Полный текст (1 664 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
التحذير من التشبه بالكافرين
الحمد لله على نعمة الإسلام، ونسأله الثبات والوفاة على الإسلام والإيمان، ونشهد أن لا إله إلا الله الواحد المنّان، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدٌ عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واحذروا من التيارات والمذاهب الهدامة، احذروا من الانزلاق في المدنية الزائفة التي تجر إلى قلة الحياء, وتجر إلى اتباع الصهيونية والشيوعية، وتجر إلى اتباع الغربية وتقليدهم، تجر إلى نبذ التعاليم الإسلامية, ثم تكون خسارة ووبالاً يوم القيامة.
من ذلك -يا عباد الله- التشبه بأعداء الإسلام في الملابس والزي وغيرها، يقول ﷺ : ﴿ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء﴾ ويقول سيد البشرية: ﴿اتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾ ويقول ﷺ فيما يرويه مسلم: ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، فذكر منهما -أي: الصنفين- نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها﴾.
احذروا أن يكون هذا الصنف في بناتكم أيها المسلمون، احذروا يا عباد الله! تذكروا فهذا تحذير شديد من التبرج والسفور ولبس الرقيق والقصير من الملابس، وبذلك انعكست المسألة, فصار بعض الرجال يسحب الثياب ويطيلها، وصارت بعض النساء تقصر الثياب, فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فلنحذر.
ولنحذر من التشبه بأعداء الإسلام, فإنه: من تشبه بقوم فهو منهم وكذلك يجب منع البنات الصغار من الملابس القصيرة حتى لا تشب وتعداد ذلك.
فاتقوا الله -عباد الله- واحذروا ما حرم الله عليكم، وتعاونوا على البر والتقوى، وتواصوا بالحق والصبر عليه، واعلموا أن الله مجازيكم على أعمالكم وسائلكم عن ذلك، فأعدوا للسؤال جواباً، وللجواب جواباً صواباً، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعطفك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الدين من اليهود والشيوعيين والمستعمرين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً عليه يا مجيب الدعاء.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 772
الخشوع في الصلاة
الصلاة عمود الدين، ولا دين لمن لا صلاة له، وإن مما يدل على عظم الصلاة وفضلها أنها فرضت من الله بلا واسطة، وفرضت فوق السماوات السبع، والصلاة صلة بين العبد وربه فعلى العبد أن يحسن الصلة بينه وبين ربه، وأن يجاهد نفسه على الخشوع فيها، والذين لا يخشعون في صلاتهم لا يجدون لها لذة، ولا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ولا يصلونها بسكينة وتؤده، وإنما ينقرونها كالغراب، فلذلك يحسون بثقلها ومشقتها.
стр. 773
الأمر بالمحافظة على الصلوات
الحمد لله الذي فرض على عباده الصلوات الخمس, فرضها لحكم بالغة وأسرار لا يعلمها إلا هو سبحانه، وجعلها صلة بين العبد وبين خالقه جل وعلا, ليستنير بذلك قلب المؤمن ويحصل له المطلوب في الدنيا ودار القرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو العزيز الغفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون المؤمنون بالله حقاً: اتقوا الله تعالى، وحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ حافظوا على الصلوات بأداء أركانها وشروطها وواجباتها, ثم كملوها بفعل مستحباتها، فإن الصلاة عمود الدين، ولا دين لمن لا صلاة له، هكذا قال ﷺ وهو يلفظ آخر أنفاس الموت يوصيكم بالصلاة: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت إيمانكم﴾.
أيها المسلمون: لقد فرضت الصلاة على نبيكم ﷺ من الله جلَّ وعلا بلا واسطة، وفرضت فوق السماوات العلى، وفرضت خمسين صلاة حتى خفضت إلى خمس صلوات في العمل وخمسين في الميزان ألم يكن هذا أكبر دليل على فضلها والعناية بها؟
أيها المسلمون: إن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، يقف العبد بين يدي الله موقف خضوع وإذلال، فيكبر الله معظماً ومخبتاً وخاشعاً له يتلو كتابه العزيز, ويتلذذ بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ويسبحه ويعظمه بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ويسأله من حاجات دينه ودنياه ما يكون وسيلة إلى حلول رضوانه وكرامته.
стр. 774
الحث على الخشوع في الصلاة
أيها المسلمون: إنه لجدير بمن كان متصلاً بربه أن ينسى كل شيء دون الله ، وأن يكون حين هذه الصلة خاشعاً قانتاً مطمئناً قلبه، مستريحاً لله وبالوقوف بين يدي الله، ولذلك كانت الصلاة قرة أعين العارفين، يقول صلى الله عليه وسم: ﴿أرحنا بها يا بلال! أقم الصلاة﴾ فهي راحة قلوب العارفين بالله جلَّ وعلا، لما يجدون في الصلاة من اللذة والأنس بمعبودهم ومحبوهم رب العالمين.
أيها المسلمون: إنه لجدير بمن دخل الصلاة خاشعاً مطمئناً قانتاً خائفاً من الله مراقباً لله، أن يخرج منها بقلب مملوءٍ فرحاً وسروراً، وإنابة لربه وإيماناً، لذلك كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لما يحصل للقلب منها من النور والإيمان والإنابة.
وإنه لجدير بمن عرف حقيقة الصلاة وفائدتها وثمرتها أن تكون أكبر همه، وأن يكون منتظراً إليها، مشتاقاً إليها، ينتظر تلك الساعة في غاية الشوق والفرح والاهتمام؛ لأنه سوف يقف أمام رب العالمين، وسوف يقف بين يدي ملك الملوك، وسوف يقف بين يدي جبار السماوات والأرض، وسوف يقف بين يدي الواحد القهار الذي إذا سأله الحوائج وقال: يا ربِ! قال: لبيك عبيدي ولذلك أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، وهكذا كان يخبر رسول الله ﷺ .
стр. 775
حال من لا يخشعون في الصلاة
أيها المسلمون: التجئوا إلى الله وأقيموا الصلاة كما أمركم الله, وكما صلاها رسول الله, حتى تجدوا لها اللذة وتفرح وتستنير بها قلوبكم.
أما اللذين يصلون ولا يعرفون فائدة الصلاة ولا يقدرونها حق قدرها؛ لذلك ثقلت عليهم الصلوات، ولم تكن قرة لأعينهم، ولا راحة لأنفسهم، ولا نوراً لقلوبهم، إنما يصلون تقليداً للآباء، أو حياء وخجلاً من الناس، أو عادة لا يعتبرونها عبادة، فهم ينقرون الصلاة نقر الغراب، وإذا صلوا خلف من يطمئن بصلاته، قالوا: أنت منفر، أنت مبعد عن الدين الإسلامي.
ويا للأسف الشديد! إنهم يؤولون حديث معاذ بن جبل ﵁، ولا يعلمون ما هي صلاة معاذ بن جبل ﵁، إن معاذاً صلى مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء، وجاء إلى قومه ليصلي بهم، فصلى بهم وقرأ سورة البقرة الله أكبر! وهؤلاء يقولون لمن قرأ بالتين والزيتون، أو بالضحى، أو بالشرح، وأحياناً بعبس: إنك منفر ويقولون لمن قال: سبحان ربي العظيم خمس مرات أو سبع مرات، يقولون: إنك منفر، أئت لنا بالواجب مرة واحدة! هل نحن في حالة خوف يا عباد الله؟! ألسنا في أمن ونعمة وطمئنينة ورغد عيش تستوجب الشكر لله، وتستوجب أن نقوم لله قيام من عرف حقه وحق هذه النعم التي هي تترى علينا ليل نهار؟!
إن الذين لا يجدون للصلاة لذة ولا يعرفون لها قدراً، وينقرونها نقر الغراب، ولا يطمئنون فيها، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً من هم أولئك؟ أولئك هم المنافقون، ولا صلاة لهم ولو صلوا ألف مرة؛ لأن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ولذلك قال نبينا ﷺ ، المعلم الأكبر الذي جاء بهذا الدين، الذي قال: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ قال للرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته: ﴿ارجع فصل, فإنك لم تصل﴾ فعل ذلك ثلاث مرات، وفي كل ذلك يذهب فيصلي، ثم يأتي فيسلم على نبينا محمد ﷺ ، فيقول له: ﴿ارجع فصل, فإنك لم تصل﴾.
