← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

جزاء المتقين التقوى -يا عباد الله- تحمل العبد على أن يحفظ الرأس وما فيه من السمع والبصر واللسان, أخذاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] فلا يسمع إلا إلى الحلال, ولا يطلق بصره إلا إلى ما يحل له, ولا يطلق لسانه إلا فيما ينفع في الدنيا والآخرة. التقوى تحمل من التزمها أن يحفظ الفرج عما حرم الله عليه من الزنا واللواط, التقوى تحمل من التزمها على أكل الحلال وشرب الحلال ولبس الحلال, التقوى عامل أساسي للمبادرة إلى أداء الواجبات الربانية والقيام بأوامر الله على الوجه المطلوب, التقي بار بوالديه, واصل لأرحامه, محسن إلى الفقراء والمساكين, يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ويفشي السلام, ويعود المرضى, ويقوم بحق الجوار, ويؤدي الأمانة, ويفي بوعده, ويؤدي الشهادة على القريب والبعيد والصديق والعدو, ويتحرى العدل في جميع معاملاته, ثم يبين لنا هذا الناصح جزاء المتقين على تقواهم فيقول: وجنات عدن زخرفت ثم أزلفت لقوم على التقوى دواماً تبتلوا بها كل ما تهوى النفوس وتشتهي وقرة عين ليس عنها ترحلُ ملابسهم فيها حرير وسندس وإستبرق لا يعتريه التحللُ ومأكولهم من كل ما يشتهونه ومن سلسبيل شربهم يتسلسلُ وأزواجهم حور حسان كواعب على مثل شكل الشمس بل هي أشكلُ يطاف عليهم بالذي يشتهونه إذا أكلوا نوعاً بآخر بدلوا فواكهها تدنوا إلى من يريدها وسكانها مهما تمنوه يحصلُ وأنهارها الألبان تجري وأعسل تناولها عند الإرادة يثملُ بها كل أنواع الفواكه كلها وخمر وماء سلسبيل معسلُ يقال لهم طبتم سلمتم من الأذى سلام عليكم بالسلامة فادخلوا عباد الله: بأي شيء نالوا هذه الكرامات؟! اسمعوا ماذا يقول هذا الناصح: بأسباب تقوى الله والعمل الذي يحب إلى جنات عدن توصلُ

стр. 877

الشقاوة هي في معصية الله إذا عرفنا فائدة التقوى وما فيها من الخير العاجل والآجل في الدنيا والآخرة, فإن ضد ذلك الشقاوة ومن أسبابها عدم الخوف من الله جل وعلا, فإن الله يورث الأشقياء ضنكاً في الدنيا, فلا طمأنينة لقلوبهم, ولا انشراح لصدورهم, بل هي ضيقة حرجاً لبعدهم عن الله عز جل, والله ثم والله إن فيها من الذل والهوان والضيق ما الله به عليم, وإن تنعم ظاهرها, ولبسوا ما شاءوا وأكلوا وشربوا ما شاءوا, وسكنوا حيث شاءوا, وصدق الله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء:٧٧] أهل الشقاوة قلوبهم قلقة؛ لأنها لم يخلص إليها اليقين والهدى, فهي في حيرة وشك, وظلمات تتخبط بها, لماذا؟ لإعراضهم عن اتباع الهدى، واستعمال ما وهبهم الله من الحواس فيما يغضب الله جل وعلا, فلا حفظوا القلوب والأسماع ولا الأبصار, بل أطلقوها فيما حرم الله عليهم, فلذلك ذمهم الله بقوله وتوعدهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]. يا له من وعيد في نار جهنم, ويا له من ذم ما أقبحه, ثم اسمعوا بما وصفهم الله به فقال: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] فكم تتلى عليهم آيات الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] اسمعوا ماذا يقولون وهم في نار جهنم يعذبون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] فيا طول عنائهم! ويا طول مكثهم! ويا لكثرة همهم وغمهم! ويا لكثرة بكائهم وصراخهم وهم ينادون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيجيبهم الله أحكم الحاكمين: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] عند ذلك يزداد بكاؤهم. فيا عباد الله: تذكروا أهل النار وهم يسحبون في أوديتها, في توابيت من نار, وتذكروا عندما يساقون إليها زمراً قد اسودت وجوههم, وتذكروا عندما تقابلهم الزبانية بالتهديد. ونار تلظى في لظاها سلاسل يغل بها الفاجر ثم يسلسل شراب ذوي الإجرام فيها حميمها وزقومها مطعومهم حين يؤكل حميم وغساق وآخر مثله من المهل يغلي في البطون ويشعل يزيد هواناً من هواها ولم يزل إلى قعرها يهوي دواماً وينزل وفي ناره يبقى دواماً معذباً يصيح ثبوراً ويحه يتولول عليها صراط مدحض ومزلة عليه البرايا في القيامة تحمل وفيه كلاليب تعلق بالورى فهذا نجا منها وهذا مخردل فلا مذنب يفديه ما يفتدي به وإن يعتذر يوماً فلا العذر يقبل فهذا جزاء المجرمين على الردى وهذا الذي يوم القيامة يحصل فيا ويل من أعرض عن كتاب الله, ويا ويل من غفل عن ذكر الله, ويا ويل من أضاع الصلاة, يا ويل من منع الزكاة, ويا ويل من ارتكب الجرائم والموبقات, ويا ويل من ارتكب الزنا واللواط, ويا ويل من أكل الربا, ويا ويل من غش عباد الله, ويا ويل من أكل الرشوة, ويا ويل من بات وهو مدمن على شرب المسكرات والمخدرات, ويا ويل من قضى وقته في الغيبة والنميمة, ويا خسارة من قضى وقته مع الأفلام والتمثيليات والأغاني الماجنات, إذا استلم الصحيفة -يوم لا ينفع مال ولا بنون- وقد سجلت عليه تلك الخطايا والسيئات, يا لها من فضيحة لا يماثلها فضيحة! ويا لها من خسارة لا يماثلها خسارة! في ذلك اليوم العظيم, يوم العرض الأكبر على الله يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ [النبأ:١٨ - ١٩] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] يا لك من يوم عظيم على من أضاع أوامر الله, وهنيئاًَ ثم هنيئاً لمن أطاع الله, إذا قال وهو يرفع تلك الشهادة: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] اللهم اجعلنا ممن يؤتى كتابه باليمين, واجعلنا ممن يرد حوض نبينا محمد ﷺ , اللهم واسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 878

التأهب ليوم القيامة الحمد لله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والعاقبة للمتقين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة, وتركها على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه. عباد الله: تأهبوا ليوم القيامة, هل نسيتم يوم القيامة وما فيها؟ ما هي هذه الغفلة؟ ما هذا الإعراض؟ أين التناصح في الله؟ أين الأمر بالمعروف؟ أين النهي عن المنكر؟ أما علمتم أن أمامكم يوم القيامة وسوف تحاسبون فيه على تفريطكم وتندمون على إهمالكم؟ فاسمعوا يا عباد الله: وإن أمام الناس حشر وموقف ويوم طويل ألف عام وأطول فيا لك من يوم على كل مبطل فظيع وأهوال القيامة تعضل تكون به الأطواد كالعهن أو تكن كثيباً مهيلاً أهيلاً يتهلهل به ملة الإسلام تقبل وحدها ولا غيرها من أي دين فيبطل به يُسألون الناس ماذا عبدتم وماذا أجبتم من دعا وهو مرسل حساب الذي ينقاد عرض مخفف ومن ليس منقاداً حساب مثقل ومن قبل ذاك الموت يأتيك بغتة وهيهات لا تدري متى الموت ينزل كئوس المنايا سوف يشربها الورى على الرغم شبان وشيب وأكهل حنانيك بادرها بخير فإنما على الآلة الحدبا سريعاً ستحمل إذا كنت قد أيقنت بالموت والفنا وبالبأس عما بعده كيف تغفل إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى أبن يوم الجزا كيف تفعل أترضى بأن تأتي القيامة مفلساً على ظهرك الأوزار بالحشر تحمل أيصلح إيمان المعاد لمنصف وينسى مقام الحشر من كان يعقل والله لا ينسى ذلك أحد -يا عباد الله- واسمعوا إلى قول رب العزة والجلال وهو يحذركم من الغفلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ما قدمت لغد يا عبد الله؟ ما قدمت ليوم القيامة؟ أتدري ما هو غد يا عبد الله؟ هو يوم القيامة, يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] ثم اسمع إلى الإنذار, اسمع إلى رب العزة والجلال ينذرك ألا تكون مثل الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. ثم استمع -يا عبد الله- إلى الفرق: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر:٢٠] ميز بعقلك يا مسكين هل يستوون؟! لا. ورب العزة والجلال لا يستوون: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠]. وهذا رسول الله ﷺ فيما يروى عنه يقول: ﴿الكيّس من دان نفسه, وعمل لما بعد الموت, والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني﴾. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى الدين. اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة, اللهم أيقظنا من غفلاتنا, اللهم وفقنا لاغتنام أوقات المهلة قبل أن يهجم علينا هادم اللذات, وننقل إلى تلك الحفر, فلا ينفع والله في تلك الحفر إلا ما قدمت يا بن آدم, إن خيراً فخير, وإن شراً فشراً, ولا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين, واجعلنا هداة مهتدين, اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم وفقنا وإياهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إنك على كل شيء قدير. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم يا حي يا قيوم, يا ذا الجلال والإكرام, ارفع عنا الغلاء, والوباء, والربا, والزنا, واللواط, والسفور والتبرج, والتمثيليات, والأفلام والأغاني الماجنات, اللهم طهّر بيوتنا وبلادنا من هذه الفتن يا رب العالمين. اللهم أحيينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين, غير خزايا ولا مفتونين, واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 879

إن تنصروا الله ينصركم لقد تسلط أعداء الإسلام علينا لما رأوا ما تعيشه أمة الإسلام من اختلاف ونزاع وبعد عن منهج الله، ففرقوا هذه الأمة فكرياً وعقدياً وأخلاقياً، ولكن متى ما صدقت هذه الأمة مع الله تعالى في الجهاد في سبيله وكان قتالها لتكون كلمة الله هي العليا، وحكمت الشريعة، وقامت بأمر الله، وآمنت بالله وباليوم الآخر، وعملت صالحاً، واتبعت سلفها الصالح؛ فستكون العاقبة لها بالحياة السعيدة وبنصر الله لها.

стр. 880

أسباب ضعف المسلمين وعلاجه

стр. 881

استغلال أعداء الإسلام لاختلاف المسلمين الحمد لله رب العالمين, الذي خلق فسوى, والذي قدر فهدى, يسّر من شاء من عباده إلى طاعته فأسعده ونصره وأيده, وطرد من أشقاه فخذله ووكله إلى نفسه, فصار ذليلاً مخذولاً حيراناً, نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. أحمده سبحانه حمداً كثيراً كما يحبه ربنا ويرضى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أمة الإسلام: اتقوا الله تعالى وأطيعوه, واعلموا أن النصر من عند الله, وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. أيها المسلمون! إن الضعف الذي حلّ بالأمة الإسلامية قد أفقدها شيئاً كثيرًا من هيبتها وعزتها, ومن كرامتها, لقد دبّ الضعف في صفوف المسلمين لما اختلفت الأمة في أهوائها, وتفرقت كلمتها, وتشعبت مناهجها؛ فصارت ألعوبة للأعداء ولقمة سائغة أكلتها سباع الشيطان، وما ذاك يا أمة الإسلام, وما ذاك يا أمة التوحيد, وما ذاك يا أمة لا إله إلا الله! إلا لما تركت الأمة الإسلامية ما فيه غذاؤها الروحي والفكري وهو القرآن والسنة والحكم بهما والتحاكم إليهما. لما تركوا ذلك -إلا القليل منهم- ورأى أعداء الإسلام والمسلمين منهم ذلك, جلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم حتى حسنوا لهم البدع والمنكرات, وحتى غزوا الأمة من كل جانب, وبكل سلاح, غزوها من ناحية الفكر والعقيدة فغيروا الأفكار وأفسدوا العقيدة, غزوها من ناحية الأخلاق والمثل العليا فأفسدوا الأخلاق وهدموا المثل العليا, غزوا الأمة من ناحية المنهج والسلوك فضيعوها في متاهات الجهل والخرافات والبدع وفرقت الأمة دينها, وكانوا شيعاً متفرقة وصدق فيهم قول الرسول ﷺ : ﴿وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة, قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي اليوم﴾ فالله المستعان يا أمة الإسلام! الأمة الآن شيع متفرقة استبدلت بالحكم بالكتاب والسنة القوانين الوضعية, وأحكام الطواغيت، وهي الحكم بغير ما أنزل الله جل وعلا. ومع الأسف الشديد لما انزلقت الأمة الإسلامية في ذلك عمّ فيهم الجهل, وأصبحوا الآن يقتل بعضهم بعضا ويسب بعضهم بعضاً في الإعلام والمجلات, وصدق فيهم قول الرسول ﷺ حين خطب في يوم عرفة: ﴿ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض﴾ الآن يا أمة الإسلام. إخوة متجاورون في أوطان متجاورة يقتل بعضهم بعضاً, وأعداء الإسلام تتفرج وتتفكر ماذا يفعلون! يقتل بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً في الإعلام والمجلات, وصاروا في حلبة الصراع نهبة للأعداء من كل ناحية, فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم إنا نسألك الخلاص لأمة الإسلام، اللهم إنا نسألك الخلاص لأمة الإسلام.

стр. 882

تسلط الأعداء أيها المسلمون! إنكم ترون ما بلغت الأمة الإسلامية الآن، إنها بلغت إلى مستوى انحطت معنويتها به, ونزعت من قلوب أعدائها هيبتها, وتسلط الأعداء عليها بقوة السلاح, فغزوها غزواً عسكرياً، فتلكم الشرذمة القليلة من اليهود التي استحلت المسجد الأقصى والمسلمون متشاغلون في الخلافات والمنابذة في الإعلام والمجلات, وتلكم الشيوعية الحمراء تقتل وتشرد وتبث مذهبها الهدام, تلكم التبشيرية بـ النصرانية تعبث بالمسلمين من كل ناحية. كل ذلك وغيره من المبادئ الهدامة التي تبدد الأفكار, وتهدم الأخلاق, وتبرهن وتعلن أنها جاءت لما رأت الضعف بالأمة الإسلامية ولما رأت الكثير يتخلى عن دينه ويتباعد، ويزعم الزعم الخطأ أن الحكم بما أنزل الله قد انقضى وقته, وانقرض أهله, فلا يطابق هذا العصر، ولا يناسب أهله أهل هذا العصر, وما هو إلا رجعية وتخلف إلى الوراء, كل ذلك زعم باطل ولا يقول ذلك ولا يدعي ذلك إلا من ارتد عن دين الله, ورضي بالقوانين الوضعية, ولكن أين أبو بكر لهذه الردة والله يقول وهو أصدق القائلين وأحكم الحاكمين: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].

стр. 883

الانحراف عن منهج الله أيها المسلمون: أيتها الأمة الإسلامية! لعلنا نتساءل: لماذا سلط الأعداء علينا من كل ناحية ومن كل جنس؟ فالجواب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فلما غير البعض من المسلمين بالطاعة المعصية, غير الله عليهم وما ربك بظلام للعبيد، فلو تصورنا حال المسلمين اليوم تصوراً صريحاً, وحكمنا العقل بعيداً عن تيارات العاطفة؛ لوجدنا في الأمة التي تدعي الإسلام اليوم ما هو أكبر من أسباب الخذلان والهزيمة, فيهم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر, اعتنقوا دين الشيوعية الحمراء, فيهم من يشرك بالله بدعاء المخلوقين، بالتوسل بالموتى وبالقبور، وتعظيم الموتى والتعلق بالأضرحة, فيهم من لا يقيم الصلاة ويقول: إنها روتين, ولا يعترف بها, ولا يؤدي الزكاة, وفيهم من لا يصوم رمضان, ومنهم من لا يحج البيت, وفيهم من يحكم بغير ما أنزل الله, ويرى أن الحكم بما أنزل الله رجعية وقد انتهى وقته -مع الأسف الشديد- وفيهم من تباع الخمور في أسواقهم, وتشرب علانية في بلدانهم, وفيهم من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر, وفيهم من لا يقيم الحدود التي أوجب الله في الجرائم, ويرى أن إقامة الحدود همجية ووحشية إلى غير ذلك من المعاصي والمنكرات. كل ذلك واقع في أمة الإسلام التي تدعي الإسلام وكثير وكثير! ومع ذلك تطمع في النصر على الأعداء, وهي قد تلبست بكثير من عادات أعداء الإسلام, وأخذها الكثير ممن يدعي الإسلام منهجاً وطريقاً، وقد نهانا رسول الله ﷺ عن مشابهتهم وقال: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾. أمة الإسلام! أيها الإخوة في الله! فما بالكم بهذه الفظائع التي توجد في بعض البلاد العربية اليوم وغيرها؟ مع ذلك يطمعون في النصر على الأعداء، فهذا مستحيل؛ لعدم وجود أسباب النصر التي أمر الله بها قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].

стр. 884

علاج ضعف المسلمين إن الأمة الإسلامية متى صدقت مع الله تعالى في الجهاد في سبيله، وكان قتالها لتكون كلمة الله هي العليا، وحكمت الشريعة وقامت بأمر الله, وآمنت بالله وباليوم الآخر, وعملت صالحاً, واتبعت سلفها الصالح, فستكون العاقبة لها, وسوف يورثها الله الأرض كما أورثها سلف الأمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] وصدق الله حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]. اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد, يا منان! يا بديع السماوات والأرض! يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! نسألك اللهم أن تنصر الإسلام والمسلمين, اللهم انصر الإسلام والمسلمين, اللهم اخذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الإسلام والمسلمين, اللهم أبرم لهذه الأمة أمرَ رُشدٍ يعز فيه أهل طاعتك, ويذل فيه أهل معصيتك, ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 885

عوامل النصر وطيب العيش

стр. 886

ترك المعاصي والتمسك بآداب الإسلام الحمد لله كتب للمؤمنين العزة, أحمده سبحانه يؤيد دينه وينصر حزبه, وحزب الله هم المفلحون, والخذلان والحرمان والطرد والإبعاد لمن اتبع غير سبيل المؤمنين, واتبع أعداء الدين, أولئك حزب الشيطان الخاسرون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوان الله وطاعته, والمحذر من سخطه ومعصيته, اللهم وفقنا لاتباعه، اللهم ارزقنا اتباعه، اللهم وفقنا للأخذ في منهجه وسلوك طريقه، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وخذوا بأسباب القوة تتحقق لكم الحياة الطيبة في العاجلة والآجلة وتفوزوا برضا الله, فجاهدوا أنفسكم، جاهدوا أنفسكم على القيام بطاعة الله, مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وابدءوا أولاً بإصلاح أحوالكم. تمسكوا بآداب الإسلام, وتخلقوا بأخلاقه, نظفوا منازلكم من البدع والمنكرات, ومن آلات اللهو, ومن المجلات التي أعدها أعداء الإسلام حرباً للأخلاق وللعقائد وللفضائل، وقاتلة للمروءة وللغيرة، وقاتلة للأوقات، ومعمية للقلوب التي في الصدور, حتى إنها صدت الكثير عن تلاوة كتاب الله, وعن قراءة سنة رسول الله, ويا لها من مصيبة عظيمة وكسر لا يجبر؛ أن يشتغل المسلمون فيما يضرهم, ويتركون ما فيه نفعهم بالعاجلة والآجلة وصدق الله حيث يقول: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]. عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور ما أحدث على غير هدي من الله، أو من غير سنة سنها رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠].

стр. 887

الاقتداء بسلف الأمة عليكم عباد الله! بما كان عليه الصدر الأول ففي هديهم الرشاد, وفي نهجهم الفلاح والسداد, وليس والله باتباع طريقتهم تأخر ولا رجعية, والله ثم والله ليس في اتباع السلف تأخر ولا رجعية, ومن حاد عن مسلكهم تقاذفته الشبه والأهواء, وارتطم بالفتن، وانزلق في المهاوي. وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحابه أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الدين, اللهم ابعث لدينك ناصراً ومؤيداً يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، فإن لم يغفر لنا ربنا ويرحمنا لنكونن من الخاسرين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً, لا إله إلا أنت يا سامع الصوت، ويا سابق الفوت, ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت, نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تغيثنا يا رب العالمين. اللهم أغثنا, اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً، سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم عاماً نافعاً غير ضار يا رب العالمين. اللهم احيي بلدك الميت, اللهم انشر رحمتك على العباد، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك يا واسع الفضل والإحسان! أنت الغني ونحن الفقراء, إليك لجأنا، إليك فوضنا أمورنا, لا ملجأ لنا منك إلا إليك يا رب العالمين. اللهم أغثنا غيثاً عاجلاً غير آجل, اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 888

إياك والتفريط إن العمر سريع التقضي، أبي التأني، أيام تمضي ولا تعود كغروب الشمس، فمن كان قد أحسن في عمره فليزدد، ومن أساء فليراجع نفسه، قبل أن يختم له بخاتمة سوء، ومما يساعد على ذلك كثرة تذكر الموت والقبر والحساب والجنة والنار.

стр. 889

اغتنام الحياة في التزود من الأعمال الصالحة أيها الناس! اتقوا الله ، واعلموا حق اليقين أن الله لم يخلقكم عبثاً، ولم يترككم هملاً، بل خلقكم لطاعته وعبادته في هذه الحياة الدنيا، وإذا انتهت هذه الحياة وافاكم الله جل وعلا بما أحصاه عليكم من الأعمال ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. عباد الله! اعتبروا بهذه الأعوام، كيف تمر بكم وتنقضي، فإنها من أعماركم، ومهما عاش ابن آدم، فإن مصيره إلى الموت. أمة الإسلام! تيقظوا وانتبهوا من هذه الغفلة، فإن كل يوم يمر بكم يبعدكم من الدنيا، ويقربكم من الآخرة، فالكيٍّس من اغتنم هذه الحياة الدنيا بالأعمال الصالحة، التي تقربه من الله زلفى، وينجو بها من عذاب جهنم. أيها المسلمون! إنكم في هذه الجمعة، التي هي آخر جمعة من عامكم الذي ستودعونه، والذي سيطوي سجله على ما أودعتموه وخزَّنتموه فيه من الأعمال، فهنيئاً ثم هنيئاً لمن أحسن فيها واستقام، وويل ثم ويل لمن أساء وارتكب المعاصي والمحرمات، ولقي الله غداً وهو مُصِر على ذلك الإجرام، نعم، هنيئاً غداً يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وهنيئاً لمن يُعطى كتابه باليمين، ويرفعه مسروراً بما فيه، ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٣] فيقال لهم في تلك الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] هذا هو المؤمن الذي عمل بالصالحات، وقدم الأعمال الصالحة أمامه عند الله. أما الذي قضى حياته، وضيَّع أوقاته في غير طاعة الله، فاسمعوا ماذا يقول إذا أخذ كتابه بالشِّمال: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩] فيقال للزبانية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]. نعم. هذه النهاية، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. أجل يا عباد الله! إذا عرفنا أن النهاية إما إلى الجنة وإما إلى النار؛ ليقف كل منا مع نفسه، محاسباً ماذا أسلف في العام الذي هو على وشك الانتقال، فإن كان قد عمل خيراً فليحمد الله ويزداد، وإن كان غير ذلك، فليتب إلى أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، ويُقلع ويُنيب ويكثر من عمل الحسنات ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. أجل أيها العاصي، بادر ما دمتَ في وقت الإمكان قبل أن يهجم عليك هادم اللذات، تُب إلى الله قبل إغلاق الباب، وإسبال الحجاب، وطي الكتاب على ما فيه. عباد الله! يُروى أن نبينا محمداً ﷺ خطب ذات يوم فقال: ﴿أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى، لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي، لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الموت﴾. عباد الله! تذكروا بانقضاء هذا العام انقضاء العمر، وسرعة زوال الدنيا، وسرعة زوال السرور في الدنيا، وسرعة قرب الموت، وبتقصير الأحوال، وبزوال الدنيا وما فيها، فكم وُلِد في هذا العام مِن مولود؟! وكم مات فيه مِن حي؟! فاغتنموا فرصة العمر يا عباد الله، هذا رسول الهدى محمد ﷺ يرشد ويقول: ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك﴾ هكذا يوصي رسول الله ﷺ باغتنام هذه الخمس، قبل حلول أضدادها. ففي الشباب: قوة وعزيمة، فإذا هرم الإنسان وشاب ضعُفت قوته، وفترت عزيمته. وفي الصحة: نشاط وانبساط، فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه، وضاقت نفسه، وثقلت عليه الأعمال. وفي الغنى: راحة وفراغ، فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه وعياله. أمة الإسلام! في الحياة الدنيا ميدان فسيح لصالح الأعمال، فإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له. إذا مات الإنسان يتبعه ثلاثة، يرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله. فاتقوا الله عباد الله، واستدركوا ما فات بالتوبة النصوح، واستقبلوا عامكم الجديد بالعمل الصالح، فإن إقامتكم في هذه الدنيا محدودة، وأيامكم معدودة، وأعمالكم مشهودة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:١ - ٨]. اللهم بارك لنا بالقرآن العظيم، وانفعنا بما صرَّفت فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 890

سرعة انقضاء الأعمار الحمد لله منشئ الأيام والشهور، ومفني الأعوام والدهور، ومضاعف الثواب لمن أطاعه والأجور، وغافر الذنوب لمن تاب إليه من المعاصي والفجور، يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، ويسمع دبيب النمل في دياجي الظُّلَم على الصخور، فسبحانه من إله تسبحه جميع الكائنات، وتَقَدَّس من ولي كريم محسن شكور. أحمده سبحانه على نعم تتجدد بالرَّواح والبكور، وأشكره على سابغ فضله المنشور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، على رغم أنف كل مشرك كفور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صاحب المنزلة العليا، والشفاعة العظمى في يوم النشور. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى. عباد الله! كيف لا يتفكر الإنسان في هذا العمر الذي يتصرم سنة بعد سنة. عباد الله، إنه قد تصرم من مدة الحياة عامٌ قد ودعتموه، شاهداً عليكم بما أودعتموه، فمن أودعه صالح العمل فليثق من الله بالبشرى والرضا والكرامة، ومن فرط أو عمل غير صالح، فأحسن الله عزاه. فيا ليت شعري! على أي شيء تُطوى صحائف هذا العام، ويا غفلة من لعله لم يبق من عمره إلا ساعات أو أيام، ويا أسفاه على من انقضى عمره وهو على تماديه وغفلاته مقيم، ويا خَجْلَة من بنى أجله وهو مكب على المعاصي والآثام. عباد الله! اعتبروا بهذه الشمس، كل يوم تطلع من مشرقها، وتغرب في مغربها؛ فإن في طلوعها ثم غروبها إيذاناً بأن هذه الدنيا ليست دار قرار، وإنما هي طلوع ثم غروب وزوال. واعتبروا بهذه الشهور تهل بها الأهلة صغيرة، كما يولد الأطفال، ثم تنمو رويداً رويداً كما تنمو الأجسام، حتى إذا تكامل نموها، أخذت بالنقص والاضمحلال، وهكذا عمر الإنسان، طفولة ثم شباب، ثم كهولة، ثم هرم، وما بعد ذلك إلا الممات، ومنكم مَن يُتوفى قبل أن يصل إلى ذلك. واعتبروا أيضاً بهذه الأعوام تتجدد عاماً بعد عام، فإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نَظَرَ البعيد، ثم تمر به الأيام سراعاً، فينصرم العام كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، كل هذا عبرة ودلالة على زوال الدنيا وفنائها.

стр. 891

الحذر من سوء الخاتمة وهكذا عمر الإنسان، يتطلع إلى آخره تطلع البعيد، فإذا به قد هجم عليه ملك الموت بِغِرَّة وبدون إنذار، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. عباد الله! أطيلوا الفكر في الموت، وأكثروا من ذكر هادم اللذات، وأهواله وشدائده وسكراته، وتفكروا يا عباد الله في شدة النزع والألم الذي يعانيه المحتضر عند خروج الروح من البدن، حتى قيل: إنه أشد من الضرب بالسيوف، ونشر المناشير، وقرظ المقاريظ؛ لأن الموت يهجم على الإنسان، ويستغرق جميع أجزائه من كل عِرق من العروق، وعصبٍ من الأعصاب، ومفصلٍ من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة، من مفرق رأسه إلى القدمين، ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]. فعند ذلك لا تسأل عن حالة المحتضر وقد نزلت به الكروب والآلام، ومع ذلك فهو لا يقدر على الصياح والبكاء، مع شدة الألم وزيادة الكرب، حيث قهر الموت منه كل قوة، وأضعف كل جارحة، فلم يبق له قوة الاستغاثة، أما العقل فقد غشيه ووَشْوَشَه، وأما اللسان فقد حجزه وأبكمه، وأما الأطراف فقد أضعفها وأوهنها وخدرها، فإن بقي فيه قوة سمعتَ له عند نزع الروح وجذبها خوار وغرغرة من حلقه وصدره، وقد تغير لونه وارْبَدَّ وجهه، وشخص بصره، وحشرج صدره، واقشعرَّ جلدُه، وتشنجت أصابعُه، حتى كأنه ظهر من التراب الذي هو أصله، فالألم منتشر في داخله وخارجه. فلا تسأل عن جسم يُجذب كل عرقٍ على حدة، ثم يموت كل عضوٍ من أعضائه تدريجياً، فتبرد أولاً قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، ثم يبلغ حتى بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، وينسى ما كان قد حافظ عليه في الحياة، وعند ذلك تعظم حسرة المفرط، ويندم حين لا ينفعه الندم. أخي المسلم! أوصيك إذا حضرت محتضِراً، فلا تستعجل عليه في تلقين الشهادة، لعل الله يخرج روحه على كلمة (لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فإن خرجت روحه على (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فهنيئاً له حسن الخاتمة، فقد ورد في الأثر: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ أما من هذى، وجعل يطرف بالكلمات التي تقشعر منها الجلود، ويندى لها الجبين، فوالله إنها لحالة يُرثى لها، كم قيل لمحتضِر: قل (لا إله إلا الله) قال إنه كافر بـ (لا إله إلا الله). فيا عبد الله! احذر أن تخرج روحك على سوء الخاتمة، فأنت في الحياة الدنيا في ميدان فسيح لمزرعة الأعمال الصالحة، فمن عاش على خير، هنيئاً له أن يحسن الله له الخاتمة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] ثم استقاموا يا عبد الله، على أي شيء استقاموا؟ أعَلَى السهر والتمثيليات؟ أم مع البَلُوْت والكِنْكان؟ أم على أكل الربا، وغش المسلمين، والخداع؟ أم على أكل الرشوة؟ أم على التبرج والسفور؟ مسكين من أدخل إلى بيته تلك الملاهي، فعند الممات يتمنى أن يقول: أخرجوا هذه الملاهي، ولكن حِيل بينهم وبين ما يشتهون، إنما يُقال ذلك لمن استقام على طاعة الله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠]. اللهم اجعلنا من أهل الجنة، ولا تجعلنا من أهل النار. يا عبد الله! ارحم نفسك قبل أن ينزل بك هادم اللذات، وقد حلقت لحيتك، وملأت بيتك بالمنكرات، والملاهي. يا عبد الله! اتق الله، ولا تغفل في هذه الحياة عن الأعمال الصالحة، خشية أن ينزل بك هادم اللذات وأنت على معاصي الله. عباد الله! تيقظوا من هذه الغفلات، يا للأسف الشديد، على مجالس تقتل في غير ذلك، يا للأسف الشديد على عُمْر فَرَّط فيه صاحبُه، لم يعرف فيه بيوت الله، إلا يوم الجمعة أو في رمضان، يا ويله إذا نزل به هادم اللذات، وقيل له: قل (لا إله إلا الله) فمن أين له أن يقول: (لا إله إلا الله) وهو لا يعرف بيوت الله؟! من أين له أن يقول: (لا إله إلا الله) وهو يسهر طوال الليال مع الأفلام والتمثيليات، والأغاني، وكتب الحداثة السخيفة، يقضي وقته ذلك الوقت الذي هو مسئول عنه بين يدي الله، بين يدي جبار الأرض والسماوات؟! فأين الاستعداد يا عبد الله؟! أين الاستعداد لهادم اللذات؟ أين الاستعداد لمفرق الجماعات، وقد أتوا بالطبيب، والطبيب لا ينفع إذا نزل بك هادم اللذات. عبد الله! إذا زرت المريض فذكره بهادم اللذات، وقل له: تُب يا أخي مما جنيت واستعد، ومع الأسف الشديد كم نزور من المرضى، وما منا من يقول: اتق الله, واذكر الله، إنما نقول له: إذا مرضت ولم تُشفَ اذهب إلى أمريكا، أو إلى بريطانيا، حتى تموت في بلاد الكفار. نعم السبب مطلوب، ولكن إذا نزل بك الموت، وإذا جاءت سكرة الموت فلا ينفع حينئذٍ الطبيب، فعليك يا عبد الله أن تُذَكِّر أخاك المسلم، وتعينه على ذكر الله، وتذكره أن الحياة لها نهاية، وأن الحياة الباقية في جنة عرضها السماوات والأرض، أو في جهنم وبئس المصير. عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، الذي قال: ﴿زوروا القبور، فإنها تذكركم بالآخرة﴾. زوروا القبور يا عباد الله، تذكروا إذا وضعتم أخاكم في قبره، وهو جثة هامدة، لا ينازعكم من الأمر شيئاً، والله لو كان حياً ما أدخلتموه من باب المقبرة، فانظروا إليه وهو جثة هامدة، تضعونه في هذا الصدع من الأرض، وتصفون عليه اللبنات، وتَحْثُون عليه التراب، وترجعون كأن لم تفعلوا شيئاً، والله لقد قست القلوب، بل ماتت، كيف ندفن الموتى ولا نعتبر يا عباد الله؟! كيف لا نعتبر، ولا نتذكر أنَّا بهم لاحقون؟! وسواءً أقرُب الأمد أو بَعُد فإنا سوف نُدفن كما دفنوا، سوف تُصف علينا اللبنات، ونُترك في صدع من الأرض، لا أنيس ولا جليس إلا الأعمال يا عباد الله. اللهم آنس غربتنا في القبور، اللهم آنس غربتنا في القبور، اللهم آنس غربتنا في القبور. اللهم ارحم ذلنا عليك يوم العرض والنشور ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] اللهم رحمتك نرجو يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين. عباد الله! صلوا على خاتم المرسلين، صلوا على الناصح الأمين، الذي ترككم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم اجمعنا به في جنات النعيم، اللهم اسقنا من حوض نبيك محمد شربة هنيئة مريئة، لا نظمأ بعدها أبداً، يا رب العالمين. اللهم اجعلنا ممن يُعطى كتابه باليمين. وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 892

بدعة المولد لقد أكمل الله لنا الدين، وأي شيء يزاد مما لم يشرعه الله ولا رسوله؛ فإنما هو بدعة محدثه لا تجوز، ومن جوزها فقد زعم أن الله لم يكمل لنا الدين، وقد أتى الشيخ بفتوى العلامة ابن باز ﵀ في بدعة المولد، وذكر بعض منكرات هذه الموالد، وبين أن الصلاة على النبي ﷺ تكون في كل وقت وحين.

стр. 893

كمال الدين وخطر البدع الحمد لله الذي فتح لنا أبواب الهدى بمن جعله مسك الختام, وجعل أمته خير الأمم, وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره من ذوي الإجرام, أحمده سبحانه وأشكره على ما أسبغ علينا من جزيل الإنعام, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله رحمة للعالمين, وفارقاً بين الحلال والحرام, وداعياً إلى القيام بأركان الإسلام, نصح الأمة, وكشف الغمة, وجاهد في الله حق الجهاد, وما مات حتى أتمَّ الله به النعمة, وأكمل به الدين, وترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله تعالى حق تقاته, واحذروا البدع فإنها ما ظهرت في أمة إلا مات فيهم بدلها سنة. أمة الإسلام! لقد قضى رسول الله ﷺ حياته المباركة في كفاح وجهاد متواصل, وغرس الدين الإسلامي في نفوس البشرية جمعاء, إلى أن اختاره الله له في الرفيق الأعلى, بعد أن قضى ثلاثة وستين سنة, منها في أول عمره تقريب لوجهات العرب, وبعد الأربعين من عمره نزل عليه الوحي في تبليغ رسالة ربه حتى أكمل الله به الدين, وأتم به النعمة, ما ترك خيراً إلا دل أمته عليه, ولا شراً إلا حذرها منه.

стр. 894

فتوى ابن باز ببدعية المولد فيا عباد الله! يا أتباع محمد بن عبد الله! إن كنتم متبعون له صحيحاً على نهجه؛ إنكم تسمعون في هذه الأيام والليالي عبر وسائل الإعلام المجاورة والجرائد وغيرها بدعة محدثة, وهي بدعة عيد المولد النبوي, وقد سئل شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز -وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه, وجعل الجنة مأوانا ومأواه- عن هذه البدعة فأجاب جزاه الله خيراً قائلا: و الجواب أن يقال لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ , ولا غيره لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين, لأن الرسول ﷺ لم يفعله, ولا خلفاءه الراشدون, ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة, وهم أعلم الناس بالسنة, وأكمل حباً لرسول الله ﷺ , وأكمل متابعة لشرعه ممن بعدهم, وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ أي: مردود عليه, وقال في حديث آخر: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة﴾ ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها, وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وقال جلَّ من قائل عليماً: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] ويقول الرب جلَّ وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] والآيات في هذا المعنى كثيرة. وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة, وأن الرسول ﷺ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به الله, زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله, وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله وعلى رسوله ﷺ , والله سبحانه وبحمده قد أكمل الدين لعباده, وأتم عليهم النعمة, والرسول ﷺ قد بلّغ البلاغ المبين, ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة, كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم﴾ حديث صحيح. ومعلوم أن نبينا محمد ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم, وأكملهم بلاغاً ونصحاً, فلو كان الاحتفال بالمولد النبوي من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبينه الرسول ﷺ للأمة, أو فعله في حياته, أو فعله أصحابه ﵃, فلما لم يفعله ﷺ , ولم يقع شيء من ذلك, عُلم أنه ليس من الإسلام في شيء, بل هو من المحدثات التي حذّر الرسول ﷺ أمته منها -كما تقدم ذكر في الحديثين السابقين- وقد جاء في معناهما أحاديث أخر مثل قوله ﷺ في خطبة الجمعة: ﴿أما بعد, فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد, وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة﴾ رواه مسلم , والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار المولد والتحذير منها عملاً بالأدلة المذكورة وغيرها، وقد رددنا هذه المسألة وهو فصل الخطاب, يقول الشيخ ابن باز وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه: " وقد رددنا هذه المسألة وهي الاحتفال بالمولد إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه ﷺ , ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ ؛ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا, وأمرنا باتباع الرسول فيه, وقد رددنا ذلك أيضا إلى سنة رسول الله ﷺ فلم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به, ولا فعله أصحابه ﵃. فعلمنا من ذلك أنه ليس من الدين بل هو من البدع المحدثة, ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم, وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالمولد ليس من دين الإسلام بشيء, بل هو من البدع المحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله بتركها والحذر منها. ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعل من الناس في سائر الأقطار, فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين وإنما يعرف بالأدلة الشرعية كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] هذا تحذير للرسول ﷺ .

стр. 895

منكرات الموالد إن غالب هذه الاحتفالات بالمولد مع كونها بدعة, لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى, كاختلاط النساء بالرجال, واستعمال المعازف في الأغاني المسماة بالأناشيد وغيرها, وفي بعض البلدان يشربون المسكرات والمخدرات وغير ذلك من الشرور, وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك, وهو الشرك الأكبر, وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ , أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به، وطلب المدد، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس عند احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره مما يسمونهم بالأولياء, وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين﴾. ومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة, ويدافع عنها, ويتخلف عما أوجبه الله عليه من حضور الجمع والجماعات, ولا يرفع بذلك رأساً ولا يرى أنه أتى منكراً عظيماً, ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان, وقلة البصيرة, وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي. نسأل الله بمنَّه وكرمه أن يعافينا في ديننا ودنيانا وآخرتنا وأن يردنا إليه رداً جميلاً, وأن ينصر دينه, ويعلي كلمته, وأن يبعث لدينه ناصراً, يحيي الدين ويؤذن في تلك البلدان التي فشا فيها الابتداع, ولا حول ولا قوة إلا بالله, وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 896

بدعة اعتقاد حضور النبي ﷺ الحمد لله على إحسانه, والشكر له على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله , وتبصروا في دينكم, واحذروا البدع المحدثة التي تبعدكم عن الله, وتصدكم عن الصراط المستقيم. عباد الله! لقد بلغ الذين يحضرون الموالد من الإفك والافتراء أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد, ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل, فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة, ولا يتصل بأحد من الناس, ولا يحضر اجتماعاتهم؛ بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة, ويرى في المنام، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة﴾ أو كما قال ﷺ . ومما يدلنا على أن رسول الله ﷺ ميت ميتة برزخية أكمل من ميتة الشهداء, والأرض لا تأكل لحوم الأنبياء يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦] وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] إلى آخر الآيات, وقال ﷺ : ﴿أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة﴾ فها هو يدلنا على أن رسول الله ﷺ لا يخرج من قبره إلا يوم القيامة, يقول ﷺ : ﴿أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة, وأنا أول شافع وأول مشفع﴾ عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم, فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث؛ كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة, وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين, ليس فيه نزاع بينهم. فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور, والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان. أما الصلاة على النبي ﷺ فهي من أفضل القربات, ومن الأعمال الصالحات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد أمر ﷺ بالصلاة عليه في يوم الجمعة وليلة الجمعة ولم يقل: صلوا علي في يوم مولدي, إنما هذا اختلاق اختلقه بعض الجهال، وأمره ﷺ واضح في سنته المطهرة. فأكثروا عليه من الصلاة في كل أوقاتكم دائماً وأبداً حتى تلقوه على الحوض إن شاء الله, وإياكم ومحدثات الأمور! وإياكم والبدع! فيقول ﷺ : ﴿من صلّى علي صلاة صلّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وفي مقدمة أصحابه الخلفاء الراشدين, وارض اللهم عن البقية أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون, اللهم أصلح ولاة أمورنا ووفقهم إلى الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم قيض لهم الجلساء الصالحين الناصحين, وارزقهم البطانة الصالحة يا رب العالمين, اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واهدنا واهد لنا واهد بنا يا رب العالمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد, نسألك بأنا نشهد أنك أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد, اللهم إنا نسترحمك يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين, اللهم يا واسع الفضل والإحسان يا من خزائنه ملأى يا من يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك. اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقا نافعاً غير ضار, عاجلاً غير آجل, اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق, يا حي يا قيوم, يا ذا الجلال والإكرام, اللهم انشر رحمتك على العباد, يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب, اللهم أنزل علينا من بركات السماء, اللهم أدر لنا الضرع وأنبت لنا الزرع, اللهم أخرج لنا من بركات الأرض ما يكون لنا عونا ً على طاعتك, وبلاغاً إلى حين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم ارفع عنا الغلاء والبلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون, وصلوا وسلموا على رسول الله.

стр. 897

بعد المسلمين عن دينهم إن من أعظم أسباب وجود الضعف بين المسلمين هو بعدهم عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ اللذان هما غذاؤهما الروحي والفكري، وهو نفسه السبب الذي جعل الأمم الأخرى تداعى على أمة الإسلام كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، والناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يرى فيهم أنواع المعاصي والمنكرات والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تتحقق الحياة الطيبة للمسلمين في العاجلة والآجلة إلا بالرجوع إلى دين الله تعالى، والقيام بطاعته ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وترك المنكرات والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتمسك بأخلاق الإسلام وغيرها من أسباب القوة.

стр. 898

سبب وجود الضعف في المسلمين الحمد لله المعز لمن أطاعه والمذل لمن عصاه, الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى, يسر من شاء من عباده إلى طاعته فأسعده ونصره وأيده، وطرد من أشقاه فخذله ووكله إلى نفسه, فصار ذليلاً مخذولاً حيراناً, يتمشى مع التقاليد الغربية والشرقية والإفرنجية, نسألك اللهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة, أحمدك اللهم وأشكرك, حمداً كثيراً كما تحب ربنا وترضاه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي جاء بها بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وأيقظنا من رقدتنا حتى ننهج نهجهم يا رب العالمين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوا واعلموا أن النصر من عند الله, وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده, والعاقبة للمتقين. أيها المسلمون: ألا يتساءل البعض؟ ألا يتحدث البعض عن سبب حصول الضعف للمسلمين. إن الضعف الذي حل بالأمة الإسلامية قد أفقدها شيئاً كثيراً من هيبتها, ومن عزتها ومن كرامتها, لقد دب الضعف في صفوف المسلمين منذ أن تدخل عبد الله بن سبأ اليهودي بثورته الخبيثة التي قتل فيها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. نعم. -يا عباد الله- لما اختلفت الأمة الإسلامية في أهوائها وتفرقت كلمتها وتشعبت مناهجها, فصارت ألعوبة للأعداء ولقمةً سائغة أكلتها سباع الشيطان, وما ذاك إلا لما تركت الأمة الإسلامية ما فيه غذاءها الروحي والفكري وهو القرآن والسنة, نعم -يا عباد الله- لما ترك الكثير القرآن والسنة والحكم بالكتاب والسنة والتحاكم إلى الكتاب والسنة, لما تركوا ذلك إلا القليل منهم, وفي مقدمة هذه الفئة القليلة: بلادنا هذه أعزها الله بالإسلام ونصرها وأيدها على من عاداها, فهي ولله الحمد باقية على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ , وذلك بعد دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بقيادة إمام الدعوة محمد بن سعود رحمهما الله, وعلى ذلك نهج نهجهم من جاء بعدهم من الذرية, فنسأل الله أن يزيدهم من ذلك وأن يحبب إلينا وإليهم الإيمان وأن يزينه في قلوبنا وقلوبهم, وأن يُكره إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان إنه على كل شيء قدير. أمة الإسلام: إذا سمعنا ولي الأمر أو من بعده من ولاة الأمور خاصةً في هذه البلاد ارتاحت الأنفس وتلذذت بخطبهم؛ لأنهم يدعون إلى التمسك بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ , وبالتمسك بالأخلاق الفاضلة, كل ذلك يدعون إليه جزاهم الله خيراً. أما البقية من المجاورين لما تركوا ذلك وجروا وراء الأعداء ووراء الاستعمار, جلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم, حتى حسنوا لهم البدع والمنكرات, وحتى غزو الأمة من كل جانب وبكل سلاح, غزوها من ناحية الفكر والعقيدة, فغيروا الأفكار وأفسدوا العقيدة, غزوها من ناحية الأخلاق والمثل العليا فأفسدوا الأخلاق, فصارت نساؤهم ترقص في المسارح, ورجالهم يرقصون طرباً وغناء, ونسألك اللهم العفو والعافية. وصار العباد منهم الجهال يحثونهم على بناء القبب على القبور, وعلى التوسل بها, وعلى عبادتها من دون الله, هذا الذي يريده أعداء الإسلام، وهو غزوٌ فكري غزوا به تلك البلدان، وغزوهم من ناحية المنهج والسلوك فضيعوهم في متاهات الجهل والخرافات والبدع, حتى تفرقت الأمة وكانوا شيعاً, واستبدلوا الحكم بالكتاب والسنة, استبدلوها بالقوانين الوضعية، أحكام الطواغيت وهي الحكم بغير ما أنزل الله جلَّ وعلا. ومع الأسف الشديد لما انزلقت تلك الأمم في ذلك عَمَّ فيهم الجهل, وأصبحوا الآن يقتل بعضهم بعضاً, ويَسبُ بعضهم بعضاً في الإعلام والمجلات, وصاروا في حلبة الصراع نهبةً للأعداء من كل ناحية, فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

стр. 899

سبب تداعي الأمم على أمة الإسلام أيها المسلمون: إنكم ترون ما بلغت الأمة الإسلامية الآن, إنها بلغت إلى مستوى انحطت معنوياتها فيه, ونزعت من قلوب أعدائها هيبتها, وتسلط الأعداء عليها بقوة السلاح, فغزوها غزواً عسكرياً, تلكم اليهود وأعوانهم الشرذمة القليلة التي استحلت المسجد الأقصى, والمسلمون منشغلون في الخلافات, وتلك الشيوعية الحمراء وهي تقتل وتشرد وتبث مذهبها الهدام, وتلكم النصارى وهم يبثون النصرانية ويعثون في الأرض فساداً من كل ناحية, كل ذلك وغيره من المبادئ الهدامة التي تبدد الأفكار وتهدم الأخلاق، وتبرهن وتعلن أنها جاءت لما رأت الضعف بالأمة الإسلامية. ولما رأت الكثير يتخلى عن دينه وهذه والله هي المصيبة العظمى -يا عباد الله- والله ثم والله إنها هي المصيبة العظمى يا أمة الإسلام، أعداء الإسلام لما رأوا الكثير يتخلى عن دينه ويتباعد ويزعم الزعم الخاطئ أن الحكم بما أنزل الله قد انقضى وقته وانقرض أهله فلا يطابق هذا العصر ولا يتناسب مع أهل هذا العصر, وما هو إلا رجعية وتخلف إلى الوراء, وكل ذلك زعمٌ باطل من الذين غسل مخهم أعداء الإسلام وأعداء المسلمين من الشيوعية والرأسمالية , ولا يقول ذلك ولا يدعي ذلك إلا من رضي بالقوانين الوضعية والله تعالى يقول وهو أصدق القائلين: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. أيها المسلمون: لعلنا نتساءل، ثم نتساءل لماذا سلطت الأعداء من كل ناحية، ومن كل جنس على الأمة الإسلامية؟ فالجواب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فلما غير البعض من المسلمين الطاعة بالمعصية غير الله عليهم أحوالهم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].

стр. 900

حال المسلمين اليوم فلو تصورنا حال المسلمين اليوم تصوراً صريحاً وحكَّمنا العقل بعيداً عن تيارات العاطفة, لوجدنا في الأمة الإسلامية التي تدعي الإسلام اليوم ما هو أكبر من أسباب الخذلان والهزيمة, ففيهم من لا يؤمن بالله, وانخرط في سلك الشيوعية وصار شيوعياً ملحداً, ولا يؤمن بالله واليوم الآخر, ولا يؤمن بالحساب ولا بالجزاء ولا بالجنة والنار, ومنهم من يشرك بالله, ومنهم من لا يقيم الصلاة, ولا يعترف بالصلاة بالكلية, ولا يؤدي الزكاة, وفيهم من لا يصوم رمضان, ومنهم من لا يحج البيت العتيق, وفيهم من يحكم بغير ما أنزل الله، ويرى أن الحكم بما أنزل الله رجعية، وقد انتهى وقته. مع الأسف الشديد! وفي تلك البلدان التي تدعي الإسلام تباع الخمور في أسواقهم وتشرب علانية, وفيها البارات وفيها الخمارات وفيها بيوت الدعارة، وبيوت الزنا واللواط, أين هم من الإسلام؟! وفيهم من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر, وفيهم من لا يقيم الحدود التي أوجب الله في الجرائم, ويرى أن إقامة الحدود همجية ووحشية، إلى غير ذلك من المعاصي والمنكرات. أمة الإسلام: لو تفكرنا ونظرنا في كثير من بلدان المسلمين إلى ما يحدث فيها من كثرة البدع والخرافات, والخزعبلات من دعاء الأموات وعبادتهم من دون الله تعالى, والتقرب إلى أهل القبور, وإلى الأضرحة بالنذور وغيرها والطواف بها, وطلب الغوث والنصر من تلك القبور, التي أصبحت فيها تلك الجثث هامدة لا تضر ولا تنفع, وصدق رسول الهدى ﷺ حيث قال: ﴿بدأ الإسلام غريبا ًوسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء, قيل: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس﴾ وفي رواية: ﴿الذين يصلحون ما أفسد الناس﴾ فأي غربة أعظم من هذه الغربة؟! والبعض من الناس -مع الأسف الشديد- الذين يدعون الإسلام ليلهم ونهارهم, سرهم وجهارهم يدعون الأموات من دون الله, ويستغيثون بهم, ويطلبون منهم المدد, ويذبحون وينذرون لهم, والبعض ممن يدعي الإسلام قد انشغل وتعلق قلبه بالجن وصار يستعين بهم في كل نائبة وكارثة يهتف بهم ويناديهم من دون الله: يا جني فلان يا جني فلان قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. والبعض من الناس ممن يدعي الإسلام -مع الأسف الشديد- إذا أصابته مصيبة أو ألمّت به ملمة, أو ذهبت له ذاهبة ذهب إلى الكهان والسحرة والمنجمين الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : ﴿من صدق كاهناً بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ وفي رواية: ﴿من صدق كاهناً بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾. فيا عباد الله أين الإسلام من أولئك؟ وأين الإيمان ممن نسي الله , والتجأ إلى غيره ودعا غيره, واستغاث بغيره, أين هم من قول الله المولى جلَّ وعلا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. أمة الإسلام! إن أحوال البعض من المسلمين يرثى لها, كيف لا يا عباد الله وهي قد تلبست بعادات أعداء الإسلام, فنساء المسلمين الآن تلبس القصير والرجال يلبسون الطويل, الرجال يحلقون اللحى ويربون الشوارب, اقتداءً بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين, والبعض من المسلمين قد علق في رقبته الذهب, ولبس في يده خاتم الذهب, ولبس في يده ساعة الذهب -فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله- رسول الله ﷺ يقول: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾.

стр. 901

أهمية إقامة الدين في نصر الله للمؤمنين عباد الله: إن الله وعد بالنصر من ينصره, فقال جلَّ من قائل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] فمتى صدقت هذه الأمة مع الله تعالى في إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحكَّمت الشريعة وقامت بأمر الله تعالى، ووحدت المولى جلَّّ وعلا، وأقامت الصلاة، وأدت الزكاة، وصامت رمضان وأدت فريضة الحج، ونهجت منهج السلف الصالح الذين فتحوا الفتوحات ومصروا الأمصار فستكون العاقبة لها بإذن الله تعالى, وسوف يورثها الله الأرض كما وعد، فإنه لا يخلف الميعاد حيث يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً, اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه, واجعلنا هداة مهتدين, اللهم اجعلنا من الدعاة في سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة على علم وبصيرة يا رب العالمين, اللهم اهدنا ولا تضلنا، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا, اللهم أعزنا ولا تذلنا, وأكرمنا ولا تهنا, وأعطنا ولا تحرمنا, واجعلنا من عبادك الفائزين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد واستغفروا الله يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 902

النصر يكون بأخذ الأسباب الحمد لله الذي كتب للمؤمنين العزة, أحمده سبحانه يؤيد دينه وينصر حزبه, وحزب الله هم المفلحون, والخذلان والحرمان والطرد والإبعاد لمن اتبع غير سبيل المؤمنين, واتبع أعداء الدين أولئك حزب الشيطان هم الخاسرون, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوان الله وطاعته, والمحذر عن سخطه ومعصيته, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وخذوا بأسباب القوة تتحقق لكم الحياة الطيبة في العاجلة والآجلة, وتفوزوا برضوان الله, جاهدوا أنفسكم على القيام بطاعة الله, مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وابدأوا أولاً بإصلاح أحوالكم, تمسكوا بآداب الإسلام وتخلقوا بأخلاق الإسلام, نظفوا منازلكم من البدع والمنكرات, ومن آلات اللهو ومن المجلات التي أعدها أعداء الإسلام حرباً للإسلام والمسلمين, وحرباً للأخلاق والعقائد والفضائل, وقاتلة للمروءة والغيرة، وقاتلة للأوقات, ومعمية للقلوب التي في الصدور, حتى إنها صدت الكثير من المسلمين عن تلاوة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ , فيا لها من مصيبة عظيمة، وكسر لا يجبر أن يشتغل المسلمون فيما يضرهم, ويتركون ما فيه نفعهم في العاجلة والآجلة! وصدق الله حيث يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]. عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة. عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وبإحسانك يا رب العالمين. اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل, اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء, وحسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين, ووحد صفوفهم, وانصر جيوشهم, وثبت أقدامهم, وانصرهم على القوم الكافرين, اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين, اللهم أمدهم بعونك وقوتك يا رب العالمين فإنه لا حول ولا قوة إلا بك يا رب العالمين. اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداة مهتدين, ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا, ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين, ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم فإنه وعد الشاكرين بالمزيد, وصلوا على رسول الله.

стр. 903

تبرج النساء يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) ويقول رسول الله ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾. فالواجب على المسلم أن يتقي الله في رعيته، وأن يحافظ عليهم ويتابعهم الأول بالأول، وألا يترك الحبل على الغارب، فعلى الأب أو الزوج أن يعرف أين تذهب نساؤه، وماذا يلبسن من الثياب، ويجب على الرجل أن تكون عنده غيرة على محارمه، فلا يجعلهن يختلطن بمن لا يجوز لهن الاختلاط بهم.

стр. 904

قوامة الرجال على النساء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها المسلمون المؤمنون بالله حقاً: اتقوا الله تعالى، وقوموا بما أوجب عليكم من رعاية الأهل والأولاد فقال: ﴿يا أيَّها الذينَ آمنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] وامتثلوا قول الرسول ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ فإنكم رعاتهم والمسئولون عنهم. يا أمة الإسلام: يا رجال الإسلام! اذكروا هذه الأمانة العظيمة التي وليتم عليها، قوموا بها على الوجه الأكمل، اسمعوا قول الحق جل وعلا وهو يخاطب معشر الرجال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤]. أيها الرجال: إن الله لم يجعلكم قوامين على النساء إلا لعلمه بقصورهن عقلاً وديناً، ولقد أكد ذلك رسول الهدى ﷺ حين قال في النساء: ﴿ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن﴾. فاعرفوا نعمة الله عليكم، واعرفوا هذا الفضل الذي فضلكم به على النساء، وقوموا بهذه الفضيلة وهذه الأمانة، ولا تغلبنكم النساء على رجولتكم، ولا يلهينكم الشيطان عن رعاية أهلكم، ولا تشتغلوا بالدنيا وحطامها، وتضيعوا ما هو أهم وأولى ﴿إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه﴾.

стр. 905

فتنة النساء أيها المسلمون: إن مشكلة النساء ليست بالمشكلة التي يُتهاون بها، وليست بالمشكلة الجديدة، إنها مشكلة عظيمة يجب الاعتناء بها، ودراسة ما يقضي على أسباب الشر والفساد فيها إنها مشكلة الوقت كله قديماً وحديثاً، لقد كانت مشكلة بني إسرائيل وما لعن بنو إسرائيل إلا لما تبخترن نساؤهم بالزينة وهي مشكلة هذه الأمة التي حذر عنها رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من السناء﴾ وهذا الحديث الثابت في الصحيحين يتضمن التحذير من هذه الفتنة العظيمة، والسعي في القضاء على أسباب الشر قبل أن يستفحل.

стр. 906

حال بعض نساء المسلمين اليوم أيها المسلمون: إن مشكلة النساء قد استفحلت واستطار شرها في التبرج والسفور والتسكع في الأسواق، وكل ذلك مما نهى الله عنه ورسوله، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] لقد توسع النساء توسعاً تعدى التبرج في الجاهلية، توسعاً يحزن قلوب المؤمنين الذين يخشون عقاب الله، ويخافون من نقمته، ويخافون من أليم عقابه، يخشون أن يحل بهم ما حل ببني إسرائيل حينما تبرجت نساؤهم. أيها المسلمون: لقد توسع النساء في التبرج باللباس، فصارت المرأة تلبس للسوق من أحسن اللباس، وتضع عليه عباءة ربما تكون قصيرة لا تسترها، أو خفيفة تصف الذي تحتها، أو ترفعها من أسفل جسمها حتى تبين جمال الثياب والزينة، وربما تشتد بالعباءة حتى تبين حجمها، وكل هذا مما نهى الله عنه ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فقد نهى الله النساء أن يضربن بأرجلهن فيعلم الخلخال الذي تخفيه؛ لأن النساء كانت تلبس الخلخال في الأقدام، أما الآن فلا يكاد يوجد، فإذا كان الله نهى عن الضرب بالرجل خوفاً من سماع الخلخال المستور؛ فكيف بمن تلبس جميل الثياب، ثم ترفع العباءة عنه ليراها الناس بأعينهم فتفتنهم؟! ولا شك أن الفتنة بما يُرى أعظم من الفتنة بما يُسمع. وبعض النساء تكشف عن ذراعيها ليظهر ما عليها من الحلي والزينة والنعومة، وأعظم من ذلك إذا خرجت متعطرة متطيبة، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية﴾. فالأمر عظيم وخطير يا أمة الإسلام! لقد وجد ويوجد في أسواق المسلمين اختلاط النساء بالرجال، ومزاحمتهن للرجال، ويتحدثن بأصوات مرتفعة، ويمازحن الرجال، ومع ذلك فلا حياء ولا هيبة من الجبار فأين الرجال يا أمة الإسلام؟ أين المروءة؟ أين الشيمة؟ أين الغيرة؟ لقد عادت جاهلية أشد من الجاهلية الأولى خرج النبي ﷺ ذات يوم من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال ﷺ للنساء: ﴿استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق﴾ فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق به. أمة الإسلام: أين النساء اللواتي يستجبن لقول الله ولقول رسوله؟ خذوا على أيدي سفهائكم، ائطروهم على الحق أطراً، إنه يجب على الرجال أن يمنعوا النساء من التبرج والتعطر قبل أن تحل بنا اللعنة وقبل أن تنزل علينا اللعنة، وأعظم من ذلك -يا أمة الإسلام- منع القطر من السماء، والطيور تلعن العصاة من بني آدم، والبحر يستأذن كل يوم ليغرق بني آدم أين الغيرة على دينكم؟ فإن النساء قد ترك لهن الحبل على الغارب، يمازحن الرجال، ويبعن ويشترين مع الرجال، ويذهبن إلى الأسواق بدون أمر أو نهي، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 907

الحذر من مشابهة الكفار وتقليدهم أمة الإسلام: الحذر الحذر من الأخذ بتقاليد الغرب، والحذر الحذر من مشابهة الكفار في لباسهم وزيهم ومشيهم، فإنه من تشبه بهم فهو منهم لا تنخدعوا بما يزيفون لكم، وبما يحسنون لكم من البدع والانحرافات الضالة. أيها المسلمون: إن أعداءكم لو دعوكم إلى الكفر أو الشرك لأبيتم، ولم تجيبوهم، ولكنهم يرضون منكم أن يهدموا أخلاقكم ودينكم من جهات أخرى، من جهات محقرات الذنوب، التي تحتقرونها في عيونكم حتى تجتمع عليكم فتوردكم إلى النار. يروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن الشيطان قد أيس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات﴾ وهي الموبقات يوم القيامة، فاتقوا الله -أيها المسلمون- ولا تنخدعوا بما يقدمه لكم أعداؤكم. إنكم الآن على مفترق طرق، فقد فتحت عليكم الدنيا، وانهال عليكم الأعداء من كل مكان أتيتم بهم إلى بلادكم، وأعززتموهم بعد أن ذلهم الإسلام، ورفعتم قدرهم بعد أن حطهم الإسلام، فإن الإسلام يقول: خذوا منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وأنتم رفعتم مكانتهم، وأتيتم بهم ليفسدوا في ديار المسلمين. قدم البعض عليكم بعاداتهم السيئة وتقاليدهم المنحرفة، وسافر البعض منكم إلى بلادهم، وشاهدتموهم في وسائل الإعلام في الصحف والمجلات والتلفاز، فإما أن يكون في دينكم صلابة فتتحطم عليها مكائد الأعداء، وفيكم قوة الشخصية الإسلامية فلا تعتدون ولا تغترون بهم، وتتمسكون بما كان عليه أسلافكم الصالحون، فتنالون خير الدنيا والآخرة. وإما أن يكون الأمر بالعكس لين في الدين، وضعف في الشخصية، وانهيار أمام المثيرات، فتبوءون بالصفقة الخاسرة فيالها من خسارة لا تعوض! ويا له من كسر لا يجبر! إن انطبق عليكم قول الحق جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥]. اللهم اجعلنا هداة مهتدين نقول بالحق ونعمل به، اللهم اجعلنا هداة مهتدين نأمر بالمعروف ونأتمر به، وننهى عن المنكر ونجتنبه، اللهم لا تجعلنا ضالين ولا مضلين يا رب العالمين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أصلح نساء المسلمين أجمعين، اللهم خذ بأيدينا إلى طريقة النجاة يا رب العالمين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا جميعاً إنه هو الغفور الرحيم، واستغفروه يغفر لكم.

стр. 908

خطر الاختلاط بين الرجال والنساء الحمد لله كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لأمته صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً وكثيراً. أما بعد: فيا أمة الإسلام: اسمعوا القرآن وهو يناديكم بأشرف اسم ألا وهو اسم الإيمان، يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١] اسمعوا إلى تفصيل الآية الكريمة، اسمعوا يا من تماديتم في المباحات! يا من بدأتم تفتون لأنفسكم والله سائلكم عن فتاويكم يوم القيامة، يوم توقفون بين يدي الله ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١]. إذاً: ليس في الآية أن يبدين زينتهن للأصدقاء، وليس في الآية أن يبدين زينتهن للأقارب الذين ليسوا لهن بمحارم اسمعوا إلى كلام الله تفقهوا في دين الله لا تأخذكم الجاهلية العمياء، اسمعوا قول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. إن إبداء الزينة لا يباح إلا للمحارم فليتفطن لذلك الذين يدعون العقل، ليتفطن لذلك الذين يضربون بهذا القول المبين عرض الحائط، وكأنهم يقولون: لا سمع ولا طاعة إنهم يبيحون الاختلاط فيما بينهم إذا كانوا أصدقاء أو قرابة، ليس فيهم محارم للنساء، فإنهم يجتمعون جميعاً يمازح بعضهم بعضاً، ويأكل النساء والرجال جميعاً، بدعوى باطلة يقولون: إن القلوب نظيفة، سبحان الله! تعالى الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً. هل كانت قلوبكم يا من تسمرون مع الفيديو والتلفاز أنظف من قلوب الصحابة ﵃ وأرضاهم؟ إن بعض الصحابة لو وزن إيمانه بإيمان هذه الأمة لرجح إيمانه بإيمانهم جميعاً، لقد نزل عليهم القرآن بحضرتهم، وقال رسول الله ﷺ بحضرتهم: ﴿لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا والشيطان ثالثهما﴾ فقالوا: سمعنا وأطعنا، بجميع ما أمرهم الله به من أحكام الدين، فهنيئاً لهم، وأنعم بهم من رجال اختارهم الله لصحبة رسوله ﷺ . ثم جاء دورنا في القرن الرابع عشر، وقلنا: قلوبنا نظيفة، وقلنا: لا مانع من اختلاط الأصدقاء ونسائهم، وجلوسهم جميعاً، ولربما سلم بعضهم على بعضهم، وصافح نساء لسن له بمحرم ويفعلون هذا، ويعتبرونه تقدماً وتطوراً ومجاراة للعصر وهذا في الحقيقة معصية لله ولرسوله، وهبوط عن درجة الإسلام والإيمان إلى تقليد أعداء الإسلام والمسلمين ﴿ومن تشبه بقوم فهو منهم﴾ ونقص في إيمان الذين يفعلون هذا وعدم غيرة، فلو كان عندهم غيرة ما ترك الرجال الأجانب يتحدثون مع زوجته بصفتهم أصدقاء، إن هذا يفضي إلى قلة الحياء وعدم المبالاة من النساء. ومعلوم أن مصافحة المرأة للأجنبي حرام، وفيها وعيد شديد، فاتقوا الله -يا عباد الله- وأقلعوا عن العادات الجاهلية، التي جاء الإسلام ليحاربها ويزيلها، وليكن عندكم من الغيرة والحياء والمروءة ما تحامون به على أعراضكم ونسائكم، وتميزوا عن الغرب، وعن دعاة الشر والفساد بعفتكم وإسلامكم ولا تقلدوهم. واعلموا أنكم مسئولون أمام الله عن أولادكم ونسائكم، فاتقوا الله -يا أمة الإسلام- غيروا على أعراضكم، وحافظوا على شرفكم، ولا تجعلوا المرأة سلعة بين الأصدقاء وبين الشوارع، خافوا الله وراقبوه وأدوا ما عليكم من الحقوق لعلكم تفلحون وتنجون من عذاب الله يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون. واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار وعليكم بجماعة المسلمين، وعليكم بهدي رسول الله ﷺ ، اقتدوا برسول الله وبصحابته الكرام، وإياكم ومحدثات الأمور، وصلوا على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي بلغ البلاغ المبين، ونصح الأمة، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، وجنبنا جميعاً ما تغضبه وتأباه اللهم واجعلنا هداة مهتدين دعاة إلى سبيلك ناصحين لعبادك يا رب العالمين، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين وهب المسيئين منا للمحسنين، وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك يا رب العالمين. اللهم أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم اسقنا غيثاً مغيثا، هنيئاً مريئاً، سحاً غدقاً، مجللاً طبقاً، عاماً عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 909

تحريم الكبر إن الله ما حرم علينا الكبر إلا لحكمة يعلمها هو ، وقد ظهر لنا بعضها، وخفي علينا بعضها، والكبر كما فسره رسول الله ﷺ في الحديث فقال: ﴿الكبر بطر الحق وغمط الناس﴾. والكبر لا يأتي من فراغ إنما له أسباب منها: العلم، والنسب، والجاه، والسلطان، وغيرها من الأسباب الباعثة إليه. وله أنواع وله علاج، والكبر من الأسباب التي تمنع قبول الحق واستماع النصيحة، وقد وردت الآيات والأحاديث الكثيرة التي تدل على ذم التكبر والابتعاد عنه.

стр. 910

سبب تحريم الكبر الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له من بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبير المتعال ذو العظمة والكبرياء والجلال والعزة التي لا ترام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يا عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن الله حرم الكبر والإعجاب؛ لأنهما يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل، وليس لمن استوليا عليه قبول النصح ولا قبول التأديب؛ لأن المتكبر يعتقد في نفسه أنه جليلٌ عظيم متعال عن رتبة المتعلمين، وقد فسر النبي ﷺ الكبر بأنه: ﴿بطر الحق وغمط الناس﴾. والكبر والعجب من الصفات النفسية المرذولة، التي كثيراً ما تثير الغضب والحقد، وتورث العداوة والبغضاء، وتورث الاحتقار والازدراء بالناس واغتيابهم. الكبر يجافي الصدق وكظم الغيظ، وقبول النصح. الكبر يصد المرء عن النظر إلى عيوبه، ويحول بينه وبين العلم، وبينه وبين الانقياد للحق. وقول النبي ﷺ : ﴿الكبر بطر الحق﴾ معناه: رده ودفعه وعدم قبوله وهو عالم به، سواءٌ كان من حقوق الله أو من حقوق عباده. وقول النبي ﷺ : ﴿غمط الناس﴾ معناه: احتقارهم وتنقصهم، وذلك ناشئ عن عجب الإنسان بنفسه وتعاظمه عليهم وتنغصهم بقوله وفعله.

стр. 911

أسباب الكبر وللكبر أسبابٌ كثيرة فقد تكون عن صفة كمال كالعلم والنسب والجاه والسلطان، وربما نشأ عن غرور ووهم؛ بحيث يعتقد أنه أكمل من غيره خطأً وجهلاً، وهذا برهان على نقص عقله، ولذلك يقول بعض العلماء: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخل من ذلك الكبر، قل أو كثر.

стр. 912

العلم فإن كان الكبر ناشئاً عن العلم كان صاحبه مثالاً سيئاً، وقدوة رديئة، خصوصاً إذا دفعه الكبر إلى صفة ذميمة كالحسد والحقد، أو أفضى به إلى ارتكاب مظلمة من مظالم ارتكبها بيده أو لسانه، فإن ضرر هذا لا يقدر؛ لأن الناس يقتدون بالعلماء في أقوالهم وأفعالهم، فيستسهلون عند ذلك ارتكاب الجرائم وإشباع الصفات الذميمة، كمن يرى بعض العلماء يصلي في بيته، فإنهم يقتدون به ويقولون: الشيخ فلان يصلي في بيته، أو كما يرون بعض العلماء يحلق لحيته ويقولون: ذاك العالم الفلاني يحلق لحيته، أو يقولون: إن العالم الفلاني يستمع الأغاني، أو يقولون: إن العالم الفلاني يستعمل الربا، فإنه صار في هذا شر قدوة وأسوأها، فإن هذا إذا صدر من العلماء فإن فيه شراً عظيماً، وأيضاً لا ينتفع بعلمهم؛ لأنهم يكونون بعد ذلك ضعفاء الإرادة، ومن كان هذا شأنه فإن علمه وبالٌ عليه، وسوف يسأل عن علمه ماذا عمل به. أما العلم النافع: فهو الذي يربي الأنفس ويطهرها من الصفات الرديئة، ويعرف العبد بربه وبنفسه وخطر أمرها، وهذا يورث الخشية والتواضع، فيكون صاحبه مثالاً حسناً في الناس، وقدوةً صالحة في الأقوال والأفعال، هذا إذا كان الكبر في العلماء.

стр. 913

النسب أما إذا كان الكبر ناشئاً عن النسب، فإنه ربما يكون سبباً للطعن في أنساب الآخرين، وقد يؤدي إلى احتقارهم وازدرائهم، وقد فصل المسألة رب العالمين بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وفصلها رسول الهدى: ﴿لا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى﴾.

стр. 914

الجاه والسلطان وإن كان الكبر ناشئاً عن الجاه والسلطان، فإنه غالباً يفضي إلى شر أنواع الظلم وانتهاك المحارم من حقوق الله وحقوق خلقه، مثل ألا يبالي بهم، ولا يسمع شكواهم وخاصة الضعفاء، ومثل أن يعرض عن النصيحة وعن العلم بالحق، فإنه في هذه الحالة يكون متكبراً مذموماً ممقوتاً.

стр. 915

أعظم أنواع الكبر وعلاجه والكبر أنواع، وأعظم أنواع الكبر: الكبر على الله وعلى رسله، وهذا من أشر أنواع الكبر، ومن أراد علاج الكبر فقد ذكره العلماء، فقال بعضهم: أولاً أن يعرف الإنسان ربه ويعرف نفسه، فإنه إذا عرف ربه حق المعرفة، علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله جل وعلا، وإذا عرف نفسه علم أنه ضعيفٌ ذليل، لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع لرب العالمين والذلة لله، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢] ويقول جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] ففي هذه الآيات إشارة إلى خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسط أمره، أما أوله فإنه لم يكن شيئاً مذكوراً، وقد كان في حيز العدم دهوراً، ثم خلقه العزيز الحكيم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظاماً، ثم كسا العظام لحماً، ثم لما استتم الخلق جعله سميعاً بعد أن كان أصمَّ، وبصَّره بعد أن كان فاقد البصر، وقواه بعد أن كان ضعيفاً، وعلمه بعد أن كان جاهلاً، فمن كان هذا أوله، وهذه أحواله فمن أين له البطر والأشر والكبرياء والخيلاء، وهو الضعيف الحقير بالنسبة إلى قدرة الباري جل وعلا؟! فليتأمل العاقل -يا عباد الله- هل يليق الكبر بمن هذا أوله؟! وآخره أنه يسلب روحه! فهذا الإنسان الذي يجول ويصول يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحواسه وإدراكه وحركاته وجماله وجميع أحواله، فيعود جماداً كما كان أولاً، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته، ولا حركة فيه، ثم يوضع في التراب في مثواه الأخير في القبر، فيصير جيفة منتنة كما كان في الأول نطفة قذرة، فتبلى أعضاؤه، وتتفتت أجزاؤها، وتنخر عظامه، ويأكل الدود أجزاءه، ويستقذره الإنسان، وأحسن أحواله أن يعود تراباً كما كان، ثم يحييه الذي خلقه أول مرة، فيقاسي البلاء والشدائد، والأهوال والمزعجات فيخرج من قبره كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤] فينظر إلى قيامة قائمة، وسماء منفرجة منشقة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكشفة، وأحوال مظلمة، وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر. فيا ويل المجرمين مما أمامهم في ذلك اليوم العظيم! اللهم اهدنا إلى أحسن الأخلاق والأعمال وأحبها إليك، لا يهدينا لأحسنها وأحبها إليك إلا أنت، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين وأنت راضٍ عنا يا كريم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →