← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

علامة صيام رمضان اعلموا -يا عباد الله- أنه يجب صيام شهر رمضان بأحد أمرين: إما برؤية هلاله، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين لقول رسول الله ﷺ : ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين﴾ متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية لـ مسلم: ﴿فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً﴾. وقال رسول الله ﷺ : ﴿لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم﴾ متفق عليه، أي: إلا إذا كان وافق عادة له بأن كان عادته صوم الإثنين والخميس فوافق ذلك اليوم، أو عليه قضاء فقضاه في ذلك اليوم فلا بأس. ولقد سمعنا من بعض الناس الذين يفتون بغير علم أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يوفق كثيراً من طلبة العلم أن يتوقفوا عن الفتوى بغير علم فإنها والله مسئولية عظيمة أمام الله . فالبعض من الناس يغتر إذا رأى إنسان إما كث اللحية، أو عليه سيماء الخير، فإنه يبادر إليه ويستفتيه، فقد تقدم بعض الناس يستفتون بعض الناس، فقالوا: لا يجوز القضاء في شعبان، الله المستعان، فلا أدري من أين لهم هذه الفتوى، وعائشة ﵂ أمة المؤمنين زوج النبي ﷺ ، تقول: ﴿كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان﴾ رواه البخاري، ولو كان لا يجوز يا معشر المفتين بغير علم، لو كان لا يجوز ذلك لنهاها رسول الله ﷺ عن ذلك. ولكن هذا من تمام اليسر، جاز تأخير القضاء، ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني بدون عذر؛ لأن تأخيره إلى رمضان الثاني يوجب أن يتراكم عليه الصوم وربما يعجز عنه، أو يموت وهو في ذمته، ولكن لأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الأولى إلى وقت الثانية كالصلاة فإن استمر به العذر، أي: إذا كان مريضاً ودخل عليه رمضان واستمر به المرض ولو مدة طويلة، ومات في مرضه فلا شيء عليه؛ لأن الله سبحانه أوجب عليه عدة من أيام أخر، ولم يتمكن منها فسقطت عنه. أما من مرض في رمضان ثم شفاه الله من مرضه، وفرط ولم يصم ما عليه من الأيام التي تركها في رمضان وأفطرها، ثم مات بعد هذا التفريط، فإن أولياء أمره يقضون عنه الصيام كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، في قوله: ﴿من مات وعليه صوم صام عنه وليه﴾ متفق عليه. اللهم ارزقنا التفقه في الدين، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم يا واحدٌ يا أحد! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا علي يا عظيم! يا حليم يا عليم! أهلَّ علينا شهر رمضان بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، واجعلنا ممن يصومه ويقومه على أحسن حال يا رب العالمين، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، وارزقنا القبول والإخلاص يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 737

أدلة وجوب صيام رمضان الحمد لله على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين وقدوة للسالكين، فما مات إلا وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥]. اللهم شكراً لك على إنعامك الكثيرة وفي مقدمتها نعمة الإسلام. أيها المسلمون: هذه الآية تعلن بفريضة صيام رمضان على الأمة الإسلامية، كما هو مفروضٌ على الأمم من قبلها، وقد فضلت هذه الأمة بفضائل كثيرة ومنها ليلة القدر الليلة التي فيها الخير الكثير لمن قامها إيماناً واحتساباً، فشهر رمضان شهرٌ مبارك، فالمسلمون المؤمنون المصدِّقون بوعد الله يتأهبون لزيادة صلتهم بالله العظيم عن طريق الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وسائر القربات إلى الله جل وعلا، فمن قام بهذه الأعمال بإخلاص نية محتسباً الأجر عند الله، فقد تاجر مع الله، ونعم التجارة فإنها رابحة. أما الذين يفرون ويهربون عن رمضان خارج البلاد ليقضون لياليه وأيامه بالسهر والمتعة بالملاهي والمجون والخلاعة، فهؤلاء المحرومون الذين كتب عليهم الحرمان، وأسرتهم الشهوات وقيدتهم الذنوب والمعاصي، فلم يزدادوا بهذا الشهر الشريف إلا بعداً عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما الذين يعدِّون المسرحيات والتمثيليات والأفلام الخبيثة والأغاني الماجنة لشهر رمضان، فقد ضَربوا بسهم من الحرمان، اللهم إنا نسألك العفو والعافية. أمة الإسلام: إن العبودية الصادقة لله تعني: أن يشعر المرء بالحب والخضوع والذل لله رب العالمين، فيلتزم بأوامر الله جل وعلا، وينتهي عما نهاه الله ﵎، فعلينا جميعاً يا أمة الإسلام! أن نغتنم هذا الشهر الكريم ونستقبله بالتوبة النصوح لله من جميع الذنوب والخطايا، ونجدد توبتنا ونوثق إيماننا بالله الحي القيوم، ونقوم بطاعة مولانا وخالقنا، ونحيي شهر رمضان بقلوب مملوءة بالإيمان والحب، فأهلاً بك يا شهر رمضان، أهلاً بك يا شهر الصيام والقيام، أهلاً بك يا شهر القرآن، أهلاً بك يا شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، أهلاً بك يا شهر التعاطف والإحسان، أهلاً بك يا شهر الخيرات، اللهم وفقنا للصيام والقيام وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا رب العالمين. عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، فاحذروا من البدع يا عباد الله، وصلوا على الناصح الأمين محمد بن عبد الله، الذي ترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، صلوا عليه وسلموا تسليماً، امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وفي مقدمتهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم ياحي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق يا من لا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماء، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، اللهم وحد صفوفهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم قيض لهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أبعد عنهم بطانة السوء، اللهم أبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين، واجمعنا يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في جنات الفردوس الأعلى، اللهم اجمعنا في جناب الفردوس الأعلى يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، يا حي يا قيوم أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم يا من لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنياءً مريئاً، سحاً غدقاً نافعاً، مجللاً طبقاً، نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم أنزل علينا من بركاتك، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم أخرج لنا من بركات الأرض يا من لا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماء، يا من تكفل بأرزاق العباد، يا من بيده ملكوت كل شيء، لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك. اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن والسفور والتبرج والملاهي بأنواعها وجميعها يا رب العالمين، اللهم طهر بيوتنا وقلوبنا وأسواقنا ومسامعنا من الملاهي بأنواعها يا رب العالمين، وأبدلها يا حي يا قيوم حلق ذكر ومجالس علم إنه لا يعجزك يا رب العالمين. اللهم ردنا إليك رداً جميلا، اللهم طهر قلوبنا بالتوبة النصوح، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 738

التفكر وتحقيق التوحيد خلق الله خلقه لعبادته، وجعل لهم آيات تدل على قدرته وعظمته وحكمته، ولكي ينتفعوا بها في دنياهم، وقد تحدث الشيخ عن آيات الله المبثوثة في هذا الكون وعظم سيرها وفق نظام محكم لا يختل، وأن الله لَمَّا خلق هذه المخلوقات، لم يخلقها عبثاً وإنما خلقها لمنافع لا تحصى، ولنستدل بها على عظمته، فنفرده بالعبادة لا شريك له.

стр. 739

التفكر في مخلوقات الله الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إلهاً أنزل لعباده من الآيات ما فيه عبرةٌ للمعتبرين، وزيادةً في يقين المؤمنين، أحمده هو أهل الثناء والمجد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: تفكروا في آيات الله ، فإنها تدلكم على وحدانية الله تعالى، وعلى كمال ربوبيته، وعلى أن الله وحده هو الذي يتصرف في ملكه لا يشاركه أحد في تصريف أحوال عباده. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء:١١١].

стр. 740

التفكر في خلق السماوات والأرض يا عباد الله: تفكروا في آيات الله، انظروا إلى السماء في حسنها وارتفاعها فإن فيها دلالة عظيمة على قدرة الباري جلَّ وعلا، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] وقال : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٩]. ثم انظروا -يا عباد الله- إلى الأرض مهدها الله لكم، وجعل فيها سبلاً، ثم أرساها بالجبال لتكون مستقرة لا تميد ولا تتحرك إلا بإذن الله تعالى، ثم هي ميسرة للعباد يمشون عليها، ويزرعون فيها، ويطلبون المعايش بأنواعها على هذه الأرض التي قال الله فيها: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣٠ - ٣٣] وقال جل شأنه: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:٧] ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد:٤] هذه آيات الله يا عباد الله! فمن تأمل ذلك وعقل وتدبر، علم كمال قدرة الباري جلَّ وعلا.

стр. 741

التفكر في خلق الإنسان ومن آياته ما بث في الأرض من المخلوقات الكثيرة على اختلاف أشكالها وألوانها ولغاتها قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠] هذا أبونا آدم خلقه الله من تراب، أما ذريته فإنهم من ماء مهين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠] ولما خلق الله الخلق؛ خلق لكل شكلٍ ما يناسبه من المعاش والطعام والشراب والزوجات، أما بنو آدم، ففضلهم الله جلَّ وعلا على كثيرٍ من خلقه تفضيلاً، فخلق الله لهم أزواجاً من شكلهم ومن أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] الله أكبر! انظر إلى هذه الزوجة لا تعرفك من قبل هذا ولا تعرفها، ثم: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. عباد الله: تفكروا في هذه المخلوقات الكثيرة في البر والبحر، في المدن والقرى المنتشرة، هل ترزق أنفسها، أم لها ربٌ يرزقها؟! بل الله وحده لا شريك له هو الذي تكفل بأرزاق عباده ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]. لا توجد أية تكهنات، ولا أية تخرفات، أو إعلانات من الإذاعات أن هذه الأعوام أو غيرها سوف تكون فيها أزمةٌ في الاقتصاد، فإن الله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] انظر إلى هذه النملة الصغيرة كيف تدخر قوتها للشتاء، من الذي علمها ذلك؟! هو الله الذي تكفل لها: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].

стр. 742

التفكر في خلق الملائكة وكما خلق الله جلَّ وعلا في الأرض من أصناف الخلق؛ فقد خلق في السماوات ملائكة لا يحصيهم إلا الله تعالى، وما من موضع أربع أصابع إلا وفيه ملكٌ قائمٌ لله تعالى، وملكٌ راكع، وملكٌ ساجد، ويطوف منهم كل يوم بالبيت المعمور في السماء السابعة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلا يوم القيامة، ومن الملائكة حملة العرش، ومنهم الروح الأمين جبريل ﵇ الموكل بالوحي، له ستمائة جناح، هذا خلقٌ من مخلوقات الله، ومنهم ميكائيل الموكل بالقطر ما تنزل قطرة من السماء إلا وقد كالها ﵇ بأمر الله تعالى، ومنهم إسرافيل الموكل بنفخ الصور، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض روحي وأرواحكم يا عباد الله، وغيرهم كثير لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم.

стр. 743

التفكر في آيتي الليل والنهار ثم تفكروا -يا عباد الله- في هاتين الآيتين: الليل والنهار، فالليل جعله الله للراحة، والنهار لطلب المعاش وابتغائكم من فضله، اسمعوا إلى ربنا يقرر ذلك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] ما أتعس الحياة لو كانت كلها ليل، وما أتعس الحياة لو كانت كلها نهار! ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] والله لا غير الله أحدٌ أبداً يا عباد الله شئنا أم أبينا، رضينا أم سخطنا، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] عكسنا الأمر يا عباد الله، وخالفنا هدي رسول الله ﷺ ، نسهر الليل الطويل، وننام عن الصلوات، وننام عن الصلاة المفروضة، وعن التهجد الذي ينزل ربنا جلَّ وعلا فيه كل ليلة إلى السماء الدنيا ويقول: ﴿هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟﴾ ولسان حالنا: لا يا ربنا، نحن عند التمثيليات، وعند الفيديو، وعند الأغاني، وعند البلوت، وعند الكنكان، وعند الضومنة، ثم نملأ بطوننا من المأكل والمشرب، ثم ننام حتى تطلع الشمس، هذا جوابنا لرب العالمين -إلا من شاء الله وقليل ما هم- ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣].

стр. 744

التفكر في خلق الشمس والقمر والنجوم ومن آيات الله تعالى وتَقَدَّسَ: الشمس والقمر، يجريان في فلكهما منذ أن خلقهما الله تعالى، يجريان بسير منتظم لا تغير فيه ولا انحراف ولا فساد ولا اختلاف، حتى يأذن الله تعالى بخراب العالم، ثم تكور وتلف الشمس وتجمع الشمس مع القمر، فذلك أوان الذهاب بنورهما وتعطيلهما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:٧ - ١٠] أين المفر من يوم القيامة؟! ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] وفي هذا رد على الذين يقولون: الشمس كالمروحة ثابتةٌ في السماء، وربنا يقول: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] فهل تفهمون الخطاب يا عرب؟! والقمر يا ربنا؟ ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٩ - ٤٠] منذ أن خلقهم الله جلَّ وعلا: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. ثم تفكروا -يا عباد الله- في هذه الكواكب والنجوم التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله ﵎، فمنها السيارات، ومنها الثوابت، ومنها المتصاحبات التي لا تزال مقترنة، ومنها المتفارقات التي تجتمع أحياناً وتفترق أحياناً، تسير بأمر الله تعالى الحي القيوم وتدبيره، خلقها الله زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فالكون كله من آيات الله جملةً وتفصيلاً هو الذي خلقه وهو المدبر له وحده لا شريك له، فهذه بعض آيات الله فمن آمن بها وصدق؛ فله الثواب من الله، ومن كذب بها؛ فاسمعوا ما قال الله من العقاب له: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠ - ٤١]. واسمعوا ثواب من آمن بآيات الله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]. عباد الله: تفكروا في عظيم مخلوقات الله حتى في أنفسكم، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] نعم يا عباد الله! فالعالم لم يخلق نفسه، ولم يكن مخلوقاً من غير شيء، بل لابد له من خالقٍ يخلقه ويقوم بأمره، وهو الله لا خالق غيره ولا رب سواه. اللهم ارزقنا إيماناً دائماً كاملاً، ويقيناً صادقاً، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم.

