← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أمراض القلوب إن للقلب أهمية كبرى في جانب الحياة الروحية والاتصال بالله ، فهل أعطينا القلب ما يستحقه من نصح وعناية وإحاطة بالخير؟! وهل جنبناه مواطن الفساد والمرض؟! إن هذه المضغة الصغيرة ذات أهمية بالغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. وكما أن لموت القلوب أسباباً فكذلك لحياتها أسباباً، وإن من أعظم أسباب حياتها ذكر الله.

стр. 632

أهمية القلب في حياة الإنسان الحمد لله يهدي من يشاء, ويضل من يشاء, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, خلق فقدر, فكلٌ ميسر لما خلق له, فأهل السعادة يسَّرهم الله لأعمال أهل السعادة, وأهل الشقاوة -كذلك- ميسرون لأعمال أهل الشقاوة, اللهم اجعلنا من السعداء ولا تجعلنا من الأشقياء, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي نصح لأمته, وتركهم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس! اتقوا الله , وراقبوه في السر والعلانية, كما هي وصية الله للأولين وللآخرين, ورسول الله ﷺ يوصي -أيضاً- بعض الصحابة ويقول: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾. أيها الإخوة في الله: من تقوى الله إحاطة القلب ونصحه وإدخال كل شيء يرضي الله إليه, وإبعاد كل شيء يغضب الله عنه, وهذه القطعة الصغيرة التي لا يراها أحد إلا الله أوصى بها رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي: القلب﴾ اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. أيها الإخوة في الله: إن القلب هو المسيطر وهو الملك على الأعضاء كلها, لذلك أخبر النبي ﷺ بهذا التوجيه ليحث الأمة الإسلامية على حفظ هذا الوعاء المهم, ألا وهو القلب, كذلك حث على حماية هذا القلب, وعلى وقايته من الأخطار. عباد الله: القلب مصدر سعادة الإنسان أو شقاوته, ومن القلب تنبعث حياة الإنسان الروحية أو ينبعث موته المعنوي. يا أمة الإسلام: القلب يحتاج إلى عناية, وإلى صيانة, ويحتاج إلى عطف منك أيها الإنسان حتى يقوم بواجبه, والقلب يحتاج منك أن تتقرب إلى الله , فإذا صلح قلبك صلحت الجوارح كلها.

стр. 633

إهمال الكثير لقلوبهم أيها الإخوة في الله! السؤال هل أعطينا القلوب ما تستحقه من حماية؟ وهل أحطنا القلوب بسياج الإيمان الكامل؟ إن معظم الناس بل الأكثر فرط في هذه الناحية الحساسة, وتركها حتى دخل عليها ذئب الإنسان وهو الشيطان, فجعل يخطط للأعداء, ويأمرها وهي تنفذ تلك الأمور الخطيرة, حتى أصبح الأكثر من الناس في أسر الشيطان وقيوده, ووقعوا في أعظم داهية, وأصيبوا بأعظم الأدواء ألا وهو فقدان الإحساس الروحي, وابتلوا بموت الضمائر, حتى ران على القلوب الران, وأعمتها الذنوب والمعاصي، وفقدوا الغيرة والمروءة والحياء, والحياء شعبة من الإيمان, فقده الذين ماتت قلوبهم. أيها الإخوة في الله: إن موت القلوب طغى عليها فأصبحت كالحجارة, لا تتأثر بآية ولا وعظ, ولا تستجيب لنداء الإسلام, ولا تستفزها نذر القرآن, ولم يؤثر بتلك القلوب التي عميت عن الحق ما يطرق أسماعها من الآيات الكونية والعبر, وصدق رب العالمين قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] تعمى عن النظر إلى الحق, وتصم عن سماع الحق, لو كانت القلوب واعية وصحيحة لكفى بها ما تسمع من العبر, وما تشاهده من الحوادث المفزعة, والكوارث المدمرة التي جعلت أهل تلك البلدان المجاورة شذر مذر, وفرقتهم في كل ناحية, فأصبحوا بعد الغنى فقراء, وبعد الشبع جياعاً, وأصبحوا بعد الجماعة فرقة, فإنها عبرة لمن يعتبر. أيها الإخوة في الله: عباد الله! إن موت القلوب أغفل الكثير عن الاهتمام بدين الإسلام, حتى أصبح الكثير من المسلمين لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً, فما بقي إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم يا علماء الإسلام: ما هذا التغافل عن الدعوة إلى الله؟ وما هذا البعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

стр. 634

أسباب موت القلوب أيها الإخوة في الله: بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبسبب غفلة القلوب، تداعت على الإسلام الأمم من كل صوب وحدب وغزوا العقائد والأخلاق, وبذروا الفتن وأججوا نارها بين المسلمين, وأدخلوا البدع فاستحسنها بعض أهل الإسلام -ويا للأسف الشديد- كل ذلك نتيجته موت القلوب وبعدها عن الله, وصارت تلك القلوب العمياء تلك القلوب الميتة أمام الكثير سراباً لا حقيقة له, أو كأنها أضغاث أحلام لا يتوقع لها تأويل, ولا يفكر فيما تولده من شرور, عياذاًَ بالله من مضلات الفتن. كل ذلك نشأ عن موت القلوب, وعدم الشعور والتطلع بمسئولياتها حتى إن بعض الناس لموت قلبه وبعده عن الله أتى بالخادمة وجعلها له ولأهله متعة يتمتع بها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن موت القلوب: أنه سمح للفتاة التي امتنعت عن الزواج أن تستقدم لها سائقاً يذهب بها ويرجع, فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن موت القلوب: ما يتبادله بعض النساء من أفلام خبيثة تعكس الفطر وتنكس أخلاقها، وتجعل تلك المرأة بعد أن كانت أمينة حصينة عفيفة، تكون داعرة خبيثة, مجرمة, تنشر الشر والفساد، وذلك بسبب الأشرطة التي تتبادلها هي وزميلاتها. أيها الإخوة في الله: ألا نحيط قلوبنا بالنصيحة؟ ألا نتفقد قلوبنا؟ ولو صح القلب ووعى, لتفقدنا الأهل والأولاد, ولقمنا بالواجب, ولعلمنا أن علينا مسئولية عظيمة, والله لو وعى القلب لما تركنا المرأة تخرج مع السائق يجوب بها الأسواق وتذهب لتشجع اللاعبين, ولتشاركهم في أفراحهم ولعبهم, أين هذا من المسلمين؟ هذا لم يوجد حتى في مجالس الجاهلية، ولم يذكر في مجالس الجاهلية أن أمرأة جلست معهم في مجالسهم, فأين الغيرة يا أمة الإسلام؟ وأين الحياء يا أمة الإسلام؟! أين الغيرة يا عباد الله؟! كيف يترك الرجل أهله وبناته مع السائق يجوب بهن الأسواق؟ فقولوا: إنا لله وإنا إليه راجعون, وحسبنا الله ونعم الوكيل. إن استقدام السائق والخادم والمربية فتنة فتحت على المسلمين, والله إنها فتنة فتحت على المسلمين, والله إنه شر مستطير, ملأ البيوت بالفتن والشر والفساد, ولعلكم تسمعون وتقرءون ما يحصل في بعض البيوت من الشر والفساد, فإلى متى هذا السكوت على هذه المنكرات؟ قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].

стр. 635

عاقبة موت القلب أيها الإخوة في الله: إن موت القلوب الذي عمّ الأكثرين من الناس، سبب لهم عدم المبالاة بأوامر الله, فأكثر الأولاد لا يعرفون المساجد, ولا يصلون في بيوت الله -فإنا لله وإنا إليه راجعون- والله ليست المصيبة مصيبة الدنيا ولا بفقد شيء من المال, إن المصيبة العظمى والكسر الذي لا يجبر هي -والله- مصيبة الدين فإنا لله وإنا إليه راجعون. كم نسمع في البيوت من رجال تعدت أعمارهم الأربعين ماذا ينتظرون إلا هادم اللذات أن يأخذهم على غرة وهم لا يعرفون المساجد, فإنا لله وإنا إليه راجعون, وكثير من النساء لا يعرفن الصلاة, فعلى من تقع هذه المسئولية؟ على ولي أمرها ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾. أيها الإخوة في الله: إن أسباب موت القلوب, جرأت الكثير من الناس على أكل الحرام, وعلى أكل الربا, وعلى أكل الرشوة, وعلى الغش, وعلى الخداع, وعلى بيع المحرمات: كالدخان والمخدرات والمسكرات بأنواعها, وجرأهم على أنهم جلبوا إلى بلاد الإسلام والمسلمين آلات اللهو واستحلوها, وأكلوا أثمانها وهي حرام, والقاعدة الفقهية تقول: "ما حرم استعماله فحرام ثمنه", لو كانت القلوب حية, لو كانت القلوب واعية لعرفنا أن أمامنا يوم عظيم, وأن أمامنا قيام بين يديّ رب العالمين. أيها الإخوة في الله: يوم الجزاء الثاني يوم القيامة, يوم عظيم تبرز فيه الكائنات، وتظهر فيه الحقائق، وتنكشف فيه النيات, وتنشر فيه الدواوين. أيها الرجل: إذا قيل لك يوم القيامة: ما السبب الذي جعلك تأتي بالخادمة والمربية وتتمتع بها وتجعلها بين أولادك وأهلك؟! ما هو الجواب بين يدي الله ؟ أما سمعت قول الرسول ﷺ ، أما سمعت المبلغ عن رب العالمين وهو يقول: ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم﴾ أما سمعت قول الرسول ﷺ : ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ أعدّ لهذا جواباً بين يدي الله رب العالمين, ثم أعدّ للجواب صواباً. أيها الإخوة في الله: إن موت القلوب أبعد الناس عن ذكر الله , حتى غطى الغبار على كتاب الله , فإنا لله وإنا إليه راجعون, واستُحلت قراءة كتب أهل البدع والمحدثات, واستُحلت كتب الخلاعة والمجلات الهابطة والجرائد الساقطة وغيرها، وأعرضت القلوب عن ذكر الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. أيها الإخوة في الله: اعلموا يا من تريدون النجاة يوم القيامة, أنه لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم, وما هو القلب السليم؟! القلب السليم هو: الصحيح الممتلئ بمحبة الله وإجلاله وتعظيمه, القلب السليم هو: المتحلي بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه, القلب السليم هو: الخالي من كل شبهة تعارض خبر الله, القلب السليم هو: الخالي من كل شهوة تميل إلى ما حرم الله, فاتقوا الله أيها المسلمون! وتجنبوا كل ما يمرض القلوب أو يميتها. وإن أكثر ممرض وأعظم مميت للقلوب هو: الصدود عن ذكر الله, والصدود عن تلاوة كتاب الله, والإعراض عن هدي رسول الله ﷺ , وأكبر مميت للقلوب استماع الأغاني, والسهر, وقضاء الأوقات مع الأفلام والتمثيليات والمسلسلات التي جلبها أعداء الإسلام والمسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 636

