← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الأصل الثاني: توحيد الأسماء والصفات وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، السميع البصير، القوي العزيز، اللطيف الخبير، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، الرحمن على العرش استوى، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الذي قال وقوله الحق: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] ويقول رسول الهدى ونبي الرحمة محمد ﷺ : ﴿إن لله تعالى تسعةٌ وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة﴾. أمة الإسلام: هذا التوحيد لا يكفي أيضاً في الدخول في الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية والألوهية.

стр. 702

الأصل الثالث: توحيد الألوهية وهو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم في قديم الزمان وحديثه، وهو أساس الأمر ورأسه، ودعوة الرسل من أولهم نوح ﵇ إلى آخرهم محمد ﷺ ، وهو معنى لا إله إلا الله، وهو الذي خلق من أجله جميع البشر، وخلقت من أجله الجنة والنار، وأرسل لأجل معرفته والعمل به جميع المرسلين، وهو توحيد الله، وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء والنذر والنحر والرجاء والخوف والاستعانة والاستغاثة والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة، وغير ذلك، قال المولى جلَّ وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ومعنى يعبدون: يوحدون. ويقول المولى جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. عباد الله: لابد أن يكون التوحيد بالنفي والإثبات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فدلت هذه الآية على أنه لابد في التوحيد من النفي والإثبات، فتثبت العبادة لله وحده، وتنفي عبادة ما سواه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]. وقوام التوحيد -يا عباد الله- على شيئين عظيمين هما: ١/ تجريد الإخلاص لله تعالى وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] ويقول جل وعلا: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]. ٢/ تجريد المتابعة للرسول محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ويقول جلَّ وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله وتفرده بالعبادة والدين الخالص، وأن ذلك لا يقبل إلا إذا كان على شريعة رسول الإسلام محمد ﷺ . أمة الإسلام: هذه هي الأصول الثلاثة الجامعة لأنواع التوحيد، والمنافية لأنواع الشرك والتنديد, قولاً وعملاً واعتقاداً، وقد بينها الله في القرآن، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، عرفها الله كل التعريف ليعرف ويعبد ويوحد ويذكر بأسمائه وصفاته، ويكون الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. اللهم اجعلنا مسلمين لك، موحدين لك، متبعين لشرعك، مهتدين بنبيك محمد ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 703

الشرك في الربوبية وأنواعه الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أمة الإسلام: لقد سمعتم الأصول الثلاثة الجامعة لأنواع التوحيد، أما ما يضاد التوحيد من الشرك، فهو ثلاثة أقسام بالنسبة لأنواع التوحيد: القسم الأول: الشرك بالربوبية، وهو نوعان: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون لعنه الله إذ قال وما رب العالمين؟ وشرك الفلاسفة الذين ينكرون وجود الخالق ، ويسندون الحوادث بأسرها إلى أسباب يسمونها بأسماء مختلفة منها الطبيعة وغيرها، قاتلهم الله أنى يؤفكون. ومنهم الشيوعية والملاحدة كالمجوس والقدرية , وأشباههم، ومشركي الصابئة، وعباد الشمس والنار. وشرك المعطلة لأسماء الرب وأوصافه من غلاة الجهمية والقرامطة وغيرهم. شرك من جعل مع الله إلهاً آخر: كشرك اليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، تعالى الله عما يقولون. وكشرك النصارى الذين يقولون: الله ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً، وأمه إلهاً، وما من إله إلا إله واحد سبحانه وتعالى عما يقول الكفرة والفجرة والظالمون علواً كبيراً. ويلتحق بهذا الشرك الشنيع من وجه شرك غلاة عباد القبور, الذين يزعمون أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت، فيقضون الحاجات، ويفرجون الكربات، وينصرون من دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم، وقد كذبوا والله، فهم أموات لا يقضون الحاجات، ولا يفرجون الكربات، ولا ينصرون من دعاهم، ولا يحفظون من التجأ إليهم، هم والله كذبوا، فلا ناصر، ولا حافظ، ولا ضار، ولا نافع إلا الله، ولا رافع، ولا خافض، ولا معطي، ولا مانع إلا هو، الذي قال وقوله الحق: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢]. فأحذر إخواني الذين يذهبون إلى خارج البلاد، أحذرهم أن يغتروا بعباد القبور، وقد ذكر لنا كثيرٌ من الذين قدموا من الخارج أنهم ذهبوا بهم إلى الأضرحة، وقالوا لهم: إن أردتم أشياء من الغنى، أو الصحة، أو الزوجات، أو أي شيء من الدنيا، فلا عليكم إلا أن تطوفوا بهذا القبر -قبر الولي- وتسألونه، ولكن -ولله الحمد والمنة- كما قال المولى جلَّ وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] فسرعان -ولله الحمد- ما ينكرون عليهم ذلك، فإذا أنكروا عليهم ذلك، قابلوهم بلهجةٍ يقولونها: أنتم من الوهابية، نسألك اللهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة. أمة الإسلام: قد لعن رسول الله ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي لله فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثاناً يعبدها من دون الله؟ لو رأيتموهم -يا عباد الله- وهم يصيحون ويبكون عند تلك الأضرحة، وتلك القبور، ويتمسحون بها، ويأخذون من تلك الأتربة، وقد أعرضوا عن الله الذي يحيي ويميت وبيده النفع والضر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أسمعوهم هذا الحديث -يا عباد الله- ورد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ ويقول ﷺ : ﴿إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد﴾ ويقول ﷺ : ﴿إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك﴾ ما أبلغ هذا القول من رسول الله ﷺ . عباد الله: احذروا من الشرك الأصغر والأكبر، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. ومن الشرك الأصغر -يا عباد الله- الحلف بغير الله، والرياء، وغيره من الأمور التي تؤدي أحياناً إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله. عباد الله: الله الله بتعلم العقيدة، الله الله بتعلم التوحيد، وارفعوا والهجوا بلسان الدعاء لله , الذي قيض لهذه البلاد وما حولها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ورفع درجته في عليين، وأسكنه الفردوس الأعلى، ونحن معه ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين الذين يفسدون في الأرض، ولا يصلحون. عباد الله! أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وعن سائر الصحابة أجمعين.

стр. 704

إقامة حدود الله أوجب الله جل وعلا حدوداً وأحكاماً على مرتكبي الذنوب والمعاصي، وذلك لحكم عظيمة وجليلة، وقد قال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياة)؛ وبإقامة الحدود تحفظ الأعراض والأرواح، وتمنع من انهيار المجتمع ومن غضب الله. وقد تعرض الشيخ لذكر بعض الجرائم التي عمت وطمت، ومنها: جريمة الزنا، وتحدث عن جريمة اللواط وحد مرتكب هذه الجريمة، وكلام شيخ الإسلام في ذلك، ودعا الأمة للوقوف أمام المفسدين في الأرض.

стр. 705

لماذا فرضت الحدود ؟ الحمد الله الذي شرع عقوبة العصاة ردعاً للمفسدين وصلاحاً للخلق أجمعين، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله الثبات على الدين القويم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل النبيين وقائد المصلحين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ، واشكروه على نعمة هذا الدين القويم الجامع بين الرحمة والحكمة، رحمة في إصلاح الخلق، وحكمة في اتباع الطريق الموصل إلى هذا الهدف الأسمى. أمة الإسلام: إن من طبيعة البشر أن يكون لهم نزعات متباينة، فمنها نزعات إلى الخير والحق، ومنها نزعات إلى الباطل والشَّر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] ولما كانت النفوس الشريرة والنزعات الطائشة والأعمال السيئة لابد لها من رادع يكبح جماحها، ويخفف من حدتها، شرع رب العباد وهو الحكيم العليم الرءوف الرحيم، شرع حدوداً وعقوباتٍ متنوعة، وكل ذلك بحسب الجرائم، وما ذلك إلا لردع المعتدين وأطرهم على الحق أطراً، وإصلاح المفسدين، وتقويم المعوجين.

стр. 706

بإقامة الحدود تحفظ الأعراض فأوجب رب العالمين إقامة الحدود على مرتكبي الجرائم كلٌ بحسب جريمته، فالسارق تقطع يده؛ لأنه يسرق بها غالباً، وقطاع الطريق إذا قَتَلوا قُتِلوا، وإن أخذوا المال فقط قُطِعت أيديهم وأرجلهم من خِلاف نكالاً وجزاءً من جنس العمل، وقَاذِف المحصنات والمحصنين يُجلد ثمانين جلدة حتى لا تنتهك الأعراض، ويا للأسف الشديد ما أكثر ما نسمع هذه الكلمات: يا ولد الزنا، ويا إلى غير ذلك من الألفاظ التي تشمئز منها النفوس، وتنكرها القلوب، لقد اعتاد عليها كثير من الناس حتى تربى عليها الصغير والعياذ بالله. كذلك شارب الخمر إذا عُوقِب وأُقِيم عليه الحد، ارتدع عن تناول الخمر التي سمّاها رسول الله ﷺ بأم الخبائث ومفتاح كل شر.

стр. 707

إقامة الحدود تمنع من انهيار المجتمع أما جريمة فساد الأخلاق وانهيار المجتمع، تلك الجريمة البشعة، الجريمة الجالبة للأمراض والبلايا المتعددة التي تكمن في فعل الزنا واللواط، فإنها جريمةٌ عظيمة، ولعظم جرمها وخطرها على المجتمع رتَّب عليها الشارع عقوبة كبرى، فالزاني الذي يطأ فرجاً حراماً إما أن يكون محصناً، وإما أن يكون غير محصن، فالمحصن: هو البالغ العاقل الذي تزوج امرأةً ووطأها بنكاح صحيح، فإذا زنى فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، ولا شفاعة في حدود الله -اللهم قَاتِل من شفع في حدٍ من حدود الله- ثم يغسل ويكفَّن ويُصلَّى عليه ويدفن مع المسلمين إذا كان مسلماً، وأما غير المحصن: وهو من لم يتزوج، فإنه إذا زنى جُلد مائة جلدة، ويسفر عن البلد. أمة الإسلام: إذا كان الزنا بالفرج موجباً لهذه العقوبة، فإن هناك زناً آخر دون ذلك يوجب الإثم والعقوبة الأخروية، وربما كان سبباً للزنا الأكبر؛ ألا وهو زنا الجوارح الأخرى، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: ﴿العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واللسان يزني وزناه الكلام، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه﴾.