стр. 745

تحقيق توحيد العبادة لله الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا ربكم تعالى وأطيعوه، عباد الله! لقد سمعتم من آيات الله الكبرى ومخلوقاته العظمى التي تدل على وحدانية الله تعالى، وعلى قدرته التامة على كل شيء، وأنه وحده لا شريك له في ملكه، ولا نِدَّ له، ولا ظهير، ولا وزير، ولا صاحبة، ولا ولد قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] وقال : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] وقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقال جلَّ شأنه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وقال : ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٣] وقال : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] وقال : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤] هو الله الذي خضعت لعظمته الرقاب، وذلت لجبروته الصعاب، ولانت لقدرته الشدائد الصلاب، رب الأرباب، ومسبب الأسباب، هو الله الذي تألهه القلوب، وتعنوا له الوجوه، وتصمد له الخلائق أجمعين. أجل يا عباد الله! كيف يُعبد غير الله؟!! وكيف يُستعان بغير الله؟!! وكيف يُتوسل بغير الله؟!! وذلك كله لله، فمن صرف شيئاً من العبادة لغير الله؛ فهو مشرك كافر، ومن توسل بغير الله؛ فهو مشرك، ومن دعا غير الله؛ فهو مشرك، ومن ذبح لغير الله؛ فهو مشرك، ومن نذر لغير الله؛ فهو مشرك، ومن خاف غير الله؛ فهو مشرك، ومن استغاث بغير الله؛ فهو مشرك، ومن حلف بغير الله؛ فهو مشرك، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] اللهم وفقنا للالتجاء إليك، اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك. يقول البعض من الناس -ومن الذين يسمعون إن كانوا حضوراً أم غياباً-: لماذا تقول هذا وبلادنا ليس فيها من القبور، ولا من الأضرحة ما يعبد؟! فأقول له: يا أخي إن كنت صادقاً، وإن كنت ناصحاً، كيف تنكر ذلك؟ وأخوك وابن عمك وابن خالك قد ذهب إلى بلاد الخارج، وطاف معهم في الأضرحة، وتوسل إلى القبور يزعم أنهم قالوا له: إن هذا الولي يشفي مريضك ويرزقك ويغنيك، وطاف معهم في القبور، وهو تربى في بلاد التوحيد، وعاش على التوحيد، ولكنه لما خالط الأقران اجترب مثلهم وأصابه الجرب، فإني أسوق ذلك مخافة أن ينزلق الكثير، أما البعض فقد انزلق وطاف معهم في قبورهم وفي أضرحتهم واستغاث بموتاهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أتوهم من طريق خبيث، قالوا له: هل يأتيك أولاد؟ هل عندك أموال؟ هل أنت موفق؟ هل حظك زين، أم شين؟ ثم إذا شرح لهم الموضوع، أمسكوا بيده وأدخلوه إلى القبر، وإلى الضريح، وقالوا: توسل بهذا الولي، فإنها تُقضى حاجتك ويأتيك أولاد، وتستغني إن كنت فقيراً، مع الأسف الشديد كيف نبذ التوحيد وراء ظهره، وأطاع المشعوذين، والسحرة، والمخرفين، وأطاع المفسدين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؟! كيف يطيع من داسوا على التوحيد بأقدامهم، ولم يعترفوا بالله العظيم؟! إنما اعترافهم دائماً بالأولياء، وبأصحاب القبور، وبأصحاب الأضرحة، وبأصحاب القبب، نسألك اللهم العفو والعافية، وإنا لله وإنا إليه راجعون. أيها المسلمون: إن من يسافر من هذه البلاد إلى بلاد أخرى فيها الشرك منتشر؛ فإنه على خطرٌ عظيمٌ، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أين النصح يا عباد الله؟! انصحوهم وأرشدوهم جزاكم الله خيراً، وبينوا لهم أن التوسل بالأضرحة، والتوسل بالقبور، والتمسح بأتربة الأموات شركٌ بالله العظيم، وإن مات على هذه الحالة، فإنه مخلدٌ في النار، نعوذ بالله من النار. اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك، يا رب العالمين! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ارزقنا حب التوحيد، واجعلنا من أهل التوحيد، وارزقنا حبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك. اللهم يا أرحم الراحمين وفقنا للعمل بطاعتك، وارزقنا رضاك ورضا رسولك محمد ﷺ يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٌ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ. عباد الله: احذروا البدع في الدين، والتزموا عقيدة التوحيد، وعقيدة أهل السنة والجماعة، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] صلوا على رسول الله القائل: ﴿لا تزال أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله﴾ صلوا عليه وسلموا تسليماً، واسألوا الله أن يجعلكم من هذه الفرقة الناجية التي لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالف أمرهم حتى يأتي أمر الله. اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! املئ قلوبنا من محبتك، ومن خشيتك، ومن معرفتك، ومن الأنس بقربك، واملأها حكمةً وعلماً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم طهر بلدان المسلمين من الأضرحة والقبب والقبور التي تعبد من دون الله، والتي يُذبح بها لغير الله، والتي يُنذر لها من دون الله، اللهم طهر بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين، ورد المسلمين إلى دينهم الصحيح، اللهم رد المسلمين إلى عقيدتهم الصحيحة يا رب العالمين! اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، واجعلنا اللهم وإياهم هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين، الله دمر أعداء الإسلام، وأعداء المسلمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم أصلحنا وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مُضلين، ولا مفتونين، ولا مُغيرين، ولا مُبدلين حتى تبعثنا من قبورنا يا رب العالمين. اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) اللهم توفنا على الإخلاص لك يا رب العالمين، اللهم توفنا على الإسلام والإيمان، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان يا رب العالمين. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 746

التقوى إن المسلم بحاجة إلى التقوى أشد من حاجته إلى الماء والهواء، وأعظم فوائد التقوى هي محبة الله له؛ فمن أحبه الله أحبه الناس، وخير زاد يتزود به المسلم هو التقوى، والباقيات الصالحات كما يقول بعضهم هي اتباع الحسنة بالحسنة، وعلى المسلم إذا بدأ في عمل أن يستمر فيه ويحذر من النكوص عنه، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

стр. 747

التقوى حقيقتها والحاجة إليها الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل الأنبياء وأكرم الأتقياء صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله، نعم -يا عباد الله- نسمع هذه الكلمة في كل خطبة وعيد وجمعة، اتقوا الله، اتقوا الله في السر والعلانية، اتقوا الله، فما خلقتم إلا لتقوى الله، وما أسدى عليكم من نعمة إلا لتستعينوا بها على تقواه. وحقيقة التقوى يا عباد الله هي: أن تجعلوا أنفسكم دائماً في وقاية من عذاب الله وعقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فلا يراكم حيث نهاكم، ولا يفقدكم حيث أمركم. يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: [[التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد للرحيل]]. أيها المسلمون: إننا لمحتاجون إلى التقوى أشد من احتياجنا إلى الماء والهواء، ولو لم تكن فائدتها إلا أنها تجلب محبة الله لكفى، ومن أحبه الله أحبه الناس، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] ويقول جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]. وفي الحديث: ﴿إن الله إذا أحب عبداً وضع له القبول في الأرض﴾ فاتقوا الله -أيها الناس- فبالتقوى أوصى الله ورسوله، وجدير بالمسلم أن يعضَّ بالنواجذ على وصية الخالق المدبر جلَّ وعلا، ووصية خير البشرية محمد بن عبد الله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول ﵊: ﴿اتق الله حيث ما كنت﴾. نعم. يا عباد الله: بالتقوى ينجو الإنسان من الشدائد، وتندك أمامه العقبات، وتزول الشبهات، ويجعل الله له من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وييسر له الرزق من حيث لا يحتسب. وذلك مصداق قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤]. عباد الله: بالتقوى ينضج عقل الإنسان، وتتكون عنده ملكة قوية، وبصيرة نيرة، تضيء له الطريق المظلمة، ويفرق بها بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، بل وتكفر سيئاته، وتغفر ذنوبه يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد:٢٨]. عباد الله: بالتقوى يأمن الإنسان إذا خاف الناس، ويُسر إذا حزنوا، ويستبشر إذا قنطوا ويأسوا: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤] وبالتقوى تزداد علاقات الإنسان بربه، وينال الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٣٥]. بالتقوى يطمئن المسلم على ذريته من بعده، ولا سيما ضعفائهم: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩].

стр. 748

خير الزاد التقوى إذا عرفنا فائدة التقوى، وما تؤول إليه من خير كثير، وعرفنا أننا لا محالة مسافرون عن هذه الدار. نعم يا -عباد الله- نحن مسافرون عن هذه الدار، ومقلعون عنها، ويوشك أن يؤذن لنا بالرحيل غداً أو بعده أو قبله عن هذه الدار، كلنا مسافرون، والكل منا يحتاج إلى تأمين راحته، فسفر الآخرة يحتاج إلى زاد واحد، وهو التقوى وأنعم به زاداً، نعم -يا عباد الله- أنعم به من زاد يكفل السعادة الأبدية، والطمأنينة الكاملة، والعيش الرغيد في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. لذا يا عباد الله: يعرف الإنسان أنه لا غنى له عن التقوى، التي بهها يتخلص من مآزق كثيرة في الدنيا والآخرة، ولاسيما عند الورود على النار، التي لا ينجو منها إلا المتقون، كذلك بالتقوى يكون الله معك، وينصرك، وتفوق عند الله وعند أوليائه أهل الحسب والنسب، مهما عُرفت أنسابهم، وشرفت مراكزهم، وإن كنت مولى الموالي، يقول الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ويقول ﵊: ﴿لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى﴾. ويقول بعض السلف ﵀: [[ما خرج عبد من ذل المعصية إلى عز التقوى، إلا أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآناسه بلا أنيس]] فاتقوا الله عباد الله، فالتقوى جمال، والتقوى شفاء من الداء العضال، احرصوا أن تكون نفوسكم تقية، فلن يسعد عند الله إلا الأتقياء، وكل من عداهم فهو شقي، اتقوا الله فالتقوى خلف من كل شيء، ولا خلف في التقوى، اتقوا الله فهي أول عدة تعتدونها لأعدائكم وتفوقونهم بها، اتقوا الله في نفوسكم، وفي أهليكم، وفي أموالكم، وفي معاملاتكم، وفي أولادكم، وفي من تحت أيديكم، وفيما ائتمنتم عليه من مصالح المسلمين، وفي أرحامكم، وفي كل مجال من مجالاتكم العامة والخاصة، لتفوزوا برضى الله ورضوانه، بما فيه السعادة في الجنة. اللهم اجعل التقوى خير زاد لنا يا رب العالمين، اللهم اجعل التقوى خير زاد لنا، اللهم اجعل التقوى خير زاد لنا يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، بارك الله ولي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأقول قولي هذا وأستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 749