أخلاق المؤمنين وصفاتهم واسمعوا وصف المؤمنين الكامل في كتاب الله إن كنتم تريدون أن تقتدوا بهم. الوصف الأول: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] اسمع هذا وصف واحد يا عبد الله, إن كنت من المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وخافت. الوصف الثاني: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢]. الوصف الثالث: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. الوصف الرابع: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]. الوصف الخامس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]. ولما استكملوا تلك الصفات الخمسة ماذا وصفهم الله؟ قال الله جلَّ وعلا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٤] لا إله إلا الله! اللهم اجعلنا ممن يحوز على هذا الوصف, وبماذا وعدهم الله؟ ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]. اسمع يا عبد الله! أكرر عليك لعلك تنهج نهجهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. اللهم اجعلنا منهم, اللهم أحينا مسلمين, وتوفنا مسلمين, وألحقنا بالصالحين, اللهم أجرنا من مضلات الفتن, اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 637

أهمية اختيار الجليس الصالح الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, كما يحب ربنا ويرضاه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله, اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: إن كتاب ربنا جلَّ وعلا وسنة نبينا محمد ﷺ فيهما الحث على ما يحمي القلوب ويوقظها ويقربها من حضرة علام الغيوب, وفيهما النهي العظيم عن مجالسة الأشرار, فإن مجالسة الأشرار تعمي القلوب، وتصد عن ذكر الله، وتبعد عن الله , لذلك فإن رب العزة والجلال نهى نبينا محمداً ﷺ عن مجالسة الظالمين, فقال وقوله الحق: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] لماذا؟! لأنهم سمٌ يدخل في الأبدان, فالكتاب والسنة يأمران بأن نبتعد عن كل خلق ذميم خشية أن يقودنا إلى الهاوية, فالشرير لا يهمه إلا أن يكون جليسه مثله شريراً. إن القرآن والسنة يأمران أن نبتعد عمن انغمس في العصيان وولّى وجهه نحو الشيطان, ويأمران أن نبتعد عمن غلب عليهم الجهل وتسلطت عليهم الأهواء, وإن أعظم مثال يصور لنا خطر جليس السوء ما حصل لـ أبي طالب عمّ الرسول ﷺ , الذي كان يحميه من أذى المشركين، لما حضرته الوفاة وجعل يعاني من سكرات الموت, ويلفظ آخر أنفاس الحياة, قال له رسول الله ﷺ : ﴿يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله﴾ فماذا قال جلساؤه الأشرار؟ قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فعاد عليه الناصح الأمين محمد ﷺ : ﴿يا عمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله﴾ فأعادوا عليه الكرة, وكرروا عليه التلقين وقالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فماذا قال في النهاية؟ قال: هو على ملة عبد المطلب، فخرجت روحه على ملة الكفر والشرك والأوثان. أيها الإخوة في الله: إنه لا أخطر على الإنسان من جلساء السوء, فاحذروا جلساء السوء, فكم من شاب تقي صالح أصبح الآن رهينة في السجون؛ بسبب جلساء السوء! وكم من شاب عفيف طاهر أصبح يبيع عرضه بقطعة حشيش، بسبب مجالسة جلساء السوء! كم من شاب كان صحيح العقل مستوي القامة ولكن بصحبة الأشرار وبما قدموا له من الحبوب والمخدرات أصبح الآن بصفة المجانين وفي غرفة يعيش وحده لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً, إنهم جلساء السوء, احذور منهم, احذروا -أيها المسلمون رحمكم الله- أن تجالسوا من ساءت أخلاقهم وفعالهم. ولعل رجلاً يقول: أنا كبير السن ولا يؤثر فيّ جليس السوء, بلى، فقد أثروا على من هو في السبعين سنة، فجالسوه في بيته وحده وقالوا: لعلنا نأتي بالمخدرات ونبيعها نحن وأنت فإن فيها مكاسب, ولما قبض عليهم وأودعوا في السجن خرج يتوكأ على العصا بعد مدة طويلة قضاها في السجن, كل ذلك بمجالسة قرناء السوء, ومات في علته, نسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله حسن الخاتمة. أيها الإخوة في الله: احذروا جلساء السوء، وحذِّروا أولادكم, وحذِّروا نساءكم, فكم من فتاة عفيفة شريفة أهدت إليها جليسة السوء شريط الفيديو؛ فأصبحت خبيثة داعرة, وأصبحت عاهرة شريرة, وأصبحت عاراً على أهلها وأقاربها, بسبب جليسة السوء التي أهدت إليها شريط الفيديو, فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكم من فتيان أرواحهم طيبة, وأجسامهم مستقيمة, وهم على طاعة الله يدأبون, ولكن سرعان ما تحولت نفوسهم الروحانية إلى نفوس شيطانية, بسبب مخالطة بعض المفتونين, ورموا بأنفسهم بين الموبوئين, وكم انحلت من أخلاق، وكم ملئت السجون بأناس لا يعرفون الشر ولكن بسبب مقارنة أهل السوء صاروا أهلاً لذلك, فاتقوا الله يا عباد الله! واحذروا جلساء السوء فإنهم شياطين وما أقبحهم من شياطين، يصدون عن الصراط القويم, ويدعون إلى سواء الجحيم. اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا, واجعلنا هداة مهتدين, اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم اكفنا وإياهم جلساء السوء, اللهم أبعد عنا وعنهم جلساء السوء, اللهم أصلح ولاة أمورنا, اللهم ارزقهم البطانة الصالحة, اللهم أبعد عن ولاة أمورنا بطانة السوء, واجعلنا وإياهم هداة مهتدين. أيها الإخوة في الله: صلوا على الناصح الأمين, صلوا على من أرسله الله رحمة للعالمين, صلوا على محمد بن عبد الله الذي أمركم الله أن تصلوا عليه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] , صلوا على من قال: ﴿من صلّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وأكثروا من الصلاة على رسول الله, فإنه قال: ﴿إن صلاتكم معروضة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة﴾ فأكثروا من الصلاة والسلام عليه, اللهم صلِّ على نبينا محمد, وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم, اللهم بارك على نبينا محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين, لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل؛ يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 638

احذر عقوق الوالدين إن حق الوالدين عظيم، ولذلك قرن الله طاعته بطاعتهما، وقدم النبي ﷺ طاعتهما على الجهاد في سبيل الله. وذلك لما قاما به من عظيم الرعاية وكبير المشقة، وقد تفشت في هذا العصر ظاهرة العقوق وهي المؤذنة بتفكك المجتمع وانحلال روابطه، كما أنها مجلبة لسخط الله وعقابه.

стр. 639

طاعة الوالدين طاعة لله الحمد لله الذي بيده الفضل ومنه الإحسان، والمعروف منذ القدم بالجود والكرم، لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، أحمده سبحانه وأشكره، سخر لنا الوالدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بطاعة الوالدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حذر عن عقوق الوالدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا لله وأطيعوه، ومن طاعته الإحسان إلى الوالدين، فالله عظَّم حق الوالدين، فقرن حقهما مع حقه، وقرن شكرهما مع شكره، فيا له من أمر عظيم! ويا له من حق كبير! فاسمعوا إلى المولى جل وعلا وهو يقرر ذلك بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣]. (وقضى) أي: وصَّى ربك جل وعلا ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]. ويقول الله جل وعلا: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]. ويُروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين. سأل ابن مسعود ﵁ رسول الله ﷺ : ﴿أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة لوقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾. وقال ابن عباس ﵄: [[ثلاث آياتٍ نزلت مقرونة بثلاث، لا تُقبل منها واحدة بغير قرينتها: إحداها: قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] فمن أطاع الله ولَمْ يُطعِ الرسول لَمْ يُقبل منه. ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فمن صلى ولَمْ يُزَكِّ لَمْ يُقبل منه. ثالثها: قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] فمن شكر الله ولَمْ يشكر والديه لَمْ يُقبل منه]].

