Полный текст (1 664 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
جزاء المؤمنين وجزاء المجرمين يوم القيامة
الحمد لله على إحسانه، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 597
تخفيف الحساب على المؤمن وما يلقاه من نعيم
أيها الناس! اتقوا الله واعلموا أنه ورد في الآثار أن يوم القيامة يكون كفريضة صلاة على المؤمن، فلا تسأل عما يحصل للمؤمن من تخفيف الحساب، ومغفرة الذنوب، وتثقيل الموازين، ومجاوزة الصراط، ثم المرور على حوض المصطفى ﷺ الذي من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ثم لا تسل عن تمام الفرحة والسرور إذا أخذ الكتاب باليمين، ثم يقال للمؤمنين الذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]
اسمع يا عبد الله! لأنك سوف تقف أمام أحكم الحاكمين، اسمع ما الذي يقال للمؤمنين؛ الذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٧٠] ثم يساقون إلى جناتٍ تجري من تحتها الأنهار قصورها لبنةٌ من ذهب، ولبنة من فضة، وبلاطها المسك الاذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، وخيامها اللؤلؤ المجوف، هي والله نورٌ يتلألئ، وريحانة تهتز، ونهر مطرد، وفاكهة وخضرة، وزوجات حسان، هناك ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٢٨ - ٣١] هناك يأكلون ويتمتعون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، ولا يبولون، بل مسك يرشح من أجسامهم.
هناك في الجنة يا عبد الله يضحكون ولا يبكون، هناك في الجنة يقيمون ولا يضعنون، هناك في الجنة يحيون فلا يموتون، هناك في الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩].
هناك في الجنة جمال مبين، هناك في الجنة حورٌ حِسان، هناك في الجنة كل نعيم أبدي، هناك في الجنة الزيادة وهي النظر إلى وجه العزيز الوهاب، إذا اجتمعوا في ذلك الوادي الأفيح؛ اللهم اجعلنا معهم يا رب العالمين، فيالها من لذة وياله من سرور ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٣].
في تلك الجنة: ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إن نجينا من دار الذل والهوان.
стр. 598
جزاء المجرمين في جهنم
جهنم يا عبد الله هي دار الذل والهوان والعذاب والخذلان، فيا ويل من عصى الله ورسوله وتعدى الحدود؛ فإن مثواه جهنم ومأواه دار الشهيق والزفرات، دار الأنين والعبرات، دار أهلها أهل البؤس والشقاء والندامة والبكاء.
إنها النار: فيها الأغلال والسلاسل تجمع بين أيديهم وأعناقهم، وهم في النار تضطرم من تحتهم ومن فوقهم، شرابهم من حميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومأكلهم من شجر من زقوم، يدعون على أنفسهم بالموت فلا يجابون، ويسألون ربهم الخروج منها فيقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
في نار جهنم: كيف لو أبصرتهم يا عبد الله وهم ينادون بالويل والثبور، يسحبون على وجوههم وهم لا يبصرون، صم بكمٌ عمي، كيف لو سمعت صراخهم وعويلهم فهم لا يسمعون.
اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، عباد الله صلوا على رسول الله الذي قال: ﴿لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار﴾ صلوا على رسول الله الذي ترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي أمر الله بالصلاة عليه فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم يا أرحم الراحمين، اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من أهل النار.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاتنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم ارزقنا الاستعداد لما أمامنا، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، ووفقنا لاغتنام أوقات المهلة يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين.
عباد الله! اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 599
قصة مؤمن
الابتلاء سنة الله في عباده المؤمنين ليميز الخبيث من الطيب، والفلاح والفوز لمن صبر عند البلاء والامتحان، ولنا في رسل الله وأنبيائه وعباده الصالحين الأسوة والقدوة في الثبات على الدين عند الابتلاء من الله.
стр. 600
أعلام ثبتوا على الدين
الحمد لله رب العالمين, الذي يعز من أطاعه، ويذل من عصاه، لا مانع لما وهب، ولا معطي لما سلب، طاعته للعاملين أفضل مكتسب، وتقواه للمتقين أعلى الرتب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان وكتب، وسهل لهم في جانب طاعته كل نصب، فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب، وقدر الشقاء للأشقياء حين زاغوا فوقعوا في العطب، أعرضوا عنه وكفروا به فأصلاهم ناراً ذات لهب، أحمده على ما منحنا من فضله ووهب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وجاهدوا في الله حق جهاده, واصبروا واثبتوا عند الامتحان والابتلاء في الدين، قال الله تعالى: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
стр. 601
الغلام المؤمن
أمة الإسلام: أخبر رسول الله ﷺ عن قوم من قبل أمته أنهم أوذوا في الله، وصبروا وثبتوا، وهذا الحديث الصحيح فيه عبرة لمن أراد الثبات على دين الله ، وفيه عبرة لمن أراد أن يتمسك بدين الله ، ولا ينظر إلى كلام المغرضين وسفههم وتثبيطهم، بل يعتزم بالله جل وعلا، كما سنذكر في هذا الحديث الصحيح الذي يخبر به رسول الله ﷺ ، وأخص بذلك الشباب الذين وفقهم الله للهداية والاستقامة، أخصهم وأحثهم أن يعوا هذا الحديث الذي حصل فيه امتحان عظيم لشاب من الشباب ومع ذلك صبر وامتحن، وقتل في الله ولله.
يقول رسول الهدى محمد ﷺ : ﴿كان ملك في من كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث الملك إليه غلاماً يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه، وسمع كلامه -أي: قعد هذا الغلام إلى الراهب وسمع منه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب، وقعد إليه -فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال الراهب: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر.
فبينما هو كذلك -أي: الغلام- إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال -أي: الغلام-: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب؟ وكان الراهب على دين عيسى ﵇، فأخذ -أي: الغلام- أخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس.
فأتى الراهب -أي: أتى الغلام إلى الراهب- فأخبره، فقال له الراهب: أي بني! أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي للناس من سائر الأدوية بإذن الله تعالى, فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله .
فقال له الغلام: فإن أنت آمنت بالله ، دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى -أي: الأعمى- إلى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟
قال: ربي.
قال: ولك رب غيري؟
قال: ربي وربك الله -لا إله إلا الله ما أجمل الإيمان إذا رسخ في القلب، ما أجمل الإيمان إذا تغلل في القلوب فإنه لا تزلزله الجبال الراسيات- فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله.
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه.
ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه.
ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه -أي: الملك- فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه.
وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، قال الغلام: اللهم أكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك -لا إله إلا الله، اللهم إنا نسألك إيمانا دائماً كاملا، يباشر قلوبنا ويقيناً صادقا- فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟
قال: كفانيهم الله نعم المولى ونعم النصير رب العالمين.
فدفعه إلى نفر من أصحابه -الملك أيضاً يحتال إلى حيلة يحارب الله والله هو القوي- فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور -أي: سفينة صغيرة- فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به, فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا.
وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله -لا إله إلا الله، الله أكبر! الكبرياء لله والعظمة لله والقوة لله- فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به.
قال: وما هو؟
قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الملك الناس في صعيد واحد، وصلبه على الجذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في موضع السهم فمات الغلام، فقال الناس: آمنا برب الغلام.
فأوتي الملك الضعيف الحقير الذليل، الذي يريد أن يحارب رب العالمين، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس ماذا فعل هذا الصنديد العنيد؟
أمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه! اصبري فإنك على الحق﴾ حديث صحيح رواه مسلم.
والله يقول في محكم البيان تصديقاً لرسوله ﷺ : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٤ - ٩].
اسمعوا بماذا توعدهم الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] ثم اسمعوا ما وعد الله به المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:١١] إي والله إنه لفوز كبير!
стр. 602
امرأة فرعون المؤمنة
عباد الله: واسمعوا إلى هذا المثل الآخر من عباد الله المؤمنين، يذكره الله لنا في كتابه المبين، وهي امرأة آمنت بالله هي امرأة فرعون، حيث ابتليت في الله وعذبت في الله، فلم يردها ذلك عن دينها قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].
آسية بنت مزاحم آمنت بموسى ﵇، فبلغ ذلك فرعون، فأمر بقتلها، فعند ذلك وهي في حالة التعذيب، وهي توضع عليها الحجارة الكبيرة دعت ربها قائلة: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] تقول: يا رب اجعل لي قصراً مشيداً بجوارك في جنة النعيم.
قال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام! فقد اختارت الجار قبل الدار، حيث قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] فهي تطمع في جوار الله قبل طمعها في القصور ﵂ وأرضاها.