стр. 708

وقفة مع جريمة اللواط أما الجريمة الكبرى الثانية، الجريمة النكراء، الجريمة المفسدة للدِّين والدنيا، الهادمة للأخلاق، الماحقة للرجولة، المفسدة للمجتمع، القاتلة للمعنويات، المذهبة للخير والبركات، الجالبة للشرور والمصيبات والأمراض المستعصيات إنها مِعْوَل الخراب والدمار، إنها سبب للذِّل والخزي والعار إنها جريمة اللواط! إنها ركوب الرجل على الرجل إنها الجريمة التي تنكرها وترفضها العقول والفطر السليمة، الجريمة التي جاءت الشرائع السماوية بمقتها والزجر عنها؛ لما فيها من ضرر عظيم، وظلم فاحش للفاعل بما جر على نفسه من الخزي والعار، وقادها إلى ما فيه الموت والدمار، وهو ظلم للمفعول به حيث هتك نفسه وأهانها ورضي لها بالسفول والانحطاط ومحق رجولتها، فكان بين الرجال بمنزلة النساء، لا تزول ظلمة الذل من وجهه حتى يموت، وهو ظالم للمجتمع كله بما يسدي إليه من حلول المصائب والنكبات. ولقد قصّ رب العالمين علينا ما حصل لقوم لوط حيث أنزل عليهم رجزاً من السماء، -أي: عذاباً من فوقهم- أمطر عليهم حجارةً من سجيل، فجعل قريتهم عاليها سافلها، وهي الآن بحيرة منتنة، وهي تسمى بـ البحر الميت قرب الأردن، وبعد أن قصَّ الله علينا قصتهم وما نزل بهم قال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. أمة الإسلام: إنه متى فشت هذه الفاحشة في المجتمع ولم يعاقب الله بدمار الديار، فإنه سيحِلُّ بها ما هو أعظم من ذلك، سيحِلُّ بها انتكاس القلوب، وانطماس البصائر، وانقلاب العقول حتى يسكت عن الباطل، أو يزين له سوء عمله فيراه حسناً، وأما إذا يسَّر الله له ولاةً أقوياء، ولاةً عُدلاء، ولاةً أمناء، يقولون الحق من غير مبالاة، وينفذون الحدود من غير محاباة، فإن هذا علامة التوفيق والصلاح.

стр. 709

حكم من عمِل جريمة اللواط أمة الإسلام: لما كانت جريمة اللواط فاحشة بشعة من أعظم الجرائم, كانت عقوبتها في الشرع من أعظم العقوبات، فعقوبتها القتل والإعدام، قال نبي الرحمة ﷺ : ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾ وقد اتفق جمهور الصحابة رضوان الله عليهم، أو كلهم على العمل بمقتضى هذا الحديث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في قتل من عَمل عمل قوم لوط، سواءً كان فاعلاً، أو مفعولاً به إذا كان راضياً"، ولكن اختلفوا كيف يقتل، فقال بعضهم: يرجم بالحجارة. وقال بعضهم: يلقى من أعلى مكان في البلد حتى يموت. وقال بعضهم: يحرق بالنار. فالفاعل والمفعول به إذا كان راضياً كلاهما عقوبته الإعدام بكل حال, سواء كانا محصنين أو غير محصنين، يقتلون لعظم الجريمة، فإن بقاءهما قتل معنوي للمجتمع، وإعدام للخلق والفضيلة، ولا شك أن إعدام من يعمل عمل قوم لوط خير من إعدام الخلق والفضيلة. هكذا جاء الإسلام، هكذا جاء النور، هكذا جاء البرهان؛ ليهذّب البشرية ويدلها على ما فيه الأمن والسلامة والطمأنينة والخير والاستقرار، فمن أخذ بهذا الدين وطبقه ونفذ أحكامه؛ فليبشر بالتمكين والسعادة، ومن أعرض عن هذا الدين ونبذ أحكامه؛ فسوف يعيش معيشةً ضنكاً، في خوف وقلق وزعازع وانحطاط وانتكاس ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. عباد الله: يقول : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل:١٢ - ١٤]. أقول قولي هذا، وأسأل الله بمنِّه وكرمه وإحسانه أن يجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 710

دعوة للوقوف أمام المفسدين في الأرض الحمد لله الذي شرع الأحكام، فبيّن الحلال والحرام، وأمر بالصالحات ونهى عن الآثام أحمده سبحانه على ما شرع وسنّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمدٌ عبده ورسوله, أعرف الخلق بالله وأتقاهم له، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: أمة الإسلام! يا من رضي بالله رباً, وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً: كيف يحارب الله بالمعاصي؟ كيف يتجرأ على حدود الله ولا يخاف ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل:١٧ - ١٨]؟ وكيف يخالف القرآن ويتبع الشيطان وكان الشيطان للإنسان خذولاً؟ لقد استفز الخبيث بعض الناس بصوته وأجلب عليهم بخليه ورجله، وزين لهم الإثم والعدوان وحب الفساد وأهله دعاهم إلى الزنا واللواط، ودعاهم إلى شرب الخمور، ودعاهم إلى التعامل بالربا وأكله، وحسّن لهم القيل والقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال في غير محله، فلما أغواهم وأوقعهم في تلك المآزق تبرأ منهم، وقال كما أخبر الله في محكم البيان: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧] وهكذا يوقع الإنسان بسياسته الشريرة، فإنه يعدهم ويمنيهم، ثم يكون بعد ذلك معه في نار جهنم وبئس المصير. أمة الإسلام: علينا جميعاً أن نأخذ حذرنا من هذا العدو اللدود المتقدم في العداوة، ونحذر من المزالق التي تهوي بنا في الهواية، علينا جميعاً -كمجتمع إسلامي قوامه الدين والأخلاق ولله الحمد- أن نجتهد بقدر ما نستطيع على التمسك بسياج ديننا الحنيف والتخلق بالأخلاق الفاضلة، وأن يسعى كل منا -من الولاة فما دونهم- لمنع الفساد والمفسدين, ويقطعون دابر الذين يدخلون إلى هذه البلاد الآمنة ويجرون معهم جراثيم الغرب، ويجرون معهم سيئات الغرب وانحطاطهم، ويبثونها في أماكن يسمونها أماكن التطور والترفه، وهي في الحقيقة أماكن الفساد والانحطاط، ومع الأسف أن المسلمين لا يعالجون الجرح إلا إذا استفحَل وفَشَى بين المجتمع، ثم يكون صعباً تلافيه صعباً إلا بعد العناء والجهد الشديد. إن علينا جميعاً أن نتخذ الحيطة، ونتتبع مواقع المفسدين لتطهيرها، وعلى كل واحد منا أن يراقب حال أولاده وأهله الذكور والإناث، فيمنع النساء من الخروج وهن متبرجات متطيبات فاتنات مفتونات، وعليه كذلك أن يتفقد الأولاد أين ذهبوا؟ وأين غابوا؟ ومن أصحابهم؟ ومن جلساؤهم؟ وكذلك يمنعهم من مخالطة السفهاء والمفسدين الأشرار، فإذا أصلح الرجل أهله، وأصلح أهل الحارة جيرانهم، وحرص الولاة على إصلاح بلدهم؛ حصل بذلك من الخير ما يكفل السعادة للمجتمع. أمة الإسلام: إن أصدق الحديث كلام رب العالمين، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة عليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذ في النار. وصلوا على رسول الله استجابةً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول نبي الرحمة ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إلى الإسلام، اللهم حبّب إلينا الإسلام، اللهم خُذ بأيدينا إلى تعاليمه، اللهم املأ قلوبنا من حبه إنك على كل شيء قدير. اللهم أعز الإسلام والمسلمين بمشارق الأرض ومغاربها، اللهم ولِّ عليهم من يقوم بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، اللهم دمّر أعداء الإسلام والمسلمين الذين يفسدون في الأرض ويصدون عن سبيلك، اللهم دمّرهم تدميراً، واجعل كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم يا سميع الدعاء اللهم أعم بصائرهم وقطّع أوصالهم، واكف المسلمين شرّهم في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم وفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه، وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 711

الإسراء والمعراج إن الله أنزل هذا القرآن الكريم على نبيه محمد ﷺ ، وأكمل الشريعة بسنة المصطفى المبينة للقرآن، فلا يحق لشخص أن يستدرك شيئاً على الله أو يعدل شيئاً. وما كثرت البدع في هذه الأمة، وكثر مروجوها، وخاصة في مثل هذه العصور المظلمة؛ إلا بالجهل. ومن البدع المحدثة بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج، وبدعة الاحتفال بالمولد النبوي.

стр. 712

معجزة الإسراء والمعراج الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, الحمد لله العلي الأعلى الذي أنعم علينا بنعم لا تحصى, ودفع عنا من النقم ما لا يعد ولا يستقصى, سبحانه من إله عظيم, أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, وعرج به بصحبة جبريل الأمين إلى السماوات العلى, وأراه من آياته العظمى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا, قال وقوله الحق: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نبي الهدى وخير الورى, والشفيع يوم القيامة في كل من وحّد الله واهتدى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرماء, وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء, وسلم تسليماً. أما بعد: أيها الناس عامة: والمؤمنون خاصة! اتقوا الله تعالى, واشكروه على ما أنعم به عليكم من النعم الكبرى, فإن نعم الله علينا سابغة, وفضله علينا عظيم, لقد منّ الله علينا وبعث فينا خير خلقه أجمعين محمداً ﷺ , ثم منّ علينا بنعمة كبرى وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس وفضل نبينا محمداً ﷺ بخارقة عجيبة في تاريخ الإسلام, ومعجزة خالدة حيرت عقول أعداء الإسلام, وقرَّت بها أعين المؤمنين وازدادوا بها إيماناً وتصديقاً لمحمد ﷺ . تلك المعجزة العظيمة إنها الإسراء والمعراج بأكرم الخلق على الله محمد ﷺ حيث عُرِج به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, إنها لعبرة الدهر يغص بها الملحدون كما غص بها من قبلهم الجاحدون من صناديد قريش وأشباههم, الذين تصدوا لدعوة رسول الله ﷺ , حيث حبسوه بالشعب ثلاث سنين أكل فيها ورق الشجر. , ثم ما حصل له من أهل الطائف لما رجموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه ﷺ . ولكن المولى جلَّ وعلا جعل له من كل هم فرجاً, ومن كل ضيقٍ مخرجاً, وأيده بالأنصار لما هاجر إليهم في بلادهم, أعانوه على تبليغ هذه الرسالة بمعاونة المهاجرين ﵃ أجمعين. أيها المسلمون: حادثة الإسراء والمعراج حادثة عظيمة, نَزل يشيد بها قرآن، والعلماء ﵏ اختلفوا في تحديد الإسراء والمعراج هل هو بشهر معين أم لا؟ ولكن اختلفوا بحسب النقول الواردة في ذلك, فمنهم من رجح وقوعه في شهر ربيع الأول, ومنهم من قرر حدوثه في ربيع الثاني, وآخرون ذهبوا أنه في رجب, وذهب آخرون منهم إلى غير ذلك, فاتضح -يا من تبحثون عن الدليل الصحيح- أنه ليس ثمة جزم على التحديد بشهر معين حتى ولو حصل التعين المعين, واتضح أنه وقع في تاريخ معين, فليس للمسلمين أن يشرعوا شرعاً لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ .

стр. 713

بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج أمة الإسلام: إننا إذا رجعنا للكتاب والسنة, وفعل الخلفاء الراشدين المهديين ﵃, نجد أنهم لم يحتفلوا بذكرى الإسراء والمعراج, ولم يحتفلوا بالمولد النبوي, ولم يحتفلوا بأعياد غير أعياد الإسلام, عرفنا وتحققنا أن البعض قد أحدث في الأزمنة المتأخرة ما لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ , وبفعلهم هذه المحدثات والبدع ابتعدوا عن الصواب نسأل الله أن يردهم إليه رداً جميلاً. أمة الإسلام: لما قَدِِم رسول الهدى ﷺ المدينة وللخزرج والأوس يومان يلعبون بهما, قال: ﴿ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية, فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر﴾ ففي ذلك دليل على النهي عن الاحتفال بغير أعياد الإسلام عيد الأضحى وعيد الفطر. ووقفت القرون المفضلة عند هذا الحد, فلم تكن تعمد إلى إحياء ذكرى الحوادث الإسلامية على كثرتها, ولم تتخذ من الأيام المفضلة أعياداً تحتفل بها, والخير كل الخير فيما ذهب إليه السلف الصالح رحمة الله عليهم, والصواب كل الصواب فيما وقفوا عند حده ﵃ أجمعين. عباد الله: عليكم بالاقتداء بـ السلف الصالح , يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[من كان مستناً فليستنّ بمن مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة]] نعم. الرجال أولئك! أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة وأبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً ﵃ وأرضاهم, اختارهم الله لصحبة نبيهم ﷺ , ولإقامة دينه, فاعرفوا فضل الصحابة, واتبعوهم على أثرهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم, فإنهم كانوا على الهدى المستقيم, أولئك الذين يبادرون بتصديق رسول الله ﷺ , ويعملون بما جاء به من عند ربه ويؤمنون به.

стр. 714

قصة الإسراء والمعراج لما كان رسول الله ﷺ بـ مكة قبل الهجرة أوتي بدابة بيضاء دون البغل وفوق الحمار يقال لها: البراق, يضع خَطْوه عند منتهى طرفه, فركبه ﷺ وبصحبته جبريل الأمين ﵇, حتى وصل بيت المقدس فنزل هناك وصلّى بالأنبياء إماماً لكل الأنبياء والمرسلين وهم يصلون خلفه, ويتبين بذلك فضل رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ , ويتبين شرفه وأنه الإمام المتبوع.

стр. 715

عروج النبي إلى السماوات ومن لقي من الأنبياء ثم عَرج به جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل, قال: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, ففتح له ﷺ , فوجد فيها آدم ﵇, فقال جبريل: هذا أبوك آدم فسلّم عليه؟ فسلّم عليه فرد ﵇ وقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح, وإذا على يمين آدم ﵇ أرواح السعداء, وعلى يساره أرواح الأشقياء من ذريته, فإذا نظر إلى اليمين سر وضحك, وإذا نظر قِبل شماله بكى. ثم عَرج به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ , قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, ففتح له فوجد فيها يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وهما أبناء خالة، كل واحد منهما ابن خالة الآخر, فقال جبريل: هذان يحيى وعيسى فسلِّم عليهما, فسلَّم عليهما فردا السلام, وقالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم عرج به جبريل إلى السماء الثالثة فاستفتح, فقيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ , قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, فوجد فيها يوسف ﵇ فقال جبريل: هذا يوسف فسلِّم عليه, فسلَّم عليه فردَّ السلام, وقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم عَرج به جبريل إلى السماء الرابعة فاستفتح, فقيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ , قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, ففتح له فوجد فيها إدريس ﵊, فقال جبريل: هذا إدريس فسلِّم عليه, فسلَّم عليه, فردَّ السلام وقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم عَرج به جبريل إلى السماء الخامسة فاستفتح, فقيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ , قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, ففتح له فوجد فيها هارون بن عمران أخا موسى ﵇, فقال جبريل: هذا هارون فسلِّم عليه, فسلَّم عليه, فرد السلام وقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم عَرج به جبريل إلى السماء السادسة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ , قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, ففتح له فوجد فيها موسى ﵊, فقال جبريل: هذا موسى فسلِّم عليه, فسلَّم عليه, فردّ ﵇ وقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ولما تجاوزه بكى موسى ﵇, فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي, فكان بكاء موسى حزناً على ما فات أمته من الفضائل, لا حسداً لأمة محمد ﷺ . ثم عَرج به جبريل إلى السماء السابعة فاستفتح, فقيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ , قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, ففتح له فوجد فيها إبراهيم ﵊ خليل الرحمن, فقال جبريل: هذا أبوك إبراهيم فسلِّم عليه -إبراهيم الذي قال لمحمد ﷺ : أقرئ أمتك مني السلام, وأخبرهم أن الجنة قيعان, وأنها طيبة التربة, عذبة الماء, وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر, وقال رسول الله ﷺ : ﴿لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾ - فسلَّم رسول الله ﷺ على إبراهيم, فرد ﵇ وقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح, وكان إبراهيم ﵇ مسنداً ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون ويصلون, ثم يخرجون ولا يعودون إليه, ويأتي غيرهم من الملائكة الذين لا يحصيهم إلا الله.

стр. 716

فرض الصلاة على نبينا ﷺ ثم رفع النبي ﷺ إلى سِدْرة المنتهى فغشيها من أمر الله من البهاء والحسن ما غشيها, حتى لا يستطيع أحد أن يصفها من حسنها. ثم فرض الله عليه الصلاة خمسين صلاة كل يوم وليلة, فرضي بذلك ﷺ ثم نزل؛ فلما مر بموسى ﵇, قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسين صلاة في كل يوم وليلة, فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك, وقد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة, فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك, قال النبي ﷺ : فرجعت فوضع عني عشراً, وما زال يراجع ربه حتى استقرت الفريضة على خمس, فنادى مناد: أن أمضيت فريضتي وخففت على عبادي, أي: خمسين في الميزان وخمس في العمل. هذه -يا عبد الله- الصلاة فرضها رب العزة والجلال على نبينا محمد ﷺ من فوق سبع سماوات فرضها بدون واسطة, الصلاة الخمس التي يوصي بها رسول الله ﷺ وهو يلفظ آخر رمق من الحياة وهو يقول: ﴿الصلاة الصلاة الصلاة﴾ الصلاة التي ضيّعها الكثير من الناس, عمود الإسلام الذي هدمه كثير من الناس, ومع الأسف الشديد هم يدّعون الإسلام, فالصلاة عمود الإسلام, وهي الفريضة التي فرضها الله على رسول الله من فوق سبع سماوات بدون واسطة, والتي أوصى بها رسول الله ﷺ في آخر حياته, فحافظوا عليها, اتقوا الله في صلاتكم, حافظوا على هذه الصلاة, فإن من حافظ عليها فإنها تكون له نجاةً وبرهاناً يوم القيامة, ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نجاة ولا برهاناً, وحشر يوم القيامة مع قارون وهامان وأبي بن خلف وفرعون. في تلك الرحلة المباركة التي وصل إليها رسول الله ﷺ , فوق السماء السابعة أدخل نبي الهدى ﷺ الجنة, فإذا فيها قباب اللؤلؤ, وإذا ترابها المسك.

стр. 717

إخبار النبي لقريش وإنكارهم له ثم نَزَل رسول الله ﷺ حتى أتى مكة بغلس, وصلّى فيها الصبح فلما أصبح أخبر قريشاً بما رأى, فكان في ذلك امتحاناً لهم وزيادة في الطغيان والتكذيب, وقالوا: كيف تزعم يا محمد أنك أتيت بيت المقدس ورجعت في ليلة ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً في الذهاب وشهراً في الرجوع؟! فهات وصف لنا بيت المقدس؟ فجعل النبي ﷺ يصفه لهم حيث جلّاه الله له, فجعل ينظر إليه وينعته لهم, فبهتوا! وقالوا: أما الوصف فقد أصاب. وجاء الناس إلى أبي بكر ﵁, فقالوا: إن صاحبك يقول كذا وكذا , فقال: إن كان قاله فقد صدق, ثم جاءه وحوله المشركون يحدثهم ﷺ فكل ما قاله ﷺ شيئاً, قال أبو بكر: صدقت, فَسُمي الصديق من أجل ذلك ﵁ وأرضاه. فاعتبروا -أيها المؤمنون- بهذه الآيات العظيمة, واشكروا الله على هذه النعم الجسيمة, واسألوه أن يثبتكم على الإيمان إلى الممات, قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١ - ١٨]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, أقول قولي هذا وأسأل الله بمنِّه وكرمه أن يرزقنا إيماناً دائماً كاملاً يباشر قلوبنا, ويقيناً صادقاً, وأسأل الله بأسمائه الحسنى, أن يجيرنا من مضلات الفتن إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم على نبينا محمد، واستغفروا ربكم إنه هو الغفور الرحيم

стр. 718

البدع والخرافات في الموالد الحمد لله على إحسانه, وأشكره على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى وتبصروا في دينكم, واحذروا البدع المحدثة, التي تبعدكم عن الله, وتصدكم عن الصراط المستقيم. عباد الله: لقد بلغ بالذين يحضرون الموالد وليلة الإسراء والمعراج من الإفك والافتراء: أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد معهم, ولهذا يقومون له محيين ومرحبين, وهذا من أعظم الباطل, وأقبح الجهل, فإن رسول الله ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة, ولا يتصل بأحد من الناس, ولا يحضر اجتماعاتهم؛ بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة, وروحه في أعلى عليين, عند ربه في دار الكرامة. عباد الله: ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة أو فسوف يراني في اليقظة فإنه لا يتمثل بي الشيطان﴾ الشيطان لا يتمثل برسول الله ﷺ في المنام, وإنما يتمثل للمشعوذين المفسدين دعاة السوء والضلال, الذين يخرفون على الناس ويقولون لهم: سوف تحضر الحضرة النبوية, ثم يقوم أولئك الجهال إذا دخل عليهم الشيطان ويقولون: هذا محمد ﷺ . ومع الأسف الشديد أين العقول؟! أين القلوب؟! محمد ﷺ ميت, وهو مقيم في قبره إلى يوم القيامة, وروحه في عليين, عند ربه في دار الكرامة, كما قال ربنا جلَّ وعلا: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦] ليسمع الذين يخرّفون, ليسمع الذين يهرفون بما لا يعلمون, ليسمع المشعوذون, ماذا يقول رسول الله ﷺ ، يقول ﷺ : ﴿أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة﴾ إذاً: لا ينشق عنه القبر إلا يوم القيامة, أجل فإن دعاة الشر والتخريب والشعوذة كاذبون في ادعائهم أن رسول الله يحضر معهم في موائدهم وفي ليلة الإسراء, كاذبون ثم كاذبون ثم كاذبون, رسول الله ﷺ في قبره لا يبعث إلا في يوم القيامة, وهو أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة. ثم يقول ﷺ : ﴿وأنا أول شافع وأول مشفع﴾ عليه من ربي أفضل الصلاة والسلام, فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف, وما جاء فيما معناهما من الآيات والأحاديث تدل كلها على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات, إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة, وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين المحققين المنصفين, وليس الجهال الذين ألَّفوا القصائد الشركية, الذين ألهوا فيها رسول الله وجعلوه فوق منزلته من العبودية, فحسبهم من الله ما عليهم من العذاب, إنهم فتنوا الكثير من الجهال بقصائدهم التي خرفوا بها وجعلوا رسول الله فوق منزلته. يا عباد الله: إنهم يتوسلون برسول الله, إنهم يسألونه الشفاء, إنهم يسألونه قضاء الحوائج وهو ميت ﷺ , عبد لا يُعبد, ورسول يصدق, ويتبع فيما شرع وفيما بلغ عن ربه جلَّ وعلا, أما عبادته والتوسل به والاستغاثة به فهي شرك أكبر وصاحبها إذا مات على هذا بغير توبة فهو مخلد في النار. لا تغتروا -يا أهل هذه البلاد- بالذين يأتون من بعيد وقد تكبدوا المشاق, تكبدوا المسافات الطويلة ثم إذا أتوا إلى قبر محمد ﷺ جعلوا يندبون يسألونه قضاء الحوائج, يسألونه شفاء المرضى, يسألونه العطاء, وهو لا يقدر على هذا ﷺ .

стр. 719

شفاعة النبي ﷺ تنال بالاتباع لشرعه بل من أراد أن يحوز على شفاعته ﷺ يوم القيامة فعليه أن يتبع شرعه القويم ويتمسك به واسمع ما قال ﷺ , يقول: ﴿أنا سيد الناس يوم القيامة, هل تدرون مما ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم, ويأتون آدم ﵇ فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر, خلقك الله بيده, ونفخ فيك من روحه, وأمر الملائكة فسجدوا لك, وأسكنك الجنة, ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله, ولم يغضب بعده مثله, وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً ﵇ ويقول مثل ما قال آدم: نفسي نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم ويقول مثل ما قال نوح يعتذر ويقول: نفسي نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى موسى ﵇. فيأتون موسى ويعتذر ويقول: نفسي نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقول مثل ما قال من قبله: اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى محمد ﷺ ﴾ وهذا يوم القيامة اذهبوا إلى محمد في عرصات القيامة ليس في الدنيا، يأتي من مكان بعيد ويطوف بقبر محمد, ويتوسل بقبر محمد, ويسأله قضاء الحوائج, ويسأله رد الغائب, ويسأله شفاء المريض, ورسول الله ﷺ ميت لا يقدر على شيء, نعم محمد ميت ﷺ , وروحه في عليين في دار الكرامة. يوم القيامة إن كنت تريد الشفاعة فانهج نهج محمد ﷺ , يا عبد الله! أطع الله وأطع الرسول, اسمع رسول الهدى, اسمع صاحب اللواء المحمود, والحوض المورود, والشفاعة الكبرى ماذا يقول؟ يقول: ﴿فيقول عيسى: نفسي نفسي نفسي , اذهبوا إلى محمد ﷺ , فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله, وخاتم الأنبياء, وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي, ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحدٍ قبلي, ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سل تعطه, واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب , فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب, ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر , أو كما بين مكة وبصرى﴾ متفق عليه. فيا عباد الله: اغتنموا الأوقات بصالح الأعمال, ثم اعلموا أن أناساً يُردون عن حوض محمد ﷺ , من قبل الملائكة فيقول: أمتي أمتي فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك, فاحذروا من البدع يا عباد الله احذروا من مضلات الفتن، فإحياء ليلة الإسراء والمعراج وإحياء المولد النبوي بدعة, لم ترد عن رسول الله ﷺ , ولم يحث عليها, ولم يفعلها الخلفاء الراشدون. ثم الطامة الكبرى التوسل بالقبور, وعبادة الأضرحة فإنها شرك أكبر, وصاحبها إذا مات على ذلك الشرك فإنه مخلد في النار, بلغوا هذا البلاغ إلى من يعتقد أن التوسل بالصالحين وعبادتهم من دون الله ودعائهم من دون الله, وقولهم: المدد المدد! وقول: الغوث الغوث! وقول: الشفاء الشفاء! من أولئك أهل القبور والأضرحة بلغوهم أنه شرك أكبر, وصاحبه إذا مات على ذلك فإنه مخلد في النار, فبينوا لهم ذلك -يا عباد الله- لعل الله أن يهديهم على أيديكم, ولعل الله أن ينقذهم في باقي حياتهم, ويستعدوا لما أمامهم من أهوال القيامة ومن الحشر والنشر. وفقنا الله وإياكم جميعاً لتحقيق التوحيد, اللهم اجعلنا من الذين يحققون التوحيد, فإن الشيخ محمد عبد الوهاب عقد باباً وقال: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عقاب, فعليك -يا عبد الله- بتحقيق التوحيد, عليك بتجريد التوحيد, من شوائب الشرك والبدع ومضلات الفتن. اللهم صلِّ على نبينا محمد الذي بلغ البلاغ المبين, اللهم صلِّ على نبينا محمد الذي نصح الأمة, اللهم صلِّ على نبينا محمد الذي ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, حيث أمرنا الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] فأكثروا من الصلاة على رسول الله ﷺ . سأل أبو هريرة ﵁ النبي ﷺ قال: ﴿من أحق الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه﴾ من قالها خالصة حلت له شفاعة محمد ﷺ , وأيضاً قال لنا: ﴿إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول, ثم سلوا لي الوسيلة, فإنه من سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة﴾ إذا انتهى المؤذن من قول: لا إله إلا الله تقول: "اللهم رب هذه الدعوة التامة, والصلاة القائمة آت نبينا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته", فإنك إذا دعيت لرسول الله بهذه الدعوة حلَّت لك شفاعته يوم القيامة. اللهم شفع فينا رسولك محمداً ﷺ , يوم لا ينفع مال ولا بنون, إلا من أتى الله بقلب سليم, اللهم احشرنا في زمرة محمد ﷺ , اللهم اسقنا من حوض نبينا محمد ﷺ شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين. أكثروا من الصلاة على رسول الله فقد حثنا على ذلك وقال: ﴿أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة عليّ﴾ أكثروا عليه من الصلاة؛ فإنه من صلّى عليه صلاة صلّى الله عليه بها عشراً. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم رد المسلمين إلى دينهم الصحيح, اللهم وفق علماء المسلمين وأيقظهم من رقدتهم حتى يبينوا للناس أن الأضرحة وما فيها لا تنفع أحداً, بل تضرهم إذا داوموا على التوسل بها, وعبادتها, وسؤالها قضاء الحاجات فإنها تضرهم؛ لأن من مات على ذلك فإنه مشرك والمشرك مخلد في النار. بينوا ذلك يا علماء الإسلام والمسلمين! جددوا العقيدة في قلوب المسلمين, نشئوا الناشئة. أيها المدرس: إنك داعية إلى الله في خلقك, وفي آدابك, وفي سلوكك, إما أن تكون داعية إلى الخير, وإما أن تكون داعية إلى الشر, فاحذر أن تكون من دعاة الشر, احذر أن تكون من دعاة السوء, وكن داعية إلى الله، أخبر الطلاب بما يجب عليهم من تحقيق توحيد الله, وحذّرهم من البدع التي تسمع في المجلات وفي غيرها من مجالات الإعلام والإذاعات المجاورة لنا, إننا نسمعهم وهم يحتفلون بعيد ليلة الإسراء والمعراج, ويحتفلون بالموالد, أخبر الطلاب أيها المعلم! إنها أمانة في عنقك, أخبرهم أنها بدعة, ولم يحث عليها رسول الله ولا الخلفاء الراشدون ولا يعملها أحد من علماء الأمة المنصفين. أيها الأئمة! -أئمة المساجد- عليكم مسئولية عظيمة, بينوا للمسلمين العقيدة, التي كاد البعض من الناس أن يزيغ عنها, ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين, اللهم أصلحهم وارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا, اللهم أصلح فساد قلوبنا, اللهم اشف مرض قلوبنا, اللهم ردنا إليك رداً جميلاً, يا رب العالمين, اللهم يا مغيث اللهفات ومفرج الكربات, محيل الشدائد والبليات, فرج للمسلمين ما هم فيه من البدع والمضلات التي أحدثت يا رب العالمين, اللهم طهّر بلاد المسلمين عامة من هذه البدع, ومن هذه المحدثات يا رب العالمين. اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه, وجنبنا ما تبغضه وتأباه, اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط ومضلات الفتن جميعها ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين, اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين, وهب المسيئين منا للمحسنين, واجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات في جنات الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم اجمعنا جميعاً في جنات الفردوس الأعلى, واجمعنا بنبينا محمد ﷺ في جنات النعيم يا رب العالمين, ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم, إنك على كل شيء قدير. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, وصلوا على رسول الله

стр. 720

الامتحان الأكبر طلب العلم طريق إلى الجنة، إذا أخلص طلابه نيتهم لله سبحانه، وعملوا بما علِموا، وعلَّموا الناس. وإذا علمنا ذلك فجدير بنا أن نعرف بأن الله سبحانه قد وضع امتحانات كبرى لنا، واشترط النجاح فيها حتى نصل إلى رضوانه، أولها في القبر، وثانيها على ساحة العدل بين يديه سبحانه، وقبل ذلك عند الموت، ولا ينال جنة ربنا إلا موحد لله، عامل بعمل أهل الجنة، مفارق لعمل أهل المعاصي.