وبعد أن ألقى عذره، قال: ﴿يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني﴾ فعلمه النبي ﷺ ، وأمره بالطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة.
стр. 776
الوسوسة في الصلاة وعلاجها
أيها المسلمون: إن الكثير من الناس يصلي بجسمه لا بقلبه؛ لأنه جاء إلى المسجد بجسمه، وقلبه في كل واد يجول، يفكر في كل شيء حتى في الأمور التي لا مصلحة له منها، وهذا ينقص الصلاة نقصاً كبيراً, ويجعلها قليلة الفائدة للقلب بحيث يخرج هذا المصلي من صلاته وهي لم تزده إيماناً ولا نوراً.
وقد فشى هذا الأمر -أعني الوسوسة في الصلاة- ولكن الذي يعين على إزالته هو أن يفتقر العبد إلى ربه، ويأتي الصلاة برغبة، ويقبل على الله بقلب حاضر، ورغبة فيما عند الله ، ويعلم علم اليقين أنه فقير وعبدٌ لله يريد من الله العون والنجاة في الدنيا والآخرة، ويسأله دائماً أن يعينه على إحسان العمل، وأن يستحضر عند دخوله في الصلاة أنه سوف يقف بين يدي ربه وخالقه الذي يعلم سره ونجواه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وأن يعتقد أنه إذا أقبل على ربه بقلبه أقبل الله عليه، وإن أعرض أعرض الله عنه، وأن يؤمن بأن روح الصلاة ولبها هو الخشوع فيها وحضور القلب، ويعلم أن حضور الصلاة بلا خشوع كالجسم بلا روح.
ومن الأمور التي تستوجب حضور القلب أن يستحضر معنى ما يقول وما يفعل في صلاته، وأنه إذا كبر ورفع يديه فهو تعظيم لله، وإذا وضع اليمنى على اليسرى فهو ذل بين يدي ربه ، وإذا ركع فهو تعظيم لله، وإذا سجد فهو تصاغر أمام علو الله جلَّ وعلا، وأنه إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] أجابه الله من فوق عرشه قائلاً: حمدني عبدي.
وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله: مجدني عبدي الله أكبر! يجيبه رب العالمين، يجبيه الخالق جلَّ وعلا، يجيبه من بيده ملكوت كل شيء -فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل هكذا يجيبك مولاك من فوق سبع سماوات، فاستحضر ذلك.
واعلم أنك إذا قلت: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى, وإن كنت تقولها بصوت خفي، وإن كنت تقولها في محل مظلم, فإن الله تعالى يراك ويسمعك وهو فوق عرشه, فما ظنك إذا آمنت بأن الله تعالى يقبل عليك إذا أقبلت عليه في الصلاة، وأنه يسمع كل قول تقوله وإن كان خفياً، ويرى كل فعل تفعله وإن كان يسيراً، فهو تعالى المحيط بعبده علماً وقدرة وتدبيراً، وسمعاً وبصراً, وغير ذلك من معاني ربوبيته.
فاتقوا الله -أيها المسلمون- وأقيموا صلاتكم وحافظوا عليها، واخشعوا فيها، فقد قال ربكم في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] من هم؟ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢].
اللهم اجعلنا من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون, وعليها محافظون, وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا كريم، وتقبل منا صالح الأعمال يا رب العالمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأسأل الله بمنِّه وكرمه ألا يجعله حجة عليّ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 777
الحث على صلاة الجماعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك الناصح الأمين, وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واحرصوا على أداء الصلوات المكتوبة في جماعة, وفي أول أوقاتها, ولا تتخلفوا عن الجماعة، فإن في تخلفكم عن الجماعة إضاعة لأمر الله , ولأمر رسوله ﷺ ، حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام:٧٢] وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وقول الرسول ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم﴾ متفق عليه.
والمتخلف عن الجماعة فوت على نفسه خيراً كثيراً، فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة﴾ متفق عليه وقال ﷺ : ﴿إذا توضأ العبد فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة, وحطت عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلات ما انتظر الصلاة﴾.
متفق عليه.
ويقول أبو هريرة ﵁: ﴿جاء رجل أعمى إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل النبي ﷺ أن يرخص له أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ولّى دعاه, فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم.
قال: فأجب﴾ رواه مسلم.
فكيف بمن يسمع النداء فوق رأسه ومن الإذاعة والتلفاز، ثم لا يجيب منادي الله ؟! إنها مصيبة عظمى أصيب بها أكثر الناس، وهي بعدهم عن الله وعن الصلاة وأدائها فمن ترك الصلاة متعمداً فهو كافر، وسوف يكون في سقر، وسقر: اسم من أسماء جهنم, وأما المتهاون بها فسوف يلقى غياً أو غيلاً، وكلاهما واديان في جهنم لمن اتبعوا الشهوات وأضاعوا الصلاة.
اللهم نجنا من النار, ووفقنا للقيام بطاعتك يا كريم، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
عباد الله: صلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليها بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الناصح الأمين، الذي دل الأمة على كل خير وحذرها عن كل شر، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الدين، اللهم انصر من نصر الإسلام وأهله، واخذل من خذل الإسلام وأهله، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، واجعلهم قرة أعين لوالديهم يا رب العالمين، اللهم انصر بهم دينك، اللهم أعلِ بهم كلمتك، اللهم اجعلهم سلماً لأوليائك حرباً لأعدائك، اللهم اشف ما ببعضهم من الأمراض الاجتماعية التي أدت إلى الهوس يا رب العالمين، اللهم أصلحنا جميعاً واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
اللهم وفقنا لامتثال أمرك وامتثال أمر رسولك ﷺ ، اللهم أصلح قلوبنا واشف مرضها، اللهم املأ قلوبنا من محبتك وخشيتك، ومن معرفتك ومن الأنس بقربك، واملأها حكمة وعلماً ومعرفة بك يا رب العالمين رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن ترفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 778
الخمور
أباح الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث والمضرات، ولقد كرم الله بني آدم بكرامات كثيرة، أهمها العقل؛ لكن تجد من الناس من يجني على هذا العقل بشرب الخمور والمسكرات.
وهنا نداء إلى شارب الخمر قبل فوات الأوان.
стр. 779
إباحة الطيبات وتحريم الخبائث
الحمد لله الذي أباح لنا جميع الطيبات، وحرم علينا الخبائث والمضرات، أباح لنا الطيبات تفضلاً منه وولاية، وحرم علينا المضرات عناية منه ووقاية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.
أما بعد:
أيها المؤمنون: اتقوا الله حق التقوى، وتمتعوا بما أحل الله لكم من الطيبات، واشكروه عليها بالقيام بطاعته، فإن الشكر سبب للمزيد، واسمعوا إلى الرءوف الرحيم، وهو يحثكم على الأكل من الطيبات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢].
أيها المسلمون! إن الله أنزل القرآن الكريم على سيدنا محمد ﷺ ، نوراً وهدىً، فيه آيات بينات، وسبل واضحات، من اتخذه إماماً وقائداً؛ سعد في دنياه وفاز في أخراه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] ومن ترك العمل بالقرآن، وما جاء به رسول الله ﷺ ؛ ضل في دنياه وشقي في أخراه ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢].
أيها المسلمون: هذا العمى المذكور في الآية الكريمة سببه اجتراح السيئات، وفعل المنكرات، فإن المعاصي توجد في القلب ظلمة حقيقية، يشعر بها العاصي -إن كان له ضمير- كما يشعر بظلمة الليل البهيم، وتزداد هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تعلوا وتكون سواداً في الوجه، وذلك هو الران الذي ذكره الله في كتابه قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
стр. 780
المسكرات تذهب بالعقول
أيها المسلمون: إن المعصية سبب لهوان العبد على الله جل وعلا وسقوطه من عينه، وإذا هان العبد على ربه لم يجد من يكرمه، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨] ويقول جل علا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠].
نعم.
الله يكرم بني آدم بكرامات كثيرة، وفي مقدمة هذه الكرامة العقل، إن العقل نعمة كبرى، ثم يجني بعض بني آدم على هذه الجوهرة وهذا العقل السليم ويزيله بما حرم الله عليه، وذلك بالمسكرات والمخدرات من خمور وغيرها، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وهذه المسكرات من الخمور وغيرها توعد الله فاعلها بالخزي في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأخزى؛ لأن الخمر أم الخبائث، ورأس الخبايا، ودليل إلى النار، وهي جالبة لغضب الجبار، فهي التي تيسر للعبد سبل الفساد وتجعله يشتري الجنون بدل الرشاد، ويشتري الجنون بماله الذي تعب فيه، ويبيع كنزاً ثميناً، بل يجني عليه أكبر جناية، ألا وهو العقل الذي ركبه الله فيه.
أمة الإسلام: إن شارب الخمر خاسر شرفه، ساقطة مروءته، مرذول بين المجتمع، شارب الخمر لو يرى نفسه وهو سكران، يمشي ويطيش ويتمايل في الطريق والناس يضحكون عليه ويستهزئون به، لو يرى نفسه في تلك الحالة ما قارب الخمر، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، اللهم إنا نسألك العفو والعافية يا رب العالمين.
стр. 781
عاقبة شارب الخمر في الدنيا ويوم القيامة
يا شارب الخمر! أين كرامتك حين يراك من كان يظن أنك من المكرمين، بل أين الإسلام وأنت لا تخاف رب العالمين!
إن كان شارب الخمر تاجراً، فلا يأمن الإسلام فإن الله قد توعد شاربها بالفقر والجنون والفضيحة بين الناس.
وإن كان شارب الخمر موظفاً فستكون عاقبة أمره التشريد والعذاب الشديد، وقد أجمع الأطباء على أن شارب الخمر يصاب بأمراض كثيرة فتاكة، منها: السل والشلل، واحتقان الكبد، وإفساد المعدة، وتغير الخلق، فالسكارى يسارع إليهم التشوه وتسود وجوههم، ويكون كالهرمِ جسماً وعقلاً.
فالخمر تضر الجسد ضرراً بالغاً، وتقتله قتلاً فاتكاً ذريعاً، وتؤثر على عقول الذرية، فولد السِكِير لا يكون نجيباً ولا ذكياً، بل ربما يصاب بالخبل والجنون، فهذا بعض ما يصاب به شارب الخمر في الدنيا.
أما يوم القيامة، أما يوم الحسرة والندامة، أما يوم الفضيحة، أما يوم الاجتماع الأكبر، فيجيء شارب الخمر متحمل وزره وفضيحته.
وعندما يضع شارب الخمر على فمه الكأس، يقول الإيمان للكأس: انتظر حتى أخرج من القلب وتحل أنت فيه؛ لأنه لا يجتمع الخمر والإيمان معاً في قلب مؤمن، بهذا أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وكما أخبر ﷺ : ﴿أن الله لعن الخمر وشاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومبتاعها وساقيها ومستاقها وآكل ثمنها﴾.
وقال ﷺ : ﴿ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات﴾ أي: الزواني، يسقى شارب الخمر من هذا النهر الذي يجري من فروج الزواني، الذي يؤذي أهل النار ريح فروجهن.
فهل يرضى عاقل من العقلاء أن يكون هذا حاله يوم القيامة؟!
وهل تعلم يا شارب الخمر أنك بعد شربها، لا يقبل الله منك صلاة ولا صياماً أربعين صباحاً، وهل سمعت يا شارب الخمر أنك يوم الهول الأكبر تشرب من عرق أهل النار، فيقطع أمعاءك ويشوي لحم وجهك وبدنك، وتكون من الخاسرين، الذين خسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
стр. 782
الإجماع على تحريم الخمر
أيها المسلمون: أيها المؤمنون بالله حقاً! لقد أجمع علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في قديم الزمان وحديثه، على أن الخمر حرام إجماعاً قطيعاً لا ريب فيه، فمن قال أن الخمر حلال فهو كافر يستتاب، فإن تاب وأقر بتحريمها ترك، وإلا قتل كافراً مرتداً، لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإنما يرمى بثيابه في حفرة بعيدة، لئلا يتأذى المسلمون برائحته وأقاربه بمشاهدته، ولا يرث أقاربه من ماله، وإنما يصرف ماله في مصالح المسلمين، ولا يدعا له بالرحمة، ولا بالنجاة من النار؛ لأنه كافر مخلد في نار جهنم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٦].
نعم أيها المسلمون! إن من اعتقد أن الخمر حلال فهو مضاد لله، مكذب لرسول الله ﷺ ، خارج عن إجماع المسلمين، أما من شرب الخمر وهو يؤمن ويعتقد بأنها حرام، ولكن سولت له نفسه الأمارة بالسوء فشربها، فهو عاق لله، فاسق عن طاعة الله، مستحق للعقوبة، وعقوبته في الدنيا أن يجلد ردعاً له ولغيره، فإذا تكرر من الشارب الشرب وهو يعاقب ولا يرتدع، فقال ابن حزم ﵀: "يقتل في الرابعة" إذا شرب الرابعة يقتل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يقتل في الرابعة عند الحاجة، إذا لم ينته الناس بدون القتل".
стр. 783
من أضرار المسكرات
فاتقوا الله أيها المسلمون! واجتنبوا الخمر لعلكم تفلحون، فلقد وصفت الخمر بأقبح الصفات في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ ، وصفها الله بأنها رجس من عمل الشيطان، وقرنها بالميسر والأزلام وعبادة الأوثان، وقال ﷺ : ﴿اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر﴾ وصدق رسول الله ﷺ ، فإن الخمر مفتاح كل شر، وجماع الإثم كله، إن شاربها يفقد عقله، ويلتحق بالمجانين، وربما يقتل نفسه وهو لا يشعر، وربما يزني بأمه وأخته وابنته وخالته وعمته وهو لا يشعر، كل هذا يحصل إذا فقد الشعور بسبب أم الخبائث وبسبب شرب المسكرات.
لقد رُئي الكثير من سائقي السيارات الكبيرة وهم يصطدمون بالجدران وهم فاقدو الوعي، وقد رُئي الكثير من سائقي السيارات وهم يختلطون بدمائهم والمسكرات جميعاً -نسأل الله العفو والعافية- فكثير من الحوادث سببها المسكرات، ومنها أكل الحبوب التي غزت المسلمين.
اللهم لك الحمد وعليك المشتكى وأنت المستعان، وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم من أتى بالحبوب والمسكرات إلى بلاد المسلمين؛ ليفسد البلاد ويؤذي العباد، اللهم اجعل منيته في طريقه، اللهم اجعل منيته في طريقه، اللهم اجعل منيته في طريقه.
اللهم من أتى بالمسكرات والمخدرات إلى بلاد المسلمين، لينشر الشر والفساد فاجعل منيته في طريقه، اللهم اجعله فريسة للسباع، اللهم اجعله فريسة للسباع، اللهم مغنماً للسباع يا رب العالمين، اللهم أنت حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
اللهم إن نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، أن تجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه إنك على كل شيء قدير.
وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 784
نداء لشارب الخمر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح لأمته، وترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صلِّ وسلم على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، واسمعوا وأطيعوا.
عباد الله: الله الله بالابتعاد عن المسكرات والمخدرات، فقد علمتم ما تقدم من الآيات والأحاديث أن الخمر أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم، وعلمتم أن عذاب شاربها أليم، وأنها أم الخبائث ورأس الخطايا، ومفتاح الشرور، ودليل إلى النار، وجالبة لغضب الجبار، فالحذر الحذر يا عباد الله! فليتق الله شارب الخمر، وليفكر بالموت وسكراته، والقبر وظلماته، ولِيَتُب إلى الله، وليعمل صالحاً، وليقل لنفسه ويؤنبها: نفسي ذهب الصبا وولى وجاء المشيب، وقد قضيت عمري في اللهو فهل ترجعين؟!
نفسي إن كان قد غرك الشباب فالعمر ينتهي كلمح البصر، وإن كان غرك المال فما أنتِ من قارون أغنى وقد خسف الله به الأرض، وإن كان غرك نضرة الوجه، فالدود ينتظر أن يشبع من لحم الخدود.
فكر يا شارب الخمر فيما سمعت، وعظ نفسك لعلها ترق وتلين، وافتح آذان قلبك لعلك ترجع عن غيك، واذكر يوماً يقوم فيه الناس لرب العالمين، يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، يوم يعض الظالم على يديه نادماً على ما جناه ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩] فاتقوا الله عباد الله! وأحسنوا سيرتكم وأفعالكم مع الله، وتجنبوا ما يخجلكم ويخزيكم عند الوقوف بين يدي الله.
وصلوا وسلموا على الناصح الأمين، صلوا وسلموا على رسول الله، على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك بأن نشهد أنه لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، نسألك باسمك العظيم، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سألت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استنصرت به نصرت، أن تعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم انصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم انصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل.
اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقنا وإياهم لما تحب وترضاه، وجنبنا وإياه ما تبغضه وتأباه، اللهم أرنا جميعاً الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا جميعاً الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، إنك على كل شيء قدير، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، وجميع إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم أصلح أحوال المسلمين وألف ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 785
الدخان ومضاره
اعتنى الإسلام بالمسلم من كل جانب، ومن ذلك صحته، فقد حرم عليه محل ما يضره أو يضر غيره، ومن ذلك التدخين.
وقد تحدث الشيخ عن مضار التدخين الصحية والاجتماعية والدينية، وعرض قول العلماء فيه من أصحاب المذاهب الأربعة وأنه لا يجوز بأي اسم أو صورة كان.
стр. 786
تحريم المذاهب الأربعة للتدخين
الحمد لله, كرّم بني آدم وحملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, أحلَّ لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث, وهي من صفة نبينا محمد ﷺ , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله ليتمم به مكارم الأخلاق, ويدعو إلى كل فضيلة، وينهى عن كل رذيلة, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، واحذروا المعاصي بأنواعها, واحذروا المروجين للمعاصي الجالبين للمسلمين ما فيه ضررهم في دينهم ودنياهم وأبدانهم, الذين يسعون لجلب الدخان, أو التتن, أو التبغ, وكلها مسميات لأبي الخبائث الدخان, الذين يسعون لاستيراده, المتساهلين بما فيه من الخطورة والداء العضال, وقد تساهل فيه كثير من الناس حتى عمَّ المجتمعات وابتلي به كثير من الأفراد, وربا عليه الصغير في هذا الزمان، وهرم عليه الكبير إلا من رحم ربك.
والدخان لم يوجد إلا حديثاً, ولم يوجد في عهد السلف , ولقد ذهب كثير من العلماء إلى تحريم الدخان, منهم العيني من فقهاء الحنفية، قال ﵀: يحرم الدخان لكونه مضر للصحة بأخبار الأطباء المعتبرين، وكل ما كان كذلك فيحرم استعماله اتفاقاً, ولأنه من المخدرات المتفق عليها عندهم المنهي عن استعمالها شرعاً, للحديث: ﴿نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر﴾ والدخان مفتر باتفاق الفقهاء سلفاً وخلفاً, ولكون رائحته الكريهة تؤذي الناس الذين لا يستعملونه وخصوصاً في مجامع العبادات ونحوها, ويؤذي الملائكة المكرمين, وفي الحديث المتفق على صحته: ﴿إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم﴾ , ولكون الدخان سرفاً وتبذيراً إذ ليس فيه نفع مباح خالٍ عن الضرر, بل فيه الضرر المحقق باختيار أهل الخبرة، هذا كلام الحنفية.
وقال الشيخ/ خالد بن أحمد بن عبد الله من المالكية: لا تجوز إمامة من يشرب الدخان, وإن لم يدمن عليه, والصلاة خلفه باطلة على الأرجح, ولا تجوز شهادته وهي باطلة ثم قال ﵀: لا يجوز الاتجار في ذلك يعني الدخان، هذا مذهب المالكية.
وقال الشيخ/ ابن علان الصديقي من الشافعية ﵏ في إعلام الإخوان بتحريم تناول الدخان: وقد اتفق العلماء على حفظ العقول وصونها من المفترات والمخدرات, وكل من امتص هذا الدخان مُقر بأنه لا بد أن يدوخ أول تناوله, ويكفي ذلك دليل على التحريم, لأن كل ما غير العقل بوجه من الوجوه أو أثر فيه بطريق تناوله فهو حرام، قال ﷺ : ﴿كل مسكر حرام﴾ والمراد بالإسكار فيه الإسكار القوي, أي: مطلق التغطية على العقل, وإن لم يكن معه الشدة المطربة، ولا شبهة أنها حاصلة لكل متناول أول ما يتناول الدخان.
وقوله: إذا تناوله بعد لا يؤثر فيه ذلك, لا ينفي سبب التحريم؛ لأن مدمن الخمر إذا اعتادها لا تؤثر فيه تغييراً أصلاً, ولا يخرجها ذلك عن كونها حراماً, اعتباراً بأصل التغيير الثابت فيها للعقول.
قال بعض العلماء ﵏: التنباك حرام -أي: الدخان- ومن دلائل تحريمه أن فيه إضاعة المال من غير فائدة, لا في الدين ولا في الدنيا, وهو إسراف، والإسراف ممنوع لقول ربنا جل وعلا ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:١٤١] ولقوله ﵎: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ [الإسراء:٢٦] ولقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء:٥] وأي سفاهة فوق أن يحرق الإنسان ماله, ويحرق قلبه وصدره بلا فائدة؟
والدخان عبث, والعبث مذموم, والدخان خبيث يستخبثه من لا يشربه ولا يصاحب شاربه, وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] مع تلك المضار الكثيرة أنه ينتن الفم الذي هو محل ذكر الله , ويحصل منه سواد الشفتين، وعلى كل حال هو شيء لا خير فيه.
стр. 787
أضرار التدخين الصحية
ومن فقهاء الحنابلة الشيخ/ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قال في أثناء جوابه: وبما ذكرنا من كلام الرسول ﷺ وكلام أهل العلم يتبين لك تحريم الدخان الذي كثر في هذا الزمان استعماله, وصحَّ بالتواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات خصوصاً إذا أكثر منه أو تركه يوماً أو يومين لا يشربه ثم شربه فإنه يسكر, ويزيل العقل حتى إن صاحبه يحدث عند الناس ولا يشعر بذلك, فهذا ما قاله العلماء والأطباء, وإليك ما فيها -أي: مقالات العلماء- من مضار الدخان:
١ - أنه إسراف وتبذير، وشارب الدخان يعدي أولاده, وخصوصاً الذين يشربونه أمام الأولاد, وربما يرسلون أولادهم يشترون لهم من الدكان.
٢ - الدخان يثقل على العبد العبادات, فلا تراه في الصف الأول, ويبغض إليه المكث في المساجد, ويكره صاحبه الصيام, ويدعو شاربه إلى مخالطة الأنذال والسُفَّل، ويزهده في مجالسة الأخيار.
٣ - الدخان يؤذي المسلمين, ويؤذي الكرام الكاتبين, ويلوث الفم واللسان والحلق والصدر, وكلها مواضع ذكر لله, ومن أراد أن يتبين ذلك فليمر على صاحب فرن ولينظر في قلبه فإنه يجول مثل ذلك الفرن الملتهب ناراً, وقلبه أسود من كثرة ممارسة الدخان.
٤ - من مضار الدخان احتوائه على مادة (النيوكوتين) السامة، والدخان يعرض شاربه لأمراض خطيرة في بدنه, ومن ذلك تعسير الهضم وإحداث التهاب في الرئتين, وإحداث السعال, وتعطيل الشرايين الصدرية, وعسر التنفس, وتشويش انتظام دقات القلب.
٥ - شارب الدخان يعين على قتل نفسه والله حرم ذلك: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩].
٦ - الدخان يضعف البصر, ويضر بالعقل, ويورث الحمق وسرعة الغضب, ويخرب كريات الدم, ويحطم الأعصاب, ويؤدي إلى مرض السل الرئوي, ومرض السرطان, ويسود الفم والوجه, ويتلف الأسنان ويذهب نظرتها, ويكرهها للناظرين, ويحدث الأرق وعدم النوم, ويحدث التيبس في الكبد, ويحدث مرض الفالج.
فهذه بعض الأمراض الناتجة عن الدخان أبا الخبائث.
فالواجب على العاقل الناصح لنفسه أن يتوب إلى الله عز جل عن شربه قبل أن يموت بسببه, فيكون قد أعان على قتل نفسه.
اللهم اعصمنا عن كل محرم، اللهم أصلح أولادنا ونسائنا، اللهم اكفنا بالحلال عن الحرام، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا ما تبغضه وتأباه يا رب العالمين، يقول ربكم بعد أعوذ بالله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:٩ - ١٣].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 788
أضرار التدخين الاجتماعية والدينية
الحمد لله يهدي من يشاء, ويضل من يشاء, ومن يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل الخلق على الإطلاق، ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله وراقبوه في السِّر والعلانية, وابتعدوا عن جميع ما يغضب الرب جل وعلا, ابتعدوا عن مجالسة الأشرار, ابتعدوا عن مجالس السوء، وتأملوا ما جاءت به الشريعة من إحلال الحلال وتحريم الحرام؛ فإن الشريعة أحلت ما فيه مصالح للعباد, وحرمت ما فيه مضار للعباد.
وللدخان مضار كثيرة فمن مضاره ما ذكرته سابقاً, وكذلك للدخان مضار اجتماعية وهي: انتشار الفساد في المجتمع, وكثير من الذين يشربون الدخان الآن لا يبالون بانتشاره بين الناس, بل يشربونه أمام الناس وأمام أولادهم الصغار, وهذا لا شك يهون شربه عند الصغار ويؤدي إلى نتيجة حتمية وهي: أن الصغار إذا اعتادوه في الصغر فتك بهم فتكاً عظيماً, ثم لا يستطيعون الخلاص منه عند الكبر إلا بعد المشاقة الكبيرة.
وأما مضاره الدينية: فإن المحققين من أهل العلم الذين عرفوا مصادر الشريعة ومواردها وسلموا من الهوى قد تبين لهم تحريم الدخان من عمومات النصوص الشرعية, وقواعد الدين المرئية, وإذا كان حرام فثمنه حرام, ومعامله عاصياً لله ولرسوله, وبائعه عاصٍ الله ولرسوله, ضار لأمته ومجتمعه وأولاد المسلمين.
وبائع الدخان سوف يلقى جزاءه أمام رب العالمين إذا سأله تلك المسائلة فليعد الجواب وليقل: إن الزبائن يبتعدوا إذا لم يجدوا عندي دخان, ليعد هذا الجواب البائخ, ليعد هذا الجواب الفاشل أمام رب العالمين.
وسيقول له الله أنه أخبرنا في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨].
أمة الإسلام! الدخان ضرر في الدين؛ فإن الإيمان ينقص في المعصية ويزيد في الطاعة, وقد ألَّف كثير من علماء المسلمين في تحريمه عدة نسخ, جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.
ونصيحتي -أيها المسلمون- لمن مَنَّ الله عليه بالعصمة من هذا الدخان, أن يحمد الله على هذه النعمة, ويسأله الثبات عليها، ويدعو لإخوانه بالعصمة من هذه الدخان الخبيث.
أما نصيحتي بمن ابتلوا به بأن يتأملوا بدقة وإمعان في مضار الدخان ونتائجه, ليقتنعوا بضرورة الاقتناع منه، ويهون عليهم تركه واجتنابه, وأن يلحوا على ربهم بالدعاء أن يعصمهم منه ويستعينوه على ذلك, ويستعملوا الأسباب التي تعينهم على تركه, وذلك بقوة العزم وعدم الجلوس في كل محل يشرب فيه الدخان, والتسلي بما أباح الله لهم من الطيبات من المطاعم والمشارب, ولينظروا في حال من عافاه الله كيف عادت لهم صحتهم وقوتهم وزالت عنهم الأضرار الناتجة عن شرب الدخان والحمد لله رب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢].
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى علي صلاة، صلَّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم اجعلنا ممن يحلون الحلال ويحرمون الحرام ويجتنبونه، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين من اليهود والنصارى المبشرين والشيوعيين, اللهم دمرهم تدميراً, اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك, ومزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين, اللهم أعزنا بالإسلام وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعلنا وإياهم هداة مهتدين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العليم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 789
الربا
الربا مرض عظيم يفتك بالمجتمع، ويقطع الأواصر، وينشر الاستغلال، وينزع الرحمة، ويحل الغضب والحرب من الله، والتحايل عليه لا يجدي عند الله، ولا يخرجه عن اسمه، ولا يعفي مرتكبه من أنه قارف كبيرة، وهذه الخطبة تتحدث حول الربا وأحكامه.
стр. 790
مفاسد الربا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى: ﴿ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 791
النهي عن الربا في القرآن والسنة
فيا عباد الله: اتقوا الله ، اتقوا ربكم الذي أمركم بالحلال ونهاكم عن الحرام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣٢].
نعم.
يا عباد الله! هذا القرآن العظيم صارخاً ومحذراً من هذه الجريمة الوخيمة، ومتوعداً من ارتكب هذه الكبيرة ألا وهي الربا، ثم تأتي السنة، الوحي الثاني وتحذر تحذيراً بليغاً، ويقول فيه رسول الله ﷺ : ﴿اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: ما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلان المؤمنات﴾ حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
الشاهد من هذا الحديث: (أكل الربا) فأكل الربا من الموبقات المهلكات، أكل الربا من كبائر الذنوب.
أيضاً في الحديث المروي عن رسول الله ﷺ : ﴿الربا ثلاثٌ وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه﴾.
أيضاً: ﴿لعن الرسول ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء -يعني: في الإثم-﴾ حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
أيها المسلمون! لقد توعد الله آكل الربا بالنار، وآذنه الله بالحرب، ولعنه رسول الله ﷺ إذا لم يتب ومات على تلك الحالة، يقول ﷺ : ﴿درهمُ رباً يأكله الرجل وهو يعلم أنه رباً أشد من ستٍ وثلاثين زنيه﴾.
ويقول الرسول ﷺ في حديث الإسراء: ﴿ورأيت رجلاً يسبح في نهر دم، وكلما جاء يخرج من هذا النهر استقبله رجلٌ آخر على شاطئ النهر وبين يديه حجارة ويرجمه بحجرٍ في فيه حتى يرجع حيث كان﴾.
وسأل عنه ﷺ -سأل عن هذا الرجل الذي يعذب في هذا النهر من الدم ويلقم الحجارة- فأخبر أنه كان آكل الربا.
стр. 792
الربا مفسدة على المجتمع
أيها المسلمون! إن الربا فسادٌ في المجتمع، واستغلال يبنى على الشح والطمع، آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يتخبطه الشيطان من المس، وذلك علمٌ لأكلة الربا يعرفهم به أهل الموقف، ويقول عمر بن الخطاب ﵁ في حديثٍ مرفوع: ﴿إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بلاءً فلا يرفعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم﴾.
ويقول ابن مسعود ﵁: [[إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله بهلاكها]].
وكما ذكرنا في الحديث السابق: أن آكل الربا يعذب من حين يموت إلى يوم القيامة بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم ويلقم الحجارة؛ والحجارة هو المال الذي جمعه من حرام، فكما ابتلع الحرام الذي جمعه في الدنيا يبتلع هذا العذاب له في البرزخ قبل يوم القيامة مع لعنة الله له كما صح عن رسول الله ﷺ .
стр. 793
صور التحايل على الربا
أيها المسلمون: احذروا من الربا، احذروا من الربا يا عباد الله، والربا كثير، وقد كثر في بلدان المسلمين.
стр. 794
ربا البنوك
إن للتحايل على الربا صوراً كثيرة أكثرها شيوعاً ما ظهر في البنوك علانية بين أظهر المسلمين؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.
стр. 795
طريقة المداينة
ومنها يا عباد الله! طريقة المداينة التي يستعملها كثير من الناس وهي: أن يتفق الدائن والمدين أولاً على المعاشرة، يتفق معه على الدراهم يقول: أريد عشرة آلاف ريال العشرة بعشرة ونصف أو العشرة اثنا عشر أو العشرة إحدى عشر مثلاً، ثم يذهب الدائن والمدين إلى صاحب دكان عنده أموال مكدسة إما سكر أو ربطات خام أو غيرها، فيشتريها الدائن شراءً صورياً تحيلاً على الله ليس له بها غرض سوى الوصول إلى بيع العشرة بعشرة ونصف أو العشرة بإحدى عشرة أو العشرة باثني عشر إلى غير ذلك من الحيل، والدليل الذي يوضح أنه شراء صوري أنه لا يكاثر بالثمن، ولا يقلب السلعة، ولا يفتشها كما يفعل المشتري حقيقة، وربما كانت تلك الأموال قد أفسدها طول الزمن، أو أكلتها الأرض؛ لأنها لم تنقل وإنما جعلت حيلاً للربا، جعلت فخاً ليصطاد بها الفقراء المحتاجين؛ الذين تحوجهم الدنيا حتى يأتون إلى أهل الطمع والجشع ليصطادوهم بذلك الفخ.
عباد الله: هذا الشراء الصوري؛ يبيع الدائن هذه السلع على المدين اتفاقاً عليها في الربح ثم يعود المدين فيبيعها على صاحب الدكان وهي في محلها، ويخرج من الدكان بدراهم؛ وهذا هو عين التحايل.
стр. 796
مفاسد ومحاذير البيع الصوري
أيها المسلمون: إن المداينة بهذا البيع الصوري الذي يعلم الله جل وعلا ويعلم المتبايعان أيضاً أنهما لم يريدا حقيقة البيع وإنما أراد دراهم بدراهم فإن هذه المداينة تشتمل على عدة محاذير:
الأول: أنها تحايل على المحرم وخداع لله ورسوله، والخداع من عادة المنافقين قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩].
فنقول لهذا المتحايل: إن حيلتك لن تغني عنك من الله شيئاً: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] ألم تعلم أن الله ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ألم تعلم أن الحساب يوم القيامة على ما في قلبك أيها المخادع.
والمحذور الثاني: أن هذه المعاملة توجب قسوة القلب والتمادي في الباطل.
والمحذور الثالث: أن في هذه المعاملة معصية لله ورسوله فقد ﴿نهى النبي ﷺ عن بيع السلع حتى تنقل﴾ فكيف يليق بصاحب الدكان أن يشتريها بعدما بيعت وهي في مكانها، قال ابن عمر ﵄: ﴿كان الناس يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه﴾ رواه البخاري.
وعن زيد بن ثابت ﵁ ﴿أن النبي ﷺ نهى أن تبتاع السلع -أي: تشترى- حتى يحوزها التجار إلى رحالهم﴾ فكيف ترضى لنفسك أيها المسلم أن تتعامل بمعاملةٍ تكون فيها معصية لله ورسوله والوقوع فيما حذر الله ورسوله منه من أجل كسبٍ لا يعود عليك بالخير والبركة، بل يعود بالحرمان من رضا الله والمباءة بسخط الله، فتب إلى ربك واتق الله في نفسك، واعرف حقيقة الدنيا وأنها زائلة لا تقدمها على الآخرة.
اللهم ووفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، اللهم ووفقنا للزهد والورع، وجنبنا ما فيه هلاكنا من الشح والطمع، واجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه ورأى الباطل باطلاً واجتنبه إنك جوادٌ كريم رءوفٌ رحيم.
وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 797
من آثار الربا
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه، والناهي والمحذر عن سخطه ونيرانه، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 798
الكسل والبطالة
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، واحذروا عقوبة المعاصي في الدنيا والآخرة ومنها: جريمة الربا التي تقضي على المودة والتراحم بين المسلمين، وتؤدي بالأغنياء إلى الكسل، وتصرفهم عن الأعمال المشروعة للكسب الحلال إذ يفضل الأغنياء التعامل بالربا مع راحة البدن على الاشتغال بالزراعة والصناعات، أو التجارة ونحوها مما يحتاج إلى تعب البدن وعنائه؛ ولا شك أن هذا ينشر البطالة، ويقتل روح التنافس بين أصحاب الحرف، ويؤدي إلى نقص الإنتاج وقلة موارده، وينتهي الأمر إلى الغلاء، أما إذا سد باب الربا استعمل الغني أمواله بالأمور النافعة بدلاً من تعطيلها وبدلاً من استعمالها بالربا.
стр. 799
الأمراض والمصائب والفتن
أمة الإسلام: الإسلام حرم الربا؛ لأنه يساعد على خلق النظام الفاسد المخرب، الربا سبباً لجلب غضب الله ، ومنها تسليط الأمراض وناهيك بأمراض انفتحت علينا لا نعرف اسمها ولا يعرفها آباؤنا ولا أجدادنا في الزمان السابق، إنما لما تعامل الناس بالربا وصار البعض من الناس يرتكب جريمة الزنا؛ تسلطت تلك الأمراض، وبعض الكوارث لمن يتعاملون بالربا ولمن يرتكبون الزنا فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد يقضي على حياتهم.
ومضار الربا شديدة أليمة وعاقبتها وخيمة، الذين يتعاملون بالربا تضطرب نفوسهم، وتختل عقولهم، وتراهم إذا قاموا وساروا يتخبطون كمن أصابه مس من الجنون، لا فرق في هذا بين الدائن والمدين، وإنما أصابهم ذلك؛ لأنهم استحلوا الربا وعدوه كالبيع، وغاب عنهم أن هناك فرقاً عظيماً يجعل البيع حلالاً والربا حراماً.
ويخشى على آكل الربا من سوء الخاتمة، فإليكم التفصيل من كلام الله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
اللهم عافنا من أحوالهم ومن مآلهم إلى النار وهم فيها خالدون.
عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول لنا ولا قوة إلا بك.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ووفقهم لإزالة المنكرات وأعنهم عليها يا رب العالمين، وارزقهم بغضها يا حي يا قيوم، اللهم وارزقهم بغض المنكرات، وأعنهم على تغييرها وإزالتها بحولٍ منك وقوة فإنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعينٍ لنا يا رب العالمين.
اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين واجعلهم قرة أعينٍ لوالديهم.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 800
الزنا
ما حرم الله ورسوله أمراً إلا وفيه منفعة للإنسان، سواءٌ ظهرت هذه المنفعة أو خفيت، ومن أقبح المنكرات وأبشع الجرائم جريمة الزنا، وقد ظهرت كثير من الأمراض الخبيثة نتيجة لهذه الفاحشة، ولا نجاة للمجتمع من هذه الأمراض إلا بالابتعاد عنها ومحاربتها.
стр. 801
أسباب انتشار الفواحش
الحمد لله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أحمده سبحانه من إلهٍ أعزَّ من أطاعه واتقاه، وأذل أهل الفسق والفجور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله حكيمٌ حذر من الفواحش والزور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نبيٌ جاء بالحق الواضح في كل الأمور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم البعث والنشور، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وانتهوا عَمَّا نهاكم الله عنه حيث يقول جلَّ وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١].
عباد الله: لقد انتشرت بين المسلمين في هذا العصر أمراض اجتماعيةٌ خطيرةٌ، من هذه الأمراض فاحشتا: الزنا واللواط، اللتان فشتا بين كثيرٍ من العامة والخاصة، مما يدل على ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المسلمين بلغ ضعف وازع الدين عند كثيرٍ ممن ينتسبون إلى العلم فضلاً عن غيرهم، فاتبعوا الشهوات واستمتعوا بالمآكل والمشارب والمراكب، وسكتوا عن الإنكار خوفاً من الملامة ورجاءً لهذه الدنيا الدنية، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى وقف المنافقون من المسئولين حجر عثرةٍ ضد الدعاة والغيورين على محارم الله، لصدهم عن الإنكار، وذلك لحبهم للشر والفساد، وبغضهم للخير وأهله ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٤٣].
عباد الله: إن حصول الزنا نتيجة للتبرج والسفور والاختلاط الذي فشا بين الناس، وذلك بانفلات الزمام من أيدي الرجال، فأصبحت المرأة تفعل ما تشاء من وسائل الفتنة والإغراء والرجل مغلوب على أمره، قال ﷺ : ﴿هلكت الرجال إذا أطاعت النساء، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء﴾ رواه الإمام أحمد في مسنده، والمراد: طاعة النساء في غير مرضاة الله تعالى، و ﴿سُئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال: الفم والفرج﴾ رواه الترمذي.
ويقول الله وهو أصدق القائلين: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] فالله تعالى الحكيم العليم بشئون خلقه نهى عن الاقتراب من الزنا وما يدعو إليه من النظر المحرم، واللمس والاختلاط والخلوة بالأجنبية، لأن هذه الأشياء تؤدي إلى الزنا ولا بد، إلا من عصم الله، وإذا كان الله قد نهى وحذر من مقدمات الزنا ودواعيه، فالتحذير من ارتكابه أولى وأشدُّ.
стр. 802
أضرار الزنا وآثاره السيئة
الزنا من أكبر الكبائر وأعظم الموبقات التي تهدد المجتمعات الإنسانية بالخراب والدمار، وانتشار الفقر والأمراض، واختلاط الأنساب وضياع الأولاد، فجريمة الزنا أخطر على البشرية من القنابل الذرية والهزات الأرضية، والزنا أيضاً يهدد النسل البشري بالفناء التدريجي، لأن هدف الزانية والزاني هو إطفاء الشهوة الغريزية، أما الحمل والإنجاب فأمران ثقيلان، لما يترتب عليهما من مسئوليات، لذا تجد المرأة الزانية تحول دون ذلك بأي وسيلة، سواء بتعاطي أسباب منع الحمل، أو الإسقاط بعد الحمل، أو قتل المولود فور ولادته، أو إلقائه في المستشفيات ونحوها، هذا والزانية حينما تقتل المولود، فإنما تجمع على نفسها مصيبتين، وترتكب معصيتين: الزنا وهو محرم، وقتل نفسٍ بغير حقٍ وهو أشدُّ تحريما.
والزنا آثاره سيئة وعواقبه وخيمة، ومن نتائج الزنا: كثرة اللقطاء غير الشرعيين الذين يعتبرون مبتورين عن المجتمع ليس لهم أي قرابةٍ، أو صلة، فينشئون معقدين نفسياً، شاذِّين فكرياً، لجهلهم أصلهم، وحرمانهم عطف وحنان الوالدين وتربيتهما، ولذا تجد غالبيتهم كما تدلُّ الإحصائيات يعشقون الإثم ويهوون الجريمة.
فيا من يرى أن فاحشة الزنا أمرها يسير، ويا من يحب ذلك، قل لي بربك: أتحب ذلك لأمك؟ أتحبه لأختك؟ أتحبه لابنتك؟ أترضا لزوجتك الزنا؟ بالطبع ستقول: لا وألف لا إن كان بك ذرةٌ من إيمان، فإذا كنت لا ترضاه لمحارمك؛ فكذلك الناس لا يرضونه لمحارمهم، فإن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ولو يعلم أحدكم أن زوجته، أو أخته قد قتلت، أهون عليه من أن يبلغه أنها قد زنت، قال سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه: [[لو رأيت رجلاً مع امرأتي، لضربته بالسيف غير مصفح]] فعجبوا منه، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: ﴿أتعجبون من غيرة سعد؟! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ رواه البخاري ومسلم.
стр. 803
عقوبة الزاني وفضل العفاف
حيث كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، فقد شرع لها الحكيم العليم عقوبةً تناسبها من الرجم أو الجلد، فالزانية أو الزاني الذي يطأ فرجاً حراماً اختياراً، إما أن يكون محصناً، أو غير محصن، فالمحصن هو: البالغ العاقل الذي تزوج امرأةً ووطئها بنكاحٍ صحيح، حتى ولو كانت مطلقةً، أو ميتة؛ فإذا زنا، فإنه يحكم عليه بالموت رجماً بالحجارة رجلاً كان أو امرأة، ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين إذا كان مسلماً.
وأما غير المحصن: وهو من لم يتزوج على الوصف الذي ذكرنا، فإنه إذا زنا، جلد مائة جلدة ويسفر عن بلده مسافة قصرٍ سنةً كاملة، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].
عباد الله: من السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: ﴿رجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله﴾.
يذكر أن رجلاً تعلق بامرأةٍ، وأنفق عليها أموالاً كثيرةً حتى مكنته من نفسها؛ فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته وأراد الفعل، ألهم التوفيق، ففكر، ثم قام، فقالت له: ما شأنك، فقال: إن من يبيع جنةً عرضها السماوات والأرض بقدر شبرٍ لقليل الخبرة بالمساحة، ثم قام وتركها.
روى أبو يعلى بسندٍ حسن عن النبي ﷺ ، أنه قال: ﴿ما ظهر في قومٍ الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله، فويل ثم ويل لمن استباح الزنا ودعا إليه بقوله أو فعله﴾ وقد ذكر الفقهاء أن من استحل محرماً مجمعاً على تحريمه فقد كفر، ومن أباح الزنا ودعا إليه ورغب فيه فهو أعظم جرماً ممن استحله فقط، وعلى هذا فلا يبيح الزنا ويدعو إليه ويرغب فيه إلا من هو كافرٌ فاجرٌ محادٌ لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٦٣] ووالله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وما ظهر الزنا والربا في قرية إلا وظهر فيها الفقر والأمراض المتنوعة وظلم السلطان.
وروى البخاري ﵀ بسنده عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أتاني الليلة آتيان وإنهما انبعثا بي، وإنهما قالا لي: انطلق﴾ فذكر الحديث إلى أن قال: ﴿فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، فإذا فيه لغطٌ وأصوات، قال: فاطلعنا عليه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراة، وإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب، ضوضوا -أي: صاحوا- قال: قلت ما هؤلاء؟ -قال في آخر الحديث-قالا لي: هؤلاء هم الزناة والزواني﴾ نسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
стр. 804
وسائل العلاج من الفاحشة
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له على رغم من جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، عباد الله جاء في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: ﴿بروا آباءكم تبركم أبناءكم، وعفوا تعف نساءكم﴾ فيا من يحاول الوقوع في الزنا، أو وقع بالفعل ولم يتب سواء كنت في بلدك، أو في غير بلدك كمن يسافر في الإجازات الصيفية، أو الربيعية إلى خارج البلاد بنية المعصية، كن على يقينٍ وثقة بأن ساعة القصاص قريبة، وأن الديان موجود، فكما تدين تدان، وبالكيل الذي تكيل به لغيرك تكتال لنفسك، فالجزاء من جنس العمل ولو بعد حين، قال الشاعر الحاكم في هذا الموضوع:
عفوا تعف نساؤكم في المحرمِ وتجنبوا ما لا يليق بمسلمِ
من يَزْنِ يُزْنَ به ولو بجدارهِ إن كنت يا هذا لبيباً فافهمِ
إن الزنا دَيْنٌ فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ
ولرب من يزني بألفي درهمٍ في بيته يزنى بغير الدرهم
فاتقوا الله عباد الله، واحفظوا أنفسكم وأهليكم وأولادكم من أسباب الشر والفساد والتردي في مهاوي الرذيلة، فالوقاية خيرٌ من العلاج.
ومن الوقاية: نهي النساء عن التبرج والسفور وخروجهن متعطرات، لأن ذلك يؤدي إلى الفساد، أو اغتصاب النساء، أو التحرش بهن كما يحصل اليوم.
ومن الوقاية: تيسير سبل الزواج، وإزاحة العقبات من طريقه والبعد عن مهيجات الغريزة ومثيرات الشهوة كالاختلاط والنظر إلى صور النساء.
ومن طرق الوقاية أيضاً: عدم غياب الرجال عن زوجاتهم مدةً طويلةً تزيد عن ستة أشهر.
عباد الله: لما كان النظر بريد الزنا؛ أمر الله تعالى بغض البصر قبل حفظ الفرج في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١] فالنظرة تولد الخطرة في القلب، ثم الخطوة بالقدم، ثم الوقوع في الخطيئة، وقد قال ﷺ : ﴿العينان تزنيان وزناهما النظر﴾ ذلك أن النظر إلى محاسن المرأة الأجنبية ضربٌ من التلذذ وإشباعٌ للغريزة الجنسية بغير الطريق المشروع.
خرج حسان بن أبي سنان ﵀ يوم عيد، فلما عاد قالت له زوجته: كم من امرأةٍ حسناء رأيتها هذا اليوم، فقال: والله منذ أن خرجت من عندك حتى رجعت إليك ما رفعت طرفي عن إبهامي.
وكان الربيع بن خثيم ﵀ من شدة غضه لبصره يظن الناس أنه أعمى.
عباد الله: ينبغي أن تحثوا نساءكم وبناتكم على تعلم وحفظ سورة النور، وكذلك سورة الأحزاب لما تحويه هاتان السورتان من الآداب الاجتماعية التي يجب أن يتمسك بها المؤمنون في حياتهم العامة والخاصة، كالاستئذان عند دخول البيوت، وغض الأبصار، وحفظ الفروج، وحرمة اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات، وآداب الستر والحجاب وعدم التبرج، وما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة من العفاف والستر والنزاهة والطهر، قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: [[علموا نساءكم سورة النور]].
عباد الله! اتقوا ربكم، واسألوه العافية وحسن العاقبة، فإن ارتكاب الزنا وتعاطي أسبابه والإصرار على المعاصي من أسباب سوء الخاتمة عياذاً بالله من ذلك.
هذا وصلوا على النبي المصطفى، نبيٍ ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه، امتثالاً لأمر ربكم حيث يقول جلَّ من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 805
المعاصي وعواقبها
المعاصي والذنوب قد كثرت في زماننا هذا، بل قد جاهر الناس بالذنوب دون حياء ودون خوف من الله وعقوباته، والله جل وعلا أمرنا بطاعته وانتهاج شرعه، ونهانا وحذرنا من معصيته ومخالفة أمره، وذكر لنا قصصا ًلكثير من المجتمعات التي عتت عن أمره فأنزل بها بأسه وعقوبته.
стр. 806
الله جل وعلا يأمر بطاعته وينهى عن معصيته
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، ذي البطش الشديد والفعال لما يريد، لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، بل هو الغني الحميد، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعاملين بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن الله ﵎ أوجب طاعته وطاعة رسوله، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠ - ٢١] ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ويقول ربكم جلَّ وعلا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢].
عباد الله: إن الله يأمر بهذه الآيات الكريمات، يأمر بطاعته وطاعة رسوله، وركَّب على ذلك السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، ورتب على ذلك من العقوبات ما لا يعد ولا يحصى، ولا يحد ولا يستقصى، ولهذا ختم الآيتين الأوليين بذكر شدة عقابه لمن عصاه ولمن عصى رسوله، وختم الآيتين اللتين في سورة النور بالوعيد، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
عباد الله: إن المعاصي هي التي تجر إلى الشقاء والبأس والنقمة، وأن الطاعات والأعمال الصالحة ذريعةٌ ووسيلة للصلاح والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، إننا نشكو من كثرة الحوادث والنوازل، ولا نفكر أبداً فيما يجر هذه الحوادث لنا وفيما يسبب تلك النوازل لنا؛ لأننا لا نعتني بكلام الله ولا بهدي رسوله ﷺ ، ولا نهتم بالأخبار التي نبهنا عليها وحذرنا منها في القرآن والسنة النبوية، ولم نهتم بما بُين لنا من النافع والضار، وذلك برغم ما ندعيه نحن المسلمين من حب الله ورسوله، ونسمع الآيات ونسمع الأحاديث تصرح بتحريم الحرام، والتحذير في الانتهاك في الحرمات، وكأننا لم نقصد في ذلك البلاغ، فللذنوب والمعاصي عقوبات تتنوع، وعلى قدر الجرائم تكون العقوبة، فتارة تكون العقوبة في الدين، وهي من أعظم العقوبات، وهي أن يحال بين العاصي المدمن على الذنوب وبين الإيمان، وبينه وبين حسن الخاتمة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] ولكن العاصي لا يرى أنه مصابٌ في دينه، لا يرى أنه مصاب في دينه ولا يرى أن النكتة التي نكتت في قلبه من أثر المعاصي، فتزداد وتعلو حتى تصير كالران، كما قال تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠].
وتارة تكون عقوبة المعاصي في الأبدان والأموال من خسف ومسخ وإهلاك، وأخذ على غرة وغفلة، اسألوا أهل اليمن هل جاءهم إنذارٌ قبل أن يأتيهم الزلزال، اسألوا أهل الخفجي هل جاءهم إنذار قبل أن تأتيهم الرياح المدمرة ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧] ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩].
стр. 807
آثار المعاصي والذنوب
عباد الله: لا تغتروا بما بُسط لكم من النعمة، فإنه بُسط على من كان قبلكم من النعمة، فظنوا أن الإمهال إهمال، وجاءهم أمر الله وهم غافلون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما أخذ الله قوماً إلا عند غرتهم وسلوتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإن أخذه أليم شديد.
стр. 808
سلب النعم بسبب المعصية
يخبرنا تعالى في كتابه العزيز عن قوم نسوا ما ذكرهم الله به، ففتح عليهم أبواب كل شيء استدراجاً ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
فيا أيها المسلمون: أفيقوا من رقدتكم وانتبهوا من غفلتكم قبل أن يطرقكم من أمر الله ما لا طاقة لكم به، والحذر
الحذر!
ليست هذه خطباً تقال، وليس كلاماً نقوله، إنما هي إنذارات، ولنخرج من المسئولية أمام الله ، الحذر الحذر من العقوبات والمثلاث التي حلت بالأمم الماضية والقرون الخالية، فلم تغنِ عنهم قوتهم وسلطانهم، لما جاءهم من عقاب الله وسطوته وبأسه ما حال بينهم وبين الشهوات، مما هو معدٌ ومرصد لأمثالهم وأشباههم، وما هي من الظالمين ببعيد.
стр. 809
المعاصي سبب لغضب الله ولعنته وسخطه
عباد الله: إن الله ﵎ إذا أُطيع رضي، وإذا رضي بارك، وليس لبركته نهاية، وإذا عصي غضب، وإذا غضب لعن، ولعنته تبلغ السابع من الولد.
عباد الله: أما ترون ظهور هذه المنكرات التي انتشرت في ناديكم، في الحاضرة والبادية، في كل أسواق المسلمين، فلم يشمئز منها قلب، ولم يتمعر منها وجه، فأين الغيرة الدينية؟ أين الغيرة الدينية يا أمة الإسلام؟! هذه الصلاة تقام، وهي من أعظم الشعائر الإسلامية، والكثير من الذين يدعون الإسلام لا يعترفون بها ولا يؤدونها، وإذا قيل لهم: أدوا الصلاة، قالوا: لستم بربنا، ولستم بمسئولين عنا!
الله أكبر! إنه رد للحق، لقد تعالى أهل الباطل، نسأل الله أن يهديهم أو يرد كيدهم في نحورهم، زيادة على ذلك إهمال الآباء للأولاد، فإنهم لا يأمرونهم بالصلاة ولا يحثونهم عليها، بل يحثونهم أن يمارسوا اللعب بالكرة في شوارع المسلمين في أوقات الصلوات، ولا يهتمون لذلك، فإنهم مسئولون أمام الله يوم القيامة، فليعدوا للسؤال جواباً، والكثير من الذين يدعون الإسلام لا يعرفون المساجد إلا يوم الجمعة، فتباً لهم لتضييع باقي فروض الله -وهي الصلوات الخمس- التي فرضها الله على العباد في اليوم والليلة.
стр. 810
بعض المعاصي المتفشية في الأمة
لقد فشت المعاصي عند الناس، وصارت عند الكثير بصفة مباحات.
следующие страницы →