стр. 603
حال بعض الناس الآن مع الابتلاء والامتحان
وهكذا يا عباد الله! يجري على المسلمين في كل زمان من الامتحان والابتلاء، ومع ذلك يثبتون ويصبرون، أما حالة البعض من الناس الآن وخاصة المسلمين، فمع الأسف الشديد تجد بعضهم يلتزم مدة يسيرة، ثم يأتيه من بعض الناس بعض الكلام والعياذ بالله، ثم ينحرف وينتكس ويرجع إلى حالته السيئة, بمجرد ما يسمع من الألفاظ: إنك موسوس، أو متزمت، أو متحجر، عند ذلك يذهب إلى اللحية فيحلقها، ويطول الثياب، ويرجع إلى حالة الشر والعار والمعاصي والدمار، بعدما كان متمسكاً تائباً إلى رب العالمين.
يترك كل ذلك ويرجع إلى مجالسة قرناء السوء لا كثرهم الله، جلساء السوء الذين ضرب فيهم رسول الله ﷺ المثل بنافخ الكير إما أن يحرق الثياب وإما أن يؤذيك برائحته الكريهة.
فالابتعاد الابتعاد يا شباب الإسلام! عن قرناء السوء، ابتعدوا عن قرناء السوء، ولا يبعد أن يفتنوا كبار السن كذلك، فأنا أعرف رجل كبير السن، أسأل الله أن يرحمنا وإياه بواسع رحمته، لما ابتعد عن أولاده وسكن في بيته وحده، دخل عليه قرناء السوء، فصار من مروجي المخدرات وسجن ومات في السجن نسأل الله العفو والعافية.
فالحذر الحذر من جلساء السوء يا شباب الإسلام، ويا أهل الإسلام! قبل أن تنادي يوم القيامة واشباباه!
وأنت أيها الكبير قبل أن تنادي واكهلاه! واشيبتاه!
فالحذر الحذر إننا سوف نعرض بين يدي الله في يوم لا ينفع مال ولا بنون، فينبغي لنا أن نكثر من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 604
الابتلاء والامتحان في السلف الصالح
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم أحيينا مسلمين وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله حق تقاته، عباد الله! لقد جرى على السلف الصالح من الابتلاء والامتحان، ما لو صب على الجبال الراسيات لذابت.
стр. 605
ابتلاء خباب بن الأرت
خباب بن الأرت ﵁ الصحابي الجليل، كان المشركون إذا اشتدت الهاجرة، أي: اشتدت حرارة الشمس وبدأت تلتهب الأرض التهاباً، أخرجوه إلى بطحاء مكة، ونزعوا عنه ثيابه، وألبسوه دروع الحديد، ومنعوا عنه الماء حتى إذا بلغ من الجهد كل مبلغ، أقبلوا عليه وقالوا: ما تقول في محمد؟ فيقول: عبد الله ورسوله، جاء بدين الهدى والحق ليخرجنا من الظلمات إلى النور، فيوسعونه ضرباً ولكماً.
ثم يقولون له: وما تقول في اللات والعزى؟
فيقول: صنمان أصمان أبكمان لا يضران ولا ينفعان.
فيأتون بالحجارة المحمية ويلصقونها بظهره، ويبقونها عليه، حتى يسيل دهن كتفيه.
الله أكبر! لا إله إلا الله، سبحان موهب الفضل والإحسان! سبحان الذي وهبهم قوة الإيمان!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: أتدرون ما يفعلون بهذا الصحابي الجليل، يأتون بالحجارة المحمية ويلصقونها بظهره، ويبقونها عليه حتى يسيل دهن كتفيه، ولم يرده ذلك التعذيب عن دين الله الصحيح، ومتابعة رسول الله ﷺ ، حتى بقي هذا الأثر مثل البرص في ظهره ﵁ وأرضاه.
стр. 606
ابتلاء خبيب بن عدي
وهذا خبيب ﵁، وقد مثل به المشركون وقطعه المشركون القطعة تلو القطعة، يقطعونه وهو ينظر، ويقولون له: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناج؟
فيقول والدماء تنزل منه: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي، وإن محمداً يؤخذ بشوكة.
لا إله إلا الله، الله أكبر! يقطع إرباً إرباً، ويقول: ما أحب أن يؤتى محمداً بشوكة تضره ﷺ .
ومات ﵁ وهو ينظرهم يقطعونه إرباً إربا، مات شهيداً دون دينه، لم يرجع عن دينه، ولم يسب الرسول ﷺ ، مات مسلماً أمره لله .
وهكذا حصل للسلف ﵃.
стр. 607
ابتلاء الإمام أحمد
وحصل لبعض التابعين ﵃ ابتلاء، مثلما حصل للإمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، حين صلب وجلد؛ حتى أخذ اللحم الفاسد من ظهره من شدة الجلد، وحتى أغمي عليه ﵀.
وثبتوا على دين الله ، يريدون رضوان الله، والقرب من رب العالمين.
فهيا يا عباد الله! المجال مفتوح، والساحة واسعة، فالبدار البدار إلى الاحتذاء بأخلاقهم وآدابهم.
اللهم وفقنا جميعاً لاتباع سبيلهم، ووفقنا لمحبتك ومحبة رسولك ﷺ .
اللهم انصرنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك يا رب العالمين.
عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
عباد الله: صلوا على رسول الله الذي أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور، صلوا عليه امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، صلاة وسلاماً إلى يوم الدين، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم الجلساء الناصحين الصالحين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا, واجعلنا هداة مهتدين، اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا يا قريب يا مجيب لمن دعاك، يا من قلت وقولك الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك.
يا أرحم الراحمين! يا من خزائن السماوات والأرض بيده! يا حي يا قيوم! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! لا إله لنا إلا أنت ولا رب لنا سواك، أنت الغني ونحن الفقراء، يا ربنا إلى من تكلنا! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا من تكفل بأرزاق العباد! يا من هو الرزاق ذو القوة المتين! يا علي! يا عظيم! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم لا تردنا خائبين, ولا من رحمتك آيسين، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثا هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقي عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، ربنا لا تؤاخذنا بسوء أفعالنا.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
يا من هو أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا! يا من هو أرحم بنا من أنفسنا! إليك بالدعاء توجهنا، يا أرحم الراحمين! اللهم اسقنا سقيا رحمة، اللهم اسق عبادك، اللهم احيي بلدك الميت، اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار ِ) [البقرة:٢٠١].
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، اللهم أنت أرحم بنا من أنفسنا، اللهم ارحمنا وإياهم برحمتك التي وسعت كل شيء، فإنهم يلتحفون السماء ويفترشون الأرض، بطونهم خاوية، يرجون رحمتك ومعونتك، يا رب العالمين! اللهم انصرهم بنصرك وأيدهم بتأييدك واجعل لنا ولهم التمكين في الأرض إنك على كل شيء قدير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 608
قصة صالح
إن لله سنناً في خلقه لا تتغير، فمن أطاعه أكرمه، ومن عصاه أذله، وقد أتى الشيخ في خطبته بمثال على ذلك، فذكر قوم صالح ﵇، وكيف أن هؤلاء القوم عصوا الله واجتمعوا على الكفر به وقتل الناقة، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر وهذه سنة الله في أي كافر استهان بحرمات الله.
стр. 609
نبي الله صالح في حوار مع قومه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه.
عباد الله: لعلكم تذكرون ما مر بكم من قصص الأنبياء مع أممهم، وما حل بمن عصى منهم من العقوبة والعذاب والدمار، فإليكم أيضا قصة نبي الله صالح ﵇، حيث أرسله الله إلى ثمود، وهم قبيلة مشهورة وكانوا عرباً يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك، وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام مثل قوم عاد، فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو عبد الله ورسوله صالح ﵇.
فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئاً، فآمنت به طائفة منهم وكفر جمهورهم وآذوا صالحاً ﵇ ونالوا منه بالمقال والفعال.
فاسمعوا إلى ربنا جل وعلا يخبرنا في محكم البيان، يخبرنا في القرآن العظيم ويقول: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٥٢].
نعم يا أمة الإسلام! هذا نبي الله صالح ﵇ يعظُ قومه ويذكرهم بنعم الله جلَّ وعلا، يذكرهم بما هم فيه من الأرزاق الدارة، حيث أنبت لهم الجنات والبساتين، وفجر لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم الزروع والثمرات، ثم أقدرهم على نحت البيوت في الجبال، الله أكبر يا عباد الله!
وقال لهم هذا الناصح الأمين: قابلوا المنعم بالشكر على هذه النعم، اتقوه وأطيعوه، فردوا عليه وقالوا: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء:١٥٣] يقولون: أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك، نسأل الله العفو والعافية!
стр. 610
الناقة وقتلهم لها
نعوذ بالله من التعنت والشقاق والعناد، طلبوا من صالح ﵇ أن يأتيهم بآية ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع الملأ منهم وطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء! ولكن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأشاروا إلى صخرة من عندهم من صفاتها كذا وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح ﵇ العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه؛ فأعطوه ذلك.
فقام نبي الله ﵇ فصلى ثم دعا الله أن يجيبهم إلى سؤالهم؛ فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٥٥ - ١٥٦] ناقة عظيمة خرجت من صخرة بأمر الله الحي القيوم الذي إذا قال للشيء: كن فيكون، ثم أخبرهم أنها ترد الماء، يوم لهم يشربون ويومٌ لها، وحذَّرهم من نقمة الله تعالى أن يصيبوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حيناً من الدهر ترد الماء وتأكل الورق والمرعى وينتفعون بلبنها، فكانوا يحلبون منها ما يكفيهم شرباً ورِّيا.
فلما طال عليهم الأمدُّ والناقة تسطح بعض تلك الأودية، ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها؛ لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقاً هائلا ومنظراً رائعاً؛ ولكن تلك الآية العظيمة لم تجد بأولئك العتاة الكفرة ولم يؤمن منهم إلا القليل، فعزموا على تغيير النعمة، وعزموا على أن يكفروا نعمة الله، وعلى قتل الناقة مخالفة لله ولرسوله.
قال بعض العلماء: إن سبب قتل الناقة: أن عجوزاً كافرة من قوم ثمود تكنى بـ أم عثمان -وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ﵇ وكان لها بنات حسان في غاية الجمال ولها مال جزيل، وامرأة أخرى يقال لها صدوق ذات حسب ومال وجمال، فكانتا تلك المرأتان تعدان لمن التزم لهما بقتل الناقة بالزواج.
فدعت التي اسمها صدوق رجلاً يقال له: الحباد فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة؛ فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له: مصرع فأجابها إلى ذلك، ودعت العجوز قدار بن سالف وكان رجلاً أحمر أزرق أصهب يزعمون أنه كان ولد زنية، وأنه لم يكن من أبيه الذي نسب إليه، وقالت له العجوزة الكافرة: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة.
فعند ذلك انطلق قدار ومصرع فاستغووا غواة من ثمود فتبعهم سبعة نفر فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُون َ) [النمل:٤٨] وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكاملها فطاوعتهم القبيلة على تلك المعصية، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء، وكمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة -أي: اختبأ لها- على طريقها، وكمن لها مصرع -أيضاً- في أصل أخرى، فمرت على مصرع فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها، وشدَّ عليها قدار بن سالف بالسيف فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاةً واحدة تحذر فصيلها ثم طعن في لبتها فنحرها.
وانطلق فصيلها -أي: ولدها- حتى أتى جبلا منيعاً فصعد أعلى صخرة في الجبل ورغى، قيل إنه قال: يا رب! أين أمي؟ وقيل: إنه رغى ثلاث مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها، وقيل: إنهم قتلوه مع أمه والله أعلم.
стр. 611
العذاب يصيب قوم صالح ﵇
فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة، وبلغ الخبر صالحاً ﵇، وجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى فقال الله عنه: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥].
وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح ﵇ وقالوا: إن كان صادقاً عجلناه قبلنا وإن كان كاذباً ألحقناه بناقته، فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله؛ فأرسل الله -وله العزة ولرسوله- حجارة فرضختهم سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم.
وأصبح قوم ثمود يوم الخميس -وهو اليوم الأول من أيام النظرة- ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ﵇، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه -عياذاً بالله من ذلك- لا يدرون ماذا يفعل بهم؟! ولا كيف يأتيهم العذاب؟! وأشرقت الشمس وجاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة، لا إله إلا الله القادر على كل شيء! قال تعالى: ﴿أَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:٦٧] وقال تعالى أيضاً: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف:٧٨] أي: صرعى لا أرواح فيهم ولم يفلت فيهم أحد لا صغير ولا كبير لا ذكر ولا أنثى.
عند ذلك تولى عنهم الناصح الأمين صالح ﵇ هو ومن آمن به وجاء ذلك في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩] وهذا تقريع من صالح لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله، وإعراضهم عن قبول الحق والهدى إلى العمى.
فالحذر الحذر يا أمة الإسلام! والحذر الحذر يا أمة محمد! من الإعراض عن قبول الحق واتباع الهدى؛ وإلا فسنة الله واحدة في خلقه.
اللهم اغفر لنا أجمعين، واهدنا إلى صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 612
أمر الشارع بالاعتبار عند النظر إلى قرى الظالمين
الحمد لله حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك المصطفى وعلى آله وأصحابه ومن بآثارهم اقتفى وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى وأطيعوه واحذروا أسباب المعاصي والمخالفات، واعلموا أن الله تعالى مطلع عليكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ظاهرةً وباطنة.
فاحذروا -يا عباد الله- أن يراكم الله على ما يسخطه، وبادروا إلى طاعة المولى جلَّ وعلا، واشكروا نعمه التي حباكم بها، وقوموا بواجب هذه النعم التي أنتم تتقلبون بها ليلا ًونهاراً، فقد سمعتم ما حل بالأمم الذين من قبلكم من النقمة والعذاب المتصل الموصل بهم إلى جنهم وبئس المصير لما كفروا النعمة.
فهذا رسول الله ﷺ وهو ذاهب في طريقه إلى تبوك لما نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي ﷺ فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين للإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منه الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا إلا وهم يبكون، وقال: ﴿إني أخشى أن يصيبكم مثلما ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم﴾ رواه الإمام أحمد، وفي رواية عن الإمام أحمد أيضاً ﵀، قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم﴾.
عباد الله! أمة الإسلام: من كان بالله أعرف كان منه أخوف، وهذا رسول الله ﷺ ينهى أصحابه أن يدخلوا ديار الظالمين إلا أن يكونوا باكين، فكيف بالذين يذهبون إلى ديار ثمود الآن؟! هل هم يبكون إذا دخلوا عليهم؟ أم هم في غاية الفرح والسرور والمزاح؟! والعياذ بالله! ويدلكم على ذلك أنهم يقيمون فيها فيأكلون ويشربون ويأخذون الصور التذكارية، ويصور بعضهم بعضا، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟! دخلوا ولم يبكوا، وصوروا الصور ذوات الأرواح، فما أكثر المعاصي إلى الله نشكو يا عباد الله!
ثم اعلموا وفقني الله وإياكم أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار، وصلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله كما أمركم الله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد وبلدان المسلمين آمنة مطمئنة رخاءً سخاءً في ظل تحكيم الكتاب والسنة يا رب العالمين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، نسألك بأنا نشهد بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن تغيثنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثا هنيئاً مريئا سحاً غدقاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير آجل، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم احيي بلدك الميت، اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب والأرض رب العرش الكريم، اللهم نفس كرب المكروبين من المسلمين، واقضِ الدين عن المدينين من المسلمين، واشفِ بلطفك مرضانا ومرضى المسلمين أجمعين، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: نسأل الله أن يرفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط وسوء المنكرات وسوء الفتن، والمضلات ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين عامةً يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 613
الصبر
لقد جرت سنة الله في عباده المؤمنين أن يبتليهم، وهذا الابتلاء يقوى بقوة الإيمان، ويضعف بضعف الإيمان، يبتليهم ابتلاء تمحيص وتهذيب، وفي ذلك أسرار وحكم بالغة، لما فيه من تميز لأهل الإيمان من أهل النفاق، وجعل الله للصبر عاقبة لا يعلم مداها إلا من صدق الله في صبره على البلاء.
стр. 614
الصبر على الابتلاء
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ولي المتقين وناصر المؤمنين، أحمده تعالى وأشكره على ما أولانا من النعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 615
أشدُّ الناس بلاءً
فيا عباد الله: لقد جرت سنة الله في عباده المؤمنين أن يبتليهم ابتلاءً يقوى بقوة الإيمان، ويضعف بضعف الإيمان.
يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿أشدُّ الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الإنسان على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء﴾ يبتلي الله المؤمنين ابتلاءً ليس ابتلاء إهانة أو تعذيب، فحاشى حكمة الله وعدله، ولكنه ابتلاء تمحيص وتهذيب قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١] وذلكم الابتلاء لأسرار وحكم بالغة: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] والفتنة هنا بمعنى: الامتحان والاختبار اللذين يظهران حقيقة من يدعي الإيمان على وجه الحق والصدق؛ ومن يدعيه تقيةً ونفاقاً ليحصل على ما لأهله في صف المسلمين من حرمة وتقدير، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
والله جلت قدرته وتعالت أسماؤه يعلِّم عباده أن الإيمان ليس مجرد دعوى أو أمنية فحسب، ولكنه حقاً ذو تكاليف وأمانة، ذو عبء وجهاد، ذو صبر وتحمل، لا يحملها إلا من في قلوبهم تجرد لها وإخلاص، فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا، ويتركوا هذه الدعوى حتى لا يتعرضوا للفتنة، بل يثبتوا لها، ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب فتفصل بينه وبين العناصر العالقة به.
أيها المسلمون: مما تقدم يعلم: أن عبء الإيمان كبير وأن تكاليفه شاقة إلا على القلوب المؤمنة بالله إيماناً راسخاً، والمتقبِّلة لتكاليفه بطواعية ورغبة فيما عنده، وما وعد الله به المؤمنين من نصر وعز في الدنيا وثواب مضاعف في الآخرة كما قال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] متى تتنزل عليهم؟ تتنزل عليهم عند حالة الاحتضار وعند نزول ملك الموت قال تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٤] والخلاصة: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
ثم يقول ﷺ : ﴿حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره﴾ نعم أيها المسلمون! عبء الإيمان شاق وكبير، ولكنه سهل ويسير على من يسره الله عليه، سهل على النفوس التي تعرف أن عبء الإيمان كبير، وأن جزاءه ومثوبته أكبر وأجلُّ عند الله، الذي يجزي على الحسنة بعشرة أمثالها ويضاعف.
فيا أخي المؤمن! إنك وأمثالك من المؤمنين في هذه الحياة معرضون لألوانٍ من الابتلاء والاختبار بخير أو بشر، بخير كالمال والصحة والولاية؛ ليرى هل تؤدي حق الله فيها بما أوجب عليك وأتمنك عليه؟ وهل قصرت النفس حال الصحة والابتلاء على المأمورات، وأمسكت بعنانها عن ارتكاب المنكرات؟ وهل أديت حق الله فيما استخلفت عليه من مصالح المسلمين؟ هل أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر؟ حتى تكون من أهل التمكين في الأرض الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
أيها المؤمنون بالله حقاً! اعلموا أن الله يبتلي عباده المؤمنين بالشر كما يبتليهم بالخير، بعض الناس يقول: لو كان الله يحبني لأعطاني مثلما أعطى بعض الناس من الملايين، والصحة والعقارات، لا يا أخي! إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فاظفر بالدين وتمسك بالدين، حتى تحشر مع المتقين.
стр. 616
عاقبة الصبر على الابتلاء
أيها المؤمنون حقاً! الذين لا يزلزل إيمانهم ملايين ولا عقارات ولا غيرها من أعراض الدنيا الفانية! اعلموا أن الله يبتلي عباده المؤمنين بالشر كما يبتليهم بالخير، يبتليهم بالمرض، وتسليط الأعداء، وليس ذلك إهانة أو تعذيباً ولكنه لتقوية الإيمان.
نعم يا أمة الإسلام! لتقوية الإيمان الحق، ولعظم مثوبة الصبر على البلاء، كما حصل لنبي الله أيوب ﵇.
أيها المؤمنون: امتثلوا بالمؤمنين واجعلوا المؤمنين لكم قدوة، هذا أيوب ﵇ حصل له من الابتلاء بالمرض الذي بلغ به إلى أن تخلى عنه جميع الأقارب حتى وضعوه بعيداً عنهم.
وكما حصل لأبينا إبراهيم من تسلّط قومه عليه وإلقائهم إياه في النار، فهل لما ألقوه، قال: لنذهب إلى الأمم المتحدة، أو نذهب إلى أمريكا، أو الاتحاد السوفيتي لنستنجد بهم؟ لا.
ولكن قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] لا تكوني حرباً عالمية طاحنة، كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، وذلك لأن الله لا يضيع عباده المؤمنين، ولقد خلقهم في هذه الدنيا ليبتليهم، فمن صبر فله العاقبة الحسنى، ومن تضجر واستعان بغير الله فسيكله إليهم ويكله إلى ضعف وهوان.
وما حصل لنبينا محمد ﷺ من الأذى والمضايقة، والتآمر ضده، والمؤامرة التي فضحها القرآن ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] فماذا كان عاقبة الابتلاء؟!
أيها المسلمون: فأيوب كشف الله عنه ضره، وآتاه أهله ومثلهم معهم رحمة من الله وذكرى لأولي الألباب، من هم أولو الألباب: هم أهل العقول السليمة، الذين يعلمون أن الله يبتلي بالشر والخير فتنة.
يقول جلت قدرته للنار التي أنشئت لإحراق إبراهيم: ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] ثم جعله أمة يقتدى به، وجعل له لسان صدق في الآخرين، ومحمد الذي أفلت من مؤامرة المشركين الدنيئة، وخرج من مكة مختفياً مطارداً ويعود بعد ذلك ويطل عليها من أعلى طريق فيها فاتحاً، يطل على الدنيا وعلى الأمة جميعها، متوجهاً إلى رب واحد، وقبلة واحدة، وقيادة واحدة، ويصبح هو إمامها بما بلغها الله إلى يوم القيامة، بل هو فرطها على الحوض وشفيع لها عند الله فهو فاتح باب الجنة.
فاتقوا الله أيها المسلمون! اتقوه تقوى المؤمن الذي قال فيه ﷺ : ﴿عجباً للمؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له﴾ اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم الذي جاء من عند الله، واصبروا على ما قد تبتلون به، وما كلفتم به من الله، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وأدوا حق الله فيما أعطاكم وفيما ولاكم، ولا يطغينكم عز ورخاء، أو صحة وثراء، ولا تطغينكم الأحداث والشدائد والمضايقات، فما هي إلا برهة قليلة ثم يأتي فرج الله ونصره ومثوبته، فما حصل للأنبياء وأتباعهم ممن ابتلوا وأوذوا في الله وستكون العقبى لأتباعهم كما كانت من قبل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] إلا من يا ربنا ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك وإحسانك وجودك يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 617
يبعث كل عبد على ما مات عليه
الحمد لله على التوفيق والسداد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، والنهج القويم السديد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله واعملوا صالحاً تجزون به في دار الجزاء، جاء في الحديث عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: ﴿يبعث كل عبد على ما مات عليه﴾ اللهم توفنا على الإيمان، اللهم توفنا مؤمنين، اللهم توفنا مؤمنين متمسكين بسنة نبيك محمد، اللهم صلِّ على محمد.
عباد الله: ذلك الحديث يحفز الهمم على حب العمل، وملازمة السنن والإخلاص لله في القول والفعل؛ ليموت العبد على خير حال، وليكون قرير العين في المآل.
أمة الإسلام: يا له من حديث عظيم جليل!
خير الهدى رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، الزموا جماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله وقال: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلىَّ علي مرة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن الأئمة الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً،،اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ارفعنا بالإسلام، اللهم ارفع مكانتنا بالإسلام، اللهم أعد لنا هيبتنا بالإسلام يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك الموحدين واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمرنا وأئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 618
منافع الصلاة
إن الصلاة هي الصلة بين العبد وربه، وهي النور الذي يستضيء به المؤمن، وهي الحجة والبرهان على صحة الإيمان، والوسيلة للنجاة يوم القيامة، وهي عمود الإسلام وآخر ما يفقده الناس من دينهم، وهي عون للعبد في مصالحه الدنيوية والأخروية.
والواجب علينا أن نهتم بها ونؤديها بجميع أركانها وشروطها كما أداها محمد ﷺ وأن نحذر من التهاون بها أو تركها بالكلية فإن تركها بالكلية كفر كما قال رسول الله ﷺ .
стр. 619
منزلة الصلاة وفضلها
الحمد لله المحمود بفعاله، والمنعوت بصفات الجلال والكمال، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض على عباده الصلاة، ووعد من أقامها بخشوعها وآدابها بسكن الفردوس، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أوصى بالصلاة وهو يلفظ آخر الأنفاس، وهو يفارق الحياة صلوات الله وسلامه عليه، ويقول: ﴿الصلاة الصلاة﴾ اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن للصلاة شأناً عظيماً؛ لأنها الصلة بين العبد وربه الصلاة هي النور الذي يستضيء به المؤمن.
وهي البرهان على صحة الإيمان، والوسيلة لنجاة المؤمن يوم القيامة، كما ورد في الحديث: ﴿من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة﴾.
الصلاة -يا أمة الإسلام- هي ركن الدين، وعمود الإسلام، وهي آخر ما يفقده الناس من دينهم، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام.
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن نبينا ﷺ في الصلوات الخمس، وتفصيل أوقاتها وشروطها ومكملاتها، وفضلها وكثرة ثوابها.