стр. 640

حقوق الوالدين أيها المسلمون: لنعرف حق الوالدين؛ فإن حقهما عظيم، وأمره خطير، وإن من حقوقهما: الحنو والشفقة عليهما، والتلطف لهما، ومعاملتهما معاملة الشاكر لِمَن أنعم عليه، على أن الفضل للمتقدم. أيها المسلم: يا من تحب أن تجزى بالإحسان إحساناً! عامل والديك بالإحسان والتلطف بهما. أيها المسلم: لا تتأفف من شيء تراه، أو تشمه من الوالدين مما يتأذى به الناس، واحذر الضجر والملل! ولا تنغص أو تكدر عليهما بكلام تزجرهما به ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣] أي: حسناً طيباً مقروناً بالاحترام والتقدير، فلا ترفع عليهما صوتك، وتذكر عندما كنت طفلاً صغيراً، ماذا حصل لك من الرعاية والعطف والحنان. واسمع عِظَم هذا الحديث: ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه بالجهاد في سبيل الله معه، فقال النبي ﷺ : أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد﴾ رواه: البخاري، ومسلم، فيا له من حق عظيم للوالدين! ومما ورد في الحث على بر الوالدين: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أشتهي الجهاد في سبيل الله، ولا أقدر عليه، فقال له ﷺ : ﴿هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد﴾. قال طلحة بن معاوية السلمي ﵁: أتيتُ النبي ﷺ فقلت: ﴿يا رسول الله! إني أريد الجهاد في سبيل الله، قال: أمك حية؟ قلت: نعم، قال: الزم رجليها، فثمَّ الجنة﴾. وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾. نعم. يا عبد الله! للأم ثلاثة حقوق؛ لأنها تنفرد بأشياء كثيرة من المشاق، منها: الحمل، والوضع، والرضاع، وكثرة الشفقة، والخدمة, والحنو، فيا لها من حقوق تحتاج إلى مجازاة! فوالله ثم والله مهما بالغ البار بالوالدين فإنه لم يؤدِّ من الحقوق إلا القليل. فيا أيها العاق! يا أيها المضيع لآكد الحقوق بالعقوق! يا من اعتاض بر الوالدين بالعقوق! يا من نسي ما يجب عليه من الحقوق! يا من غفل عما بين يديه! ألم تعلم أن بر الوالدين عليك دين؟! ففكر، ثم فكر هل وفيت بهذا الدين؟ فإنك ستجد غِبَّ ذلك في أولادك. فيا أيها العاق! يا من نسي الجميل! هل نسيت حمل أمك في بطنها؟! هل نسيت حملك في بطن أمك تسعة أشهر، وكأنها تسع حجج؟! هل نسيت ما حصل لأمك من الكرب عند وضعك؟! فقد حصل لها والله ما يذيب المهج. هل نسيت الرضاع؟! هل نسيت غسلها عنك القذارات؟! هل نسيت ذلك السرير الذي في وسط حجرها؟! ثم إنها تتعب لراحتك؛ فإن أصابك مرض أو شكاية؛ أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والبكاء! إنها الأم الحنون، إنها الأم الضعيفة، إنها الأم المسكينة، كم بذلَتْ ما في وسعها لترتاحَ؟! ولو خُيِّرَت بين حياتك وموتها لطلبت حياتك بأعلى صوتها. فكم حرمتها لذيذ المنام؟! فسهِّرت والناس نيام، وكم تلذذت برائحة ملابسك عند فقدك؟! فيا لها من حقوق قابلتها أيها العاق بالنسيان! أعندما احتاجت إليك جعلتها من أهون الأشياء عليك، نسيتها، وقدمت عليها الأهل والأولاد بالإحسان، وقابلت أياديها بالنسيان؟ و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]. إنها أمك، صَعُبَ عليك أمرُها وهو يسير، فكم طلبت منك حاجة فقابلتها بالامتناع والاعتذار؟! وربما قلت بكل شناعة: اللهم أرحنا من هذه العجوز! أنسيت يا هذا زمن الطفولة والحنان والرضاع؟! كيف قابلت إحسانها بالتقصير، وهجرتها ومالها بعد الله سواك من نصير؟! هل نسيت فزعها عندما يصيبك خوف أو مرض؟! تذكر يا من نسيت الجميل!

стр. 641

صور من عقوق الوالدين يا من عق والده وأبعده! تذكر تلك اللحظة عندما بُشِّر أبوك بمجيئك، ضاقت به الأرض بما رَحُبَتْ فَرَحاً بك وسروراً، ثم تذكر كد والدك عليك، لا يهدأ له بال مدى الليالي والأيام، يقتحم الشدائد، ويهيم على وجهه؛ لطلب الرزق لأجلك، وتذكر فرحه عندما يراك وأنت في خيرٍ وعافية، وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه، وتذكر دعاءه لك في أوقات الإجابة، وتذكر لحالته إذا تأخرت عن وقت المجيء والحضور، لا يقر له قرار، ولا يهنأ له عيش حتى يراك، تذكر إذا أقبل أقرانك ولم يرك بينهم. فيا أيها العاق! اعرف حق الوالدين ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]. فحذاري من العقوق يا شباب الإسلام! والله لقد نسمع ما يندى له الجبين، وتضيق به الصدور من بعض ما يحصل من العاقين هداهم الله، فكم من شابٍ قال لأبيه: هذا فرَّاش عندنا، وكم من شابة قالت: هذه خادمة عندنا، يعنون: الأب والأم، فيا لها من مصيبة! والله إن هذا كفران الجميل! أبعد هذا التعب يكونا لك خادماً وخادمة؟! أبعد هذا الحنو، والشفقة، والعطف، والحنان، وغسل القاذورات، يكونا عندك خادماً وخادمة؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون! ومن أكبر المصيبة أن الرجل إذا كَبُر أو المرأة عند بعض الناس، يأخذوهما بكل استخفاف، وبكل استهتار، ثم يضعونها في دار الرعاية، أنسيت العطف والحنان؟! أنسيت الرعاية يا مسكين؟! بأي شيء تقابل به رب العالمين إذا سألك عن حقوق الوالدين؟!! اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه. اللهم أصلح نياتنا، وذرياتنا، واجعلنا من البارين بوالدينا، ولا تجعلنا من العاقين يا رب العالمين. اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، واجعلنا هداة مهتدين. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 642

أسباب ظاهرة العقوق الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجْمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتدبروا ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة، وتمسكوا بهما، فإن الإعراض عنهما يوحي بوخامة العاقبة. عباد الله: لقد ظهرت في هذا الزمان موجة قوية من العنف والسخط من بعض أبناء هذا الزمان لآبائهم وأمهاتهم، وعدم الاحترام والتوقير لهما، وما ذاك يا عباد الله! إلا لأننا أعرضنا عن الكتاب والسنة، ففي القرآن والسنة نبأ عظيم، وهو لا شك فيه، أن بر الوالدين فريضة لازمة وواجب محتم، وعقوقهما حرام، وذنب عظيم، وقد جعل الله بر الوالدين قرين توحيده وعبادته، وبيَّن ما يجب لهما، وما لا يحل فعله معهما، فقد قرأتُ عليكم قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣]. عباد الله: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، واعلموا أن سخط الله في سخط الوالدين، وأن رضاه لا يكون إلا إذا رضي عنكم الوالدان، ولا شيء يزيد في العمر، ويبارك في الرزق مثل بر الوالدين، وصلة الأرحام. عباد الله: ورد في الحديث: ﴿ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث، الذي يُقر الخبث في أهله﴾. والله يا إخوان! إن أكثر ما يصدر العقوق من مدمني الخمور والمسكرات والمخدرات، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فالشاهد من هذا الحديث: أن العاق لا يدخل الجنة، ومن عقَّ والده عقَّه أولاده، وكما تدين تُدان، ولا يُجازى فاعل الشر إلا بمثل فعله ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف:١٥]. ويا لطول عنائها في حمله ووضعه! فيا عباد الله: يا من تؤمنون بثواب الله وعقابه! هل امتثلتم أمر رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات﴾ فشكر المنعم واجب شرعاً وعقلاً، ولله تعالى نعمة الخلق والإيجاد، وللوالدين نعمة الإيلاد، والتربية الصالحة، والعناية التامة بالأولاد. وأعظم الناس مِنَّةً، وأكبرهم نعمة على المرء والداه، اللذان تسببا في وجوده بعد الله ، واعتنيا به منذ أن كان حملاً إلى أن صار بالغاً تاماً يعقل ويفهم، فالأم تحمله تسعة أشهر في بطنها، تعاني به الآلام، ثم تضعه وتقاسي به الأسقام. فيا أيها العاق: تُب إلى ربك، ارجع إلى ربك ، فالأم حنونة، والأب كذلك، عنده من العطف والحنان ما لا يعلمه إلا الله. فبادر أيها العاق لبر الوالدين قبل أن يفاجِئَك هادم اللذات، أو قبل أن تُرزق بأولاد فيُعمل بك ما عملت بوالديك. وقد روى الإمام مسلم ﵀ مما يبين لنا من شفقة الأم وعطفه: تقول عائشة ﵂: [[جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرةً لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بين ابنتيها]] فأعجب شأنُها عائشة ﵂، فذكرت الذي صنعت المرأة مع ابنتيها لرسول الله ﷺ . فلذلك يا عباد الله! لما كانت هي رحيمة وشفيقة، كان الله أرحم منها وأوسع فضلاً، فما الذي جازاها به يا عباد الله؟! اسمعوا! يقول رسول الله ﷺ : ﴿إن الله قد أوجب لها الجنة، أو أعتقها بها من النار﴾ فانظروا يا عباد الله! هذا الجزاء من الله! فيا للأسف الشديد! لما يصنع بعض أهل هذا الزمان مع الوالدين -مع التقصير الشديد- من العقوق والتقصير في الواجبات، فإنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. عباد الله! صلوا على الناصح الأمين محمد بن عبد الله؛ امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].

стр. 643

الإصلاح بين الناس إن للإصلاح بين الناس ثمرات عديدة، وقد ذكر الله في كتابه الآيات الكثيرة التي تدل على الحث في الإصلاح بين الناس، وذلك مثل قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) فالواجب على المسلم أن يسعى في الإصلاح بين الناس بقدر ما يستطيع؛ وهي التجارة التي ذكرها رسول الله ﷺ في حديث أبي أيوب الأنصاري.