стр. 721

فضل العلم والعلماء الحمد لله الذي لم يزل بصفات الكمال متصفاً، وبآثار ربوبيته وآلائه إلى عباده متعرفاً، أحاط علماً بجميع الكائنات ما ظهر منها وما اختفى، واطلع على الظواهر والأسرار، الملك الذي تفرد بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والوصل والقطع، وبتوفيقه وفضله فاز الأبرار. لا إله إلا الله اختار من خلقه خلاصةً, وجعل حظهم لديه حظاً موفوراً، ونصب أقدامهم لخدمته، وجعل وقتهم في الطاعة معموراً. فيا عباد الله! السعيد -والله- من استقام قلبه على الحق واستنار، فسبحان من أيقظ أهل الهمم لطلب الدرجات العاليات، لا إله إلا الله رباً جلَّ أن تحيط به الأفكار، لا إله إلا الله تفرد بالإيجاد والاختيار، لا إله إلا الله تنزه عن مشابهة الأغيار، لا إله إلا الله توحَّد بالبقاء على مَرِّ الزمان، لا إله إلا الله الملك القهَّار، لا إله إلا الله العظيم الجبَّار، لا إله إلا الله العزيز الحكيم، لا إله إلا الله الغفار لمن تاب وأناب، لا إله إلا الله أرحم الراحمين, الذي يرحم من قصد جنابه والتجأ إليه، لا إله إلا الله يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويكشف الهموم والغموم، ويجيب دعوة المضطر إذا دعاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبي شرح الله صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذُّل والصغار على من خالف أمره، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس! اتقوا الله حق تقاته، أطيعوه فلا تعصوه، واشكروه ولا تكفروه، واذكروه ولا تنسوه. عباد الله! يقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] قال ابن مسعود ﵁: [[مَدَح الله العلماء في هذه الآية، ثم قال: يا أيها الناس! افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم، فإن الله يقول: يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليس بعالم درجات]] وفي الحديث الذي يُرْوَى عن رسول الله ﷺ : ﴿فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب﴾ ويقول ﷺ : ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سَهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ ويقول ﷺ : ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه﴾ نعم يا أمة الإسلام! فالعلم له فضلٌ عظيم، لمن صلحت نيته، وأخلص عمله لله، وتبع بذلك هدي رسول الله ﷺ ، فما أجمل العلم الذي يتحلَّى به صاحبه! هنيئاً لطالب العلم الذي يحثه علمه على تقوى الله، وإلى المسارعة إلى الخيرات، وإلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وصدق الله حيث يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].

стр. 722

الإخلاص في طلب العلم أما من طلب العلم للدنيا والرياسة والجاه, فليسمع إلى هذا الوعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة﴾ ومعنى عرف الجنة، أي: ريحها، ويروى -أيضاً- عن ابن عمر ﵄: ﴿من تعلم علماً لغير الله، أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار﴾ وحديث الثلاثة الذين تُسعَّر بهم النار يوم القيامة، ومنهم: ﴿رجلٌ تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأوتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فماذا عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعملت به، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار﴾. فيا من تطلبون العلم! أخلصوا لله رب العالمين.

стр. 723

الاستعداد للامتحانات الكبرى عباد الله! وأنتم تتأهبون وتستعدون للامتحانات في الدنيا، تذكروا الامتحانات التي سوف تمر بنا عند الموت وفي القبر وعلى أرض القيامة، فعند الموت تحصل فتنة الممات، ولا يدري على أي شيء تخرج الروح! هل على اليهودية؟ أو على النصرانية؟ أو تخرج الروح على ملة الإسلام؟! وهو يردد لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله -نسأل الله الثبات. ثم لنتذكر الامتحان في القبر والسؤال من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فهنيئاً لمن نجح في ذلك الامتحان! عندما يجيب، ويقول: ﴿ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمدٌ ﷺ ، هنيئاً له النتيجة عندما يقال: صدق عبدي! فأفرشوه من الجنة, وألبسوه من الجنة, وافتحوا له باباً إلى الجنة﴾ ولكن الويل كل الويل إن لم يجب على الأسئلة وتلجلج، ولم يحصل على الجواب عندما يقول: ﴿هاه هاه! لا أدري! فيقال: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمرزبَّة من حديد﴾. أيها الأخوة في الله! إنها عقبات وأمور سوف تمر بنا؛ فعلينا أن نستعد لتلك الأمور، وكذلك الاستعداد الامتحان الأكبر الذي يحصل على ساحة العدل، وبين يدي جبار الأرض والسماوات: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * الْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٧] متى؟! ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ [الحاقة:١٨] حفاة عراة غرلاً ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضون لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٨ - ٢٠]. ما جزاؤه؟ ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤] هذا الذي نجح في الامتحان، هنيئاً له يا عباد الله! أما الآخر: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩] النهاية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] يا له من رسوب ما بعده نجاح! يا له من دور انتهى ما بعده دور!

стр. 724

نعيم أهل الجنة عباد الله! اذكروا الجنة، وقد أخذتم الشهادة باليمين، اذكروا الجنة وما أعدَّ الله فيها من النعيم المقيم، ثم سارعوا إليها، تيقظوا!! اتركوا الكسل يا عباد الله، شمروا إلى جنة عرضها السماوات والأرض بالأعمال الصالحة وبالإيمان، اسمعوا إلى المولى جلَّ وعلا وهو يحثكم إليها يا عباد الله!! ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] لمن هي يا رب العالمين؟ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]. نعم يا عباد الله! أنتم -الآن- في هذه الدار مخلوقون للابتلاء والامتحان، وليس امتحان الرياضيات ولا اللغة العربية ولا الإنجليزي ولا غيرها من المواد الدراسية، أنتم مخلوقون لأمر عظيم، للابتلاء والامتحان على الأعمال التي سوف تجزون عليها. يا عباد الله! أنتم في دار عمل ولا حساب, وغداً تنتقلون إلى دار الحساب والجزاء على الأعمال. عباد الله! أنتم في ميدان فسيح, فسابقوا فيه بما يرضي الله من الأعمال الصالحة، اسمعوا رب العزة والجلال وهو يحثكم: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] سابقوا إلى جنة أعد الله فيها لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. البدار البدار يا عباد الله! إلى جنة لا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبانها، ولا تبلى ثيابهم، لا يمتخطون ولا يبولون ولا يتفلون ولا يتغوطون، سالمة من الآفات والأكدار والتنغيصات والأمراض والأسقام، سالمة من الهموم والغموم، لا فيها دينٌ ولا مدين, فيها القصور والمنازل الرفيعة، فيها الحور العين ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].

стр. 725

عذاب أهل النار ثم الذين كفروا في نار جهنم! فيها النكال والعذاب الأليم، فيها السَّموم والزقوم والغِسْلين والزمهرير، قال الله عنها: ﴿نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] فيا ويل أهل النار إذا أطبق عليهم في نار جهنم! يا ويلهم وهم ينادون ويستغيثون بالويل والثبور، ولهم فيهاضجيج. أمانيهم فيها الهلاك، وهم -والله- مالهم من أسرها فِكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي بالسلاسل والأغلال، فهم في أوديتها بين الحيَّات والعقارب يُسحبون، ينادون من فجاجها وشعابها بالصراخ من ترادف العذاب: يا مالك! قد أثقلَنا الحديد. يا مالك! قد نضجت منا الجلود. يا مالك! قد تفللت منا الكمود. يا مالك! العدم خير من هذا الوجود. يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود. فيجيبهم بعد زمان طويل: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. اللهم اجعلنا من أهل الجنة، ولا تجعلنا من أهل النار. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وبادروا بالتوبة النصوح إلى الله فإن الله غفور رحيم.

стр. 726

صفات أهل الجنة الحمد لله على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله وأطيعوه. عباد الله! هلمُّوا إلى دارٍ لا يموت سكانها، ولا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبانها، ولا يتغير حسنها وإحسانها، هواؤها النسيم، وماؤها التسنيم، يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين، ويتمتعون بالنظر إلى وجه الكريم كل حين: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]. فأهل الجنة يتنعمون بما أعده الله لهم فيها من النعيم، وقرة العين واللذة والفرح والسرور. الجنة -يا عباد الله- وأَنْعِم بها من دار، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بعث الله رسوله محمداً ﷺ يدعو الناس إليها بالإيمان والإسلام والإحسان, فمن أجاب محمداً ﷺ دخل الجنة، وأكل مما فيها من النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يحول، ومن عصى رسول الله فمأواه جهنم وبئس المصير. أيها الإخوة في الله! لنسمع بعض الصفات لأولئك الذين يدخلهم الله الجنة قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٩].

стр. 727

المحرومون من الجنة أخبروا الذين لا يعرفون المساجد إن كانوا يحبون جنة الفردوس ولم يعملوا بأعمال هؤلاء، فأخبروهم أن الجنة عليهم حرام ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] طوال السنة!! لا يصلون في رمضان ويتركون باقي العام، لا يصلون يوم الجمعة ويتركون باقي الأسبوع! ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] ما جزاؤهم؟ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١]. عباد الله! هذه صفاتهم، ولهم صفات أخرى، اسمع يا متكئاً على الجدار! يا نائماً! يا من سهره طول الليل! ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات:١٥ - ١٦] ما هي أفعالهم؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذريات:١٦ - ١٩].

стр. 728

البدار البدار بالأعمال الصالحة عباد الله! بادروا بالأعمال الصالحة, فسوف تجدون غبَّها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] قدموا لأنفسكم خيراً، اعملوا بطاعة الله، ولازموا طاعة الله ولا تغتروا بطول الآجال، لا تغتروا بالمراكز وبالجاه وبالأموال؛ فإنكم منتقلون عن هذه الدار إلى دار فيها جزاء وحساب ونقاش، فاستعدوا لذلك -يا عباد الله- وتوبوا توبة نصوحاً. اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً تطهر بها قلوبنا، وتمحص بها ذنوبنا، اللهم أصلح أحوالنا، وأصلح أعمالنا وأقوالنا, واجعلها خالصة لوجهك الكريم, واجعلها وفق هدي نبيك محمد ﷺ ، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة. عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاة صلّى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم نجحنا في الامتحان الأكبر يوم العرض عليك يا جبار. اللهم اجعلنا ممن يأخذ كتابه باليمين، ولا تجعلنا ممن يأخذ كتابه بالشمال, ولا من وراء ظهره يا رب العالمين. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, غير ضالين ولا مضلين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم انصر من نصر الإسلام وأهله، واخذل من خذل الإسلام وأهله، يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم انصرهم نصراً مبيناً، اللهم قَوِّ شوكتهم يا رب العالمين، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين. اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اغفر لنا ولوالدِينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 729

الأمر بالمعروف لم تترك أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أذلها الله ومقتها، وما جعلته أمة شعاراً لها إلا رفعها الله وأصلحها، ولقد تحدث الشيخ عن هذا الجانب، وعرض أدلة هذا الموضوع من الكتاب والسنة، وحذر من عاقبة تركه والتساهل فيه، وأن هذا الأمر واجب على كل مسلم ومسلمة، ولا يعذر منه أحد، ويقوم به الكل حسب قدرته بيده أو لسانه أو قلبه.

стр. 730

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله رب العالمين, أحمده سبحانه وأشكره, ولا أحصي ثناءً عليه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين, وقدوة للسالكين, رسم الصراط المستقيم, وترك أمته على المحجة البيضاء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: اتقوا الله عباد الله! واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة, لقول رسول الله ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان﴾. عباد الله! اعلموا أن في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعلان بترك الواجبات, واستخفاف بحقوق رب الأرض والسماوات, وبظهور المنكرات وعلو الفسقة, وإن رفعة أهل المعاصي وذل أهل الطاعة موجب للعنة رب الأرض والسماوات, ومقت جميع الخلق لكم حتى الحيوانات, وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لنزع البركات, وموجب لحلول أنواع الأمراض والأسقام والهلكات, وتتسلط الأعداء وتجور الولاة؛ فماذا يرتقي بمرتكب المحذورات المعرض عن الإنكار تهاوناً وعدم مبالاة؟ أما سمع رب العالمين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] بماذا وبأي شيء لعنوا؟ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. عباد الله! أما سمعتم بما فعل بالقرون الخاليات من أنواع التدمير والعقوبات, وما حل بهم من أليم العذاب والهلكات, التي نقلوا بها إلى نار الجحيم والحسرات, وحرموا بها بركة الأعمار والأرزاق؟ عباد الله! أما سمعتم بأنين عذاب الله لفاعل المحرمات, ولمن لم ينكر المحرمات؟ روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعقاب من عنده, قلت: يا رسول الله! أما فيهم يومئذٍ أناس صالحون؟ قال: بلى, قلت: كيف يصنع بهم؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس﴾ ويروى في الأثر: ﴿إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتاحبوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام لعنهم الله عند ذلك فأصمَّهم وأعمى أبصارهم﴾. أيها المسلمون! الله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ويقول رسول الهدى ﷺ : ﴿ولا ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاءهم﴾ وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂: ﴿إن رسول ﷺ صعد المنبر فقال: يا أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف, وانهوا عن المنكر, قبل أن تدعوني فلا أجيبكم, وتستنصروني فلا أنصركم, وتسألوني فلا أعطيكم﴾. ويقول أيضاً ﷺ : ﴿يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا﴾ صدق رسول الله فقد ظهر الهربز, والإيدز, والزهري, والسرطان, والسل, كل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي, ثم يقول ﷺ : ﴿ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان, ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا, ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سَلَّط الله عليهم عدوا ً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم, وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم﴾.

стр. 731

عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عباد الله! أمة الإسلام! لقد غلب على الكثير الهوى, وأمرضتهم الشهوات, حتى أصبح الكثير من الناس خالياً من الغيرة الإيمانية, فلا يرى المنكر منكراً ولا المعروف معروفاً, وقلَّ الحياء وصاروا لا يتأثرون إذا انتهكت حرمات الله , فليحذر أولئك أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم وما جاورهم من الأمم, فقد روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أوحى الله إلى جبريل ﵇: أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها, قال: يا رب! إن فيهم فلاناً لم يعصك طرفة عين, قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط﴾. يا من تترك الأولاد في البيت وتذهب إلى المسجد, لم يتمعر وجهك قط إلا إذا جاء وقت الدراسة، تمعَّر الوجه وانتفخت الأوداج, وارتفع الضغط عندما تيقظ الأولاد, أما الصلوات الخمس فتخرج وهم في البيت يلعبون ويمرحون, أما تخشى أن يقال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط؟! أيها المتهاون بأوامر الله! يا من تمر والناس في الطرقات ولم تحرك شفتيك بكلمة, لا تقول: الصلاة يا عباد الله! الصلاة هداكم الله, هل ينقصك شيئاً إذا قلت هذه الكلمات؟! والله ثم والله لا ينقصك شيئاً, بل هي حسنات في ميزان حسناتك عند رب العالمين, يا ليتنا نسمع هذا يا عباد الله, يا ليت كل من مرَّ على أناس جالسون في الطرقات أن يقول لهم: صلوا يا عباد الله, بدون ضرب وبدون رفع صوت, بل بلينٍ وشفقةٍ وعطف ورحمة, صلوا يا عباد الله, فإني أخاف عليكم من سقر وما أدراك ما سقر؟! طبقة من النار, لا تتهاونوا يا عباد الله بالصلاة, لا تؤخروا الصلاة عن وقتها, فإني أخاف عليكم من ويل وهو وادٍ في جهنم, فإني أخاف عليكم من غي وهو وادٍ في جهنم, هكذا يا عبد الله , ذكِّر إخوانك بالله, مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن يقال: ﴿اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط﴾. هذا أنس بن مالك ﵁ دخل على أم المؤمنين عائشة ﵂ هو ورجل آخر, فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة؟ فقالت: [[إذا استباحوا الزنا, وشربوا الخمور, وضربوا المعازف غار الله في سمائه, فقال للأرض: تزلزلي بهم, فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم]] ولقد شاهدها البعض في آلة التلفاز, أن أناس يغنون فخسف الله بهم وابتلعتهم الأرض, فصدق الله وصدق رسوله ﷺ . ولكن ماذا سوف يقول المعلق عن هذه الحادثة؟ لعله يقول: هذه براكين! أو لعله أن يقول المهندس: لم يتقن المسرح فانخسف بهؤلاء! لا أيها المعلق وتباً لك ولمعاندتك ومناصرتك لأعداء الله, بل خسف الله بهم الأرض, وغار الله جل وعلا, وإذا غار فغيرة الله لا تمانع ولا تُرد, يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة؟ فقالت: [[إذا استباحوا الزنا, وشربوا الخمور, وضربوا المعازف غار الله في سمائه, فقال للأرض: تزلزلي بهم, فإن تابوا ونزعوا, وإلا هدمها عليهم]]. يا عبد الله! لا تستبعد ذلك، لا تقل: إن ذلك في بلاد الكفار, فإن الذي في بلاد الكفار نذير وموعظة للذي في بلاد الإسلام والمسلمين, لعلهم أن ينتهوا ويقلعوا عما هم فيه.

стр. 732

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يا أمة الإسلام! الله الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! إن حماية الدين وعز هذا الدين لا تكون ولا يحصل إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أمة الإسلام! اعتصموا بحبل الله جميعاً، وتعاونوا على البر والتقوى, مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر, ائتمروا بأمر الله, وانتهوا عما نهى الله عنه ورسوله, وتناهوا عن ذلك بقصد النصيحة لله ولعبادة الله بقصد الدعوة والإرشاد. أيها المسلمون! لا تنسوا حديث رسول الله ﷺ الذي يقسم به: ﴿فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ لا تستبعد هداية إخوانك يا عبد الله, ألحَّ بالدعوة, أرشد وادع إلى الله , فنوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى التوحيد, وأنت -يا عبد الله- ابذل من وقتك يسيراً ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] واعلم أن الهداية بيد الله, إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. عباد الله! ادعوا إلى الله, ادعوا إلى سبيل الله بقصد النصيحة لله ولعباد الله, بقصد الدعوة والإرشاد. أيها المسلمون! إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على هذه الأمة الإسلامية التي هي أفضل الأمم وأكرمها على الله إن استقامت على دين الله , ومصداق ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٤ - ١٠٥]. أمة الإسلام! إنكم إن قمتم بهذا الذي أمركم الله به كنتم خير أمة أخرجت للناس, كما قال الله تعالى في محكم البيان, وإن تركتم ذلك لعنتم كما لعنت بنو إسرائيل, وكنتم من شرار الأمم, إنه لا نسب بين الله وبين عباده, ولكن من اتقاه فهو الكريم عنده وأكرم الناس عند الله أتقاهم لله. أيها المسلمون! إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على فئة معينة من الناس, بل هو واجب على الناس جميعاً, كما أخبر بذلك الناصح الأمين محمد ﷺ ، حيث قال: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان﴾. عبد الله! ليس لك حجة أن تقول: لا عليّ من فلان! أو لست مكلفاً بفلان! لا. هذا رسول الله ﷺ يكلفك بهذه المسئولية ويقول: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان﴾. البعض من الناس يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص بفئة من الناس, وهذا ظن فاسد، فالنبي ﷺ قال: ﴿من رأى منكم منكراً﴾ وهذا عام لكل من رأى المنكر فيجب أن يغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه بالكلام والنصح والإرشاد, أو الكلام مع ولاة الأمور إن لم ينفع الكلام مع المنصوح, وكل واحد منا يستطيع أن يتكلم مع المسئولين في منع المنكر, في لين وعطف ورحمة, ويجب على المسئولين إذا بلغهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم من الإصلاح, وأن يجتمعوا على ذلك لينالوا الفوز والفلاح. إن علينا جميعاً أن نترك الدعة والسكون, وأن نقوم لله مخلصين له الدين, ونبدأ أولاً بأنفسنا وأهلينا وأولادنا ومن تحت أيدينا, ومن جاورنا, وكذلك الزملاء والأصدقاء، ينبغي علينا جميعاً أن نكون دعاة خير ندعو إلى الله على بصيرة, وتكون الهمة هي إخراج الناس من الظلمات إلى النور, من ظلمات الجهل والمعاصي إلى نور الحق. عباد الله! الله الله بهذه المسئولية العظيمة -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- التي جاء بها الإسلام وحثكم عليها, وإذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر وانغمستم في الترف, وكفرتم بنعم الله, فاسمعوا قول الله : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] ويقول ربنا أيضاً: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤]. اللهم إنا نعوذ بك من عذابك ونقمتك, اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء, ودرك الشقاء، وسوء القضاء, وشماتة الأعداء, اللهم إنا نعوذ بك من زوال النعمة, ومن تحول العافية، ومن فجاءة النقمة, ونعوذ بك اللهم من جميع سخطك, اللهم أرشدنا وهيئ لنا الخير, واجمع كلمتنا على الحق, اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك, ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيها عن المنكر إنك على كل شيء قدير, وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 733

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحرص على وحدة الأمة الحمد لله أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ , ورتَّب على طاعته وعلى طاعة رسوله أجراً عظيماً, ونهى عن معصيته ومعصية رسوله, ورتَّب على من ارتكب ذلك أن يعاقبه بما يستحق من العقوبة في الدنيا وفي الآخرة, أحمده وأشكره الذي لم يتركنا هملاً, ولم يخلقنا عبثاً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق على الإطلاق في الدعوة والإرشاد والتوجيه, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الناصح الأمين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم وفي دعوتهم إلى يوم الدين, وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله , مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر, حافظوا على حدود الله، تمسكوا بالأخلاق القيمة, والآداب الجميلة, قوموا بأوامر الله, وانتهوا عما نهاكم عنه, واتحدوا ولا تفرقوا. واعلموا أن الأمة لا يمكن أن تكون أمة قوية مرموقة حتى تتحد في أهدافها وأعمالها، ولن يمكنها ذلك حتى تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فتكون على دين واحد في العقيدة والقول والعمل, وتنهج صراطاً مستقيماً, صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض, أما إذا لم يحب البعض البعض الآخر, ولم ينصح البعض البعض الآخر, فإن الأمة سوف تتفكك وتنفصم عراها, ويكون لكل واحد منهم هدف, ولكل واحد منهم طريق وعمل, عند ذلك يتفرقون أحزاباً وشيعاً يتيهون في متاهات الضلال, نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. أيها المسلمون! إذا لم تقم الأمة بأمر الله وتسعى في إصلاح المجتمع بالالتزام بدين الله , فمن الذي يقوم ويسعى في ذلك؟! وإذا لم نتكاتف على منع الشر والفساد فكلنا هالك. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً, فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون جليسه وأكيله, فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض, ولعنهم على ألسنة أنبيائهم ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨] ثم قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على يد الظالم, ولتأطرنَّه على الحق أطراً, أو ليضربنَّ الله قلوب بعضكم ببعض, ثم يلعنكم كما لعنهم﴾ نعوذ بالله من لعنة الله! عباد الله! الله الله استيقظوا من رقدتكم, واحذروا من أعداء الإسلام في كل مجال يرسلونه لكم, وكونوا على حذر منهم, فإن المؤمن ينظر بنور الله, فاحذروا من دسائس أعداء الإسلام, واعتبروا يا أولي الألباب بالمجاورين, وبما حلَّ بهم من العقوبات والنقمات, والأمراض والأوبئة التي لم يجدوا لها دواءً ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولعل بعضها تسرب إلينا من الذين ذهبوا إليهم واجتلبوا لنا تلك الأمراض الخطيرة, التي لا علاج لها إلا التوبة إلى الله , والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله, فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة, وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله! عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار, احذروا من التفرق, واعلموا أن الذئب يأكل من الغنم القاصية. وصلوا على الناصح الأمين رسول الهدى محمد ﷺ ، الذي بلّغ البلاغ المبين, وترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها, فقد أمركم الله جل وعلا أن تصلوا عليه فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] , ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى الدين. عباد الله! هناك ملحوظة يذكر لي بعض الناس: أنه استفتى بعض الجهال, فقال: إن عليّ صوم من رمضان السابق فهل أقضيه في شعبان؟ فقال له: لا يجوز لك أن تقضيه في شعبان, وهذه فتوىً جاهلية! سوف يسأل عنها هذا الجاهل؛ لأنه لم يعذر لأنه في بلاد الإسلام, وفي بلاد العلماء, فكيف له أن يتفوه بهذه الفتوى؟! حسبنا الله ونعم الوكيل, ولو كان عالماً لطالبناه بالدليل, ولكنه جاهل, وإذا خاطبكم الجاهلون فقولوا: سلاماً. أما يا أخي إذا كان عليك قضاء من رمضان وأردت أن تصومه في شعبان فإنه يلزمك أن تبادر بقضاء هذا الدين الذي عليك, فإن عائشة ﵂ كانت تقضي صومها في شعبان, وهي أم المؤمنين ﵂ التي تربت في بيت رسول الله ﷺ , ولو كان لا يجوز القضاء في شعبان لنهاها رسول الله ﷺ وهو المشرِّع, فلا ينبغي لأحد أن يفتي بغير علم, قال بعض السلف الصالح: إن أجرأكم على النار أجرأكم على الفتوى, فليحذر الذين يفتون بغير علم, فليحذروا من الوقوف بين يدي الله , وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. أيها الإخوان! من كان عليه صوم من رمضان فيلقضه -فإنه دين عليه- في كل شهور السنة لا فرق بينها, سواء كان في محرم أو شعبان أو غيره من الشهور؛ لأن عائشة كان يكون عليها القضاء فتقضيه في شعبان. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ودمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين في كل مكان, اللهم خُذهم أخذ عزيز مقتدر, اللهم خُصّهم بذنبهم ولا تعمَّ معهم يا حي يا قيوم, اللهم إننا نشهدك أننا نبغض العصاة ونبغض أهل المنكرات, اللهم من كان في سابق علمك هدايته فاهده, ومن كان في سابق علمك أنه ضال مضل فخذه أخذ عزيز مقتدر, ولا تعمَّ بعقابه أحداً من عبادك يا رب العالمين. اللهم أيقظنا من رقدتنا, ووفقنا لاغتنام أوقات المهلة, واجعلنا هداة مهتدين, اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين, اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم قيّض لهم العلماء الناصحين والعلماء العاملين, الورعين الذين لا يخافون في الله لومة لائم, اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا, واجعلنا هداة مهتدين. اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أرنا وولاة أمورنا الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه, وأرنا وولاة أمورنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, إنك على كل شيء قدير. اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في جنات الفردوس الأعلى, واغفر لنا ذنوبنا, وتجاوز عن سيئاتنا, واستر عيوبنا, وتوفّنا وأنت راض عنا غير غضبان. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 734

التجارة الرابحة إن الله قد جعل للأمة مواسم وأوقاتاً يحصدون فيها الخيرات والبركات، وإن من هذه المواسم شهر رمضان الكريم الذي يضاعف الله فيه الأجور والحسنات، وقد تكلم الشيخ في هذه المادة عن فضل هذا الشهر وما ينبغي للمسلم أن يفعل فيه.

стр. 735

فضل شهر رمضان الحمد لله الذي جعل شهر رمضان غرة وجه العام، وأجزل فيه الفضائل والإنعام، وشرف أوقاته على سائر الأوقات، وفضل أيامه على سائر الأيام، وخصه على سائر الشهور بمزيد من الفضل والإكرام، عمر نهاره بالصيام، ونور ليله بالقيام، أحمده وأشكره على إحسانه العام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالكمال والتمام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صلى وصام وأتقى من تهجد وقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أمة الإسلام! بشراكم بشراكم! يطل عليكم بعد أيام قليلة شهر كريم، وموسم عظيم، خصه الله تعالى على سائر الشهور بالتشريف والتكريم، أنزل الله فيه القرآن العظيم والذكر الحكيم، فرض صيامه شكراً على هذا الإنعام والفضل العميم، وجعل صيامه أحد مباني الإسلام التي لا يقوم على غيرها ولا يستقيم، وسنَّ لكم أشرف الخلق محمد ﷺ قيامه. فهنيئاً لكم يا أمة الإسلام، فهو شهر الخيرات والبركات، شهر إجابة الدعوات، شهر إقالة العثرات، شهر مضاعفة الحسنات، شهر الإفاضات والنفحات، شهر إعتاق الرقاب الموبقات، شهرٌ لا يعدل به سواه من الأوقات، الحسنة فيه بألف حسنة فيما سواه، والفريضة فيه تعدل سبعين فريضة لمن تقبل منه مولاه. فيا ذا العقول السليمة! والهمم العالية، والمطالب الرفيعة السامية، اغتنموا أوقاته بالجد قبل فواتها، واعزموا على هجر البقالات. عباد الله: استقبلوا شهر رمضان بنية واحتساب فقد أخبرنا الناصح الأمين نبينا وقدوتنا محمد ﷺ أنه ﴿من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾. أمة الإسلام: أمة محمد! كان نبيكم ﷺ يبشر أصحابه يقول: ﴿قد جاءكم شهر رمضان شهرٌ مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم﴾. ذكر بعض العلماء في بعض الكتب: أن لله تعالى موضعاً حول العرش يسمى حظيرة القدس، وهو من نور، وفيه ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ، يعبدون الله لا يفترون ساعة، فإذا كانت ليالي رمضان استأذنوا ربهم أن ينزلوا إلى الأرض ويحضروا مع أمة محمد ﷺ صلاة التراويح، فكل من مسهم أو مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، لما سمع عمر ﵁ ذلك قال: [[نحن أحق بهذا الفضل والأجر]] فجمع الناس على صلاة التراويح ﵁ وأرضاه. ولا يظن البعض أن عمر هو الذي سَنَّ صلاة التراويح، بل سنها رسول الله ﷺ وصلى بأصحابه بعض الأيام، ولكنه خشي أن تفترض عليهم فتركها رحمة بهم صلوات الله وسلامه عليه. يا عباد الله: أقبل شهر رمضان الذي اختاره الله زمناً لنزول القرآن، وانطلاقة الإيمان، شهر رمضان الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل يوم بدر، وانتقلت فيه الأمة من أمة حيرانية متلطخة بأدران الوثنية إلى أمة مستنيرة مهتدية بنور الإيمان، تتلقى تعاليمها من السماء بواسطة الوحي إلى النبي محمد ﷺ ، فأصبحت لا تدين إلا لله الواحد القهار وحده لا شريك له. ومنذ أن وجد هذا الشهر ونزل فيه القرآن في ليلة القدر المباركة التي هي خيرٌ من ألف شهر، إلا وبركاته تتوالى على المسلمين، فلقد حصل فيه يوم الفرقان يوم غزوة بدر الكبرى التي نصر الله بها الإسلام والمسلمين، وأذل بها الشرك والمشركين، يوم بدر الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل. أيضاً: حدث في رمضان فتح مكة الذي دخل الناس بعده في دين الله أفواجاً، فكما كان موسماً وزمناً لتلكم الفضائل والعبادات والوقائع الإسلامية فهو لا يزال ولن يزال موسم إفضال وإنعام من الكريم المنان، موسم تحول من غفلة وصدود إلى انتباه وإقبال على الله، موسم تحول من رذيلة إلى فضيلة، ومن تمادٍ واضمحلال وانهماك في الماديات إلى تحليق في سماء الروحيات. وحري بهذه الأشياء أن توجد من نفس صاحبها نفساً روحية، تحلق به في الدنيا مع عالم السماء الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وفي الآخرة مع الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠]. فاتقوا الله أيها المسلمون، واشكروه على ما منَّ به عليكم، واسألوا الله أن يوفقكم لتدركوا شهر رمضان، فكم من نفس هذه الأيام القليلة سوف تخترمها المنية ولا تدرك شهر رمضان.