فمن فضائل الصلاة: أنها أفضل عبادة يحصل فيها الخضوع والذل لله رب العالمين، وامتلاء القلب من الإيمان به وتعظيمه، وذلك مادة سعادة القلب الأبدية ونعيمه، ولا يمكن تغذية القلب بمثل الصلاة أبداً
فلا يفيد القلب الدم، ولا تفيده المرطبات، ولا تفيده كثرة المغذيات؛ إذا كان فاقداً للذة الصلاة، فلا يمكن تغذية القلب بمثل الصلاة، وأقصد بذلك حياته التي توصله إلى رب العالمين، أما الحياة البهيمية فإن القلب يكفيه ما يكفيه.
والصلاة -يا عباد الله- من أعظم الأغذية ومن أعظم ما تسقى به شجرة الإيمان، فالصلاة تثبت الإيمان وتنمي ما يثمره الإيمان من فعل الخيرات والرغبة إليها، وهي كذلك تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما أخبر المولى جلَّ وعلا: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ الله َأَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] فأخبر بأن فيها الغذاء بذكر الله، والشفاء نهيها عن الفحشاء والمنكر، وأي شيء أعظم من هذا وأجل وأفضل.
ومن فضائل الصلاة: أنها أكبر عون للعبد على مصالح دينه ودنياه، كما حثنا الله على ذلك بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] أي: في كل الأمور.
стр. 620
المصالح الدينية للصلاة
أما عونها على المصالح الدينية: فإن العبد إذا داوم على الصلاة وحافظ عليها قويت رغبته في فعل الخيرات، وسهلت عليه الطاعات، وبذل الإحسان بطمأنينة نفس، واحتساب للأجر والثواب.
وبالمحافظة على الصلوات الخمس تذهب أو تضعف دواعي المعاصي، وهذا أمر محسوس مشاهد؛ فإنك لا تجد محافظاً على الصلاة بفروضها ونوافلها إلا وجدت تأثير ذلك في بقية أعماله، ولهذا كانت الصلاة عوناً على الفَلاح، يقول جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨].
وهل المراد عمارتها بالزخارف، أو تصميمها كما تصمم الكنائس، أو بذل الأموال والبذخ فيها؟ لا.
إنما المراد عمارتها بالصلاة والقربات، يقول رسول الله ﷺ : ﴿إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان﴾ ولو كان يصلي على الأرض، ولو كان يصلي على التراب، اشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨].
أما نحن! فقد عمرنا مساجدنا، وباهينا بعمارتها، وزخرفناها، وقد بلغت من التكاليف كذا وكذا، ولكن كم يرودها من المصلين؟ كم يأتي إليها من المصلين؟! وإنا لنخشى أن يقع علينا الخبر في آخر الزمان: ﴿مساجدهم عامرة وهي من الهدى خراب﴾ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 621
المصالح الدنيوية للصلاة
كما أن في الصلاة عوناً على المصالح الدينية؛ فإن فيها أيضاً عوناً على المصالح الدنيوية:
فمن مصالحها أنها تهون المشاق، فقد جاء في الحديث: ﴿كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة﴾ أما الكافر فإنه إذا ضاقت عليه الأرض ذرعاً وضاقت عليه نفسه انتحر والعياذ بالله، أما شريعتنا الإسلامية فهي تدل إلى كل خير.
والصلاة تسلي على المصاب، وهذا من أمر الله الذي لا يخالف: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] فيجازي الله صاحبها بتيسير أموره، وتفريج كرباته؛ لأنها الصلة العظيمة بين العبد وبين ربه.
ذكر الإمام ابن القيم ﵀: "أن رجلاً كان يتجر للناس، وكان رجلاً تقياً عفيفاً، فهجم عليه لص وقال: أريد أن أقتلك وآخذ مالك، قال: خذ المال ولا تقتلني، فأبى إلا قتله، فقال: دعني أصلي ركعتين، فأخذ من ماء كان معه في شنة له، فتوضأ وقام إلى صلاته قام ليبتهل إلى رب العالمين قام ليُشغل الهاتف العاجل قام ليُشغل الحركة بينه وبين ربه، بينه وبين مغيث اللهفان، ومجيب الدعوات فلما سجد في الركعة الثانية توسل إلى المولى جلَّ وعلا وقال: اللهم يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعال لما تريد! أسألك بعزتك التي لا ترام وملكك الذي لا يضام أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني قالها ثلاث مرات، فرفع رأسه من السجود وإذا برأس اللص يتدحرج أمامه، وإذا برجل على فرس شاهراً رمحه فقال: من أنت؟ قال: أنا ملك من ملائكة السماء الرابعة، تخاصم فيك الملائكة فاخترت أن أنزل أنا".
عباد الله: بالقرب من الله تنال الحاجات وتلبى الطلبات.
ومن فضائلها: أن من أكملها وأتقنها، فقد فاز وسعد وللصلاة فوائد كثيرة كل واحدة منها خير من الدنيا وما عليها.
والصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وفيها تكفير للسيئات، وزيادة في الحسنات، ورفعة للدرجات وفيها زيادة القرب من رب الأرض والسماوات، وزيادة الإيمان في القلب ونوره.
وقد شرع الشارع الحكيم الاجتماع للصلوات الخمس والجمعة والعيد؛ لما في الاجتماع من حصول التنافس في الخيرات، والتنشط عليها والتعلم والتعليم لأحكامها، فإن العالم ينبه الجاهل، والجاهل يتعلم بالقول وبالفعل من العالم، ويقتدي الناس بعضهم ببعض كذلك يحصل في الاجتماع للصلوات في المساجد التعارف والصلات، والملاحظ أن أكثر الجيران لا يعرف بعضهم بعضاً، لعدم إتيانهم إلى الصلاة والعياذ بالله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
والاجتماع للصلوات في المساجد يحصل به التودد والتواصل بين المسلمين، وعدم التقاطع، ويحصل -أيضاً- معرفة من يحافظ على الصلوات ممن يتهاون بها، ممن يتركها، فإن تارك الصلاة منبوذ كافر والعياذ بالله ويحصل بكثرة الخُطى إلى المساجد تكفير السيئات ورفعة الدرجات.
ومن فوائد الصلاة: ما فيها من الرياضة المتنوعة النافعة للبدن المقوية للأعضاء؛ من المشي والذهاب والمجيء والقيام والقعود والركوع والسجود المتكرر، وكذلك ما فيها من الداعي إلى النظافة، وهو تكرر الطهارة وكل هذه الحركات نفعها محسوس مشاهد، لمن أنصف من نفسه وأقر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
стр. 622
أهمية الخشوع في الصلاة
أمة الإسلام! بقي أن نعلم أن روح الصلاة ومقصودها الأعظم هو حضور القلب بين يدي الله، ومناجاته بكلامه، وذكره والثناء عليه، ودعاؤه والتضرع إليه، وطلب القربة عنده ورجاء ثوابه، وإذا حصل ذلك فإنه بلا ريب ينير القلب ويشرح الصدر ويفرح النفس والروح يخبر رسول البشرية محمد ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إن العبد إذا قام من الليل فذكر الله وتوضأ ثم صلى ما كتب له؛ انحلت عنه عقد الشيطان كلها، فأصبح طيب النفس نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلاناً﴾.
عباد الله! حافظوا على الصلوات وأدوها في المساجد بقلوب حاضرة، وأريحوا أبدانكم وقلوبكم من المشاغل بإقامة الصلاة، اقتداءً بنبيكم ﷺ حيث كان يقول: ﴿أرحنا بها يا بلال﴾ وقد كانت قرة عينه ﷺ كما قال: ﴿وجعلت قرة عيني في الصلاة﴾.
فالله الله في إقامة الصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها ومسنوناتها؛ حتى نفوز بالقرب من رب العالمين، حيث يقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُون * أولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٤ - ٣٥].
اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين، بارك الله لنا في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 623
لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة
الحمد لله العظيم في سلطانه، أحمده سبحانه القائل في محكم التنزيل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى القائل: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ ﴿بين العبد والكفر ترك الصلاة﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، وحافظوا على الصلوات الخمس، أدّوها كما أمرتم لقول نبينا ﷺ : ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ احذروا من الإخلال بأركان الصلاة وواجباتها، واحذروا من الإخلال بما ينبغي لها، واعلموا أن الصلاة نور كما أخبرنا نبينا محمد ﷺ فقال: ﴿الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها﴾.
فمن باع نفسه للرحمن بطاعته واتباع شرعه والتمسك بدينه؛ فقد أعتقها من عذاب الله، ومن باع نفسه للشيطان والكرة والملاهي ولعب الورق ولعب الميسر والشطرنج والقمار، متتبعاً خطوت الشيطان، مستجيباً لإغوائه متبعاً لهواه؛ فقد أورد نفسه موارد الهلاك والعطب، وما أكثر من أطاع الشيطان -والعياذ بالله- فصار هو إمامهم يقودهم إلى كل شر وفساد ورذيلة، يهيمون في شهواتهم، قد أضاعوا الصلوات وأشغلوا أوقاتهم بما يعود عليهم بالخسارة الفادحة يوم القيامة يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] والويل: وادٍ في جهنم، فكيف بِمنْ يتهاون بالصلاة، كيف حاله إذا بدأ يهيم في هذا الوادي؟! هذا لمن تهاون بالصلاة، وأخرها عن وقتها.
أما من ترك الصلاة بالكلية فهو كافر والعياذ بالله، والويل له من سقر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٧ - ٢٨] فالحذر الحذر يا عباد الله من ترك الصلاة، الحذر الحذر من التهاون بالصلاة، فإنها الفارقة بين الكافر والمسلم ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ [[لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]].
واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك وزد على سيدنا ونبينا محمد صلاةً وتسليماً إلى يوم القيامة، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والشيوعيين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين.
اللهم أورثنا ديارهم وأوطانهم، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في برك وبحرك من المسلمين، اللهم أيدهم بنصرك، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انصرهم على أعداء الإسلام والمسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم اجعلهم قرة أعين لنا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 624
لمن تكون الطاعة
ابتدأ الشيخ خطبته بذكر آيات التقوى من سورة آل عمران: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، ثم تحدث عن وجوب طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ وما يترتب على هذه الطاعة من حل للمشكلات الاجتماعية وعلاج للأمراض الخطيرة التي تفشت بسبب معصية الله ورسوله، وأن تحكيم الشريعة طريق للنصر والعزة والكرامة، ثم تطرق إلى الحديث عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي من صوره الجهاد، وختم بذكر أحاديث في فضل الجهاد في سبيل الله .
стр. 625
وجوب العمل بالشريعة الإسلامية
الحمد لله الذي تفرد بالجلال والكمال والبقاء، الحي الذي لا يموت أبداً، ذي العظمة والكبرياء، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد أحمده سبحانه وأشكره على نعمة الإسلام، وأعظم بها من نعمة! وأسأله أن يديمها علينا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي أطاح بعروش الظلم والظلام، وأقام دولةً إسلامية بوحي من الله وإلهام.
اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين نفذوا شرع الله على خير مرام، وفتحوا الفتوحات، ومصروا الأمصار، فدانت لهم العوالم بأسرها مع قلة العَدَد والعُدَد، فرضوان الله عليهم أجمعين، وعلى من سلك طريقهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله ، فإن ربكم جل وعلا يأمركم في محكم البيان بأن تتقوه حق تقاته، وأن تتمسكوا بدين الإسلام حتى تموتوا عليه، وأن تعتصموا بحبل الله المتين، وينهاكم جل وعلا عن التفرق والاختلاف، ويذكركم بنعمته عليكم حيث جعلكم إخوة في الدين والعقيدة، ولقد أنقذكم بهذه الأخوة من النار، حيث بعث إليكم أفضل المرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل عليه أفضل الكتب ألا وهو القرآن، واسمعوا إلى القرآن يا أمة الإسلام وهو يخاطب المسلمين جميعاً على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم، يقول المولى جل وعلا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
أيها المسلمون: اعلموا أنكم إذا أطعتم الله تعالى ورسوله ﷺ ، وطبقتم الأوامر التي أمر الله بها ورسوله ﷺ ، فقد حظيتم بالفوز العظيم، ورافقتم نخبةً طاهرةً من عباد الله في رفيع الجنان، وتصديق ذلك في محكم البيان قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠] وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 626
الحكم بالشريعة علاج للمشكلات والأضرار
عباد الله: إن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ العمل بجميع ما جاءت به الشريعة الإسلامية أجل -يا أمة الإسلام- علينا أن نقف مع أنفسنا، ونتساءل عما حل بالمجتمعات من ضرٍ وضيقٍ مالي أو أمني فردياً كان أو جماعياً، وكل عاقل سوف يقول: هو بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وإهمالهم لأوامر الله ، ونسيانهم شريعة الله ، والتماسهم الحكم بين الناس من غيرة شريعة الله الذي خلق الخلق وكان أرحم بهم من أمهاتهم وآبائهم، وكان الله جل وعلا أعلم بمصالحهم من أنفسهم.
أمة الإسلام: نسمع في هذه الأيام أنهم يعقدون الجلسات ليبحثوا عن علاج لمرض الإيدز ومرض الهربز ومرض الزهري ومرض السيلان، وقد أخبرنا الله بالعلاج منذ خمسة عشر قرناً، منذ أن جاء محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أتدرون ما هو العلاج؟ إن العلاج هو جلد الزاني والزانية مائة جلدة، وتغريبهما عن البلاد، هذا إذا كان الزاني أو الزانية بكراً لم يتزوج، أما العلاج الثاني وهو للمتزوج فإنه يقتل رجماً بالحجارة، سواء في ذلك الذكر والأنثى إذا كانا متزوجين فيا له من علاجٍ جاءت به الشريعة الإسلامية على لسان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه! هذا هو علاج مرض الإيدز والهربز والسيلان، وغيرها من الأمراض التي انتشرت من جراء الزنا واللواط، أما الحكم على اللوطي -وهو من يعمل جريمة قوم لوط- فقد أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾.
ولذلك الصحابة ﵃ الذين يطبقون شرع الله منهم من أحرق اللوطي بالنار، ومنهم من رجمه بالحجارة، ومنهم من قال: ينظر إلى أعلى محلٍ في البلد، ثم يرمى منه ويتبع بالحجارة، هذا هو اللوطي الذي قال ابن عباس ﵁ وأرضاه: [[اللوطي إذا مات من غير توبة فإنه يمسخ في قبره خنزيراً]] والعياذ بالله!
إذاً العلاج في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ .
أيضاً علاج الذين يسطون على الأموال، ويرعبون الناس، ويزحزحون الأمن عن البلاد؛ علاجهم في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨] ولكن بعض الدول التي تدعي الإسلام لما استمعت إلى تلاميذ لينين وماركس، جعلوا يقولون: هذه الأحكام فيها تشويه! -نسأل الله العفو والعافية- أليسوا يعتبرون بذلك كفاراً، إذا أطلقوا هذه العبارات على أحكام الله وأحكام رسوله ﷺ ؟! مروج المخدرات والمسكرات يقتل ويقضى عليه؛ لأنه من الذين ينشرون الفساد في الأرض، يقول ابن تيمية ﵀: شارب الخمر إذا شرب في الأولى يجلد، ثم في الثانية يجلد، ثم في الثالثة يجلد، ثم في الرابعة يقتل فرحمة الله على علماء الإسلام والمسلمين الذين ترووا من شريعة الله.
стр. 627
تحكيم الشريعة طريق للنصر
أيها الإخوة في الله: هذه أحكام الله واعلموا أن المسلمين إذا رجعوا إلى كتاب الله، وإلى هدي رسول الله ﷺ ، وعظموا شعائر الله؛ فليبشروا بالنصر من الله جل وعلا، فإن النصر لا يحصل ولا يتحقق إلا إذا عمل المسلمون بدين الإسلام كله، وطبقوه عقيدةً وعبادةً، وأحكاماً ونظاماً وأخلاقاً في كل شأنٍ من شئون حياتهم.
فعلى المسلمين في كل زمان ومكان إذا أرادوا النصر والفخر والعز والشرف من الله، والتمكين في الأرض؛ عليهم جميعاً أن يعملوا بكتاب ربهم، وسنة نبيهم محمد ﷺ ، فإن الله تعالى قوله صدقٌ، ووعده حقٌ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ويقول تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] ويقول تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] فإذا وجد الإيمان والإسلام، وجد النصر بإذن الله تعالى، وإذا فقد الإيمان والإسلام، فلا عز ولا نصر جزاءً وفاقاً، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
فإذا أراد المسلمون النصر والعز والنصر، والحفاظ على الممالك الإسلامية؛ فعليهم ألا يغالطوا أنفسهم، وعليهم أن يأخذوا بأسباب النصر، ومن أهمها: العمل بشريعة الإسلام، والاستعداد بالقوة الحسية والمعنوية في قتال الأعداء امتثالاً لأمر الله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ثم التكاتف، والتساند، والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين من أسباب النصر، ولابد -يا عباد الله- أن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله ولنصرة دينه، فلا قومية، ولا شعبية، ولا عنصرية، ولا حمية جاهلية، فإذا أعلن الجهاد لإعلاء كلمة الله، فإن النصر يتحقق بإذن الله تعالى.