стр. 644

الحث على الإصلاح بين الناس الحمد لله رب العالمين, أمر بالإصلاح بين ذات البين، ورتب على ذلك الثواب الجزيل، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله يحب المقسطين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين, وسيد المرسلين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله ، واعلموا أن توثيق عُرى المودة بين المسلمين، وتصفية القلوب من الغل والحقد والحسد، والحرص على ما يجلب المودة والتآلف والتناصر والتعاضد، وتجنب ما يوغر الصدور ويورث العداوة واجب تقتضيه الأخوة الإيمانية، والإيمان لا يكون تاماً إلا بذلك. ولما كان الصلح بين المسلمين أفراداً أو جماعات يُثمر إحلال الألفة مكان الفرقة، واستئصال داء النزاع قبل أن يستفحل، وحقن الدماء التي تراق بين الطوائف المتنازعة، وتوفير الأموال التي تنفق للمحامين بالحق والباطل، وتوفير الرسوم والنفقات الأخرى، وتجنب إنكار الحقائق التي تجر إليها الخصومات وترك شهادة الزور، وتجنب المشاجرات، والاعتداءات على الحقوق والنفوس، وتفرغ النفوس للمصالح بدل جدالها وانهماكها في الكيد والخصومات, إلى غير ذلك مما يثمره الصلح. لذلك كله! أمر الله به في محكم التنزيل، فقال جلَّ وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] وهذا أمر من الله جلَّ وعلا، ويقول أيضاً: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ويقول ﵊: ﴿المقسطون على منابر من نور يوم القيامة﴾ يقول ربنا جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] ويقول الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] والآيات في هذا المعنى كثيرة. وكذلك ورد في السنة النبوية الحث على الإصلاح وفضله، وأخبر نبينا ﷺ أن الإصلاح بين الناس تجارة، وأنه مما يرضاه الله ورسوله، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لـ أبي أيوب وهو صحابي جليل: ﴿ألا أدلك على تجارة؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: صِلْ بين الناس إذا تفاسدوا، وقرِّب بينهم إذا تباعدوا﴾ رواه البزار والطبراني، وعند الطبراني: ﴿ألا أدلك على عملٍ يرضاه الله ورسوله؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: صِلْ بين الناس إذا تفاسدوا، وقرِّب بينهم إذا تباعدوا﴾. وأخبر ﷺ بأن درجة المصلح بين الناس أفضل من درجة الصائمين والمصلين والمتصدقين؛ لأنه يسعى في الإصلاح بينهم، فقد روى أبو الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة﴾ رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث صحيح، قال ويُروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين﴾. ولا غرو إذا ارتفعت درجة المصلح الباذل جهده، المضحي براحته وأمواله في رأب الصدع، وجمع الشتات، وإصلاح فساد القلوب، وإزالة ما في النفوس من ضغينة وحقد، والعمل على إحكام الروابط للألفة والإخاء، وإطفاء نار العداوة والفتن.

стр. 645

الإصلاح وظيفة المرسلين إن الإصلاح وظيفة المرسلين -عليهم من الله أفضل الصلاة والتسليم- ولا يقوم بهذه الوظيفة إلا أولئك الذين أطاعوا ربهم، وشرفت نفوسهم، وصفت أرواحهم، يقومون به لأنهم يحبون الخير والهدوء، ويكرهون الشر حتى عند غيرهم من الناس. ولو تتبعنا الحوادث، وراجعنا الوقائع، لوجدنا أن ما بالمحاكم من قضايا، وما بالمراكز من خصومات، وما بالمستشفيات من مرضى، وما بالسجون من بؤساء لوجدنا أن هذا كله يرجع إلى إهمال الصلح بين الناس, حتى عمّ الشر القريب والبعيد، وأهلك النفوس والأموال، وقضى على الأواصر، وقطع ما أمر الله به أن يوصل من وشائج الرحم، وذهب بريح الجماعة، وبعث على الفساد في الأرض، ومن تأمل ما عليه الكثير من الناس اليوم، رأى أن كثيراً منهم قد فشت في قلوبهم، ونمت في طويتهم حب الشر -والعياذ بالله- والميل إليه، والعمل على نشر الشر بين الناس، من أجل ذلك يتركون المتخاصمين في غضبهم وشتائمهم حتى يستفحل الأمر، ويشتد الشر، ويستحكم الخصام بينهم، فيحصل الكلام والقذف والطعن بالكلام, حتى يتدرج الأمر إلى حمل السلاح -والعياذ بالله من مضلات الفتن- كل هذا يحصل وأهل الشر المشجعون لهذه الفتن يتفرجون، ويتغامزون، ويتتبعون الحوادث، ويلتقطون الأخبار، ثم تكون النتيجة سيئة، وقد يكفي لإزالة ما في النفوس من الأضغان والأحقاد والكراهية كلمة واحدة من عاقل لبيب ناصح مخلص لله ولرسوله يقوم بواجبه نحو هذه الرسالة, ألا وهي: الإصلاح بين الناس, حتى تقضي على الخصومات في مهدها، فيتغلب جانب الخير، ويرتفع الشر، وتسلم الجماعة من التصدع. اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 646

صورة من إصلاح الرسول ﷺ بين أصحابه الحمد لله كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له على رغم من جحد به أو كفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى كل خير, والمحذر من كل شر، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ، وكونوا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اعملوا بطاعة مولاكم، وبالتقرب إليه بما يرضيه عنكم. عن عائشة ﵂ قالت: ﴿سمع رسول الله ﷺ صوتَ خصومٍ في الباب عاليةٍ أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسولُ الله ﷺ ، فقال: أين المتألِّي على الله لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله! وله أيُّ ذلك أحب﴾ متفق عليه. فهذا الرجل كان قبل أن يخرج الرسول ﷺ من بيته ممتنعٌ أن يقبل من أخيه المعذرة، ويطلب منه الرفق والمسامحة، فيحلف بالله ألا يفعل، فلما خرج عليهما رسول الله ﷺ مستنكراً لعمله بقوله: ﴿أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟﴾ عدل الرجل عن رأيه، واستجاب لفعل الخير، وقد قامت في نفسه دوافع الخير إرضاءً لله ولرسوله. أما في زماننا، وفي وقتنا إذا قلنا: اصفح عن أخيك، وتجاوز عنه وستجد أن ما عند الله أعظم أجراً، قال: الآن، أين أنا من يوم القيامة؟ كأنه مستبعد البعث -والعياذ بالله- اتق الله، خاف الله، الآن آخذ حقي، ويوم القيامة لها حلال، هذه لهجتنا العامية التي سارت بيننا إذا حصل الإصلاح، إذا قيل لهم: اتقوا الله خافوا الله، سوف تجدون ذلك عند الله، قال: لا. آخذ حقي الآن، ويوم القيامة لها حلال. يوم القيامة أنت أحوج شيء إلى فضل الله ورحمته وإلى عفو الله ومغفرته، إن الله يحب المتجاوزين عن عباده، لقد غفر لعبدٍ من عبيده ما عمل بطاعته إلا أنه كان يتجاوز عن عباد الله، فقال له: ﴿أنا أحق بالتجاوز عنك﴾ هكذا يا أمة الإسلام. الشاهد من ذلك: خروجه ﷺ للإصلاح بينهم. فالدين الإسلامي الحنيف أوجب على العقلاء من الناس أن يتوسطوا بين المتخاصمين، ويقوموا بإصلاح ذات بينهم، ويلزموا المعتدي أن يقف عند حده درءاً للمفاسد المترتبة على الخلاف والنزاع، ومنعاً للفوضى والخصام. وأضمن الوسائل التي تصفو بها القلوب من أحقادها: أن يجعل كل منا نفسه ميزاناً بينه وبين إخوانه المسلمين، فما يحبه لنفسه يحبه لهم، وما يكرهه لنفسه يكرهه لهم، وبذلك تستقيم الأمور بإذن الله، قال ﷺ : ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾. اللهم طهر قلوبنا من الحسد, والحقد, ومن البغض لعبادك المؤمنين. عباد الله: صلوا على رسول الله اقتداءً بأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم اجمع شتات قلوبنا، اللهم املأ قلوبنا من محبتك وخشيتك ومعرفتك، ومن الأنس بقربك يا رب العالمين. اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وعيوننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، ورافع عنهم عافيتك ويدك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم دمّرهم تدميراً، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا وإياهم اجتنابه. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم اجعلهم قرة أعين لنا، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 647

اقتراب الموت إن الموت باب لابد أن يدخله كل إنسان على هذه الأرض، ولو طال عمره، ولو أحب البقاء على الأرض والعيش فيها، فحري بالعاقل إذا علم أنه سوف يفارق هذه الدار إلى الدار الآخرة أن يكثر من الأعمال الصالحة قبل أن ينزل به الموت، فعندها لا ينفع الندم على التفريط، ففي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.

стр. 648

الحث على تدبر القرآن الحمد لله الذي قضى بالزوال والفناء على أهل هذه الدار، وتوحد بالبقاء، فلا يعتري ملكه زوال ولا إدبار، العزيز الذي عنت الوجوه لعزته، وخضعت الرقاب من سطوته، المرتدي بالكبرياء، المتزر بالعظمة، أحمده على فضله الشامل، وأشكره على إحسانه الكامل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله والحق دافر وقدم الصواب عاثر، فقمع الباطل بالحق الظاهر، ونسخ ظلمات الجهالة بنور العلم الزاهر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه. عباد الله: تدبروا القرآن المجيد، فقد دلكم على الأمر الرشيد وتمسكوا به، فإنه حبل الله المتين وهو الصراط المستقيم والنور المبين، فطبقوه كما أمركم الله بتطبيقه، وأحضروا قلوبكم عند تلاوته لفهم الوعد والوعيد، ولازموا طاعة ربكم فهذا شأن المتقين ودأب المؤمنين وسلوك الصادقين، واحذروا من غضب الله، احذروا من غضب الجبار، فكم قصم من كل جبار عنيد طغى وتكبر، شيد البنيان وطولها وتأمر على الناس وسادهم، وظن الإنسان جهلاً منه أنه مخلد في هذه الحياة الدنيا، ومعمر فيها، فجمع الأموال ما بلغت، فلما ظن أنه قد حصل على الكمال، وتمكن منه الغرور، وأَمِن مكر الله وغفل عن الخالق جلَّ وعلا، جاءه أمر الله على غرة وسلبه الصحة والعافية، واللذاذة في المطعم والمشرب، فصارت الأموال عنده لا قيمة لها؛ لأنه جاءه ما يدهشه وينسيه، جاءه الموت بما فيه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].

стр. 649

الندم على التفريط عند سكرات الموت فيا من أنذرته المواعظ بمرور الليالي والأيام، ويا من أنذرته المواعظ بموت الآباء والأجداد والأولاد، هل تظن أنك بعدهم سوف تخلد؟! كلا والله، ثم كلا والله، سوف يأتيك ما أتاهم ويطرقك ما طرقهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. فيا أيها الإنسان: أما علمت أنك مخلوق في هذه الدنيا، موجودٌ للابتلاء والامتحان؟! أما علمت أنك مسئول عما فرطت فيه من عمرك؟! فما هذا الإهمال، وما هذا التفريط وأنت محاسبٌ ومناقش، وسوف تنطق أركانك بالشهادة عليك بما حُفظ ورصد عليك في ديوان أعمالك: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨] ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]. يا من يرى العبر بعينيه، ويسمع المواعظ بأذنيه، إنك تعنى بذلك، إنك تقصد بذلك، فهل أنت مستعدٌ إذا نزل بك ملك الموت؟! هل أنت مستعدٌ إذا نزل بك هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم الأطفال، ومرمل النساء؟! هل أنت مستعدٌ إذا حلت بك سكرات الموت، وتريد الكلام ولا تستطيع؟! تريد أن تقول: واأسفاه على شراء آلات اللهو! واأسفاه على شراء الفيديو! واأسفاه على ما جمعت في البنوك من الربا! واأسفاه على جسم نبت من السحت! واأسفاه على أوقات أمضيتها مع الميسر والقمار! واأسفاه على أوقات قضيتها في خارج البلاد في معاقرة الخمور وارتكاب الزنا، والجلوس في مسارح المجون والفساد والإلحاد! هل يفيدك هذا الندم؟ وقد وصلت الروح إلى الحلقوم، وتماديت في معاصيك ولم تتب، فعند ذلك تقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ثم يقال لك: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. عند ذلك تندم على تفريطك، وهيهات في ذلك الوقت أن يفيد الندم، وبعد خروج الروح من الجسد، تنتقل من هذه الدار إلى دار أخرى، يحملونك من الدار إلى المقبرة وتبقى وحيداً في قبرك، ينهال عليك التراب، وتنفقع بطنك وتأتيك الديدان من كل ناحية، وعندك عملك؛ إن كان صالحاً فهنيئاً لك، وأنت في روضة من رياض الجنة، وإن كان عملك سيء فويل لك وأنت في حفرةٍ من حفر النار، على ممر العصور ومضي الدهور. بعد ذلك يأذن الله بعد هذا المكث الذي لا يعلم قدره إلا الله جلَّ وعلا، يأذن بالنفخ في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠]. فحينئذٍ يعيد الله الأجسام بقدرته إلى أول خلقها: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء:١٠٤]. لا إله إلا الله! الله أكبر القادر على كل شيء، فيجمعهم الله على صعيد واحد: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد﴾ [ق:٢١]. معك الوزير، ومعك الواسطة، ومعك الرفيق، والصديق ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١].

стр. 650

الفرار من القرابة يوم القيامة من شدة الهول عند ذلك في ذلك العرض العظيم ﴿يوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]. أخوك إذا مرضت جلس عندك في المستشفى، ولو طالت الأيام، وصاحبتك تساهرك الليل والنهار، وأمك وأبوك إذا خرجت إلى السوق وطالت غيبتك جعلا يبكيان حتى تعود إلى البيت، أما في هذا الموضع العظيم والموقف الكبير والمهول ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. نفسي نفسي، لا أسألك اللهم اليوم إلا نفسي، كلٌ يتبرأ من صاحبه، في ذلك المكان يعرض عنك الصديق ويهرب منك الأخ، وتلقى من الهول الشديد كل ما أزعجك وأساءك: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢] من هذا الأمر الذي حذرك الله إياه، وفي ذلك الموقف العظيم تجري الدموع، والعرق يمتد في الأرض أذرعةً طويلة، والشمس حامية، وجهنم تزفر، والرب غضبان، يوم طوله خمسين ألف سنة تتقطع الأكباد فيه من الحسرات، تزفر جهنم على أهلها، وتشهق فرحةً بهم كما تشهق البغلة في الشعير. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! في ذلك اليوم توضع الموازين التي تنزعج لوضعها القلوب، ويقع الخصام ويقول الحق جلَّ وعلا: قد أزلت المُطل والليْ، وفصل هذا الأمر إليَّ، وانتصاف المظلوم من الظالم عليَّ، يا ويلك يا ظالم إن خرجت بمظالمك من الدنيا وأنت ظالم لعباد الله، يا ويلك إذا وقفت بين يدي الله، يا ويلك إذا أنشبت بك الخصوم أظفارها: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨]. حقاً لقد أنذرنا ربنا بالقرآن، فحذرنا من عواقب المعاصي والآثام، وأمرنا باجتناب الظلم، وحرمه على نفسه جلَّ وعلا، وأمرنا باجتناب الإجرام، وبأخذ الحلال واجتناب الحرام. فهل من مستمع؟! هل من مطبق قبل أن يقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]؟! يا عباد الله: إن أمامكم يوم القيامة؛ يومٌ تشخص فيه الأبصار وتذهل فيه العقول: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]. فهنيئاً لمن أطاع الله ورسوله، وامتثل الأمر وأدى الفروض، وانتهى عما نهاه الله ، فسوف يكون مع المؤمنين إذا جاءتهم البشارة السارة، وفازوا بالكرامات من الله إذا قال الله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍِ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ [ق:٣١ - ٣٢] لمن يا ربنا؟ ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيب * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٢ - ٣٤]. ولا ينتهي ما فيها ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] كرامات تتبع كرامات، رضوان من الله في جوار رب العالمين. أيها الناس: اتقوا ربكم ، فروا من النار، فروا من دار الهلكات، فروا من الجحيم ما دمتم في وقت الإمكان، فروا إلى دار الرحمة، إلى الدار التي طاب ساكنها ومسكنها، في نعيم أبدي لا يزول ولا يحول في جوار أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا من أهل الجنة بمنك وكرمك وإحسانك، اللهم اجعلنا من أهل الجنة بجودك وفضلك، اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين، اللهم لا تجعلنا من أهل النار، اللهم لا تجعلنا من أهل النار، اللهم لا تجعلنا من أهل النار، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين، واستغفروا الله يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 651

الحذر من كيد أعداء الإسلام الحمد لله العلي العظيم القاهر، الملك السلطان القادر، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، أحمده سبحانه على ما أولانا من بره وإحسانه المتظاهر، وأشكره وقد وعد بالمزيد للشاكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المؤيد بالآيات والمعجزات والبصائر، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: يا عباد الله: اتقوا الله واعملوا ليومٍ تنكشف فيه السرائر وتحصى فيه الصغائر والكبائر، إنه يوم الجزاء الأكبر، إنه يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم تدور فيه على المجرمين الدوائر، يومٌ تنشر فيه صحائف الأعمال، فآخذٌ كتابه باليمين له السرور والفرحة والغبطة أنه فاز ونجا، وأما من أخذ كتابه بشماله فسوف يراه عليه في ذلك اليوم من أكبر المصائب، لأنه خسر خسراناً مبيناً، إنه يؤمر به في نار جهنم فبئس المصير. فاتقوا الله عباد الله وسارعوا ما دمتم في زمن الإمكان إلى رضوان الله، وبادروا بالأعمال الصالحة، واحذروا البدع، واحذروا منكرات الأهواء، واحذروا المعاصي بأنواعها، وحاربوا البدع، وحاربوا المنكرات، قبل أن يحل بكم ملك الموت فلا يمكنكم ذلك، تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. خذوا حذركم من أعداء الإسلام فهم يشنون عليكم الغارة بما يوردون لكم من المعاصي والآثام. انتبهوا -يا أمة الإسلام- لا تكونوا من الغافلين، كونوا حريصين على دينكم وعلى أخلاقكم. إن من المؤسف، أن البعض من الناس لا يدري أو يدري ويتجاهل كيف يدس الأعداء الدسائس حتى بأقل حاجة لا يلتفت إليها، إلا الفطن، يصورون على أشرطة الكاسيت المرأة العارية وبجانبها الرجل يقبلها ويضمها، وتباع في أسواق المسلمين، ويؤتى بها إلى أسواق المسلمين ليغيروا بها أمزجة المسلمين، وليضيعوا أفكار المسلمين، ويدفنوا الغيرة من قلوب المسلمين، ويصوروا بها الفاحشة، ويثيروا بها الغرائز الجنسية، ويفعلون بها الأفاعيل بين المسلمين، والمسلمون ساكتون، إنها أشرطة مخبئة لا يعرفها إلا من عايشها، لكن على الذي عايشها، أن يتقي الله ويخاف الله ببلدان المسلمين، ليخاف الله بالمسلمين قبل أن تصيبه دعوة تقطعه إرباً إرباً. اللهم من أراد المسلمين بسوء فإنا نجعلك في نحره، اللهم دمره تدميراً، اللهم مزقه كل ممزق، اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، أنت القوي القهار تغلب كل شيء بقدرتك؛ فإنك حسبنا ونعم الوكيل، اللهم من أتى إلى هذه البلاد الآمنة وأتى بالفساد فاجعل منيته في طريقه، واجعله غداءً للسباع، اللهم اجعله غداءً للسباع، اللهم اجعله غداءً للسباع، اللهم اجعله غريقاً في البحار، اللهم مزقه كل ممزق. اللهم من جاء إلى هذه البلاد يريد الصلاح ويريد الإصلاح فأعنه على طاعتك واجعل لنا وله من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءً عافية. أمة الإسلام: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فاحذروا البدع -يا أمة الإسلام- وصلوا على خير مرشد، صلوا على نبي الرحمة، وعلى من أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور، محمد ﷺ امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٦٥]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على أشرف خلقك محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سُقْيَا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار عاماً طبقاً مجللاً عاجلاً غير آجل يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم الآمرين بالمعروف الفاعلين له، الناهين عن المنكر المجتنبين له، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين، واجمعنا ووالدينا في جنات النعيم يا رب العالمين. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 652

الاستعداد للآخرة ما قدمه الإنسان في دنياه فإنه ملاقيه في آخرته، ومحاسب عليه، ويوم القيامة يسعد المرء أو يشقى أبد الآبدين، وقد تحدث الشيخ عن أهمية هذا الأمر، وأن الله ما أوجدنا في الدنيا إلا ليبتلينا، فيثيب المحسنين، ويعاقب المسيئين كلٌّ حسب ما قدم، ولن يسعد المرء إلا بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.

стр. 653

إثابة الله للمحسن وعقابه للمسيء الحمد لله رب العالمين، القائل وقوله الحق: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٥ - ٥٧]. مالك يوم الدين، الذي بدأ الخلق وهو يعيده، وهو على كل شيء قدير، وهو الذي خلق الخلق ليعبدوه؛ فيجازيهم بعملهم والله بما يعلمون بصير، فسبحانه من رب عظيم، وإله غفور رحيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال وقوله الحق: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١٠ - ١٣]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، أرسله الله بين يدي الساعة، فختم به الرسالة، وأكمل به الدين، وأتَمَّ به النعمة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:- فيا عباد الله! اتقوا الله ، واعلموا أن الله خلقكم وأوجدكم في هذه الدار الدنيا للابتلاء والامتحان، ليرى المطيع فيجزيه ثواباً حسناً ومقيلاً في فسيح جناته، ويرى العاصي فيعاقبه بما يستحق من العقوبة والنكال، فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان:٣٣]. عباد الله اتقوا يوماً فيه ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. اتقوا الله يا عباد الله واخشوا يوماً ينقسم الناس فيه إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء الذين جمعوا الأموال في البنوك من الربا والقمار والميسر، الذين عمروا الفلل، الذين شيدوا القصور، الذين كسدت تجارتهم في هذه الحياة، لا، لا يا مسكين. السعداء الذين اتقوا ربهم ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراًَ، فما جزاء هؤلاء السعداء؟ جزاؤهم أن وجوههم ﴿يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩] وأما الأشقياء العصاة الذين تمادوا في معاصيهم، وفي ظلمهم، وفي عنادهم، وفي عتوهم وإذا قيل لهم: اتقوا الله، قالوا: التقوى هاهنا، ويشيرون إلى صدورهم، وهم يخالفون أمر الله ورسوله فوجوههم ﴿يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٣٩ - ٤٠] ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يونس:٢٧]. عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. يومٌ وياله من يوم عظيم يجمع الله فيه الخلائق الأولين والآخرين، في صعيد واحد، في أرض مستوية، ليس عليها جبل ولا سهل، ولا نهر، يُسمِعهم الداعي، وينفذهم البصر، أجسامهم عارية، وأقدامهم حافية، وقلوبهم وجلة خائفة، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي﴾ [القمر:٨] حضرت الحقائق، ووقعت الواقعة، وجاءت القيامة، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي﴾ [القمر:٨] شاخصة أبصارهم في ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. في ذلك اليوم يحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركباناً، وصنف يمشون على وجوههم، فالذي أقدرهم على المشي على الأقدام، قادر على أن يجعلهم يمشون على وجوههم، في يوم ﴿تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٨ - ٩] تدنو الشمس من رءوس الخلائق قدر ميل؛ فيعرقون على قدر أعمالهم، فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يكون العرق إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ليس هناك ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، إلا شمس حامية قد أرسلت على رءوسهم في ذلك الموقف العصيب، قد كورت الشمس، وانكدرت النجوم، ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] ﴿وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١]. في ذلك اليوم يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، تنصب الموازين لوزن الأعمال ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] الناجحون الفائزون، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣]. وما أدراك ما جهنم؟! نار حامية، جمعت فيها الأهوال، جمعت فيها العقارب والحيات، والسلاسل والأغلال، يوم القيامة يؤتى بالرجل له صلاة وصيام وزكاة، وقد ضرب هذا وأخذ مال هذا، وشتم هذا، وظلم هذا، فيجتمعون عليه الغرماء -الله أكبر الله أكبر- كلاً يريد حقه، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي لهم حق أُخذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم ألقي في النار، الله أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.

стр. 654

وجوب أداء الحقوق لأهلها في الدنيا عباد الله! بينما رسول الرحمة ﷺ ، جالس مع أصحابه ذات يوم، فرآه الفاروق عمر بن الخطاب يضحك، حتى بدت ثناياه، فقال له عمر ﵁: ﴿ما أضحكك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي؟ قال ﷺ : رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما يا رب خذ مظلمتي من أخي، فقال الله: كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: يا رب فليحمل من أوزاري، وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس أن تحمل عنهم من أوزارهم﴾. فاتقوا الله عباد الله! إذا قال لك أخيك المسلم أعطني حقي قبل يوم القيامة، فأعطه حقه، ولا تماطل، اتقِ الله يا عبد الله فإن القيامة قريبة، فإذا مات العبد فقد قامت قيامته، يكفيك قول الرسول ﷺ : ﴿إذا حمل الرجال الجنازة فإن كانت صالحة، قالت: قدموني قدموني﴾ الله أكبر إلى روضة من رياض الجنة، إلى أول منازل الآخرة إلى القبر ﴿وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها﴾ إلى حفرة من حفر النار، إلى أول منازل الآخرة، إلى القبر يشتعل عليه ناراً. اتقوا الله عباد الله! في ذلك اليوم، يوم تتطاير الصحف، وتظهر النتيجة مَن الناجح ومَن الراسب، فهنيئاً لمن نجح وأخذ صحيفته باليمين، وويل ثم ويل لمن رسب وأخذها بالشمال. عباد الله! أمة الإسلام كلنا ولله الحمد نؤمن بيوم الحساب ولكننا في غفلة عن الاستعداد لذلك اليوم، قد شغلنا في العمران، قد شغلنا بجمع الحطام، قد شغلنا في التكاثر في الأموال والأولاد، شغلنا في دنيا دنية، وانغمسنا في لذائذها؛ كأننا لا نعلم أننا سوف نموت ونلحق بالأموات، فيالها من قلوب قد استولت عليها أيدي الشهوات! رسول الله ﷺ يقول: ﴿قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة﴾ زوروا القبور، مثلوا لأنفسكم أنكم ستجعلون في تلك القبور، في تلك الحفر، وتلك الحفر بينها فرق شاسع إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. علت على القلوب الشهوات، ران عليها الران، قست فصارت كالحجارة، فسوف يلينها هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ومرمل النساء، وميتم الأطفال، إذا هجم عليها واستخرج الروح من العصب والقصب واللحم، عند ذلك لا ينفع الندم، ترى الميت يتلمظ عطشاً، يريد شربة من ماء، يقلب بك البصر، يتمنى شربة من ماء، وأنت لا تدري ماذا يريد، يعاني من سكرات الموت التي عانى منها رسول الله ﷺ . فاتقوا الله عباد الله! ولازموا طاعة مولاكم واسألوه أن يحيي قلوبكم، فإنه على كل شيء قدير، ارجعوا إلى المولى جلَّ وعلا، ارجعوا إلى ربكم، اقضوا أوقاتكم بذكر الله، بتلاوة القرآن، بالاستغفار، أحيوا مجالسكم بتلاوة القرآن، بتلاوة أحاديث الرسول ﷺ ، لعل هذه القلوب أن تحيا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة:١ - ٦] أي: صفوف بين يدي الله، ولماذا يصدرون أشتاتاً؟ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٦ - ٨]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 655

اجتناب طريق الشيطان الحمد لله رب العالمين، خلق فسوى، وقدر فهدى، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، المبعوث بتأسيس الحق وأصول الإيمان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله ، قوموا بحق الله خير قيام، تالله لقد غرت الأماني أكثر خلق الله، فتركوا سبيل الهدى، وأعطوا نفوسهم هواها، وأعرضوا عما يقربهم إلى دار النعيم، إلى دار القرار في جوار رب العالمين، لما أعرضوا عن ذلك وقعوا في شرك الردى، وتنادوا على التواني، وظنوا أن يتركوا سُدَىً، ونسوا قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] نسوا قول الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] نسوا قول الحق تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦]. عباد الله! مثلوا أحوالكم إذا قمتم من القبور حيارى، حفاة عراة غرلاً، وقد عظمت الأهوال، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، لقد لزمت الصحف الأعناق ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]. عباد الله! كيف أنتم في ذلك الموقف الرهيب إذا سمعتم الجبار يقول: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨] كيف لكن بالجبار إذا قال: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٨ - ٢٩]. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] تحذير من الله، لكن أين القلوب يا أمة الإسلام؟ ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠] هذا تحذير من الله، وتوبيخ لمن أطاع الشيطان، فيقول له يوم القيامة: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] فعند ذلك يؤخذ المجرمون بالنواصي والأقدام، ويطرحون في الجحيم، ويمرح بالنعيم من قدم الخيرات لدار السلام، وعمل بالباقيات الصالحات، ويخص بجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فاتقوا الله عباد الله واسلكوا طريق الشرع القويم، الذي لا اعوجاج فيه، وقوموا بأوامر الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان، اتخذوه عدواً كما أخبركم الله أنه لكم عدواً، واحذروا أن تكونوا ممن غرتهم الحياة الدنيا بزخارفها الزائلة، وأولئك هم الذين تنقص الأيام والليالي آجالهم وهم لاهون غافلون، لا يتعظون ولا يعتبرون بما وقع بمن قبلهم. فاتقوا الله عباد الله وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿مَن صلىَّ علي صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أغثنا جميعاً بالإيمان، اللهم اشفِ مرض قلوبنا، اللهم اشفِ مرض قلوبنا، اللهم اشفِ مرض قلوبنا يا رب العالمين، اللهم أذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم دمر اليهود والمبشرين والشيوعيين وأعوانهم يا رب العالمين، اللهم أدر عليهم دائرة السوء، واقطع دابرهم، ومزقهم كل ممزق، واجعلهم غنيمة للمسلمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وألف بين قلوبهم واجعلهم هداة مهتدين، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، واجعلهم هداة مهتدين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين أجمعين يا رب العالمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجميل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 656

اسلك سبيل المؤمنين في هذه الخطبة حث الشيخ على المداومة على الأعمال الصالحة في رمضان وفي غيره، مبيناً حكم تارك الصلاة، وأوصى بالتناصح بين الجيران بالمحافظة على الصلاة، كما ذكر بعض الأعمال المستحب التقرب بها إلى الله من صيام وقيام ليل وغيرها.

