Полный текст (1 664 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
اقتتال الفئتين وبعث الدجالين
عباد الله! بهذا الحديث أخبر نبي الرحمة ﷺ عن اثني عشر أمراً تكون قبل قيام الساعة، أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة، وفسر العلماء ذلك بما وقع في زمن علي ومعاوية ﵄، حيث كان كل من الفئتين يدعو إلى ما يرى أنه الحق، فقتل منهم نحو سبعين ألفاً على ما قيل.
وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، يزعم كل منهم أنه نبي، وقد ظهر كثير منهم، ولا رسول بعد محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] هكذا يقول رب العالمين.
стр. 667
قبض العلم وكثرة الزلازل
وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، والمراد به العلم الشرعي؛ علم الكتاب وعلم سنة رسول الله ﷺ .
وكيفية قبض العلم:
أن يقبض العلماء كما ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا﴾.
وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلال، والزلازل نوعان:
النوع الأول: زلازل حسية، تهز الأرض فتدمر القرى والمساكن، وزلازل معنوية تزلزل الإيمان والعقيدة والأخلاق والسلوك حتى يضطرب الناس في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم، فيعود الحليم العاقل حيراناً، والحديث محتمل لكل منهما.
стр. 668
تقارب الزمان وكثرة الفتن والقتل والمال
وأخبر النبي ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقرب أوله من آخره، وذلك بكثرة الغفلة وفشل الأعمال والأوقات، حتى يمضي الزمن الكثير والإنسان ما صنع إلا شيئاً قليلاً، أو أن معناه سرعة إنجاز الأمور التي لا تنجز إلا بزمن كثير كما يشاهد اليوم في وسائل النقل ووسائل الإعلام، فكم من بلد كانت لا يوصل لها إلا بعد أشهر والآن يوصل إليها في ساعات قليلة، فصلوات الله وسلامه على من لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
أخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، فتن الدين والدنيا، أما فتن الدين فكل ما يصد عن الإيمان بالله، والقيام بأوامره واتباع هدي نبيه ﷺ ، من العقائد الفاسدة، والأفكار الهدامة، والسلوك المنحرف، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات واللذائذ المحرمة؛ من آلات اللهو ومن الأغاني والتمثيليات والأفلام الخليعة التي أفسدت الأخلاق وصدت العباد عن طاعة الله.
وأما فتن الدنيا، فما يحصل من القتل والخوف والسلب والنهب.
وظهور الفتن يا أمة الإسلام دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص، وعدم الولاية العادلة.
وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر القتل، سواءٌ كان ذلك بالحروب أو بالاغتيالات، وقد جرى ذلك.
وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، وقد كثرت الأموال وسوف تزداد حتى يهم الرجل من يقبض صدقته، وحتى يعرض المال على الرجل هبة أو صدقة؛ فيقول: لا حاجة لي به.
стр. 669
التطاول في البنيان وتمني الموت
وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، سواءٌ كان التطاول بجمال البنيان وتشييده والاعتناء به، أو بارتفاعه، كل ذلك من التطاول، وهو دليل على اشتغال الناس في أحوال دنياهم دون أحوال دينهم؛ لأن التطاول في البنيان يشغل القلب والبدن، فيلهو به الإنسان عن مصالح دينه.
أمة الإسلام! وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وذلك لما يرى من الأمور العظام التي يفضل الموت عليها؛ من عظيم البلاء ورئاسة الجهلاء وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم واستغلال الحرام.
стр. 670
طلوع الشمس من مغربها وقيام الساعة
وأخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويختل نظام سيرها، فحينئذٍ يعلم الناس أنها تسير بتقدير الله وأمره؛ فيؤمنون ولكن لا إيمان ينفع في تلك اللحظة، إلا من كان مؤمناً من قبل أو كاسباً في إيمانه خيراً.
ثم أخبر ﷺ أن الساعة تقوم بغتة، وضرب لذلك أربعة أمثال: تقوم والرجلان بينهما ثوب قد فلاه، يتبايعانه فلا يمكنهما البيع ولا طي الثوب إلا والساعة قائمة تفزعهم.
تقوم الساعة والرجل قد انصرف بلبن ناقته ليشربه، فلا يتمكن من شربه.
تقوم الساعة والرجل يصلح حوض إبله ليسقيها فلا يسقي فيه تبغته الساعة.
تقوم الساعة وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يطعمها.
هكذا يخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.
فيا عباد الله! أمة الإسلام! بادروا بالتوبة إلى الله، بادروا بالأعمال الصالحات، آمنوا بالله ورسله وأعدوا ليوم القيامة عدته قبل أن يفجعكم ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩]
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 671
أقسام الناس يوم القيامة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله! اتقوا الله حق تقاته، واستعدوا ليوم القيامة، اليوم الذي ينقسم فيه الناس إلى ثلاثة أقسام:
أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقون، وإليكم ذكر أولئك الأصناف من كتاب الله العزيز: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١ - ١٠].
стр. 672
السابقون
هؤلاء الأقسام، ولكن لكل قسم منزلة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:١٠ - ٢٦].
هؤلاء أصحاب الرتبة الممتازة.
стр. 673
أصحاب اليمين
وبعد السابقين يأتي أصحاب اليمين قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٤٠].
стр. 674
أصحاب الشمال
بعدهم القسم الثالث نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٤١ - ٥١] فرق عباد الله! انظروا إلى السابقين ماذا يأكلون، وإلى هؤلاء ماذا يأكلون، نسأل الله العافية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ * نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة:٥١ - ٥٧].
الخاتمة يا عباد الله! لينظر كل منا إلى أين ينسب من هذه الفرق: أصحاب الميمنة، والسابقون، وأصحاب الشمال، فصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صل عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم اسقنا من حوض نبيك محمد، شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا، اللهم لا تحرمنا من شفاعة نبيك محمد ﷺ .
اللهم ارض عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم تداركنا بواسع رحمتك، واختم بالصالحات أعمالنا يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع عنهم عافيتك ويدك، ومزقهم كل ممزق يا رب العالمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار في مشارق الأرض ومغاربها يقودونهم قيادة حميدة، ويدلونهم إلى كل خير، ويحذرونهم من كل شر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، وأجرنا يا مولانا جميعاً من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وتوفنا وأنت راض عنا يا كريم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع إخواننا المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم واقض الدين عن المدينين من المسلمين بلطفك يا كريم.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 675
أشراط الساعة وفتنة الدجال
أشراط الساعة هي علاماتها التي تحدث بين يديها، ولعل أهمها وأكبرها فتنة المسيح الدجال، وقد حذر الأنبياء ﵈ أممهم من هذه الفتنة، لأنها فتنة عظيمة، وقد جعلها الله كذلك بأن جعل للمسيح الدجال إمكانات خارقة للعادة، بعيدة عن قدرة البشر.
стр. 676
أشراط الساعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
أيها الناس: اعلموا علم اليقين أن الساعة آتية لا شك فيها ولا ريب، ومصداق ذلك من كلام الله جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩] بل ينكرون ويكذبون والعياذ بالله، فاسمعوا الوعيد الأكيد لمن كذب بالساعة، قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١١ - ١٤].
ثم اعلموا يا عباد الله! أن الله لم يُطلع أحداً من خلقه على علم الساعة، لا ملكاً من الملائكة مقرباً، ولا نبياً من الأنبياء مرسلاً، بل استأثر بعلمها وحده لا شريك له قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] وقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧].