стр. 628
صور من العمل بالشريعة الإسلامية
أيها الإخوة في الله: إن من العمل بشريعة الإسلام: فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، ومن تلك المحرمات التي انتشرت بين المسلمين وعلا شرها واستطار: جريمة الربا وهي الكبيرة التي أذن الله لمن يرتكبها بالمحاربة -نسأل الله العفو والعافية- ومن يحارب الله يا عباد الله؟!! ويقول ﷺ : ﴿الربا ثلاثٌ وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه﴾ وأيضاً ورد في الأثر: ﴿درهمٌ ربا أشد عند الله من ستٍ وثلاثين زنية﴾.
فيا أمة الإسلام: متى نستيقظ؟ متى نحارب هذه الجريمة التي حلت على أهلها اللعنة؟ فقد ورد في الحديث: ﴿أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء﴾ أي: في الإثم سواء.
ومن العمل بشريعة الإسلام -يا عباد الله- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أهم الواجبات وأعظم المهمات على المسلمين عموماً إبعاد القوانين الوضعية المخالفة لشريعة الإسلام، فالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها المخلوق لمخلوق مثله كفر وإلحاد وظلمٌ وفساد، قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ويقول المولى جل وعلا: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام:٣٨] ففي الشريعة الإسلامية حلٌ لكل مشكلة، فهي صفوة الأديان ومسك الختام، وقد جاءت لإقامة العدل في الأرض ومنع الفساد، جاءت للإصلاح والصلاح، وتكفلت بإصلاح الأوضاع كلها، وإبطال جميع الأنظمة والقوانين الطاغوتية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وأحكام الشريعة الإسلامية أحكام مرنةٌ لا التواء فيها ولا تعقيد كما يوجد في القوانين الوضعية.
أمة الإسلام: إن ميدان الشريعة الإسلامية واسع وفسيح، وهي مع ذلك في غاية من الحكمة والسماحة واليسر والتسهيل، وليس في الشريعة الإسلامية عجزٌ ولا قصورٌ عن حل مشاكل الحياة، بل في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ السداد والوفاء والكفاية بجميع متطلبات الحياة البشرية، والآيات التي صرحت بالحكم بما أنزل الله أكثر من مائة وخمسين آية في كتاب الله، فواجب على المسلمين أن يستمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ﷺ ، وليهنئ بعضنا بعضاً ونحن في هذه البلاد الآمنة التي تطبق الشريعة الإسلامية يقول لي بعض الإخوان المغتربين الذي جاء من خارج البلاد، ويقسم بالله ثلاثة أيمان، يقول: والله، ثم والله، ثم والله، ما تلذذت بالنوم إلا يوم أن دخلت هذه المملكة.
أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا بحفظه، وأن يرعانا برعايته حكاماً ومحكومين، وأن يصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، وأن يجعلنا وإياهم هداةً مهتدين نطبق شرع الله إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا جميعاً فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 629
الجهاد في سبيل الله وفضله
الحمد لله أمر بالجهاد في سبيله، ووعد عليه بالأجر العظيم والثواب الجزيل لمن أخلص فيه النية لله، وجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي جاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، وارجعوا إلى الله، وجددوا توبةً نصوحاً، وجاهدوا في سبيل الله، فإنه من أفضل الأعمال إلى الله، فقد سئل رسول الله ﷺ : ﴿أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌ مبرورٌ﴾ متفق عليه وعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: ﴿قلت: يا رسول الله! أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾ متفق عليه وعن أبي ذر ﵁ وأرضاه، قال: ﴿قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله﴾ متفق عليه ويقول رسول الله ﷺ : ﴿رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها﴾ متفق عليه فيا له من فضل عظيم!
ويقول رسول الله ﷺ : ﴿ما من مكلومٍ يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى؛ اللون لون دم، والريح ريح مسك﴾ متفق عليه وعن سهل ﵁ وأرضاه، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾ رواه مسلم وعن أنس ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه﴾ رواه مسلم وعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا﴾ متفق عليه.
ويقول رسول الله ﷺ : ﴿من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق﴾ وفي رواية: ﴿مات ميتة الجاهلية﴾.
عباد الله: إن أحاديث الجهاد في سبيل الله كثيرة، وكذلك الآيات الدالة على فضله كثيرة، وما قدمنا فيها كفاية وفيها ذكرى لمن ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 630
من صور الجهاد
عباد الله: علينا -أولاً- أن نجاهد أنفسنا وأهلينا وأولادنا على طاعة الله ؛ بالقيام بالفروض وأدائها على الوجه المطلوب، ثم علينا أن نجاهد أنفسنا عن المحرمات من غيبةٍ ونميمةٍ، وأكل للحرام، ونجاهد أنفسنا عن الخداع والكذب والغش والخيانة، وأكل الربا، وشهادة الزور، ونجاهد أنفسنا عن الرياء والسمعة، ونجاهد أنفسنا عن ارتكاب المحرمات بجميع أنواعها واختلاف أشكالها، فإذا جاهدنا أنفسنا واستقمنا على الطريقة، جاهدنا الأعداء؛ وحينئذ يتحقق النصر بإذن الله تعالى.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالإكثار من الصلاة والتسليم عليه، فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والشيوعيين والملحدين والعلمانيين والبعثيين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم خذهم أخذ عزيزٍ مقتدر يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، الله أقر أعيننا بصلاحهم، واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في الفردوس الأعلى يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، فأنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، يا من قلت وقولك الحق: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا قريباً مجيباً لمن دعاك، يا من قلت وقولك الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] لبيك وسعديك! لبيك وسعديك! نرفع إليك أكف الضراعة يا غني يا حميد! يا علي يا عظيم! يا حليم يا عليم! اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، عاماً طبقاً مجللاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، اللهم أنزل علينا من بركاتك، واجعل ما أنزلته لنا قوةً على طاعتك، وبلاغاً إلى حين، اللهم أحي بلدك الميت، اللهم أحي بلدك الميت اللهم أحي بلدك الميت اللهم انشر بركتك على العباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد! يا من خزائنه ملأى! يا من يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء! أنت الغني ونحن الفقراء لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم فارج الكربات! كاشف الشدائد والبليات! اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.
стр. 631
أمراض القلوب
إن للقلب أهمية كبرى في جانب الحياة الروحية والاتصال بالله ، فهل أعطينا القلب ما يستحقه من نصح وعناية وإحاطة بالخير؟! وهل جنبناه مواطن الفساد والمرض؟!
إن هذه المضغة الصغيرة ذات أهمية بالغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
وكما أن لموت القلوب أسباباً فكذلك لحياتها أسباباً، وإن من أعظم أسباب حياتها ذكر الله.
стр. 632
أهمية القلب في حياة الإنسان
الحمد لله يهدي من يشاء, ويضل من يشاء, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, خلق فقدر, فكلٌ ميسر لما خلق له, فأهل السعادة يسَّرهم الله لأعمال أهل السعادة, وأهل الشقاوة -كذلك- ميسرون لأعمال أهل الشقاوة, اللهم اجعلنا من السعداء ولا تجعلنا من الأشقياء, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي نصح لأمته, وتركهم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا الله , وراقبوه في السر والعلانية, كما هي وصية الله للأولين وللآخرين, ورسول الله ﷺ يوصي -أيضاً- بعض الصحابة ويقول: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾.
أيها الإخوة في الله: من تقوى الله إحاطة القلب ونصحه وإدخال كل شيء يرضي الله إليه, وإبعاد كل شيء يغضب الله عنه, وهذه القطعة الصغيرة التي لا يراها أحد إلا الله أوصى بها رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي: القلب﴾ اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
أيها الإخوة في الله: إن القلب هو المسيطر وهو الملك على الأعضاء كلها, لذلك أخبر النبي ﷺ بهذا التوجيه ليحث الأمة الإسلامية على حفظ هذا الوعاء المهم, ألا وهو القلب, كذلك حث على حماية هذا القلب, وعلى وقايته من الأخطار.
عباد الله: القلب مصدر سعادة الإنسان أو شقاوته, ومن القلب تنبعث حياة الإنسان الروحية أو ينبعث موته المعنوي.
يا أمة الإسلام: القلب يحتاج إلى عناية, وإلى صيانة, ويحتاج إلى عطف منك أيها الإنسان حتى يقوم بواجبه, والقلب يحتاج منك أن تتقرب إلى الله , فإذا صلح قلبك صلحت الجوارح كلها.
стр. 633
إهمال الكثير لقلوبهم
أيها الإخوة في الله!
السؤال
هل أعطينا القلوب ما تستحقه من حماية؟ وهل أحطنا القلوب بسياج الإيمان الكامل؟
إن معظم الناس بل الأكثر فرط في هذه الناحية الحساسة, وتركها حتى دخل عليها ذئب الإنسان وهو الشيطان, فجعل يخطط للأعداء, ويأمرها وهي تنفذ تلك الأمور الخطيرة, حتى أصبح الأكثر من الناس في أسر الشيطان وقيوده, ووقعوا في أعظم داهية, وأصيبوا بأعظم الأدواء ألا وهو فقدان الإحساس الروحي, وابتلوا بموت الضمائر, حتى ران على القلوب الران, وأعمتها الذنوب والمعاصي، وفقدوا الغيرة والمروءة والحياء, والحياء شعبة من الإيمان, فقده الذين ماتت قلوبهم.
أيها الإخوة في الله: إن موت القلوب طغى عليها فأصبحت كالحجارة, لا تتأثر بآية ولا وعظ, ولا تستجيب لنداء الإسلام, ولا تستفزها نذر القرآن, ولم يؤثر بتلك القلوب التي عميت عن الحق ما يطرق أسماعها من الآيات الكونية والعبر, وصدق رب العالمين قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] تعمى عن النظر إلى الحق, وتصم عن سماع الحق, لو كانت القلوب واعية وصحيحة لكفى بها ما تسمع من العبر, وما تشاهده من الحوادث المفزعة, والكوارث المدمرة التي جعلت أهل تلك البلدان المجاورة شذر مذر, وفرقتهم في كل ناحية, فأصبحوا بعد الغنى فقراء, وبعد الشبع جياعاً, وأصبحوا بعد الجماعة فرقة, فإنها عبرة لمن يعتبر.
أيها الإخوة في الله: عباد الله! إن موت القلوب أغفل الكثير عن الاهتمام بدين الإسلام, حتى أصبح الكثير من المسلمين لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً, فما بقي إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
يا علماء الإسلام: ما هذا التغافل عن الدعوة إلى الله؟ وما هذا البعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
стр. 634
أسباب موت القلوب
أيها الإخوة في الله: بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبسبب غفلة القلوب، تداعت على الإسلام الأمم من كل صوب وحدب وغزوا العقائد والأخلاق, وبذروا الفتن وأججوا نارها بين المسلمين, وأدخلوا البدع فاستحسنها بعض أهل الإسلام -ويا للأسف الشديد- كل ذلك نتيجته موت القلوب وبعدها عن الله, وصارت تلك القلوب العمياء تلك القلوب الميتة أمام الكثير سراباً لا حقيقة له, أو كأنها أضغاث أحلام لا يتوقع لها تأويل, ولا يفكر فيما تولده من شرور, عياذاًَ بالله من مضلات الفتن.
كل ذلك نشأ عن موت القلوب, وعدم الشعور والتطلع بمسئولياتها حتى إن بعض الناس لموت قلبه وبعده عن الله أتى بالخادمة وجعلها له ولأهله متعة يتمتع بها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن موت القلوب: أنه سمح للفتاة التي امتنعت عن الزواج أن تستقدم لها سائقاً يذهب بها ويرجع, فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن موت القلوب: ما يتبادله بعض النساء من أفلام خبيثة تعكس الفطر وتنكس أخلاقها، وتجعل تلك المرأة بعد أن كانت أمينة حصينة عفيفة، تكون داعرة خبيثة, مجرمة, تنشر الشر والفساد، وذلك بسبب الأشرطة التي تتبادلها هي وزميلاتها.
أيها الإخوة في الله: ألا نحيط قلوبنا بالنصيحة؟ ألا نتفقد قلوبنا؟ ولو صح القلب ووعى, لتفقدنا الأهل والأولاد, ولقمنا بالواجب, ولعلمنا أن علينا مسئولية عظيمة, والله لو وعى القلب لما تركنا المرأة تخرج مع السائق يجوب بها الأسواق وتذهب لتشجع اللاعبين, ولتشاركهم في أفراحهم ولعبهم, أين هذا من المسلمين؟ هذا لم يوجد حتى في مجالس الجاهلية، ولم يذكر في مجالس الجاهلية أن أمرأة جلست معهم في مجالسهم, فأين الغيرة يا أمة الإسلام؟ وأين الحياء يا أمة الإسلام؟! أين الغيرة يا عباد الله؟! كيف يترك الرجل أهله وبناته مع السائق يجوب بهن الأسواق؟ فقولوا: إنا لله وإنا إليه راجعون, وحسبنا الله ونعم الوكيل.
إن استقدام السائق والخادم والمربية فتنة فتحت على المسلمين, والله إنها فتنة فتحت على المسلمين, والله إنه شر مستطير, ملأ البيوت بالفتن والشر والفساد, ولعلكم تسمعون وتقرءون ما يحصل في بعض البيوت من الشر والفساد, فإلى متى هذا السكوت على هذه المنكرات؟ قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
стр. 635
عاقبة موت القلب
أيها الإخوة في الله: إن موت القلوب الذي عمّ الأكثرين من الناس، سبب لهم عدم المبالاة بأوامر الله, فأكثر الأولاد لا يعرفون المساجد, ولا يصلون في بيوت الله -فإنا لله وإنا إليه راجعون- والله ليست المصيبة مصيبة الدنيا ولا بفقد شيء من المال, إن المصيبة العظمى والكسر الذي لا يجبر هي -والله- مصيبة الدين فإنا لله وإنا إليه راجعون.
كم نسمع في البيوت من رجال تعدت أعمارهم الأربعين ماذا ينتظرون إلا هادم اللذات أن يأخذهم على غرة وهم لا يعرفون المساجد, فإنا لله وإنا إليه راجعون, وكثير من النساء لا يعرفن الصلاة, فعلى من تقع هذه المسئولية؟ على ولي أمرها ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾.
أيها الإخوة في الله: إن أسباب موت القلوب, جرأت الكثير من الناس على أكل الحرام, وعلى أكل الربا, وعلى أكل الرشوة, وعلى الغش, وعلى الخداع, وعلى بيع المحرمات: كالدخان والمخدرات والمسكرات بأنواعها, وجرأهم على أنهم جلبوا إلى بلاد الإسلام والمسلمين آلات اللهو واستحلوها, وأكلوا أثمانها وهي حرام, والقاعدة الفقهية تقول: "ما حرم استعماله فحرام ثمنه", لو كانت القلوب حية, لو كانت القلوب واعية لعرفنا أن أمامنا يوم عظيم, وأن أمامنا قيام بين يديّ رب العالمين.
أيها الإخوة في الله: يوم الجزاء الثاني يوم القيامة, يوم عظيم تبرز فيه الكائنات، وتظهر فيه الحقائق، وتنكشف فيه النيات, وتنشر فيه الدواوين.
أيها الرجل: إذا قيل لك يوم القيامة: ما السبب الذي جعلك تأتي بالخادمة والمربية وتتمتع بها وتجعلها بين أولادك وأهلك؟! ما هو الجواب بين يدي الله ؟ أما سمعت قول الرسول ﷺ ، أما سمعت المبلغ عن رب العالمين وهو يقول: ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم﴾ أما سمعت قول الرسول ﷺ : ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ أعدّ لهذا جواباً بين يدي الله رب العالمين, ثم أعدّ للجواب صواباً.
أيها الإخوة في الله: إن موت القلوب أبعد الناس عن ذكر الله , حتى غطى الغبار على كتاب الله , فإنا لله وإنا إليه راجعون, واستُحلت قراءة كتب أهل البدع والمحدثات, واستُحلت كتب الخلاعة والمجلات الهابطة والجرائد الساقطة وغيرها، وأعرضت القلوب عن ذكر الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
أيها الإخوة في الله: اعلموا يا من تريدون النجاة يوم القيامة, أنه لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم, وما هو القلب السليم؟! القلب السليم هو: الصحيح الممتلئ بمحبة الله وإجلاله وتعظيمه, القلب السليم هو: المتحلي بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه, القلب السليم هو: الخالي من كل شبهة تعارض خبر الله, القلب السليم هو: الخالي من كل شهوة تميل إلى ما حرم الله, فاتقوا الله أيها المسلمون! وتجنبوا كل ما يمرض القلوب أو يميتها.
وإن أكثر ممرض وأعظم مميت للقلوب هو: الصدود عن ذكر الله, والصدود عن تلاوة كتاب الله, والإعراض عن هدي رسول الله ﷺ , وأكبر مميت للقلوب استماع الأغاني, والسهر, وقضاء الأوقات مع الأفلام والتمثيليات والمسلسلات التي جلبها أعداء الإسلام والمسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
следующие страницы →