стр. 736

علامة صيام رمضان اعلموا -يا عباد الله- أنه يجب صيام شهر رمضان بأحد أمرين: إما برؤية هلاله، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين لقول رسول الله ﷺ : ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين﴾ متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية لـ مسلم: ﴿فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً﴾. وقال رسول الله ﷺ : ﴿لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم﴾ متفق عليه، أي: إلا إذا كان وافق عادة له بأن كان عادته صوم الإثنين والخميس فوافق ذلك اليوم، أو عليه قضاء فقضاه في ذلك اليوم فلا بأس. ولقد سمعنا من بعض الناس الذين يفتون بغير علم أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يوفق كثيراً من طلبة العلم أن يتوقفوا عن الفتوى بغير علم فإنها والله مسئولية عظيمة أمام الله . فالبعض من الناس يغتر إذا رأى إنسان إما كث اللحية، أو عليه سيماء الخير، فإنه يبادر إليه ويستفتيه، فقد تقدم بعض الناس يستفتون بعض الناس، فقالوا: لا يجوز القضاء في شعبان، الله المستعان، فلا أدري من أين لهم هذه الفتوى، وعائشة ﵂ أمة المؤمنين زوج النبي ﷺ ، تقول: ﴿كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان﴾ رواه البخاري، ولو كان لا يجوز يا معشر المفتين بغير علم، لو كان لا يجوز ذلك لنهاها رسول الله ﷺ عن ذلك. ولكن هذا من تمام اليسر، جاز تأخير القضاء، ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني بدون عذر؛ لأن تأخيره إلى رمضان الثاني يوجب أن يتراكم عليه الصوم وربما يعجز عنه، أو يموت وهو في ذمته، ولكن لأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الأولى إلى وقت الثانية كالصلاة فإن استمر به العذر، أي: إذا كان مريضاً ودخل عليه رمضان واستمر به المرض ولو مدة طويلة، ومات في مرضه فلا شيء عليه؛ لأن الله سبحانه أوجب عليه عدة من أيام أخر، ولم يتمكن منها فسقطت عنه. أما من مرض في رمضان ثم شفاه الله من مرضه، وفرط ولم يصم ما عليه من الأيام التي تركها في رمضان وأفطرها، ثم مات بعد هذا التفريط، فإن أولياء أمره يقضون عنه الصيام كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، في قوله: ﴿من مات وعليه صوم صام عنه وليه﴾ متفق عليه. اللهم ارزقنا التفقه في الدين، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم يا واحدٌ يا أحد! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا علي يا عظيم! يا حليم يا عليم! أهلَّ علينا شهر رمضان بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، واجعلنا ممن يصومه ويقومه على أحسن حال يا رب العالمين، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، وارزقنا القبول والإخلاص يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 737

أدلة وجوب صيام رمضان الحمد لله على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين وقدوة للسالكين، فما مات إلا وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥]. اللهم شكراً لك على إنعامك الكثيرة وفي مقدمتها نعمة الإسلام. أيها المسلمون: هذه الآية تعلن بفريضة صيام رمضان على الأمة الإسلامية، كما هو مفروضٌ على الأمم من قبلها، وقد فضلت هذه الأمة بفضائل كثيرة ومنها ليلة القدر الليلة التي فيها الخير الكثير لمن قامها إيماناً واحتساباً، فشهر رمضان شهرٌ مبارك، فالمسلمون المؤمنون المصدِّقون بوعد الله يتأهبون لزيادة صلتهم بالله العظيم عن طريق الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وسائر القربات إلى الله جل وعلا، فمن قام بهذه الأعمال بإخلاص نية محتسباً الأجر عند الله، فقد تاجر مع الله، ونعم التجارة فإنها رابحة. أما الذين يفرون ويهربون عن رمضان خارج البلاد ليقضون لياليه وأيامه بالسهر والمتعة بالملاهي والمجون والخلاعة، فهؤلاء المحرومون الذين كتب عليهم الحرمان، وأسرتهم الشهوات وقيدتهم الذنوب والمعاصي، فلم يزدادوا بهذا الشهر الشريف إلا بعداً عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما الذين يعدِّون المسرحيات والتمثيليات والأفلام الخبيثة والأغاني الماجنة لشهر رمضان، فقد ضَربوا بسهم من الحرمان، اللهم إنا نسألك العفو والعافية. أمة الإسلام: إن العبودية الصادقة لله تعني: أن يشعر المرء بالحب والخضوع والذل لله رب العالمين، فيلتزم بأوامر الله جل وعلا، وينتهي عما نهاه الله ﵎، فعلينا جميعاً يا أمة الإسلام! أن نغتنم هذا الشهر الكريم ونستقبله بالتوبة النصوح لله من جميع الذنوب والخطايا، ونجدد توبتنا ونوثق إيماننا بالله الحي القيوم، ونقوم بطاعة مولانا وخالقنا، ونحيي شهر رمضان بقلوب مملوءة بالإيمان والحب، فأهلاً بك يا شهر رمضان، أهلاً بك يا شهر الصيام والقيام، أهلاً بك يا شهر القرآن، أهلاً بك يا شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، أهلاً بك يا شهر التعاطف والإحسان، أهلاً بك يا شهر الخيرات، اللهم وفقنا للصيام والقيام وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا رب العالمين. عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، فاحذروا من البدع يا عباد الله، وصلوا على الناصح الأمين محمد بن عبد الله، الذي ترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، صلوا عليه وسلموا تسليماً، امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وفي مقدمتهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم ياحي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق يا من لا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماء، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، اللهم وحد صفوفهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم قيض لهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أبعد عنهم بطانة السوء، اللهم أبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين، واجمعنا يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في جنات الفردوس الأعلى، اللهم اجمعنا في جناب الفردوس الأعلى يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، يا حي يا قيوم أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم يا من لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنياءً مريئاً، سحاً غدقاً نافعاً، مجللاً طبقاً، نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم أنزل علينا من بركاتك، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم أخرج لنا من بركات الأرض يا من لا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماء، يا من تكفل بأرزاق العباد، يا من بيده ملكوت كل شيء، لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك. اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن والسفور والتبرج والملاهي بأنواعها وجميعها يا رب العالمين، اللهم طهر بيوتنا وقلوبنا وأسواقنا ومسامعنا من الملاهي بأنواعها يا رب العالمين، وأبدلها يا حي يا قيوم حلق ذكر ومجالس علم إنه لا يعجزك يا رب العالمين. اللهم ردنا إليك رداً جميلا، اللهم طهر قلوبنا بالتوبة النصوح، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 738

التفكر وتحقيق التوحيد خلق الله خلقه لعبادته، وجعل لهم آيات تدل على قدرته وعظمته وحكمته، ولكي ينتفعوا بها في دنياهم، وقد تحدث الشيخ عن آيات الله المبثوثة في هذا الكون وعظم سيرها وفق نظام محكم لا يختل، وأن الله لَمَّا خلق هذه المخلوقات، لم يخلقها عبثاً وإنما خلقها لمنافع لا تحصى، ولنستدل بها على عظمته، فنفرده بالعبادة لا شريك له.

стр. 739

التفكر في مخلوقات الله الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إلهاً أنزل لعباده من الآيات ما فيه عبرةٌ للمعتبرين، وزيادةً في يقين المؤمنين، أحمده هو أهل الثناء والمجد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: تفكروا في آيات الله ، فإنها تدلكم على وحدانية الله تعالى، وعلى كمال ربوبيته، وعلى أن الله وحده هو الذي يتصرف في ملكه لا يشاركه أحد في تصريف أحوال عباده. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء:١١١].

стр. 740

التفكر في خلق السماوات والأرض يا عباد الله: تفكروا في آيات الله، انظروا إلى السماء في حسنها وارتفاعها فإن فيها دلالة عظيمة على قدرة الباري جلَّ وعلا، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] وقال : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٩]. ثم انظروا -يا عباد الله- إلى الأرض مهدها الله لكم، وجعل فيها سبلاً، ثم أرساها بالجبال لتكون مستقرة لا تميد ولا تتحرك إلا بإذن الله تعالى، ثم هي ميسرة للعباد يمشون عليها، ويزرعون فيها، ويطلبون المعايش بأنواعها على هذه الأرض التي قال الله فيها: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣٠ - ٣٣] وقال جل شأنه: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:٧] ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد:٤] هذه آيات الله يا عباد الله! فمن تأمل ذلك وعقل وتدبر، علم كمال قدرة الباري جلَّ وعلا.
следующие страницы →