المداومة على الطاعات الحمد لله الذي لا يتغير ولا يزول، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى آثارهم إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله وأكثروا من إتباع الحسنة بالحسنة، فوالله ما أجمل الطاعة إذا أُتبعت بطاعة، ولا أجمل من الحسنة تتلوها الحسنة بعدها، فتلكم الباقيات الصالحات، التي ندبكم إلى فعلها في محكم الآيات، يقول جلَّ وعلا: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦]. فالله الله -يا عباد الله- بالإقبال على ما يرضي الله، فإنه وعد بالخير الكثير لمن أطاعه واتبع رضاه في كل زمان ومكان، فإنه هو الذي أخبر عن نفسه سبحانه وبحمده أنه مع المتقين والمحسنين في كل زمان، أليس هو الذي أخبر عنه رسوله ﷺ بأنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في رمضان وفي غير رمضان، ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، ذلكم نزول حقيقي، يليق بجلاله وعظمته، فيقول سبحانه وبحمده: ﴿هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل من فأعطيه مسألته﴾. عباد الله: ما هذا الانصراف، وما هذه الرغبة عن الله، الذي يحب من عباده المداومة على تقواه، فحذار يا من سمت نفوسهم في رمضان إلى درجات الصالحين، ونعمت وتلذذت لمناجات رب العالمين، وانخرطت في سلك الطائعين، حذار أن تهدموا ما بنيتم، وتبددوا ما جمعتم، حذار يا من كان في رمضان تقياً رحيماً أن تحول نفسك شيطاناً رجيماً، حذار فما أقبح النكوص على الأعقاب، والالتفات عن الله، بعد أن أقبلت عليه تائباً من ذلك، راغباً في رحمته، خائفاً من نقمته. حذار بعد أن كنت في عداد الطائعين وحزب الرحمن، وأسبل عليك لباس العفو والغفران أن تخلعه بالمعاصي، فإنها شهوة قصيرة عاجلة تعقبها حسرة دائمة ونار حامية، في يوم يجاء بجهنم، فتزفر على العصاة وتأخذهم الزبانية بلا رحمة ولا عطف، في يوم ينصب فيه ميزان الأعمال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ١١]. نار بعيد قعرها، شديد حرها، طعام أهلها طعام ينشب في الحلوق ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] نار لا يموت فيها ولا يحي، ولا يسمع ندائهم فيها ولا يجاب لهم دعاء، يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه، ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩]. فاتقوا الله -عباد الله- وواصلوا السير إلى الله، لعلكم تفوزون برضاه، وتكونوا من أهل الجنة التي لا يزول نعيمها، ولا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٣]. ويقال لأهلها: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] وصلوا على رسول الله كما أمركم الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك كرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احم حوزة الدين، اللهم احم حوزة الدين، اللهم انصر عبادك الموحدين، اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم اخذل من خذل دينك، اللهم انصر من نصر كتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، واخذل من خذل كتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين من اليهود والمبشرين وأعوانهم والشيوعيين، اللهم أدر عليهم دوائر السوء، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، وردهم إليك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا جميعاً إلى كل خير يا رب العالمين، واهدنا سبل الرشاد، اللهم اهدنا سبل الرشاد، اللهم أصلح إمام المسلمين، اللهم ارزقه الجلساء الصالحين، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين وجنبنا وإياهم مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونَّ من الخاسرين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ولا ننسى هذه الوصية، وصية رسول الله: ﴿من صام رمضان فأتبعه بست من شوال؛ فكأنما صام الدهر﴾ رواه مسلم. اللهم أعنا على أداء الطاعات، اللهم أعنا على أداء الطاعات، وجنبنا المنكرات يا رب العالمين، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكره على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 750

الجهاد الجهاد في سبيل الله بابه واسع، وخيره عظيم، وتجارة رابحة في الدنيا والآخرة، أمر به الله بالمال والنفس، وجعل لمن مات في سبيله أجراً عظيماً، ويوم تركنا الجهاد -ونحن نعد بالملايين- تداعت علينا الأمم، وأصبحنا طعمة للطامعين، نحب الحياة ونكره الموت ونحن في عداد الميتين فنشكو إلى الله حالة المسلمين!

стр. 751

فضل الجهاد الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: يقول الله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٠ - ١٣]. أمة الإسلام: الجهاد في سبيل الله بابٌ واسع، وخيرٌ عظيم، وتجارة رابحةٌ في الدنيا والآخرة، وهو عمل حث عليه ربنا جل شأنه في أكثر من موضع من القرآن، ولم تغفل عنه السنة المطهرة بل اعتنت به عنايةً تامة وبينت مكانته وأنه باب من أبواب الجنة الثمانية.

стр. 752

مبشرات للمجاهدين عباد الله: الجهاد في سبيل الله بابٌ للحرية، وبابٌ للعزة والكرامة، وللمحافظة على الأنفس والأعراض، وللأموال والبلاد وللعبادات؛ لذلك أمرنا الشارع الحكيم أن نجاهد أعداء الإسلام بكل ما نستطيع. روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم﴾ قال أبو داود: صحيح الإسناد. ثم بين لنا رسول الله ﷺ أن الذي يرعى مصالح المجاهدين وأسرهم أو يجهز غازياً في سبيل الله بأي نوع من أنواع التجهيز فقد شارك الغازي في سبيل الله، وله من الأجر مثل أجر الغازي، فعن سيف بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا﴾ متفق عليه. وتأتي بشارة عظيمة في حديثٍ صحيح ينقله إمام المحدثين البخاري ﵀ فيقول فيما رواه عن عبد الرحمن بن جبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما اغبرت قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسه النار﴾ ثم يقول في بشارة أخرى: ﴿لغدوةٍ أو روحةٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها﴾ متفق عليه. وترغيباً في الجهاد وزيادة في الفضل من الله أنه اشترى منا أشياء هو الذي وهبها لنا، وذلك في مقابلة ثمن كريم فقال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] لذلك ينبغي أن يكون المجاهدون على صلة طيبة بالله تعالى؛ لأن الله تعالى جعل نصرهم على الأعداء بعد طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. ثم يكونوا على أهبة الاستعداد في استيعاب جميع أسلحة القتال امتثالاً لأمر الله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فإذا حصلت الطاعة وحصل الإيمان الكامل بالله وأعدت القوة الحسية والمعنوية فسوف يحصل النصر والتأييد من الله بعدما يكون هذا الجهاد خالصاً لله وفي سبيل الله لا يكون لـ قومية أو وطنية أو عصبية أو حمية أو جاهلية، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ﴿أتى أعرابياً النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾. ويقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً وجبت له الجنة﴾ فعجب لها أحد الصحابة رضوان الله عليهم فقال: أعدها يا رسول الله! فقال: ﴿من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً وجبت له الجنة﴾ ثم قال ﷺ : ﴿وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض﴾ قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: ﴿الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله﴾.