وقد سأل جبريل ﵇ نبينا محمداً ﷺ عن الساعة قال: ﴿متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ : ما المسئول عنها بأعلم من السائل﴾ أنت جبريل، وتأتي بالوحي من عند الله، لو كان أحدٌ يعلمها لعلمت أنت يا جبريل، وسأخبرك عن أشراطها -وهذا في رواية البخاري - وفي رواية مسلم عن أماراتها، قال: ﴿إذا ولدت الأمة ربها﴾ وفي رواية مسلم: ﴿إذا ولدت الأمة ربتها، وإذا تطاول رعاة الإبل في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله﴾ ثم تلا نبينا ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] وأنا أشهد على ذلك أن الله عليم خبير، وصدق الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧].
وللساعة -يا عباد الله- آيات واضحة إذا ظهرت فإنه لا ينفع إيمان بعد خروجها، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] إذا رأى الناس الآيات آمنوا وصدقوا ولكن لا ينفعهم ذلك، إذا خرج الدجال أو طلعت الشمس من المغرب، أو خرجت الدابة التي تَسمُ الناس، أو خرج من أشراط الساعة ما الله به عليم, فإن الناس حينئذٍ يؤمنون ويصدقون فعند ذلك لا ينفعهم الإيمان.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية السابقة: وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها حين يرون شيئاً من أشراط الساعة، كما قال البخاري ﵀ في تفسير هذه الآية: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها﴾ أي: كل من على وجه الأرض يؤمن، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، وقد أخبر رسول الله ﷺ بأشراط الساعة وأماراتها، وما أخبر به رسول الله ﷺ فهو حق يجب اعتقاده والتصديق به.
стр. 677
فتنة المسيح الدجال
ذكر ﷺ للساعة أشراطاً كثيرة منها ما مضى، ومنها ما هو حاضر، ومنها ما هو مستقبل، وأبلغ ما يكون من أشراطها وأعظمه فتنة هي فتنة المسيح الدجال -أعاذني الله وإياكم من فتنة المسيح الدجال- فقد صح عن نبينا محمد ﷺ أنه قال: ﴿ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمرٌ أكبر من الدجال، وإنه ما من نبي إلا وقد أنذر به أمته، وإنه يجيء معه بمثل الجنة والنار﴾ فتنة عظيمة يا عباد الله، فتنة كبرى، اللهم أجرنا من مضلات الفتن، يجيء معه بمثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها جنة نارٌ تحرق، والتي يقول إنها نار ماء عذب طيب، ثم يقول الناصح الأمين ﷺ : ﴿فمن أدرك ذلك منكم فليقع فيه﴾ أي: في ناره، وقال ﷺ : ﴿إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم, إنه شاب قطط، أعور العين اليمنى، مكتوب بين عينيه كفر، يقرأها كل مؤمن كاتبٌ وغير كاتب، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه بفواتيح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يميناً وعاث شمالاً﴾.
فاثبتوا يا عباد الله! قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: ﴿أربعون يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم, قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم، قال: لا، اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم -فتن يا عباد الله- ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلأً شبابا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل ووجهه يضحك﴾ وفي رواية: ﴿يقول لهذا الشاب: أوما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى رجليه، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم, فيستوي قائماً -فتنة يا عباد الله! اثبتوا- ثم يقول: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيأخذه الدجال ليذبحه فلا يسلط عليه﴾.
وقال النبي ﷺ : ﴿ليفرن الناس من الدجال حتى يلحقوا بالجبال, قالت أم شريك: فأين العرب يومئذٍ؟ قال: هم قليل﴾ ويتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفاً، ويخرج همته المدينة، فتصرف الملائكة وجهه عنها؛ لأن الله جعل على كل باب منها ملكين يمنعانه من الدخول.
فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين -أي: حلتين- مصبوغتين بورس أو زعفران، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات.
ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لدٍّ فيقتله، ثم يأتي عيسى ﷺ قوماً قد عصمهم الله من الدجال، ويمسح بوجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
عباد الله! سبحان من مكّن هذا الدجال، سبحان الرب العظيم، سبحان القادر المقتدر الذي مكّن هذا الدجال من هذه المعجزات، مكّنه فتنة للعباد، وبين لهم العلامات التي تبين بطلان ما ادعاه وفساده, فإنه أعور ناقص في ذاته، وأنه مكتوب في عينيه: " كفر " يقرأه كل مؤمن، إنه إذا قتل الرجل ثم أحياه لم يقدر عليه بعد ذلك، فهو ناقص في قدرته، إن جنته نار، وناره ماء طيب عذب، فما جاء به الدجال فهو باطل.
إن الدجال يا عباد الله خلق مخلوق من مخلوقات الله، وإنه يفنى ويقتل، يقتله عيسى بن مريم ﵇، وإنه في الأرض لا في السماء, وكل هذه صفات مخلوق ناقص، التي تبرهن على أنه ليس بإله.
فعليكم -عباد الله- بالإيمان الصادق بالله، قووا إيمانكم بالله، التجئوا إلى الله، تعرفوا إلى الله ينجيكم من الشدائد إذا نزلت بكم.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم اجعلنا بك مؤمنين وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، اللهم اجعلنا من الطائفة الذين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمرك يا ألله، اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم أجرنا من مضلات الفتن، ونعوذ بك اللهم من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات, ونعوذ بك من النار ونعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، إنك على كل شيء قدير، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 678
من أهوال يوم القيامة
الحمد لله الذي استأثر بعلم الساعة، ولم يُطلع عليها أحداً من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال وقوله الحق: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧] أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا رب لنا سواه, هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أخبر بآيات تكون قبل الساعة، وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله ، وأعدوا العدة والأهبة إلى يوم القيامة، وكلنا ولله الحمد يؤمن بيوم القيامة، ونعلم ونقرأ أننا نبعث بعد الموت، ومن لم يؤمن بيوم البعث والنشور فهو كافرٌ والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] وفي يوم البعث -يا عباد الله- تكون أمور وأهوالٌ عظيمة, جمعها أحد الوعاظ في هذه الموعظة، فقال:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رأس العباد تفور
وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير
وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسير؟
فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور
وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور
كل هذا -يا عباد الله- سوف يحصل يوم القيامة وأشد من ذلك، ولكن قبل يوم القيامة -كما ذكرنا- آيات وعلامات تدل على قيام الساعة، أخبر بها رسول الله ﷺ ، وأخبر الله عنها في كتابه العزيز منها: الدجال, والدابة, ويأجوج ومأجوج, ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، وطلوع الشمس من المغرب، وحدوث زلازل وخسوف أخبر عنها رسول الله ﷺ .
فما علينا إلا أن نلتجئ إلى الله، نلتجئ إلى أرحم الراحمين، لعله أن يقوي إيماننا فلا تضرنا الفتن إنه أرحم الراحمين.
عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة, وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي مرة صلّى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وزد صلاة وتسليماً على إمامنا وقدوتنا ونبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم دمّرهم تدميراً يا رب العالمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء، حسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم أصلح أئمة المسلمين، وولاة أمورهم في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وأصلحنا جميعاً وأصلح لنا وأصلح بنا, واهدنا واهد لنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهتدين يا رب العالمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا؛ واللواط والسفور والتبرج، والأفلام الخليعة، والتمثيليات الماجنة، والأغاني الشريرة، اللهم ارفعها عنا وعن جميع المسلمين يا رب العالمين، وطهّر بلادنا وبلدان المسلمين منها إنك على كل شيء قدير، اللهم املأ قلوبنا من محبتك, ومن خشيتك, ومن معرفتك, ومن الأنس بقربك, واملأها حكمة وعلماً، اللهم طهر قلوبنا من النفاق والشكوك والشبهات والشهوات، ومن الغل والشحناء والعداوة للمسلمين يا رب العالمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا.
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 679
ابتلاءات إبراهيم
المؤمن لا بد له من ابتلاء واختبار، وقدوتنا في ذلك الأنبياء، فهذا خليل الله يدعو قومه لعبادة الله ، وينكر عليهم عبادة الأصنام، فيواجه قومه وحده، فيقذفون به في النار، ولكن الله يقول للنار: (كُونِي بَرْداً وَسَلاماً)؛
ويؤمر بذبح ابنه الوحيد فيقبل أمر الله، ويكرمه الله هو وابنه بالفداء، ويجعله الله إماماً للعالمين.
стр. 680
قصة إبراهيم مع قومه
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الفضل والامتنان والإحسان, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أفضل من قام بشرائع الإسلام، وأفضل من حقق الإيمان، ﷺ تسليماً كثيراً, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله واعرفوا أنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلاة والسلام, وفي مقدمتهم: أبوكم إبراهيم ﵇؛ فإنه من أولي العزم عليه أفضل الصلاة والسلام وقد حصل له من الابتلاء والامتحان ما ظهر به صدقه وإيمانه بالله رب العالمين، فقد جاهد في الله حق الجهاد.
стр. 681
إبراهيم ينكر على قومه عبادة الأصنام
ففي أول أمره عليه أفضل الصلاة والسلام لما عرف الله حق المعرفة, وعرف أن قومه على غير حق, وأنهم ضالون بعبادتهم الأوثان من دون الله, عزم وشمَّر عن ساعديه مستعيناً بالله الحي القيوم على تدمير الأصنام التي يعبدونها من دون الله.
إبراهيم فرد واحد قام بأمر عظيم بإنكار المنكر وهو: تكسير الأصنام التي يعبدها قومه من دون الله, فوثب عليه قومه وصارت المخاصمة والمناظرة بينه وبين القوم، ولكن الله أخبر أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا, فكل من قام بأمر من أمور الله، يريد بذلك إعلاء كلمة الله, ونصرة دين الله؛ فإن الله ينصره لا محالة؛ لأن الله جلَّ وعلا لا يخلف الميعاد.
стр. 682
إبراهيم يقذف في النار
لقد نصر الله إبراهيم ﵇ بحجته الظاهرة، فلجأ القوم ينصروا ما هم عليه من السفه والطغيان فكادهم رب العالمين ﷻ , وأعلى كلمته ودينه وبرهانه, كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٧٠].
وذلك أنهم انشغلوا جمع الحطب من جميع ما يمكن من الأماكن لمدة شهر؛ حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت نذرت لئن عوفيت لتحملن حطباً لحرق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة, فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأضرموا فيها النيران, فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط, ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في كفة منجنيق صنعه لهم رجلَّ من الأكراد يقال له: هيزل , وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم أخذوا يقيدون إبراهيم ﵇ ويثبتونه بالحبال وهو في كفة المنجنيق يناجي إله الأولين والآخرين, ويستنصر برب العالمين, "لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الشكر لا شريك لك", هكذا كان نداءه ﵇ وهم يقيدونه بالحبال ليلقوه في تلك النار العظيمة, فلا يزال أن يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين, لك الحمد ولك الشكر لا شريك لك، فلما ألقوه في النار اتصل بالحي القيوم الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء, قال: "حسبي الله ونعم الوكيل", الكلمة التي قالها رسول الهدى محمد بن عبد الله إيماناً بالله، واقتداءً بالخليل ﵇ لما قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
فاقتداءً بإبراهيم ﵇ قالها محمد ﷺ , فإبراهيم ﵇، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال بعض السلف: "عرض جبريل لإبراهيم وهو في الهواء فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ -يقولها جبريل الذي له ستمائة جناح أعظم الملائكة خلقاً, يقول له الروح الأمين: ألك حاجة يا إبراهيم؟ - فقال: أما إليك فلا.
حسبي الله ونعم الوكيل.
قال ابن عباس ﵂: [[إن ملك المطر قال: متى أؤمر فأرسل المطر ليطفئ النار عن إبراهيم]] , ولكن أرحم الراحمين، إله الأولين والآخرين، الذي بيده أزمّة الأمور، الذي إذا قال للشيء: "كن" فيكون، قال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] صدر المرسوم الملكي الذي لا يعارض ولا ينازع: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] التوقيع من جبار السماوات والأرض, فخمدت تلك النار, يقول علي بن أبي طالب ﵁ في تفسير هذه الآية: [[أي: لا تضريه]] وقال بعض المفسرين: لولا أن الجبار جلَّ وعلا قال: ﴿وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] لآذى إبراهيم بردها.
بعد هذا المرسوم الكريم: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] كيف صار إبراهيم؟ صار إبراهيم في مثل: الجوبة، حوله الناس وهو في روضة خضراء, والناس ينظرون إليه لا يستطيعون الوصول إليه وهو لا يخرج إليهم.
ويروى أن الطاغية الخبيث أبو إبراهيم لما نظر إلى إبراهيم في تلك الروضة، قال: نِعَمْ الرب ربك يا إبراهيم.
ويُروى أن إبراهيم ﵇ مكث في المكان الذي ألقي فيه أربعين أو خمسين يوماً، فإنه قال: ما كانت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشتي وحياتي كلها مثل ذلك إذ كنت فيها.
هذا إبراهيم ﵇ نصره الله، إبراهيم فرد، قام بأمر الله فنصره الله, فما بالكم بملايين المسلمين واليهود يعيثون فساداً في مقدسات الله؟!
الشيوعية تعيث فساداً في أنف المسلمين، والنصرانية تعيث فساداً في ديار المسلمين, وأهل البدع يعيثون فساداً في بلاد المسلمين، والمسلمون وهم يُعدُّون بالملايين, وإبراهيم واحد قام بأمر الله ؛ ولكن الله لا يخلف وعده, فمن صدق مع الله وأخلص النية لله, فإن الله قد أصدر مرسوماً ملكياً يقرأ منذ أربعة عشر قرناً: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١].
стр. 683
قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل
هاجر إبراهيم ﵇ لما غير المنكر، وكسَّر الأصنام، وأثابه الله بمثوبة عظيمة ظهرت على رءوس الأشهاد، وهي: إطفاء النار التي يوقدونها شهراً ولم يستطيعوا هم بأنفسهم أن يضعوه فيها إلا بواسطة المنجنيق؛ فأطفأها الله , وهاجر إبراهيم من بلاد قومه، وبنى البيت العتيق هو وإسماعيل ﵉، حتى صار البيت العتيق مأوى يأوي إليه الناس, تلبية لنداء إبراهيم حيث أمره الله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] هكذا من قام لله وقام بأمر الله بصدق وإخلاص.
стр. 684
إبراهيم يؤمر بذبح إسماعيل
لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه جلَّ وعلا أن يهب له ولداً صالحاً, فبشَّره الله تعالى بغلام حليم، وهو: إسماعيل ﵇, وهو أول ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمره.
فلما بلغ معه السعي -أي: شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه- رأى إبراهيم ﵇ في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا -أي: إسماعيل- ورؤيا الأنبياء وحي، وهذا اختبار من الله ، الله أكبر!! سبحانك وبحمدك لا إله إلا الله ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]! إنه يأمره بذبح ولده، وفلذة كبده إسماعيل الذي أتاه في تأخر من عمره، وهذا -كما قلت- اختبارٌ من الله لخليله بأن يذبح هذا الولد العزيز، الذي جاءه على كبر في السن! هل مانع إبراهيم؟
لا.
إنما امتثل أمر الله في ذلك, وسارع إلى طاعة مولاه.
عرض ذلك على ولده إسماعيل ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسراً ويذبحه قهراً: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] ابتلاء عظيم!! ابن ليس له غيره من الأبناء, وشب وترعرع وصار في طاعته, ثم أمر بذبحه إنها كبيرة جداً على النفس يا عباد الله! ولكن لا بد من طاعة المولى جلَّ وعلا، قال: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] لا إله إلا الله! ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] ما أحلى الأولاد البارين! ما أحلى الأولاد الطائعين! ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] فبادر الغلام الحليم والده الخليل: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
عباد الله! هذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد, قال الله تعالى: ﴿لا إله إلا الله العظيم الحليم﴾ هذا دعاء الكرب الذي أخبر به نبينا محمد ﷺ ينبغي لكل مسلم إذا أصابته كربة أن يلجأ إلى الحي القيوم, مفرج الكربات, ومغيث اللهفات, وقاضي الحاجات, ومغني الفاقات, إله الأولين والآخرين, الذي إذا قال للشيء: كن فيكون.
نبينا محمد ﷺ علَّمنا دعاء الكرب، قال: ﴿إذا أصاب أحدكم الكرب فليقل: لا إله إلا الله العظيم الحليم, لا إله إلا الله رب العرش العظيم, لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم﴾ فإذا أصاب الإنسان كرب ودعا بهذا الذكر العظيم فإن الله يفرج له.
стр. 685
الله جلَّ وعلا يفدي إسماعيل بذبح عظيم
لما امتثل أبونا إبراهيم ﵇ طاعة الله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] ألقاه على وجهه ليذبحه، قال بعض المفسرين: أراد أن يذبحه من قفاه؛ لئلا يشاهده في حال ذبحه, ثم تأخذه رحمة الأب بابنه, وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، وبقي طرف جنبه لاصق بالأرض, وسمّى إبراهيم، وكبِّر وتشهد الولد للموت, وجعل إبراهيم يمر السكين على حلق إسماعيل, فلم تقطع شيئاً، يقول بعض المفسرين: جعل الله بين السكين والحلق نحاس، أو جعل الله قدرته القادر على كل شيء ألا تضره السكين، فعند ذلك نودي من قبل الله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] ارفع ابنك عن الأرض, وارفع السكين عن إسماعيل, فقد حصل المقصود من اختبارك يا إبراهيم, وحصلت طاعتك لرب العالمين, ورأينا مبادرتك لربك يا إبراهيم ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٦] أي: الاختبار الظاهر، ثم قال رب العزة والجلال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] أي: جعلنا فداء ذبح ولده إسماعيل ما يسره الله تعالى من العوض وهو كبش أبيض أعلم, أي: عظيم سواد العين أقرن، قال ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن: [[كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً]].
فإبراهيم ﵇ لطاعته لله، وامتثال أوامره، سمَّاه الله : أمة؛ فقال جلَّ من قائل عليماً: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] وكذلك يبعثه الله تعالى يوم القيامة أمة واحدة.
فاتقوا الله -يا عباد الله! - واشكروا الله على نعمة الإسلام, واشكروه على ما أنعم عليكم من هذه النعمة العظيمة أن جعلكم من خير أمة أخرجت للناس, وجعلكم من الأمة الإسلامية التي بعث فيها محمد ﷺ .
стр. 686
وقفة مع الأضحية
عباد الله: اشكروا الله على نعمه، ثم على مشروعية الأضاحي التي تتقربون بها إلى ربكم, وتنفقون بها نفائس أموالكم, فإن هذه الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم ونبيكم محمد ﷺ , وإن لكم بكل شعرة فضل عظيم, إن لكم بكل شعرة حسنة, وبكل صوفة حسنة, يقول ﷺ : ﴿ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بأظلافها وقرونها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض تطيب بها نفساً﴾.
стр. 687
حكم الأضحية
اعلموا -أيها المسلمون- أن بذل الدراهم بالأضحية وشرائها أفضل من الصدقة بها, والأضحية سنة مؤكدة لمن يقدر عليها, قال بعض العلماء: إنها واجبة على الأغنياء, فضحّوا عن أنفسكم وأهليكم وأولادكم والوالدين, ليحصل الأجر العظيم للجميع، والبعض من الناس يظن أن الأضحية للأموات فقط بل للإحياء، فقد أوتي محمد ﷺ بكبشين أملحين، فقال: ﴿اللهم هذا عن محمد وآل محمد، وهذا عمن لم يُضحِ من أمة محمد﴾ فالذي لا يستطيع على الأضحية يعلم أن رسول الله ﷺ قد ضحَّى عنه, وهذا عن من لم يستطيع أن يضحي من أمة محمد، أو كما جاء في الحديث الصحيح.
واعلموا أن الأضحية تكفي للبيت الواحد عن الوالد وأولاده وأهل بيته، وفضل الله واسع, إلا إذا كانت وصية فإنها لصاحبها الذي وصى بها, كما نص في وصيته التي وصى بها.
стр. 688
شروط الأضحية
والأضحية تكون من بهيمة الأنعام، إما من الإبل أو البقر أو الضأن أو الماعز ولا تجزئ إلا بشرطين:
أولاً: أن تبلغ السن المعتبر شرعاً.
ثانياً: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء, فأما السن ففي الإبل خمس سنين, وفي البقر سنتان, وفي المعز سنة, وفي الضأن ستة أشهر.
وأما العيوب التي تمنع من الإجزاء فقد بينها رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿أربع لا تجوز في الأضاحي: العرجاء البين ضلعها, والعوراء البين عورها, والمريضة البين مرضها, والعجفاء التي لا تنقى﴾ فهذه هي العيوب التي تمنع من الإجزاء.
стр. 689
زمن ذبح الأضحية
عباد الله! من كان منكم يُحسِن الذبح فليذبح أضحيته بيده، فقد ذبح أفضل الخلق محمد ﷺ بيده الشريفة, ومن كان لا يحسن فليحضر عند ذبحها فذلك أفضل.
واحذروا أن تذبحوا قبل الوقت المحدد للتضحية شرعاً, فالوقت هو من بعد الفراغ من صلاة العيد، والأفضل أن ينتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبتين، وينتهي وقت الذبح بغروب الشمس من اليوم الثالث بعد العيد.
فأيام الذبح أربعة: العيد, وثلاثة أيام بعده, والذبح في النهار أفضل, ويجوز الذبح في الليل, ويسميها عند الذبح, فإن التسمية شرط عند الذبح, فمن لم يقل: باسم الله متعمداً على ذبيحته -أي: لم يسمِ- فهي ميتة نجسة حرام أكلها, أما الذي ينسى فقد قال جلَّ وعلا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال ﷺ : ﴿عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان﴾.
عباد الله! اذبحوا برفق, وحدُّوا السكين, ولا تحدوها وهي تنظر, ولا تذبحوها وأختها تنظر إليها, ولا تسلخوها أو تكسروا رقبتها قبل أن تموت, وكلوا من الأضاحي، واهدوا وتصدقوا, ولا تعطوا الجزار أجرته منها, بل أعطوه أجرة وأعطوه صدقة إن كان فقيراً.
اللهم وفقنا لفعل الخيرات, واجتناب المنكرات واجعلنا هداةً مهتدين, مقتدين بنبينا محمد ﷺ ، غير ضالين ولا مبتدعين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 690
فضل الأيام العشر من ذي الحجة
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله , وشمروا لطلب الخيرات قبل فواتها, واغتنموا الأعمال الصالحات في أوقاتها, فمنها الأيام المفضلات المخصوصة بالتشريع في محكم الآيات, وهن الأيام المعلومات أيام عشر من ذي الحجة التي فرط الكثير فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله! فلا نسمع التكبير امتثالاً بسلفنا الصالح؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون!
أميتت هذه السنة ولا حول ولا قوة إلا بالله! البعض يرى أن التكبير والتهليل عيب ونقيصة, وهو -والله- فضيلة ورفعة, وأجر من رب العالمين ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
عباد الله! في هذه الأيام اليوم التاسع المخصوص بالفضل العظيم، والمقسم به في القرآن العظيم وهو يوم عرفة, فاغتنموا فضله, واحذروا الموانع والقواطع من الذنوب, يقول ﷺ : ﴿خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة, وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾ وعنه ﷺ أنه قال: ﴿ما رؤي الشيطان أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه يوم عرفة﴾ لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الرب عن الذنوب العظام, وعنه ﷺ أنه قال: ﴿ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيده من النار من يوم عرفة﴾.
وقد حثَّ النبي ﷺ على صيام يوم عرفة وذلك لغير الحاج, فقال ﷺ : ﴿صيام يوم عرفة احتسبوا على الله أن يُكِّفر السنة الماضية والسنة الآتية﴾ وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة, فيقول: هؤلاء عبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق, يرجون مغفرتي، فلو كانت ذنوبهم عدد الرمل لغفرتها، ثم يقال لهم: أفيضوا مغفوراً لكم ولمن شفعتم فيه﴾.
فاجتهدوا -عباد الله- بالأعمال الصالحة، وارفعوا أصواتكم بالتكبير في كل مكان: في الأسواق, والمساجد, وفي المجتمعات, وفي البيوت, وأكثروا من قراءة القرآن, ومن التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير, ومن الصدقات, واستيقظوا -يا عباد الله- من رقدتكم قبل أن تفوتكم أيام الخيرات, وقبل أن ترتهنوا في حفركم، وقبل أن توضعوا في القبور, فيتمنى الواحد منا أن يقول: لا إله إلا الله أو يقول: سبحان الله, أو الحمد لله, وقبل أن يتمنى الواحد منا أن يصلي ركعتين ولا يحصل له ذلك, فقد ارتهن بعمله، وصفت عليه اللبنات، وحث عليه التراب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم يقوم لرب العالمين.
عباد الله! صلوا على رسول الله، امتثالاً لأمر الله؛ حيث يقول ﷺ : ﴿من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشراً﴾ , وربنا جلَّ وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي , وعن سائر أصحابه أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل, اللهم وحد صفوفهم, واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء.
стр. 691
عواقب معصية الله
حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار, وقالها محمد ﷺ , ونقولها نحن عندما نتوعد بـ أمريكا والاتحاد السوفيتي وجميع الدول الخبيثة نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
واعلموا -يا عباد الله- أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروكم بشر لم يضروكم إلا بشيء قد كتبه الله لكم، ولو اجتمعوا على أن ينفعوكم بخير لم ينفعوكم إلا بخير قد كتبه الله لكم.
عباد الله: قووا إيمانكم بالله, لقد شاب كثير من الشباب, لماذا؟! لما يسمع جاءتك أمريكا , جاءك الاتحاد السوفيتي , جاء كذا وكذا , ونسي الله الذي نصر إبراهيم -واحد- ﵇ قام بأمر الله ونصره الله نصراً مؤزراً, ونصر محمداً ﷺ وهذا من الله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١].
عباد الله! اصدقوا مع الله, قوموا مع الله, وحدوا الله, توبوا إلى الله, بيوت الله تكاد أن تخلى من المسلمين فإنا لله وإنا إليه راجعون.
نعم -يا عباد الله- والله ثم والله أن مسجدنا هذا في رمضان أكثر من عشرة صفوف, والآن لا يتم الصفين في صلاة الفجر فإنا لله وإنا إليه راجعون! والله إنها مصيبة عظمى أصيب بها المسلمون.
نعم -يا عبد الله- لو كان للإنسان وعد لفزع وقام مذعوراً أما منادي الله: حي على الصلاة, حي على الفلاح, الصلاة خير من النوم, يضع الغطاء ويطيل على المكيف وينام تحته متناسياً لأمر الله ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] نعم.
سوف يحصل عندنا الذعر والخوف من أعداء الله؛ لأنه ورد في الحديث القدسي: ﴿من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني﴾.
نعم -يا عباد الله- المسلمون لن ينتصر عليهم أعداء الإسلام, ولن يقدروا عليهم إلا إذا نسي المسلمون ربهم وتركوا دينهم فإن الله يسلطهم عليهم بذنوبهم.
стр. 692
من أسباب الهزيمة المعصية
في غزوة أحد نصر الله رسوله في أول الأمر وقال للرماة: لا تبرحوا مكانكم سواء انتصرنا أم لم ننتصر, ولكنهم لما عصوا رسول الله وجاءوا يأخذون معهم الغنائم, كرّ عليهم العدو وفتك بالمسلمين فتكاً عظيماً, بمعصية قليلة انهزم المسلمون وكادوا يقتلون رسول الله ﷺ , ألقوه في الحفرة وأدموا وجنتيه وكسروا رباعيته ﷺ , بسبب معصية خالف بها بعض الصحابة ﵁ فكيف الآن بالمسلمين؟ ترك البعض الصلاة -والعياذ بالله- والكثير منهم لم يعرف الصلاة إلا في رمضان, الكثير من شباب الإسلام لا يعرف الصلاة -والعياذ بالله- ولا يعرفون أموراً عظيمة قد تركوها, فوالله لن يؤتى المسلمون إلا من قبل أنفسهم، إن أتاهم آت فإنما يؤتون من قبل أنفسهم وبسبب معاصيهم لله .
إذا لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله فإن الله يغار، يا عباد الله! إن الله ليس بغافل, إن الله مطلع على السرائر ويعلم ما في الضمائر.
فعلينا -يا عباد الله- أن نتوب إلى الله قبل أن يحل بنا ما حل بالمجاورين, ليس بين الله وبين خلقه نسباً, انظروا إلى المجاورين بعدما كانوا في جنات ونهر, وفي ثمار وفي نعمة ورغد عيش, الآن انظروا إليهم ماذا يعملون يأكلون الخشاش -والعياذ بالله- ويأكلون القطط، يأكلون الكلاب، تدوسهم الأعداء بالأحذية لماذا؟! لأنهم عصوا رب العالمين وخالفوا أمره والله لا يخلف الميعاد.
أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه, وأسأل الله أن يصلح قادة المسلمين، أسأل الله أن يرزقهم الجلساء الصالحين، أسأل الله أن يرزقهم البطانة الصالحة التي تحثهم على الخير وتأمرهم به وتعينهم عليه.
