Полный текст (1 664 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الله جل وعلا يأمر بطاعته وينهى عن معصيته
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، ذي البطش الشديد والفعال لما يريد، لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، بل هو الغني الحميد، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعاملين بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن الله ﵎ أوجب طاعته وطاعة رسوله، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠ - ٢١] ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ويقول ربكم جلَّ وعلا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢].
عباد الله: إن الله يأمر بهذه الآيات الكريمات، يأمر بطاعته وطاعة رسوله، وركَّب على ذلك السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، ورتب على ذلك من العقوبات ما لا يعد ولا يحصى، ولا يحد ولا يستقصى، ولهذا ختم الآيتين الأوليين بذكر شدة عقابه لمن عصاه ولمن عصى رسوله، وختم الآيتين اللتين في سورة النور بالوعيد، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
عباد الله: إن المعاصي هي التي تجر إلى الشقاء والبأس والنقمة، وأن الطاعات والأعمال الصالحة ذريعةٌ ووسيلة للصلاح والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، إننا نشكو من كثرة الحوادث والنوازل، ولا نفكر أبداً فيما يجر هذه الحوادث لنا وفيما يسبب تلك النوازل لنا؛ لأننا لا نعتني بكلام الله ولا بهدي رسوله ﷺ ، ولا نهتم بالأخبار التي نبهنا عليها وحذرنا منها في القرآن والسنة النبوية، ولم نهتم بما بُين لنا من النافع والضار، وذلك برغم ما ندعيه نحن المسلمين من حب الله ورسوله، ونسمع الآيات ونسمع الأحاديث تصرح بتحريم الحرام، والتحذير في الانتهاك في الحرمات، وكأننا لم نقصد في ذلك البلاغ، فللذنوب والمعاصي عقوبات تتنوع، وعلى قدر الجرائم تكون العقوبة، فتارة تكون العقوبة في الدين، وهي من أعظم العقوبات، وهي أن يحال بين العاصي المدمن على الذنوب وبين الإيمان، وبينه وبين حسن الخاتمة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] ولكن العاصي لا يرى أنه مصابٌ في دينه، لا يرى أنه مصاب في دينه ولا يرى أن النكتة التي نكتت في قلبه من أثر المعاصي، فتزداد وتعلو حتى تصير كالران، كما قال تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠].
وتارة تكون عقوبة المعاصي في الأبدان والأموال من خسف ومسخ وإهلاك، وأخذ على غرة وغفلة، اسألوا أهل اليمن هل جاءهم إنذارٌ قبل أن يأتيهم الزلزال، اسألوا أهل الخفجي هل جاءهم إنذار قبل أن تأتيهم الرياح المدمرة ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧] ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩].
стр. 807
آثار المعاصي والذنوب
عباد الله: لا تغتروا بما بُسط لكم من النعمة، فإنه بُسط على من كان قبلكم من النعمة، فظنوا أن الإمهال إهمال، وجاءهم أمر الله وهم غافلون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما أخذ الله قوماً إلا عند غرتهم وسلوتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإن أخذه أليم شديد.
стр. 808
سلب النعم بسبب المعصية
يخبرنا تعالى في كتابه العزيز عن قوم نسوا ما ذكرهم الله به، ففتح عليهم أبواب كل شيء استدراجاً ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
فيا أيها المسلمون: أفيقوا من رقدتكم وانتبهوا من غفلتكم قبل أن يطرقكم من أمر الله ما لا طاقة لكم به، والحذر
الحذر!
ليست هذه خطباً تقال، وليس كلاماً نقوله، إنما هي إنذارات، ولنخرج من المسئولية أمام الله ، الحذر الحذر من العقوبات والمثلاث التي حلت بالأمم الماضية والقرون الخالية، فلم تغنِ عنهم قوتهم وسلطانهم، لما جاءهم من عقاب الله وسطوته وبأسه ما حال بينهم وبين الشهوات، مما هو معدٌ ومرصد لأمثالهم وأشباههم، وما هي من الظالمين ببعيد.
стр. 809
المعاصي سبب لغضب الله ولعنته وسخطه
عباد الله: إن الله ﵎ إذا أُطيع رضي، وإذا رضي بارك، وليس لبركته نهاية، وإذا عصي غضب، وإذا غضب لعن، ولعنته تبلغ السابع من الولد.
عباد الله: أما ترون ظهور هذه المنكرات التي انتشرت في ناديكم، في الحاضرة والبادية، في كل أسواق المسلمين، فلم يشمئز منها قلب، ولم يتمعر منها وجه، فأين الغيرة الدينية؟ أين الغيرة الدينية يا أمة الإسلام؟! هذه الصلاة تقام، وهي من أعظم الشعائر الإسلامية، والكثير من الذين يدعون الإسلام لا يعترفون بها ولا يؤدونها، وإذا قيل لهم: أدوا الصلاة، قالوا: لستم بربنا، ولستم بمسئولين عنا!
الله أكبر! إنه رد للحق، لقد تعالى أهل الباطل، نسأل الله أن يهديهم أو يرد كيدهم في نحورهم، زيادة على ذلك إهمال الآباء للأولاد، فإنهم لا يأمرونهم بالصلاة ولا يحثونهم عليها، بل يحثونهم أن يمارسوا اللعب بالكرة في شوارع المسلمين في أوقات الصلوات، ولا يهتمون لذلك، فإنهم مسئولون أمام الله يوم القيامة، فليعدوا للسؤال جواباً، والكثير من الذين يدعون الإسلام لا يعرفون المساجد إلا يوم الجمعة، فتباً لهم لتضييع باقي فروض الله -وهي الصلوات الخمس- التي فرضها الله على العباد في اليوم والليلة.
стр. 810
بعض المعاصي المتفشية في الأمة
لقد فشت المعاصي عند الناس، وصارت عند الكثير بصفة مباحات.
стр. 811
معصية الغناء
إن الأغاني تشاع وتذاع في البيوت والشوارع والسيارات من غير إنكار ولا خوف من العظيم الجبار الذي بيده أزمة الأمور، وإذا قيل للمتمادي بفسقه المستمع للأغاني: اتقِ الله، قال: ساعة لك، وساعة لدينك، أوحى إليه الشيطان هذه الكلمات، إنا لله وإنا إليه راجعون! والويل لمن قال على الله غير الحق، ولقد أوحى إليه الشيطان -والعياذ بالله- هذه العبارة، يا أخي! الأغاني حرام، فمن أحلها لك ساعةوحرمها عليك في الساعة الأخرى؟!
الأغاني حرام في الشريعة الإسلامية سواء كانت ساعة أو دقيقة أو برهة من الزمن، وقد حذر منها الإسلام تحذيراً بالغاً، ولكن ران على القلوب الران.
стр. 812
التبرج والسفور
أمة الإسلام: إن السفور من بعض النساء قد انتشر، وما ذاك إلا لإهمال الرجال القوامين على النساء، وترك الحبل على الغارب، فإنهن يخرجن إلى الأسواق متجملات متعطرات، فاتنات مفتونات وبدون مبالاة، أين الرجال؟ أين الشيمة وأين الحشمة؟
стр. 813
شرب الدخان وتعليق الصور
أمة الإسلام: لقد قل الحياء عند الكثير من أهل الإسلام، لقد قل عند الكثير من أهل الإسلام، حتى صار اقتراف المحرمات ظاهراً ويرتكبها علانية، فتراهم يشربون الدخان -أم الخبائث- الذي اتفق كثير من العلماء على تحريمه، ويباع في أسواق المسلمين، وثمنه حرام واستعماله حرام، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
كذلك ابتليت شوارع المسلمين بكثرة الصور ذوات الأرواح وعرضها في الأسواق تباع، وإدخالها في البيوت وإخراج ملائكة الرحمة من البيوت وإدخال الشياطين.
стр. 814
حلق اللحية
كذلك اعتاد البعض المقلدون للغرب، المقلدون للإفرنج، المقلدون لأعداء الإسلام اعتادوا أن يعتدوا على حلق اللحية، واعتدوا على الرجولة يقتلونها، فصاروا يحلقون اللحى، وحلق اللحية حرام، شاءوا أم أبوا, رضوا أم سخطوا، ورد في ذلك أحاديث كثيرة تبين أن حلق اللحية حرام، وحلق اللحية من التشبه بالنساء، ومن التشبه بالمجوس، ومن التشبه بالإفرنج، ومن التشبه باليهود ﴿ومن تشبه بقومٍ فهو منهم﴾.
ترفعوا عن ذلك يا أمة الإسلام، ابتعدوا عن المعاصي بشتى أنواعها، احذروا عقوبة الله، احذروا تغييره، فإنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا غيَّر العباد غُير عليهم ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] فتوبوا إلى الله جميعاً -أيها المؤمنون- لعلكم ترحمون، وقوموا لله مثنى وفرادى بقوة وثبات، وليأخذ بعضكم على يد بعض حتى يرجع الأمر إلى نصابه ويكون السداد والصواب؛ لتفوزوا غداً بثواب الله وتأمنوا من نقمته وعقابه.
اللهم أصلح أحوال المسلمين أجمعين، اللهم اهدنا صراطك المستقيم، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 815
على من تنزل العقوبات
الحمد لله كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له على رغم من جحد به أو كفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيرًا.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله واحذروا عواقب الذنوب والمعاصي، فإنها تجلب النقم وتسلب النعم.
عباد الله: جاء في حديث روته عائشة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: ﴿يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخبث﴾.
عباد الله: إذا كثر الخبث لا يحول دون عذاب الله شيء، بالرغم من وجود الصالحين والعلماء، وقد وردت أحاديث متعددة بعناوين مختلفة في معنى التواصي بالخير، والمنع عن الشر، وإلا فإن الله سبحانه سوف يغار، إذا انتهك العباد محارمه، وتعدوا الحدود، وسوف يسلط عذاباً من عنده.
عباد الله: روى حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث الله عليكم عذاباً من عنده، ثم لتدعنه ولا يستجيب لكم﴾ أجل -يا عباد الله- كيف يشتكي المسلمون من الحوادث والنوازل التي تفاجئهم بين فينة وأخرى، وقد تغيرت أحوالهم وحياتهم رأساً على عقب، بل يجب على المسلمين أن يفكروا إذا نزلت عليهم مصيبة أو فاجعة أنها لم تنزل بهم إلا أنهم كانوا يستحقون ذلك بما كسبت أيديهم.
جاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب، فيصبحون قد مسخوا قردةً وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة في بني فلان وخسف الليلة في بني فلان بدار فلان، ولترسلن عليهم حجارةً من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور، ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً على قبائل فيها وعلى دور لشربهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطيعة الرحم﴾ روى هذا الحديث الإمام أحمد والبيهقي وصححه الحاكم.
عباد الله: لا شك في أن هذه هي الأمور التي تسبب الكوارث والنكبات كالزلازل والأعاصير والفيضانات والمجاعات واصطدام القطارات والسيارات والطائرات وغيرها من الحوادث التي تتجدد كل يوم، وكذلك الأمراض والمصائب التي انتشرت في كل مكان، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
عباد الله: علينا أن نرجع عما نحن فيه من التقصير، ونقلع عن الذنوب ونتوب إلى الله، فإنه يتوب على من استغفر، ويتوب على من تاب.
عباد الله: اعلموا أنكم ستوقفون بين يدي الله، ويسألكم عما استرعاكم عليه، فأعدوا للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، أسألك أن تردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقنا وإياهم إلى ما تحبه وترضاه، اللهم جنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه، اللهم اجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً، وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً، وارزقنا وإياهم اجتنابه.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم ثبت أقدامهم وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذه خاصة، وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 816
الدين وعظمته
الدين الإسلامي أفضل نعمة ينعم الله بها على عباده، ولذلك وجب شكر هذه النعمة والمحافظة عليها والتمسك بها، لأن الله لا يقبل إلا دين الإسلام، والصحابة رضوان الله عليهم هم قدوتنا في التمسك بدين الله ، ومنهم: بلال بن رباح، وعبد الله بن حذافة، وآل ياسر، وخباب بن الأرت.
стр. 817
لا يقبل الله إلا دين الإسلام
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، أحمده على نعمه التي لا تزال تترى ولا تزال تتوالى على العباد وأشكره وكلما شُكِر زاد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بالمحافظة على نعمه بشكرها، ونهى عن تعريضها للزوال بكفرها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق ويهدي لأقوم السبل، فكانت بعثته رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى واشكروه على نعمة الإسلام.
أيها المسلمون: إن بين أيديكم ديناً عظيماً، اختاره الله لكم ومنَّ به عليكم، ملة أبيكم إبراهيم، دين اشتمل على كل ما اشتملت عليه أديان الأنبياء، فهو خلاصتها وخاتمتها، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣] واختار لكم رسول الله ﷺ خير رسول عرفته البشرية، فهو أفضل المرسلين وخاتم النبيين، به تمت به النعمة وانجلت به عنكم ظلمات الجهالة والشرك والظلم والعدوان، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
أمة الإسلام: لقد أوصاكم ربكم جلَّّ وعلا بالتمسك بهذا الدين، والاقتداء بهذا الرسول، قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
أيها المسلمون: إن أمامنا طريق السعادة مفتوح، فلماذا لا نسلكه؟!
أمامنا طريق الرقي والفلاح واضح، فلماذا نعدل عنه ونتركه، ونسلك طريق التأخر والشقاء والخسران؟!
أرأيتم أن دينكم قصر في إرشادكم إلى سبيل الفلاح؟! أرأيتم أن دينكم قصر في إرشادكم إلى طريق الفلاح فعدلتم عنه؟!
هل قرأتم في تعليمه ما يصدكم عن جلائل الأعمال ومكارم الأخلاق فهجرتموه؟!
كلا.
ثم كلا.
ثم كلا.
إنه دين الله الذي يبقى طريقاً للسعادة والرقي إلى يوم يبعثون.
إن دين الإسلام ما وجد من فضيلة إلا حث على التخلق بها، وما من رذيلة إلا حذر من قبحها وبين سوء عاقبتها، فما بال أكثرنا يسيرون على غير هدى، ويقلدون الكفار فيما حرمه الإسلام ونهى عنه، قد أهمل الكثير أمر الدين.
واستهانوا بحقوقه، وعبثوا بواجباته، وتجرءوا على انتهاك حرمات الله، واستبدلوا ذلك بأخلاق الكفار وعاداتهم وتقاليدهم مع الأسف الشديد.
стр. 818
نماذج من تمسك الصحابة بدينهم
أيها المسلمون: إن المسلم الحقيقي لا يرضى بدينه بدلاً مهما كلفه الأمر ومهما عرض عليه من قبيل الكفرة من المغريات، أو ناله من الأذى، نعم.
إن المسلم يبقى أمام كل فتنة صلباً في دينه، متمسكاً بعقيدته، ولنا في سلفنا مثال.
стр. 819
بلال بن رباح توضع على صدره الصخرة الثقيلة
فهذا بلال، مؤذن رسول الله ﷺ ورضي الله عنه يشتد عليه أذى الكفار، حتى إنهم يطرحونه على الأرض في رمضاء مكة أرض ملتهبة بالحرارة ويضعون الصخرة الثقيلة على صدره؛ يريدون منه أن يترك هذا الدين، فيصمد ويثبت على دينه ويقول: [[أحد أحد]].
стр. 820
خبيب يٌقَطَّع من أجل دين الله
وهذا خبيب بن الربيع يقول له مسيلمة الكذاب لعنه الله، قل: لا إله إلا الله، فيقول: لا إله إلا الله، فيقول له، قل: أشهد أن مسيلمة رسول الله، ويقول: لا أسمع، لا أسمع ثم يقطعه مسيلمة عضواً عضوا، ويأبى أن يقول أن مسيلمة رسول الله حتى لقي ربه صابراً محتسباً.
стр. 821
عبد الله بن حذافة لا يبغي بدين الله بديلاً
وهذا عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ وأرضاه، يأخذه ملك النصارى أسيراً عنده، فيقول له: اتبعني وأشركك في ملكي، فيأبى ويقول: لا أبغي بدين محمد ﷺ بديلاً، ثم يحمي ملك الروم النحاس بالنار ويغلي القدور لتعذيبه، وعند ذلك يبكي عبد الله بن حذافة، فيطمع ملك الروم برجوعه عن الإسلام، ويقول: تتبعني وتترك دينك؟! فيرد عليه عبد الله ﵁ بقوله: [[ما بكيت خوفاً على نفسي -الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر إنها عقيدة الإسلام يا أمة الإسلام! - ولكن وددت أن يكون لي نفوس عدد شعري تعذب في سبيل الله، فتدخل الجنة بغير حساب]].
ثم يطلب منه شيئاً يسيراً، ولكنه عزيز في نفسه ﵁، يقول له: تقبل رأسي وأطلق صراحك، ويقول: -بعد التردد- نعم وتطلق صراح جميع أسرى المسلمين، قال: نعم.
فأطلق سراحه وسراح أسرى المسلمين، فلما وصل إلى عمر ﵁ وأخبره بالقصة، قال: [[حق على كل مسلم أن يقبل رأسك وأنا أول من يقوم]] فقام عمر ﵁ فقبل رأسه.
стр. 822
صبر آل ياسر على دينهم
هذا عمار بن ياسر وأبوه وأمه سمية وأهل بيته عذبوا في الله ليتركوا دين الإسلام، فصبروا على العذاب وتمسكوا بالإسلام فكان رسول الله ﷺ يمر عليهم وهم يعذبون ويقول: ﴿صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة﴾.
стр. 823
خباب بن الأرت يوضع على النار ويصبر
وهذا خباب بن الأرت عذب في الله، وصبر على دينه، وكان من تعذيب المشركين له، أن أوقدوا له ناراً وسحبوه إليها، فما أطفأها إلى شحم ظهره لما ذاب، كل ذلك وهو صابر على دينه لا يتزحزح عنه قيد شعره.
أيها المسلمون: هذه نماذج من ثبات المسلمين على دينهم مع شدة الأذى والتعذيب، أضف إلى ذلك ما قدموه في سبيل هذا الدين حماية لهذا الدين ونشره من جهاد بالأنفس والأموال، يتساقط منهم مئات الشهداء في المعارك وهم مغتبطون بذلك، فخورون بل تركوا من أجله الديار والأموال، وهاجروا فراراً بدينهم؛ أن يخدش أو يدنس يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله.
وما ذلكم -يا أمة الإسلام- إلا لما عرفوا في هذا الدين من الخير والسعادة، فتأصل حبه في قلوبهم حتى صار أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وأموالهم وديارهم، حتى قال قائلهم: "إذا عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن تجاوز البلاء، فقدم نفسك دون دينك".
стр. 824
حال شباب الأمة اليوم
والآن -يا أمة الإسلام- الكثير ممن ينتسبون إلى الإسلام ويتسمون بالإسلام، ترخُص عليهم تعاليم الإسلام، عند أدنى طمع فتراهم يستبدلون بتعاليم الإسلام تعليم الكفر والإلحاد، يرفضون أحكام الإسلام العادلة إلى القوانين الوضعية، قوانين الكفر والإلحاد، وأنظمته الهابطة السافلة.
ما بال الكثير من المسلمين يتشبهون بالكفار في زيهم؟! في لباسهم؟! في أكلهم؟! بل في أكلهم وشربهم، بل في عاداتهم، بل في حلق لحاهم وتنمية شواربهم، بل في لبس خواتم الذهب، بل في الذهاب إليهم في بلادهم ومشاركتهم في شرب الخمور، وأكل لحم الخنزير، وارتكاب الزنا واللواط، والجلوس أمام الأفلام الخليعة في مسارح الشر والعار، ثم يعود إلى بلاد المسلمين متنكراً لدينه وآدابه، يحاول أن يحول بلاده إلى قطعة من بلاد الكفار التي قدم منها، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، إنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! نسألك اللهم أن تعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل في جميع أقطار العالم، إنك على كل شيء قدير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
اللهم بارك لنا بالقرآن العظيم، وانفعنا بما صرفت فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم اجعلنا هداة مهتدين.
وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 825
واجب التمسك بدين الله
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وناصر الموحدين من عباده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ البلاغ المبين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]
عباد الله: إن دينكم دين عظيم، هو صلاح البشرية جمعاء، فلا يرخُص لديكم، تمسكوا بهديه وعضوا عليه بالنواجذ، إن دينكم يريد منكم الصدق والصبر والجلد والبذل في سبيله، وصد الهجوم المعادي له، والأخذ على أيدي السفهاء، عن العبث بتعاليمه؛ وإلا فسيرحل عنكم إلى غيركم، فتخسرون الدنيا والآخرة، وصدق الله العظيم: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
فتمسكوا بدين الإسلام، دين الرحمة والبر والإنصاف والعدل والأخوة والمساواة، دين الحق والخير والسلام وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] اللهم إنا رضينا بك رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً.
اللهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً ورزقنا اجتنابه، هكذا ينبغي للمؤمنين أن يقولوا إذا سمعوا داعي الله، أن يقولوا سمعنا وأطعنا، سمعنا وأطعنا، ويمتثلون أوامر الله ويطبقون شرع الله كما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
اعلموا -أيها المسلمون- أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وأمركم أنتم -أيها المسلمون- أن تصلوا على رسوله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلىَّ علي صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن جميع أصحاب رسولك أجمعين، وارض اللهم عن رجال قاموا بدينك وناضلوا في سبيلك، وصدوا كل عدوان عن دين الله وعن سنة رسول الله وفازوا وسموا رجالاً فهنيئاً لهم: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] سماهم الله رجالاً؛ لأنهم قاموا بدين الله ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧] فهنيئاً لهم تلك الأسماء الحميدة.
اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا ما تبغضه وتأباه، اللهم دلنا على صراطك المستقيم، وثبتنا عليه حتى نلقاك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، الذين يفسدون في الأرض ويصدعون عن سبيلك، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اجعل بينهم العداوة والبغضاء، اللهم اجعلهم حرباً على بعضهم يا رب العالمين، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة ولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وحد صفوف المسلمين تحت راية لا إله إلا الله، اللهم وحد صفوفهم تحت راية لا إله إلا الله.
اللهم انصر دينك عاجلاً غير آجل، اللهم انصر كتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، اللهم انصر عبادك الموحدين، اللهم انصر عبادك الموحدين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في برك وبحرك يا رب العالمين.
اللهم ثبت أقدامهم وأمدهم بنصرك وعونك وقوتك يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين.
اللهم لا تدع لنا في هذه الساعة المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عدواً إلا قطعته، ولا عدواً إلا خذلته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا، ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها بحولك وقوتك يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 826
المحافظة على الأمانة
الأمانة تبرأت منها السماوات والأرض والجبال، وأشفقن من حملها، وحملها الإنسان لظلمه وجهله.
وفي هذا الدرس تحدث الشيخ عن أهمية الحفاظ على الأمانة، مبيناً بأن الصلاة من أعظم الأمانات، وفصل كذلك مفهوم الأمانة في مفهوم الإسلام، وتعرض للحديث عن تربية الأبناء كأمانة تحملها الآباء، عن الشهادة وعلاقتها بالأمانة، وأن خيانة الأمانة من صفات المنافقين، بخلاف المؤمن فإن من صفاته الحفاظ عليها.
стр. 827
مفهوم الأمانة في الإسلام
الحمد لله الذي أمر بأداء الأمانة في كتابه العزيز، وأشكره وأسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، وبادروا بأداء الأمانات رغبةً بالثواب من الله، وخوفاً من عقاب رب العالمين، يقول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].
الأمانة -يا عباد الله- أمرها عظيم, وخطرها جسيم, لذلك تأبى السماوات والأرض والجبال وتشفق من حمل الأمانة ويحملها الإنسان.
أيها المسلمون: إن الأمانة من الأخلاق الفاضلة، وهي أصلٌ من أصول الديانات، الأمانة ضرورية للمجتمع الإنساني، لا فرق بين حاكم وموظف وصانع وتاجر ومزارع وغني وفقير، فالأمانة شرف الغني، وفخر الفقير، وواجب الموظف، ورأس مال التاجر، وسببٌ لشهرة الصانع، وسر نجاح العامل والمزارع، الأمانة مفتاح كل تقدم بإذن الله، ومصدر كل سعادة وندامة بإذن الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
وليست الأمانة مقصورة على الودائع التي تؤمن عند الناس من غالٍ وثمين، بل الأمانة أوسع من هذا كله، فهي عملٌ لكل طاعة أمر الله بها ورسوله، واجتناب كل مخالفة وعصيان نهى الله عنه ورسوله.
стр. 828
أركان الإسلام من أعظم الأمانات
من أهم الأمانات: الصلاة، وفي الأثر: ﴿أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة﴾ فالصلاة -يا عباد الله- من أعظم الأمانات التي أمرنا الله بالمحافظة عليها، وعلى أوقاتها, والقيام بحقوقها, خاشعين خاضعين لجلالته وعظمته, والمحافظة عليها هو طريق الفوز والسعادة في العاجل والآجل.
إن الصلاة الكاملة تنير القلب, وتهذب النفس, وتعلم العبد آداب العبودية لله، وتعلمه كيف يعظم الله ويقدره حق قدره.
عباد الله: إن الزكاة أمانةٌ عندكم مطلوبٌ منكم أن تؤدوها في وقتها إذا اجتمعت الشروط المطلوبة، فالزكاة تطهر المال, وتزكي النفس, وتبرأ منها الذمة, وتسلم من العقاب يوم القيامة.
عباد الله: إن الصيام أمانة، ألا فاتقوا الله في صيامكم، فإنه لا يطّلع على ذلك إلا الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
الحج إلى بيت الله الحرام أمانةٌ في عنق كل مسلم إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.
أمة الإسلام: بقدر ما يكون الإنسان مقصراً في عبادة من هذه العبادات، فإنه يكون غير موفٍ لأمانته تماماً.
стр. 829
أعضاؤك أمانة عندك
إن السمع والبصر والفؤاد واليدين والرجلين أمانات يجب حفظها عن ما يخل بالأخلاق والفضيلة, مثل: الغيبة والنميمة، والكذب، والنظر إلى المحرم، وأكل الحرام، واستماع الحرام، والمشي إلى المحرم.
الفرج أمانة، ووقوعه في الزنا واللواط خيانة ومقتٌ في الدنيا، وفي الآخرة حسرةٌ وندامة إذا نطقت الجوارح بين يدي الله : ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١].
عباد الله: العقل أمانة إن استعمله الإنسان فيما يعود عليه بالسعادة في الدنيا والآخرة فقد حافظ على هذه الأمانة، أما إن استعمله في المكر والخداع للمسلمين وكيدهم وإفساده بالمخدرات والمسكرات، فسوف يُسأل عن هذه الأمانة ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
стр. 830
رعاية الأهل من الأمانة
عباد الله: أولادكم أمانةٌ في أعناقكم، وأنتم مسئولون عنهم أمام الله، على تركهم هملاً لا ترعونهم الرعاية الكاملة، ولا تحوطونهم بالنصيحة، بل تركتم لهم الحبل على الغارب، لأن الدنيا شغلتنا حتى عن تربية أولادنا، تركنا لهم الحبل على الغارب وسلمناهم الشوارع وصاروا مثل الأغنام السائبة, لا يعرف أكثرهم المساجد، فمن شبّ على شيء في الغالب شاب عليه، وبعضهم لو سألته: كم أركان الإسلام؟ لتلعثم وكأنه لم يعرف الإسلام، أما إذا سألته عن اللاعبين والمغنين والمغنيات لأجابك عن شيء لم تعرفه أنت؛ لأننا سلمناهم الشوارع، وقلنا: ربيهم يا كرة كما ربيتي لينين وما أدراك من الشيوعيين والنصارى؟! ربيهم يا كرة، ونشئهم يا تلفاز على تمثيلياتك وأغانيك، حتى يكونوا رجال مستقبل يحاربون الفضيلة والكرامة.
ولم يقتصر البعض على هذا الاعتداء على الأمانة حتى جاء بالفيديو إلى بيته وأهله، وقال لهم بلسان الحال: هلموا لننحرف عن الطريق المستقيم ونتبع كل شيطان مريد, أخبر الله في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧] كلام الله واضح لا يحتاج إلى تفاسير, ثقافة, تربية, هذه الثقافة ثقافة الغربيين يأخذها أولادنا ونساؤنا كل ليلة عن التلفاز وما يبث فيه من التمثيليات، وما أدراك؟!
والبعض من الناس هدموا بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين يقول القائل: بأي شيء؟ أقول: باستخدام المربيات الكافرات والخدم من النصارى, وغيرهم من مختلف الأديان التي تحارب الإسلام وأهله.
ثم إن البعض سلم الأهل والبنات والأخوات للسائقين، وقال: جوبوا بهن الشوارع بدون محرم، واذهبوا بهن إلى المعارض والأسواق، فيا لها من أمور تغضب الله ! ونقول: تسلطت علينا اليهود، اليهود قتلت المسلمين, سلبت المسلمين, أين المسلمون؟! إن أكثر المسلمين اليوم يتشبهون باليهود, كيف والبعض منا يقول: إخواننا المسيحيين، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل، فيا لها من أمورٍ تغضب الله ! ويا له من زمانٍ ماتت فيه الفضيلة وانتشرت فيه الرذيلة! ويا له من زمانٍ حارب أهله الأخلاق والشيمة والمروءة، وأهانوا الكرامة! وذلك بتضييع الأمانة.
ونقف أمام نقطة ولا نيئس -يا عباد الله- ولا نقنط من رحمة الله إذا تبنا وغيرنا أحوالنا وتحولنا إلى ما يرضي الله ، وقمنا بما اؤتمنا عليه لعلنا ندخل تحت الحديث، أو لعلنا ندخل في الحديث الشريف الذي أخبر به نبينا محمد ﷺ حيث قال: ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة, لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله﴾ أو كما قال ﵊، ويقول ﷺ : ﴿بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء! قيل: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس﴾ وفي رواية: ﴿يصلحون ما أفسد الناس﴾.
اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، واجعلنا من الصالحين المصلحين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 831
الأمانة في السنة
الحمد لله وكفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه, وأدوا الأمانات جميعها من حقوق الله مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والكفارات، والنذور، وغير ذلك مما ائتمنكم عليه، وكذلك أداء الحقوق لعباد الله كالودائع وغيرها من الأموال وما شاكلها من الأمانات، فمن لم يؤدِ الأمانة في الدنيا، أخذت منه يوم القيامة.
стр. 832
الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة
ورد في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: ﴿إن الشهادة -يعني: القتل في سبيل الله- تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة -وإن كان قتل في سبيل الله- فيقال: أدِّ أمانتك، أدِّ أمانتك، أدِّ أمانتك ثلاث مرات، فيقول: فأنى أؤديها -من أين يؤديها في ذلك الموقف؟ وقد ذهبت الدنيا، فتمثل له الأمانة في قعر جهنم، فيهوي إليها، فيحملها على عاتقه، ثم إذا أشرف على شفير جهنم، نزلت به حتى الهاوية، فهو يهوي على إثرها أبد الآبدين﴾ وفي الأثر: [[والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع]].
стр. 833
تضييع الأمانة خصلة من النفاق
وكذلك خيانة الأمانة خصلةٌ من النفاق، يقول ﷺ : ﴿أربعٌ من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا أوتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر﴾ رواه البخاري ومسلم، وورد أيضاً في الحديث: ﴿لا إيمان لمن لا أمانة له﴾.
عباد الله: الأمانة الأمانة تمر الحياة بأحدنا وهو منهمكٌ في ملذاته وشهواته، ولا يفكر في مآله، ولا بيوم الحساب، وكأنه خالدٌ في الدنيا لا يموت أبداً، أو كأن عنده يقين أنه لا يحاسب على ما جناه، فلا يذكر جهنم وأهوالها وأنكالها وما فيها من أنواع العذاب الذي لم تصمد له الجبال الصمُّ الصلاب، لقد قست القلوب وتحجرت الضمائر وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وسبب ذلك -يا أمة الإسلام- الإعراض عن كلام الله.
فيا عباد الله: لا تتعرضوا بذلك لسخط الله، وكونوا دائماً في ذكر الآخرة، فإن ذلك يبعث على الخوف من الله، ومن خاف ربه استقام بإذن الله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
واعلموا أن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ عن جماعة المسلمين شذَّ في النار، واعلموا إنما يأكل الذئب القاصية من الغنم.
وصلوا على رسول الله كما أمركم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول رسول الله ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وارضَ اللهم عن سائر أتباع رسولك أجمعين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر من به نصرٌ للإسلام والمسلمين، واخذل من بخذلانه نصرٌ للإسلام والمسلمين، اللهم دمّر الشيوعيين واليهود والكفرة أجمعين, الذي يحاربون عبادك في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم انصر المستضعفين من المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصرهم بنصرك يا رب العالمين، اللهم أمدهم بقوتك التي لا تغلب يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم أقرَّ أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 834
المحافظة على الصلاة
للصلاة في الإسلام مكانة رفيعة، وهي عبادة بدنية لا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائها، وقد ذكرها الله في كتابه كثيراً، بياناً لفضلها، وتوضيحاً لأجر فاعلها وعقاب تاركها، كما بين الرسول ﷺ -وهو الذي لا ينطق عن الهوى- وجوبها وأحكامها، وكانت الصلاة هي وصيته الأخيرة لأمته.
стр. 835
مكانة الصلاة في الإسلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 836
الصلاة في القرآن الكريم
أيها المسلمون: اتقوا الله .
عباد الله! حافظوا على الصلوات وأدوها كما أمركم الله، وصلوا الصلاة في أوقاتها بخشوعٍ وخضوعٍ، وتذلل وحضور قلب وطمأنينة، حتى تحوزوا على الفضل العظيم، والأجر الكبير الذي نوه الله عنه في كتابه فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٦٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٢ - ٢٤] وقال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٤ - ٣٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 837
الصلاة في السنة النبوية
نعم.
يا عباد الله! سمعتم هذا الترغيب في كتاب الله بإقامة الصلاة وسمعتم ثواب من أدى الصلاة، وهذه سنة رسول الله ﷺ أيضاً تبين فضل الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! دلني على عملٍ إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا، فلما ولى قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله ﷺ : ﴿أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا﴾ رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله ﷺ : ﴿الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، مالم تغش الكبائر﴾ رواه مسلم.
ويقول ﵊: ﴿ما من امرئٍ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب مالم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله﴾ رواه مسلم.
وعن زهير بن عمارة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿لن يلج النار أحد صلىَّ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها -يعني الفجر والعصر-﴾ رواه مسلم.
وقال ﷺ : ﴿من صلىَّ الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه الله على وجهه في نار جهنم﴾ رواه مسلم.
стр. 838
حكم تارك الصلاة والمتهاون فيها
عباد الله: حافظوا على الصلوات وأدوها في أوقاتها كما أمرتم، وقوموا لله قانتين خاشعين مطيعين، واحذروا من ترك الصلاة واحذروا من التهاون فيها! واحذروا من الاستخفاف بحقها.
عباد الله! إن ترك الصلاة كفرٌ يخرج من الملة والعياذ بالله! وسوف يكون مسكنه في سقر، وسقر طبقة من طباق جهنم، أما المتهاون والمتأخر عن الصلاة لا يبالي أصلاها في وقتها أو أخرها عن وقتها فسوف يلقى غياً، والغي: واد في جهنم يقول الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].
وما أكثر أولئك الذين أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات، ولكن نحذرهم -كما ذكر الله في كتابه- من ذلك الغي، وهو وادٍ في جهنم، احذروا يا من تضيعون الصلوات وتتبعون الشهوات، احذروا ذلك الوادي الذي هو في جهنم مرصدٌ ومعدٌّ لمن اتبع الشهوات وأضاع الصلاة.
وأما الذين يصلون ولكن لا يصلون الصلاة إلا بعد خروج وقتها فأولئك موعدهم ويل، وويل: وادٍ في جهنم لو صيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره، أجارنا الله من ذلك!
عباد الله: حافظوا على الصلوات في جميع أوقاتها، وأقيموها وصلوها بخشوعٍ وطمأنينة، أدوها كاملة بأركانها وواجباتها وسننها؛ تحوزوا الأجر العظيم، والرضا من رب العالمين وفي الحديث: ﴿من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة أو قال: وجبت له الجنة، أو قال: حرم عليه النار﴾.
لما سأل عبد الله بن مسعود ﵁ رسول الله ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله؛ فقال له ﷺ : ﴿أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها﴾ وكذلك يروي لنا عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ﴿من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف﴾ بئس القرناء يا عباد الله، بئس الرفقاء يا عباد الله، وبئس المنزل منزلهم جهنم!
عباد الله! إن من اشتغل بأمواله وتجارته ووزارته وولده وملاذِّه عن الصلاة فإنه يكون مع هؤلاء القرناء: قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف، الذين يسهرون على الملاهي، ولعب القمار والميسر والورق، وغيرها ثم إذا جاءت الصلاة ناموا عنها، ثم يقولون: نحن لم نستيقظ، فإنه محال السهر والقيام مبكراً.
يا عباد الله: محالٌ السهر والقيام مبكراً، فإن صلاة الفجر بينها وبين التلفاز صراعٌ شديد فأيهما غلب صاحبه فإنه سوف يستيقظ إن ترك السهر مع التلفاز ومع الأفلام ومع غيرها ونام مبكراً واستعان بالله فإنه سوف يقوم بإذن الله ويصلي طيب النفس نشيطاً، أما إن طاوع النفس الأمارة بالسوء، وسهر مع الأفلام ومع الأغاني ومع غيرها فإنه يعقد عليه الشيطان ثلاث عقد ويصبح خبيث النفس كسلاناً.
أمة الإسلام! أمة الإسلام! ما هذا التمادي في المعاصي، وأنتم تعلمون أنها معاصي؟ مَنْ منا لا يعلم أن ترك الصلاة كفر؟!
فالكثير في البيوت -ونسأل الله العفو والعافية- يعلمون أن تارك الصلاة كافر ولكنهم يسكتون عليه ويؤاكلونه ويشاربونه ويصادقونه ويتخذونه لهم خليلاً، وهو والعياذ بالله بكفره وإصراره على ترك الصلاة كافر، وبعض العلماء يقول: هو مرتد أكفر من اليهود والنصارى.
عباد الله: متى نستيقظ من رقدتنا؟! متى نئوب إلى ربنا؟! متى نعرف حقوق الله علينا؟! متى نحب في الله ونبغض في الله؟! ونوالي في الله إذا نزل بنا العذاب؟! ونزلت بنا سنة الأولين؟!
إن سنة الله في عباده واحدة، ما نزل العذاب والهلاك والدمار في بني إسرائيل إلا لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجالسوا العصاة وآكلوهم وشاربوهم، ثم لعنهم الله، وضرب قلوب بعضهم ببعض -نسأل الله العفو والعافية- وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كل ذلك مِنْ تَعدي الحدود وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسكوت على المنكرات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، وأوقد في قلوبنا نار الغيرة على أعدائك وعلى المحرمات، حتى نتوب إليك ونبتعد عنها ونوالي فيك ونحب فيك ونبغض فيك يا رب العالمين.
وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله، واستغفروا الله يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 839
فضل كثرة السجود
الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين، وجعلها صلة بينه وبين عباده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي قال وقوله الحق: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ والقائل: ﴿بين العبد والكفر والشرك ترك الصلاة﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ وأصلي على من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعن الصحابة الكرام الذين قاموا بدين الله حق القيام وعلى من تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله! أقيموا الصلاة كما أمرتم وأدوها في بيوت الله مع الجماعة، عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فاستكثروا من السجود﴾ رواه ابن ماجة بإسناد صحيح.
وعن ربيعة بن كعب ﵁ قال: ﴿كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك، قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ رواه مسلم.
فعليكم يا عباد الله بكثرة السجود والتقرب إلى الله في طاعته.
عباد الله: في خطبة الجمعة الماضية ذكرت لكم طريقة الوضوء والغسل، وقلت لكم: إن الوضوء الواجب أن يغسل كلَّ عضو مرةً واحدة، والغسلة الثانية سنة، وقلت في الثالثة: إسراف وبدعة، وهذا خطأ مني، فإني أستغفر الله، فإن الغسلة الثالثة سنة، أما ما عدا الثالثة إذا لم يحتج العضو إليها فلا شك أنها إسراف فانتبهوا لذلك يا عباد الله.
стр. 840
الصلاة هي الوصية الأخيرة للنبي ﷺ
أسأل الله أن يرزقنا التفقه في الدين، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
يا عباد الله! حافظوا على صلاتكم ومروا أولادكم وأهليكم بها، فإنها آخر وصية محمد ﷺ في آخر نفسٍ يلفظه وهو يقول: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت إيمانكم﴾ فجديرٌ بكل مؤمن أن يحافظ على وصية محمدٍ ﷺ ، فأدوا الصلاة جماعة في بيوت الله، ولا تغتروا بمن عميت بصائرهم وتحجرت أفئدتهم، واشتد الران عليها فأصبحت أنفسهم الأمارة بالسوء، تزين لهم فعلها في البيوت، كأنهم لم يسمعوا، أولم يؤمنوا بما صح عن رسول الله ﷺ : ﴿أنه هَمَّ بإحراق المتخلفين عن الصلاة في المساجد، ولم يمنعه من ذلك إلا ما في البيوت من النساء والصبيان الذين لم تجب عليهم الصلاة﴾.
عباد الله: إن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذًّ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا، ونسألك بأنا نشهد بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من عبادك الراشدين، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من عبادك الراشدين، اللهم اجعلنا من عبادك المقيمين للصلاة المحافظين عليها حتى تتوفانا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع عنهم عافيتك ويدك، اللهم مزقهم كل ممزق يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم احفظنا جميعاً بالإسلام، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين.
اللهم أمنا في أوطاننا ولا تسلط علينا أعداءنا، اللهم أمِّنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
اللهم نفَّس كرب المكروبين من المسلمين، اللهم نفَّس كرب المكروبين من المسلمين، اللهم فك أسراهم، اللهم فك أسراهم، اللهم اشفِ مرضى المسلمين، اللهم اشفِ مرضى المسلمين، واقضِ الدين عن المدينين واشفِ بلطفك مرضانا ومرضى المسلمين أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة، يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 841
بر الوالدين
جعل الله للوالدين حقاً عظيماً، فقرن طاعتهما بطاعته، وذلك لكونهما سبباً في وجوده، ولما يتحمله الأبوان من المشاق والآلام لإسعاده، وحرم الله تعالى جميع الأسباب المؤدية إلى عقوقهما، ولو صغر ذلك الشيء ككلمة (أف)؛ فبر الوالدين من أعظم الأعمال الصالحة، وعقوقهما من أكبر الكبائر، وعقوبة العقوق معجلة في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 842
وجوب بر الوالدين
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه، الحمد لله حمداً يملأ ما بين السماوات والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه، وامتثلوا أوامره ونفذوها على ما أراد منكم.
عباد الله: لقد جاء في القرآن العظيم والسنة المطهرة ما يوحي ويخبر بأن للوالدين حقوقاً على الأولاد، فلقد قرن الله شكره بشكرهما، فقال جلَّ من قائل عليماً: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] قال ابن عباس ﵄: [[ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها، إحداها: قول المولى جلَّ وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ [المائدة:٩٢] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لن يقبل منه.
والثانية: قول المولى جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فمن صلى ولم يزكِ لن يقبل منه.
والثالثة: قوله جل وعلا: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لن يقبل منه]] ولذلك أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه بقوله: ﴿رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين﴾.
ولقد فصَّل المولى جل وعلا ما يجب من الإحسان إلى الوالدين بقوله ﵎: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
وهذا معنى واضح يبين الله جلَّ وعلا فيه؛ أنه إذا وصل الوالدان أو أحدهما إلى الكبر حال الضعف والعجز، وصارا عندك في آخر العمر، كما كنت في أول العمر عندهما طفلاً صغيراً، وجب عليك أن تحنو عليهما وتشفق عليهما، وتلطف بهما، وتعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، على أن الفضل للمتقدم.
والمطلوب منك -أيها المسلم- إن كنت تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وإن كنت تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإن كنت مؤمناً حقاً؛ أن تطيع الوالدين، ولا تأفف من شيء تراه، أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، واصبر على ذلك، واحتسب الأجر من الله تعالى، كما صبرا عليك في حال صغرك.
واحذر الضجر والملل منهما! ولا تنغص ولا تكدر عليهما بكلام تزجرهما به، وقل لهما قولاً كريماً حسناً طيباً مقروناً بالاحترام والتعظيم، مثل: يا أبتاه! يا والدي! يا أماه! يا والدتي! ولا تدعهما بأسمائهما، ولا تمش أمامهما، بل احترمهما ووقرهما ولا ترفع عليهما الصوت.
стр. 843
فضل بر الوالدين
واسمع سنة المصطفى ورسول الهدى محمد ﷺ وهي تحث على بر الوالدين وتؤكد ذلك، فقد ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ ليستأذنه بالجهاد في سبيل الله معه، فقال النبي ﷺ : أحي والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد، ففيهما فجاهد، ففيهما فجاهد﴾ رواه البخاري ومسلم.
فانظروا -يا أمة الإسلام- كيف فضل نبيكم ﷺ بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، فيا له من حق عظيم للوالدين على الأولاد!
ومما ورد في الحث على برهما أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿يا رسول الله! إني أشتهي الجهاد في سبيل الله، ولا أقدر عليه، فقال له ﷺ : هل بقي من والديك أحدٌ؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاجٌ ومعتمر ومجاهد﴾.
وقال طلحة بن معاوية السلمي ﵁: ﴿أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إني أريد الجهاد في سبيل الله، قال: أمك حية؟ قلت: نعم، قال: الزم رجليها فَثمَّ الجنة﴾.
وتأخر رجلٌ من السلف على أصحابه، فقالوا: لماذا تأخرت عنا؟ قال: كنت أتمرغ في روضات الجنة، قالوا: أين؟ قال: تحت أقدام أمي.
وبر الأم مقدم على بر الأب، وقد جاء رجلٌ إلى رسول الهدى محمد المصطفى ﷺ ، فقال: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾.
رأى ابن عمر رجلاً يطوف بأمه على منكبيه، فقال: يـ ابن عمر! هل ترى أني أديت حق أمي؟! قال: ولا زفرة من زفرات الولادة.
الله أكبر! ثلاثة حقوق للأم؛ لأنها تنفرد عن الأب بأشياء منها: مشقة الحمل وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاعة، وكثرة الشفقة والخدمة والحنو، فقد حملتك في بطنها تسعة أشهر، كأنها تسع حجج، وكابدت عند الوضع ما يذيب المهج، وأرضعتك من ثدييها لبناً، وأطارت لأجلك عن عينيها لذيذ المنام، وغسلت بيديها عنك القاذورات والأذى، وآثرتك على نفسها بالغذاء، وصيرت حجرها لك سريراً مريحاً، فلو رأيتها إذا أصابتك شكاية أو مرض، وهي تظهر من الأسف فوق النهاية، وأطالت الأحزان والنحيب، وبذلت ما في وسعها من الراحة، الله أكبر! ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤].
стр. 844
خطر العقوق
ثم إن البعض من الذين لا يعرفون المعروف، ولا يقدرون للوالدين الحقوق جعلوا حقوق الوالدين من أهون الحقوق، وعقوا آباءهم وعصوهم وأذاقوهم أليم الهوان والمعاكسة والمعاندة، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لو علم الله شيئاً أدنى من الأُفَّ لنهى عنه، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار﴾ وقال ﷺ : ﴿لعن الله العاقَّ لوالديه﴾.
أتدري يا أخي ما هي اللعنة؟! هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقال ﷺ : ﴿لعن الله من سب أباه، لعن الله من سب أمه﴾ وقال ﷺ : ﴿كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه﴾ أي: يعجل له العقوبة قبل يوم القيامة.
أمة الإسلام: لقد ورد في روايات كثيرة تبين شناعة عقوق الوالدين وعظم حقهما، فإليكم هذه القصة التي أوردها الإمام الحافظ الذهبي ﵀ في كتابه الكبائر، حيث قال: إن زوجة علقمة أرسلت إلى رسول الله ﷺ تخبره أن زوجها في النزع، فأرسل النبي ﷺ عماراً وصهيباً وبلالاً، وقال: امضوا إليه ولقنوه الشهادة.
فمضوا إليه ودخلوا عليه فوجدوه في النزع فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله، ولسانه لا ينطق بلا إله إلا الله، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه أن لسانه لا ينطق بلا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : هل من أبويه أحدٌ حي؟ قيل: يا رسول الله! أمه كبيرة السن، فأرسل إليها ﷺ ، وقال للمرسل إليها: قل لها إن قدرت على المسير إلي وإلا فقري في المنزل حتى يأتيك.
قال: فجاء إليها الرسول وأخبرها بقول رسول الله ﷺ ، فقالت: نفسي لنفسه فداء، أنا أحق بإتيانه، فتوكأت على عصا وأتت رسول الله ﷺ ، وقال لها: يا أم علقمة! اصدقيني، وإن كذبتيني جاء الوحي من الله، كيف كان حال ولدك علقمة؟ قالت: يا رسول الله! كثير الصلاة كثير الصيام كثير الصدقة.
قال رسول الله ﷺ : فما حالك؟! قالت: أنا عليه ساخطة، قال: ولم؟ قالت: كان يؤثر علي زوجته ويعصيني، فقال رسول الله ﷺ : إن سخط أم علقمة حجب لسان علقمة عن الشهادة، ثم قال: يا بلال! انطلق واجمع لي حطباً كثيراً، قالت: يا رسول الله! وما تصنع؟ قال: أحرقه بالنار بين يديك، قالت: يا رسول الله! والله لا يتحمل قلبي أن تحرقه بالنار بين يدي.
قال: يا أم علقمة! عذاب الله أشدُّ وأبقى، فإن سَرك أن يغفر الله له فارضي عنه، فوالذي نفسي بيده! لا ينتفع علقمة بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته ما دمتِ عليه ساخطة، فقالت: يا رسول الله! إني أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضرني من المسلمين؛ أني قد رضيت عن ولدي علقمة.
فقال رسول الله ﷺ : انطلق يا بلال إليه وانظر هل يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله أم لا؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياءً مني، فانطلق فسمع علقمة من داخل الدار يقول: لا إله إلا الله، فدخل بلال، فقال: يا هؤلاء! إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة، وإن رضاها أطلق لسانه بلا إله إلا الله.
فاتقوا الله -عباد الله- وقوموا بحق الوالدين كما أمركم الله، وليعلم كل إنسان أنهما -أي: الوالدان- جنته وناره، فأطيعوا الله والرسول وبروا بالوالدين، وأطيعوهما إلا إذا أمرا بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
اللهم وفقنا لجميع أعمال البر، ووفقنا لطاعتك ورضاك يا رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجب طاعة الوالدين، وحرم عصيانهما وقهرهما، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أخبرنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وتدبروا ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة، وتمسكوا بهما؛ فإن الإعراض عنهما يوحي بوخامة العاقبة.
عباد الله: لقد ظهرت في هذا الزمن موجة قوية من العنف والسخط من بعض الأولاد والبنات لآبائهم وأمهاتهم، حتى إن بعض الشباب يَعدُ أباه خادماً عنده، وحتى إن بعض الفتيات تعد أمها من الخادمات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
وعدم الاحترام والتوقير للوالدين من كبائر الذنوب التي نهى الله ورسوله ﷺ عنها.
عباد الله: إن بر الوالدين فريضة لازمة وواجب محتم، وعقوق الوالدين حرام، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وقد جعل الله بر الوالدين قرين توحيده وعبادته، وبين ما يجب لهما وما لا يحل فعله معهما، فقال تعالى -وهذا إعادة للآية امتثالاً لأمر الله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]- ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
عباد الله: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، واعلموا أن سخط الله في سخط الوالدين، وأن رضاه لا يكون إلا إذا رضي عنكم آباؤكم، ولا شيء يزيد في العمر ويبارك في الرزق مثل بر الوالدين وصلة الأرحام، وقد ورد في الحديث: ﴿ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث﴾ والديوث: الذي يقر الخبث في أهله.
فالشاهد من هذا الحديث أن العاق لا يدخل الجنة، ومن عقَّ والداه عقه أولاده، وكما تدين تدان، ولا يجازى فاعل الشر إلا بمثل فعله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [الأحقاف:١٥] فربُّ العالمين يوصيك بالبر بالوالدين وبالإحسان إليهما وإن كانا مشركين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾ [لقمان:١٥] وإن كانا مشركين وكافرين، إلا أنك لا تتبعهما على دينهما، إنما برهما وأطعهما بالمعروف، وعاملهما بالمعروف، المعاملة الحسنة، كما فعل ذلك الصحابة الكرام مع آبائهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وعليك يا أخي! ببر والديك، وإن رأيت منهما بعض ما تكره من المعاصي والذنوب إلا إنك لا تطعهما في المعصية؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وصلوا وسلموا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض الله عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء!
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين.
اللهم لك الحمد، أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
стр. 845
المحافظة على أرواح الناس
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الأنفس، وتجنيبها العطب والتلف.
وإن من إلقاء النفس للتهلكة وتعريضها للعطب ما يفعله كثير من الشباب من قيادة السيارة بالسرعة التي يفقد السائق بسببها االتحكم فيها مما يؤدي إلى الموت له ولغيره من الناس.
следующие страницы →