 563
أوقات الصلاة
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها؛ فرض عليكم الفرائض لتصلوا بها إلى أحسن الغايات وأسماها، وأعلى الدرجات في روضات الجنات، ولتنجوا بها من عذاب النار ومن الهلكات، فرض عليكم الصلوات الخمس، وأمركم بإقامتها والمحافظة عليها فأدوها كما أمرتم؛ أدوها بشروطها وأركانها وواجباتها وأكملوها بمستحباتها، ولا تتهاونوا بها فتكونوا من الخاسرين.
أيها الناس: إن كثيراً من الناس يتهاونون في صلاتهم، فلا يؤدونها في الوقت المحدد لها، فوقت الظهر: من زوال الشمس؛ وهو ما جاوز وسط السماء، وعلامته ابتداء زيادة الظل بعد انتهاء قصره، فيمتد وقتها من الزوال إلى دخول وقت العصر، وذلك بأن يكون ظل الشيء مساوياً له من ابتداء ظل الزوال.
وينتهي وقت العصر باصفرار الشمس في حال الاختيار، وبغروب الشمس في حال الضرورة.
ثم يدخل وقت المغرب، من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، أي حوالي ساعة ونصف من الغروب.
ثم يدخل وقت العشاء إلى منتصف الليل، ووقت الفجر من طلوع الفجر الصادق وهو البياض المعترض في الأفق إلى طلوع الشمس، وصلاة الفجر منفصلة عن بقية الصلوات فبينها وبين العشاء من نصف الليل إلى طلوع الفجر، وبينها وبين الظهر من طلوع الشمس إلى زوالها، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] وهذه تستوعب أوقات الصلوات الأربع: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم فصل وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: صلاة الفجر سماها الله قرآناً لطول القراءة فيها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تشهده الملائكة.
هذه أوقات الصلوات وقْتَّها الله ورسوله، فلا يحل لمسلمٍ أن يقدم من صلاته جزءاً قبل الوقت، ولا يحل له أن يؤخر منها جزءاً بعد الوقت المحدد لها، إلا إذا كان ينوي الجمع، أو لضرورة، وإذا كان ذلك لا يحل ولا يجوز؛ فكيف بمن يؤخرون جميع الصلوات عن وقتها كسلاً وتهاوناً وإيثاراً للدنيا على الآخرة، ويتنعمون بنومهم على فراشهم، ويتمتعون بلهوهم ومكاسبهم كأنما خلقوا للدنيا، كأنما خلقوا (للبلوت والكنكان) كأنما خلقوا للميسر والقمار، والليل الطويل يذهب مع ذلك وهم لا يبالون بعقاب الله.
стр. 564
التحذير من تأخير الصلاة عن وقتها
أمة الإسلام: كيف يكون حال الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها بغير عذر شرعي، وإنما لإشباع رغباتهم وشهواتهم مع أمور تافهة، وأسبابٍ واهية، كأنهم لا يسمعون القرآن وهو يحذرهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] فيا أيها المتأخر عن الصلاة، أيها المؤخر للصلاة عن وقتها.
ما هو الويل؟ هل هو حديقة؟ هل هو (فلة) واسعة؟ هل هو ملعب واسع؟
لا.
﴿ويل وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره﴾ لمن هو؟
لمن يؤخر الصلاة عن وقتها، هو يصلي ولكنه أخر الصلاة عن وقتها فجزاؤه ويلٌ في جهنم.
كأنهم لا يسمعون، ولا يقرءون قول الحق جل وعلا في محكم البيان وهو يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] اتبعوا الشهوات، وما أكثر الشهوات في زماننا الممرض المميت!
ما أكثر الشهوات التي نتبعها ونضيع من أجلها الصلوات! نجلس في الملعب حتى يذهب وقت الظهر والعصر والمغرب، ثم العشاء في الخصام؛ من الذي غلب ومن الذي لم يغلب، ثم إلى الفجر ونحن من تشجع ومن لم تشجع خمس صلوات، ثم ليالي الخميس وليالي الجمعة نقضيها في حفلات الزفاف حتى يؤذن الفجر، فإذا طلع الفجر نمنا فكأننا جيف.
الليالي المفضلة نقضيها مع (البلوت والكنكان) وما أدراك من اللعب الكثيرة التي أدخلها علينا أعوان الشيطان وأعداء الإسلام، نقضي معها الليالي الطويلة والأوقات الكثيرة، ثم نقول: إنما نرفه النفس، مسكين.
فهذه النفس أنت مسئول عنها يوم القيامة، مسئول عن أوقاتك التي تضيعها في هذه الملاهي والملاعب الباطلة، مسئولٌ عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون.
نَفَسُك لا يمضي إلا وأنت محاسب عليه، وأنت تقول ساعة لدينك وساعة لدنياك، خسرت بهذه الكلمة الباطلة التي ألقاها إليك الشيطان، من أين أتتك هذه الفتوى: ساعة لدينك وساعة لدنياك؟
بل محرم عليك الباطل واللهو سواء كنت فارغاً أو لم تكن فارغاً، محرم عليك الباطل التي حرمته الشريعة الإسلامية؛ فما هو الداعي لأن تفتي لنفسك ساعة لدينك وساعة لدنياك، اتق الله يا من استهوت به الشهوات! اتق الله يا من جعلت الشيطان لك إماما! اتق الله يا من عبدت هواك من دون الله!
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] وغي: وادٍ في جهنم، ولكن من رحمة أرحم الراحمين استثنى وقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٠] حكم عدل لا يظلم شيئاً ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] بعد أن تسرف، بعد أن تهلكك الذنوب ثم ترجع إلى الله، يقبلك أرحم الراحمين ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٠].
стр. 565
التوبة من التهاون بالصلاة
فعلينا يا أمة الإسلام بالتوبة إلى الله، علينا بالتوبة إلى رب العالمين، علينا بالإقلاع من الذنوب والخطايا قبل أن ينزل بنا هادم اللذات، قبل أن ينزل بنا الموت، قبل أن تحل بنا سكرات الموت، فما عندنا إمكان أن نتوب أو نرجع.
أمة الإسلام: لا تكونوا إمعة، لا تكونوا كالأنعام، ألم تبلغكم أحاديث رسول ﷺ في وعيد من أضاع الصلاة؟ أولم يبالوا بذلك؟ لقد قال النبي ﷺ : ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله﴾ أي: كأنما أصيب بفقد أهله وماله.
فسبحان الله كيف يليق بك يا أخي المسلم تأكل الغداء، ثم تنام إلى المغرب؟ أما تخاف من جبار السماوات والأرض؟ أما تخاف من المطلع على السرائر فسبحان الله.
أمة الإسلام: هذا رسول الله ﷺ يحذر وينذر ويقول: ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله﴾ وفي الحديث الذي في صحيح البخاري: ﴿من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله﴾ أي: إنما أصيب بفقد أهله وماله، فسبحان الله ما أعظم الأمر وما أكثر الخسارة للذي تفوته صلاة العصر!
تصوروا لو أن شخصاً من بيننا كأن له أموال وأهل وكان مبسوطاً في ماله وبين أهله، ثم أصيب بجارحة أتلفت أمواله وأهلكته، فما تكون حالة الناس بالنسبة له؟
إنهم لابد أن يرحموه، ولا بد أن يواسوه، في هذه المصيبة ويقدموا له أنواع العزاء، ومع ذلك وللأسف الشديد نرى كثيراً من الناس تفوتهم الصلاة إثر الصلاة، الصلاة بعد الصلاة، ولا يحزنون لذلك ولا يبالون لما حدث، فعليكم أيها المسلمون أن ترحموهم بالتخويف لهم من عذاب الله وعقابه قبل أن يعمنا العقاب جميعاً، وعلينا بالمناصحة لله.
стр. 566
الخشوع في الصلاة
وكذلك يجب مناصحة الذين يتهاونون بالخشوع بالصلاة؛ والخشوع هو لب الصلاة وروحها وهو: حضور القلب وسكون الأعضاء.
стр. 567
حضور القلب في الصلاة
فأما حضور القلب: فكثيرٌ من المصلين من حين دخوله في الصلاة يبدأ يتجول يمينا وشمالاً في التفكير، ومن العجب أنه كان لا يفكر في هذه الأمور قبل أن يدخل في الصلاة، وأعجب من ذلك أنها أمور لا فائدة منها غالبا، فهي لا تهمه في شئون دينه ولا دنياه، ولكن الشيطان عدو بني آدم، يجلبها إليه ليفسد عليه صلاته، ولهذا تجده يخرج من صلاته وما استنار بها قلبه، ولا قرت بها عينه ولا انشرح بها صدره ولا قوي بها إيمانه، بل كأنه في سجن والعياذ بالله؛ لأنها صارت عبارة عن حركات كحركات الآلة، وإن هذا الداء -الهواجيس والتفكير في الصلاة- لداء مستفحل، ومرض منتشر ليس بين عامة الناس، ولكن بين عامة الناس وخواصهم حتى ذوي العلم والعبادة، إلا من شاء الله تعالى ولكن لكل داء دواء ولله الحمد، فإذا أحس الإنسان بذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم وليستحضر أنه بين يدي الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وليتدبر ما يقول في صلاته من الآيات وما يفعل، فلعل الله أن يذهب عنه ما يجد.
стр. 568
سكون الجوارح
وأما سكون الجوارح: فكثير من المصلين لا تسكن جوارحه بل تجده يعبث بيديه ورجليه أو عينيه أو رأسه، وأحيانا يحرك يده ينظر إلى ساعته، ويعبث بلحيته يقدم رجله ويردها، يرفع بصره إلى السماء، ورفع البصر إلى السماء في الصلاة ينافي الأدب مع الله، ولذلك كان حراماً رفع البصر إلى السماء حال الصلاة، وحذر منه رسول الله ﷺ تحذيراً بالغاً وقال فيه قولاً سديداً: ﴿ما بال أقوامٌ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم﴾ فاشتد قوله في ذلك حتى قال: ﴿لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم﴾.
فاتقوا الله عباد الله واحذروا أن تتعرضوا لعقوبة الله.
стр. 569
حكم الحركة لمصلحة الصلاة
أما الحركة التي لمصلحة الصلاة فهذه لا بأس بها بل هي مطلوبة، ولذلك أخر النبي ﷺ ابن عباس ﵄ حين صلى معه فوقف عن يساره، فأخذ برأسه من وراءه فجعله عن يمينه، فإذا تحرك المصلي لتعديل الصف، أو للقرب من الصف أو للدخول في الصف أو للدخول في الصف المقابل له أو جر أخاً له لسد الخلل بينهما فكل ذلك جائز بل مطلوب؛ لأنه من تكميل الصلاة فانتبهوا لذلك يا عباد الله.
واتقوا الله أيها المسلمون في صلاتكم؛ اتخذوها كما افترضها الله عبادة، ولا تتخذوها عادة، اخشعوا فيها لربكم وأحضروا فيها قلوبكم، وسكنوا فيها الجوارح؛ فإن الله مدح الخاشعين في صلاتهم ووعدهم بالفردوس فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١].
اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 570
محاسبة النفس مفضية لمراقبتها
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
أمة الإسلام: ليحمد الله كل واحد منا على نعمة الإسلام والإيمان، ولنعلم أن الله يرانا ويسمع ما نقول ويعلم ما تكنه ضمائرنا، وأن الله منحنا العقل لنحب ما ينفع ونكره ما يضر، ونأخذ الحلال ونترك الحرام، فعلينا أن نحاسب أنفسنا وأن نرجع إلى طاعة المولى جل وعلا الذي خلقنا، ورزقنا وحبانا بالعافية، وأطعمنا وسقانا وكسانا، ومتعنا بالعقول وبالأسماع وبالأبصار وبالعلم والمعرفة، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، فلنحمد الله على ذلك بقلوبنا وألسنتنا وأعمالنا، بأداء ما افترض الله علينا، وترك ما حرم الله علينا، وفي مقدمة ما افترض الله علينا توحيد الله جل وعلا، وإخلاصه بالعبادة وحده لا شريك له، ثم بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المساجد التي بنيت لإقامة الصلاة وذكر الله فيها؛ فالصلاة يا أمة الإسلام هي عماد الدين، والصلة الوثيقة برب العالمين، وهي شعار المسلم، وهي الفارقة بين الإسلام والكفر، وهي تكفر الذنوب والآثام وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد أوجبها الله على كل مسلم بالغ عاقل، أوجبها الله على كل حال في الصحة والمرض ما دام العقل حاضراً، والإقامة وفي السفر والأمن والخوف على قدر الاستطاعة.
стр. 571
تارك الصلاة كافر حلال الدم
اعلموا يا أمة الإسلام أن تارك الصلاة كافر حلال الدم والمال، وأنه لا يزوج بالمسلمة؛ بل إذا تبين أنه تارك للصلاة، فإنها تفسخ منه، ولا يرث ولا يورث ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، الأمر عظيم وخطير يا أمة الإسلام، إلا من تاب وآمن وأقام الصلاة وندم على ما فات من تقصيره فإن الله يتوب على من تاب.
واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
وصلوا على الناصح الأمين، صلوا على من أرسله الله بشيراً ونذيراً وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك القائل ﴿من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحابك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام، اللهم انصر أئمتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، اللهم اقض الدين عنا وعن جميع المسلمين، اللهم نفس كرب المسلمين، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تخذلنا بمعصيتك، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك يا رب العالمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، نستغفرك الله من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك.
اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، اللهم إنا نتضرع إليك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، يا مغيث اللهفان يا مجيب الدعوات، يا محل الكربات، يا محل الشدائد والبليات، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم أحيي بلدك الميت، اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، لا إله لنا إلا أنت، ولا رب لنا سواك، أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تغيثنا، اللهم أغثنا، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 572
الثبات ومواجهة الكيد
المكايد التي تكاد للإسلام عظيمة، تربتها النفس البشرية الضعيفة، وماؤها الثقافة الغربية، والزارع الشيطان وأعوانه؛ فينبغي للمسلم الثبات على دينه، والاستقامة على منهجه والحذر من مضلات الفتن والأهواء.
стр. 573
الاعتصام بدين الله
الخطبة الأولى:
стр. 574
الفلاح في متابعة النبي ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! أيها المؤمنون حقاً! اتقوا الله واشكروه على نعمة الإسلام.
أيها المؤمنون! بين أيديكم دينٌ عظيم اختاره الله لكم، ومنَّ به عليكم، وفضلكم به على كثير ممن خلق تفضيلاً، فهو دين الإسلام، دين اشتمل على كل ما اشتملت عليه أديان الأنبياء، بل دينٌ نسخ جميع الأديان ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وينوه رب العزة والجلال فيقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
والذي بعث لتبليغ هذا الدين هو محمد ﷺ خير رسول عرفته البشرية، فهو أفضل المرسلين وخاتم النبيين، من الله على المؤمنين ببعثته، فهو نور سطع على الدنيا انجلت به ظلمات الجهل والشرك، يقول المولى جل وعلا بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] فبمتابعة الرسول ﷺ تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاح، فالله ﷻ علَّق سعادة الدارين بمتابعة محمد ﷺ ، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح، والعزة والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاوة في الدنيا والآخرة.