стр. 657

المداومة على الطاعة بعد رمضان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: لازموا طاعة المولى في السر والعلانية. أمة الإسلام: وأنتم تودعون شهر رمضان المبارك، الذي كان ميدان تنافس للصالحين بأعمالهم، ومجال تسابق للمحسنين بإحسانهم، وعامل تهذيب للنفوس المؤمنة، روضها على الفضيلة، وارتفع بها عن الرذيلة، فأخذت فيه دروساً للسمو الروحي، والتكامل النفسي، فجانبت كل قبيح، واكتسبت فيه كل هدىً ورشاد. فيجب على تلك النفوس المؤمنة أن تستمر على نهج الهدى والرشاد والاستقامة على طاعة المولى جل وعلا كما كانت في رمضان، فإن في دوامها على ذلك الهدى والرشاد والاستقامة نعيم للصالحين وإرضاء لرب العالمين.

стр. 658

طاعة الله لا تنتهي بوقت معين أمة الإسلام: ليس للطاعة زمن مَحدود ينتهي بانتهائه، ولا للعبادة أجل معين تنتهي بانتهائه، بل العبادة هي حق الله على العباد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] نعم -يا عباد الله- العبادة: هي حق لله يعمر بها العبادُ الزمانَ، ويشغلون بها فرص الحياة، ويقطعون بها سويعات العمر، فالعبد الذي يقطع مرحلة الحياة في طاعة الله وفي مرضاته هو من أولياء الله المتقين، الذين وعدهم الله بعظيم الأجر وسابغ الفضل، حيث يقول وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات:٤١ - ٤٤]. هكذا يجزيهم رب العالمين؛ لأنهم عاملوه معاملة العارفين الذين عرفوه حق المعرفة، وقدَّروه حق قدره، وقاموا بحقه حق القيام، فجازاهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، جازاهم في دار الكرامة، في دار النعيم، في جنة عرضها كعرض السماء والأرض، فهنيئاً لهم تلك الكرامة في جوار رب العالمين. ويا أرباب الهمم العالية، ويا من قد تفضل الله عليهم بإتمام صوم رمضان، وأسبغ عليهم العفو والغفران، وكتب لهم العتق من النيران، واصلوا الإحسان بالإحسان، واتقوا الله ربكم، فإن من تقواه المداومة على عمل البر والإحسان, واعزموا عقد النية على التزام المسلك الراشد الذي التزمتموه في رمضان.

стр. 659

العودة بعد رمضان إلى طاعة الشيطان فإنه من المؤسف جداً انهزام تلك الصفوف! إنه من المحزن جداً أن البيوت ملأى بأناس لا يُرون في المساجد إلا في رمضان! ثم بعد رمضان يعودون إلى طاعة الشيطان بعد طاعة الله، وربما يكون في عبادتهم شرك إذا كانوا لا يعبدون الله إلا في رمضان، فإنهم في ذلك الفعل الوخيم قد عصوا الله ورسوله، فقولوا لهم -يا من تعرفونهم! يا من كنتم تأكلون معهم مائدة الإفطار! - قولوا لهم: تارك الصلاة كافر، إذا ترك فرضاً واحداً متعمداً فهو كافر، فكيف بمن يترك الفرض أحد عشر شهراً والعياذ بالله؟! وبعضهم لا يصلي إلا يوم الجمعة، وباقي السنة لا يعرف فيها بيوت الله، فهؤلاء إذا أصروا وعاندوا وجحدوا باقي الأوقات فهم كفار والعياذ بالله، وتارك الصلاة كافر مرتد، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. تارك الصلاة كافر ملعون مطرود عن رحمة الله، لا يُصلى على جنازته إذا مات، ولا ينبغي أن يُغش به المسلمون، فمن كان عنده إنسان مات وهو لا يصلي، فلا يغش به إخوانه المسلمين؛ لأنه كافر، والكافر لا يُصلى عليه، ولا يُغسل، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يُدعى له بالرحمة، بل يُوارى بعيداً عن البلد، تارك الصلاة لا يُؤاكَل، ولا يُشارَب، بل يُهجَر ولا يُجالَس. وأما الذين يتركون الصلاة بالكلية، فهم كما ذكرنا كفار والعياذ بالله. أما من يصلي في البيت فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد [[سئل ابن عباس ﵄ عن رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة، فقال: هو في النار]] ثم أتاه السائل بعد شهر، فسأله، فقال: رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة، فقال: [[هو في النار]]. فانظر كيف حكم ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ على هذا الذي لا يشهد الجمعة والجماعات في النار، نعم يا عبد الله. ولقد همَّ نبينا محمد ﷺ -وهو نبي الرحمة- بإحراق بيوت أناس لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، همَّ أن يحرقها عليهم بالنار، ولولا ما فيها من النساء والذرية لأحرقها عليهم بالنار. فلنتق الله -يا عباد الله- ولنتواصَ بالحق، ولنصبر على ذلك، ولنواصل أعمال الخير التي كنا نعملها في رمضان، حتى يتوفانا الله إليه وهو راضٍ عنا. قال الحسن البصري ﵀: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ قول الحق تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] " وقيل لبعض العارفين: إن قوماً يتعبدون ويتهجدون في رمضان، ثم إذا خرج رمضان تركوا ذلك، فقال: بئس القوم! لا يعرفون لله حقاً إلا في رمضان.

стр. 660

أهمية تقوى الله قبل لقائه يوم القيامة فاتقوا الله، عباد الله، انصحوهم يا عباد الله، كلموهم يا عباد الله، بلغوهم ذلك الوعيد الشديد من رسول الله ﷺ . واعلم -يا أخي- أن جارك يتعلق بك يوم القيامة، فتقول: يا رب! لم أظلمه بماله، ولا بعرضه، ولا بأهله، فيقول: صدق، ولكنه رآني على المنكر فلم ينهني ولم يأمرني. ثم أولادك -يا عبد الله- اتق الله فيهم، لا تخرج إلى المسجد وأولادك في فرشهم نائمون؛ فإنك مسئول عنهم يوم القيامة. عباد الله: اتقوا الله قبل يوم القيامة، قبل أن توقفوا بين يدي الله ، فيسألكم عن الصغير والكبير، في يوم تشخص فيه الأبصار لله الحي القيوم، وتشيب فيه الصغار، وتزفر فيه النار، وتحيط به الأوزار، وينصب فيه الصراط، ويغلظ فيه العذاب، ويشهد الكتاب، ويحضر الحساب، ويعظم العقاب، فيا له من يوم ما أطوله وأشد هوله! فكم من شيخ كبير فرط في عمره، وأضاع الحياة، فهو ينادي بأعلى صوته: وافضيحتاه واشيبتاه واشيبتاه وكم من كهلٍ أو شاب اغتر بشبابه، فضيع أوامر الله ورسوله، وارتكب المحرمات، وهجر المساجد، فهو تاركٌ لصلاته، حالق للحيته، مسبل لثيابه، متشبه بأعداء الله، قضى حياته في إدمان المخدرات والمسكرات، والزنا، واللواط، يؤذي المسلمين في مرافقهم، ثم جاءه الأجل وهو على هذه الحالة من غير توبة، وهو يوم القيامة ينادي: واشباباه واشباباه واشباباه فيا له من يوم عظيم لا تنفع فيه الواسطة، قد تجلى فيه الرب للفصل بين العالمين! قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] وقال: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١] فيا لها من فضيحة! ويا له من عار بين العالمين! فيا عباد الله: عدوا العدة لذلك اليوم، وخذوا الأهبة ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، ووفقنا لصالح الأعمال، واغفر لنا ولوالدِِينا ولوالدِي والدِينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 661

صيامات مستحبة في غير رمضان الحمد لله الذي كتب على هذه الخليقة فناءً وزوالاً، وجعل لكل شيء منها إدباراً وإقبالاً؛ ليدلنا بذلك على أن لكل نازل رحيلاً وانتقالاً. أهَلَّ علينا شهر الصيام ليفيض فيه علينا من الإحسان والرحمة والغفران، ففاز من أطاع الله فيه، وخاب وخسر فيه من أساء الأعمال وعصى الرحمن، فسبحان من قسم عطاءه بين خلقه! فهذا مقبول، وهذا مردود، أحمده سبحانه وأشكره، إذ أعاننا على الصيام والقيام، كرماً منه وإفضالاً. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، اللهم لا تردنا خائبين، ولا من رحمتك آيسين، ولا من عطائك مفلسين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: يا أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: لَئِنِ انقضى شهر الصيام فإن العام كله محل عبادة للواحد القهار، فالله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ويقول لرسوله ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. ففي الحث على الصيام يقول سيد المرسلين نبينا محمد ﷺ : ﴿من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر﴾ رواه مسلم. وقال أيضاً ﷺ : ﴿صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله﴾ أو كما قال ﵊، رواه الإمام أحمد ومسلم. ويقول ﷺ : ﴿أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم﴾. وكان ﷺ يتحرى صيام يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع، ويقول: ﴿إن الأعمال تُعرض فيهما، فأرجو أن يُعرض عملي وأنا صائم﴾ أو كما قال ﷺ ، فهذا هديه ﷺ . وأيضاً: حث على صيام يوم عرفة، ويوم العاشر من شهر المحرم.

стр. 662

قيام الليل في غير رمضان وقد شُرع قيام الليل في غير رمضان، ثبت ذلك من فعل النبي ﷺ ، ومن قوله، قال: ﴿أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾ وقال ﷺ أيضاً: ﴿أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾. فاحرص -يا عبد الله- على هذا الفضل العظيم، فإن الرب جل وعلا ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ثم يا عبد الله! اعلم أن رسول الله ﷺ أخبر بالحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه أنه: ﴿ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم اثني عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ وهي: أربع ركعات قبل الظهر. وركعتان بعد الظهر. وركعتان بعد المغرب. وركعتان بعد العشاء. وركعتان قبل صلاة الغداة، أي: قبل صلاة الفجر ﴿وركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها﴾.