стр. 753

حنظلة يجاهد صبيحة عرسه أمة الإسلام: لقد سطر التاريخ الإسلامي لرسول الله ﷺ وصحابته أمثل الأمثال وأروعها لأن الدنيا لم تعظم في قلوبهم. نعم. يا أمة الإسلام! ولم يروا الدنيا شيئاً لأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فإليكم قصة هذا الشاب المسلم، هذا الشاب المسلم من الذين يفخر بهم التاريخ الإسلامي فإنه عمل جاهداً ليكمل شطر دينه، وشاء الله له أن يكمله وأن يتزوج بزوجة عفيفة تقية كما يشتهي ﵁، فدخل بتلك الزوجة وأتى منها ما يأتي الرجل من زوجته ثم يسمع في صباح عرسه منادي الجهاد: حي على الجهاد، حي على الجهاد؛ فيترك عروسه ودنياه ومتاعه راغباً فيما عند الله من الثواب، وركب الفرس ولبس أدوات الحرب، وما هي إلا لحظات حتى كان منتظماً في صفوف المجاهدين، وقاتل قتال الأبطال الشجعان ما شاء الله له أن يقاتل حتى لقي ربه بين الشهداء وضِمن الشهداء. فلما انتهت المعركة رأى رسول الله ﷺ أمراً عجيباً أثار دهشته! فقال لأصحابه: ﴿هل أحد من أهل حنظلة؟ أين ابن أبي عامر -وكان هذا هو اسم الشهيد- قالوا: يا رسول الله! زوجته وعروسه بنى بها بالأمس -أي: دخل بها- فقال: إلي بها. فجاءت زوجته وعليها آثار العرس فقال لها رسول الله ﷺ : يا زوج حنظلة! اصدقيني القول: ماذا كان آخر العهد بينك وبين حنظلة؟ فقالت: يا رسول الله! بنى بي بالأمس، وأتى مني ما يأتي الرجل من زوجته، وقبل أن يطهر من جنابته سمع منادي الجهاد فخرج للجهاد في سبيل الله ولم يتطهر من جنابته بعد. فقال الرسول ﷺ : عن هذا سألتك فإني رأيت الملائكة تغسله بماء السلسبيل من الجنة في صحاف من ذهب وفضة بين السماء والأرض تغسله من جنابته﴾. فيا لها من شهادة حق في سبيل الله!! لقد آثر ﵁ الآخرة على الدنيا ولم يقض شهر العسل في المكسيك أو في البلاد الغربية أو في بلاد الإلحاد والكفر والإشراك، فلقد لقي الجزاء الأوفى من الله ، وسوف يقضي شهور العسل بل دهور العسل بل حياة طويلة لا انقضاء لها بجوار أرحم الراحمين، في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. اللهم اكتب النصر لأمتنا الإسلامية، اللهم اكتب النصر لأمتنا الإسلامية، اللهم اكتب النصر لأمتنا الإسلامية على أعدائها في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 754

حال المسلمين اليوم الحمد لله مغيث اللهفات، ومحلِّ الشدائد والكربات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم العلانية والخفيات، ويعلم ما نقوله في ألسنتنا وما تخفيه صدورنا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! قد أوجب الله على المؤمنين الجهاد في سبيله، والاعتصام بدينه الذي هو حبله المتين، والدعوة إلى ذلك، والألفة والاجتماع والتعاون على الخير والبر والتقوى، والاستعانة بالله في جميع الأمور، وقوة التوكل على الله، وعلى القيام بالمستطاع المقدور عليه من الدين والتقوى، وتعلم ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم من العلوم والفنون النافعة التي يحصل بها قيام الدين والأمة، والتمرن على القوة المعنوية والشجاعة الإيمانية وبالأسباب المقوية للإيمان كلها، وبالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ومجادلة المبطلين والضالين بالتي هي أحسن، والجهاد في سبيل الله حق جهاده، فهذه الأوامر الإلهية في القرآن في مواضع متعددة وكلها داخلة في الجهاد في سبيل الله. ولكن يا للأسف الشديد! لقد تغيرت الأحوال، ولو خرج فينا رسول الله ﷺ اليوم ورأى التشتت والافتراق وكثرة الأحداث، ورأى واقع المسلمين لقال: بئس ما خلفتموني من بعدي! وما له لا يقول ذلك ونحن نُعد بالملايين وقد تداعت علينا الأمم وأصبحنا طعمة للطامعين، نحب الحياة ونكره الموت ونحن في عداد الميتين. معذرة إلى الله، حالة المسلمين اليوم حالة تبكي لها القلوب وتتفتت لها الأكباد، ويذوب من أجلها الجماد، وكيف لا يكون ذلك وقد أذلهم الرجوع إلى الدول الكافرة في حل مشاكلهم؟ وهيهات أن يحل الكفار مشاكل المسلمين، بل هم فرحون مستبشرون بما يحصل بين المسلمين من التفرق والشتات وسوء المعاملات. فإلى متى هذا الرقاد يا أمة الإسلام؟ تذكروا بيت المقدس ومن ساكنه الآن، أليست شرذمة قليلة ملعونة في كتاب الله؟ ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران:١١٢] تذكروا إخوانكم في أفغانستان فهم يقاومون الشيوعية الحمراء، تذكروا إخوانكم في أفريقيا وقد عثا فيهم التبشير بـ النصرانية. يا شباب الإسلام! الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، يكفي الانحراف، يكفي الانجراف، يكفي الركض وراء المدنية الزائفة، متى الاستيقاظ؟ إلى متى هذا السهاد؟ عباد الله: صلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد الذي جاء بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم صلَِ وسلم وبارك عليه وزد صلاة وتسليماً إلى قيام الأبدان من القبور. وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك الشجعان أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقوي عزيمتنا وأعزنا بالإسلام وردنا إليك رداً كريماً حتى نحذو حذوهم يا من له القدرة التامة! ولا حول ولا قوة لنا إلا بك يا علي يا عظيم. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أخرج المسلمين من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، إلى نور الإيمان والإسلام، ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، واللواط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 755

الحج الأكبر حينما يعقد الناس مؤتمراتهم الدنيوية سعياً وراء المصالح، وبحثاً عن الحلول في سبيل التخلص من مشكلات الدنيا؛ عندئذٍ تنطلق كوكبة من طلاب الآخرة لعقد مؤتمرهم الإسلامي السنوي في رحاب الأرض الحرام، ولينجزوا بذلك خطوة في طريقهم إلى الله.

стр. 756

حكم الحج وآدابه الحمد لله، الحمد لله على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة، والنعم السابغة، أحمده سبحانه وأشكره، ولا أحصي ثناءً عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله . عباد الله، إن الله -جلَّ وعلا- شرع الحج إلى بيته الحرام، وجعله ركناً من أركان الإسلام، وهو كذلك في العمر مرةً واحدةً، فمن زاد فهو تطوعٌ، والله لا يضيع أجر المحسنين. عباد الله! هناك عند بيت الله الحرام وفي المشاعر المقدسة، يجتمع المسلمون ليؤدوا واجباً عليهم، فهنيئاً للمسلمين إن عرفوا قدر هذا الاجتماع، ثم هنيئاً للمسلمين إن عرفوا قدر هذا الاجتماع. أمة الإسلام! إنه موسمٌ عظيم لبَّى فيه المسلمون دعوة الله ، قال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٩]. نعم يا عباد الله! إنها منافعٌ كثيرة تحصل في ذلك الاجتماع العام للمسلمين في تقوية دينهم، وإصلاح دنياهم في قوتهم واتحادهم. نعم يا عباد الله! يحصل في ذلك الموسم العظيم التعارف بين المسلمين، وتقوى صلتهم والروابط بينهم، فيا له من موسمٍ عظيم! ويا لها من فرصةٍ ثمينة! ومناسبةٍ قويمة! لا تحصل لغير المسلمين.

стр. 757

فوائد قصد البيت الحرام اجتماعٌ يلتقون فيه من جميع أقطار الأرض متجهين إلى الله الواحد القهار، فهنيئاً لهم وهم يتجهون إلى تلك البقاع؛ ليجددوا صلتهم بالخالق العظيم، يدفعهم الإيمان، ويحدوهم الشوق، وتقودهم الرغبة فيما عند الله من الخيرات والمغفرة، مؤمنين حق الإيمان بأن الحج ركنٌ من أركان الإسلام، تطبيقاً لقول رسول الله ﷺ : ﴿بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان﴾ ورغبةً فيما عند الله من الأجر العظيم، حيث يقول رسول الهدى محمد ﷺ : ﴿مَن حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه﴾ ويقول ﷺ : ﴿العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة﴾ ويقول -أيضاً- ﷺ : ﴿تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلا الجنة﴾.

стр. 758

وجوب الحج على الفور عباد الله! الحج واجبٌ على المستطيع على الفور، فلقد خطب نبيكم ﷺ ، فقال: ﴿يا أيها الناس! قد فُرِضَ عليكم الحج، فحجوا، فقال رجلٌ: أكل عامٍ يا رسول الله؟! فسكت الرسول ﷺ ، حتى قالها الرجل ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم. وفي رواية: الحج مرة، فمن زاد، فهو تطوع﴾ وفي الأثر عن عمر ﵁ وأرضاه، قال: [[لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين]]. فاتقوا الله يا من تستطيعون أداء الفريضة، وتتأخرون عن أدائها! اتقوا الله -جلَّ وعلا- قبل أن يأتيكم الموت، وقبل أن ينزل بكم هادم اللذات وأنتم مفرطون، فقدر ورد في الأثر عن علي ﵁ وأرضاه، قال: [[من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً]].

стр. 759

ما ينبغي لمن عزم على سفر الحج

стр. 760

التخلص من الديون والمظالم عباد الله! اعلموا أنه إذا عزم المسلم على السفر إلى الحج، أو العمرة، استحب له أن يُوصي أهله وأصحابه بتقوى الله ، وهي فعل أوامره واجتناب نواهيه، وينبغي أن يكتب ما لَه من الدَّين، ويُشهِد على ذلك، ويجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب استجابةً لله حيث يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. وحقيقة التوبة هي: الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها، والندم على ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة إليها، وإن كان عنده للناس مظالم من نفسٍ، أو مالٍ، أو عرضٍ، ردها عليهم، أو تحللها منهم قبل سفره، فقد حث على ذلكم رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ﴿من كان عنده مظلمة لأخيه من مالٍ، أو عرضٍ فليحلله اليوم قبل ألاَّ يكون دينارٌ، ولا درهم، إن كان له عمل صالح، أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه﴾.

стр. 761

تعلم أحكام الحج كذلك -يا عبد الله- ينبغي للحاج أن يتعلم ما يشرع له في حجته وعمرته، ويتفقه ويسأل عَمَّا أشكل عليه، ويختار الرفقة الصالحة، ليكون على بصيرة، ويكثر في سفره من الذكر والاستغفار، ويحذر أن يصحب معه آلات اللهو، بل يحرص على الذكر والاستغفار، ودعاء الله جلَّ وعلا، ويتضرع إليه ويتلو القرآن ويتدبر معانيه، ويحافظ على الصلوات في الجماعة، ويحفظ لسانه من كثرة القيل والقال، ويتحرز من الخوض فيما لا يعنيه، ويحذر من الإفراط في المزاح، ويصون لسانه -أيضاً- من الكذب، والغيبة، والنميمة، والسخرية بأصحابه وغيره من إخوانه المسلمين، وينبغي له بذلَ البِر في أصحابه، وكفَّ الأذى عنهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة على حسب الطاقة. هذه بعض آداب الحج والعمرة فالزموها، وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجنبني وإياكم ما يبغضه ويأباه، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم حجاً مبروراً، وأن يجعل سعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، إنه غفور رحيم. وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المؤمنين، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 762

فضل الإيمان والعمل الصالح الحمد لله مشرف الأيام بعضها على بعض، ومصرف الأحكام بالإبرام والنقض، وموقظ القلوب الغافلة بالتذكير والوعظ، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولانا من الإنعام والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله وأطيعوه. عباد الله! اعلموا علم اليقين أن الله جلَّ وعلا أعدَّ لمن آمن به وعمل الصالحات خيراً كثيراً، وقد ورد ذلك في كتاب الله، فاسمعوا إلى ذلك يا عباد الله! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥]. واسمعوا أيضاً يا عباد الله! إلى هذا الوعد الكريم، لمن آمن وعمل صالحاً: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧]. واسمع إلى الوعد يا عبد الله! ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء:١٢٤]. واسمع الوعد يا عبد الله! ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٩]. ويقول ربنا جلَّ وعلا في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٩ - ١٠]. وأيضاً يا عبد الله! ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]. ثم يا عبد الله! الذين آمنوا وعملوا الصالحات استثناهم الله من الخسران، بعد أن أقسم جل وعلا، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].

стр. 763

فضل العمل الصالح في عشر ذي الحجة فبادروا -رحمكم الله- بالأعمال الصالحة، واغتنموا الفرصة، واسمعوا ما دمتم في وقت الإمكان؛ فإن الله جلَّ وعلا أقسم بهذه الأيام -أيام عشر ذي الحجة- في محكم البيان، والتي قال فيها رسول الهدى ﷺ : ﴿ما من أيامٍ العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام العشر، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بماله ونفسه، ولم يرجع من ذلك بشيء﴾ رواه البخاري. فيا عباد الله! استقبلوها بالأعمال الصالحات، بالإكثار من نوافل العبادة، من الصلاة، والصدقات، والذكر، وقراءة القرآن، والاستغفار، وارفعوا أصواتكم بالتكبير والتهليل في كل مجتمع، وفي كل مكان، فإن هذه سنة نبيكم محمد ﷺ ، وهذه عادة سلفكم الصالح، فإنهم كانوا يخرجون إلى الأسواق يكبرون ويهللون، فاقتدوا بهم رحمكم الله، ولا يمنعكم الحياء أن ترفعوا أصواتكم بالتكبير والتهليل، (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً) ما أجمل المسلمين لو رفعوا أصواتهم بهذا الذكر في كل مكان! الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. عباد الله! أمة الإسلام! يا من ترغبون في الخير، سُئِل رسولُ الله ﷺ عن صوم يوم عرفة، قال: ﴿يكفر السنة الماضية والباقية﴾ رواه مسلم ورواه الترمذي أيضاً إلا أنه قال: ﴿صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يُكِّفر السنة التي بعده والسنة التي قبله﴾ فاغتنموا ذلك يا عباد الله! فإن هذا فضلٌ عظيم، ولا تحرموا أنفسكم هذا الفضل. اللهم ارض عن خلفاء رسولك أجمعين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم وحد صفوف المسلمين، واجمع كملتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين. اللهم من قدم إلى هذه البلاد يريد أن يحج ويعتمر، فاجعل حجه مبروراً، وسعيه مشكوراً، وذنبه مغفوراً، واجمعنا وإياه في جنات النعيم، ومن أتى إلى هذه البلاد ليفسد ويؤذي المسلمين في بيتك وفي المشاعر المقدسة، فاجعل منيته في طريقه، واجعله فريسةً للسباع، وأغرقه في البحر قبل أن يأتي إلى هذه البلاد يا رب العالمين، يا قوي يا متين، يا عزيز يا حكيم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أصلح فساد قلوبنا وردنا إليك رداً جميلاً، اللهم اغفر لنا ولوالِدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 764

الحجاب الحجاب هو المحارب اليوم من أعداء الله من العلمانيين والمنافقين واليهود والنصارى، فلذلك لزم التحدث عنه وحث النساء على التمسك به فهو دين، وقد حذر الشيخ من التبرج والسفور، وذكر أدلة من القرآن على ذلك، كما تكلم عن البرقع وأنه من أسباب الفتنة، وتعرض للتحذير من التشبه بالكافرين، وحذر من مسابقة الإمام في الصلاة.

стр. 765

التحذير من التبرج والسفور الحمد لله الذي علمنا الحكمة والقرآن، فمن عمل بما علم فقد أفلح ونجح وبلغ المرام، ومن أعرض عن الذكر الحكيم وما فيه من الآيات المحكمات فقد خاب وخسر وباء بالثبار، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ البلاغ المبين, ونصح الأمة، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا ربكم ، اتقوا الله في السر والعلانية. أيها المسلمون: لا يخفاكم ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج النساء وسفورهن وعدم التزامهن بالحجاب من الرجال، وإبداء كثير من زينتهن الذي حرم الله عليهن إبداءها، ولا شك أن ظهور هذه المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة من أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات، لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد. فاتقوا الله -أيها المسلمون- وخذوا على أيدي نسائكم، وامنعوهن مما حرم الله عليهن، وألزموهن بالتحجب والتستر، واحذروا غضب الجبار وعظيم عقوبته. فقد صح عن نبيكم ﷺ أنه قال: ﴿إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه﴾.

стр. 766

القرآن يحذر من السفور أمر ربكم جلَّ وعلا بتحجب النساء في كتابه المبين، وأمر بإلزامهن البيوت وحذّر من التبرج والخضوع بالقول للرجال لأي شيء؛ صيانة لهن عن الفساد؛ وتحذيراً لهن عن أسباب الفتنة، قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣] في هذه الآيات الكريمة ينهى الله سبحانه نساء أفضل الخلق، نساء محمد بن عبد الله ﷺ ، وهل هن مثل نسائنا هذا الزمان؟! لا. وكلا والله، أمهات المؤمنين وهن من خير النساء وأطهرهن ومع ذلك ينهاهن الرب جلَّ وعلا عن الخضوع بالقول للرجال، وما أدراكم ما هو الخضوع بالقول؟ هو تليين الكلام وترقيقه حتى لا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا، وكذلك أمر نساء النبي ﷺ بلزومهن البيوت ونهاهن عن التبرج تبرج الجاهلية.

стр. 767

المقصود بالتبرج وما أدراك ما هو التبرج؟ هو إظهار الزينة والمفاتن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق، ونحو ذلك من الزينة لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة التي تجول في زماننا ونبعت وكثرت في هذا الزمان. فإن الرجل في زماننا إذا طأطأ برأسه ليغض بصره عن الوجه, نظر إلى الفتحة التي تفوق ما على الوجه والساقين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسألك اللهم المخرج من مضلات الفتن يا رب العالمين. إذا طأطأ الرجل رأسه ليغض نظره عن الوجه ونظر إلى أسفل القدمين والساقين والفخذين قد وضع لهما شقا ليخرجن ليفتن المسلمين، فأين الغيرة يا أمة الإسلام؟! أين الأمر بالمعروف؟! هذا ربنا يحذر زوجات رسول الله ﷺ ، يحذرهن من إظهار الزينة ومن الخروج من البيوت لما يترتب على ذلك من إظهار للزينة، لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا. لما كانت ملكة الحياء عند نسائنا كان الرجال أشد منهن حياءً، لذلك إذا تقابل الرجل والمرأة في أسواقنا التي كنا نعهدها ضيقة، وليست تلك الشوارع الفسيحة، إذا التقى الرجل بالمرأة وقف الرجل في أول السوق حياءً أن يمس المرأة في ذلك السوق الضيق، ثم تلتصق المرأة بالجدار -لا إله إلا الله! اللهم ردنا إليك رداً جميلا! - والآن -يا عباد الله- لما اتسعت الشوارع قلّ الحياء، والعياذ بالله من مضلات الفتن. إذا كان الله يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن، فغيرهن أولى وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة، عافانا الله وإياكم من مضلات الفتن، يقول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] فهذه الآية الكريمة ردٌ واضح على من عاند وتعنت في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم, وقد أوضح الله في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء، وأبعد عن الفاحشة وأسبابها، وأشار رب العالمين جلَّ وعلا إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة، وأن التحجب سلامة وطهارة.

стр. 768

الفرق بين الحجاب والبرقع هذه آيات كريمة تدل على الحجاب لمن ابتغى الهدى والرشاد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩].

стр. 769

المقصود بالحجاب ما هو الحجاب؟ هو ما تضعه المرأة على رأسها للتحجب وللتستر به، وهذا الأمر يشمل زوجات النبي وبنات النبي ونساء المؤمنين جميعاً، بإدناء الجلباب على المحاسن من الشعور والوجه وغير ذلك؛ حتى يعرفن بالعفة فلا يفتتن ولا يفتن غيرهن فيؤذين.

стр. 770

البرقع محرم شرعاً وإن مما يجلب الفتنة ويلفت النظر، هو ما يسمى بـ"البرقع" وهو الذي يبين العيون، والبعض من النساء تزيد في فتحة البرقع حتى تبدي ملامح الوجه، وكذلك ترفع العباءة حتى يظهر مفرق رأسها. أمة الإسلام! أين الغيرة؟ أين الإيمان؟ أين تعاليم الإسلام؟ هذا كله من أسباب الفتنة والتعرض للشر، فتنبهوا لذلك يا أولياء أمور النساء وألزموهن بالحجاب، الحجاب حصن حصين للمرأة، يمنع عنها الشكوك والأوهام، كذلك ألزموا النساء بالبيوت فإن البيت للمرأة خير لها وأسلم عاقبة، وبذلك تتم صيانة الأعراض، قال علي ﵁ الخليفة الراشد: [[ألا تستحون؟! ألا تغارون؟! يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال تنظر إليهم وينظرون إليها]] وكان يقول ﵁: [[أكفف أبصارهن بالحجاب، فإن شدة الحجاب عليهن خير من الارتياب، فإن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل]] الله المستعان! فرضي الله عن علي وعن أصحاب رسول الله أجمعين. ويا ليت علي يرى ما وقع فيه النساء اليوم من التبرج وإبداء المحاسن وظهور الفساد والفواحش! ويا ليت علي يرى الكثير من الناس وهم يبيعون العفة والشهامة، ويهينون الكرامة, يا ليته يرى السائق وهو يذهب بالزوجات والبنات إلى الأسواق والمستشفيات وكأنهن مع إخوانهن أو أزواجهن ولا غيرة ولا مروءة، وكأن الرسول ﷺ لم يبعث إلينا ولم يبلغنا البلاغ المبين. أين نحن من قول الرسول: ﴿لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم﴾. أمة الإسلام: لا تقتلوا أحاديث رسول الله، لا تئدوا سنة رسول الله، لا تهدموا الإسلام بمعاول الاستعمار، اتقوا الله يا عباد الله! يقول لكم رسول الله: ﴿لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ فاتقوا الله يا أمة الإسلام!. أيها المسلمون: الحذر الحذر خذوا على أيدي نسائكم, وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج, وإظهار المحاسن والتشبه بأعداء الإسلام، واستيقظوا من غفلتكم قبل أن يحل بكم ما حل بـ لبنان وما حل بالمجاورين لكم وأنتم تنظرون. انتبهوا قبل أن تندموا وحين ذلك لا ينفع الندم، إنما أضرب لكم المثل بـ لبنان؛ لأنا كنا نعرفها وكأنها بين أعيينا نرى ما فيها من المنكرات وما فيها وما فيها، والآن ويا للأسف يتمنون السكون والراحة من ضرب القنابل والمدافع، كل ذلك لما غيروا وبدلوا غير الله عليهم، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أحلل الغيرة في قلوبنا وأغث قلوبنا بالإيمان، أستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 771

التحذير من التشبه بالكافرين الحمد لله على نعمة الإسلام، ونسأله الثبات والوفاة على الإسلام والإيمان، ونشهد أن لا إله إلا الله الواحد المنّان، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدٌ عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ، واحذروا من التيارات والمذاهب الهدامة، احذروا من الانزلاق في المدنية الزائفة التي تجر إلى قلة الحياء, وتجر إلى اتباع الصهيونية والشيوعية، وتجر إلى اتباع الغربية وتقليدهم، تجر إلى نبذ التعاليم الإسلامية, ثم تكون خسارة ووبالاً يوم القيامة. من ذلك -يا عباد الله- التشبه بأعداء الإسلام في الملابس والزي وغيرها، يقول ﷺ : ﴿ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء﴾ ويقول سيد البشرية: ﴿اتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾ ويقول ﷺ فيما يرويه مسلم: ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، فذكر منهما -أي: الصنفين- نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها﴾. احذروا أن يكون هذا الصنف في بناتكم أيها المسلمون، احذروا يا عباد الله! تذكروا فهذا تحذير شديد من التبرج والسفور ولبس الرقيق والقصير من الملابس، وبذلك انعكست المسألة, فصار بعض الرجال يسحب الثياب ويطيلها، وصارت بعض النساء تقصر الثياب, فإنا لله وإنا إليه راجعون. فلنحذر. ولنحذر من التشبه بأعداء الإسلام, فإنه: من تشبه بقوم فهو منهم وكذلك يجب منع البنات الصغار من الملابس القصيرة حتى لا تشب وتعداد ذلك. فاتقوا الله -عباد الله- واحذروا ما حرم الله عليكم، وتعاونوا على البر والتقوى، وتواصوا بالحق والصبر عليه، واعلموا أن الله مجازيكم على أعمالكم وسائلكم عن ذلك، فأعدوا للسؤال جواباً، وللجواب جواباً صواباً، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعطفك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الدين من اليهود والشيوعيين والمستعمرين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً عليه يا مجيب الدعاء. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 772

الخشوع في الصلاة الصلاة عمود الدين، ولا دين لمن لا صلاة له، وإن مما يدل على عظم الصلاة وفضلها أنها فرضت من الله بلا واسطة، وفرضت فوق السماوات السبع، والصلاة صلة بين العبد وربه فعلى العبد أن يحسن الصلة بينه وبين ربه، وأن يجاهد نفسه على الخشوع فيها، والذين لا يخشعون في صلاتهم لا يجدون لها لذة، ولا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ولا يصلونها بسكينة وتؤده، وإنما ينقرونها كالغراب، فلذلك يحسون بثقلها ومشقتها.

стр. 773

الأمر بالمحافظة على الصلوات الحمد لله الذي فرض على عباده الصلوات الخمس, فرضها لحكم بالغة وأسرار لا يعلمها إلا هو سبحانه، وجعلها صلة بين العبد وبين خالقه جل وعلا, ليستنير بذلك قلب المؤمن ويحصل له المطلوب في الدنيا ودار القرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو العزيز الغفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها المسلمون المؤمنون بالله حقاً: اتقوا الله تعالى، وحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ حافظوا على الصلوات بأداء أركانها وشروطها وواجباتها, ثم كملوها بفعل مستحباتها، فإن الصلاة عمود الدين، ولا دين لمن لا صلاة له، هكذا قال ﷺ وهو يلفظ آخر أنفاس الموت يوصيكم بالصلاة: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت إيمانكم﴾. أيها المسلمون: لقد فرضت الصلاة على نبيكم ﷺ من الله جلَّ وعلا بلا واسطة، وفرضت فوق السماوات العلى، وفرضت خمسين صلاة حتى خفضت إلى خمس صلوات في العمل وخمسين في الميزان ألم يكن هذا أكبر دليل على فضلها والعناية بها؟ أيها المسلمون: إن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، يقف العبد بين يدي الله موقف خضوع وإذلال، فيكبر الله معظماً ومخبتاً وخاشعاً له يتلو كتابه العزيز, ويتلذذ بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ويسبحه ويعظمه بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ويسأله من حاجات دينه ودنياه ما يكون وسيلة إلى حلول رضوانه وكرامته.

стр. 774

الحث على الخشوع في الصلاة أيها المسلمون: إنه لجدير بمن كان متصلاً بربه أن ينسى كل شيء دون الله ، وأن يكون حين هذه الصلة خاشعاً قانتاً مطمئناً قلبه، مستريحاً لله وبالوقوف بين يدي الله، ولذلك كانت الصلاة قرة أعين العارفين، يقول صلى الله عليه وسم: ﴿أرحنا بها يا بلال! أقم الصلاة﴾ فهي راحة قلوب العارفين بالله جلَّ وعلا، لما يجدون في الصلاة من اللذة والأنس بمعبودهم ومحبوهم رب العالمين. أيها المسلمون: إنه لجدير بمن دخل الصلاة خاشعاً مطمئناً قانتاً خائفاً من الله مراقباً لله، أن يخرج منها بقلب مملوءٍ فرحاً وسروراً، وإنابة لربه وإيماناً، لذلك كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لما يحصل للقلب منها من النور والإيمان والإنابة. وإنه لجدير بمن عرف حقيقة الصلاة وفائدتها وثمرتها أن تكون أكبر همه، وأن يكون منتظراً إليها، مشتاقاً إليها، ينتظر تلك الساعة في غاية الشوق والفرح والاهتمام؛ لأنه سوف يقف أمام رب العالمين، وسوف يقف بين يدي ملك الملوك، وسوف يقف بين يدي جبار السماوات والأرض، وسوف يقف بين يدي الواحد القهار الذي إذا سأله الحوائج وقال: يا ربِ! قال: لبيك عبيدي ولذلك أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، وهكذا كان يخبر رسول الله ﷺ .

стр. 775

حال من لا يخشعون في الصلاة أيها المسلمون: التجئوا إلى الله وأقيموا الصلاة كما أمركم الله, وكما صلاها رسول الله, حتى تجدوا لها اللذة وتفرح وتستنير بها قلوبكم. أما اللذين يصلون ولا يعرفون فائدة الصلاة ولا يقدرونها حق قدرها؛ لذلك ثقلت عليهم الصلوات، ولم تكن قرة لأعينهم، ولا راحة لأنفسهم، ولا نوراً لقلوبهم، إنما يصلون تقليداً للآباء، أو حياء وخجلاً من الناس، أو عادة لا يعتبرونها عبادة، فهم ينقرون الصلاة نقر الغراب، وإذا صلوا خلف من يطمئن بصلاته، قالوا: أنت منفر، أنت مبعد عن الدين الإسلامي. ويا للأسف الشديد! إنهم يؤولون حديث معاذ بن جبل ﵁، ولا يعلمون ما هي صلاة معاذ بن جبل ﵁، إن معاذاً صلى مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء، وجاء إلى قومه ليصلي بهم، فصلى بهم وقرأ سورة البقرة الله أكبر! وهؤلاء يقولون لمن قرأ بالتين والزيتون، أو بالضحى، أو بالشرح، وأحياناً بعبس: إنك منفر ويقولون لمن قال: سبحان ربي العظيم خمس مرات أو سبع مرات، يقولون: إنك منفر، أئت لنا بالواجب مرة واحدة! هل نحن في حالة خوف يا عباد الله؟! ألسنا في أمن ونعمة وطمئنينة ورغد عيش تستوجب الشكر لله، وتستوجب أن نقوم لله قيام من عرف حقه وحق هذه النعم التي هي تترى علينا ليل نهار؟! إن الذين لا يجدون للصلاة لذة ولا يعرفون لها قدراً، وينقرونها نقر الغراب، ولا يطمئنون فيها، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً من هم أولئك؟ أولئك هم المنافقون، ولا صلاة لهم ولو صلوا ألف مرة؛ لأن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ولذلك قال نبينا ﷺ ، المعلم الأكبر الذي جاء بهذا الدين، الذي قال: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ قال للرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته: ﴿ارجع فصل, فإنك لم تصل﴾ فعل ذلك ثلاث مرات، وفي كل ذلك يذهب فيصلي، ثم يأتي فيسلم على نبينا محمد ﷺ ، فيقول له: ﴿ارجع فصل, فإنك لم تصل﴾. وبعد أن ألقى عذره، قال: ﴿يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني﴾ فعلمه النبي ﷺ ، وأمره بالطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة.
следующие страницы →