أسأل الله أن يقوي شجرة الإيمان في قلوبنا حتى نغار, وحتى نأمر بالمعروف, وحتى ننهى عن المنكر, وحتى نكون كما أراد الله قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
اللهم قوي إيماننا بك, وبملائكتك, وبكتبك, وبرسلك, وباليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداة مهتدين يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, لا تكفروا النعمة يا عباد الله, احذروا من كفران النعمة, احذروا من المعاصي فإنها تجلب النقم وتزيل النعم, احذروا ثم احذروا! قبل أن يحل بكم ما حل بمجاوريكم, واجعلوا هذه العبارة بين أعينكم وارسموها في جدران قلوبكم, احذروا ثم احذروا! لا يصيبكم ما أصاب المجاورين من زوال النعم ومن دوس الأعداء ومن فتكهم, ومن انتصارهم, ارجعوا إلى ربكم, توبوا إلى ربكم, أقلعوا عما أنتم فيه يا عباد الله.
أسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة النصوح, وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 693
أصحاب الغار
إن الله مع عبده المؤمن الذي يلهج دائماً بذكر الله وطاعته، ومع الذين يتعرفون إلى الله في الرخاء، فإذا اشتدت عليهم الكربات، وأظلمت عليهم المصائب والملمات، كان الله قريباً منهم بفعلهم وتقربهم إلى الله ، ولذا فإن الشيخ قد أورد في هذه الرسالة قصة أولئك النفر المؤمنين من بني إسرائيل وما فيها من فوائد لتكون لنا درساً على مدى التاريخ.
стр. 694
تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين, والعاقبة للمتقين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله: تعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة, تعرفوا إلى الله بالقيام بطاعته, رغبة في ثوابه, وابتعاداً عن عقابه, خوفاً من النار, فإن أليم النار شديد.
أيها المسلمون! أيها المؤمنون بالله حقاً! اعلموا أن رخاء العيش، وطيب الحال من النعم التي تستوجب الشكر على العباد، والقيام بطاعة المنعم الجواد جل وعلا.
أيها المؤمنون بالله: اعلموا أن الإنسان في حال الرخاء يستطيع أن يعمل ما لا يمكنه القيام به في حال الشدة, ويستطيع أن يعمل في سن الشباب ما لا يمكنه القيام به في حال الكبر والهرم, ويستطيع أن يعمل في زمن الأمن والطمأنينة ما لا يمكنه القيام به في حال الخوف, ويستطيع أن يعمل وهو صحيح، ما لا يمكنه القيام به وهو مريض, وإذا امتحن الإنسان هذه الحياة، وفكر فيها جيداً، عرف حقاً أن العافية في البدن والأمن والترف لا يدوم, فقد يعقبها شدة ومرضاً.
نعم يا أهل الأخوة في الله: نعم يا أهل العقول! يا أولي الألباب! إذا امتحن الإنسان هذه الحياة الدنيا وفكر فيها جيداً، عرف حقاًً أن العافية في البدن والأمن والترف لكنها لا تدوم, فقد يعقبها شدة ومرضاً, وخوفاً وجوعاً, لكن المؤمن بالله حقاً، الذي قوى صلته بربه جل وعلا، وقام بحق الله ﵎ وتعرف للحي القيوم في حال الرخاء، فإن الله ﵎ يعرفه في حال الشدة, في حال الضيق, فيلطف به ويعينه على الشدائد وييسر أموره, قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] * وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] هكذا وعد الله للمتقين, والله لا يخلف المعياد, فاتقوا الله عباد الله.
стр. 695
قصة ثلاثة نفر عرفوا الله في الرخاء
وإليكم هذه القصة التي تبين عاقبة الأعمال الصالحة، وأن من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة, يقول عبد الله بن عمر ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه, فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار, فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم.
قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً, فنأى بي طلب الشجر يوماً؛ فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما, فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً, فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر-الله أكبر- والصبية يتضاغون عند قدمي, فاستيقظا فشربا غبوقهما, اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة؛ فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه.
قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليّ -وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء- فأردتها على نفسها فامتنعت مني, حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها؛ ففعلت حتى إذا قدرت عليها -وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها- قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه, فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركت الذهب الذي أعطيتها -الله أكبر- اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه, فانفرجت الصخرة, غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث: اللهم أنه كان لي أجراء -اسمعوا يا أهل المؤسسات! اسمعوا يا من تظلمون الناس حقوقهم! اسمعوا يا من تواعدون وتخلفون- وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب, فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال, فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله! أد إليّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق, فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي, فقلت: لا أستهزئ بك, فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً, اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه, فانفرجت الصخرة, فخرجوا يمشون﴾ لا إله إلا الله, ما أجمل التقوى وأهدى سبيلها!
أمة الإسلام: تلكم القصة التي أخبر بها أصدق الخلق محمد ﷺ , فالأول من أولئك الثلاثة ضرب مثلاً عظيماً في بر والديه, وبقي طول الليل والإناء على يده، لم تطب نفسه أن يشرب منه، ولا أن يسقي أولاده وأهله, ولا أن ينغص على والديه نومهما, لم يقل: يا شيبة يا عجوز قم، لا.
تركهما حتى قاما واستيقظا حتى طلع الفجر والقدح على يديه، فلما قاما أسقاهما ذلك الغبوق, الله أكبر.
وأما الثاني: فضرب مثلاً بالغاً في العفة الكاملة حيث تمكن من حصول مراده, من هذه المرأة التي هي أحب الناس إليه، ولكن لما ذكرته بالله لما قالت له: اتق الله تركها وقام, ولم يعمل الفاحشة, ولم يأخذ شيئاً مما أعطاها, ناهيك من الذين يتكبدون المشاق يضربون المشاوير الطويلة ليحصلوا على الزنا واللواط, فكم سمعوا في الخطب, كم سمعوا في المواعظ: اتقوا الله اتقوا الله ولكن: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
وأما الثالث: فقد ضرب مثلاً في غاية الأمانة والنصح حيث نمّى للأجير أجره, لم يماطل به, لم يشتكيه على الحقوق المدنية, لم يواعده ويضره, لم يضرب دونه الباب, لم يمنعه أجره بالثمانية أشهر ولا بالعشرة الأشهر، يواعده في بلاده، يعطيه من المواعيد ومن الأماني, فإذا أتى به ثمله وسرحه, فبعضهم يموت جوعاً الآن بسبب أولئك الذين فقدوا الأمانة, فيا ويلهم إذا وقفوا بين يدي الله.
هذا الثالث ضرب مثلاً في غاية الأمانة والنصح، حيث نمّى للأجير أجره, فبلغ ما بلغ وسلمه إلى صاحبه, ولم يأخذ على عمله شيئاً, فكان من جزاء هذه الأعمال الصالحة التي تعرفوا بها إلى الله, في حال الرخاء أن الله عرفهم في حال الشدة, فأنقذهم من الهلاك وإلا يا إخوتي في الله من يعلم أنهم في وسط هذا الجبل وسدت عليهم هذه الحجر العظيمة إلا لطف الله , لما تعرفوا على الله في الرخاء عرفهم الله في الشدة, فأنقذهم من الهلاك, وهذه سنة الله في خلقه إلى يوم القيامة، أن من تعرف إلى الله في حال الرخاء عرفه في حال الشدة، كما أوصى بذلك رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦١ - ٦٣].
اللهم إن نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى, بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 696
أعظم شدة هي شدة الموت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه.
عباد الله: قد سمعتم ما في القصة السابقة الذكر من الأمر العجيب لمن أطاع الله واتقاه.
أيها المسلمون: إن الشدائد أنواع متنوعة, وإن أعظم شدة يقع فيها الإنسان ما يكون من شدة الموت, عند فراق المألوف، واستقبال المخوف, فإذا كان العبد ممن تعرف إلى الله في حال صحته وحياته ونشاطه وأمنه واستقراره عرفه الله سبحانه في حال شدته وعند حضور ملك الموت، إذا نزع الروح من القصب والعصب واللحم؛ فإن الله يهون عليه الأمر ويحسن له الخاتمة, وينتقل من هذه الدنيا على أحسن حال, وأما إذا كان معرضاً عن الله لم يزده الرخاء إلا بطراً وبعداً عن الله تعالى, فحريٌ بأن يكله الله إلى نفسه, ويتخلى عنه حال شدائده فتحيط به السيئات والأوزار ويموت على أسوأ حال, نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وهذا الناصح الأمين محمد بن عبد الله، رسول الهدى يقول ﷺ : ﴿أكثروا ذكر هادم اللذات﴾ ,قال بعض العلماء: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء:
١ - تعجيل التوبة.
٢ - قناعة القلب.
٣ - النشاط في العبادة.
ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء:
١ - تسويف التوبة.
٢ - عدم الرضا بالكفاف.
والناصح يقول:
خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن
وانظر إلى من حوى الدنيا ليجمعها هل راح منها بغير الحنط والكفن
٣/ التكاسل في العبادة.
عباد الله: الاستعداد للموت هو ألا يفرغ القلب من ذكره, ويتذكر دائماً من أخذه الموت على غرة وبدون إنذار.
стр. 697
سبب عدم إجابة الدعوة في الشدة
عباد الله: مر إبراهيم بن أدهم على أناس فسألوه عن قول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] قالوا: يا إبراهيم! فإنا ندعوه فلا يستجاب لنا! فقال رحمة الله تعالى عليه: " لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء:
أولاً: أنكم عرفتم الله ولم تؤدوا حقه.
ثانياً: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به.
ثالثاً: ادعيتم عداوة الشيطان وواليتموه.
رابعاً: ادعيتم حب رسول الله ﷺ وتركتم أثره وسنته.
خامساً: ادعيتم حب الجنة ولم تعملوا لها.
سادساً: ادعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب.
سابعاً: ادعيتم أن الموت حق ولم تستعدوا له.
ثامناً: اشتغلتم بعيوب غيركم وتركتم عيوب أنفسكم.
تاسعاً: تأكلون رزق الله ولا تشكرونه.
عاشراً: تدفنون أمواتكم ولا تعتبرون.
فجدير لمن كان الموت مصرعه والتراب مضجعه, والدود أنيسه, ومنكر ونكير سائله, وعمله جليسه, والقبر مقره, والبرزخ مستقره, والقيامة موعده, والجنة أو النار مورده, ألا يغفل عن الموت وما بعده, وألا يستعد إلا له, وألا يهتم إلا به, وألا يحوم إلا حوله, وليعد نفسه في الموتى, ويراها في أصحاب القبور, وليذكر اليوم أنه في الدور والقصور, وغداً في الحفر والقبور.
فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى، وأعظم من ذلك الغفلة عنه والإعراض عن ذكره, وعدم التفكير فيه, وترك العمل له, فإن فيه عبرة لمن اعتبر، انتهى كلام ابن أدهم رحمه الله تعالى.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلّى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين, اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا.
اللهم أقر أعيننا بصلاح أولادنا ونسائنا, واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا في جنات الفردوس الأعلى يا رب العالمين, اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفؤاً أحد, لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك.
اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم أسقنا سقيا رحمة, اللهم لا راحم للعباد سواك يا أرحم الراحمين, اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مرئياً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار, اللهم سقيا رحمة اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق, اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, اللهم ارفع عنا التبرج والسفور والأفلام الخليعة والأغاني الماجنات, اللهم طهر بيوتنا وبلادنا من هذه الفتن يا رب العالمين.
اللهم أحيينا مسلمين, وتوفنا مسلمين, وألحقنا بالصالحين, غير خزايا ولا مفتونين.
عباد الله اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 698
أصول التوحيد
إن من أوجب الواجبات على العبد توحيد الله ؛ لأن التوحيد هو القاعدة وهو الأصل والأساس لدين الإسلام ولا يقبل الله عملاً إلا به.
والتوحيد له ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية، والقسمان الأولان منه لا يدخل المعتقد بهما دون أن يعتقد بتوحيد الألوهية؛ لأن المشركين كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق والرازق والمالك والمقدر وغيرها، ومع ذلك لم يكونوا موحدين.
стр. 699
أنواع التوحيد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أمة الإسلام! أمة العقيدة! اعلموا أن من أوجب الواجبات على العبد معرفة توحيد الله ؛ ذلك لأن التوحيد هو القاعدة والأصل والأساس لدين الإسلام الذي لا يقبل الله عملاً إلا به، وللتوحيد ثلاثة أصول:
١/ توحيد الربوبية.
٢/ توحيد الأسماء والصفات.
٣/ توحيد الألوهية.
стр. 700
الأصل الأول: توحيد الربوبية
ويطلق عليه توحيد أفعال الرب ﵎، وهذا الأصل من التوحيد، ولا يكفي العبد في الدخول في الإسلام، والدليل أن المشركين على عهد رسول الله ﷺ كانوا مقرين بهذا التوحيد لله وحده، ولم يدخلهم في الإسلام كما أخبر الله عنهم في محكم البيان: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] ويخبر عنهم جلَّ وعلا فيقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] ويخبر الله عنهم أيضاً فيقول: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٧] ويخبر عنهم أيضاً فيقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] الله أكبر يا أمة الإسلام! المشركون يقرون بذلك، ولكن لم يدخلهم هذا في الإسلام.
ومع الأسف الشديد يوجد أناس في هذه الآونة المتأخرة ينكرون وجود الله ﷻ ، ينكرون وجود الخالق جلَّ وعلا, كما هو معتقد الشيوعيين وأتباعهم من أهل الكفر والزندقة والإلحاد، وليس الأسف أن يكون أولئك الذين يعتنقون ذلك المذهب الخبيث، ولكن الأسف ثم الأسف أن أناساً يدعون الإسلام وتربوا في أحضان الإسلام أحبوا ذلك المذهب الخبيث مذهب الشيوعيين، وبعضهم اتبع ذلك المذهب، وإذا قيل لهم اتقوا الله، قالوا: أثبتوا لنا وجود الله.
стр. 701
الأصل الثاني: توحيد الأسماء والصفات
وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، السميع البصير، القوي العزيز، اللطيف الخبير، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، الرحمن على العرش استوى، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الذي قال وقوله الحق: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] ويقول رسول الهدى ونبي الرحمة محمد ﷺ : ﴿إن لله تعالى تسعةٌ وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة﴾.
أمة الإسلام: هذا التوحيد لا يكفي أيضاً في الدخول في الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية والألوهية.
стр. 702
الأصل الثالث: توحيد الألوهية
وهو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم في قديم الزمان وحديثه، وهو أساس الأمر ورأسه، ودعوة الرسل من أولهم نوح ﵇ إلى آخرهم محمد ﷺ ، وهو معنى لا إله إلا الله، وهو الذي خلق من أجله جميع البشر، وخلقت من أجله الجنة والنار، وأرسل لأجل معرفته والعمل به جميع المرسلين، وهو توحيد الله، وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء والنذر والنحر والرجاء والخوف والاستعانة والاستغاثة والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة، وغير ذلك، قال المولى جلَّ وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ومعنى يعبدون: يوحدون.
ويقول المولى جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
عباد الله: لابد أن يكون التوحيد بالنفي والإثبات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فدلت هذه الآية على أنه لابد في التوحيد من النفي والإثبات، فتثبت العبادة لله وحده، وتنفي عبادة ما سواه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].
وقوام التوحيد -يا عباد الله- على شيئين عظيمين هما:
١/ تجريد الإخلاص لله تعالى وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] ويقول جل وعلا: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
٢/ تجريد المتابعة للرسول محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ويقول جلَّ وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله وتفرده بالعبادة والدين الخالص، وأن ذلك لا يقبل إلا إذا كان على شريعة رسول الإسلام محمد ﷺ .
أمة الإسلام: هذه هي الأصول الثلاثة الجامعة لأنواع التوحيد، والمنافية لأنواع الشرك والتنديد, قولاً وعملاً واعتقاداً، وقد بينها الله في القرآن، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، عرفها الله كل التعريف ليعرف ويعبد ويوحد ويذكر بأسمائه وصفاته، ويكون الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
اللهم اجعلنا مسلمين لك، موحدين لك، متبعين لشرعك، مهتدين بنبيك محمد ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 703
الشرك في الربوبية وأنواعه
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أمة الإسلام: لقد سمعتم الأصول الثلاثة الجامعة لأنواع التوحيد، أما ما يضاد التوحيد من الشرك، فهو ثلاثة أقسام بالنسبة لأنواع التوحيد:
القسم الأول: الشرك بالربوبية، وهو نوعان:
شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون لعنه الله إذ قال وما رب العالمين؟
وشرك الفلاسفة الذين ينكرون وجود الخالق ، ويسندون الحوادث بأسرها إلى أسباب يسمونها بأسماء مختلفة منها الطبيعة وغيرها، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
ومنهم الشيوعية والملاحدة كالمجوس والقدرية , وأشباههم، ومشركي الصابئة، وعباد الشمس والنار.
وشرك المعطلة لأسماء الرب وأوصافه من غلاة الجهمية والقرامطة وغيرهم.
شرك من جعل مع الله إلهاً آخر: كشرك اليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، تعالى الله عما يقولون.
وكشرك النصارى الذين يقولون: الله ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً، وأمه إلهاً، وما من إله إلا إله واحد سبحانه وتعالى عما يقول الكفرة والفجرة والظالمون علواً كبيراً.
ويلتحق بهذا الشرك الشنيع من وجه شرك غلاة عباد القبور, الذين يزعمون أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت، فيقضون الحاجات، ويفرجون الكربات، وينصرون من دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم، وقد كذبوا والله، فهم أموات لا يقضون الحاجات، ولا يفرجون الكربات، ولا ينصرون من دعاهم، ولا يحفظون من التجأ إليهم، هم والله كذبوا، فلا ناصر، ولا حافظ، ولا ضار، ولا نافع إلا الله، ولا رافع، ولا خافض، ولا معطي، ولا مانع إلا هو، الذي قال وقوله الحق: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢].
فأحذر إخواني الذين يذهبون إلى خارج البلاد، أحذرهم أن يغتروا بعباد القبور، وقد ذكر لنا كثيرٌ من الذين قدموا من الخارج أنهم ذهبوا بهم إلى الأضرحة، وقالوا لهم: إن أردتم أشياء من الغنى، أو الصحة، أو الزوجات، أو أي شيء من الدنيا، فلا عليكم إلا أن تطوفوا بهذا القبر -قبر الولي- وتسألونه، ولكن -ولله الحمد والمنة- كما قال المولى جلَّ وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] فسرعان -ولله الحمد- ما ينكرون عليهم ذلك، فإذا أنكروا عليهم ذلك، قابلوهم بلهجةٍ يقولونها: أنتم من الوهابية، نسألك اللهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
أمة الإسلام: قد لعن رسول الله ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي لله فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثاناً يعبدها من دون الله؟
لو رأيتموهم -يا عباد الله- وهم يصيحون ويبكون عند تلك الأضرحة، وتلك القبور، ويتمسحون بها، ويأخذون من تلك الأتربة، وقد أعرضوا عن الله الذي يحيي ويميت وبيده النفع والضر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أسمعوهم هذا الحديث -يا عباد الله- ورد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ ويقول ﷺ : ﴿إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد﴾ ويقول ﷺ : ﴿إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك﴾ ما أبلغ هذا القول من رسول الله ﷺ .
عباد الله: احذروا من الشرك الأصغر والأكبر، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
ومن الشرك الأصغر -يا عباد الله- الحلف بغير الله، والرياء، وغيره من الأمور التي تؤدي أحياناً إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله.
عباد الله: الله الله بتعلم العقيدة، الله الله بتعلم التوحيد، وارفعوا والهجوا بلسان الدعاء لله , الذي قيض لهذه البلاد وما حولها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ورفع درجته في عليين، وأسكنه الفردوس الأعلى، ونحن معه ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين الذين يفسدون في الأرض، ولا يصلحون.
عباد الله! أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
وعن سائر الصحابة أجمعين.
стр. 704
إقامة حدود الله
أوجب الله جل وعلا حدوداً وأحكاماً على مرتكبي الذنوب والمعاصي، وذلك لحكم عظيمة وجليلة، وقد قال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياة)؛ وبإقامة الحدود تحفظ الأعراض والأرواح، وتمنع من انهيار المجتمع ومن غضب الله.
وقد تعرض الشيخ لذكر بعض الجرائم التي عمت وطمت، ومنها: جريمة الزنا، وتحدث عن جريمة اللواط وحد مرتكب هذه الجريمة، وكلام شيخ الإسلام في ذلك، ودعا الأمة للوقوف أمام المفسدين في الأرض.
стр. 705
لماذا فرضت الحدود ؟
الحمد الله الذي شرع عقوبة العصاة ردعاً للمفسدين وصلاحاً للخلق أجمعين، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله الثبات على الدين القويم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل النبيين وقائد المصلحين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واشكروه على نعمة هذا الدين القويم الجامع بين الرحمة والحكمة، رحمة في إصلاح الخلق، وحكمة في اتباع الطريق الموصل إلى هذا الهدف الأسمى.
أمة الإسلام: إن من طبيعة البشر أن يكون لهم نزعات متباينة، فمنها نزعات إلى الخير والحق، ومنها نزعات إلى الباطل والشَّر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] ولما كانت النفوس الشريرة والنزعات الطائشة والأعمال السيئة لابد لها من رادع يكبح جماحها، ويخفف من حدتها، شرع رب العباد وهو الحكيم العليم الرءوف الرحيم، شرع حدوداً وعقوباتٍ متنوعة، وكل ذلك بحسب الجرائم، وما ذلك إلا لردع المعتدين وأطرهم على الحق أطراً، وإصلاح المفسدين، وتقويم المعوجين.
следующие страницы →