وقد أقسم رسول البشرية محمدٌ ﷺ : بأن لا يؤمن أحد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
عباد الله! هذا ربكم جل وعلا في محكم البيان يوصيكم ويقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
عباد الله! بالتمسك بهذا الدين، دين العزة والكرامة، دين مكارم الأخلاق بجميع أنواعها، دين العزة والرقي والأمن والطمأنينة، دين المحاسن بأنواعها؛ بالتمسك به يحصل الأمن والأمان والسلامة والإسلام، إن دين الإسلام ما وجد من فضيلة إلا حث على التخلق بها، ولا من رذيلة إلا حذر من قبحها وبين سوء عاقبتها، فما بال أكثرنا يسير على غير هدى ويقلد الكفار فيما حرمه الله ورسوله؟
стр. 575
نماذج للثبات على الدين
قد أهمل الكثير أمر الدين، واستهانوا بحقوق الله ورسوله، وعبثوا بواجبات دين الإسلام، وتجرئوا على انتهاك حرمات الله، واستبدلوا ذلك بأخلاق الكفار وعاداتهم وتقاليدهم مع الأسف الشديد!
أيها المسلمون! إن المسلم الحقيقي لا يرضى لدينه بديلاً مهما كلفه الأمر، ومهما بذل من قبيل الكفرة من المغريات، أو ناله منهم من الأذى.
نعم.
إن المسلم يبقى أمام كل فتنة صلباً في دينه متمسكاً بعقيدته، ولنا في سلفنا مثالاً، فهذا بلال مؤذن رسول الله ﷺ ﵁ يشتد عليه أذى الكفار حتى أنهم يطرحونه على ظهره في رمضاء مكة الملتهبة بالحرارة، ويضعون الصخرة الثقيلة على صدره يريدون منه أن يترك هذا الدين، فيصمد ويثبت على دينه ويقول: [[أحدٌ أحد]] هذا مثال ضربه لكم بلال ﵁؛ ضربه للذين إذا قيل لهم أنت موسوس أو أنت مطوع انحرف وابتعد عن دين الله.
وهذا حبيب بن زيد يقول له مسيلمة الكذاب: قل لا إله إلا الله، فيعلنها ويقول: لا إله إلا الله، فيقول له مسيلمة: قل: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فيقول: لا أسمع، ثم يقطعه مسيلمة عضواً عضواً ويأبى أن يقول: مسيلمة رسول الله حتى لقي ربه صابراً محتسباً، هكذا الابتلاء يا عباد الله.
وهذا عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ يأخذه ملك النصارى أسيراً عنده ويقول له: اتبعني وأشركك في ملكي، فيأبى ويقول: لا أبغي بدين محمدٍ ﷺ بديلاً، ثم يحمي ملك الروم النحاس بالنار ويغلي القدور لتعذيبه، وعند ذلك يبكي عبد الله بن حذافة، فيطمع ملك الروم برجوعه عن الإسلام ويقول: تتبعني وتترك دينك، فيرد عليه عبد الله بن حذافة ﵁ بقوله: ما بكيت خوفاً على نفسي، ولكن وددت أن يكون لي نفوساً عدد شعري تعذب في سبيل الله فتدخل الجنة بغير حساب.
الله أكبر الله أكبر!
وهذا عمار بن ياسر وأبوه وأمه سمية وأهل بيته عذبوا في الله ليتركوا دين الإسلام فصبروا على العذاب وتمسكوا بالإسلام، ولذلك كان رسول الله ﷺ يمر عليهم وهم يعذبون ويقول: ﴿صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة﴾.
وهذا خباب بن الأرت عُذب في الله وصبر على دينه، وكان من تعذيب المشركين له أن أوقدوا له ناراً وسحبوه عليها فما أطفأها إلا شحم ظهره لما ذاب، كل ذلك وهو صابر على دينه لا يتزحزح عنه قيد شعرة، وكانت أم أنمار وهي سيدته أشد حنقاً عليه من قومها فجعلت تجيء إلى خباب يوماً بعد يوم فتأخذ حديدة محمية من كيره الذي يلين فيه الحديد لصناعة السيوف، فتأخذ تلك الحديدة وتضعها على رأسه حتى يدخن رأسه، ويغمى عليه وهو يدعو عليها، واستجاب الله دعائه فقد أصيبت بصداع لم يسمع بمثل آلامه قط، فكانت تعوي من شدة الوجع كما تعوي الكلاب، وقام أبناؤها يستطبون لها في كل مكان فقيل لهم: إنه لا شفاء لها من أوجاعها إلا إذا دأبت إلى كي رأسها بالنار فجعلت تكوي رأسها بالحديد المحمى فتلقى من أوجاع الكي ما ينسيها آلام الصداع، وهكذا جزاء الظالمين يا عباد الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢] ألا فليحذر الذين يحدثون في دين الله ما ليس فيه أن يدعو عليهم الصالحون فتستجاب دعوتهم.
стр. 576
حنظلة يضحي بحياته في أيام عرسه
أيها المسلمون! هذه نماذج من ثبات المسلمين على دينهم مع شدة الأذى والتعذيب، أضف إلى ذلك ما قدموه في سبيل حماية هذا الدين ونشره، من جهاد بالأنفس والأموال؛ يتساقط منهم مئات الشهداء في المعارك وهم مغتبطون بذلك فخورون، بل تركوا من أجله الديار والأموال، وهاجروا فراراً بدينهم أن يخدش أو يدنس يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله، وما ذلكم إلا لما عرفوا في هذا الدين من الخير والسعادة، وتأصل حبه في قلوبهم حتى صار أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وأموالهم وديارهم، وإليك أنموذجاً شيقاً ظهر من شابٍ من شباب الإسلام الذين جاهدوا في الله حق جهاده، إنه حنظلة غسيل الملائكة ﵁؛ حيث تزوج بامرأة جميلة، ودخل بها تلك الليلة وجامعها ولم يغتسل من جنابته وإذا بمنادي الجهاد يقول: حي على الجهاد حي على الجهاد، فخرج تاركاً زوجته الجميلة وفراشه الدافئ والتحق بصفوف المسلمين وقتل شهيداً، ورأى رسول الله ﷺ عجباً وهو يسأل عن أهل حنظلة، ودل على زوجته، فتعجب الصحابة: لماذا يسأل رسول الله ﷺ ؟ فلما سأل زوجته: ما شأن حنظلة، قالت: إنه جامعني وخرج قبل أن يغتسل من الجنابة لما سمع منادي الجهاد، قال: لقد رأيت الملائكة تغسله بماء السلسبيل في صحائف من ذهب وفضة بين السماء والأرض.
стр. 577
حال بعض المسلمين اليوم
هكذا المسلمون الذين يغارون على دينهم، أما مسلمو هذا الزمان فهم يسمعون الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم فلا يجيبون داعي الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحنظلة ﵁ يخرج من زوجته الجميلة ومن فراشه، وقبل أن يغتسل من الجنابة يلتحم في صفوف المسلمين ويخر صريعاً في سبيل الله إجابةً لنداء الله، والمسلمون الآن أكثرهم ولا حول ولا قوة إلا بالله تشكو إلى الله صلاة الفجر من أفعالهم، لا يعرفون الصلاة إلا في رمضان، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
ألا يخافون من عقاب الله ألا يخشون أن يكونوا من المنافقين الذين موعدهم في الدرك الأسفل من النار، نعم.
أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً، فليحذر الذين يتخلفون عن صلاة الفجر أن يكونوا من المنافقين الذي موعدهم الدرك الأسفل من النار، فالظهر والعصر والمغرب والعشاء كلها فرائض لله ألحق بها الفجر يا عبد الله، اتق الله قبل أن يأتيك هاذم اللذات وأنت لا تعرف صلاة الفجر.
اتق الله يا عبد الله، خف الله، راقب الله؛ منادي الله ينادي: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، وقد أثقلك عن صلاة الفجر سهرك مع الملاهي والمعاصي لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
عبد الله! رسول الهدى ﷺ يقول: ﴿من صلى البردين دخل الجنة﴾ أتدري ما البردان؟ إنهما الفجر والعصر فحافظ عليهما إن أردت أن تكون من أهل الجنة.
وفقنا الله جميعاً لما يحبه ويرضاه، وجنبنا جميعاً ما يغضبه ويأباه إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 578
مواجهة الغزو الفكري وغيره
الخطبة الثانية:-
стр. 579
التحذير من المعاصي
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] وعد الصالحين بجنته ومستقر رحمته، وتوعد العصاة بدار نقمته وزوال نعمته، وهي جهنم التي وقودها الناس والحجارة، رب العالمين، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، فهو إله الأولين والآخرين، أحمده سبحانه وأسأله أن ينظمنا في سلك عباده الصالحين، وأن يجعلنا من حزبه المفلحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله وتأسوا بسلفكم الصالح، فقد كان المسلمون إذا سمعوا الآيات القرآنية، أو الأحاديث النبوية استجابوا لداعي الله وأقلعوا عن الخطيئة، ولم يصروا على ما فعلوا من المخالفات الشرعية، أما نحن فكم نسمع من الآيات والأحاديث، ولكن ران على القلوب الران، واستحوذت على القلوب الغفلة، واستحسنت القلوب الفسوق والعصيان، فأقبلت على الفساد وأعرضت عن تعاليم الملك الديان إلا القليل.
أيها المسلمون! إذا نظرنا بدقة إلى ما نحن عليه الآن من فساد الأخلاق ومجاهرة الفساق بأوصاف النفاق، رأينا بوناً شاسعاً بين المسلمين وتعاليم الكتاب المبين، وبين سيرة خاتم النبيين محمد ﷺ .
أجل يا عباد الله! لقد استيقظ رسول الله ﷺ ذات ليلة فزعاً محمراً وجهه يقول: ﴿لا إله إلا الله لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح الليلة من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها قالت زينب بنت جحش ﵂: يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم إذا كثر الخبث﴾.
стр. 580
الدعوة إلى مجتمع صالح
أجل يا عباد الله! إن المجتمع الذي يهتدي بنور الدين، ويعمل بشعائر الإسلام، ويتحلى بالأخلاق القويمة هو المجتمع الرفيع الراشد السعيد، هو المجتمع الذي كتب الله له العزة، ووعده بالخلافة في الأرض لصلاحه كما هي سنة الله في الذين خلوا من قبل؛ فإن الصالحين يعم الله بصلاحهم ويقطع بهم دابر الفساد؛ لما يقومون به من الدعوة إلى الله وإظهار دينه، وعلى العكس يا عباد الله! على العكس من هذا المجتمع السعيد مجتمع الفشل، المجتمع الذي يتمادى فيه الأقزام المفسدون بطغيانهم وإفسادهم، المجتمع التي تنتكس فيه الأوضاع، فيصبح فيه المنكر معروفاً والمعروف منكراً، حتى أنهم في بعض المجتمعات المنهارة، المجتمعات المنحطة يسمون المتدين المتمسك بدينه رجعياً متطرفاً، لذلك تجد ضعفاء الدين الذين لم يذوقوا طعم الإيمان إذا سمعوا هذه الألفاظ ذهبوا وعمدوا إلى لحاهم وحلقوا اللحى، وأطالوا الثياب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إذا سمعوا هذا الألفاظ عمدوا إلى الإستريوهات واشتروا الأغاني ليقلدوا أولئك الفسقة الذين خرجوا عن دين الله بفسقهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنهم يسمون المتحلل من الدين والمتحلل من الخلق القويم يسمونه منطلقاً وحراً، ألا بئست الانطلاقة وبئست الحرية، يشربون الخمور وهي أم الخبائث التي جنت الفضائح، وخربت الدور العامرة وأفسدت البلاد، يسمونها المشروبات الروحية، ألا بئس ما يصنعون.
وبأساليبهم الخبيثة؛ بمجلاتهم وجرائدهم ينادون المرأة المتحشمة المتمسكة بدينها، ويسمونها المعقدة والمقيدة بالأغلال، ويريدونها أن تخطو الخطوات الشيطانية، يريدونها أن تخرج في ميدان العمل لتزاحم الرجال في مجتمعاتهم، لتخرج على شاشة التلفاز، لتخرج في المسرح لتمثل، إنها دعوةٌ إلى الدعارة، دعوةٌ إلى السفور، دعوةٌ إلى الشر المستطير والجاهلية، ألا تنكرون ذلك أيها المؤمنون، ألا تغارون على محارمكم، ألا تهتكون هذه المجلات، ألا تحاربونها بكل ما أتاكم الله من علم وبصيرة، فإنها تنشر الشر والفساد، وتنشر الدعارة وسوء الأخلاق بين العباد، إنهم يريدون أن تخرج المرأة سافرة متعطرة عليها اللباس القصير تقود السيارة وتزاحم الرجال في مجتمعاتهم، وهل عرف هذا في مجتمع الإسلام سابقاً يا عباد الله، قولوا: (لا) في قلوبكم وأنا أعلنها على هذا المنبر: لا ثم لا ثم لا، بل عاشت المرأة المسلمة متحشمة عفيفة صانها رجال الأمن والإسلام في أول الإسلام.
стр. 581
إصلاح المرأة
وهذا رسول الله يضرب لكم مثلاً في فاطمة ﵂ ويقول: ﴿يا فاطمة! ما خير مال المرأة؟ قالت: ألا ترى الرجال ولا يرونها، فضمها إلا صدره وقال: ذريةٌ بعضها من بعض﴾ هكذا يا عباد الله كان السلف الصالح، نشأوا على هذه الأخلاق الطيبة، ولكن أعداء الإسلام وأعداء المسلمين يريدون أن يخرجوا هذه المرأة المتحشمة، حسدوها على هذه النعمة، حسدوها على هذه العفة، حسدوها على هذه الحشمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم من أراد الإسلام والمسلمين، وأخلاق الإسلام وأخلاق المسلمين، وعقيدة الإسلام وعقيدة المسلمين، من أرادها بسوءٍ وشرٍ وهدمٍ فاجعل كيده في نحره ودمره تدميراً يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله! صلوا على رسول الله الذي أتاكم من الله ليخرجكم من الظلمات إلى النور، لقد أمركم الله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أيقظنا من رقدتنا، اللهم اشفِ مرض قلوبنا، اللهم اشفِ مرض قلوبنا التي استحسنت الجرائد والمجلات، واستحسنت الأفلام والتمثيليات، اللهم أخرج هذه الأمراض من قلوبنا، اللهم أخرج هذه الأمراض من قلوبنا، واستبدلها في قلوبنا القرآن والسنة يا رب العالمين.
عباد الله! والله إنه لا صلاح لكم ولا سعادة، إلا إن رجعتم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتمسكتم بهما وطبقتموهما بحذافيرهما، فإنكم سترون السعادة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما إذا استمررنا على هذا الانحطاط كل يوم مجلة، أو خمس مجلات تدخل البيوت، والأفلام من جهة والتمثيليات من جهة، فإنكم ستفقدون هذه الغيرة وسيخسف بالقلوب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم انصرنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أكرمنا بالإسلام، اللهم ارفعنا بالإسلام، واجعلنا هداة مهتدين دعاة إلى الخير مطبقين له، ناهين عن الشر ومبتعدين عنه يا رب العالمين، اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تصلح ولاة أمورنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم أبعد عنهم جلساء السوء، اللهم أبعد عنهم جلساء السوء الذين لا يحذرونهم من الشر بل يدعونهم إليه، اللهم قرب منهم جلساء الخير، اللهم قرب منهم العلماء الورعين العاملين الذين يعينونهم إذا ذكروا ويذكرونهم إذا نسوا يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونسائنا واجعلهم قرة أعين لنا، واحمنا وإياهم من مضلات الفتن يا رب العالمين، اللهم أجرنا من مضلات الفتن.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم نسألك أن تجمعنا ووالدينا ووالد والدينا، وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في جنات الفردوس الأعلى، اللهم اجمعنا في جنات الفردوس الأعلى، اللهم اجمعنا في جنات الفردوس الأعلى، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم يا أرحم الراحمين، يا أرحم الرحمين.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 582
لا تكونوا كالذين نسوا الله فنسيهم
من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل لهم مواسم للخيرات ليحثهم على المسارعة في الطاعات كشهر رمضان الكريم؛ فإن فيه تُضاعف الحسنات، وبعد انقضاء هذا الموسم العظيم يعود كثير ممن أقبلوا على الطاعات إلى التفريط فيها وارتكاب المنكرات كترك الصلوات والتهاون في تأديتها، فيقال لهؤلاء وأمثالهم: إن عبادة الله ليس لها وقت معين تنتهي إليه دون الموت؛ فهناك أعمال صالحة بعد رمضان كصيام الست من شوال ونحوها.
стр. 583
العبادة حق الله لا تنتهي إلا بموت العبد
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، ولازموا طاعة مولاكم في السر والعلانية.
أمة الإسلام: يا أمة التوحيد! يا أمة القرآن! هاأنتم تودِّعون شهر رمضان المبارك الذي كان ميدان تنافسٍ للصالحين بأعمالهم، ومجال تسابق للمحسنين بإحسانهم، وعامل تهذيب النفوس المؤمنة، روضها على الفضيلة، وارتفع بها عن الرذيلة، وأخذت فيه دروساً للسمو الروحي، والتكامل النفسي، فجانبت كل قبيح، واكتسبت فيه كل هدى ورشاد، فيجب على تلك النفوس المؤمنة أن تستمر على نهج الهدى والرشاد، والاستقامة على طاعة المولى جلَّ وعلا كما كانت في رمضان، فإن في دوامها على ذلك الهدى والرشاد والاستقامة نعيم الصالحين، وإرضاء رب العالمين.
أمة الإسلام: ليس للطاعة زمنٌ محدودٌ تنتهي بانتهائه، ولا للعبادة أجلٌ معينٌ، بل العبادة هي حق الله على العباد ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] نعم يا عباد الله! الله جلَّ وعلا لم يخلقنا ليستكثر بنا من قلة، ولا ليستقوي بنا من ضعف، بل خلقنا لطاعته، خلقنا لابتلاءٍ وامتحان، خلقنا للعبادة.
والعبادة: هي حقٌ لله يقوم بها العباد في جميع الأوقات، ويشغلون بها فرص الحياة، ويقطعون بها سويعات العمر، فالعبد الذي يقطع مرحلة الحياة في طاعة الله، وفي مرضاة الله، هو من أوليائه المتقين الذين وعدهم الله بعظيم الأجر، وسابغ الفضل، حيث يقول وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات:٤١ - ٤٤] هكذا يجزيهم المولى جلَّ وعلا، هكذا يجزيهم رب العالمين أحكم الحاكمين وأعدل العادلين؛ لأنهم عاملوه معاملة العارفين الذين عرفوه حق المعرفة، فقدروه حق قدره، وقاموا بحقه حق القيام، فجازاهم بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، جازاهم في دار الكرامة، في دار النعيم، في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فهنيئاً لهم تلك الكرامة في جوار إله الأولين والآخرين.
فيا أرباب الهمم العالية: ويا مَنْ قد تفضل عليهم المولى جلَّ وعلا بإتمام صوم رمضان! وأسبغ عليهم العفو والغفران، وكتب لهم العتق من النيران، يا مَنْ تفضل عليهم المولى جلَّ وعلا بإتمام الصيام والقيام، وأسبغ عليهم العفو والغفران وكتب لهم العتق من النيران! واصلوا الإحسان بالإحسان، واصلوا الإحسان بالإحسان، واصلوا الإحسان بالإحسان، واتقوا ربكم، فإن من تقواه المداومة على عمل البر والإحسان، واعزموا عقد النية على التزام المسلك الراشد الذي التزمتموه في رمضان، فإنه من المؤسف جداً يا عباد الله انهزام تلك الصفوف، إنه من المحزن جداً أن البيوت مليئة بالناس، ولا يرون في المساجد إلا في رمضان، ثم بعد رمضان ينتكسون ويعودون من طاعة المولى جل وعلا إلى طاعة الشيطان، فإنهم في ذلك الفعل الوخيم قد عصوا جبار السماوات والأرض، قولوا لهم يا عباد الله! قولوا لهم يا من تجاورونهم! قولوا لهم يا من تجتمعون بهم! بلغوهم إن كانوا يقبلون المواعظ قبل أن ينزل بهم هادم اللذات، بلغوهم، قولوا لهم: إن كنتم تؤدون الصلاة في رمضان طاعةً لله، فداوموا على طاعة الله، أما إن تركتم الصلاة، ولم تؤدوها بالكلية، فقد كفرتم بالله العظيم.
стр. 584
الصلاة وحكم تركها
تارك الصلاة -يا عباد الله- كافرٌ ملعونٌ لا يُصلى على جنازته إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث، تارك الصلاة لا ينكح من المرأة المسلمة، تارك الصلاة لا يُآكل ولا يُشارب، بل يهجر ولا يجالس، قولوا لهم -يا عباد الله- إن كانوا يقبلون القول قبل أن ينزل بهم هادم اللذات، وقولوا للذين لم يتركوا الصلاة بالكلية إنما يصلون في بيوتهم مع النساء، قولوا لهم: يا من رضيتم بالصلاة في البيوت مع النساء! قد ارتكبتم كبيرةً من كبائر الذنوب، وقد توعدكم الله بويلٍ في جهنم ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] قيل: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها لبعدهم عن جماعة المسلمين.
نعم يا عباد الله: من تهاون بالصلاة، توعده الله بـ (غي) وهو وادٍ في جهنم، من تهاون في الصلاة فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، من صلى في بيته فقد ترك سنة محمد ﷺ ، ومن ترك سنة محمد فقد ضل، نسأل الله العفو والعافية.
وقال بعض العلماء: [[سئل ابن عباس ﵄ عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يشهد الجمعة، ولا الجماعة، فقال: هو في النار]].
هذا حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ وأرضاه، الصحابي الجليل، لما سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولكنه لا يشهد الجمعة ولا الجماعة، قال: هو في النار ثم عاد إليه السائل بعد شهر، فسأله، فقال: هو في النار.
وفي الحديث الذي يروى مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ويروى موقوفاً على علي ﵁ وأرضاه الذي قال فيه: ﴿لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد﴾ وجار المسجد هو الذي يسمع النداء، ولقد همَّ النبي ﷺ بإحراق البيوت على الناس الذين لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، وفي رواية، قال: ﴿لولا ما فيها من النساء والذرية، لأحرقتها عليهم بالنار﴾؛ لأن النساء ليس عليهنّ صلاة جماعة، وكذلك الذرية -الصغار- الذين لم يميزوا لا يجب عليهم حضور الجماعة، وهذا الذي منع رسول الله ﷺ من إحراق أولئك الذين لا يشهدون الصلاة مع الجماعة بالنار.
فلنتق الله عباد الله، ولنواصل أعمال الخير التي كنا نعملها في رمضان، حتى يتوفانا الله جلَّ وعلا وهو راضٍ عنا، قال الحسن البصري ﵀: [[إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ قول الحق جلَّ وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]]].
وقيل لبعض العارفين -وهذه مسألة متقدمة-: إن قوماً يتعبدون ويتهجدون في رمضان، ثم إذا خرج رمضان ودعوا المساجد، وودعوا أعمال الخير، فقال: بئس القوم لا يعرفون الله حقاً إلا في رمضان.
هذه كل عاقل يقولها -يا إخوان- بئس القوم لا يعرفون الله حقاً إلا في رمضان، فإن رب رمضان رب العام كله جلَّ وعلا، فما الذي جعلك أيها الجاهل الذي لم تعرف حقوق الله تعبد الله في رمضان، وإذا خرج رمضان انتهيت من العبادة؟ نسأل الله العفو والعافية.
إن هؤلاء ربما يكونوا عبدوا رمضان، ولم يعبدوا الله جلَّ وعلا، لأن الله قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ما قال اعبد ربك في رمضان، وإذا خرج رمضان فاطو السجادة وارفع المصحف، حتى يبني عليه الغبار إلى رمضان الثاني، ثم لا يعلم هل سيدرك رمضان الثاني أم لا؟ لا والله.
كلنا لا يدري، وكلنا لا يدري هل يصلي العصر أم لا.
وكلنا لا يدري هل نصلي هذه الفريضة أم لا.
стр. 585
التدارك والتوبة قبل الفوات
عباد الله: إن ملك الموت موكلٌ بنا لا يغفل عنا ساعة، فمتى تم الأجل وانقضت المدة المعينة، هجم علينا هادم اللذات واستل الروح، وأخرجها من العصب والقصب، وظل الجسم منطرحاً يتمنى أن لو ازداد من طاعة الله، ولكن هيهات هيهات.
فاتقوا الله عباد الله قبل أن ينزل بكم هادم اللذات، قبل أن يشخص البصر، وقبل أن تلتف الساق بالساق، وقبل أن توضعوا في تلك الحفر، ثم تخلوا بأعمالكم إن كانت صالحة أو سيئة، فالفرق بين ذلك عظيم.
ثم بعد ذلك يأتي يومٌ تتشقق فيه السماء بالغمام، وتشخص فيه الأبصار لله الحي القيوم، وتشيب فيه الصغار، وتزفر فيه جهنم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك تحيط الأوزار، في ذلك اليوم العظيم ينصب الصراط، ويقرب العذاب، تشيب الصغار، ويشهد الكتاب، ويحضر الحساب، ويعظم العقاب، فيا له من يومٍ ما أطوله! ويا له من يومٍ ما أهوله! فكم من شيخٍ كبير فرط وأضاع عمره في غير طاعة الله، يصيح بأعلى صوته: واشيبتاه، واشيبتاه، واشيبتاه!
وكم من كهلٍ أو شاب اغتر في شبابه، فضيع أوامر الله ورسوله وارتكب المحرمات وترك الصلاة وبارز المولى بالمعاصي، حالقٌ للحيته، مسبلٌ لثيابه، متشبهٌ بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين، حياته مع الديسكو، حياته مع الموسيقى، حياته مع الغناء، قضى حياته دائماً مع المخدارت والمسكرات، يؤذي المسلمين في مرافقهم العامة حتى إذا جاءه الأجل وهو على هذه الحالة، فهو ينادي: واشباباه! ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١].
عباد الله: أعدوا العدة لذلك اليوم، وخذوا الأهبة وتزودوا لذلك اليوم، فإن خير الزاد ليوم القيامة تقوى الله ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨].
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا ودعاءنا وتضرعنا بين يديك، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا ممن فازوا بجائزتك يا رب العالمين! اللهم لا تردنا خائبين، ولا من رحمتك يائسين، ولا من عطائك مفلسين، اللهم اجعلنا ممن يواصل العمل في حياته حتى ترضى عنه بعد وفاته يا رب العالمين! واجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها خالصةً لوجهك الكريم، وتقبلها منا يا رب العالمين.
وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، وصلوا على رسول الله.
стр. 586
الأعمال المرغب فيها، والمرهب منها
الحمد لله الذي كتب على هذه الخليقة فناءً وزوالاً، وجعل لكل شيءٍ منها إدباراً وإقبالاً، ليدلنا بذلك على أن لكل نازلٍ رحيلاً وانتقالاً، أهل علينا شهر رمضان ليفيض فيه علينا من الرحمة والإحسان والغفران، ففاز من أطاع الله فيه، وخاب وخسر فيه من أساء الأعمال وعصى الرحمن، فسبحان من قسم عطاءه بين خلقه، فهذا مقبولٌ وهذا مردودٌ، أحمده وأشكره إذ أعاننا على الصيام والقيام كرماً منه وتفضلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله القائل وقوله الحق: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] فلئن انقضى صيام رمضان، فإن العام -يا عباد الله! يا أمة الإسلام- كل العام عبادة.
стр. 587
صيام ستة أيام من شوال
في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ ، قال: ﴿من صام رمضان ثم أتبعه بستٍ من شوال، كان كصيام الدهر﴾ هذا حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه، ورواه غيره من رواة الحديث.
عباد الله: إن الناس قد يتحدثون كثيراً عن صيام ستٍ من شوال، فمنهم من يفتي بغير علمٍ -نسأل الله العفو والعافية- والرسول ﷺ يقول: ﴿من كذب عليَّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار﴾ فما بال من يفتي بغير علم؟ منهم من يقول: من صام بعد العيد مباشرةً، فإنه لا يجوز له الصيام، من أين أتوا بهذه الفتوى؟ من أين أتوا بها يا عباد الله؟ من مجالس السمر، من مجالس قضاء الأحاديث المخزية المردية التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، أما لو كانت مجالس ذكر وحلق علمٍ لاستفادوا من ذلك، وعلموا أن الصيام بعد العيد مباشرةً -يعني: في اليوم الثاني- من الرغبة في الخير، ومن حب الخير؛ لأن هذا من المبادرة إلى الخير، وكذلك إذا بادر الإنسان في صيام هذه الستة الأيام، فإنها تخف عليه؛ لأنه لا زال في ميدان رمضان وعرف الصيام واعتاد على الصيام، فإنها عند ذلك لا تثقل عليه، وهو كذلك من المبادرة إلى طاعة الله جلًّ وعلا.
الفتوى الثانية: يقولون: إنه من صام ستاً من شوال فإنها تلزمه طول العمر، وهذا كذلك افتراء وكذب، فإن صيام ستٍ من شوال سنة إذا صمتها أثابك الله، وإن تركتها لم يعاقبك الله، فإن تيسر لك فصمها، وإن لم يتيسر فلا تصمْها ولا شيء عليك.
الثالثة: يقولون: لا يجوز تفريدها، إنما تجوز سرداًَ وإلا لا تصام، سبحان الله! الرسول ﷺ قال: ﴿ستٍ من شوال﴾ ولم يقل متتالية، قال العلماء ﵏: يجوز أن يصومها متفرقة، وكذلك يجوز صيامها في أول الشهر، أو في وسط الشهر، أو في آخر الشهر، ويجوز صيامها مجتمعة أو متفرقة، ويجوز أن يصومها سنة أو يتركها سنة، فلا شيء عليه، فهذه سنة يا عباد الله! فهذا فضلٌ عظيم كصيام الدهر، لأن صيام رمضان بعشرة أشهر والأيام الستة بشهرين، فتكون كصيام الدهر يا عباد الله! فبادروا إلى هذا الفضل العظيم، واغتنموا أوقات العمر، وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.
стр. 588
صيام ثلاثة أيام من كل شهر
وكذلك سَنَّ لنا رسول الله ﷺ صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فقال ﷺ : ﴿صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله﴾ رواه الإمام أحمد، ورواه مسلم رحمهما الله، وقد أوصى النبي ﷺ أبا هريرة بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وأوصى أبا ذر ﵁ وأرضاه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا تتقيد بالثالث عشر، ولا الرابع عشر، ولا الخامس عشر، بل صيام ثلاثة أيام إن صمتها من أول الشهر، أو وسط الشهر، أو آخر الشهر فجائز كما قالت عائشة ﵂ في صحيح مسلم: ﴿كان رسول الله ﷺ لا يبالي من أي الشهر صام﴾ أي: الثلاثة أيام، فإن تيسر لك صيام ثلاثة أيام من أول الشهر، أو من وسط الشهر، أو من آخر الشهر، فكل ذلك جائز، وأنت مأجور إن شاء الله، وهذا فعل النبي ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ لـ أبي ذر: ﴿إذا صمت من الشهر فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة﴾ رواه الإمام أحمد والنسائي، وفي صحيح مسلم قال ﷺ : ﴿أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم﴾ وكان ﷺ يتحرى صيام الإثنين والخميس، فهذا هديه ﷺ في الصيام في كل عام.
стр. 589
صلاة الليل
وقد شرع قيام الليل في غير رمضان، فإن قيام الليل سنة ثابتة من فعل النبي ﷺ ، وقد حث عليه ﷺ ، فقال: ﴿أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾ وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: ﴿أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾ وذلك أن الرب جلَّ وعلا ينزل كل ليلة -وليس في رمضان خاصة- إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بعظمته وجلاله، ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: ﴿من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له﴾.
стр. 590
رواتب النوافل
كذلك يُسَنُّ للمسلم أن يحافظ على رواتب النوافل حتى يحظى بالأجر من الله جلَّ وعلا، يقول ﷺ : ﴿ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ وهو حديث صحيح في صحيح مسلم، قال العلماء: أن الاثنتي عشرة وردت في حديث آخر هي: أربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح، فاجتهدوا -إخواني- في فعل الطاعات، وقد قال ﷺ في حديث صحيح: ﴿ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها﴾ النافلة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بالفريضة يا عباد الله إذا تقبلها الله منكم.
يا عباد الله: اجتهدوا في طاعة المولى جلَّ وعلا، فإنها خير عدةٍ تعتدونها للقائه، واحذروا من معصيته وغضبه، فإنه ينتقم ممن عصاه وتعدى حدوده بأليم عقابه، يقول : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٣ - ١٤] فاتقوا الله -عباد الله- وبادروا إلى طاعته.
стр. 591
تحريم إسبال الإزار
اعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الناصح للأمة، المبلغ عن ربه حيث قال وهو لا ينطق عن الهوى: ﴿من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة﴾ رواه البخاري ومسلم، انتبهوا يا عباد الله! وبلِّغوا حديث رسول الله ﷺ : ﴿من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة﴾ رواه البخاري ومسلم.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً﴾ متفق عليه، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار﴾ رواه البخاري.
الشريعة الإسلامية واسعة، وليس لأحدٍ أن يروغ أو يزيغ إلا من أراد الله إزاغة قلبه -نسأل الله العفو والعافية- فالبعض من الناس يقول: أنا لا أجر الثوب، ولا أجر الإزار، ولا أجر البشت خيلاء، وإنما زينة، ثم يأتي حديث الرسول ﷺ الذي في صحيح البخاري ويقول له: ﴿ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار﴾ شئت أم أبيت، رضيت أم سخطت، جررته زينة أو خيلاء أو بطراً، إن جررته خيلاء وبطراً فإن الله لا ينظر إليك يوم القيامة، وإن جررته -كما قلت زينة- والله أعلم بنيتك وسريرتك فإن ما أسفل من الكعبين ففي النار، وليست النار تأكل الخرق، ولكنها تأكل اللحم والعظم.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم﴾ قرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر ﵁ وأرضاه تلميذ الرسول، الصحابي الجليل الذي تربى في مدرسة رسول الله قال: ﴿خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل﴾ المسبل الذي يقول للخياط: اجعل شبراً على الأرض، والمرأة تقول للخياطة: ارفعي شبراً عن الساق، أخرجي الساقين أخرجي القدمين، نحن في التطور! نحن في الانحطاط، نحن في اتباع الكفار والمشركين، ارفعي الثوب عن الساق، شقي الثوب من هنا ومن هنا حتى يخرج الساق، والله ثم والله أن بعض النساء إذا مررت بها ورفع الهواء عن ثوبها، فإنه يخرج إلى الفخذين، والله ثم والله لقد رأينا الفخذين من بعض النساء نعم، إن أراد الإنسان أن يغض بصره ويرمي به إلى الأرض، نظر الفخذين والساقين، وإن رفع، نظر الوجه والحمرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
نعم يا عباد الله هذا زمن فتن كقطع الليل المظلم، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الإسلام، هذا رسول الله ﷺ يحذر من هذه الثلاث، ثم يقول أبو ذر: ﴿خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب﴾ وكل هذه موجودة في المسلمين الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
أما بعد:
يا عباد الله: فلا أحب الإطالة عليكم، فسنة رسول الله موجودٌ فيها هذا، ولكن إنما أريد بذلك التحذير والبيان، وأسأل الله أن يحيينا وإياكم على الإسلام، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يجعلنا ممن يتبع محمداً ﷺ ، ويقتدي به في الدقيق والجليل حتى يتوفاه الله وهو راضٍ عنه.
اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم رد المسلمين إلى دينهم الحق، اللهم ردهم إلى دينهم الصحيح، اللهم ردهم إلى تعاليم دينك يا رب العالمين، اللهم وفقنا جميعاً للاقتداء بسيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم وارفع عافيتك عنهم، ومزقهم كل ممزقٍ يا رب العالمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين، ووفقهم للحكم بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، ووفقهم لتطبيقهما على الوجه الذي يرضيك يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أقر أعيننا بصلاح أولادنا ونسائنا، واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وإخواننا وأخواتنا وأحباءنا وجميع إخواننا المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات في جنات الفردوس الأعلى يا رب العالمين، اللهم اجمعنا جميعاً في جنات الفردوس الأعلى يا رب العالمين! اللهم اجمعنا جميعاً في جنات الفردوس الأعلى يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.
стр. 592
عندما رجف المنبر
لابد للمرء ليكون في صلة مع الله والدار الآخرة من تذكير، وأعظم ذكرى وموعظة هي الموت، وفي هذه الخطبة تذكير بالموت وما بعده من الأهوال والشدائد، مما قد يجعل العاصي يتوب، والمطيع يستزيد.
стр. 593
الموت وما بعده
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واقنعوا من هذه الدنيا بالقليل، واعلموا أنكم سوف تنتقلون منها على رغم أنوفكم رضيتم أم سخطتم قريباً أم بعيداً، ولكن خذوا حذركم.
أيها الإخوة في الله: لا تغتروا فإنه قد اغتر من كان قبلكم حتى أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، وانتقلوا من الدنيا وهم يتأسفون ويتحسرون؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
أجل يا عباد الله: استعدوا للموت قبل أن تناخ للرحيل الركاب، تنبهوا قبل هجوم هادم اللذات ومفرق الجماعات؛ إنه الموت الذي لا يستأذن على الملوك ولا يدخل من الأبواب، إنه لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً ولا يخاف عظيماً، ثم بعد ذلك القبر وما فيه من الأهوال، إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار.
بعد ذلك عباد الله: البعث والحشر وأهواله وأحواله الصعاب؛ من طول المقام وازدحام الأقدام والأجسام.
يوم القيامة لو علمت لهوله لفررت من أهل ومن أوطان
يوم تشققت السماء لهوله وتشيب منه مفارق الولدان
يوم عبوس قمطرير شره في الخلق منتشر عظيم الشان
يوم يجيء المتقون لربهم وفداً على نجب من العقيان
ويجيء فيه المجرمون إلى لظى يتلمظون تلمظ العطشان
يابن آدم! لو رأيت أو تصورت ما يحل بك، وما يحيط بأرجاءك في ذلك اليوم العظيم لبقيت مصروعاً لما بك.
يابن آدم! أما علمت أن أمامك القيامة يوم الصاخة، يوم الطامة الكبرى، يوم القارعة، يوم الحاقة، يوم الزلزلة.
يابن آدم! أما علمت أن بين يديك يوماً يصم سماعه الآذان، ويشيب لروعه الولدان، يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها.
وترى الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور
стр. 594
التذكير بالقيامة وأهوالها
أيها الإخوة في الله: تذكروا دائماً يوم القيامة، قفوا عند سماع تلك الأسماء العظيمة التي تهز القلوب هزاً، قفوا عند سماع الطامة، قفوا عند سماع الصاخة، قفوا عند سماع القارعة، قفوا عند سماع الحاقة، ثم تذكروا قول رسول الله ﷺ : ﴿يا أيها الناس! اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه﴾ نعم.
جاء الموت بما فيه، جاء هادم اللذات ومفرق الجماعات وميتم الأطفال، ومرمل النساء، ثم تذكروا بعده ذلك اليوم العظيم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
قال ابن مسعود ﵁: ﴿جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال يا محمد: إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]﴾.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض﴾ وعن ابن عمر ﵄ قال: ﴿إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ورسول الله ﷺ يقول: هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر، يمجد الرب نفسه؛ أنا الجبار؛ أنا المتكبر؛ أنا الملك؛ أنا العزيز؛ أنا الكريم؛ فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرن به﴾.
أيها الناس: إن يوم القيامة عظيم، لقد غفلنا عن يوم القيامة، لقد تناسينا يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجا﴾ [النبأ:١٨].
يوم القيامة تفتح فيه أبواب السماء وتسير فيه الجبال، يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبأ:٣] يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٥ - ٢٦] ويلك أيها الظالم من ذلك اليوم العظيم.
يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] لأن الرحمن جمعهم على أرض مستوية؛ لا جبال فيها ولا وهاد ولا أودية، يسمعهم الداعي ويبصرهم الناظر وقد خرجوا من القبور سراعاً، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤].
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُون * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٨ - ٧٠].
تفكروا في ذلك اليوم، أنسيتم يوم القيامة؟ ما هذه الغفلة؟ وما هذا الإعراض؟ تذكروا يوم القيامة وما يحصل فيه من الوقوف حفاةً عراةً غرلاً، تذكروا ذلك اليوم الرهيب وما فيه من الكروب والهموم والغموم، وقد طال القيام واشتد الزحام، وكثر البكاء والنحيب، ونفد الدمع، وفر كل قريب من قريبه، وتقطعت الأنساب، والصلات، وقد جمعهم المولى في صعيد واحد.
стр. 595
الحساب الأخروي
نعم.
يا عباد الله: تذكروا يوم القيامة، وقد جمعهم الله في صعيد واحد، قد أحاطت الأملاك ولا مفر من الله إلا إليه ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨ - ٢٣] هنيئاً لهم إذا قيل لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٢٤ - ٣٠] يا له من نداء ما أفظعه على رءوس الأشهاد إذا قال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣١] ياله من مشهد ما أفظعه، إذا سلك في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً! يا لها من أحوال ما أفظعها إذا صلي بنار جهنم!
عباد الله: تذكروا المرور على الصراط، وعلى الصراط خطاطيف مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه؛ فمن الناس من ينجو، ومنهم من يخدش، ومنهم الموبق بعمله، ولن ينجو في ذلك اليوم إلا أهل التقى، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أترون ذلك الورود؟ إنه على نار جهنم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١ - ٧٢].
اللهم اجعلنا من الناجين في يوم القيامة، اللهم اجعلنا ممن يعطى كتابه باليمين، ولا تجعلنا ممن يعطى كتابه بالشمال، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 596
جزاء المؤمنين وجزاء المجرمين يوم القيامة
الحمد لله على إحسانه، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 597
تخفيف الحساب على المؤمن وما يلقاه من نعيم
أيها الناس! اتقوا الله واعلموا أنه ورد في الآثار أن يوم القيامة يكون كفريضة صلاة على المؤمن، فلا تسأل عما يحصل للمؤمن من تخفيف الحساب، ومغفرة الذنوب، وتثقيل الموازين، ومجاوزة الصراط، ثم المرور على حوض المصطفى ﷺ الذي من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ثم لا تسل عن تمام الفرحة والسرور إذا أخذ الكتاب باليمين، ثم يقال للمؤمنين الذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]
اسمع يا عبد الله! لأنك سوف تقف أمام أحكم الحاكمين، اسمع ما الذي يقال للمؤمنين؛ الذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٧٠] ثم يساقون إلى جناتٍ تجري من تحتها الأنهار قصورها لبنةٌ من ذهب، ولبنة من فضة، وبلاطها المسك الاذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، وخيامها اللؤلؤ المجوف، هي والله نورٌ يتلألئ، وريحانة تهتز، ونهر مطرد، وفاكهة وخضرة، وزوجات حسان، هناك ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٢٨ - ٣١] هناك يأكلون ويتمتعون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، ولا يبولون، بل مسك يرشح من أجسامهم.
هناك في الجنة يا عبد الله يضحكون ولا يبكون، هناك في الجنة يقيمون ولا يضعنون، هناك في الجنة يحيون فلا يموتون، هناك في الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩].
هناك في الجنة جمال مبين، هناك في الجنة حورٌ حِسان، هناك في الجنة كل نعيم أبدي، هناك في الجنة الزيادة وهي النظر إلى وجه العزيز الوهاب، إذا اجتمعوا في ذلك الوادي الأفيح؛ اللهم اجعلنا معهم يا رب العالمين، فيالها من لذة وياله من سرور ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٣].
في تلك الجنة: ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إن نجينا من دار الذل والهوان.
стр. 598
جزاء المجرمين في جهنم
جهنم يا عبد الله هي دار الذل والهوان والعذاب والخذلان، فيا ويل من عصى الله ورسوله وتعدى الحدود؛ فإن مثواه جهنم ومأواه دار الشهيق والزفرات، دار الأنين والعبرات، دار أهلها أهل البؤس والشقاء والندامة والبكاء.
إنها النار: فيها الأغلال والسلاسل تجمع بين أيديهم وأعناقهم، وهم في النار تضطرم من تحتهم ومن فوقهم، شرابهم من حميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومأكلهم من شجر من زقوم، يدعون على أنفسهم بالموت فلا يجابون، ويسألون ربهم الخروج منها فيقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
في نار جهنم: كيف لو أبصرتهم يا عبد الله وهم ينادون بالويل والثبور، يسحبون على وجوههم وهم لا يبصرون، صم بكمٌ عمي، كيف لو سمعت صراخهم وعويلهم فهم لا يسمعون.
اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، عباد الله صلوا على رسول الله الذي قال: ﴿لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار﴾ صلوا على رسول الله الذي ترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي أمر الله بالصلاة عليه فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم يا أرحم الراحمين، اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من أهل النار.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاتنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم ارزقنا الاستعداد لما أمامنا، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، ووفقنا لاغتنام أوقات المهلة يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين.
عباد الله! اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 599
قصة مؤمن
الابتلاء سنة الله في عباده المؤمنين ليميز الخبيث من الطيب، والفلاح والفوز لمن صبر عند البلاء والامتحان، ولنا في رسل الله وأنبيائه وعباده الصالحين الأسوة والقدوة في الثبات على الدين عند الابتلاء من الله.
стр. 600
أعلام ثبتوا على الدين
الحمد لله رب العالمين, الذي يعز من أطاعه، ويذل من عصاه، لا مانع لما وهب، ولا معطي لما سلب، طاعته للعاملين أفضل مكتسب، وتقواه للمتقين أعلى الرتب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان وكتب، وسهل لهم في جانب طاعته كل نصب، فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب، وقدر الشقاء للأشقياء حين زاغوا فوقعوا في العطب، أعرضوا عنه وكفروا به فأصلاهم ناراً ذات لهب، أحمده على ما منحنا من فضله ووهب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وجاهدوا في الله حق جهاده, واصبروا واثبتوا عند الامتحان والابتلاء في الدين، قال الله تعالى: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
следующие страницы →