стр. 663

نصيحة لإبراهيم بن أدهم في قيام الليل فاجتهدوا -إخواني- وشمروا في طاعة الله، واسمعوا إلى هذا الحث والنصيحة من إبراهيم بن أدهم ﵀ حيث يقول: قم الليل يا هذا لعلك ترشدُ إلى كم تنام الليل والعمر ينفَدُ أراك بطول الليل ويحك نائماً وغيرك في محرابه يتهجدُ ولو علم البطَّال ما نال زاهدٌ من الأجر والإحسان ما كان يرقدُ فصام وقام الليل والناس نُوَّمٌ ويخلو برب واحدٍ متفردُ لا يخلو بالأفلام والتمثيليات والبَلُوْت. بحزم وعزم واجتهاد ورغبة ويعلم أن الله ذا العرش يُعبدُ ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً يخلد اسمع يا مسكين! يا من تشيِّد وتبني، وتجعل الأساس إلى الماء! اعلم أنك سوف تنتقل وتموت. أترقُد يا مغرور والنار توقدُ فلا حرها يُطفى ولا الجمر يخمد أترقدُ يا مغرور؟! يا ليتهم يرقدون ويرتاحون من الملاهي، والتمثيليات، والأفلام، والأغاني الماجنة، يا ليتهم يرتاحون من القيل والقال، ومن مغازلة النساء. فيا راكب العصيان ويحك خلِّها فتحشر عطشاناً ووجهك أسودُ فكم بين مشغول بطاعة ربه وآخر بالذنب الثقيل مقيدُ الله أكبر! صحيح، كم بين الذين ذهبوا إلى العمرة، وإلى المسجد النبوي، وإلى الذين ذهبوا خارج البلاد، إلى الزنا, واللواط، والخمور والمسكرات، كم بينهم من الفرق يا عباد الله؟! فهذا سعيد في الجنان منعَّمٌ وهذا شقي في الجحيم مخلدُ الله المستعان!! كأني بنفسي في القيامة واقفٌ وقد فاض دمعي والمفاصل ترعدُ وقد نُصب الميزان للفصل والقضا وقد قام خير العالمين محمدُ محمد ﷺ الذي سوف يرد على حوضه أناس ثم تردهم الملائكة، فيقول: ﴿يا رب! أمتي أمتي فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك﴾. فيا عباد الله: احذروا من مضلات الفتن. الله الله بالاقتداء بمحمد ﷺ ، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، محمد بن عبد الله الذي ترككم على المحجة البيضاء، صلوا على رسول الله الذي جاء بها نقية من عند رب العالمين، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوا عليه، فإن من صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشراً، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقنا وإياهم الجلساء الصالحين الناصحين الذين يعيوننا إذا ذكرنا، ويذكروننا إذا نسينا يا رب العالمين. اللهم قيض لأولادنا قرناء صالحين، اللهم قيض لأولادنا جلساء صالحين، يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام. اللهم يا سامع الصوت! ويا سابق الفوت! ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت! نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، أن تجعل كيد أعداء الإسلام والمسلمين في نحورهم، يا رب العالمين. اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً لهم، يا سامع الدعاء. اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وخالف بين كلمتهم، ورمِّل نساءهم، ويَتِّم أطفالهم، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم وحد صفوفهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، واجعلهم يداً واحدة على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. اللهم اجمعنا ووالدِينا ووالدِي والدِينا، وجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات في جنات النعيم، إنك على كل شيء قدير. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. عباد الله: اشكروا الله تعالى على هذه النعم، قابلوا ربكم على هذه النعم، قابلوه بشكرها، قوموا لله بشكر هذه النعم، اشكروا الله دائماً وأبداً على نعمة الأمن، ورغد العيش، والاستقرار، ونعمة العافية، وأنتم تعبدون الله لا تخافون في الله لومة لائم، اشكروا الله تعالى على هذه النعمة قبل زوالها. ثم اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم. وصلوا على محمد، يا عباد الله.

стр. 664

أشراط الساعة حتمية قيام الساعة أمر مفروغ منه، ولكن لها أشراطاً، وهذه دعوة لكل أحد أن يطلع على هذه الأشراط، ويتفكر فيها، فإن الساعة قريبة، ولتأتينهم بغتة وهم لا يشعرون، ثم دعوة أخرى إلى النظر في أحوال الناس يوم القيامة وأقسامهم ومنازلهم. نسأل الله أن يجعلنا مع السابقين والله المستعان.

стр. 665

أشراط الساعة في السنة النبوية الحمد لله الذي تفرد بعلم الغيب، ولا يعلم قيام الساعة إلا هو، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، استوى عنده علم الغيب والشهادة، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله! اتقوا الله ، وتوبوا إليه توبة نصوحاً، قبل أن يحال بينكم وبين التوبة، وقبل أن تفجأكم القيامة بغتة وأنتم لا تشعرون، فإنه من مات قامت قيامته، فإنكم لا تدرون متى تقوم الساعة. وللساعة أشراط وعلامات، قد أظهر الله نبيه محمداً ﷺ على كثير منها، فيما أوحاه إليه من الكتاب والسنة، وليس يعلم ﷺ إلا ما أوحاه إليه ربه، فمن ذلك ما في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن ويكثر الهرج -وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبض الصدقة، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لفحته فلا يطعمه ولا يشربه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها﴾.

стр. 666

اقتتال الفئتين وبعث الدجالين عباد الله! بهذا الحديث أخبر نبي الرحمة ﷺ عن اثني عشر أمراً تكون قبل قيام الساعة، أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة، وفسر العلماء ذلك بما وقع في زمن علي ومعاوية ﵄، حيث كان كل من الفئتين يدعو إلى ما يرى أنه الحق، فقتل منهم نحو سبعين ألفاً على ما قيل. وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، يزعم كل منهم أنه نبي، وقد ظهر كثير منهم، ولا رسول بعد محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] هكذا يقول رب العالمين.

стр. 667

قبض العلم وكثرة الزلازل وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، والمراد به العلم الشرعي؛ علم الكتاب وعلم سنة رسول الله ﷺ . وكيفية قبض العلم: أن يقبض العلماء كما ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا﴾. وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلال، والزلازل نوعان: النوع الأول: زلازل حسية، تهز الأرض فتدمر القرى والمساكن، وزلازل معنوية تزلزل الإيمان والعقيدة والأخلاق والسلوك حتى يضطرب الناس في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم، فيعود الحليم العاقل حيراناً، والحديث محتمل لكل منهما.

стр. 668

تقارب الزمان وكثرة الفتن والقتل والمال وأخبر النبي ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقرب أوله من آخره، وذلك بكثرة الغفلة وفشل الأعمال والأوقات، حتى يمضي الزمن الكثير والإنسان ما صنع إلا شيئاً قليلاً، أو أن معناه سرعة إنجاز الأمور التي لا تنجز إلا بزمن كثير كما يشاهد اليوم في وسائل النقل ووسائل الإعلام، فكم من بلد كانت لا يوصل لها إلا بعد أشهر والآن يوصل إليها في ساعات قليلة، فصلوات الله وسلامه على من لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. أخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، فتن الدين والدنيا، أما فتن الدين فكل ما يصد عن الإيمان بالله، والقيام بأوامره واتباع هدي نبيه ﷺ ، من العقائد الفاسدة، والأفكار الهدامة، والسلوك المنحرف، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات واللذائذ المحرمة؛ من آلات اللهو ومن الأغاني والتمثيليات والأفلام الخليعة التي أفسدت الأخلاق وصدت العباد عن طاعة الله. وأما فتن الدنيا، فما يحصل من القتل والخوف والسلب والنهب. وظهور الفتن يا أمة الإسلام دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص، وعدم الولاية العادلة. وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر القتل، سواءٌ كان ذلك بالحروب أو بالاغتيالات، وقد جرى ذلك. وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، وقد كثرت الأموال وسوف تزداد حتى يهم الرجل من يقبض صدقته، وحتى يعرض المال على الرجل هبة أو صدقة؛ فيقول: لا حاجة لي به.

стр. 669

التطاول في البنيان وتمني الموت وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، سواءٌ كان التطاول بجمال البنيان وتشييده والاعتناء به، أو بارتفاعه، كل ذلك من التطاول، وهو دليل على اشتغال الناس في أحوال دنياهم دون أحوال دينهم؛ لأن التطاول في البنيان يشغل القلب والبدن، فيلهو به الإنسان عن مصالح دينه. أمة الإسلام! وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وذلك لما يرى من الأمور العظام التي يفضل الموت عليها؛ من عظيم البلاء ورئاسة الجهلاء وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم واستغلال الحرام.

стр. 670

طلوع الشمس من مغربها وقيام الساعة وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويختل نظام سيرها، فحينئذٍ يعلم الناس أنها تسير بتقدير الله وأمره؛ فيؤمنون ولكن لا إيمان ينفع في تلك اللحظة، إلا من كان مؤمناً من قبل أو كاسباً في إيمانه خيراً. ثم أخبر ﷺ أن الساعة تقوم بغتة، وضرب لذلك أربعة أمثال: تقوم والرجلان بينهما ثوب قد فلاه، يتبايعانه فلا يمكنهما البيع ولا طي الثوب إلا والساعة قائمة تفزعهم. تقوم الساعة والرجل قد انصرف بلبن ناقته ليشربه، فلا يتمكن من شربه. تقوم الساعة والرجل يصلح حوض إبله ليسقيها فلا يسقي فيه تبغته الساعة. تقوم الساعة وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يطعمها. هكذا يخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. فيا عباد الله! أمة الإسلام! بادروا بالتوبة إلى الله، بادروا بالأعمال الصالحات، آمنوا بالله ورسله وأعدوا ليوم القيامة عدته قبل أن يفجعكم ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩] بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →