Полный текст (1 664 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
بر الوالدين
جعل الله للوالدين حقاً عظيماً، فقرن طاعتهما بطاعته، وذلك لكونهما سبباً في وجوده، ولما يتحمله الأبوان من المشاق والآلام لإسعاده، وحرم الله تعالى جميع الأسباب المؤدية إلى عقوقهما، ولو صغر ذلك الشيء ككلمة (أف)؛ فبر الوالدين من أعظم الأعمال الصالحة، وعقوقهما من أكبر الكبائر، وعقوبة العقوق معجلة في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 842
وجوب بر الوالدين
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه، الحمد لله حمداً يملأ ما بين السماوات والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه، وامتثلوا أوامره ونفذوها على ما أراد منكم.
عباد الله: لقد جاء في القرآن العظيم والسنة المطهرة ما يوحي ويخبر بأن للوالدين حقوقاً على الأولاد، فلقد قرن الله شكره بشكرهما، فقال جلَّ من قائل عليماً: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] قال ابن عباس ﵄: [[ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها، إحداها: قول المولى جلَّ وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ [المائدة:٩٢] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لن يقبل منه.
والثانية: قول المولى جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فمن صلى ولم يزكِ لن يقبل منه.
والثالثة: قوله جل وعلا: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لن يقبل منه]] ولذلك أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه بقوله: ﴿رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين﴾.
ولقد فصَّل المولى جل وعلا ما يجب من الإحسان إلى الوالدين بقوله ﵎: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
وهذا معنى واضح يبين الله جلَّ وعلا فيه؛ أنه إذا وصل الوالدان أو أحدهما إلى الكبر حال الضعف والعجز، وصارا عندك في آخر العمر، كما كنت في أول العمر عندهما طفلاً صغيراً، وجب عليك أن تحنو عليهما وتشفق عليهما، وتلطف بهما، وتعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، على أن الفضل للمتقدم.
والمطلوب منك -أيها المسلم- إن كنت تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وإن كنت تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإن كنت مؤمناً حقاً؛ أن تطيع الوالدين، ولا تأفف من شيء تراه، أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، واصبر على ذلك، واحتسب الأجر من الله تعالى، كما صبرا عليك في حال صغرك.
واحذر الضجر والملل منهما! ولا تنغص ولا تكدر عليهما بكلام تزجرهما به، وقل لهما قولاً كريماً حسناً طيباً مقروناً بالاحترام والتعظيم، مثل: يا أبتاه! يا والدي! يا أماه! يا والدتي! ولا تدعهما بأسمائهما، ولا تمش أمامهما، بل احترمهما ووقرهما ولا ترفع عليهما الصوت.
стр. 843
فضل بر الوالدين
واسمع سنة المصطفى ورسول الهدى محمد ﷺ وهي تحث على بر الوالدين وتؤكد ذلك، فقد ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ ليستأذنه بالجهاد في سبيل الله معه، فقال النبي ﷺ : أحي والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد، ففيهما فجاهد، ففيهما فجاهد﴾ رواه البخاري ومسلم.
فانظروا -يا أمة الإسلام- كيف فضل نبيكم ﷺ بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، فيا له من حق عظيم للوالدين على الأولاد!
ومما ورد في الحث على برهما أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿يا رسول الله! إني أشتهي الجهاد في سبيل الله، ولا أقدر عليه، فقال له ﷺ : هل بقي من والديك أحدٌ؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاجٌ ومعتمر ومجاهد﴾.
وقال طلحة بن معاوية السلمي ﵁: ﴿أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إني أريد الجهاد في سبيل الله، قال: أمك حية؟ قلت: نعم، قال: الزم رجليها فَثمَّ الجنة﴾.
وتأخر رجلٌ من السلف على أصحابه، فقالوا: لماذا تأخرت عنا؟ قال: كنت أتمرغ في روضات الجنة، قالوا: أين؟ قال: تحت أقدام أمي.
وبر الأم مقدم على بر الأب، وقد جاء رجلٌ إلى رسول الهدى محمد المصطفى ﷺ ، فقال: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾.
رأى ابن عمر رجلاً يطوف بأمه على منكبيه، فقال: يـ ابن عمر! هل ترى أني أديت حق أمي؟! قال: ولا زفرة من زفرات الولادة.
الله أكبر! ثلاثة حقوق للأم؛ لأنها تنفرد عن الأب بأشياء منها: مشقة الحمل وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاعة، وكثرة الشفقة والخدمة والحنو، فقد حملتك في بطنها تسعة أشهر، كأنها تسع حجج، وكابدت عند الوضع ما يذيب المهج، وأرضعتك من ثدييها لبناً، وأطارت لأجلك عن عينيها لذيذ المنام، وغسلت بيديها عنك القاذورات والأذى، وآثرتك على نفسها بالغذاء، وصيرت حجرها لك سريراً مريحاً، فلو رأيتها إذا أصابتك شكاية أو مرض، وهي تظهر من الأسف فوق النهاية، وأطالت الأحزان والنحيب، وبذلت ما في وسعها من الراحة، الله أكبر! ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤].
стр. 844
خطر العقوق
ثم إن البعض من الذين لا يعرفون المعروف، ولا يقدرون للوالدين الحقوق جعلوا حقوق الوالدين من أهون الحقوق، وعقوا آباءهم وعصوهم وأذاقوهم أليم الهوان والمعاكسة والمعاندة، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لو علم الله شيئاً أدنى من الأُفَّ لنهى عنه، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار﴾ وقال ﷺ : ﴿لعن الله العاقَّ لوالديه﴾.
أتدري يا أخي ما هي اللعنة؟! هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقال ﷺ : ﴿لعن الله من سب أباه، لعن الله من سب أمه﴾ وقال ﷺ : ﴿كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه﴾ أي: يعجل له العقوبة قبل يوم القيامة.
أمة الإسلام: لقد ورد في روايات كثيرة تبين شناعة عقوق الوالدين وعظم حقهما، فإليكم هذه القصة التي أوردها الإمام الحافظ الذهبي ﵀ في كتابه الكبائر، حيث قال: إن زوجة علقمة أرسلت إلى رسول الله ﷺ تخبره أن زوجها في النزع، فأرسل النبي ﷺ عماراً وصهيباً وبلالاً، وقال: امضوا إليه ولقنوه الشهادة.
فمضوا إليه ودخلوا عليه فوجدوه في النزع فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله، ولسانه لا ينطق بلا إله إلا الله، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه أن لسانه لا ينطق بلا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : هل من أبويه أحدٌ حي؟ قيل: يا رسول الله! أمه كبيرة السن، فأرسل إليها ﷺ ، وقال للمرسل إليها: قل لها إن قدرت على المسير إلي وإلا فقري في المنزل حتى يأتيك.
قال: فجاء إليها الرسول وأخبرها بقول رسول الله ﷺ ، فقالت: نفسي لنفسه فداء، أنا أحق بإتيانه، فتوكأت على عصا وأتت رسول الله ﷺ ، وقال لها: يا أم علقمة! اصدقيني، وإن كذبتيني جاء الوحي من الله، كيف كان حال ولدك علقمة؟ قالت: يا رسول الله! كثير الصلاة كثير الصيام كثير الصدقة.
قال رسول الله ﷺ : فما حالك؟! قالت: أنا عليه ساخطة، قال: ولم؟ قالت: كان يؤثر علي زوجته ويعصيني، فقال رسول الله ﷺ : إن سخط أم علقمة حجب لسان علقمة عن الشهادة، ثم قال: يا بلال! انطلق واجمع لي حطباً كثيراً، قالت: يا رسول الله! وما تصنع؟ قال: أحرقه بالنار بين يديك، قالت: يا رسول الله! والله لا يتحمل قلبي أن تحرقه بالنار بين يدي.
قال: يا أم علقمة! عذاب الله أشدُّ وأبقى، فإن سَرك أن يغفر الله له فارضي عنه، فوالذي نفسي بيده! لا ينتفع علقمة بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته ما دمتِ عليه ساخطة، فقالت: يا رسول الله! إني أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضرني من المسلمين؛ أني قد رضيت عن ولدي علقمة.
فقال رسول الله ﷺ : انطلق يا بلال إليه وانظر هل يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله أم لا؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياءً مني، فانطلق فسمع علقمة من داخل الدار يقول: لا إله إلا الله، فدخل بلال، فقال: يا هؤلاء! إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة، وإن رضاها أطلق لسانه بلا إله إلا الله.
فاتقوا الله -عباد الله- وقوموا بحق الوالدين كما أمركم الله، وليعلم كل إنسان أنهما -أي: الوالدان- جنته وناره، فأطيعوا الله والرسول وبروا بالوالدين، وأطيعوهما إلا إذا أمرا بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
اللهم وفقنا لجميع أعمال البر، ووفقنا لطاعتك ورضاك يا رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجب طاعة الوالدين، وحرم عصيانهما وقهرهما، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أخبرنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وتدبروا ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة، وتمسكوا بهما؛ فإن الإعراض عنهما يوحي بوخامة العاقبة.
عباد الله: لقد ظهرت في هذا الزمن موجة قوية من العنف والسخط من بعض الأولاد والبنات لآبائهم وأمهاتهم، حتى إن بعض الشباب يَعدُ أباه خادماً عنده، وحتى إن بعض الفتيات تعد أمها من الخادمات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
وعدم الاحترام والتوقير للوالدين من كبائر الذنوب التي نهى الله ورسوله ﷺ عنها.
عباد الله: إن بر الوالدين فريضة لازمة وواجب محتم، وعقوق الوالدين حرام، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وقد جعل الله بر الوالدين قرين توحيده وعبادته، وبين ما يجب لهما وما لا يحل فعله معهما، فقال تعالى -وهذا إعادة للآية امتثالاً لأمر الله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]- ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
عباد الله: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، واعلموا أن سخط الله في سخط الوالدين، وأن رضاه لا يكون إلا إذا رضي عنكم آباؤكم، ولا شيء يزيد في العمر ويبارك في الرزق مثل بر الوالدين وصلة الأرحام، وقد ورد في الحديث: ﴿ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث﴾ والديوث: الذي يقر الخبث في أهله.
فالشاهد من هذا الحديث أن العاق لا يدخل الجنة، ومن عقَّ والداه عقه أولاده، وكما تدين تدان، ولا يجازى فاعل الشر إلا بمثل فعله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [الأحقاف:١٥] فربُّ العالمين يوصيك بالبر بالوالدين وبالإحسان إليهما وإن كانا مشركين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾ [لقمان:١٥] وإن كانا مشركين وكافرين، إلا أنك لا تتبعهما على دينهما، إنما برهما وأطعهما بالمعروف، وعاملهما بالمعروف، المعاملة الحسنة، كما فعل ذلك الصحابة الكرام مع آبائهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وعليك يا أخي! ببر والديك، وإن رأيت منهما بعض ما تكره من المعاصي والذنوب إلا إنك لا تطعهما في المعصية؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وصلوا وسلموا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض الله عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء!
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين.
اللهم لك الحمد، أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
стр. 845
المحافظة على أرواح الناس
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الأنفس، وتجنيبها العطب والتلف.
وإن من إلقاء النفس للتهلكة وتعريضها للعطب ما يفعله كثير من الشباب من قيادة السيارة بالسرعة التي يفقد السائق بسببها االتحكم فيها مما يؤدي إلى الموت له ولغيره من الناس.
стр. 846
حفظ النفوس من مقاصد الشريعة
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.
اللهم صلِّ وسلم على رسولك وعبدك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم القويم إلى يوم القيامة، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله رب العالمين، اتقوا أرحم الراحمين، وأطيعوه واشكروه على نعمه الكثيرة التي لا تحصون لها عدداً، ومنها نعمة وسائل النقل بأنواعها كالسيارات وما شاكلها، فإنها نعمة لمن استعملها في مرافق حياته المباحة.
عباد الله: لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحقن الدماء والمحافظة عليها، قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠].
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة، في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً﴾.
وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : ﴿من قتل نفسه بشيء، عذب به يوم القيامة﴾.
روى البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿كان رجلٌ ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكيناً فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة﴾.
ففي هذه الآية السابقة، والأحاديث الصحيحة تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن يلقي السمع وهو شهيد.
стр. 847
انتشار الحوادث المرورية
عباد الله: لقد قرر بعض العلماء ﵏ أن سائق السيارة إذا كان لا يعرف القيادة، وقاد السيارة بدون معرفة، ثم حصل له حادثٌ ثم مات، فقد عرض نفسه للإتلاف، ولأنه لم يأخذ بالأسباب الواقية، وهي معرفة القيادة، إذاً فهو داخل تحت الوعيد الشديد، الذي مر آنفاً في الأحاديث الصحيحة، والآية الكريمة.
وقرر أيضاً بعض العلماء ﵏ أن السائق إذا تعدى السرعة التي تمكنه من التصرف بالسيارة، ووقع الحادث ومات، فهو داخل تحت الوعيد الشديد؛ لأن من فعل الأسباب الرفق، وعدم السرعة التي تهدد حياته وحياة البشر جميعاً، فكم نرى، وكم نسمع بالحوادث، وكل ذلك سببه السرعة وعدم معرفة القيادة، وناهيك بعدم معرفة القيادة انتشاراً، فهذا رجل يدخل شوارع المسلمين العامة، ويقول له رجل المرور: ارجع إلى الخلف، فيقول: لا أعرف أرجع! إنه هدَّد نفسه وهدَّد البشرية جميعاً بقتلهم، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ألا فليحذر الذين قست قلوبهم وصارت الأرواح عندهم لا قيمة لها! ألا فليحذر الذين عرَّضوا أنفسهم وأهليهم وأولادهم للهلاك! فليحذروا من هذا الوعيد الشديد في الآية: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠].
أمة الإسلام: إننا نرى الحوادث كل يوم، ولم نر القلوب تتعظ وترعوي، فكم نرى الجثث تحت السيارات! وكم نرى الجثث تخرج بواسطة الأكسجين! وكم نرى اللحم قد اختلط بالحديد! ومع ذلك فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا نفس تتعظ وتنتهي عن غيها، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
стр. 848
النهي عن إيذاء المؤمنين
عباد الله: لقد نهى الله عن إيذاء المؤمنين، ومن ذلك إيذاؤهم في شوارعهم العامة والخاصة، وهو ما يفعله بعض السفهاء من عملية التفحيط وإحداث الأصوات المزعجة التي تؤدي إلى القلق، ولا ننسى ما يقوم به رجال المرور والنجدة والدوريات من قمع هؤلاء السفهاء ومطاردتهم وسجنهم، وما أجمل ذلك النظام! وما أحسنه لولا الواسطة الخارقة للنظام!
ما أجمل النظام من الرجال المسئولين عن ذلك، لولا الواسطة الخارقة للنظام، فإن المخالف يسجن بالليل ويخرج بالنهار، وهذا الذي جعلهم يتمادون في سفههم وإيذائهم لعباد الله نسأل الله تعالى لهم الهداية والصلاح.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 849
الوصية بالتوبة
الحمد لله الذي فتح باب التوبة للمذنبين، وكتب الرحمة لعباده المؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، هو الحق المبين، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين وقائد الغر الميامين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: استجيبوا لنداء الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم:٨].
عباد الله: إن الله يدعوكم إلى التوبة النصوح، وقد فتح باب الرحمة والتوبة للمؤمنين على مصراعيه، وجعله أوسع الأبواب ليعلموا أن لهم رباً عظيماً، يتضاءل بالتوبة أمام رحمته وعفوه كل ذنب.
عباد الله: إن التوبة النصوح الصحيحة التي يكفر الله بها السيئات ويدخل بها الجنات هي الإقلاع عن الذنوب جميعها، الصغائر منها والكبار، والندم على ما مضى منها، والعزم على ألا يفعلها في المستقبل، ورد المظالم، والتحلل من أهلها قبل يوم القيامة.
عباد الله: توبوا إلى ربكم وأسلموا له واعملوا صالحاً؛ ينجيكم من عذابه يوم القارعة، يوم الطامة، يوم الزلزلة، يوم الحسرة والندامة، ولا تكونوا غافلين عن الموت وسكراته وأهواله، فهنيئاً لمن تيقظ وتاب وأناب، وعمل عملاً صالحاً، وتباً لمن غفل وأسرف على نفسه، وسوَّف بتوبته، ووافته المنية على إصراره، وعلى إيذاء عباد الله، وإزعاجهم بملاحقة النساء، والتفحيط في شوارعهم العامة والخاصة، فيا لها من فتنة عمياء! ويا له من تقليد أحمق! فلو رأيتم شاباً لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره وقد اختلط لحمه بحديد السيارة من جراء التفحيط لرأيتم عجباً، ولا أدري من يلقى عليه اللوم، هل عليه وهو في سن المراهقة، أو على ولي أمره الذي ترك له الحبل على الغارب؛ فلا نامت أعين الأشقياء.
عباد الله: متى نأخذ على أيدي السفهاء؟! ومتى نأطرهم على الحق أطراً، ونقصرهم عليه، ونعلم أنهم أمانة في أعناقنا، ونحن مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة؟!
عباد الله: لينظر كل مِنَّا منقلبه ما دام في زمن الإمهال، وليتفكر في منتهاه، ما دام الأمر ممكناً قبل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦].
عباد الله: إن على الإنسان أن يعمل سراً وجهراً في طاعة المولى جل وعلا، ويذكر ربه وما أحاطه به من النعم، وما له عليه من حقوق، ويذكر ضعفه وقوته وما في يوم القيامة من أهوال، وماذا عمل استعداداً لذلك اليوم العظيم المروع؟ فسيستحضر تقصيره ويتذكر تفريطه، وهو يدري ما يفعل به.
стр. 850
المعاصي تمحق البركة
فيا أخي المسلم: إن المعاصي تمحق بركة العمر والرزق، وتمحق بركة العلم والطاعة والتوبة واجبةٌ في كل وقت، امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فهيا إلى التوبة يا عباد الله، فالحياة مرَّة، وإذا انتهت، فلا كرة ولا رجوع.
هيا إلى التوبة من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه ولا خِلال، فقد يفصل في الأمر، وتغلق الأبواب، والمسوِّف بالتوبة بين خطرين عظيمين: إما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً، فلا يقبل المحو، وإما أن يعاجله المرض أو الموت فجأة، فلا يجد مهلة لتدارك ما فات.
اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
عباد الله: إن أصدق الحديث كلام رب العالمين، وخير الهدي هدي سيد الأولين والآخرين، محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة في النار، وكل ضلالةٍ، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عن جماعة المسلمين شذ في النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، نسألك أن تردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم وانصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم دمِّر أعداءك أعداء الدين، الذين يصدون عن سبيلك، ويفسدون في الأرض، ويعادون أولياءك، اللهم دمرهم تدميراً ومزقهم كل ممزق، وأدر عليهم دائرة السوء يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين! اللهم اجعلنا وإياهم هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق ومغاربها، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا واللواط، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 851
المساجد لا الملاعب
إن رسالة المسجد عظيمة، فهو مدرسة الإيمان، وفيه تكمن حياة القلوب، وهو قاعة التسبيح والتهليل والذكر، وله أهميته الكبرى في بناء الأمة.
والمساجد تضيء الأرض كما تضيء النجوم السماء، وهي منارات للسالكين، وهداية للطائعين، ومقصد للعارفين، وموئل للذاكرين، منها ينطلق التوحيد، ويتخرج الدعاة، وتقاد الأمة وتساس الأرض.
والمساجد منذ فجر الإسلام وعلى مدار عصور التاريخ الإسلامي معاهد علم، ومجامع أخوة، وساحة إعداد للجهاد، لذلك فقد أشاد الإسلام بفضل عمارتها والتأدب بآدابها.
стр. 852
رسالة المسجد وعظمها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: ﴿من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله: يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨] نعم يا عباد الله! إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وهم رجال مدحهم الله جل وعلا، رجال لا تشغلهم عن طاعة الله الشواغل، رجال ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] وما أدراكم ما ذلك اليوم يا عباد الله! هو يوم القيامة، يوم الحشر والنشور.
وإن أمام الناس حشرٌ وموقفٌ ويومٌ طويلٌ ألفُ عامٍ وأطولُ
فيا لك من يوم على كل مبطلٍ فظيع وأهوال القيامة تعضلُ
تكون به الأطواد كالعهن أو تكن كثيباً مهيلاً أهيلاً يتهلهلُ
يوم القيامة يومٌ ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] فما ظنكم عباد الله بذلك اليوم؟!
عباد الله: ذلك اليوم بضائعه الأعمال، وشهوده الجلود والألسنة والأوصال، وسجنه النار، وحاكمه الجبار.
إن ذلك اليوم يوم عظيم، لقد خافه أولئك الذين مدحهم الله بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
стр. 853
فضل عمارة المساجد
أمة الإسلام: لقد أشاد الإسلام بفضل عمارة المساجد، وما تعود به زيارتها على نفوس المؤمنين من أثرٍ فعال، فقد ورد في الأثر أنه مكتوب في التوراة: إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور إكرام الزائر.
أمة الإسلام: لقد أضاف الله تعالى هذه الزيارة إلى نفسه الكريمة إضافة تشريف وتكريم، ولا غرابة أيها المسلمون! فرسالة المسجد من أعظم رسالات؛ إذ هي الموضحة لأحوال الناس.
وفي زيارة المسلمين للمساجد في اليوم والليلة خمس مرات، يتضح في الظاهر المؤمن من المنافق، وقد ذم الله المنافقين، وأخبر أنهم يخادعون الله وهو خادعهم، وأنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، مع ذلك فإن ذكر الله شاق عليهم، فألسنتهم قد وافقت قلوبهم بما فيها من النفاق، ولذلك توعدهم بأنهم في الدرك الأسفل من النار.
ما أكثر المنافقين في هذا الزمان! الذين لم يتكاسلوا عن الصلاة فحسب، بل تركوا الصلاة بالكلية، ويزعمون أنهم مسلمون، ويدَّعون الإسلام بالهوية والتابعية، فتباً لهم، وتباً لما ادعوه من الكفر والنفاق.
تارك الصلاة كافر رضي أم سخط، شاء أم أبى.
فالحذر يا عباد الله من ترك الصلاة! والحذر يا عباد الله من مجاورة تارك الصلاة! فإنه فد ورد في الأثر: [[أن تارك الصلاة تنزل عليه كل يوم سبعون لعنة]].
والحذر الحذر من التكاسل عن الصلاة يا عباد الله! فإن الأمر عظيم في أعناقكم يا أمة الإسلام!
ومع الأسف الشديد أن المساجد في الفجر لا يوجد فيها من يبلغ من الخامسة عشر إلا القليل، فأين تلك القطاعات؟ وأين تلك الفئات التي تخرج للمدارس والأعمال؟ أين هم؟
هل هم مختفون تحت الأرض، لا يخرجهم إلا شعاع الشمس؟
أم أنه التهاون بأمر الله وتعظيم أمر المخلوق والخوف من المخلوق؟! فهذا هو الواقع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الأم والأب، والساعة الثالثة، والساعة الرابعة، وساعة الحائط، كل هؤلاء يتعاونون على الولد إذا جاء وقت الدراسة والعمل، أما وقت الصلاة فإن كان الأب فيه ريح إيمان وأراد أن يوقظه، قالت الأم: اتركه، فإنه كان متعباً من المذاكرة، الله أكبر يا عباد الله! الله أكبر يا أمة الإسلام! هل هذا من تأدية حقوق الله؟!
إن المسلمين اليوم في خطر شديد، نكررها ونعيدها، لعلها تصادف قلوباً حية، تخاف من سطوة الله ومن نقمته، فتستيقظ وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
عباد الله: الحذر من التكاسل عن الصلاة، فإن ذلك من عادة المنافقين.
والبِدار البِدار إلى تقوية الصلة بينكم وبين الخالق جل وعلا، البِِدار إلى أداء الصلوات في بيوت الله، في خشوع وتذلل للخالق جل وعلا، مستشعرين عظمة الله، متجردين من مشاغل الحياة حال الوقوف بين يدي الله، خلِصّوا أنفسكم من أسر الدنيا، وملذاتها، وفرغوا قلوبكم وأسماعكم لتدبر كلام الله ، الذي لو أنزله الله على صم الجبال لرأيتموها خاشعة تتصدع من خشية الله، فيالله كم من قلوب طالما سيطر عليها مرض الشهوة، واستفحل بها داء الشبهة، فلما سمعت كلام الله ووقع فيها؛ انفتح أمامها طريق الحق والصواب، فصارت تبصر بنور الله ﷻ .
هذا الفضيل بن عياض: كان لصاً يسرق، فلما تسلق بيت أحد المسلمين ليسرق منه، وإذا هو يتلو قولََ الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] قال: نعم.
آن لها الآن، آن لها الآن، وكف عن سرقته وتاب إلى الله، وصار عالماً من علماء المسلمين.
ومالك بن دينار: نام نومة وهو سكران، ورأى في المنام أمراً عجيباً، وآخر لما سمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] فاستيقظ وهو يرددها، فتاب إلى الله، وصار عالماً من علماء المسلمين.
стр. 854
أهمية المسجد في الحياة الروحية
عباد الله: باب التوبة مفتوح، وفضل الله واسع يا عباد الله.
أجَل يا أمة الإسلام.
المساجد هي مدرسة الإيمان، وحياة القلوب، ومسكن النفس، وقاعة التسبيح والتهليل والذكر.
المساجد مزار الملائكة، منها تصعد الأعمال، وفيها تنزل الرحمات، فطوبى لعُمَّار بيوت الله، وطوبى لمن تعبد فيها لله، وطوبى لمن أَلِفَها، وطوبى لمن تعلق قلبه بها، فإن من تعلق قلبه بالمساجد فإن موعده أن يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
هي المساجد يا عباد الله: مدراس لتهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق, وصقل العقائد وإنارتها، المساجد مدارس لتلاوة آيات الله البينات، ولتلاوة سنة رسوله ﷺ .
стр. 855
المساجد خرجت الرجال
المساجد هي التي خرجت أصحاب رسول الله ﷺ ، أصحاب رسول الله الذين فتحوا الفتوحات، ومصّروا الأمصار، وجاهدوا في الله حق جهاده، فتحوا القلوب والبلاد، لم يفتحوها بالماجستير ولا بالدكتوراه، ولكن فتحوها بتعلم العلم النافع، على يد المربي الكامل محمد ﷺ .
ولكن لما تُرِكَت هذه السنة، وهُجِرَت المساجد، وصار البعض يعتبرها لأداء الفريضة فقط، حتى إن بعض أئمة المساجد، وبعض المؤذنين يقف على رأي المصلين، إن كان في حر شديد يطفئ عليهم المراوح والمكيفات، ليخرجهم من بيوت الله، يظن جهلاً منه أنها لم تُبْنَ إلا للصلاة.
ولما اندرست هذه السنة ماذا أعقبنا يا عباد الله؟ لما كان السلف الصالح يقضون أوقاتهم في مدارسة العلم في بيوت الله، صاروا في عزة وسعادة ورخاء وطمأنينة بال، أما نحن لما تركنا المساجد واستبدلناها بآلات اللهو، صرنا والعياذ بالله في انحدار وانحطاط، فالأولاد ليلهم ونهارهم مع الكرة في شوارع المسلمين وكأنهم لا مسئولية عليهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان البعض من الصحابة في الخامسة عشر يحمل لواء الجهاد، يجاهد في سبيل الله مشتاقاً إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وشبابنا الآن يشتاق إلى الكرة، وإلى تشجيع فلان وفلان، ونسي الله ورسوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويذكر لي بعض الإخوة الثقات: أن بعض المشاهدين للتلفاز لما قال المذيع: لنقف هذه الفترة لنقل أذان العشاء من الكعبة، قال: لعنة الله على الكعبة، وعلى الأذان.
الله أكبر يا عباد الله!
هذه دسيسة صهيون وأعوانه!
هذه التي يريدها منا الصهاينة؛ لتنحل عقائدنا وأخلاقنا، ونرمي ديننا وراءنا ظِهرياً.
ما أبشعها من كلمة! يقولها بكل وقاحة: لعنة الله على الكعبة، وعلى الأذان.
الله أكبر يا عباد الله! الله أكبر يا أمة الإسلام! إلى أي حد أصابنا هذا الجهل؟! والله لم يقلها أبو جهل، ولم يقلها أبو لهب، ما قال يوماً من الأيام لعنة الله على مكة ولا على الأذان، الله أكبر يا عباد الله!
كل ذلك بسبب الدسائس الخبيثة التي أدخلوها على الأبناء وهم صغار، يقال في الأثر: "ما بكم إذا لبستكم فتنة يهرم عليها الكبير ويربو عليها الصغير".
إي والله إنها فتنة كبيرة.
يقول لي بعض المتحدثين: إن شاباً دخل على أمه، فلما رأى عليها ثوباً يخالف النادي الذي هو يشجعه عَمِد إلى ثوبها فمزقه بيديه، الله أكبر! إلى هذا الأمر وصلت أحوال المسلمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أتدرون من أي شيء ذلك؟
لما ترك المسلمون المساجد وهجروا المساجد، ولم يعرف البعض المساجد إلا لأداء الصلاة، ألم يعرفوا أن المساجد هي التي تخرِّج الرجال؛ خرَّجتهم أبطالاً، خرَّجتهم شجعاناً، خرَّجتهم قادة، خرَّجتهم دعاة، خرَّجتهم أئمة، خرَّجتهم قضاة إلى غير ذلك من مصالح المساجد التي تعطلت ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها المسلمون: الرجوع إلى دين الله، الرجوع إلى العقيدة، الرجوع إلى الأخلاق، ما دمتم في زمن الإمهال قبل أن تتحولوا من دينكم.
قال رسول الله ﷺ : ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه -ماذا يعملان به؟ - يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه﴾ حتى يعْرب عنه لسانُه.
فالحذر يا عباد الله! الحذر يا أمة الإسلام! فقد أخبر رسول الله ﷺ : أن ﴿آخر الزمان تكون فتن كقطع الليل المظلم، يمسي المؤمن كافراً ويصبح مؤمناً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً﴾ أو كما قال ﷺ .
فالنجاة النجاة ووالله لا تحصل النجاة إلا بالرجوع إلى الله، والتمسك بكتاب الله، وبسنة رسول الله ﷺ .
стр. 856
المحافظة على الصلاة في المسجد
أيها المسلمون: حافظوا على صلواتكم، فإنه لا غنى لكم عنها، فهي تنير القلوب، وتغرس في القلوب مراقبة الله.
إن الصلاة تزكية لمن يخشى، وتذكرة لمن ينسى.
إن الصلاة تكفر الذنب، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.
الصلاة نور وبرهان، ونجاة لمن أداها كما أمره الله، وكما صلاها على ضوء إقامة رسول الله ﷺ ، حيث يقول: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ وصدق الله حيث قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨].
стр. 857
من آداب المسجد
أمة الإسلام: التزموا الآداب الشرعية التي حث عليها رسول الله ﷺ ؛ عند الخروج من البيت إلى المسجد، وعند دخول المسجد، وحال المكث في المسجد، وحال الصلاة وأنتم واقفون أمام الله، وفي بيت من بيوت الله، فمن الآداب المتعلقة بالمساجد:
أن تصان عن كل وسخ، وقذر، وقذاة، ومخاط، وبصاق، ورائحة كريهة من أكل بصل أو ثوم أو كراث، أو دخان، أو غيره، فقد نهاكم النبي ﷺ فقال: ﴿من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا﴾ إهانة له.
وروى البخاري ومسلم: قال رسول الله ﷺ : ﴿من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربنَّ مساجدنا -هذا من رواية مسلم لماذا؟ - لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم﴾ صدق رسول الله ﷺ .
يا عباد الله! والله يا له من أذى، وما أقبحها وأكرهها من رائحة، ولكن مع الأسف الشديد تجد الكثير لا يأكلون طعامهم إلا بتلك البقول، ومع ذلك لا يبالون بأذية إخوانهم المسلمين، وبأذية الملائكة الكرام.
أمة الإسلام: ينبغي للمسلم الحقيقي الذي جاء إلى بيت من بيوت الله برغبة صادقة، أن يعلم لمن أتى، ولمن يريد أن يقف بين يديه، إنه أتى إلى ربه زائراً، ويقف بين يديه، وسوف يكشف الحجاب الذي بينه وبين ربه ، فسوف يناجيه بكلامه المجيد، ويبدي إليه أسراره وحوائجه التي لا يقدر على قضائها إلا هو جل وعلا.
فينبغي للمؤمن أن يأتي إلى المسجد بأحسن هيئة، وأطيب ريح، امتثالاً لأمر الله جل وعلا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] أي: عند كل صلاة.
اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.
وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 858
أهمية المسجد في الحياة الاجتماعية
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
يا أيها الناس: اتقوا الله ، واعرفوا ما للمساجد من المكانة، وعظموها في أنفسكم، فهي بيوت الله في الأرض، بيوتٌ تضيء الأرض كما تضيء النجوم للسماء منارات للسالكين، وهداية للطائعين، ومقصدٌ للعارفين، وموئلٌ للذاكرين، تنطلق من مناراتها دعوات التوحيد، وتكبيرات الإجلال لله رب العالمين.
تهيب بكل مسلم: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فسرعان ما تهوى إليها القلوب المؤمنة بالله، المصدقة لوعده، وسرعان ما تخطو إليها الخطى، ولها بكل خطوة صدقة، ووعدٌ آخر، خطوة ترفع بها درجة، وخطوة تحط بها خطيئة.
إنها المساجد يتوافد عليها المسلمون زرافات ووحدانا، في طهارة ثوب وبدن، وخشوع قلب، واستكانة لله رب العالمين، ما أحسن تلك الأحوال لو تحققت يا عباد الله! ما أحسن تلك الأحوال لو تحققت في زماننا وطبقناها على أنفسنا وفي مجتمعنا، فتلتقي شتات القلوب على توحيد الواحد الأحد، فتتآخى في وَحْدَةٍِ، لا ينال منها اختلافُ الأجناسِ، ولا تَبَايُنِ الألسُنِ والألوانِ، ولا تتميز إلا بالتقوى، هكذا كان المسجد منذ فجر الإسلام، وعلى مدار عصور التاريخ الإسلامي، معاهد علم، ومجامع أخوَّة، فهو أول قدسية في الإسلام، وهو أول مدرسة في الإسلام درَّس فيها محمد ﷺ ، وتخرَّج على يديه رجال نشروا الدعوة في الآفاق، وفتحوا الفتوحات، ومصَّروا الأمصار، وعلَّموا العالَم ما لم يعلموا من علم الله جل وعلا، أخرجوا العالَم من براثن الجهل إلى نور العلم، ومن عباة الأوثان والأصنام إلى عبادة رب العالمين.
عباد الله: إن للمسجد دور فعال، حيث شرع الله جل وعلا اجتماع المسلمين فيها للجمعة والجماعة، يلتقون فيها على علم نافع، ووعظ زاجر، يحثهم على الإقبال إلى الله والدار الآخرة، ويحذرهم مغبة الغفلة والنسيان؛ ولكن مع الأسف الشديد، لقد تعطلت أكثر المساجد من المصلين، والذي يصلون يظنون أن المساجد للصلاة فقط، فلا يفرغون لأنفسهم من أوقاتهم ساعات قليلة يتفقهون فيها بدين الله ، ويتعلمون أحكام دينهم، والبعض من الناس إذا كان في المسجد حديث، وخاصة العشاء، تأخر ليشرب الشاي، ويلهو ويسهو حتى تُقام الصلاة، وينقضي وقت الحديث، ويُشغل نفسه بأشياء تافهة، حتى يفوِّت على نفسه خيراً كثيراً.
فهذه أحوال الكثيرين اليوم من المسلمين, فلا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.
اللهم اهدنا ووفقنا وأرشدنا لما تحبه وترضاه، واجعلنا هُداة مهتدين، اللهم اجعلنا هداة مهتدين.
اللهم ارزقنا الحب فيك، والبغض فيك، واجعلنا اللهم نحب فيك، ونبغض لك، يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، ورد دور مساجدنا كما كانت في عهد رسول الله ﷺ منارات للعلم والذكر والخير الكثير.
اللهم صلِّ على نبينا محمد، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأنعم بهم من رجال، وبقية الصحابة أجمعين، ﵃، ورضي عمن تبعهم من السلف الصالح، ومن العلماء العاملين، الذين عملوا بعلمهم.
أيها العلماء: إن عليكم مسئولية عظيمة هي تبليغ ما في كتاب الله، وما في سنة رسول الله ﷺ ، رسول الهدى وقد رسم ذلك لكم في وصية له، فقال ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ماذا تردون عن هذا الجواب يوم القيامة؟ إذا رأيتم الناس يُسألون عن غيهم وجهلهم، وهم يتخبطون في جهلهم، والعلماء الآن حازوا على الشهادات وجعلوها في البراويز، وجعلوها مناظر في المجالس، والله إنهم مسئولون عن علمهم، كم نرى في المساجد أن يأتينا عالم من علماء المسلمين يزورنا ويلقي إلينا كلمات؟ لم نرَ أحداً إلا إنساناً مجتهداً من الجهال مثلي ومن أمثالي، يقفون أمام الناس يتخبطون خَبْطَ عشواءٍ، أما العلماء الذين أخذوا الشهادات وبروزوها في البراويز، فإنهم رقدوا عليها وناموا، وسوف يسألهم الله عن ذلك ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الإسلام والمسلمين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.
اللهم وفق ولاة المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم وأعنهم على الأخذ على أيدي السفهاء حتى يأطروهم على الحق أطراً، إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اجمع كلمتهم على الحق، يا رب العالمين، ووحد صفوفهم، اللهم وحد صفوفهم، اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والزيغ والفساد والعناد.
آمين يا رب العالمين.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 859
الموكب الكريم
رواد هذا الموكب الكريم يحملون كلمة الله، وهذه الكلمة هي رسالة الخالق إلى المخلوق، ولقد أرسلهم الله في أزمنة متفاوتة، وجعلهم في بقاعٍ شتى، يمضون لغاية واحدة هي الأغلى والأسمى في هذا الوجود.
وفي هذا الدرس خمسة أمثلة لهذه الصفوة وهم: نوح، هود، صالح، شعيب، لوط.
стр. 860
أوَّل الرسل نوح ﵇
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا ربكم الذي اختاركم من بين الأمم، واحمدوه على أن جعلكم من خير أمة أخرجت للناس، واشكروه على نعمة الإسلام والإيمان.
أمة الإسلام! لقد جاء محمد ﷺ بشريعة سمحاء سهلة، فيها الخير والصلاح، والسعادة والفلاح لمن تمسك بهذه الشريعة, وقام بها حق قيام.
عباد الله! لقد أخبرنا ربنا جل وعلا في محكم البيان ما حصل للأمم مع الأنبياء والمرسلين الذين أرسلوا إليهم، ففي سورة هود أخبر الله عن نوح مع قومه ﵇، وأخبر عن هود مع قومه ﵇، وأخبر عن صالح مع قومه ﵇، وأخبر عن لوط مع قومه ﵇، وأخبر عن شعيب مع قومه ﵇.
فنوح ﵇ هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وقد أمره ربه جل وعلا أن ينذر قومه ويحذرهم عذاب الله، فعاش فيهم طويلاً، وكان أطول الأنبياء عمراً، وأكثرهم جهاداً، فقد تحمل من الأذى ما لم يتحمل أحدٌ من الرسل، فدعى قومه ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وقام فيهم تسعمائة وخمسين عاماً يذكرهم ويعظهم، ويدعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنه لم يلقَ من قومه إلا كل تكذيب واضطهاد وصدود وإعراض.
فقد كانت قلوبهم أشد من الحجارة، وعقولهم أصلب من الحديد، ومع طول المدة التي أقامها بينهم لم يؤمن برسالته إلا القليل، كما أخبر الله جل وعلا: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
بعث الله نوحاً ﵇ إلى قوم قد أشركوا بالله، وعبدوا الأوثان والأصنام واتخذوا آلهة من دون الله, اعتقدوا أنها تضر وتنفع من دون الله ، فأرسل الله إليهم نوحاً ﵇ ليحذرهم فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:١ - ٣].
стр. 861
ظهور الأصنام وعبادتها
أيها المسلمون! لقد كان الناس قبل قوم نوح على دين الفطرة يعبدون الله لا يشركون به شيئاًَ، ولا يعرفون أوثاناً أو أصناماً، وكانوا مؤمنين مقرين بوحدانية الله جل وعلا، روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [[كان بين نوح وآدم ﵉ عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين]] قال عبد الله بن عباس ﵄: [[كان أول ما عبدت الأصنام أن قوماً صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها, ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمن جعلوا أجساداً على تلك الصور, فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام، وسموها بأسماء أولئك الصالحين: وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً]].
أيها المسلمون! احذروا من اقتناء الصور فإنها تطرد الملائكة عن البيوت، وتوجب لعنة الله ، واسمعوا إلى ما حصل لقوم نوح من اقتناء الصور: فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين؛ وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، فلما تفاقم الأمر وفشا الشرك فيهم, بعث الله نوحاً ﵇، يأمرهم ويدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
стр. 862
ردة الفعل من قوم نوح ﵇
ومع هذا التذكير والنصح والإرشاد فقد تمادى قوم نوح في الكفر والضلال والعناد مع طول المدة التي مكثها فيهم نوح ﵇ لم تلن قلوبهم، قال الله : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح:٥ - ٢٠].
ماذا ردوا عليه؟ أبوا أن يطيعوه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً﴾ [نوح:٥ - ٦] أخيراً دعا عليهم نوح ﵇، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧].
عند ذلك أمر الله نوحاً ﵇ أن يصنع السفينة قال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود:٣٧] ولما انتهى نوح من صنع السفينة؛ أمره الله أن يحمل فيها الذين آمنوا معه، ومن الحيوانات من كلٍّ زوجين اثنين، وجعل الله له علامة إذا ظهرت فذلك وقت ركوب السفينة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١].
تصوروا -يا عباد الله- تلك السفينة والأمواج قد ظهرت على رءوس الجبال ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢].
ماذا قال الابن العاق؟ قال: ﴿سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٣ - ٤٤] تلكم تذكرة لكم يا أمة محمد.
стр. 863
هود وصالح ﵉ والعبرة من قصصهما
стр. 864
قوم هود ورحلة الكبر من الترف إلى الريح العقيم
هذا هود ﵇ أرسله الله إلى قبيلة عظيمة من العمالقة تدعى قبيلة عاد، كانوا أشداء أقوياء قد زادهم الله بسطة في الجسم، وكانوا مترفين في الحياة، يبنون القصور الفخمة الشامخة، وعندهم البساتين النضرة، والعيون الجارية -وليست مثل حدائقنا التي يختلط فيها الرجال والنساء الآن، وتقضى فيها الليالي الفضلى ليلة الجمعة وليلة الخميس، هؤلاء قوم عاد عندهم البساتين النضرة والعيون الجارية- فاغتروا بضخامة أجسامهم وقوتهم، فاستكبروا على الله وعتوا عن أمر رسله, وتمادوا في طغيانهم, لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فأهلكم الله بالريح العاتية، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٥ - ١٦].
لما طغت عادٌ وتمردت على نبي الله هود ﵇، ولم ينفعها التذكير ولا الإنذار وتمادت في طريق العصيان؛ حبس الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى اشتد عليهم الجهد والبلاء، فاستغاثوا، فأرسل الله عليهم سحاباً كثيباً من السماء، فلما رأوا السحاب فرحوا واستبشروا وظنوا أنه مطر غزير، وأن الله استجاب دعاءهم حين استغاثوا, فلما أظلتهم السحابة رأوها سوداء قاتمة، ففزعوا ثم هبت عليهم الريح وكانت ريحاً عقيماً سلطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، فأهلكهم الله وأبادهم، وصارت أجسامهم كأنها أعجاز نخل خاوية، ونجى الله هوداً ﵇ والذين معه، وكان الذين هلكوا من قوم عاد قد هلكوا عن آخرهم، فلم يبق من أنفسهم ولا من ديارهم شبح ولا رسم؛ لأن الريح قد دمرت كل شيء فلم تبقِ عليهم ولم تذر، قال الله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١].
تذكر يا عبد الله وهي تحمل الرجل ثم تضعه على أم رأسه، تصور هذا العذاب من الله ، ولكن هل نفكر؟ إنما نقول أعاصير ورياح وبراكين وزلازل ولا نفكر أنها غضب من الله ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٢] هذا لكم تذكار يا أمة محمد.
стр. 865
أذى ثمود للنبي صالح ﵇ وللناقة
وهذا نبي الله صالح ﵇ أرسله الله إلى قبيلة مشهورة يقال لها ثمود، وكانوا عرباً من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك، وقد مرّ به رسول الهدى محمد ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين، فلما نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود واستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها وطبخوا، فلما علم الرسول ﷺ بذلك، أمرهم أن يريقوا القدور -أي: يكبوا القدور- وأن يعلفوا العجين الإبل، وارتحل بهم ﷺ حتى نزل عند البئر التي تشرب منها الناقة، وقال لهم ﷺ -اسمعوا يا من تأخذون آلة التصوير! اسمعوا يا من تأكلون وتشربون عند ديار المعذبين! ولا تبكون ولا تعتبرون- يقول ﷺ لأصحابه الكرام: ﴿لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم﴾ مع الأسف الشديد ما يفعله البعض من الناس من الضحك والمزاح واتخاذ الصور التذكارية فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أيها المسلمون! كانت قبيلة ثمود تدين بعبادة الأوثان، وتكفر بالله الواحد الديان، فبعث الله إليهم صالحاً ﵇، يذكرهم بنعم الله ويهديهم طريق الفوز والسعادة، وأنهم خلفاء في الأرض من بعد قوم عاد، وأمرهم بالتقوى، ونهاهم عن عبادة الأصنام، فظلوا متمادين في غيهم، عاكفين على عبادتهم الباطلة، وكانوا أهل خصب ونعيم، لما لهم من الخيرات الوافرة, والجنات الزاهرة, والعيون الجارية، وقد ذكرهم الله بهذه النعم فآمن منهم نفر قليل، وأكثرهم كذبوا وكفروا برسالة الله التي جاء بها صالح ﵇، وعتوا في طغيانهم عتواً كبيراً، وطلبوا من صالح معجزة تشهد بصدقه، فجاءهم بمعجزة الناقة، وقد كانت آية عظيمة دالة على صدق صالح ﵇، وقد حذرهم صالح من التعرض للناقة بسوء، وأنذرهم عذاب الله إن هم أقدموا على قتلها، ولكن النفوس العاتية التي لا تسمع موعظة ولا تقبل نصيحة، والتي قد أعماها حب التمرد والطغيان، وأصم آذانها عن قبول دعوة الله، قد أبت إلا الإجرام.
فأقدموا على عقر الناقة بغياً وعتواً، وكان أول من سطا على الناقة الشقي اللعين قدار بن سالف، فعقرها فسقطت على الأرض فابتدرها الرجال بأسيافهم يقطعونها، وكانوا تسعة كما أخبر الله : ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل:٤٨] وقد هموا بقتل نبي الله صالح ﷺ بعد قتل الناقة، لا سيما بعد أن أنذرهم بعذاب الله، وتوعدهم به بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة، قال الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥] فأرسل الله على ذلك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة من السماء رضختهم ودمرتهم قبل قومهم.
قال ابن كثير ﵀: "وأصبحت ثمود في اليوم الأول من موعد حلول العذاب، وقد اصفرت وجوههم، ثم أصبحوا في اليوم الثاني وقد احمرت وجوههم، ثم أصبحوا في اليوم الثالث وقد اسودت وجوههم كما أنذرهم صالح ﵇، فلما انتهت الأيام الثلاثة ومع شروق الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس، وسكنت الجوارح والحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في دارهم جاثمين، جثثاً هامدة لا أرواح فيها ولا حراك ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١٤ - ١٥] وأما صالح ﵇ والذين آمنوا معه، فقد نجوا مما لحق بقومهم من العذاب.
стр. 866
شعيب ﵇ في أهل مدين
يا أمة الإسلام! هذه تذكرة لكم يا عباد الله! يا أمة الإسلام! كل هذا في كتاب الله تذكرة لكم.
وهذا شعيب ﵇ أرسله الله إلى أهل مدين، وكانوا أهل تجارة وزراعة، وكانوا أصحاب رفاهية ونعيم، وقد كانوا على دين إبراهيم ﵇، ولكنه لم يطل بهم العهد حتى غيروا وبدلوا وكفروا بالله, وانحرفوا عن الصراط المستقيم، قد فشت فيهم منكرات عديدة، منها التطفيف في المكاييل والموازين، فكانوا يبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد بعث الله إليهم شعيباً ﵇، فدعاهم إلى توحيد الله وذكرهم بعذاب الله، ونهاهم عن تطفيف المكيال والميزان، وأمرهم بالإصلاح وعدم الإفساد فآمن به قليل منهم وكذبه الأكثرون.
وقد كان هؤلاء المكذبون على غاية من الضلال والجحود، يقعدون على الطريق يصدون الناس الذين يأتون إلى شعيب عن الدين، ويمنعونهم من الإيمان به، ويتوعدونهم بأنواع التهديدات والوعيد، ولما ألح عليهم شعيب ﵇ في الدعوة والموعظة جاهروه بالعداء، وادعوا أنهم لا يفقهون كلامه، ولا يعرفون غرضه، وتوعدوه بأنه لولا أن له أنصاراً لقتلوه، ثم هددوه وتوعدوه بالإخراج والطرد من القرية هو والذين آمنوا معه، إلا أن يعودوا في ملتهم ويدخلوا في دين قومهم، قال الله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف:٨٨] وقال الله أيضا عن قوم شعيب: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٠].
إنهم أمة عتاة حمقى، ولقد كان من شدة حماقتهم أن يطلبوا من شعيب أن يسقط عليهم كسفاً من السماء إن كان من الصادقين في دعوته، فأخذهم عذاب يوم الظلة، بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام، حتى غلت مياههم من شد الحر، ثم ساق إليهم غمامة فاجتمعوا تحتها للاستظلال فراراً من شدة الحر، فلما تكامل عددهم في ظلها تزلزلت بهم الأرض وجاءتهم الصيحة وأمطرت عليهم السماء ناراً تلظى فاحترقوا.
تلك سنة الله في خلقه، فاتقوا الله وأطيعوه، واحذروا من غضب الله وعقابه, ومن شدة نقمته, بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 867
لوط ﵇ في القرية الخبيثة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله ، في هذه الخطبة الثانية نتحدث عن قوم أرسل الله إليهم رسولاً يدعوهم إلى الله ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها ولم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم يعهدونه، ولا يألفونه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله، فأرسل الله إليهم لوطاً ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف:٨١].
كانوا يرتكبون ذنب اللواط، الذنب الذي كان يغضب رب العباد، إنها الفاحشة التي يضيق بها الفضاء وتأج لها السماء، ويحل بها البلاء، فكشف حال، وسوء مآل، وداء عضال، وقبح فعال، وعيب دونه سائر العيوب، جريمة اللواط عيبٌ تموت به الفضيلة، وتحيا به الرذيلة، اللواط عملٌ مسبوب، ووضع مقلوب، اللواط فاعله ملعون، اللواط خلق فاسد، وشرف مسلوب، وعرض ممزق، وكرامة معدومة، وعاقبته زهري وجرب وألوان، إنها الجريمة الشنعاء البشعة القبيحة، إنه ركوب الذكران بعضهم على البعض.
اللهم وإن في هذه الفاحشة الشنعاء من الخزي والعار ما لا تطيقه الطباع السليمة، فعال أمة قديم عصرها، باق ذكرها، كثير شرها، وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية حيال البيت المقدس بينها وبين بلاد الكرك والشوبك، إنها أمة ترتكب هذه الفاحشة الشنيعة، والجريمة الفضيعة، علناً في نواديهم، ويذرون ما خلق الله من أزواج، ولا يبالون بمن يعتب ويشنع عليهم، وقد بالغ لوط ﵇ بدعوتهم إلى توحيد الله ، وحذرهم من فعل الفاحشة وهي إتيان الرجال من دون النساء، وبالغ في إنذارهم وتحذيرهم، وكان الجواب من أولئك العصاة الكفرة على تلك النصيحة، أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦].
يقولون هذا ومقصودهم السخرية، والتهكم بلوط ﵇، فلما أنذرهم بأس الله ونقمته لم يلتفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه، بل شكوا فيها وتماروا به.
стр. 868
الملائكة في بيت لوط ﵇
وقد أرسل الله إلى لوط ﵇ ملائكة بصفة حسنة؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل في صور شباب مرد حسان، محنة من الله واختباراً لقوم لوط، فأضافهم لوط ﵇ وهو خائف عليهم من قومه، ولكن زوجته السوء العجوز الشريرة بعثت إلى قومها فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، يريدون أولئك الشباب المرد الحسان، وأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب وذلك عشية، ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، ويقول لهم: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر:٧١] أي: نساؤهم ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩] يريدون فاحشة اللواط، فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل ﵇، فضرب أعينهم بطرف جناحه فانطمست أعينهم، يقال: أنها غارت من وجوههم، ويقال: أنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطاً ﵇ إلى الصباح، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٧].
ولقد جاءت الملائكة لوطاً ﵇، تأمره بالخروج من بين أظهر أولئك؛ لأن العذاب قد حان نزوله بهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر:٦٥] صدر الأمر العظيم من إله الأولين والآخرين: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦].
стр. 869
عقاب الله لقوم لوط ﵇
خرج لوط ﵇ ومن معه آخر الليل فنجا مما أصاب قومه، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، ولا رجل واحد، ولا امرأته، بل أصابها ما أصابهم، وخرج لوط ﵇ وبنات له من بين أظهرهم سالماً لم يمسسه سوء، قال الله تعالى عن قوم لوط: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر:٧٣ - ٧٤].
تذكر الله يا عبد الله! تصور ذلك العذاب! تصور تلك القرى وجبريل ﵇ يرفعها بجناحه ثم يقلبها عليهم: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٧٤ - ٧٧].
نعم يخبر الله جل وعلا أنهم أخذتهم الصيحة، وهي ما جاءهم به من الصوت القاصف عند شروق الشمس، وهو طلوعها وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، أمر الله جبريل -وهو ملك من ملائكة الرحمن له ستمائة جناح- أمر الله جبريل ﵇ فاقتلع ديارهم بجناح واحد من أصولها, ورفعها إلى السماء الدنيا، حتى سمع الملائكة نباح الكلاب وصياح الديكة، فقلبها عليهم ثم اتبعهم الله بحجارة من سجيل منضود، فتلكم قرية سدوم الذي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة منتة خبيثة، في طريق مهيع مسلكه مستمر إلى اليوم، وهو المعروف بـ البحر الميت، الذي لا يعيش فيه شيء.
стр. 870
الحكمة من إيراد أخبار قوم لوط
أيها المسلمون! إن البعض من المسلمين فتن بهذه الجريمة وهي جريمة اللواط، سواءً من الكبار أو الصغار، الجريمة التي تشمئز لها النفوس، وتضيق بها الأرض ذرعاً، وتأج السماء من فعلها.
عباد الله! أيها المسلمون! أتدرون لماذا ذكر الله أخبارهم في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ؟ إنه والله لنعتبر بما أصابهم ونحذر كل الحذر مما كانوا عليه من سوء الحال وقبح الفعال، والله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] فسبحان الله يا عباد الله!
كيف يقع ذكر على ذكر وهو يعلم أن الله حرم ذلك؟! وهو يعلم أن الله يراه ولم يغب عن بصره طرفة عين! ويعلم ما في ذلك من مخالفة العقل والدين! وما فيه من خطر ومرض وشر مستطير، وخزي وعار!! هذا في الحقيقة فعل تترفع عنه طباع الكلاب والبغال والحمير والقردة والخنازير، وما ظهر اللواط في أمة إلا ذلت، وأخزيت وسلب عزها.
وإذا أراد الله جل وعلا إهلاك قرية فسق فيها المترفون, فاستحقت الخراب والدمار، فانتبهوا أيها المسلمون! وتناصحوا، واحفظوا أولادكم، واعلموا أنكم مسئولون عن أولادكم أمام الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
أيها المسلمون! صلوا على الناصح الأمين رسول الهدى محمد ﷺ ، حيث يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضِ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إلى القرآن والسنة يا رب العالمين، اللهم ردنا لنأخذ بسيرة سلفنا الصالح يا رب العالمين، اللهم وفقنا للاقتداء بنبينا محمد ﷺ ، اللهم أيقظنا من رقداتنا، الله اشفِ مرض قلوبنا، اللهم أصلحنا وأصلح ولاة أمورنا، وأصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن فجاءة نقمتك، ونعوذ بك اللهم من جميع سخطك، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام راقدين، اللهم لا تشمت بنا ولا تطمع بنا الأعداء ولا الحاسدين، اللهم اجمعنا جميعاً في جنات النعيم، واغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا رب العالمين.
стр. 871
الوقاية من النار
نار جهنم أحد المصيرين اللذين لا ثالث لهما يوم القيامة، ولهذا وجب علينا أن نهرب بأنفسنا من النار، وهناك أسباب وأمور تجعل الإنسان يقي نفسه وأهله من نار جهنم، ومن الأسباب التي ذكرها الشيخ في هذه الخطبة: الإخلاص في جميع الأعمال، وخشية الله .
موضحاً أن من أهم الأسباب -أيضاً- عدم غش الأبناء والأهل بإدخال آلات اللهو إلى البيت.
стр. 872
أمور تقي الإنسان من النار
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، الذي فيه البشارة والنذارة، وفيه الترغيب والترهيب وفيه الأمر والنهي، الأمر بما فيه السعادة والفلاح, والنهي عن ما فيه الشر والشقاوة، نحمده ونشكره الذي لم يتركنا هملاً ولم يخلقنا عبثاً، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقو الله وأطيعوه.
أمة الإسلام: لقد ناداكم القرآن بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
أمة الإسلام: لقد أمرنا ربنا بهذا الأمر وهو: أن نحفظ الأنفس والأهل من الوقوع في النار التي أعدها الله لمن عصاه وعصى رسله، إنها نار جهنم التي يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم أولئك الملائكة الذين هم في شدة الغلظة والقسوة على من عصى الله، في الأثر: [[أنهم إذا سحبوا العاصي إلى النار يقول لهم: ألا ترحموني؟ فيقولون له: إذا لم يرحمك أرحم الراحمين فلن نرحمك]] أو كما ورد في الأثر.
عباد الله: لنفكر ما هو الشيء الذي نفعله ونقوم به حتى ننجو من النار؟ ما هو الشيء الذي نقوم به لله حتى ينجينا من هذه النار؟ إنه خشية الله تعالى، خشية الله في السر والعلانية، وما هي خشية الله؟
هي التي تبعث العبد للعمل بما أمره الله ويجتنب ما عنه نهى الله ، ويأمر الأولاد والأهل بذلك، فإذ فعل ذلك وامتثل فقد صار من الذين قال الله فيهم في محكم البيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢] فإذا حصل على هذا الأجر العظيم فقد حصلت له الوقاية من النار, وزحزح نفسه وأهله عنها, وفتح لنفسه ولأهله طريق الجنة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
ومن الوقاية من النار -يا عباد الله-: الإيمان الخالص بالله عز جل، إيماناً لا يخالطه شرك ولا يخالطه شك، إيمان يدفع إلى القيام بحقوق الله .
ومن أعظم هذه الحقوق إقامة الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها وآدابها مع جماعة المسلمين في بيوت الله ، وتعلّم أحكامها وتعليم الأهل والأولاد لأحكامها وأمرهم بإقامة الصلاة في أوقاتها وحثهم عليها, والصبر على ذلك امتثالاً لأمر الله : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
ومن الوقاية من النار: إعطاء الزكاة لمستحقيها الذين ذكرهم الله في محكم البيان.
ومن الوقاية من النار: أداء ما فرض الله على عباده من الصيام والحج والجهاد في سبيله.
ومن الوقاية من النار: الصدق في الأقوال وأداء الأمانة.
ومن الوقاية من النار: النصيحة وعدم الغش والبعد عن الخيانة، ومن الغش والخيانة: إدخال آلات اللهو على الأهل والأولاد من أفلام وأغانٍ وفيديو وسينما وتلفاز ومجلات وغيرها من أدوات الإلحاد والشر التي غزي بها المسلمون، وكذلك صور ذوات الأرواح التي طردت الملائكة عن بيوت المسلمين وأحلت مكانها السخط واللغو وكثرة الشتمات، كل من أدخل هذه في بيته فهو غاش لنفسه ولأهله ولأولاده، وسوف يوقف بين يدي الله ويحاسبه على ذلك حساباً دقيقاً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
أمة الإسلام: إن من الوقاية من النار: البعد عن جريمتي الزنا واللواط، والبعد عن شرب المسكرات بأنواعها، والبعد عن الشحناء والكذب والنفاق والخيانة، والبعد عن أكل أموال الناس بالباطل، والبعد عن أكل الربا، والبعد عن التعدي والظلم، والبعد عن اللعب بالقمار والميسر، والبعد عن جميع الموبقات التي تسبب للأمة الخزي والعار, والتأخر والاضمحلال، وتسبب زوال النعم، ثم هي بعد ذلك تهوي بمن ارتكبها في النار التي وقودها الناس والحجارة.
فالنجاة النجاة يا أمة الإسلام!! انتبهوا من هذا الرقاد وبادروا بالأعمال، بادروا بالأعمال الصالحات فإن الأعمار سريعة الانصرام، والأيام والليالي تمر بكم مر السحاب، وإذا تأملتم هذه الدنيا وفكرتم بها رأيتموها كالسراب، وصدق القائل في وصفها:
إذا امتحن الدنيا اللبيبُ تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
أعوام سريعة المرور، وشهور تتبعها شهور, وعبر بين ذلك ترى بالأبصار، ولكن أين أعين الاعتبار؟! ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] لقد غرت الدنيا قبلنا أقواماً وخدعتهم ورأيتم كيف تقلبت بأهلها الأحوال, وخدعتهم الآمال حتى وافتهم الآجال قبل أن يحصلوا على ما تمنوه من صالح الأعمال، فحاسبوا أنفسكم على ما كسبت من الذنوب والمعاصي الثقال، لقد جنينا على أنفسنا بالذنوب جناية عظيمة فلينوا قلوبكم بذكر هادم اللذات لعلها تلين، وعظوها بذكر القبر وفتنته فإنهما لحق اليقين، وذكروها: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ:٤٠] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
اللهم أيقظنا من سِنة الغفلة, ووفقنا لاغتنام أوقات المهلة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 873
الحث على التقوى والرجوع إلى الله
الحمد لله رب العالمين، أحمده وبه أستعين، وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشرية جمعاء، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وارجعوا إلى الله ، ارجعوا إليه بالتمسك بكتابه العزيز واتباع سنة نبيكم محمد الأمين ﷺ ، واسمعوا قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فأقلعوا -يا عباد الله- عن جميع المعاصي، واستقلوا عن استعمار الشيطان، لقد استعمركم الشيطان بالمعاصي, فاستقلوا وأقلعوا -يا عباد الله- بالتوبة والرجوع إلى الله , حتى لا يصيبنا ما أصاب مجاورينا من زوال النعم وحلول النقم واستبدال الأمن بالخوف, فإن المعاصي تزيل النعم وتجلب الويلات وغضب الله .
أمة الإسلام: إن الله إذا رضي بارك وإذا غضب سخط، وإذا سخط لعن، ولعنة الله تبلغ السابع من الولد، وأنتم -لله الحمد والثناء- تتقلبون بنعم الله ولكن خذوا حذركم فإن أعداء الإسلام أصحاب المبادئ الهدامة والعقائد الفاسدة يبذلون جهدهم ليردوكم عن الصراط المستقيم وعن الوصول إلى ما يقرب من رب العالمين، فاحذروهم كل الحذر.
واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله وأفضل الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار.
واعلموا أن الله أمركم أن تصلوا على رسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وقال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الأئمة الخلفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين، اللهم خذ بنواصينا إلى كل خير، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا يا رب العالمين، اللهم واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ولا مغيرين ولا مبدلين.
اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمّر اليهود والنصارى المبشرين والشيوعيين ومن عاونهم يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار ولا تولِّ عليهم الأشرار الذين يسومونهم سوء العذاب.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العلمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 874
إلى الباحثين عن السعادة
يا من يريد السعادة في الدنيا والآخرة عليك بتقوى الله فهي الطريق الوحيد للوصول إلى السعادة، والتقوى: هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، ولا يكون ذلك إلا بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه من المنكرات والمعاصي.
стр. 875
السعادة هي في تقوى الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
عباد الله: يا من تريدون السعادة في الدنيا والآخرة! يا من تبحثون عن العزة والشرف والرفعة في الدنيا والآخرة! يا من تبحثون عن راحة القلوب وسرورها! يا من تبحثون عن علاج الهموم والغموم! يا من تبحثون عن تفريج الكروب وكشف الخطوب ودفع الملمات! عليكم بتقوى الله جل وعلا, فكم نسمع: عليكم بتقوى الله.
عليكم بتقوى الله لا تتركونها فإن التقى أقوى وأولى وأعدل
لباس التقى خير الملابس كلها وأبهى لباساً في الوجود وأجمل
فما أحسن التقوى وأهدى سبيلها بها ينفع الإنسان ما كان يعمل
فيا أيها الإنسان بادر إلى التقى وسارع إلى الخيرات ما دمت تمهل
وأكثر من التقوى لتحمد غبها بدار الجزا دار بها سوف تنزل
وقدم لما تقدم عليه فإنما غداً سوف تجزى بالذي كنت تفعل
وأحسن ولا تهمل إذا كنت قادراً فأنت عن الدنيا قريباً سترحل
стр. 876
جزاء المتقين
التقوى -يا عباد الله- تحمل العبد على أن يحفظ الرأس وما فيه من السمع والبصر واللسان, أخذاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] فلا يسمع إلا إلى الحلال, ولا يطلق بصره إلا إلى ما يحل له, ولا يطلق لسانه إلا فيما ينفع في الدنيا والآخرة.
التقوى تحمل من التزمها أن يحفظ الفرج عما حرم الله عليه من الزنا واللواط, التقوى تحمل من التزمها على أكل الحلال وشرب الحلال ولبس الحلال, التقوى عامل أساسي للمبادرة إلى أداء الواجبات الربانية والقيام بأوامر الله على الوجه المطلوب, التقي بار بوالديه, واصل لأرحامه, محسن إلى الفقراء والمساكين, يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ويفشي السلام, ويعود المرضى, ويقوم بحق الجوار, ويؤدي الأمانة, ويفي بوعده, ويؤدي الشهادة على القريب والبعيد والصديق والعدو, ويتحرى العدل في جميع معاملاته, ثم يبين لنا هذا الناصح جزاء المتقين على تقواهم فيقول:
وجنات عدن زخرفت ثم أزلفت لقوم على التقوى دواماً تبتلوا
بها كل ما تهوى النفوس وتشتهي وقرة عين ليس عنها ترحلُ
ملابسهم فيها حرير وسندس وإستبرق لا يعتريه التحللُ
ومأكولهم من كل ما يشتهونه ومن سلسبيل شربهم يتسلسلُ
وأزواجهم حور حسان كواعب على مثل شكل الشمس بل هي أشكلُ
يطاف عليهم بالذي يشتهونه إذا أكلوا نوعاً بآخر بدلوا
فواكهها تدنوا إلى من يريدها وسكانها مهما تمنوه يحصلُ
وأنهارها الألبان تجري وأعسل تناولها عند الإرادة يثملُ
بها كل أنواع الفواكه كلها وخمر وماء سلسبيل معسلُ
يقال لهم طبتم سلمتم من الأذى سلام عليكم بالسلامة فادخلوا
عباد الله: بأي شيء نالوا هذه الكرامات؟! اسمعوا ماذا يقول هذا الناصح:
بأسباب تقوى الله والعمل الذي يحب إلى جنات عدن توصلُ
стр. 877
الشقاوة هي في معصية الله
إذا عرفنا فائدة التقوى وما فيها من الخير العاجل والآجل في الدنيا والآخرة, فإن ضد ذلك الشقاوة ومن أسبابها عدم الخوف من الله جل وعلا, فإن الله يورث الأشقياء ضنكاً في الدنيا, فلا طمأنينة لقلوبهم, ولا انشراح لصدورهم, بل هي ضيقة حرجاً لبعدهم عن الله عز جل, والله ثم والله إن فيها من الذل والهوان والضيق ما الله به عليم, وإن تنعم ظاهرها, ولبسوا ما شاءوا وأكلوا وشربوا ما شاءوا, وسكنوا حيث شاءوا, وصدق الله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء:٧٧] أهل الشقاوة قلوبهم قلقة؛ لأنها لم يخلص إليها اليقين والهدى, فهي في حيرة وشك, وظلمات تتخبط بها, لماذا؟
لإعراضهم عن اتباع الهدى، واستعمال ما وهبهم الله من الحواس فيما يغضب الله جل وعلا, فلا حفظوا القلوب والأسماع ولا الأبصار, بل أطلقوها فيما حرم الله عليهم, فلذلك ذمهم الله بقوله وتوعدهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
يا له من وعيد في نار جهنم, ويا له من ذم ما أقبحه, ثم اسمعوا بما وصفهم الله به فقال: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] فكم تتلى عليهم آيات الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] اسمعوا ماذا يقولون وهم في نار جهنم يعذبون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] فيا طول عنائهم! ويا طول مكثهم! ويا لكثرة همهم وغمهم! ويا لكثرة بكائهم وصراخهم وهم ينادون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيجيبهم الله أحكم الحاكمين: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] عند ذلك يزداد بكاؤهم.
فيا عباد الله: تذكروا أهل النار وهم يسحبون في أوديتها, في توابيت من نار, وتذكروا عندما يساقون إليها زمراً قد اسودت وجوههم, وتذكروا عندما تقابلهم الزبانية بالتهديد.
ونار تلظى في لظاها سلاسل يغل بها الفاجر ثم يسلسل
شراب ذوي الإجرام فيها حميمها وزقومها مطعومهم حين يؤكل
حميم وغساق وآخر مثله من المهل يغلي في البطون ويشعل
يزيد هواناً من هواها ولم يزل إلى قعرها يهوي دواماً وينزل
وفي ناره يبقى دواماً معذباً يصيح ثبوراً ويحه يتولول
عليها صراط مدحض ومزلة عليه البرايا في القيامة تحمل
وفيه كلاليب تعلق بالورى فهذا نجا منها وهذا مخردل
فلا مذنب يفديه ما يفتدي به وإن يعتذر يوماً فلا العذر يقبل
فهذا جزاء المجرمين على الردى وهذا الذي يوم القيامة يحصل
فيا ويل من أعرض عن كتاب الله, ويا ويل من غفل عن ذكر الله, ويا ويل من أضاع الصلاة, يا ويل من منع الزكاة, ويا ويل من ارتكب الجرائم والموبقات, ويا ويل من ارتكب الزنا واللواط, ويا ويل من أكل الربا, ويا ويل من غش عباد الله, ويا ويل من أكل الرشوة, ويا ويل من بات وهو مدمن على شرب المسكرات والمخدرات, ويا ويل من قضى وقته في الغيبة والنميمة, ويا خسارة من قضى وقته مع الأفلام والتمثيليات والأغاني الماجنات, إذا استلم الصحيفة -يوم لا ينفع مال ولا بنون- وقد سجلت عليه تلك الخطايا والسيئات, يا لها من فضيحة لا يماثلها فضيحة! ويا لها من خسارة لا يماثلها خسارة! في ذلك اليوم العظيم, يوم العرض الأكبر على الله يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ [النبأ:١٨ - ١٩] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] يا لك من يوم عظيم على من أضاع أوامر الله, وهنيئاًَ ثم هنيئاً لمن أطاع الله, إذا قال وهو يرفع تلك الشهادة: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] اللهم اجعلنا ممن يؤتى كتابه باليمين, واجعلنا ممن يرد حوض نبينا محمد ﷺ , اللهم واسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 878
التأهب ليوم القيامة
الحمد لله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والعاقبة للمتقين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة, وتركها على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه.
عباد الله: تأهبوا ليوم القيامة, هل نسيتم يوم القيامة وما فيها؟
ما هي هذه الغفلة؟ ما هذا الإعراض؟
أين التناصح في الله؟ أين الأمر بالمعروف؟ أين النهي عن المنكر؟
أما علمتم أن أمامكم يوم القيامة وسوف تحاسبون فيه على تفريطكم وتندمون على إهمالكم؟ فاسمعوا يا عباد الله:
وإن أمام الناس حشر وموقف ويوم طويل ألف عام وأطول
فيا لك من يوم على كل مبطل فظيع وأهوال القيامة تعضل
تكون به الأطواد كالعهن أو تكن كثيباً مهيلاً أهيلاً يتهلهل
به ملة الإسلام تقبل وحدها ولا غيرها من أي دين فيبطل
به يُسألون الناس ماذا عبدتم وماذا أجبتم من دعا وهو مرسل
حساب الذي ينقاد عرض مخفف ومن ليس منقاداً حساب مثقل
ومن قبل ذاك الموت يأتيك بغتة وهيهات لا تدري متى الموت ينزل
كئوس المنايا سوف يشربها الورى على الرغم شبان وشيب وأكهل
حنانيك بادرها بخير فإنما على الآلة الحدبا سريعاً ستحمل
إذا كنت قد أيقنت بالموت والفنا وبالبأس عما بعده كيف تغفل
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى أبن يوم الجزا كيف تفعل
أترضى بأن تأتي القيامة مفلساً على ظهرك الأوزار بالحشر تحمل
أيصلح إيمان المعاد لمنصف وينسى مقام الحشر من كان يعقل
والله لا ينسى ذلك أحد -يا عباد الله- واسمعوا إلى قول رب العزة والجلال وهو يحذركم من الغفلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ما قدمت لغد يا عبد الله؟ ما قدمت ليوم القيامة؟ أتدري ما هو غد يا عبد الله؟ هو يوم القيامة, يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] ثم اسمع إلى الإنذار, اسمع إلى رب العزة والجلال ينذرك ألا تكون مثل الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
ثم استمع -يا عبد الله- إلى الفرق: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر:٢٠] ميز بعقلك يا مسكين هل يستوون؟! لا.
ورب العزة والجلال لا يستوون: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
وهذا رسول الله ﷺ فيما يروى عنه يقول: ﴿الكيّس من دان نفسه, وعمل لما بعد الموت, والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني﴾.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى الدين.
اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة, اللهم أيقظنا من غفلاتنا, اللهم وفقنا لاغتنام أوقات المهلة قبل أن يهجم علينا هادم اللذات, وننقل إلى تلك الحفر, فلا ينفع والله في تلك الحفر إلا ما قدمت يا بن آدم, إن خيراً فخير, وإن شراً فشراً, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين, واجعلنا هداة مهتدين, اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم وفقنا وإياهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إنك على كل شيء قدير.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم يا حي يا قيوم, يا ذا الجلال والإكرام, ارفع عنا الغلاء, والوباء, والربا, والزنا, واللواط, والسفور والتبرج, والتمثيليات, والأفلام والأغاني الماجنات, اللهم طهّر بيوتنا وبلادنا من هذه الفتن يا رب العالمين.
اللهم أحيينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين, غير خزايا ولا مفتونين, واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 879
إن تنصروا الله ينصركم
لقد تسلط أعداء الإسلام علينا لما رأوا ما تعيشه أمة الإسلام من اختلاف ونزاع وبعد عن منهج الله، ففرقوا هذه الأمة فكرياً وعقدياً وأخلاقياً، ولكن متى ما صدقت هذه الأمة مع الله تعالى في الجهاد في سبيله وكان قتالها لتكون كلمة الله هي العليا، وحكمت الشريعة، وقامت بأمر الله، وآمنت بالله وباليوم الآخر، وعملت صالحاً، واتبعت سلفها الصالح؛ فستكون العاقبة لها بالحياة السعيدة وبنصر الله لها.
стр. 880
أسباب ضعف المسلمين وعلاجه
следующие страницы →